← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

قال عز الدين بن الأثير: ومن الاتفاقات العجيبة أن الملك الأفضل بن الملك الناصر لم يملك مملكة إلا أخذها عمّه الملك العادل: فأول ذلك أن الملك الناصر أقطع ابنه الملك الأفضل حرّان والرّها وميّافارفين بعد وفاة الملك المظفر تقى الدين، فسار إليها الملك الأفضل، فلما وصل إلى حلب أرسل إليه أبوه السلطان الملك العادل فردّه عن حلب ليأخذ البلاد منه. ثم (٧٥ ب) ملك الأفضل بعد أبيه دمشق، فأخذها الملك العادل منه. ثم ملك مصر، فأخذها أيضا منه. ثم ملك صرخد، فأخذها منه. قلت: «وأعطاه قلعة نجم، وسروج بعد ذلك، وعاد استرجعها منه». ذكر سيرته ﵀ - كان الملك العادل ﵀ حازما، متيقظا، عزير العقل، سديد لأراء، ذا مكر شديد وخديعة، صبورا، حليما، ذا أناة وتؤدة، يسمع ما يكره ويغضى عنه كأنه لم يسمعه، كثير البذل والخرج عند الحاجة لا يقف في شيء، وأما في غير وقت الحاجة فلا، عظمت هيبته في القلوب، واتسع ملكه، وواتته السعادة، وكثر أولاده، ورأى فيهم ما يحب من اتساع الممالك (١) والظفر بالأعداء

стр. 1157

ولم يبلغنا عن أحد من الملوك الماضيين أنه رأى في أولاده ما رأى، فإنه اجتمع في كل واحد منهم من النجابة والكفاية والشهامة والفضيلة ما لا مزيد عليه. فهم كما قال الشاعر: من تلق منهم تقل لا قيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسرى بها السّارى ولقد أجاد في وصفهم شرف الدين بن عنين حيث يقول من قصيدة يمدح بها أباهم الملك العادل، مطلعها: ماذا على طيف الأحبّة لو سرى ... وعليهم لو سامحونى بالكرى ومنها في مدح الملك العادل: العادل الملك الذى أسماؤه ... في كلّ ناحية تشرّف (١) منبرا وبكلّ أرض جنّة من عدله ال ... ضافى أفاض (٢) نداه فيها كوثرا عدل يبيت الذئب منه على الطوى ... غرثان وهو يرى الغزال الأعفرا ما في أبى بكر لمعتقد الهدى ... شكّ يريب بأنه خير الورى بين الملوك الغابرين وبينه ... في الفضل ما بين الثريّا والثرى نسخت خلائقة الحميدة (٣) ما أتى ... في الكتب عن كسرى الملوك وقيصرا (٧٦ أ) لا تسمعنّ حديث ملك غيره ... يروى، فكلّ الصّيد في جوف الفرا

стр. 1158

ومنها في مدح أولاد الملك العادل ووصفهم ﵏ أجمعين - وله الملوك (١) بكلّ أرض منهم ... ملك يجرّ (٢) إلى الأغادى عسكرا من كلّ وضّاح الجبين تخاله ... بدرا، فإن شهد الوغى فغضنفرا يسمو (٣) إلى نار الوغى شغفا بها ... ويجلّ أن يسمو (٣) إلى نار القرى متقدم حتى إذا النّقع انجلى ... بالبيد (٤) عن سبى الحريم تأخّرا وتعاف خيلهم الورود بمنهل ... ما لم يكن بدم الأعادى مسجّرا (٥) ذكر أولاد (٦) الملك العادل كان للملك العادل فيما أعلم ستة عشر ولدا ذكرا، سوى البنات: الملك الأوحد نجم الدين أيوب - صاحب خلاط -، وتوفى في حياة والده، وقد تقدم ذكره، وكان قصيرا جدا، شهما، مقداما، سفاكا للدماء. والملك المغيث عمر، وتوفى أيضا في حياة أبيه. وخلّف المغيث ولدا صغيرا، وهو الملك المغيث شهاب الدين محمود، ورثاه عمّه الملك - صاحب دمشق -، وكان جميل الصورة جدا، ومات في سنة ثلاثين وستمائة.

стр. 1159

والملك الجواد شمس الدين مودود، وتوفى أيضا في حياة أبيه، وخلّف ولده الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود، وكان في خدمة عمه الملك الكامل، وسنذكر أخباره وتملكه لدمشق وغيرها، وكان جوادا إلى الغاية، شجاعا. والملك الكامل ناصر الدين محمد - صاحب الديار المصرية - وصاحب الخطبة والسكة في جميع الممالك الأيوبية. والملك المعظم شرف الدين أبو العزائم عيسى - صاحب دمشق وبلادها إلى عريش مصر -: وشفيفاه: الملك العزيز عماد عثمان - صاحب بانياس وعدة مواضع كانت بيد فخر الدين جهاركس -، وكان جوادا شهما. والملك الأمجد مجد الدين حسن (٧٦ ب)، وتوفى في حياة والده، ودفن بالقدس الشريف، في مدرسة بنيت له، ثم نقل بعد ذلك إلى الكرك، فدفن جوار الشهداء بموتة. والملك الأشرف مظفر الدين موسى، صاحب البلاد الشرقية وخلاط بعد أخيه الملك الأوحد. الملك المظفر شهاب الدين غازى - صاحب ميافارقين -. وشفيفاه: والملك المعز مجير الدين يعقوب. وتاج الملوك (١) إسحاق.

стр. 1160

والملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وكانت له من أبيه بصرى، وملك بعد ذلك دمشق وبعلبك، على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى -. والملك المفضل قطب الدين، وتوفى بمصر في أيام الملك الكامل. والملك الفائز إبراهيم، وسنذكر إن شاء الله خبره. والملك الأمجد تقى الدين عباس، وهو أصغرهم، مولده سنة ثلاث وستمائة، وهو آخرهم موتا، توفى بدمشق في سنة تسع وستين وستمائة. والملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه. ذكر ما استقر عليه الحال بعد وفاة (١) الملك العادل ولما توفى الملك العادل ﵀ بعالقين (٢) لم يكن عنده أحد من أولاده حاضرا، وكان الملك المعظم بنابلس، ولم يطلع على موته إلا كريم الدين الخلاطى، وكان أخصّ أصحابه، فكتم موته، وأمر الأطباء بملازمة الدهليز، ليظنّ الناس حياته. وبعث سوّاقا إلى المعظم يحثّه على سرعة الحركة، فقدم سريعا، واجتمع بكريم الدين، واتفقا على كتمان هذا الأمر، وأظهرا أن السلطان قد عزم على الرحيل إلى دمشق، فرحلوا من عالقين (٣). وأودع الملك العادل المحفّة، وجعل فيها عنده خادم، والأطباء حول المحفة

стр. 1161

يشيرون بما يسقى من الأشربة، ويناول الخادم في بعض الأوقات قدح الشراب، فيشربه الخادم، ويظن الناس أن الملك العادل حىّ، وأنه [هو] (١) الذى شرب القدح. ولما وصلوا بالمحفّة إلى دمشق غسّل وكفّن، ودفن في القلعة سرا. واستحضر الملك المعظم وكريم الدين الخلاطى أكابر الدولة والأمراء، فحلفوا للملك العادل، وبعده للملك المعظم، فلما تمّ للملك المعظم ما أراد من ذلك اظهر موته، وجلس في العزاء، وكتب إلى سائر الملوك يخبرهم بموته. واحتوى الملك المعظم على جميع ما كان مع الملك العادل من الأموال والجواهر النفيسة، والذخائر، والعدد، والأثقال، والخيول، وغير ذلك. وقد ذكر أنه كان في خزانته سبعمائة ألف دينار مصرية عينا. وكان للملك العادل بالكرك مال عظيم، فاحتوى أيضا عليه الملك المعظم. واحتوى أخوه الملك الحافظ أرسلان شاه بن الملك العادل على ما في قلعة جعبر من المال.

