← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فلما بلغه وفاة الشهيد كاتبه الأمير مجير الدين آبق (١) بن محمد بن بورى بن طغتكين - صاحب دمشق - في تسليمها، وبذل له أموالا [كثيرة (٢)] وقرايا من أعمال دمشق، فسلّمها إليه، وانتقل نجم الدين أيوب إلى دمشق، وأقام بها، وذلك لأربع بقين من ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وأربعين [٦٥] وخمسمائة - وتسلم نور الدين من حاجب أبيه صلاح الدين محمد بن أيوب الياغيسيانى (٣) حماة، وعوضّه عنها مدينة حمص وقلعتها، قلت: وهكذا ذكر ابن منقذ؛ وذكر ابن الاثير: أن حمص كانت بيد الأمير سيف الدين غازى، وإنما تسلمها نور الدين بعد، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر عصيان الرّها (٤) وعودها إلى المسلمين وكنا قد ذكرنا افتتاح الرّها، افتتحها الأمير عماد الدين زنكى من الإفرنج، وكانت لجوسلين بن جوسلين (٥)، وكانت له أيضا من غربى الفرات تل باشر، فلما قتل الشهيد راسل جوسلين (٥) أهل الرّها، وعامتهم من الأرمن، وحملهم على العصيان على المسلمين وتسليم البلد إليه، فأجابوه إلى ذلك، وواعدهم (٦)

стр. 142

يوما يصل إليهم فيه، وسار في عساكره إلى الرها، فملك البلد، وعصت عليه القلعة بمن فيها من المسلمين، فقاتلهم، وبلغ ذلك ثور الدين ﵀ وهو بحلب، فسار مجدا إليها بعسكره، فلما قاربها خرج جوسلين منها هاربا إلى بلده، ودخل نور الدين المدينة فنهبها وسبى أهلها (١)، فخلت منهم ولم يبق بها إلا القليل، ولما بلغ خبر الفرنج إلى سيف الدين بالموصل (٢) جهّز العساكر إلى الرّها فوصلت وقد ملكها نور الدين، فبقيت في يده، ولم يعارضه فيها أخوه سيف الدين. وفى هذه السنة رحل الأمير سيف الدين إلى الشام، وكان أخوه نور الدين قد خافه واستشعر منه، وأخوه سيف الدين يكاتبه ويستميله، فلما وصل سيف الدين إلى الشام استقرت القاعدة بينهما على أن يجتمعا خارج العسكر السيفى، ومع كل واحد منهما خمسمائة فارس، فلما كان يوم الميعاد سار نور الدين من حلب في خمسمائة فارس، وسار سيف الدين من معسكره في خمسة فوارس، فلم يعرف نور الدين سيف الدين حتى قرب منه، فحين عرفه ترجّل له، وقبّل الأرض بين يديه، وأمر أصحابه بالعود عنه، فعادوا، وقعد سيف الدين ونور الدين بعد أن اعتنقا وبكيا، فقال له سيف الدين: «لم امتنعت من المجئ إلىّ، كنت تخافنى على نفسك؟ [٦٦] والله ما خطر ببالى ما تكره (٣)، فلمن أريد البلاد، ومع من أعيش، وبمن اعتضد، إذا فعلت السوء مع أخى وأحب الناس إلىّ؟» فاطمأن نور الدين،

стр. 143

وسكن روعه، وعاد إلى حلب، وتجمل (١) وعاد بعسكره إلى خدمة أخيه سيف الدين، فأمره سيف الدين بالعود وترك عسكره عنده، وقال له: «لا غرض لى في مقامك عندى، وإنما غرضى أن تعلم الملوك والفرنج اتفاقنا، فمن يريد السوء بنا يكفّ عنه»، فلم يرجع نور الدين ولزمه إلى أن قضيا ما كانا عليه، وعاد كل منهما إلى بلده. وفى سنة اثنين وأربعين وخمسمائة دخل نور الدين بلد الفرنج، ففتح مدينة أرتاح (٢) وعدة حصون. وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة نازل ملك الألمان (٣) بجموعه، ومن انضم إليه من فرنج الساحل مدينة دمشق - وصاحبها مجير الدين آبق بن محمد، والقيّم بأمر دولته معين الدين أنر مملوك جده طغتكين - فزحفوا إلى البلد سادس ربيع الأول، وقاتلوا أهله قتالا شديدا؛ ثم نزل الفرنج على الميدان الأخضر (٤)، وضاق الأمر على أهل البلد، وأيقنوا أن العدو يملكه، وراسل الأمير معين الدين سيف الدين غازى بن زنكى صاحب الموصل يدعوه إلى نصرة المسلمين، فسار إلى الشام، واستصحب أخاه نور الدين محمود بن زنكى - صاحب حلب - فنزلوا بمدينة حمص، وأرسل سيف الدين إلى معين الدين يقول له: «قد حضرت ومعى

стр. 144

كل من يحمل السلاح في بلادى، فأريد أن تكون نوابى بمدينة دمشق لأحضر وألقى الفرنج، فإن انهزمت دخلت أنا وعسكرى البلد، واحتمينا به، وإن ظفرنا فالبلد لكم لا ينازعكم فيه أحد.» وأرسل إلى الفرنج يتهددهم إن لم يرحلوا عن البلد وإلا أتيتهم. فكفّ الفرنج عن القتال، وقوى أهل البلد على حفظه، واستراحوا من الحرب. وأرسل معين الدين إلى الفرنج الغربا يقول لهم: «إن ملك الشرق قد حضر، فإن رحلتم وإلا سلمت البلد إليه، وحينئذ تندمون». [٦٧] وأرسل إلى أهل الساحل ويقول لهم: «بأى عقل تساعدون هؤلاء علينا وأنتم تعلمون أنهم إن ملكوا مدينة دمشق أخذوا ما بأيديكم من البلاد الساحلية، وأما أنا إن رأيت الضعف عن حفظ البلد سلمته إلى سيف الدين، وأنتم تعلمون أنه إن ملك دمشق لا يبقى لكم معه مقام بالشام». فأجابوا بالتخلى عن ملك الألمان، وبذل لهم حصن بانياس، فاجتمعت الفرنج الساحلية بملك الألمان وخوّفوه من استيلاء سيف الدين على دمشق، وأنه إن ملكها لا يكون لهم به طاقة، ولم يزالوا به حتى رحل عن دمشق، وتسلموا بانياس، ورجع ملك الألمان إلى بلاده، وقد ذكرناه. وفى هذه النوبة قتل شاهنشاه بن نجم الدين (١) أيوب جد جد مولانا السلطان الملك المنصور (٢) - صاحب حماة، خلّد الله سلطانه (٣) - على باب دمشق، قتلته الفرنج المحاصرون للبلد، ودفن بالشرف ظاهر مدينة دمشق، وخلّف ولدين،

стр. 145

هما: الملك المظفر تقى الدين عمر، والملك المنصور عز الدين فروخ شاه، وهو أبو الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه - صاحب بعلبك -. ذكر استيلاء نور الدين محمود بن زنكى ﵀ على حصن العزيمة لما خرج ملك الألمان إلى دمشق كان معه ولد الأدفونش (١) وكان جده هو الذى فتح طرابلس الشام، فأخذ ولد الأدفونش حصن العزيمة، وأظهر أنه يريد أخذ طرابلس، فأرسل القومص إلى نور الدين محمود ومعين الدين يدعوهما إلى قصد العزيمة وأخذها، فقصداها من دمشق، واستمدا سيف الدين غازى، فأمدهما بعسكر كبير مع الأمير عز الدين الدبيسى فقطع جزيرة ابن عمر، فنازلوا حصن العزيمة وبه ابن الأدفونش وضايقوه، وتقدم إليه النقابون فنقبوه، وتسلموا الحصن، وأخذوا ابن الأدفونش وكل من بالحصن، وأخربوه وعادوا عنه. كسرة الفرنج بيغرى (٢) وفى هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة - تجمع الفرنج بمكان يقال له يغرى ليقصدوا أعمال حلب، فقصدهم نور الدين محمود بن زنكى، فالتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فكسر الفرنج كسرة قبيحة، وقتل أكثرهم، وأسر جماعة [٦٨] من مقدميهم، ولم ينج منهم إلا القليل، وأرسل من الغنيمة والأسرى

