← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ولا يغترّ من الدنيا وزخرفها بغرار ليس الوفاء من طباعه؛ ومعير ما أقصر مدة ارتجاعه! وسبيل كافّة القضاة والأعيان ومقدّمى العساكر والأجناد؛ ورؤساء البلاد؛ متابعته وموافقته؛ وطلب مصالحهم من جنابه؛ والتصرّف على استصوابه؛ وقد أكّدت وصاته في الرفق بهم والاشتمال عليهم؛ والإحسان إليهم، وإجمال السّيرة فيهم؛ وكلّما أشكل عليه أمر من المتجددات يطالع به الديوان العزيز - مجّده الله تعالى - لينهج له السبيل إلى فتح رتاجه؛ وسلوك منهاجه؛ والله ولىّ التوفيق والهداية، وجمع الكلمة في كل إعادة وبداية؛ والمعونة على العصمة من الزلل؛ والتأييد في القول والعمل؛ إن شاء الله تعالى؛ وهو حسبنا ونعم الوكيل».

стр. 1192

(٥) كان صلاح الدين قد أناب عنه في سنة ٥٨٢ ابنه العزيز في حكم مصر، وأقطع أخاه العادل مديرية الشرقية، فغضب ابن أخيه تقى الدين عمر، وأخذ يعد العدة للمسير بجيشه لفتح المغرب، يلتمس لنفسه ملكا هناك ، وهذه قطعة من خطاب بقلم القاضى الفاضل أرسله صلاح الدين إلى ابن أخيه تقى الدين عمر في هذا المعنى عن (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٧٠) سبب هذه الخدمة ما اتصل بالملوك من تردّد رسائل مولانا في التماس السّفر إلى الغرب، والدستور إليه. (يكفى الزمان فما لنا نستعجل). يا مولانا: ما هذا الواقع الذى وقع، وما هذا الغريم من الهمّ الذى ما اندفع، بالأمس ما كان لكم من الدنيا إلا البلغة، واليوم قد وهب الله هذه النعمة، وقد كان الشمل مجموعا، والهمّ مقطوعا ممنوعا، أفتصبح الآن الدنيا ضيقة علينا وقد وسعت؟ والأسباب بنا مقطوعة، ولا والله، ما انقطعت؟. يا مولانا: إلى أين؟ وما الغاية؟ وهل نحن في ضائقة من عيش، أو في قلة من عدد، أو في عدم من بلاد، أو في شكوى من عدم؟. كيف نختار على الله وقد اختار لنا؟ وكيف ندبر لأنفسنا وهو قد دبّر لنا؟

стр. 1193

وكيف ننتجع الجدب ونحن في دار الخصب؟ وكيف نعدل إلى حرب الإسلام المنهىّ عنها ونحن في المدعو إليها من حرب أهل الحرب؟. معاشر الخدّام والجيش وأرباب العقول والآراء أليس فيكم رجل رشيد؟! تعقّب الرّأى، وانظر في أواخره ... فطالما التهمت قدما أوائله لازال مولانا يمضى الآراء صائبة، ويلحظها بادية وعاقبة، ولا خلت منه دار - إن خلت - فهيهات أن تعمر، ولا عدمته أيام إن لم تطلع فيها شمس وجهه دخلت في عداد الليالى فلم تذكر.

стр. 1194

(٦) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد يعتذر له عن تأخر الكتب، ويذكر له خبر صاحب قسطنطينية وصاحب صقلية من ملوك النصرانية من الروم والفرنج عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥١٥ - ٥١٦) سلام الله الأطيب، وبركاته التي يستدرّها الحضّر والغيّب؛ وزكواته التي ترفع أولياءه إلى الدّرج، ونعمه التي لم تجعل على أهل طاعته في الدين من حرج - على مولانا سيد الخلق، وسادّ الخرق، ومسدّد أهل الحق، ولابس الشعار لأطهر سوادا، ومستحقّ الطاعة التي أسعد الله من خصّه بها بدءا ومعادا، ومولى الأمة الذى تشابه يوم نداه وبأسه إن ركض جودا أو جوادا؛ وواحد الدهر الذى لا يثنّى وإليه القلوب تثنى، ولا يقبل الله جمعا لا يكون لولائه جمع سلامة لا جمع تكسير، ولا استقبال قبلة ممن لا تكون محبته في قلبه تقيم واسمه في عمله إلى الله يسير، مولانا أمير المؤمنين، وعلى آبائه المالئى الأرض عدلا، الملاء أهلا وفضلا، والضاربين فيصلا والقائلين فصلا، ومن تقول الجنة لأهلها بهم أهلا، المخصوصين بالعناية الإلهية، الحاكمين فكلّ أمة بطاعتهم مأمورة وعن معصيتهم منهية، والمشرفى الأسارير على أسرّة الشرف فكم ملأت البهو مناظر هم البهية. المملوك يخدم الحرم الشريف باحترامه، والفناء الكريم بإعظامه؛