стр. 1162

الملاحق

стр. 1163

(١) خطاب بقلم القاضى الفاضل، مرسل من السلطان صلاح الدين إلى الخليفة المستضىء بنور الله ببغداد، يبشره بفتح بلد من بلاد النوبة، والنّصرة عليها عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥٠٦ - ٥١١) ﴿(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ):﴾ ﴿(سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ:﴾ (﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ).﴾ وصلاة يتبعها تسليم، وكأس يمزجها تسنيم. وذكر من الله سبحانه في الملأ الأعلى ورحمة الله وبركاته معلومة من النشأة الأولى على مولانا الإمام «المستضىء بالله» المستضاء بأنواره، المستضاف بداره، الداعى إلى الحق وإلى طريق مستقيم، الراعى للخلق كما يرعى النسيم النسيم، العامّ فضله، التامّ عدله، المطروق مورد فنائه، المصدوق في مورد ثنائه؛ المحقوق من كل ولى بولائه، ابن السادة الغرّ، والقادة الزهر. والذادة الحمس، والشادة للحق على الأسّ، سقاة الكوثر وزمزم والسحاب، وولاة الموسم والموقف والكتاب، والموصول الأنساب [يوم] إذا نفخ في الصور فلا أنساب، والصابرون على حساب أنفسهم فهم الذين يؤتون أجرهم بغير حساب. مملوك العتبات الشريفة وعبدها؛ ومن اشتمل على خاطره ولاؤها وودها، وكانت المشاهدة لأنواره العلية التي يودّها، ومن يقرن بفرض الله سبحانه فرضها، ويسابق بطاعته إلى جنة وصفها الله تعالى بقوله ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا:﴾ يلثم وجه ترابها، ويرى على بعد دارها الأنوار التي ترى بها، ويقف لديها وقوف الخاضع، ويضع

стр. 1164

أثقال الآثام عن ظهره منها بأشرف المواضع للواضع، ويخبت إليها إخبات الطائح الطائع، ويرجو فضلها رجاء الطامح الطامع. ولولا أن الكتاب حجاب بينه وبين المهابة التي تحول بين المرء وقلبه، والجلالة التي هو في تعظيمها على نور من ربه، لكان خاطره في قبضة الهلع أسيرا، ولانقلب إليه البصر خاسئا حسيرا، ولكن قلمه قد تشاجع، أن كان لسانه عن الإبانه قد راجع. فيقول: إن الله قد رفع ملة الإسلام على الملل، وكفل نصرها وكفى ما كفل، وحمى ملكها وحمل، وجعل لها الأرض في أيدى المخالفين ودائع، ومكّن يده من أعناقهم فهى إما تعقد الأغلال أو تصوغ الصنائع، والحق بها قائم العمود، والسيف للكفاية لازم الغمود؛ والبشائر تمسك الصباح وتخلق الدجى، والخيل على طول ما تشتمل الوحا تنتعل الوجى، والأيام زاهرة، والآيات باهرة، وعزة أوليائها قاهرة، وذلة أعدائها ظاهرة، وعنايات الله لديها متوالية متظاهرة. إذا تغرب اسمها يوما عن منبر أعيد إلى وطنه غدا، وإذا أوقدت نار فتنة في معصيتها أوقدت في طاعتها نار هدى. وقد كان النيل قدما فرّت عن الفرات أبناؤه، وتحصنت غلل المؤمنين عنه فلم يتغلغل إليها ماؤه، وكادت السماء لا تعينه بمطرها، والأرض لا توشّيه بزهرها والأعناق قد تقاصر دون الراجين بدو مبعصها (١)، والقلوب قد لاذت بأستار الجدار مبعصها (١)، والأوثان منصوبة، والآيات مغصوبة، والتيجان بغير أكفائها من الهامات معصوبة، والدين أديانا، والمذكّرون بالآيات يخرون عليها صمّا وعميانا؛ والعادلون بالله قد وطّنوا ألسنة وصرحوا عقائد، والمعتدون قد أضلّوا فعالا وضلوا مقاصد، وكراسىّ خلافة الله قد ألقى عليها أجساد كانت تقعد منها مقاعد، ومنابر كلمات الله قد كاد كيدهم يأتى بنيانها من القواعد، وحرت على بنوّة النّبوة أشدّ نبوة،

стр. 1165

وقصرت الأيدى فلا حدّ سوط ولا حد سطوة، ثم قست قلوب ﴿(فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)﴾ وغرّت الأيام وما وعدت، وأوردت الهمم وما أصدرت، وطغى طوفان الطغيان ولا عاصم، وسما بناء البهتان ولا هادم، وضاقت الصدور، ورحلت بغليلها إلى القبور، وظن أن طىّ دولنهم معدوق بالنشور؛ حتى إذا جلاّها الله لوقتها، وأنجز جموع الضلال إلى ميعاد شتها، وأراهم آية معدلته (﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها﴾)، و (﴿جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ)﴾، (﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾). كانت نعمة من الله يمنها على المملوك أن أنتجبه من بين أهل أرضه، وانتخبه لإقامة ما أمات الباطل من فرضه، ويسره لما يسره من نصرة الحق وأهله، وبشره بما بشره من لواء النصر، ومدّ من ظله، وألهمه الهمة التي افترع منها بكرا، ومنحه النصرة فما يستطيع العدو صرفا ولا نصرا. مكنه من صياصيهم فحلّها، ومن دمائهم فطلّها، ومن سيوفهم ففلّها، ومن أقدامهم فاستزلها، ومن منابر دعاتهم فعجل تداعيها، ومن أنفس أعدائهم فأكثر تناعيها، وأبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، ويسر الذين كتب لهم العفو إلى منافعهم، ونثر خرزات الملك من تيجانها، وفضح على يده وبلسانه مازورته من أنسابها، وحسابها فأظهر زيف حسابها، ونقلها من ظهور أسرتها إلى بطون ترابها، وعمد إلى أهل دعوتها الذين بسقوا بسوق النخل فأعلاهم على جذوعها، وحملت قلوبهم فوف الحقد فأخرجها من أكمام طلوعها، فهل ترى لهم من باقية، أو تسمع لهم من لاغية، أو تجد إليهم من صاخية، فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم أو مساكينهم، وحصدوا حصد الحشيش ثم لا تخاف سيوفهم ولا سكاكينهم، واستنزلوا من عقاب اللّوح وسجنوا في الهمّ من طول مداومة عقاب الروح؛ ثم تداركوا إلى الدرك، واشتركوا في الشرك، وأقفرت منهم عراص،

стр. 1166

وزهدت فيهم خواص، وعلم أن ليس لله غالب، وأن ليس يفوته طالب، وأن الملك لله وحده، وأن الويل لمن تجاوز أمره وحده. وكان المملوك ممن عطل من أوثانهم، وأبطل من أديانهم، فائزا بحسنة ينظر إلى حسنات خليل الله ﷺ في كيده الأصنام وتكسيرها، وتضليله عابديها وتكفيرها. وعمد المملوك إلى المحاضر فجمعها، وإلى المنابر فرفعها، والجمعة فأطاع من شرعها، وأسماء صحابة رسول الله ﷺ فوصلها باسمه وما قطعها، وعمومتها رضوان الله عليهم فتلاها له وآتبعها، وأشاد باسم أمير المؤمنين لتكون الصلاة جامعة، والذكرى شاملة والإمامة للجماعة شارعة، والهداية للضلالة صارعة، فعادت للملة أعياد، وأخضرت للمنبر أعواد، وأنجز للأمة ميعاد. وبعد ذلك تحاشدت أولياء الذاهبين وتنادت، وتساعت نحو مستقر المملوك وتعادت (﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ)﴾ وكانوا حمية حامية من بنى حام كالجراد أرجلا، إلا أن الله أصلاها بنيرانه، وكالماء مدا إلا أن الله أغرقها بطوفانه، وكالنمل لونا وطرقا إلا أن الله حطمها بسليمانه، مع من انضم إليهم من ألفاف وأطراف، وأوشاب وأوباش: من جندى كسبه سيفه ذلّه، وطرده عن مواقف الكرام وبمحالّ الخزى أحله، ومن أرمنىّ كانوا يفزعون إلى نصرة نصرانيته، ويعتمدون منه على ابن معموديته، ومن عامى أجابهم لفرط عماه وتفريط عاميته، فملأ العيون سوادهم الأعظم، ووراءهم بأس الله الذى لا يرد عمن أجرم، فأمطرتهم السيوف مطرا كانوا غثاء لسيوله الجوارف، وعصفت بهم الأعنة عصفا كانوا هباء لهوجه العواصف (﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾) وعوتبت الأنفس والأرؤس ف (﴿قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ.﴾) وظلت قحاف بنى حام تحت غربان الفلا غربانا، وشوهدت ظلمات بعضها

стр. 1167

فوق بعض أفعالا وألوانا، وصفت موارد السلطان من القذى، وطفىء ذلك الفحم فلا يجد النفاق بعده ما تتعلق به الجذى، وبلغت الغايات في كشف كل أذى، لا بضرب موعد يقال فيه إذا. وكاتب المملوك، واسم أمير المؤمنين قد كتب سطره على جبين النقدين، وسمع لفظه من فم المنبرين بالبلدين، ومد كل منبر يدا بل يدين، فحين سمع الناس قالوا حقا ما قاله ذو اليدين، وصارت تلك الأسماء دبر الآذان ووراء الظهور، وحصلت المحبة العباسية سرا من أسرار القلوب إذا حصّل ما في الصدور، والخلائق مبايعة متابعة وافية بعهده متوافية، داخلون في الحق أفواجا، سالكون منه شرعة ومنهاجا. والحمد لله الذى جعل أمير المؤمنين إماما لخلفه، ووارثا لأرضه ولم يذر فوق الأرض منازعا لحقه، ولا مناهبا لأرضه، وارتجع له الحق الذى كان نادّا، ورد عليه الأمر الذى لم يكن له غير الله رادا، وبلغ كل مؤمن من إعلاء كلمة الإيمان به ما كان له وادّا، وأخذ بيد انتقامه من كان عن سبيله صادّا، والإسلام قد استنار كنشأته، والزمان قد استدار كهيئته، والحق قد قرّ في نصابه، والأمر قد فر عن صوابه. فقد وفى الله القرار له بضمانه، وأخذ بيده ما روى عن ابن عمه ﷺ وأصفى من لسانه. فالحمد لله الذى صدقه وعده، وأورثه الأرض وحده، وجدد علاه وأعلى جده، وأسعد نجمه وأنجم سعده، ووعده نجحه وأنجح وعده، وأورده وصفه وأصفى ورده.