стр. 146

إلى أخيه سيف الدين غازى وإلى الخليفة الإمام المقتفى لأمر الله، وللسلطان مسعود ابن محمد بن ملكشاه. وفى هذه الوقعة قال أبو عبد الله محمد بن صغير بن القيسرانى قصيدة يمدح بها نور الدين محمود ﵀. أولها: يا ليت أنّ الصدّ مصدود! ... أولا، فليت النوم مردود إلى متى تعرض عن مغرم ... في خدّه للدمع أخدود ومنها: وكيف لا يثنى (١) على عيشنا ال ... ـمحمود، والسلطان محمود وصارم الإسلام لا ينثنى ... إلا وشلو الكفر مقدود مناقب لم تك (٢) موجودة ... إلا ونور الدين موجود وكم له من وقعة يومها ... - عند ملوك الشرك - مشهود والقوم: إما مرهق صرعة، ... أو موثق بالقدّ مشدود حتى إذا عادوا إلى مثلها ... قالت لهم هيبته: عودوا وفى سنة أربع وأربعين وخمسمائة قصد سيف الدين غازى بن زنكى - صاحب الموصل - دارا، وكانت لوالده عماد الدين، فلما قتل أخذها الأمير حسام الدين تمرتاش بن إيل غازى بن أرتق - صاحب ماردين -، ولما دخلت هذه السنة قصدها سيف الدين فملكها، واستولى على كثير من بلد ماردين بسببها، ثم قصد ماردين وحصرها، ثم راسله صاحب ماردين وزوّجه ابنته، فرحل سيف الدين عن ماردين، وعاد إلى الموصل، وجهّزت الخاتون ابنة حسام الدين، وسفّرت إليه، فوصلت إلى الموصل وهو مريض، فتوفى ولم يدخل بها.

стр. 147

ذكر وفاة سيف الدين غازى بن زنكى ابن آق سنقر ﵀ - لما عاد سيف الدين إلى الموصل عرض له مرض حاد، فاستدعى له من بغداد أوحد الزمان أبو البركات البغدادى (١) - صاحب المعتبر في الحكمة - فحضر عنده، ورأى شدة مرضه، فعالجه فلم ينجع له فيه دواء، فتوفى آخر جمادى الآخرة من هذه السنة [٦٩]- أعنى سنة أربع وأربعين وخمسمائة - فكانت مدة ولايته ثلاث سنين وشهرا وعشرين يوما، وكان جميل الصورة، وكان عمره نحوا من أربع وأربعين سنة، لأن مولده كان سنة خمسمائة، ودفن بالمدرسة التي بناها بالموصل، وخلّف ولدا ذكرا ربّاه عمه نور الدين محمود، وزوّجه ابنة أخيه قطب الدين مودود بن زنكى، فتوفى ولد سيف الدين شابا، وانقرض عقبه. ذكر سيرة سيف الدين ﵀ - كان جوادا كريما شجاعا، وهو الذى بنى المدرسة الأتابكية بالموصل، وقفها على الفريقين الحنفية والشافعية، بنى رباطا للصوفية، وكان مقصدا للشعراء، فقصده شهاب الدين الحيص بيص (٢)، وامتدحه بقصيدة أولها:

стр. 148

إلام يراك المجد (١) في زىّ شاعر ... وقد نحلت شوقا فروع المنابر فوصله بألف دينار سوى الخلع. وكان سيف الدين يحمل على رأسه السنجق (٢)، ولم يكن يفعل ذلك أبوه ولا أحد من أصحاب الأطراف، فلما فعل ذلك اقتدى به غيره، وألزم الجند أن لا يركب أحد إلا بالسيف في وسطه، والدبوس (٣) تحت ركبه. ذكر استيلاء قطب الدين مودود بن عماد الدين زنكى على الموصل لما توفى سيف الدين غازى كان قطب الدين مودود مقيما بالموصل، فاتفق الوزير جمال الدين محمد بن على الأصفهانى والأمير زين الدين على كوجك صاحب إربل والمقدّم على الجيوش على تمليك قطب الدين، فاستحلفوه وحلفوا له، وأركبوه إلى دار السلطنة، وزين الدين ماش في ركابه، وتسلّم جميع ما كان بيد سيف الدين من البلاد، وتزوج الخاتون (٤) ابنة حسام [الدين] تمرتاش بن إيلغازى بن أرتق صاحب ماردين،

стр. 149

فولد له منها سيف الدين غازى وعز الدين مسعود وغيرهما، وكانت هذه المرأة يحل لها أن تظهر بخمسة عشر ملكا من أبائها وأجدادها وأخوتها وبنى أخوتها وأزواجها وأولادها وأولاد أولادها، وأشبهت من النساء في ذلك في الزمن القديم عاتكه بنت يزيد بن معاوية، فإنه كان يحل لها أن تظهر لثلاثة عشر خليفة ما بين أب وجد وأخ وابن أخ وولد أخ وزوج، وفى زمننا [٧٠] هذا ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب لم تمت حتى رأت من أولاد أخيها جماعة كبيرة كل منهم ملك على طرف من الأطراف. ذكر استيلاء نور الدين محمود بن زنكى على سنجار لما ملك قطب الدين الموصل كان أخوه نور الدين بحلب، وهو أكبر منه، فكاتبه بعض الأمراء وطلبوه إليهم، منهم المقدّم والد شمس الدين بن المقدّم، وكان دزدارا بسنجار (١) فسار نور الدين جريدة في سبعين فارسا من أكابر دولته، منهم الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذى، ومجد الدين أبو بكر بن الداية، فوصل إلى ماكسين (٢) في ستة أنفس في يوم شديد المطر، ولم يعرفه الذين بالباب، فأرسلوا إلى الشحنة، وأخبروه أنه وصل نفر من الأجناد كأنهم تركمان، فلم يتم القاصد كلامه حتى وصل نور الدين، فحين رآه الشحنة قبّل يده وخرج عن الدار، فنزلها نور الدين حتى لحق به أصحابه، فسار مجدا إلى سنجار، فوصلها وليس معه إلا نفر يسير، ونزل ظاهر البلد وألقى نفسه على محفورة صغيرة من شدة تعبه، وأرسل إلى المقدّم دزدار القلعة يعرفه بوصوله، وكان المقدّم قد استدعى من الموصل، لأن

стр. 150

مكاتبته لنور الدين كانت قد بلغتهم، فأرسلوا إليه، فتوقف عدة أيام فلم يصل إليه نور الدين، فسار إلى الموصل وترك ابنه شمس الدين محمد بسنجار، وقال له: «أنا أتأخر في الطريق، فإن وصل نور الدين فأرسل من يعلمنى»، فلما فارق سنجار وصل نور الدين، فلما علم شمس الدين بوصوله أرسل قاصدا إلى أبيه بالخبر، وأنهى الحال إلى نور الدين، فخاف فوات الأمر ووصل القاصد الذى سيّره شمس الدين ابن المقدّم إلى أبيه، فأدركه بتلّ يعفر (١)، فعاد إلى سنجار وسلمها إلى نور الدين، وكاتب الأمير فخر الدين قر أرسلان بن داوود بن سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا (٢) يستنجده، وبذل له قلعة الهيثم، فسار إليه، فلما سمع قطب الدين الخبر جمع العساكر، وسار نحو سنجار، ونزل بتل يعفر. ذكر الصلح بين قطب الدين وأخيه نور الدين ورد سنجار إلى قطب الدين [٧١] ولما نزل قطب الدين بتل يعفر راسل زين الدين على كوجك وجمال الدين - وزير قطب الدين - نور الدين أخاه، وأنكروا عليه إقدامه على أخذ ما ليس له، وتهددوه بقصده، وأخذ البلاد من يده قهرا إن لم يرجع اختيارا، فأجاب: «إننى أنا الأكبر وأنا أحق أن أدبر أخى منكم، وما جئت إلا لما تتابعت إلىّ كتب الأمراء يذكرون كراهتهم لولايتكم عليه، فخفت أن يحملهم الغيظ والأنفة على أن يخرجوا البلاد من أيدينا، وأما تهديدكم إياى بالقتال

стр. 151

فأنا ما أقاتلكم إلا بجندكم»، وكان قد هرب إليه جماعة من الأجناد فخافوا من مخامرة الأمراء عليهم إذا لقوه، فأشار الوزير جمال الدين بالصلح، وقال: «نحن نظهر للسلطان والخليفة أننا تبع لنور الدين، ونور الدين يظهر للفرنج أنه يحكمنا، ويتهددهم بنا، فإن كاشفناه وحاربناه، فإن ظفر بنا طمع فينا السلطان، وإن ظفرنا به طمع فيه الفرنج، ولنا بالشام حمص، وله عندنا سنجار، فهذه أنفع لنا من تلك، وتلك أنفع له من هذه، والرأى تسليم حمص إليه، وأخذ سنجار منه». فاتفق رأى الجماعة على ذلك، وسار جمال الدين إلى نور الدين، فأبرم معه الأمر، وتسلم حمص، وسلّم سنجار إلى أخيه، وعاد نور الدين إلى الشام، فأخذ ما كان له بسنجار من المال. ولما تسلّم قطب الدين سنجار أقطعها لزين الدين على كوجك، واتفقت كلمتهم، واتحدت آراؤهم، وطلب نور الدين جمال الدين فامتنع، واعتذر باحتياج قطب الدين إليه، واستغنى نور الدين عنه برأيه ومعرفته، فأطلق له نور الدين عشرة آلاف دينار كل سنة تحمل إليه ليصرفها في مصالحه، فكان نائبه بالشام يقبضها كل سنة، ويشترى له بها أسرى من الفرنج ويطلقهم. ذكر قتل البرنس صاحب أنطاكية وكسرة الفرنج وفى هذه السنة - سنة أربع وأربعين وخمسمائة - قصد نور الدين الدين بن زنكى ﵀ حصن حارم - وهو للفرنج - فخرّب ربضه، ونهب سواده، ثم رحل إلى إنّب (١) فحاصره، فحشد البرنس صاحب أنطاكية (٢)، فلقيه نور الدين.