стр. 1195

والبساط المقبّل بطول استلامه، والستر الذى أسبله الله على العباد بتحيته وسلامه؛ وينهى أنه آخر الخدم عن أن ينتظم الأوقات المتجددة، ويقتضب الحالات المتجردة، والرسل عن أن تتوارد دراكا، وتتوالى وشاكا؛ والإنهاءات عن أن تثبت بالمقامات الشريفة النبوية، ومجالس العرض العليّة؛ ما انتهت إليه الأقدار، وما أفضى إليه من كثير المناجح وقليل الأعذار؛ فإن أدب الأمالى عن المطالعة كالصوم لا يفضّ ختامه، ولا يحلّ نظامه إلا بعيد يطلع هلاله مبشرا، ويبثّ خبره في الآفاق معطّرا، فلو أن متكلفا أفطر قبل موعده، وورد الماء قبل مورده، لكان مفسدا لعقده، ناكثا لعهده. كذلك المملوك أمسك حين كانت الأخبار بجانبه مشتبهة، والحقائق لديه غير متوجّهة، فإن طاغيتى الكفر بقسطنطينية وصقلية كانا قد أو قدا للحرب نارا، ورفعا لها أوزارا، واتخذا لها أسطولا جاريا وعسكرا جرارا، وتباريا ولم يزد الله الظالمين إلا تبارا؛ وكتبا إلى الفرنج بعد انهزامهم بالنجدة والنصرة، وتضمنا لهم الخروج والكره، ويصفان ما استعدا به بما لا يعبر عنه إلا بالكثرة، واستطارت الشناعة وتداولتها الألسن، وخرجت من الأفواه حتى لقد كادت تدخل فيما رأته الأعين، وورد إلى المملوك رسول من طاغية القسطنطينية، وهو أقدم ملوك النصرانية قدما وأكثرهم ما لا منتمى، فعرض عليه موادعة يكون بها عسكره مودعا، ويكون له بها مفزعا، له ولصاحب صقلية الذى زعم أنه أصل للشريكون الشر منه مفرّعا؛ فلم. . . ولم يجب إلى السلم، ولم يزعه أن عسكره - خذله الله - مبار في البرّ وفى اليمّ، إن شاء الله تعالى.

стр. 1196

(٧) رسالة بقلم القاضى الفاضل مرسلة من السلطان الملك الناصر صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل أبى بكر بشأن انتصار الأسطول المصرى بقيادة أميره حسام الدين لؤلؤ على أسطول الصليبيين الذى جرؤ فعبر مياه البحر الأحمر قاصدا مهاجمة مدينتى مكة والمدينة وذلك في شوال سنة ٥٧٨ (عن: أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٣٦) «وصل كتابه المؤرخ بخامس ذى القعدة المسفر عن المسفر من الأخبار، المتبسّم عن المتبسم من الآثار، وهى نعمة تضمنت نعما، ونصرة جعلت الحرم حرما، وكفاية ما كان الله ليؤخّر معجزة نبيّه ﷺ بتأخيرها، وعجيبة من عجائب البحر التي يحدّث عن تسييرها وتسخيرها، وما كان الحاجب لؤلؤ فيها إلا سهما أصاب، وحمد مسدّده، وسيفا قطع، وشكر مجرّده، ورسولا عليه البلاغ وإن لم يجهل ما أثرته يده، وقد غبطناه بأجر جهاده، ونجح اجتهاده، ركب السبيلين: برا وبحرا، وامتطى السابقين: مركبا وظهرا، وخطا فأوسع الخطو، وغزا فأنجح الغزو، وحبذا العنان الذى في هذه الغزوة أطلق، والمال الذى في هذه الكرّة أنفق. وهؤلاء الأسارى فقد ظهروا على عورة الإسلام وكشفوها، وتطرّقوا بلاد القبلة وتطوّفوها، ولو جرى في ذلك سبب - والعياذ بالله - لضاقت الأعذار