стр. 1168

المملوك ينتظر الأمثلة ليتمثلها، والأمانة ليتحملها، والتقليدات المطاعة ليتلوها، والتشريفات الشريفة ليجلوها، والسواد ليجلى الحلك عن ضمائر المبطلين والسيف الحالى لحكمه في رقاب المعطلين، وللآراء الشريفة فصل برهانها، وفضل سلطانها، وأمرها الذى لا يخرج حين يخرج عن عز الملة وتوطيد بنيانها، وعزمها الذى يرفع حين يرفع ظلمة أدخانها. إن شاء الله تعالى.

стр. 1169

(٢) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى الخليفة ببغداد، يبشره بفتح بلد من بلاد النوبة لذلك، وانهزام ملكها بعساكره عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥١٢ - ٥١٥) صلوات الله التي أعدها لأوليائه وذخرها، وتحياته التي قذف بشهبها شياطين أعدائه ودحرها، وبركاته التي دعا بها كل موحد فأجاب، وانقشع بها غمام الغمّ وظلام الظّلم فانجاب عن أنجاب، وزكاته التي هى للمؤمنين سكن، وسلامه الذى لا يعترى الموقنين في ترديده حصر ولا لكن. على مولانا عاقد ألوية الإيمان، وصاحب دور الزمان، وساحب ذيل الإحسان، وغالب حزب الشيطان، الذى زلزلت إمامته قدم الباطل، وحلت خلافته ترائب الدهر العاطل، واقتضت سيوفه ديون الدّين من كل غريم ماطل، وأمضت غرب كل عزم للحق مفلول، وأطلعت غارب مجم كل هدى آفل، وشفعت يقظات استغفاره إلى غافر ذنب كلّ غافل؛ وعلى آبائه الغاية والمفزع، والملاذ في وقت الفزع، والقائمين بحقوق الله إذ قعد الناس، والحاكمين بعدل الله إذ عدم القسطاس، والمستضيئين بأنوار الإلهام الموروثة من الوحى إذا عجز الاقتباس، والصابرين في البأساء والضراء وحين الباس؛ خزّان الحكم، وحفّاظها، ومعانى النّعم، وألفاظها، وأعلام العلوم المنشورة إلى يوم القيامة، وكالئى السروح المنتشرة من كلا (١) سديد الإمامة؛ ومن لا ينفذ سهم

стр. 1170

عمل إلا إذا شحذ بموالاتهم، ولا يتألق صبح هداية إلا إذا استصبح السارى بدلالاتهم. المملوك يقبل الأرض بمطالع الشرف ومنازله، ومرابع المجد ومعاقله؛ ومجالس الجود، ومحال السجود؛ ومختلف أنباء الرحمة المنزلة، ومرسى أطواد البسيطة المتزلزله؛ ومفتر مباسم الإمامة، ومجر مساحب الكرامة؛ ومكان جنوح أجنحة الملائك، ومشتجر مناسك المناسك، حيث يدخلون من كل باب مسلمين، ويتبعهم ملوك الأرض مستسلمين؛ ومشاهد الإسلام ليوم أنزل فيه اليوم «أكملت لكم دينكم». وينعقد على الولاية فأما غيره فله قوله: «قاتلوا الذين يلونكم». ويناجيها بلسان جلى الإخلاص الصادق عقيدته، وأنشط الولاء السابق عقيلته، وأرهف الإيمان الناصع مضاربه، وفسح المعتقد الناصح مذاهبه، فأعرب عن خاطر لم يخطر فيه لغير الولاء خطره، وقلب أعانه على ورود الولاء [أن] صفاء المصافاة فيه خطره، ويخبر أنه ما وهن عما أوجبته آلاؤه ولا وهى، ولا انثنى عزمه عن أن يقف حيث أظلت سدرة المنتهى، ووضحت الآيات لأولى النهى. والله سبحانه يزيل عنه في شرف المثول عوائق القدر وموانعه، ويكشف له عن قناع الأنوار التي ليست همته بما دون نظرها قانعة - وكان توجه منصورا بجيش دعائه قبل جيش لوائه، وبعسكر إقباله، قبل عسكر قتاله، وبنصال سلطانه، قبل نصال أجفانه، لا جرم أن كتائب الرعب سارت أمام الكتائب، وقواضب الحذر غمضت في جفونها عيون القواضب - وسار أولياء أمير المؤمنين الذين تجمعوا من كل أمة، وتداعوا بلسان النعمة، متواخية نياتهم في الإقدام، متألفة طوياتهم في طاعة الإمام، كالبنيان المرصوص انتظاما، وكالغاب الشجر أعلاما، وكالنهار المانع حديدا وهاجا، وكالليل الشامل عجاجا عجاجا، وكالنهر

стр. 1171

المتدافع أصحابا، وكالمشط المطرد اصطحابا، والأرض ترجل برجلهم لما ترفعه الحوافر من غيومها، والسماء تنزل نزولهم لما تضعه الذوابل من نجومها، فما انتشرت رياضها المزهرة، وغياضها المشجرة، إلا دلت على أن السحاب الذى سقاهم كريم، والإنعام الذى غمرهم عظيم، والدنيا التي وسعتهم من عزمتهم تظعن وتقيم. ولما علم العدو أن الخطب المظنون قد صرح خطابه، والأمل المخدوع قد صفر وطابه، راسل ورأى سل السيوف يغمده، وماكر وماكّر لعلمه أن الحتف يعمده، واندفع هاربا هائبا، وخضع كائبا كاذبا، فمضى المملوك قدما، وحمّله ظلمه وقد خاب من حمل ظلما، وأجابه بأنه وطئ البساط برجله وإلا وطئه برأسه، وإن قدم على المملوك بأمله وإلا أقدمه بيأسه، وإن لم يظهر أثر التوبة وإلا أقام عليه الحد بسكرة الموت من كأسه، فلم يخرج من مراوغة تحتها مغاوره، ومكاسرة وراءها مكاشرة. فاستخار الله في طلبه، وانتهز فيه فرصة شغل قلبه بريبة، ولم يغره ما أملى له في البلاد من تقلّبه، وسار ولم يزل مقتحما، وتقدم أول العسكر محتدما، وإذا الدار قد ترحل أهلها منها فبانوا وظعنوا عن ساحتها فكأنهم ما كانوا، ولم يبق إلا مواقد نيران رحلت قلوبهم بضرامها، وأثافى دهم أعجلت المهابة ما رد سغبهم عن طعامها، وغربان بيّن كأنها في الديار ما قطع من رءوس بنى حامها، وعوافى طير كانت تنتظر من أشلائهم فطر صيامها، وعادت الرسل المنفذة لاقتفاء آثارهم وأداء أخبارهم، ذاكرة أنهم لبسوا الليل حدادا على النعمة التي خلعت، وغسلوا بماء الصبح أطماع نفس كانت قد تطلعت، وأنهم طلعوا الأوعار أوعالا والعقاب عقبانا، وكانوا لمهابط الأودية سيولا، ولأعالى الشجر قضيانا - فرأى المملوك أن الكتاب فيهم قد بلغ أجله، والحزم منهم قد نال أمله، والفتك بهم قد أعمل متصله، وأن سيوف عساكر أمير المؤمنين منزهة أن تريق الإدماء

стр. 1172

أكفائها من الأبطال، وأن تلقى إلا وجوه أنظارها من الرجال، وأن المذكورين نمل حطمه سليمان ﵇ وجنوده، ورحل أطاره العاصف الذى يسحفه ويقوده - وأصدر هذه الخدمة والبلاد من معرتهم عارية، والكلمة بانخفاضهم غالية عالية، ويدا الله على أعدائه عادية، وأنفس المخاذيل في وثاق مهابته العالية عانية - فرأى المملوك أن يرتب بعده الأمير فلانا ليبذل الأمانات، لسوقة أهل البلاد ومزارعيها، ويفصل المحاكمات، بين متابعى السلطنة ومطاوعيها، ويفسح مجال الإحسان لمعاودى المواطن ومراجعيها، فيعمر من البلاد ما قد شغر، ويشعر بالأمنة من لا شعر، فإن مقام المملوك ومن معه من عساكر تمنع الشمس من مطلعها، وترد جرية البحر عن موقعها، مما يضر بالغلال وينسفها، ويحجف بالرعايا ويعسفها. فالحمد لله الذى جعل النص لائذا بأعطاف اعتزامه، وأنامل الرعب السائر إلى الأعداء محركة عذبات أعلامه، والعساكر المناضلة بسلاح ولائه، تغنى بأسمائها عن مرهفاتها، والكتائب المقاتلة بشعار علائه تقرأ كتب النصر من حماتها.