стр. 152

[٧٢] واقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم خلق كثير، وأسر مثلهم، وقتل البرنس صاحب أنطاكية، وكان عاتيا من عتاة الفرنج، وعظيما من عظمائهم، فملك بعده ولده بيمند (١) - وهو طفل - فتزوجت أمه (٢) برجل من الفرنج ليدبر ولدها الطفل إلى أن يكبر؛ ثم قصد نور الدين الفرنج مرة [أخرى]، فجمعوا ولقوه فقتل منهم وأسر، فكان من جملة الأسرى زوج أم بيمند، فمدح الشعراء نور الدين، فممن مدحه: أبو عبد الله محمد بن صغير بن القيسرانى بقصيدة أولها: هذى العزائم لا ما تدّعى القضب ... وذى المكارم لا ما قالت الكتب وهذه الهمم اللائى إذا خطبت ... تعثرّت خلفها الأشعار والخطب صافحت يا بن عماد الدين ذروتها ... براحة للمساعى دونها التعب ما زال جدّك يبنى كل شاهقة ... حتى بنى قبة أوتادها الشهب أغرت (٣) سيوفك في الأفرنج راجفة ... فؤاد رومية الكبرى لها يجب ضربت كبشهم منها بقاصمة ... أودى لها الصلب وانحطت لها الصلب طهّرت أرض الأعادى من دمائهم ... طهارة كل سيف عندها (٤) جنب حتى استطار (٥) شرار الزند قادحه ... فالحرب تضرم والآجال تحتطب من كان يغزو بلاد الشرك مكتسبا ... من الملوك، فنور الدين محتسب

стр. 153

ذو غرّة ما سمت والليل معتكر ... إلا تمزق عن شمس الضحى الحجب أفعاله كاسمه في كل حادثة ... ووجهه نائب عن وصفه اللقب ومدحه آخر (١) بقصيدة أولها: أقوى الضلال وأقفرت عرصاته ... وعلا الهدى وتبلجت قسماته (٢) وانتاش دين محمد محموده ... من بعد ما غلبت (٣) دما عبراته ردّت على الإسلام عصر شبابه ... وثباته من دونه، وثباته [٧٣] أرسى قواعده ومدّ عماده ... صعدا وشيّد سوره سوراته وأعاد وجه الحق أبيض ناصعا ... أصلاته، وصلاته، وصلاته وفى هذه السنة توفى معين الدين أنر القيّم بتدبير دولة مجير الدين آبق بن محمد - صاحب دمشق -. ذكر فتح أفامية وفى سنة خمس وأربعين وخمسمائة سار نور الدين محمود بن زنكى ﵀ إلى حصن أفامية - وهو للفرنج - فقاتل من به، وضيّق عليهم، فاجتمع الفرنج وساروا نحوه ليرحلوه عنه، فلم يصلوا إلا وقد ملكه وملأه ذخائر وسلاحا ورجالا وجميع ما يحتاج إليه، فلما بلغه سير الفرنج رحل عنه، وقد فرغ من أمره، وسار للقائهم، فحين رأوا قوة عزمه، وأن الحصن قد ملك، عدلوا عن طريقه، ودخلوا بلادهم.

стр. 154

ذكر انهزام نور الدين من الفرنج في سنة ست وأربعين وخمسمائة جمع نور الدين ﵀ عساكره، وسار إلى بلاد جوسلين بن جوسلين صاحب تل باشر وعين تاب وعزاز، وكان جوسلين أشد الفرنج شجاعة وأقواهم بأسا وأصحهم رأيا وأعظمهم مكيدة، فجمع جمعا كثيرا من الفرنج وسار نحو نور الدين، فالتقوا، فانهزم المسلمون وقتل منهم وأسر خلق كثير، وكان من جملة الأسرى سلاح دار (١) نور الدين، فأخذه جوسلين ومعه سلاح نور الدين، وسيّره إلى الملك مسعود (٢) بن قلج أرسلان بن سليمن ابن قطلمش السلجوقى - صاحب بلاد الروم - وقال له: «هذا سلاح زوج ابنتك وسيأتيك بعده ما هو أعظم منه»، وبلغ ذلك نور الدين فعظم عليه. ذكر وقوع جوسلين في أسر نور الدين ﵀ - ثم شرع نور الدين في إعمال الحيلة على جوسلين، فأرغب جماعة ممن معه من التركمان، ووعدهم الوعود الجميلة إن أتوه بجوسلين أسيرا أو عقيرا (٣)، فأدلوا عليه العيون، فاتفق أنه خرج متصيدا فظفر به طائفة منهم فوعدهم بمال جزيل إن أطلقوه، فأجابوه إلى الاطلاق إن حضر المال، فأرسل في إحضاره، فمضى بعضهم [٧٤] إلى الأمير مجد الدين بن الداية - النائب بحلب - وأعلمه الحال، فسيّر عسكرا، فكبسوا أولئك التركمان ومعهم جوسلين، فأخذوه أسيرا وأحضروه إلى نور الدين.

стр. 155

وذكر الأمير مؤيد الدولة بن منقذ أن أسر جوسلين إنما كان في سنة خمس وأربعين وخمسمائة، وذكر أن صورة أسره أنه خرج من مدينة تل باشر، وسار في الليل فأدركه النوم، فنزل ومعه نفر يسير من أصحابه، وقال لباقى أصحابه: «انطلقوا فأنا ألحقكم» ونزل فنام، فمرت به سريّة من التركمان اتفاقا، فانهزم أصحابه، وأخذ جوسلين أسيرا، وهم لا يعرفونه، فاجتازوا به من الغد على رجل أرمنى، فجاء وقبّل يده، فقالوا له التركمان: «من هذا؟» فقال: «هذا جوسلين صاحب تل باشر»، فلما عرفوه احتفظوا به؛ وبلغ خبره إلى مجد الدين أبى بكر بن الداية - النائب بحلب - فأحضر التركمان وأعطاهم حتى أرضاهم، وأخذ جوسلين وتركه عنده، فلما وصل نور الدين إلى حلب كحل جوسلين وأهلكه. ذكر فتح تل باشر وكاتب النواب بتل باشر في هذه السنة نور الدين - أعنى سنة ست وأربعين وخمسمائة - في أن يتسلمها، وكان نور الدين ﵀ نازلا بدمشق، فكتب إلى مجد الدين أبى بكر بن الداية ليمضى إليها ويتسلمها، فمضى إليها وتسلمها يوم الخميس لخمس بقين من ربيع الأول من السنة؛ ثم تسلم عين تاب وعزاز وتل خالد وقورس والراوندان وبرج الرصاص وحصن البارة وكفر سود وكفرلاثا (١) في مدة قريبة، وسنذكر ذلك. وفى أسر جوسلين يقول محمد بن صغير بن القيسرانى من قصيدة: كما أهدت الأقدار للقمص أسره ... وأسعد قرن من حواه لك الأسر