стр. 1197

إلى الله والخلق، وانطلقت الألسن بالمذّمة في الغرب والشرق، ولا بد من تطهير الأرض من أرجاسهم، والهواء من أنفاسهم، بحيث لا يعود منهم مخبر يدلّ الكفّار على عورات المسلمين، وإن هذا العدد القليل، قد نال ذلك المنال الجليل، وهذا مقام إن روعى فيه حراسة الظاهر، والوفاء للكافر، حدث الفتق الذى لا يمكن في كل الأوقات سدّه ورتقه، ولدغ المؤمن مرتين، والأولى تكفى لمن له في النظر تفقّه».

стр. 1198

(٨) قطعة من خطاب ثان بقلم القاضى الفاضل، مرسل من صلاح الدين - وكان في الشام - إلى أخيه العادل - في مصر - بشأن الانتصار سالف الذكر، وفيه يأمره بالإسراع بقتل أسرى الفرنج حتى لا يبقى منهم أحد يخبر بطريق ذلك البحر (الأحمر) عن: (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٣٦) «ونحن نهنىء المجلس السامى بظفره ولم لا يكمّله وينصره؟ ولم لا يعجّله ويشكره؟ وليس في قتل هؤلاء الكفّار مراجعة، ولا للشرع في إبقائهم فسحة، ولا في استبقاء واحد منهم مصلحة، ولا في التغاضى عنهم عند الله عذر مقبول، ولا حكم الله في أمثالهم عند أهل العلم بمشكل ولا مجهول، فليمض العزم في قتلهم، ليتناهى أمثالهم عن فعلهم، وقد كانت عظيمة ما طرق الإسلام بمثلها، وقد أتى الله بعدها بلطيفة أجراها على يد من رآه من أهلها».

стр. 1199

(٩) قطعة من خطاب ثالث بقلم الفاضل مرسل من صلاح الدين إلى العادل في مصر يكرر فيه ضرورة القضاء على أسرى الفرنج في الموقعة السابقة الذين جرءوا على اجتياز بحر الحجاز عن: (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٣٦ - ٣٧) «قد تكرّر القول في معنى أسارى بحر الحجاز، فلا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا، ولا توردهم بعد ماء البحر إلا نارا، فأقلّهم إذا بقى جنى الأمر الأصعب، ومتى لم تعجل الراحة منهم وعدت العاقبة بالأشقّ الأتعب».

стр. 1200

(١٠) قطعة من خطاب آخر مرسل من صلاح الدين إلى الخليفة في بغداد بشأن الغزوة الفرنجية سالفة الذكر في البحر الأحمر عن: (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٣٧) «وسارت المراكب الإسلامية طالبة شوكة المراكب الحربية المتعرضة للمراكب الحجازية واليمنية، وكانت مراكب العدو قد أوغلت في البحر، ودلّها على عورات الساحلين من العرب من أشبه ركّلبها في الكفر، فوصلت إلى عيذاب فلم ينل منها مرادا، غير أن ما وجدته في طريقها أو في فرضة عيذاب نالت منه وشعّثت، وأفسدت فيه وعثت، وتمادت في الساحل الحجازى إلى رابغ إلى سواحل الحوراء، وهناك وقع عليها أصحابنا وأوقعوا بها أشد إيقاع، وأخذوا المراكب الفرنجية على حكم البدار والإسراع، ففرّ فرنجها إلى الساحل، فركب أصحابنا وراءهم خيول العربان التي وجدوها، وأخذوا الكفّار من شعاب وجبال اعتصموا بها وقصدوها، وكفى المسلمون أشدّ فساد في أرضهم، وأقطع قاطع لفرضهم، وانبسطت آمالهم بقبضهم، وعميت على الكفّار هذه الطريق التي لو كشف لهم غطاؤها قدما، ولو أحاطوا بها علما، لاشتطت نكايتهم، واشتدت جنايتهم، وعزّ على قدماء ملوك مصر أن يصرعوا هذه الأقران، ويطفئوا هذه النيران ويركبوا غوارب اللجج، ويرخصوا غوالى المهج، ويقتنصوا هذا هذا الطائر من جوّه الذى لا يدرك لوحه، ويدركوا هذا العدوّ الذى لا يدرك إلا أن تستنجد عليه ملائكة الله وروحه».