стр. 1173

(٣) تذكرة أنشأها القاضى الفاضل عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأرسلها صحبة الأمير شمس الدين الخطيب - أحد أمراء الدولة الصلاحية - إلى أبواب الخلافة ببغداد، في خلافة الناصر لدين الله وفى هذه التذكرة يعدد صلاح الدين فتوحه وانتصاراته في مصر واليمن والمغرب، ويسأل الخليفة أن يرسل إليه التقاليد بتوليته على هذه البلاد وعلى ما قد يفتحه في المستقبل من بلاد أخرى (١). (عن: صبح الأعشى، ج ١٣، ص ٨١ - ٩٠) تذكرة مباركة ولم تزل الذكرى للمؤمنين نافعة ولعوارض الشكّ دافعة؛ ضمّنت أغراضا يقيّدها الكتاب، إلى أن يطلقها الخطاب، على أن السائر سيّار البيان، والرسول يمضى على رسل التبيان؛ والله سبحانه يسدّده قائلا وفاعلا، ويحفظه بادئا وعائدا، ومقيما وراحلا. الأمير الفقيه شمس الدين خطيب الخطباء - أدام الله نعمته وكتب سلامته،

стр. 1174

وأحسن صحابته - يتوجه بعد الاستخارة، ويقصد دار السلام، والخطّة التي هى عشّ بيضة الإسلام؛ ومجتمع رجاء الرجال، ومتسع رحاب الرّحال؛ فإذا نظر تلك الدار الدارّ سحابها، وشافه بالنظر معالم ذلك الحرم المحرّم خطابها؛ ووقف أمام تلك المواقف التي تحسد الأرجل عليها الرءوس، وقام بتلك المنازل التي تنافس الأجسام فيها النفوس، فلو استطاعت لزارت الأرواح محرمة من أجسادها، وطافت بكعبتها متجردة من أغمادها، فليمطر الأرض هناك عنّا قبلا تخضّلها، بأعداد لا نحصّلها؛ وليسلّم عليها سلاما نعتدّه من شعائر الدين اللازمة، وسنن الإسلام القائمة، وليورد عنا تحيّة يستنزلها من عند الله تحية مباركة طيّبة، وصلاة تخترق أنوارها الأستار المحجّبة، وليصافح عنّا بوجهه صفحة الثّرى، وليستشرف عنا بنظره فقد ظفر بصباح السّرى، وليستلم الأركان الشريفة، فإن الدّين إليها مستند، وليستدم الملاحظات اللطيفة، فإن النور منها مستمدّ، وإذا قضى التسليم وحقّ اللقاء، واستدعى الإخلاص جهد الدعاء، فليعد وليعد حوادث ما كانت حديثا يفترى، وجوارى أمور إن قال منها كثيرا فأكثر منه ما جرى، وليشرح صدرا منها لعله يشرح منا صدرا، وليوضّح الأحوال المستسرة فإنّ الله لا يعبد سرّا: ومن الغرائب أن تسير غرائب ... في الأرض لم يعلم بها المأمول كالعيس أقتل ما يكون لها الظّما ... والماء فوق ظهورها محمول فإنا كنا نقتبس النار بأيدينا، وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدنا، وغيرنا يستمير، ونلقى السّهام بنحورنا، وغيرنا يغيّر التصوير، ونصافح الصّفاح بصدورنا، وغيرنا يدّعى التصدير، ولا بدّ أن نستردّ بضاعتنا، بموقف العدل الذى تردّ به الغصوب، ونظهر ظاعتنا، فنأخذ بحظّ الألسنة كما أخذنا بحظّ القلوب، وما كان العائق إلا أنّا كنا ننظر ابتداء من الجانب الشريف بالنعمة،

стр. 1175

يضاهى ابتداءنا بالخدمة، وإيجابا للحق، يشاكل إيجابنا للسبق، إلى أن يكون سحابها بغير يد مستنزلا، وروضها بغير غرس مطفلا. كان أول أمرنا أنا كنا في الشام نفتح الفتوحات مباشرين بأنفسنا، ونجاهد الكفّار متقدمين لعساكره نحن ووالدنا وعمّنا، فأىّ مدينة فتحت، أو معقل ملك، أو عسكر للعدو كسر، أو مصافّ للإسلام معه ضرب، فما يجهل أحد، ولا يجحد عدو، أنّا نصطلى الجمره، ونملك الكسره، ونتقدم الجماعة ونرتّب المقاتلة، وندبّر التعبئة، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرّنا أن يكون لغيرنا ذكرها. وكانت أخبار مصر تتصل بنا بما الأحوال عليه فيها من سوء التدبير، ومما دولتها عليه من غلبة صغير على كبير، وأن النظام قد فسد، والإسلام بها قد ضعف عن إقامته كل قائم بها وقعد، والفرنج قد احتاج من يدبرها إلى أن يقاطعهم بأموال كثيرة، لها مقادير خطيرة، وأن كلمة السّنّة بها وإن كانت مجموعة، فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كانت مسمّاة، فإنها متحاماة، وتلك البدع بها على ما يعلم، وتلك الضلالات فيها على ما يفتى منها بفراق الإسلام ويحكم، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللحم والدم، وتلك الأنصاب قد نصبت آلهة تتّخذ من دون الله تعظّم وتفخّم، فتعالى الله عن شبه العباد، وويل لمن غرّه تقلّب الذين كفروا في البلاد. فسمت هممنا دون همم ملوك الأرض إلى أن نستفتح مقفلها، ونسترجع للإسلام شاردها، ونعيد على الدين ضالّته منها، فسرنا إليها بعساكر ضخمة، وجموع جمّة، وبأموال انتهكت الموجود، وبلغت منا المجهود، وأنفقناها، من خالص ذممنا وكسب أيدينا، ومن أسارى الفرنج الواقعين في قبضتنا، فعرضت عوارض منعت، وتوجّهت

стр. 1176

للمصريين حيل باستنجاد الفرنج تمّت: (ولكلّ أجل كتاب). ولكلّ أمل باب. وكان في تقدير الله سبحانه أنا نملكها على الوجه الأحسن، ونأخذها بالحكم الأقوى الأمكن، فغدر الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عظم خطبها وخبطها، وعلم أنّ استئصال كلمة الإسلام محطّها، وكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان، كما كاتبنا المسلمون من الشام في هذا الأوان، بأنا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج من اليد، وإن لم ندفع غريم اليوم لم يمهل إلى الغد، فسرنا بالعساكر الموجودة والأمراء الأهل المعروفة إلى بلاد قد تمهّد لنا بها أمران، وتقرر لنا فيها في القلوب ودّان: الأول لما علموه من إيثارنا المذهب الأقوم، وإحياء الحقّ الأقدم، والآخر لما يرجونه من فكّ إسارهم، وإقالة عثارهم، ففعل الله ما هو أهله، وجاء الخبر إلى العدو فانقطع حبله، وصاقت به سبله، وأفرج عن الديار بعد أن كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وإقليمها قد نفذت فيها أوامره، وخفقت عليها صلبانه، وأمن من أن يسترجع ما كان بأيديهم حاصلا، وأن يستنقذ ما صار في ملكهم داخلا، ووصلنا البلاد وبها أجناد، عددهم كثير، وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السر منهم أنفذ من العزيمة في الجهر. وبها راجل من السودان يزيد على مائة ألف رجل، كلهم أغتام أعجام، إن هم إلا كالأنعام، لا يعرفون ربّا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا ما يتوجهون إليه من ركنه، وبها عسكر من الأرمن باقون على النصرانية، موضوعة عنهم الجزية، كانت لهم شوكة وشكّة، وحمية وحمة، ولهم حواش لقصرهم من بين داع تلطف في الضلال مداخله، وتصيب العقول مخاتله، ومن بين كتّاب، أقلامهم تفعل أفعال الأسل، وخدّام يجمعون إلى سواد الوجوه سواد النّحل، ودولة