стр. 156

طغى وبغى (١) عدوا على غلوائه ... فأورثه البغى العداوة والكفر وأمست عزاز كاسمها بك عزة ... تشق على النّسرين لو أنها وكر كأنى بهذا العزم لا فلّ حدّه ... فأقصاه بالأقصى وقد قضى الأمر [٧٥] فسروا ملك (٢) الدنيا ضياء وبهجة ... فبالأفق الداجى [إلى (٣)] اذا السنا فقر وقد أصبح البيت المقدس طاهرا ... وليس سوى جارى الدماء له طهر ذكر كسرة الفرنج بدلوك (٤) وفتحها وفى سنة سبع وأربعين وخمسمائة تجمعت الفرنج وحشدت فارسهم وراجلهم وساروا نحو نور الدين محمود بن زنكى ﵀ وهو ببلاد جوسلين ليمنعوه من تملكها وأخذها، فوصلوا إليه وهو بدلوك، فوقع المصاف بها، واقتتلوا قتالا شديدا، وصبر الفريقان عليه، فانكسر الفرنج، وقتل منهم وأسر عدد كثير، وملك دلوك واستولى عليها. ذكر استيلاء محمود بن زنكى على مدينة دمشق وخروج الملك عن بيت طغتكين آخر من ملك دمشق من بيت الأمير ظهير الدين أتابك طغتكين الأمير مجير الدين آبق بن جمال الدين محمد بن تاج الملوك (٥) بورى بن طغتكين، وكان القيّم

стр. 157

بتدبير أمره معين الدين أنر مملوك جده، وكان الحكم له، وليس لمجير الدين إلا مجرد الاسم، ثم توفى معين الدين سنة أربع وأربعين وخمسمائة. ولما كانت هذه السنة - وهى سنة سبع وأربعين وخمسمائة - نازل الفرنج عسقلان - وهى للمصريين - فأخذوها وكان نور الدين لما نازل العدو عسقلان يتأسف إذ لا يمكنه الوصول إليهم، ودفعهم عنها بسبب توسط دمشق بينه وبينهم، فلما ملكها العدو وقووا وطمعوا في ملك دمشق، واستضعفوا مجير الدين، وتابعوا الغارة على أعماله، وأكثروا القتل بها والنهب والسبى، وأفضى الأمر بالمسلمين إلى أن جعل الفرنج على دمشق قطيعة في كل سنة، وكان رسولهم يجئ ويجبيها من البلاد؛ ثم اشتد البلاء حتى أرسل الفرنج واستعرضوا عبيدهم وإماءهم الذين نهبوا من سائر بلاد النصرانية، وخيّروهم بين المقام عند مواليهم والعود إلى أوطانهم، فمن أحب المقام تركوه، ومن أحب وطنه سار إليه، وقلّت حرمة مجير الدين عند أهل دمشق إلى أن حصروه في القلعة مع إنسان من أكابر أهل البلد يقال له مؤيد الدين ابن الصوفى. ولما اتصل ذلك بنور الدين لحقته الحميّة، وخاف من [٧٦] استيلاء العدو على بلاد المسلمين، وأهمّه أهل دمشق، وعمل الحيلة في ملكها حيث علم أنه إن قصدها ورام أخذها بالغلبة استمال صاحبها الفرنج واستعان بهم على حربه، فاستمال نور الدين حينئذ مجير الدين صاحبها ولاطفه وأظهر مودته وواصله بالهدايا والتحف حتى وثق به، ثم كان في بعض الأحيان يقول له: «إن فلانا من الأمراء قد كاتبنى في تسليم البلد إلىّ»، فيبعد مجير الدين ذلك الأمير ويأخذ إقطاعه، وفعل ذلك مرارا حتى أبعد مجير الدين عنه أكثر الأمراء، وبقى عنده أمير يقال له عطاء بن حفاظ السلمى، وكان شهما شجاعا، ففوّض إليه مجير الدين أمر دولته؛ وكان نور الدين

стр. 158

لا يتمكن معه مما يريد، فاتفق أن مجير الدين قبض عليه وقتله، فتم غرض نور الدين إلى دولته، وكاتب الأحداث بدمشق ووعدهم الإحسان إليهم واستمالهم إليه، ثم سار إلى دمشق وحصرها، فأرسل مجير الدين إلى الفرنج وبذل لهم الأموال، ووعدهم تسليم بعلبك إليهم إن نجدوه ورحّلوا نور الدين عنه؛ فجمعوا فارسهم وراجلهم، ولم يجتمع جمعهم إلا وقد تسلّم نور الدين البلد. وكان صورة تسلمه له أن الأحداث ثاروا وفتحوا الباب الشرقى فدخله نور الدين وملك البلد، وحصر مجير الدين في القلعة، وراسله في التسليم، وبذل له إقطاعا من جملته حمص، فأجاب إلى ذلك، وسلم قلعة دمشق إلى نور الدين، وسار إلى حمص ثم إنه راسل أهل دمشق ليسلموا إليه البلد، وعلم نور الدين بذلك، فأخذ منه حمص، وسلّم إليه بالس، فلم يرضها، وسار عنها إلى بغداد وأقام بها، وابتنى دارا بالقرب من مدرسة النظامية، وتوفى بها، وصفت الممالك بالشام لنور الدين. وذكر ابن الأثير أن فتح تل باشر كان في هذه السنة، وأن نور الدين بعث إلى حسّان - صاحب منبج - في أن يتسلمها فتسلمها. وكنا حكينا عن ابن منقذ أن تسلمها كان في سنة ست وأربعين، وما ذكره ابن الأثير هو الأصح، فإنه ذكر أنه لما ورد عليه رسل النواب بتل باشر يبذلون التسليم إليه كان نور الدين نازلا على دمشق، ومنازلة الماء كانت في هذه السنة. ذكر منازلة نور الدين ﵀ حارم [٧٧] وفى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة حاصر نور الدين محمود بن زنكى ﵀ قلعة حارم وهى لبيمند - صاحب أنطاكية -؛ فجمع الفرنج وسار إلى لقائه، فمنعوها منه، وكان في الحصن رجل من دهاة الأفرنج يرجعون إلى رأيه

стр. 159

وعقله، فأرسل إليهم يقول لهم: «إننا نقدر على حفظ القلعة، وليس بنا ضعف، فلا تخاطروا باللقاء، فإنه إن هزمكم أخذها وغيرها، والرأى مطاولته، فأرسلوا إليه وصالحوه على أن تعطوه نصف أعمال حارم». واصطلحوا على ذلك ورحل عنهم. وفى سنة اثنين وخمسين وخمسمائة كانت الزلزلة العظيمة التي هدمت حماة وشيزر، وهلك تحت الردم بنو منقذ (١) الكنانيون - أصحاب شيزر - فبادر إليها نور الدين فملكها، وأضافها إلى ممالكه، وكانت هذه الزلزلة عظيمة جدا، أهلكت حماة وشيزر، وذكر بعض من أدركها أنه قال بعض معلمى الكتاب: «كان عندى خلق من الصبيان هلكوا كلهم، فما جاء أحد من أقاربهم سأل عن هلاك من هلك له»، وهذا يدل على أنها أهلكت أقارب أولئك الصبيان كلهم، وكانوا بنو منقذ اجتمعوا ذلك اليوم في مكان، وعندهم قرد يلعب بين أيديهم، فوقع البناء عليهم فأهلكهم كلهم، ولم يسلم إلا ذلك القرد، فإنه هرب إلى بستان هناك من شباك الدار التي كانوا فيها، فسلم وحده، وارتدم الحصن الذى لهم حتى كأنه لم يكن. ذكر استيلاء نور الدين على بعلبك وفى هذه السنة - سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة - ملك نور الدين بعلبك، وقد ذكرنا تملك عماد الدين بن زنكى لها، تم تسليم نائبه بها نجم الدين أيوب بن شاذى بعلبك إلى صاحب دمشق، فاستناب بها رجلا يقال له ضحّاك البقاعى (٢)، فلما ملك

стр. 160

نور الدين دمشق امتنع ضحّاك ببعلبك، ولم يمكن نور الدين محاصرتها لقربها من الفرنج، وخاف إن حاصرها يسلمها ضحّاك إليهم، فتلطف الحال معه إلى أن عوّضه عنها وتسلّمها، وفى ذى الحجة من هذه السنة توفى عز الدين الدبيسى صاحب جزيرة ابن عمر، وهو من أكبر الأمراء العمادية. [٧٨] ذكر استيلاء نور الدين على مدينتى بصرى وصرخد كانت صرخد بيد الأمير أمين الدولة كمشتكين (١) من جهة الأمير ظهير الدين أتابك طغتكين، وكان ببصرى التيتاش (٢) غلام أمين الدولة، فتوفى أمين الدولة في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، فصار غلامه التيتاش إلى صرخد فملكها، واجتمعت له بصرى وصرخد، وأظهر المشاقة لصاحب دمشق، وسار إلى الفرنج يستنجد بهم، فسار الأمير معين الدين أنر مقدم الجيوش بدمشق إلى تلك الناحية، فلما خرج الفرنج لنصرة التيتاش، وهو معهم، سار إليهم معين الدين فكسرهم، وعادوا مخذولين إلى بلادهم، ومعهم التيتاش، ونزل الأمير معين الدين على صرخد وبصرى في ذى القعدة سنة إحدى وأربعين وخمسمائة، وأقام محاصرا لها شهرين فملكها، وانفصل التيتاش عن الفرنج، وعاد إلى دمشق بغير أمان، وكان في أيام ولايته قد قبض على أخيه خطلخ فكحله، وأخرجه من عنده، فلما وصل التيتاش إلى دمشق حاكمه أخوه خطلخ وكحله بالشرع قصاصا، ولما ملك الأمير معين الدين قلعتى بصرى وصرخد، سلم صرخد إلى الأمير مجاهد الدين