стр. 1177

قد كبر عليها الصغير، ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع خطرات الضمير، فكيف لحظات التدبير. هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة، وتعطيل للفرائض على عادة جارية، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله في التنزيل، وكفر سمى بغير اسمه، وشرع يستربه، ويحكم بغير حكمه. فمازلنا نسحتهم سحت المبارد للشفار، ونتحيفهم تحيّف الليل والنهار للأعمار، بعجائب تدبير، لا تحتملها المساطير، وغرائب تقرير لا تحملها الأساطير، ولطف توصل ما كان في حيلة البشر ولا قدرتهم إلا إعانة المقادير، وفى أثناء ذلك استنجدوا علينا الفرنج دفعة إلى بلبيس، ودفعة إلى دمياط، وفى كل منهما وصلوا بالعدو المجهر والحشد الأوفر، وخصوصا في نوبة دمياط فإنهم نازلوها بحرا في ألف مركب مقاتل وحامل، وبرأ في مائتى ألف فارس وراجل، وحصروها شهرين يباكرونها ويراوحونها، ويماسونها ويصابحونها، القتال الذى يصليه الصليب، والقراع الذى ينادى به من مكان قريب، ونحن نقاتل العدوين: الباطن والظاهر، ونصابر الضدين: المنافق والكافر، حتى أتى الله بأمره، وأيّدنا بنصره، وخابت المطامع من المصريين ومن الفرنج، ومن ملك الروم ومن الجنويين وأجناس الروم، لأن أنفارهم تنافرت، ونصاراهم تناصرت، وأناجيل طواغيتهم رفعت، وصلب صلبوتهم أخرجت، وشرعنا في تلك الطوائف من الأجناد والسودان والأرمن فأخرجناهم من القاهرة تارة بالأوامر المرهقة لهم، وبالذنوب الفاضحة منهم، وبالسيوف المجردة وبالنار المحرقة، حتى بقى القصر ومن به من خدمه قد تفرقت شيعه، وتمزقت بدعه، وخفتت دعوته، وخفيت ضلالته. فهنالك تمت لنا إقامة الكلمة والجهر بالخطبة، والرفع للواء السواد الأعظم،

стр. 1178

والجمع لكلمة السواد الأعظم، وعاجل الله الطاغية الأكبر بفنائه، وبرأنا من عهدة يمين كان حنثها أيسر من إثم إبقائه، إلا أنه عوجل لفرط روعته ووافق هلاك شخصه هلاك دولته. ولما خلا ذرعنا، ورحب وسعنا، نظرنا في الغزوات إلى بلاد الكفار، فلم تخرج سنة إلا عن سنّة أقيمت فيها برا وبحرا، ومركبا وظهرا، إلى أن أوسعناهم قتلا وأسرا، وملكنا رقابهم قهرا وقسرا، وفتحنا لهم معاقل ما خطر أهل الإسلام فيها منذ أخذت من أيديهم، وما أوجفت فيها خيلهم ولا ركابهم مذ ملكها أعاديهم، فمنها ما حكمت فيه يد الخراب، ومنها ما استولت عليه يد الاكتساب، ومنها قلعة بثغر أيلة كان العدو قد بناها في بحر الهند، وهو المسلوك منه إلى الحرمين واليمن، وغزا ساحل الحرم فسبى منه خلقا، وخرق الكفر في هذا الجانب خرقا، فكادت القبلة أن يستوى على أصلها، ومساجد الله أن يسكنها غير أهلها، ومقام الخليل صلوات الله عليه أن يقوم به من ناره غير برد وسلام، ومضجع الرسول شرّفه الله أن يتطرقه من لا يدين بما جاء به من الإسلام، ففتح الله هذه القلعة وصارت معقلا للجهاد، وموئلا لسفار البلاد، وغيرهم من عباد العباد، فلو شرح ما تم بها للمسلمين من الأثر الجليل، وما استدّ من خلاتهم، وأحرق من زروع المشركين ورعى من غلاتهم، إلى أن ضعفت ثغورهم، واختلت أمورهم، لاحتيج فيه إلى زمن يشغل عن المهمات الشريفة لسماع مورده، وإيضاح مقصده. وكان باليمن ما علم من ابن مهدى الضال وله آثار في الإسلام، وثأر طالبه النبى ﵊، لأنه سبى الشرائف الصالحات وباعهن بالثمن البخس، واستباح منهن كل ما لا تقر عليه نفس، وكان ببدعه دعا إلى قبر أبيه وسماه كعبه، وأخذ أموال الرعايا المعصومة وأجاحها، وأحلّ الفروج المحرّمة وأباحها، فأنهضنا

стр. 1179

إليه أخانا بعسكرنا بعد أن تكلفنا له نفقلت واسعة، وأسلحة رائعة، وسار فأخذناه ولله الحمد، وأنجح الله فيه القصد، ووردتنا. كتب عساكرنا وأمرائنا بما نفذ في ابن مهدى وبلاده المفتتحة ومعاقله المستضافة، والكلمة هنالك بمشيئة الله إلى الهند سارية، وإلى ما لم يفتض الإسلام عذرته منذ أقام الله كلمته متمادية. ولنا في المغرب، أثر أغرب، وفى أعماله أعمال دون مطلبها كما يكون المهلك دون المطلب، وذلك أن بنى عبد المؤمن قد اشتهر أن أمرهم أمر، وملكهم قد عمر، وجيوشهم لاتطاق، وأوامرهم لا تشاق، ونحن والحمد لله قد ملكنا مما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرّنا عسكرا بعد عسكر رجع بنصر بعد نصر، ومن البلاد المشاهير، والأقاليم الجماهير: - لك، برقة، قفصة، قسطيلية، توزر. كل هذه تقام فيها الخطبة لمولانا الإمام المستضىء بالله - سلام الله عليه - ولا عهد للإسلام بإقامتها، وتنفذ فيها الأحكام بعلمها المنصور وعلامتها. وفى هذه السنة كان عندنا وفد قد شاهده وفود الأمصار، مقداره سبعون راكبا كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا. وقد صدرت عنا بحمد الله تقاليدها، وألقيت إلينا مقاليدها، وسيرّنا الخلع والألوية، والمناشير بما فيها من الأوامر والأقضية. وأما الأعداء الذين يحدقون بهذه البلاد، والكفار الذين يقاتلونها بالممالك العظام والعزائم الشداد، فمنهم: صاحب قسطنطينية وهو الطاغية الأكبر، والجبار الأكفر، وصاحب المملكة التي أكلت على الدهر وشربت، وقائم النصرانية التي حكمت دولته على ممالكها وغلبت، وجرت لنا معه غزوات بحرية، ومناقلات ظاهرية وسرية، وكانت له في البلاد مطامع، منها أن يجبى خراجا،

стр. 1180

ومنها أن يملك منها فجاجا، وكانت غصة لا يسيغها الماء، وداهية لا ترجى لها الأرض بل السماء، فأخذنا ولله الحمد بكظمه، وأقمناه على قدمه، ولم نخرج من مصر، إلى أن وصلتنا رسله في جمعة واحدة في نوبتين بكتابين، كل واحد منهما يظهر فيه خفض الجناح، وإلقاء السلاح، والانتقال من معاداة، إلى مهاداة، ومن مناضحة إلى مناصحة، حتى إنه أنذر بصاحب صقلية وأساطيله التي يرد ذكرها، وعساكره التي لم يخف أمرها. ومن هؤلاء الكفار صاحب صقلية هذا، كان حين علم أن صاحب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط، فغلبا وهزما وكسرا، أراد أن يظهر قوته المستقلة بمفردها، وعزمته القائمة بمجردها، فعمّر أسطولا استوعب فيه ماله وزمانه: فإنه إلى الآن منذ خمس سنين يكثّر عدته، وينتخب عدته، ويجتلب مقاتلته إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى اسكندرية أمر رائع، وخطب هائل، وما أثقل ظهر البحر مثل حمله، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله، ما هو إقليم بل أقاليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره لولا أن الله خذله؟ ولو ذهبنا نصف ما ذهب، فيه من ذهب، وما أخذ منه من سلاح وخيل وعدد ومجانيق، ومن أسر منه من خيالة كبار ومقدمين ذوى أقدار وملوك يقاطعون بالجمال التي لها مقدار، وكيف أخذه وهو في العدد الأكثر بالعدد الأقل من رجالنا، وكيف نصر الله عليه مع الأصعب من قتاله بالأسهل من قتالنا، لعلم أن عناية الله بالإسلام تغنيه عن السلاح، وكفاية الله لهذا الدين تكفيه مؤنة الكفاح. ومن هؤلاء الجنوبين الذين يسربون الجيوش: البنادقة - البياشنة - الجنوية، كل هؤلاء تارة لا تطاق ضراوة ضرهم، ولا تطفأ شرارة شرهم، وتارة يجهزون سفّارا، يحتكمون على الإسلام في الأموال المجلوبة، وتقتصر عنهم يد الأحكام

стр. 1181

المرهوبة؛ وما منهم الآن إلا من يجلب إلى بلدنا آلة قتاله وجهاده، ويتقرب إلينا بإهداء طرائف أعماله وبلاده، وكلهم قد قررت معه المواصفة، وانتظمت معه المسالمة؛ على ما نريد ويكرهون، ونؤثر ولا يؤثرون. ولما قضى الله بالوفاة النورية، وكنا في تلك السنة على نية الغزو، والعساكر قد ظهرت، والمضارب قد برزت، ونزل الفرنج بانياس وأشرفوا على احتيازها، ورأوها فرصة مدوا إليها يد انتهازها، استصرخ بنا صاحبها للمانعة، واستنهضنا لتفريج الكرب الواقعة؛ فسرنا مراحل اتصل بالعدو أمرها، وعوجل بالهدنة الدمشقية التي لولا مسيرنا ما انتظم حكمها ولا قبل كثيرها ولا قليلها؛ ثم عدنا إلى البلاد فتوافت إلينا الأخبار بما الدولة النورية عليه من تشعب الآراء وتوزعها، وتشتت الأمور وتقطعها؛ وأنّ كل قلعة قد حصل فيها صاحب، وكل جانب قد طمح إليه طالب، والفرنج قد بنوا بلادا يتحيّفون بها الأطراف الإسلامية، ويضايقون بها البلاد الشامية، وأمراء الدولة قد سجن أكابرهم وعوقبوا وصودروا، والمماليك الذين للمتوفى أغرار خلقوا للأطراف لا للصدور، وجعلوا للقيام لا للجلوس في المحفل المحصور، وقد مدّوا الأعين والأيدى والسيوف، وساءت سيرتهم في الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف، وكلّ واحد يتخذ عند الفرنج يدا، ويجعلهم لظهره سندا ويرفع عنهم ذخيرة كانت للإسلام، ويفرج لهم عن أسير من أكابر الكفار كان مقامه مما يدفع شرا، ولا يزيد نار الكفر جمرا، وإطلاقه يجلب قطيعة تقوى إسلاما وتضعف كفرا، فكثرت إلينا مكاتبات أهل الآراء الصائبة، ونظرنا للاسلام ولنا ولبلاد الإسلام في العاقبة. وعرفنا أن البيت المقدس إن لم تتيسر الأسباب لفتحه. وأمر الكفر إن لم يجرد العزم في قلعه، وإلا ثبتت عروقه، واتسعت على أهل الدين خروقه؛

стр. 1182

وكانت الحجة لله قائمة، وهمم القادرين بالقعود آئمة، وإنا لا نتمكن بمصر منه مع بعد المسافة، وانقطاع العمارة وكلال الدواب، وإذا جاورناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة، واليد قادرة، والبلاد قريبة، والغزوة ممكنة، والميرة متسعة والخيل مستريحة. والعساكر كثيرة. والجموع متيسرة. والأوقات مساعدة. وأصلحنا ما في الشام من عقائد معتلة. وأمور مختلة. وآراء فاسدة، وأمراء متحاسدة؛ وأطماع غالبة، وعقول غائبة؛ وحفظنا الولد القائم بعد أبيه. وكفلناه كفالة من يقضى الحقّ ويوفيه، فإنا به أولى من قوم يأكلون الدنيا باسمه، ويظهرون الوفاء بخدمه وهم عاملون بظلمه؛ والمراد الآن هو كل ما يقوى الدولة، ويؤكد الدعوة؛ ويجمع الأمة، ويحفظ الألفة، ويضمن الزلفة، ويفتح بقية البلاد. ويطبق بالاسم العباسى كل ما تخطئه العهاد - ونحن نقترح على الأحكام المعهودة، وننتظر أن يأتى الإنعام على الغايات المزيدة؛ وهو: تقليد جامع لمصر والمغرب واليمن والشام، وكل ما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله الدولة بسيوفنا وسيوف عساكرنا. ولمن نقيمه من أخ وولد من بعدنا، تقليدا يضمن للنعمة تخليدا. وللدعوة تجديدا؛ مع ما ينعم به من السمات التي يقتضيها الملك، فإن الإمارة اليوم بحسن نيتنا في الخدمة تصرّف بأقلامنا. وتستفاد من تحت أعلامنا. ويتبين أن أمراء الدولة النورية يحتاج إليهم في فتح البلاد القدسية ضرورة: لأنها منازل العساكر، ومجمع الأنفار والعشائر، فمتى لم يكن عليهم يد حاكمة، وفيهم كلمة نافذة، منعهم ولاة البلاد وبغاة العناد. وبالجملة فالشام لا ينتظم أمره بمن فيه، وفتح بيت المقدس ليس له قرن يقوم به ويكفيه؛ والفرنج، فهم يعرفون منا خصما لا يمل الشر حتى يملوا، وقرنا لا يزال يحرم السيف حتى يحلوا؛ حتى إنا لما جاورناهم في هذا الأمد القريب، وعلموا أن المصحف قد جاء بأيدينا يخاصم الصليب؛ استشعروا بفراق بلاهم. وتهادوا

стр. 1183

التعازى لأرواحهم بأجسادهم، وإذا سدّد رأينا حسن الرأى ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله ويد كل مسلم تحت برده، واستنقذنا أسيرا من المسجد الذى أسرى الله إليه بعبده. هذا ما لاح طلبه على قدر الزمان. والأنفس تطلب على مقدار الإحسان؛ فإن في استنهاض نيات الخدام بالإنعام ما يعود على الدولة منافعه، وتنكأ الأعداء مواقعه؛ وتبعث العزائم من موت منامها، وتنفض البصائر غبار ظلامها، والله تعالى ينجد إرادتنا في الخدمة بمضاعفة الاقتدار، ومساعدة الأقدار إن شاء الله تعالى.

стр. 1184

(٤) صورة العهد الصادر عن ديوان الإنشاء ببغداد بتولية صلاح الدين ملك مصر وأعمالها، والصعيد الأعلى، والاسكندرية وما يفتحه من بلاد الغرب والساحل، وبلاد اليمن وما افتتحه منها، ويستخلصه بعد من ولايتها عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ١٠، ص ١٤٥ - ١٥٢) «إنّ أولى من جادت رباعه سحب الاصطناع، وخصّ من الاصطفاء والاجتباء بالصّفايا والمرباع، من ترسّم انتهاج الجدد القويم، والطريق الواضح المستقيم، واعتلق من الولاء بأوثق عصمه وحباله، والفناء الذى يهتدى بأنواره في متصّرفاته وأعماله، والتحلّى بجميل الذكر في سيرته، وخلوص الاعتناء بأمور رعيّته، وكان راغبا في اقتناء حميد الخلال، مجتهدا في طاعة الله بما يرضيه من العدل الممتدّ الظّلال، عاملا فيما يناط به بما يتضوّع نشر خبره، ويجتنى بحسن صنعه يانع ثمره، باذلا وسعه في الصلاح، مؤذنة مساعيه بفوز القداح. ولمّا كان الملك الأجلّ، السيد، صلاح الدين، ناصر الإسلام، عماد الدولة جمال الملك، فخر الملّة، صفّى الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، فامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتّمردين، عزّ المجاهدين، ألب غازى بك بن يوسف بن أيّوب - أدام الله علوّه - على هذه السّجايا مقبلا، وبصفاتها الكاملة مشتملا، مؤثرا تضاعف المأثرات، مثابرا على ما تزكو به الأعمال

стр. 1185

الصالحات، متحلّيا بالمحامد الرائعة، مستبدّا بالمناقب التي هى لجميل أفعاله موافقة مطابقة، محصّلا من رضا الله تعالى ما يؤثره ويرومه، [و] من طاعة الدّار العزيزة - لا زالت مشيّدة البناء، سابغة النّعماء، دائمة الاستبشار، عزيزة الأنصار -[و] من استمرار الظّفر ما يستديمه - اقتضت الآراء الشريفة - لازال التوفيق قرينها، والتأييد مظافرها ومعينها - إمضاء تصرّفه وإنفاذ حكمه في بلاد مصر وأعمالها، والصعيد الأعلى، والإسكندرية، وما يفتحه من بلاد الغرب والساحل، وبلاد اليمن وما افتتحه منها ويستخلصه بعد من ولايتها؛ والتعويل في هذه الولايات عليه، واستنفاذ ما استولى عليه الكفّار من البلاد، وإعزاز كلّ من أذلّوه واضطهدوه من العباد، لتعود الثّغور بيمن نقيبته ضاحكة المباسم، وبإصابة رأيه قائمة المواسم. أمره بادئا بتقوى الله التي هى الجنّة الواقية. والذّخيرة الباقية. والعصمة الكافية. والزاد إذا أنفض وفد الآخرة وأرملوا، والعتاد النافع إذا وجدوا شاهدا لهم وعليهم ما عملوا: فإنّها العلم المنصوب للرّشد، قال الله تعالى: (﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ.﴾) وأمره أن يتّخذ كتاب الله - سبحانه - العلم الذى به يقتدى. وبأنواره إلى حدود الصواب يهتدى، ويستمع لزواجره ومواعظه، ويعتبر بتخويفه وملاحظه، ويصغى إليه بسمعه وقلبه، وجوارحه ولبّه، ويعمل بأوامره المحكمة ويقف عند نواهيه المبرمة، ويتدبّر ما حوته آياته من الوعد والوعيد، والزّجر والتّهديد، وقال الله : (﴿وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ.﴾) وأمره أن يكون على صلاته محافظا، ولنفسه عن الإخلال والتقصير في أداء