стр. 161

بزان بن يامين (١) الكردى، وسلّم بصرى إلى حاجبه فارس الدولة صرخيك (٢)، ثم توفى مجاهد الدين بزان بصرخد ليلة ثانى صفر سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فملكها بعده ولده سيف الدين محمد بن بزان، فأخذها منه نور الدين ﵀ بعد امتناع، وعوّضه عنها حصن أبى قبيس، وقتل فارس الدولة صرخيك صاحب بصرى في المحرم سنة خمسين وخمسمائة، قتله ابن الحاجب جواه (٣) زوج ابنته، فأخذها نور الدين ﵀ وولّى فيها نوابه. ذكر خروج أمير أميران (٤) بن زنكى على أخيه نور الدين وفى سنة أربع وخمسين وخمسمائة مرض نور الدين ﵀ بقلعة حلب، واشتد مرضه، وأرجف الناس بموته، فجمع أخوه الأصغر أمير أميران بن زنكى الناس، وحصر قلعة حلب، وكان الأمير أسد الدين شيركوه بن شاذى بحمص، وهو مقطعها، فسار إلى [٧٩] دمشق ليتغلب عليها، وبها أخوه (٥) نجم الدين أيوب ابن شاذى، فأنكر عليه نجم الدين ذلك وقال: «أهلكتنا، والمصلحة أن تعود

стр. 162

إلى حلب مجدا، فإن كان نور الدين حيّا خدمته في هذا الوقت، وإن كان قد مات فأنا في دمشق تفعل ما تريد من تملكها»؛ فعاد إلى حلب مجدا وصعد القلعة، وأجلس نور الدين في شباك يراه الناس، وكلّمهم فلما رأوه حيّا تفرقوا عن أخيه أمير أميران، فسار إلى حران فملكها، فلما عوفى نور الدين قصد حران فهرب أخوه أمير أميران وترك أولاده بالقلعة، فملكها نور الدين وسلمها إلى الأمير زين الدين على كوجك بن بكتكين - صاحب إربل ونائب أخيه قطب الدين مودود ابن زنكى بالموصل -. ثم سار نور الدين إلى الرقة، وبها أولاد أميرك الجاندار، وهو من أعيان الأمراء العمادية، وكان قد توفى وبقى أولاده، فشفع فيهم جماعة من الأمراء، فغضب، وقال: «هلا شفعتم (١) في أولاد أخى لما أخذت منهم حرّان، وكانت الشفاعة فيهم من أحب الأشياء إلىّ»، ولم يشفعهم وأخذها منهم. ذكر وفاة المقتفى (٢) لأمر الله وسيرته قد ذكرنا خلع السلطان مسعود للراشد بالله، وإقامة المقتفى لأمر الله للخلافة، ولما تولى الخلافة أحسن السيرة ولم يتعرض لمحاربة أحد، ولا لتجنيد أجناد، حسب ما اشترطه السلطان مسعود عليه، ثم راسله السلطان ليتصل بأخته فاطمة بنت محمد بن ملكشاه، فأجابه إلى ذلك، وعقد العقد بدار الخلافة على صداق مبلغه مائة ألف دينار، ثم حملت الجهة من همذان إلى بغداد، وصحبتها قاضى القضاة،

стр. 163

واستوزر المقتفى يحيى بن هبيرة، فأقام حشمة الدولة؛ ثم توفى السلطان مسعود بن محمد بن ملكشاه بباب همذان يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين وخمسمائة، فاضطربت الدولة السلجوقية بموته، وكثر الخلف بين ملوكها، فحينئذ تفرد الخليفة المقتفى لأمر الله بأمر العراق، وطرد عنه نواب السلجوقية، وبنى سور بغداد، وجنّد الجنود، وجمع العساكر، وقام وزيره [٨٠] عون الدين أبو المظفر يحيى بن هبيرة بأعباء مملكته حق القيام، فقصد بغداد السلطان محمد شاه ابن محمود بن ملكشاه طالبا من الخليفة أن يخطب له بالسلطنة، فامتنع الخليفة من ذلك فجمع السلطان الجموع من الأطراف، واستعان بالأمير قطب الدين مودود ابن عماد الدين زنكى - صاحب الموصل -، فسير إليه عسكرا مقدمهم زين الدين على كوجك بن بكتكين صاحب إربل، فنازل السلطان محمد شاه بغداد من يوم السبت ثانى عشر المحرم سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة إلى يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول من هذه السنة؛ ونصب على بغداد المنجنيقات والسلالم، فلم ينل غرضا، وظهر من الخليفة المقتفى لأمر الله من الشجاعة والثبات وبذل العطاء مالا مزيد عليه، ولما طال الحصار ولم ينل السلطان محمد شاه غرضا رحل عن بغداد خائبا، واتفقت وفاة السلطان سنجر بن ملكشاه - عم القوم - صاحب خراسان، وكانت الخطبة مستمرة له ببغداد، فقوى أمر الخليفة بالعراق، وقامت حشمة الدولة العباسية، ورجعت إلى أحسن ما كانت عليه؛ وكان المقتفى لأمر الله فاضلا حسن العقيدة، وله شعر حسن من جملته: قالت أحبك، قلت: كاذبة، ... غرّى بذا من ليس ينتقد لو قلت لى: أشناك، قلت: أجل، ... الشيخ ليس يحبه أحد

стр. 164

وروى أنه وقف يوما على ظاهر مشهد على بن أبى طالب - رضى الله عنه - بالنجف، وكان قد عزم على الدخول إليه لزيارته، فمنعه وزيره عون الدين بن هبيرة (١) من ذلك، وصدفه عنه بأقوال قالها له، فتمثل المقتفى بأبيات منجم بن نويرة، وأشار إلى جهة القبر، وهو واقف خارج سور المشهد: لقد لامنى عند القبور على البكا ... رفيقى لتذراف (٢) الدموع السوافك وقال: أتبكى كلّ قبر رأيته ... لقبر نوى بين اللوى (٣) فالدّكادك؟ أمن أجل ميت واحد أنت نائح ... على كل قبر أو على كل هالك فقلت له: إن الأسى يبعث الأسى، ... ذرونى، فهذا كله قبر مالك ثم قال مشيرا بأصبعه إلى القبر: «السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، [٨١] اللهم أنت قلت وقولك الحق: «وأتوا البيوت من أبوابها»، وهذا باب من أبوابك، اللهم فاغفر لى به كل خطية، واقض لى به كل حاجة، وأكفنى ببركة كل منهم، رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت»، وانصرف. وكانت وفاة المقتفى لأمر الله يوم الأحد ثانى ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وكانت مدة خلافته أربعا وعشرين سنة، وثلاثة أشهر، واثنين (٤) وعشرين يوما؛ وعمره ست وستون سنة.

стр. 165

ذكر بيعة المستنجد بالله وفى هذا اليوم بويع ببغداد للخليفة المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفى، بنص من أبيه عليه، وبايعه عمومته وبنو عمه، وأقرّ الوزير عون الدين أبا المظفر يحيى بن هبيرة على وزارته، وكان له معظما مكرما لأن والده أوصى إليه بذلك، وبلغ من تقريبه أن بعضهم حكى، قال: «دخلت الدار فوجدت الخليفة المستنجد بالله، وبين يديه وزيره يحيى بن هبيرة، والخليفة ينشده شعرا لنفسه يمدح به وزيره، وهو: صفت نعمتان، خصّتاك وعمّتا، ... فذكرهما حتى القيامة يذكر: (١) وجودك والدنيا إليك فقيرة، ... وجودك والمعروف في الناس ينكر فلو رام يا يحيى مقامك جعفر ... ويحيى لكفا عنه يحيى وجعفر ولم أر من ينوى لك الشرّ يا أبا ال ... مظفّر إلا كنت أنت المظفّر ذكر حصر نور الدين مدينة حارم وفى سنة سبع وخمسين وخمسمائة جمع نور الدين محمود بن زنكى ﵀ العساكر وسار بهم إلى حارم، فحصرها وجدّ في قتالها، فامتنعت عليه لحصانتها وكثرة من بها من فرسان الفرنج وشجعانهم ومقاتيلهم، ولما علم الفرنج منازلة نور الدين حارم جمعوا فارسهم وراجلهم واستعدوا وحشدوا، وساروا نحوه ليرحلّوه عنها، فلما قاربوه طلب منهم المصاف، فلم يجيبوا إليه، وراسلوه، وتلطفوا معه الحال، فلما رأى عجزه عن أخذ الحصن وأنهم (٢) لا يجيبونه إلى المصاف عاد إلى بلاده.

стр. 166

ذكر هزيمة نور الدين من الفرنج وفى سنة ثمانية وخمسين وخمسمائة [٨٢] جمع نور الدين ﵀ العساكر، فنزل بالبقيعة، تحت حصن الأكراد، عازما على دخول بلادهم، ومنازلة اطرابلس؛ فبينا الناس في بعض الأيام في خيامهم وإذا بصلبان الفرنج وراء الجبل الذى عليه الحصن، فكبسوا المسلمين، ووضعوا فيهم السيف، وأكثروا فيهم القتل والأسر، وقصدوا خيمة نور الدين محمود، فخرج من ظهر خيمته عجلا بغير قباء، فركب فرسا (١) هناك للنوبة، ولسرعته ركبه وفى رجله الشبحة (٢)، فنزل إنسان من الأكراد فقطعها، فنجا نور الدين، وقتل الكردى، فسأل نور الدين من بعد ذلك عن مخلفيه فأحسن إليهم جزاء الفعلة. وكان أكثر القتل في السوقة، وسار نور الدين إلى حمص، فنزل ظاهرها، وأحضر ما يحتاج إليه من الخيام فنصبها على بحيرة قدس، وكان الناس يظنون أنه لا يقف دون حلب، واجتمع إليه كل من نجا من المعركة، وأرسل إلى دمشق، وأحضر الأموال والدواب والأسلحة والخيام وجميع ما يحتاج إليه، وفرّق ذلك على من سلم، ومن قتل أقرّ إقطاعه على أولاده، ومن لم يكن له أولاد فعلى بعض أهله، فعاد العسكر (٣) في مدة قريبة كأنه لم يفقد منه أحد؛ فرحمه الله وقدّس روحه، وهكذا فلتكن الملوك.

стр. 167

ولما انهزم العسكر الإسلامى عن الفرنج - لعنهم الله - ظنوا أنهم لا يقوم لهم قائمة بعدها، وصمموا على قصد حمص وأخذها، فلما بلغهم مقام نور الدين عندها، قالوا: «لم يفعل هذا إلا وعنده من القوة أن يمنعنا»؛ وأكثر نور الدين من الخرج، فذكر أنه قسّم في يوم واحد مائتى ألف دينار سوى غيرها من الدواب والسلاح والخيام، وتقدم إلى الديوان أن يحصروا الجند، ويسألوا كل واحد عن الذى أخذ منهم، فكلما ذكر شيئا أعطوه عوضه، فحضر بعض الجند وادعى شيئا كثيرا علم بعض النواب كذبه فيما ادعاه لمعرفتهم بحاله، فأرسلوا إلى نور الدين وأنهوا إليه القضية واستأذنوه في تحليفه على ما ادعاه، فخرج الجواب: «لا تكدروا عطاءنا، فإنى أرجو الأجر والثواب [٨٣] على قليله وكثيره». ومن أحسن ما يؤثر عنه أنه قال له أصحابه: «إن لك في بلادك إدرارات كثيرة وصلات عظيمة للفقهاء والفقراء والصوفية والقراء، فلو استعنت الآن بها لكان أمثل»، فغضب وقال: «والله إنى لا أرجو النصر إلا بأولئك، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم، كيف أقطع صلات قوم يقاتلون عنى وأنا نائم في فراشى بسهام لا تخطئ، وأصرفها إلى من لا يقاتل عنى إلا إذا رآنى، بسهام قد تخطئ وتصيب؟ ثم هؤلاء القوم لهم نصيب في بيت المال أصرفه إليهم، كيف أعطيه غيرهم؟» فسكتوا. وراسلت الفرنج نور الدين في معنى المهادنة، فامتنع، فتفرقوا في بلادهم؛ وفى هذه الوقعة يقول مهذب الدين بن أسعد الموصلى (١) المدرس بحمص قصيدة منها:

стр. 168

ظبى (١) المواضى وأطراف القنا الذبل ... ضوامن لك ما حازوه من نفل وكافل لك كاف ما تحاوله ... عز وحزم (٢) وبأس غير منتقل (٣) وما يعيبك ما نالوه (٤) من سلب ... بالختل، قد تؤسر الأساد بالحيل وإنما أخلدوا حينا إلى خدع ... إذ لم يكن لهم بالجيش من قبل واستيقظوا، وأراد الله غفلتكم ... لينفذ القدر المحتوم في الأزل قنا لقا، وقسىّ غير موترة ... والخيل عارية (٥) ترعى مع الهمل ما يصنع الليث - لا ناب ولا ظفر - ... بما حواليه: من عفر ومن وعل هلا وقد ركب الأسد الهصور وقد ... سلّو الظبى تحت غابات من الأسل ذكر مسير أسد الدين شيركوه الأوّل إلى مصر ولما كانت سنة ثمان وخمسين وخمسمائة وصل أمير الجيوش أبو (٦) شجاع شاور ابن مجير السعدى إلى دمشق، وذلك لست مضين من ربيع الأول، مستنصرا بنور الدين على ضرغام بن سوّار الملقب بالمنصور، وكان تغلب على الوزارة وأخرج شاورا منها، وقتل ولده طيّا، والخليفة يومئذ العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف ابن أبى الميمون عبد المجيد [٨٤] الحافظ لدين الله. والحكم للوزراء، من قهر

стр. 169

بالسيف أخذها، والخلفاء بمصر تحت قهرهم؛ وكان الأمر كذلك من أيام المستنصر بالله معدّ بن الظاهر. وشرط شاور لنور الدين أنه إن سيّر معه العسكر ليقوى بهم على خصمه ضرغام، وينتزع الوزارة منه، أن يكون لنور الدين حصة من البلاد، ويكون شاور متصرفا تحت أمره ونهيه واختياره، فتردد نور الدين ﵀ في إجابته، فتارة يقوى عزمه على ذلك طلبا للزيادة في الملك وليقوى على عدو الدين، فإن لم يكن له ﵀ همة إلا جهادهم؛ وتارة يثنى عزمه خوفا على العساكر من خطر الطريق بسبب توسط الفرنج بينه وبين الديار المصرية. ثم إنه قوى عزمه، وصمم على إجابة شاور إلى ملتمسه، واستخار الله سبحانه في ذلك، فتقدم إلى أسد الدين بالتجهيز للمضى مع شاور، واستصحب معه العساكر، وسارو في صحبته شاور، وسار معهما نور الدين إلى طرف بلاد الإسلام مما يلى بلد الأفرنج في بقية العسكر، ليشغلهم عن التعرض لأسد الدين. وكان قصارى الفرنج حفظ بلادهم من نور الدين، ثم فارق أسد الدين نور الدين، وسار بمن معه إلى الديار المصرية، وكانت الطريق إذ ذاك شرقى الكرك والشّوبك، على عقبة أيلة (١) إلى صدر (٢) وسويس، ثم إلى البركة (٣) التي على باب القاهرة.