стр. 1186

فرضها واعظا؛ فيغتنم الاستعداد أمام أوقاتها للأداء، ويحترز من فواتها والحاجة إلى القضاء، موفّيا حقّها من الرّكوع والسّجود، على الوصف الواجب المحدود، مخلصا سرّه عند الدّخول فيها، وناهيا نفسه عمّا يصدّها بالأفكار ويلهيها، مجتهدا في نفى الفكر والوسواس من قلبه، منتصبا في إخلاص العبادة لربّه: ليغدو بوصف الأبرار منعوتا، قال الله تعالى: (﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً.﴾) وأمره بقصد المساجد الجامعة في أيّام الجمع، امتثالا لأمر الله المتّبع، بعزيمة في الخير صادقة، ونيّة للعبادة موافقة، وفى الأعياد إلى المصلّيات المصحرة المجمّلة بالمنابر الحالية، التي هى عن الأدناس مطّهرة نائية، فإنّها من مواضع العبادة ومواطنها ومظانّ تلاوة القرآن المأمور بحفظ آدابها وسننها، فقد وصف الله تعالى من وفّقه لتحميل مؤنه بالعمارة، بما أوضح فيه الإشارة، وشرّفه بوضع سمة الإيمان عليه بالإكرام الفاخر، فقال: (﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)﴾ فيقيم الدعوة الهادية على المنابر على عادة من تقدّمه ومنتهيا فيها إلى أحسن ما عهده وعلمه. وأمره بلزوم نزاهة الحرمات، واجتناب المحّرمات، والتحلىّ من العفاف والورع بأجمل القلائد الرائقة، والتقمصّ بملابس التقوى التي هى بأمثاله لاثقة؛ وسلوك مناهج الصّلاح الذى يجمل به فعله؛ ويصفو له علّه ونهله؛ وأن يمنع نفسه من الغضب؛ ويردّها عمّا تأمر به من سوء المكتسب؛ ويأخذها بآداب الله سبحانه في تهيها عن الهوى؛ وحملها على التقوى؛ وردعها عن التورط في المهاوى والشّبه وكلّ أمر يلتبس فيه الحقّ ويشتبه؛ ويلزمها الأخذ بالعفو والصّفح. والتأمل لمكان الأعمال فيه واللّمح؛ قال الله تعالى: (﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ.﴾)

стр. 1187

وأمره بإحسان السّيرة في الرعايا بتلك البلاد، واختصاصهم بالصّون الرائح الغاد، ونشر جناح الرّعاية على البعيد منهم والقريب، وإحلال كلّ منهم محلّة على القاعدة والترتيب؛ وإشاعة المعدلة فيهم، وإسهام دانيهم من وافر ملاحظته وقاصيهم، وأن يحمى سرحهم من كل داعر، ويذود عنهم كل موارب بالفساد ومظاهر، حتّى تصفو لهم من الأمن الشرائع، وتضفو عليهم من بركة ولايته المدارع، وتستنير بضوء العدل منهم المطالع، ويحترم أكابرهم، ويحنو على أصاغرهم، ويشملهم بكنفه ودرعه، وينتهى في مصالحهم إلى غاية وسعه، ولا يألوهم في النصح جهدا، ولا يخلف لهم في الخير وعدا، ويشاورهم في أمره فإنّ المشورة داعية إلى الفلاح، ومفتاح باب الصلاح، قال الله تعالى: (﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ.﴾) وأمره بإظهار العدل في الرّعية التي تضمها جميع الأكناف والأطراف، والتحلّى من النّصفة بأكمل الأوصاف، وحمل كافّتهم على أقوم جدد، وعصيان الهوى في تقويم كلّ أود، والمساواة بين الفاضل والمفضول في الحقّ إذا ظهر صدق دليله، والاشتمال عليهم بالأمن الذى يعذب لهم برد مقيله، وكشف ظلامة من انبسطت إلى تحيّفه الأيدى والأطماع، وأعجزته النصرة لنفسه والدّفاع، وتصفّح أحوالهم بعين لا ترنو إلى هوى يميل بها عن الواجب، وسمع لا يصغى إلى مقالة مائن ولا كاذب، ولا يغفل عن مصلحة تعود إليهم، ويرجع نفعها عليهم، ولا عن كشف ظلامات بعضهم عن بعض، وردّهم إلى الحقّ في كلّ رفع من أحوالهم وخفض، فلا يرى إلا بالحقّ عاملا، وللأمور على سنن الشريعة حاملا، مجتنبا إغفال مصالحهم وإهمالها، وحارسا نظامها على تتابع الأيام واتصالها،

стр. 1188

ليكون ذلك إلى وفور الأجر داعيا، وبحسن الأحدوثة قاضيا، مقتديا بما نطق به القرآن. (﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ.﴾) وأمره أن يأمر بالمعروف ويقيم مناره، وينهى عن المنكر ويمحو آثاره، فلا يترك ممكنا من إظهار الحقّ وإعلانه وقمع الباطل، وإخماد نيرانه، ويعتمد مساعدة كل مرشد إلى الطريق الأقصد، وناه عن التظاهر بالمحظور في كل مشهد، وكل من تضحى معونته مشاركة في إحراز المثوبة ومساهمة، ومساومة في اقتناء الأجر ومقاسمه، وأن يوعز بإزالة مظان الريب والفساد في الدانى من الأعمال والقاصى، فإنها مواطن الشيطان وأماكن المعاصى، وأن يشدّ على أيدى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، ويعينهم على ذلك بما يطيب ذكره في كل مشهد ومحضر، ويجتهد في إزالة كل محظور ومنكر، مقدم في الباطل ومؤخر، قال الله تعالى: (﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ.﴾) وأمره أن يقدّم الاحتياط في حفظ الثغور ومجاوريها من الكفّار، ويستعمل غاية التيقظ في ذلك والاستظهار، ليأمن عليها غوائل المكايد، ويفوز من التوفيق لذلك بأنواع المحامد، ويتجرّد لجهاد أعداء الدين والانتقام من الكفرة المارقين أخذا بقول رب العالمين: (﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾) وأن يعمل فيما يحصل من الغنائم عند فلّ جموعهم، وافتتاح بلادهم وربوعهم، بقول الله وما أمر به في قسمتها، وإيفاء كلّ صاحب حصته منها؛ سالكا سبل من غدا لآثار الصلاح مقتفيا، وللفرض في ذلك مؤديا، وبهدى ذوى الرّشد مهتديا، قال الله تعالى في محكم التنزيل: (﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ.﴾)

стр. 1189

وأمره أن يجيب إلى الأمان من طلبه منه، ويكون وفاؤه مقترنا بما تضمّنه، غير مضمر خلاف ما يعطى به صفقة أمانه، ويجتنب الغدر وما فيه من العار، وإسخاط الملك الجبّار، قال الله : (﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ، وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها، وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً، إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ).﴾ وأمره بأن يأمر أصحاب المعاون بمساعدة القضاة والحكّام، ومعونتهم بما يقضى [بلمّ] شمل الصلاح في تنفيذ القضايا والانتظام، وأخذ الخصوم بإجابة الداعى إذا استحضر [وإلى] أبوابهم للإنصاف، والمسارعة إلى الحقّ الواجب عليهم من غير خلاف، قال الله تعالى: (﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ.﴾) وأمره بالتعويل في المظالم وأسواق الرقيق ودور الضرب والحسبة على من يأوى إلى عفاف ودين، وعلم بأحكام الشريعة وصحة يقين، لا يخفى عليه ما حرّمه الله تعالى وأحلّه، ولا يلتبس على علمه ما أوضح إلى الحقّ الواضح سبله؛ وإلى من يتولى المظالم بإيصال الخصوم إليه، وإنصافهم كما أوجب الله تعالى عليه؛ واستماع ظلاماتهم، وإحسان النظر في مشاجراتهم، فإن أسفر للحقّ ضياء تبعه، أو اشتبه الأمر ردّه إلى الحكام ورفعه. و [إلى] الناظر في أسواق الرقيق بالاحتراز والإستظهار، وتعرية الأحوال من الشبه في امتزاج العبيد بالأحرار. لتضحى الأنساب مصونة مرعية، والأموال عن الثّلم محروسة محمية، وإلى من ينظر في الحسبة بتصفح أحوال العامة في متاجرهم وأموالهم، وتتبع آثار صحتهم في المعاملة واعتلالهم. واعتبار الموازين والمكاييل، وإلزام أربابها الصحة والتعديل؛ قال الله : (﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ.﴾) وأن يعمل الجفن في تطهير البلاد، من كلّ مدخول الاعتقاد، معروف