стр. 170

ولما قارب أسد الدين مصر خرج إلى لقائه ناصر الدين أخو الضرغام بعساكر مصر، فلقيهم، فانهزم ناصر الدين وعاد إلى القاهرة مهزوما، ووصل أسد الدين فنزل على القاهرة في أواخر جمادى الأول سنة تسع وخمسين وخمسمائة، فخرج الضرغام من القاهرة سلخ الشهر، فأدرك وقتل عند مشهد السيدة نفيسة بنت الحسن ابن زيد بن الحسن بن على - رضوان الله عليهم -، وبقى مطروحا يومين، ثم حمل ودفن بالقرافة، وقتل أخوه أيضا. وخلع على شاور خلع الوزارة في مستهل رجب من السنة المذكورة، وأعيد إلى الوزارة وتمكّن منها، وأقام أسد الدين [٨٥] بظاهر القاهرة، وغدر به شاور، ورجع عما كان وافق نور الدين عليه، وأرسل إليه يطلب منه الرجوع إلى الشام، فامتنع أسد الدين، وطلب منه ما وقع الاستقرار عليه، فلم يجبه شاور، فلما رأى أسد الدين إصرار شاور على الغدر، وأرسل نوابه إلى مدينة بلبيس، فتسلموها، وحكم على الأعمال الشرقية، فأرسل شاور حينئذ إلى الفرنج يستمدهم، ويخوفهم من نور الدين إن ملك الديار المصرية ما يطيب لهم معه مقام، وكان الفرنج لما سمعوا بتوجه عساكر نور الدين إلى الديار المصرية قد خافوا خوفا شديدا، وأيقنوا بالهلاك، وأن بلادهم تستأصل، فلما وصلتهم رسل شاور يدعوهم إلى مساعدتهم سروا بذلك، وبادروا إليه. ذكر وصول الفرنج إلى الديار المصرية ومحاصرتهم أسد الدين ببلبيس فسارعوا إلى تلبية شاور، وطمعوا في الديار المصرية، وتجهزوا - بعد وقوع الاتفاق بينهم وبين شاور - على مال كثير يحمله إليهم إن رحّلوا عسكر نور الدين عن البلاد.

стр. 171

ولما بلغ نور الدين ﵀ توجّه الفرنج إلى مصر سار بالعسكر إلى طرف بلادهم ليمتنعوا عن المسير، فلم يمنعهم ذلك، لعلمهم أن الخطر في تملك أسد الدين مصر أكثر، فتركوا في بلادهم من يحفظها من نور الدين، وتوجّه ملك القدس في بقية عساكره إلى ديار مصر، واستعان بجمع كثير من الفرنج الذين كانوا قد وصلوا لزيارة البيت المقدس، فلما قارب الفرنج مصر قصد أسد الدين شيركوه مدينة بلبيس وأقام بها هو وعسكره، وتحصّن بها، واجتمعت العساكر المصرية والفرنج، ونازلوا بلبيس وحصروها، وحماها أسد الدين وعسكره ثلاثة شهور، مع أن سورها من طين، وليس لها خندق يحميها، وجدّ في قتالهم بكرة وعشية، فلم ينالوا منها غرضا. ذكر وقوع الصلح بين أسد الدين والمصريين والفرنج فبيناهم يجدّون في حصار بلبيس إذ أتاهم الجند بكثرة الفرنج على حارم، وتملك [٨٦] نور الدين لها، ومسيره بعد ذلك إلى بانياس لأخذها، فعظم ذلك عليهم، وخافوا على البلاد فراسلوا أسد الدين في الصلح وتسليم ما أخذه من البلاد إلى المصريين، ففعل ذلك، لأن الأقوات قلّت عليه، وعلم عجزه عن مقاومة الفريقين؛ فصالحهم، وخرج من بلبيس في ذى الحجة من هذه السنة، فذكر من شجاعته وشهامته التي لم يسمع بمثلها أن أصحابه خرجوا بين يديه، وخرج خلفهم وبيده لتّ (١) حديد، وهو يحمى ساقتهم، والمسلمون من المصريين، والفرنج، ينظرون إليه ويتعجبون منه، فأتاه إفرنجى من الغربا (٢)، وقال: «أما تخاف

стр. 172

أن يغدر بك هؤلاء المصريون والفرنج، وقد أحاطوا بك وبأصحابك، فلا يبقى منكم بقية». فقال أسد الدين: «ليتهم، لو فعلوا حتى كنت ترى ما أفعل، كنت والله أضع فيهم السيف، فلا يقتل منا رجل حتى يقتل رجلا، وحينئذ يقصدهم نور الدين وقد ضعفوا وفنيت شجعانهم، فيملك بلادهم، ويهلك من بقى منهم، والله لو أطاعونى هؤلاء لخرجت إليكم أول يوم، ولكنهم امتنعوا»، فصلّب الفرنجى على وجهه وقال: «كنا نعجب من فرنج هذه البلاد ومبالغتهم في وصفك وخوفهم منك، والآن فقد عذرناهم». ثم سار أسد الدين إلى الشام سالما، وكان الفرنج قد وضعوا له في الطريق رصدا ليأخذوه، فعلم بذلك، فعاد عن تلك الطريق، ففى ذلك يقول عمارة يمدحه من قصيدة: أخذتم على الإفرنج كلّ ثنيّة ... وقلتم لأيدى الخيل مرّى على مرّى لئن نصبوا في البرّ جسرا فإنّكم ... عبرتم ببحر من حديد على الجسر (١) ووصل أسد الدين إلى نور الدين، وفى عود الوزارة إلى شاور بعد عزله عنها يقول عمارة بن على اليمنى، يمدحه من قصيدة: فنصرت في الأولى بضرب (٢) زلزل ال ... ـلأقدام، وهى شديدة الإقدام ونصرت في الأخرى بضرب صادق ... أضحى يطير به غراب الهام [٨٧] أدركت ثأرا، وارتجعت وزارة ... نزعا بسيفك من يدى ضرغام وفى حصار بلبيس والانتصار على أسد الدين شيركوه، يقول عمارة من قصيدة يمدح بها العاضد ووزيرة شاور أولها: إنّ السعادة قد أظل زمانها ... وافترّ عن ثغر الهنا ألوانها

стр. 173

وافاك أول عامها بمسرّة ... لا الفطر أهداها ولا رمضانها مجدا بنى عبد المجيد فإنكم ... من دوحة نبويّة أغصانها كم آية رويت، لكم أسرارها ... آل الوصىّ، وللورى إعلانها وهب الخلافة شاركوكم في اسمها ... أو ليس فرّق بينكم فرقانها فكأنما تأويلكم أرواحها ... وكأنما تفسيركم أبدانها نطقت بآية نصركم من شيركوه (١) ... سير يزيد على السماع عيانها أخبرتمونا عنه قبل مجيئه ... أخبار صدق صحّ عنه بيانها وكأنّ علم الحادثات (٢) وديعة ... مخزونة، وصدوركم خزّانها تأتى الأمور وقد سطرتم ذكرها ... فيكون بعد حديثكم حدثانها ومنها (٣) في مدح شاور: ولقد دفعت إلى ثلاث (٤) نوائب ... كادت تشيب لهولها ولدانها فعصابة غزيّة غادرتها ... وأجلّ ما ترجوه منك أمانها وعصابة روميّة عاشرتها ... فتأدّبت وتهذّبت أذهانها وعصابة مصريّة بك (٥) أصبحت ... فوق البريّة راجحا ميزانها خلّصت كلّ قبيلة من ضدّها ... لما التوت وتعقدت عقدانها (٦) أشبهت نوحا مدة وهداية ... في أمة متزايد طغيانها

стр. 174

وتداركت بلبيس منك عواطف ... يسع الزمان وأهله غفرانها [٨٨] أقسمت لولا حسن رأيك لاغتدى ال ... ـناقوس في بلبيس وهو أذانها بلد لو انهدمت قواعد سوره (١) ... بيد النصارى لم يعد بنيانها ومنها في عود الوزارة إليه: كانت وزارتك القديمة مشرعا ... صفوا، ولكن كدّرت غدرانها غصبت رجال تاجه وسريره ... من بعد ما سجدت له تيجانها أخلى لهم (٢) دست الوزارة عالما ... أن سوف ينزغ بينهم شيطانها (٢) قد كان أودع (٣) في الرقاب صنائعا ... كفرت به، فأبادها (٤) كفرانها ذكر فتح حارم وكسر الفرنج لما قصد الفرنج ديار مصر - كما تقدم ذكره - أراد نور الدين ﵀ قصد بلاد الفرنج ليعودوا عن مصر، فاستعد للجهاد، وكاتب أخاه قطب الدين مودود ابن عماد الدين زنكى - صاحب الموصل - وقرا أرسلان (٥) بن داوود بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا والديار الجزيرية -، ونجم الدين ألب أرسلان بن تمرتاش ابن إيلغازى بن أرتق - صاحب ماردين - وأصحاب الأطراف يدعوهم إلى مساعدته على الجهاد، فجمع قطب الدين مودود عساكره وسار إلى نجدة أخيه؛ وأما فخر الدين

стр. 175

صاحب الحصن فقال له ندماؤه وخواصه: «على أي شئ عزمت (١)؟» فقال: «على القعود؛ فإن نور الدين قد تحشف (٢) من كثرة الصوم والصلاة، فهو كل يوم يلقى نفسه في وقعة، والناس معه في المهالك»؛ فوافقه أصحابه على هذا الرأى؛ فلما كان الغد أمر أصحابه بالتجهز للغزاة، فقال له أصحابه: «ما عدا مما (٣) بدا؟ فارقناك بالأمس على حال ونرى منك اليوم على (٤) ضدها»؛ فقال: «اعلموا أن نور الدين قد سلك معى طريقا إن لم أنجده خرج أهل بلادى عن طاعتى، وأخرج البلاد عن يدى، فإنه قد كاتب زهّادها وعبّادها يذكر لهم ما لقى المسلمون (٥) من الفرنج وما نالهم من القتل والأسر، ويستمدهم الدعاء، وطلب منهم أن يحثّوا المسلمين على الغزاة؛ [٨٩] وقد قعد (٦) كل واحد منهم ومعه أصحابه وأتباعه يقرأون كتب نور الدين ويبكون، ويلعنونى ويدعون علىّ، ولا بد من المسير إليه» ثم إنه تجهز وسار إليه. وأما صاحب ماردين فإنه سيّر إليه عسكرا [وكذلك سار إليه كل من كاتبه] (٧)، ولما اجتمعت العساكر عند نور الدين ﵀ نازل حازم ونصب عليها المجانيق، فاجتمع من بقى في الساحل من الفرنج، وجاؤوا إليه في جموعهم، ومعهم بمند صاحب أنطاكية وابن جوسلين وغيرهما، وقصدوا نور الدين ﵀ فرحل عن حارم إلى أرتاح، وطمع في أن يتبعوه فيتمكن منهم ببعدهم عن بلادهم

стр. 176

إذا لقوه، فساروا ونزلوا على عمّ (١)، ثم علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم، فتبعهم نور الدين في عساكره، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال، فحمل الفرنج على ميمنة المسلمين - وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن - فانهزموا، وتبعهم الفرنج، فأبعدوا عن راجلهم، فحينئذ عطف الأمير زين الدين على كوجك في عساكر الموصل على راجل الإفرنج فأفناهم قتلا وأسرا، فعادت خيّالتهم الذين ساقوا وراء المنهزمين خوفا على راجلهم، فلما عادوا عاد المنهزمون، وحملوا على الإفرنج، وأحدق المسلمون بهم من كل جانب، واشتدت الحرب، وقامت على ساق، فتمت الهزيمة على الفرنج، وأنزل الله سبحانه [وتعالى] نصره على المسلمين وأسر من الفرنج ما لا يحد، ومن جملة الأسرى: صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، وابن جوسلين؛ وقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف [فارس وراجل (٢)]. وسار نور الدين ﵀ إلى حارم، فتسلمها لتسع بقين من رمضان من هذه السنة، - أعنى سنة تسع وخمسين وخمسمائة - وأشار عليه أصحابه بالمسير إلى أنطاكية ليملكها، لخلوها ممن يحميها ويدفع عنها، فامتنع، وقال: «أما المدينة فأمرها سهل، وأما القلعة فهى منيعة لا تؤخذ إلا بعد حصار طويل، وإذا ضيّقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية فيسلموها إليه، ومجاورة بيمند أحب إلينا من جوار ملك الروم». ثم أطلق نور الدين بيمند صاحب أنطاكية على أن يحمل أموالا كثيرة وأسرى من المسلمين أطلقهم.

стр. 177

وفى هذه السنة توفى جمال الدين محمد بن [٩٠] على الأصفهانى (١) وزير قطب الدين مودود بن [عماد الدين (٢)] زنكى - صاحب الموصل -، وكان عظيم القدر جوادا حسن السيرة؛ ولما توفى حمل إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف بنعشه حول الكعبة المعظمة، ثم حمل إلى المدينة فدفن بها في تربة بنيت له قريبا من الحجرة المقدسة - على ساكنها [أفضل (٢)] الصلاة والسلام -. (٣) ذكر فتح بانياس كانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة - كما ذكرنا (٣) -، ولما فتح نور الدين ﵀ حارم أذن للعساكر الموصلية والديار بكرية بالعود إلى بلادهم، وأظهر أنه يقصد طبرية، فجعل الفرنج همتهم حفظها، فسار مجدّا إلى بانياس لعلمه بقلة المانعين لها، فنازلها وضايقها، ومعه أخوه الأمير نصرة الدين أمير أميران بن [عماد الدين (٤)] زنكى، -[وكان قد عاد إلى خدمة أخيه نور الدين، وقد رضى عنه نور الدين وأعطاه ما أراد (٤)]- فأصابه سهم أذهب إحدى عينيه، فقال له نور الدين: «لو كشف لك عن الأجر الذى أعدّ لك لتمنيت ذهاب الأخرى». وجدّ ﵀ في حصارها، فحشد الفرنج وجمعوا ليمنعوه منها، ففتحها قبل أن يتكامل جمعهم، وملك القلعة وملأها ذخائر ورجالا، ثم عاد إلى دمشق، وكان في يده خاتم يسمى الجبل بفص ياقوت من أحسن الجوهر لكبره وحسنه، فسقط من يده في شعرا بانياس، وهى كثيرة الأشجار، ملتفة الأغصان، فلما أبعدوا

стр. 178

عن المكان الذى ضاع فيه [الخاتم (١)] علم به [نور الدين (١)]، فأعاد بعض أصحابه في طلبه، ودلّهم على المكان الذى كان آخر علمه وعهده به، فعادوا فوجدوه، فقال بعض الشعراء يمدحه من قصيدة [أولها (١)]: إن يمترى الشّكّاك فيك بأنك ال ... ـمهدىّ مطفى (٢) جمرة الدجّال فلعودة الجبل الذى أضللته ... بالأمس بين غياطل وجبال لم يعطها إلا سليمان، وقد ... نلت المنى (٣) بموشك (٤) الإعجال زجر جرى لسرير مالك إنه ... كسريره عن كل جذع (٥) عال فلو البحار السبعة استهوينه ... وأمرتهن (٦)، قذفنه في الحال [قال: وفى سنة ستين وخمسمائة مات الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، ذكر القاضى شهاب الدين (٧) في تاريخه، قال: كان الوزير ابن هبيرة عالما ورعا عفيفا محبا لأهل العلم محسنا إليهم، وزير الخليفتين] (٨).

стр. 179

[٩١] ذكر فتح حصن المنيطرة وفى سنة إحدى وستين وخمسمائة فتح الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى - رحمهما الله - حصن المنيطرة، وكان بيد الفرنج، سار إليه جريدة، وانتهز (١) الفرصة فيه، وجدّ في قتاله عنوة وقهرا، وقتل من به، وسبى (٢) وغنم غنيمة كثيرة، وذكر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ أن الواقعة كانت سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ذكر مسير أسد الدين شيركوه بن شاذى المسير الثانى إلى مصر وفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة سيّر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى - رحمة الله عليهما - أسد الدين شيركوه إلى مصر ليملكها، وذلك لما ثبت في نفسه من غدر شاور به ورجوعه عما كان وقع من العهد والاتفاق عليه، وسيّر معه جمعا من الأمراء، فبلغت عدتهم ألفى فارس، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة، وسار معه نور الدين إلى أطراف البلاد خوفا من معرة «كذا (٣)» الافرنج.

стр. 180

وكان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى مع عمه أسد الدين في هذه السفرة؛ وفى ذلك يقول عرقلة (١) الدمشقى يمدح صلاح الدين، وجرى بملكه الفال، والفال موكل بالمنطق: أقول والأتراك قد أزمعت ... مصر إلى حرب الأعاريب ربّ كما ملّكتها يوسف ال ... صدّيق من أولاد يعقوب يملّكها في عصرنا يوسف ال ... صادق من أولاد أيوب من لم يزل ضرّاب هام العدى ... حقا، وضرّاب العراقيب ثم سار أسد الدين ﵀ إلى الديار المصرية (وترك بلاد الافرنج عن يمينه فوصل الديار المصرية) (٢)، وعبر النيل عند أطفيح (٣) بالجانب الغربى، ونزل بالبلاد الجيزية، وتصرف في البلاد، وأقام بها نيفا وخمسين يوما. وأرسل شاور - وزير العاضد - يستنجد بالفرنج، فأتوه على الصعب والذلول، وحملهم على ذلك أمران: أحدهما الطمع في تملك الديار المصرية، والثانى الخوف من تملك العساكر النورية لها؛ وعلموا أنه إن ملكها نور الدين ﵀ واستضافها إلى [٩٢] البلاد الشامية لم يبق لهم بالبيت المقدس والشام مقام، وأنه يستأصلهم وتصير بلادهم في وسط بلاده؛ ولما وصلوا مصر اجتمعوا بالعساكر المصرية وعبروا إلى الجانب الغربى.
следующие страницы →