стр. 1190

بالشبه في دينه والإلحاد، ومن يسعى منهم في الفساد، ويأمر المرتبين في المراكز والأطراف باقتناصهم، وكفّ فسادهم وإجلائهم عن عراصهم، وأن يجرى عليهم في السياسة ما يجب على أمثالهم من الزنادقة والذين توبتهم لا تقبل؛ وأمرهم على حكم المخاطبين لا يحمل، قال الله تعالى: (﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ.﴾) وأمره أن يتلقى النعمة التي أفرغت عليه، وانساقت إليه؛ بشكر ينطق به لسانه، ويترجم عنه بيانه: ليستديم بذلك الإكرام؛ ويقترن الإحسان عنده بالالتئام؛ وأن يوفيها حقّها من دوام الحمد، والقصد إلى شكرها والعمد؛ قال الله تعالى: (﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ.﴾) وليعلم أن أمير المؤمنين قد بيّن له من الصلاح ما اتضحت أعلامه؛ وأثبتت في المرامى سهامه؛ وأرشد إلى ما أودع هذا المنشور من جدد الفوز بمرضاة الله تعالى وشكر عباده؛ عاملا في ذلك بمقتضى جدّه واجتهاده: ليحرز السبق في دنياه وعقباه؛ ويتوفر عنده ما منح به مما أرهف عزمه وحباه؛ وغدا بمكانه رافلا في ملابس الفخر والبهاء؛ نائلا منى ما طال به مناكب القرناء؛ واختصّ بما أعلى درجته، فتقاعست عنه آمال حاسديه وتفّرد بالمكانة عن مقام من يباريه ويناويه؛ وأولى من الإنعام ما أمّن به سرب النعمة عنده؛ وأصفى من مناهل الإحسان ورده؛ وأهدى إليه من المواعظ ما يجب أن يودعه واعية الأسماع؛ ويأخذ بالعمل به كلّ راع؛ فينهج - أدام الله علوّه - محاجّ الولاء؛ الذى عهده من أمثاله من الأولياء؛ متنزها عن تقصير منه في عامة الأوقات؛ ومراعيا أفعاله في جميع التصرفات؛ ويعلم أنه مسئول عن كل ما تلفّظ به لسانه ناطقا؛ ونظر طرفه إليه رامقا؛ قبل أن يجانب هواه؛ ويبقى رهينا بما اكتسبت يداه؛

стр. 1191

ولا يغترّ من الدنيا وزخرفها بغرار ليس الوفاء من طباعه؛ ومعير ما أقصر مدة ارتجاعه! وسبيل كافّة القضاة والأعيان ومقدّمى العساكر والأجناد؛ ورؤساء البلاد؛ متابعته وموافقته؛ وطلب مصالحهم من جنابه؛ والتصرّف على استصوابه؛ وقد أكّدت وصاته في الرفق بهم والاشتمال عليهم؛ والإحسان إليهم، وإجمال السّيرة فيهم؛ وكلّما أشكل عليه أمر من المتجددات يطالع به الديوان العزيز - مجّده الله تعالى - لينهج له السبيل إلى فتح رتاجه؛ وسلوك منهاجه؛ والله ولىّ التوفيق والهداية، وجمع الكلمة في كل إعادة وبداية؛ والمعونة على العصمة من الزلل؛ والتأييد في القول والعمل؛ إن شاء الله تعالى؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل».

стр. 1192

(٥) كان صلاح الدين قد أناب عنه في سنة ٥٨٢ ابنه العزيز في حكم مصر، وأقطع أخاه العادل مديرية الشرقية، فغضب ابن أخيه تقى الدين عمر، وأخذ يعد العدة للمسير بجيشه لفتح المغرب، يلتمس لنفسه ملكا هناك ، وهذه قطعة من خطاب بقلم القاضى الفاضل أرسله صلاح الدين إلى ابن أخيه تقى الدين عمر في هذا المعنى عن (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٧٠) سبب هذه الخدمة ما اتصل بالملوك من تردّد رسائل مولانا في التماس السّفر إلى الغرب، والدستور إليه. (يكفى الزمان فما لنا نستعجل). يا مولانا: ما هذا الواقع الذى وقع، وما هذا الغريم من الهمّ الذى ما اندفع، بالأمس ما كان لكم من الدنيا إلا البلغة، واليوم قد وهب الله هذه النعمة، وقد كان الشمل مجموعا، والهمّ مقطوعا ممنوعا، أفتصبح الآن الدنيا ضيقة علينا وقد وسعت؟ والأسباب بنا مقطوعة، ولا والله، ما انقطعت؟. يا مولانا: إلى أين؟ وما الغاية؟ وهل نحن في ضائقة من عيش، أو في قلة من عدد، أو في عدم من بلاد، أو في شكوى من عدم؟. كيف نختار على الله وقد اختار لنا؟ وكيف ندبر لأنفسنا وهو قد دبّر لنا؟

стр. 1193

وكيف ننتجع الجدب ونحن في دار الخصب؟ وكيف نعدل إلى حرب الإسلام المنهىّ عنها ونحن في المدعو إليها من حرب أهل الحرب؟. معاشر الخدّام والجيش وأرباب العقول والآراء أليس فيكم رجل رشيد؟! تعقّب الرّأى، وانظر في أواخره ... فطالما التهمت قدما أوائله لازال مولانا يمضى الآراء صائبة، ويلحظها بادية وعاقبة، ولا خلت منه دار - إن خلت - فهيهات أن تعمر، ولا عدمته أيام إن لم تطلع فيها شمس وجهه دخلت في عداد الليالى فلم تذكر.

стр. 1194

(٦) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد يعتذر له عن تأخر الكتب، ويذكر له خبر صاحب قسطنطينية وصاحب صقلية من ملوك النصرانية من الروم والفرنج عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥١٥ - ٥١٦) سلام الله الأطيب، وبركاته التي يستدرّها الحضّر والغيّب؛ وزكواته التي ترفع أولياءه إلى الدّرج، ونعمه التي لم تجعل على أهل طاعته في الدين من حرج - على مولانا سيد الخلق، وسادّ الخرق، ومسدّد أهل الحق، ولابس الشعار لأطهر سوادا، ومستحقّ الطاعة التي أسعد الله من خصّه بها بدءا ومعادا، ومولى الأمة الذى تشابه يوم نداه وبأسه إن ركض جودا أو جوادا؛ وواحد الدهر الذى لا يثنّى وإليه القلوب تثنى، ولا يقبل الله جمعا لا يكون لولائه جمع سلامة لا جمع تكسير، ولا استقبال قبلة ممن لا تكون محبته في قلبه تقيم واسمه في عمله إلى الله يسير، مولانا أمير المؤمنين، وعلى آبائه المالئى الأرض عدلا، الملاء أهلا وفضلا، والضاربين فيصلا والقائلين فصلا، ومن تقول الجنة لأهلها بهم أهلا، المخصوصين بالعناية الإلهية، الحاكمين فكلّ أمة بطاعتهم مأمورة وعن معصيتهم منهية، والمشرفى الأسارير على أسرّة الشرف فكم ملأت البهو مناظر هم البهية. المملوك يخدم الحرم الشريف باحترامه، والفناء الكريم بإعظامه؛

стр. 1195

والبساط المقبّل بطول استلامه، والستر الذى أسبله الله على العباد بتحيته وسلامه؛ وينهى أنه آخر الخدم عن أن ينتظم الأوقات المتجددة، ويقتضب الحالات المتجردة، والرسل عن أن تتوارد دراكا، وتتوالى وشاكا؛ والإنهاءات عن أن تثبت بالمقامات الشريفة النبوية، ومجالس العرض العليّة؛ ما انتهت إليه الأقدار، وما أفضى إليه من كثير المناجح وقليل الأعذار؛ فإن أدب الأمالى عن المطالعة كالصوم لا يفضّ ختامه، ولا يحلّ نظامه إلا بعيد يطلع هلاله مبشرا، ويبثّ خبره في الآفاق معطّرا، فلو أن متكلفا أفطر قبل موعده، وورد الماء قبل مورده، لكان مفسدا لعقده، ناكثا لعهده. كذلك المملوك أمسك حين كانت الأخبار بجانبه مشتبهة، والحقائق لديه غير متوجّهة، فإن طاغيتى الكفر بقسطنطينية وصقلية كانا قد أو قدا للحرب نارا، ورفعا لها أوزارا، واتخذا لها أسطولا جاريا وعسكرا جرارا، وتباريا ولم يزد الله الظالمين إلا تبارا؛ وكتبا إلى الفرنج بعد انهزامهم بالنجدة والنصرة، وتضمنا لهم الخروج والكره، ويصفان ما استعدا به بما لا يعبر عنه إلا بالكثرة، واستطارت الشناعة وتداولتها الألسن، وخرجت من الأفواه حتى لقد كادت تدخل فيما رأته الأعين، وورد إلى المملوك رسول من طاغية القسطنطينية، وهو أقدم ملوك النصرانية قدما وأكثرهم ما لا منتمى، فعرض عليه موادعة يكون بها عسكره مودعا، ويكون له بها مفزعا، له ولصاحب صقلية الذى زعم أنه أصل للشريكون الشر منه مفرّعا؛ فلم. . . ولم يجب إلى السلم، ولم يزعه أن عسكره - خذله الله - مبار في البرّ وفى اليمّ، إن شاء الله تعالى.
следующие страницы →