стр. 1201

(١١) قطعة من خطاب آخر مرسل من صلاح الدين إلى الخليفة ببغداد بشأن غزوة الفرنج سالفة الذكر في البحر الأحمر، وبهذا الخطاب تفصيلات جديدة هامة عن (أبو شامة: الروضتين؛ ج ٢، ص ٣٧) «كان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا، وافتضّوا من البحر بكرا، وعمّروا مراكب حربية شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز، وأثخنوا وأوغلوا في البلاد، واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهل القبلة لما أومض إليهم من خلل العواقب، وما ظنّ المسلمون إلا أنها الساعة وقد نشر مطوىّ أشراطها، والدنيا وقد طوى منشور بساطها، وانتظر غضب الله لفناء بيته المحرّم، ومقام خليله الأكرم، وتراث أنبيائه الأقدم، وضريح نبيّه الأعظم ﷺ ورجوا أن تشحذ البصائر آية كآية هذا البيت إذ قصده أصحاب الفيل، ووكلوا إلى الله الأمر، وكان حسبهم ونعم الوكيل. وكان للفرنج مقصدان: أحدهما قلعة أيلة، التي هى على فوّهة بحر الحجاز ومداخله، والآخر الخوض في هذا البحر الذى تجاوره بلادهم من ساحله، وانقسموا فريقين، وسلكوا طريقين: فأما الفريق الذى قصد قلعة أيلة فإنّه قدّر أن يمنع أهلها من مورد الماء الذى به قوام الحياة، ويقاتلهم بنار العطش المشبوب الشباه؛ وأما الفريق القاصد سواحل الحجاز واليمن، فقدّر أن يمنع طريق الحاج عن حجّه، ويحول بينه وبين فجّه، ويأخذ تجّار اليمن وأكارم

стр. 1202

عدن، ويلمّ بسواحل الحجاز، فيستبيح - والعياذ بالله - المحارم، ويهيج جزيرة العرب بعظيمة دونها العظائم. وكان الأخّ سيف الدين بمصر قد عمّر مراكب وفرّقّها على الفرقتين، وأمرها بأن تطوى وراءهم الشقتين: فأما السائرة إلى قلعة أيلة فإنها انقضّت على مرابطى الماء انقضاض الجوارح على بنات الماء، وقذفتها قذف شهب السماء، مسترقى سمع الظلماء، فأخذت مراكب العدوّ برمّتها، وقتلت أكثر مقاتلتها إلا من تعلّق بهضبة وما كاد، أو دخل في شعب وما عاد، فإنّ العربان اقتصّوا آثارهم، والتزموا إحضارهم، فلم ينج منهم إلا من ينهى عن المعاودة، ومن قد علم أنّ أمر الساعة واحدة؛ وأما السائرة إلى بحر الحجاز فتمادت في الساحل الحجازى إلى رابغ وسواحل الحوراء، فأخذت تجّارا، وأخافت رفاقا، ودلّها على غوارب البلاد من الأعراب من هو أشدّ كفرا ونفاقا، وهناك وقع عليها أصحابنا، وأخذت المراكب بأسرها، وفرّ فرنجها بعد إسلام المراكب، وسلكوا في الجبال مهاوى المهالك ومعاطن المعاطب، وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب يشلونهم شلا، ويقنصونهم أسرا وقتلا، وما زالوا يتبعونهم خمسة أيام خيلا ورجلا، نهارا وليلا، حتى لم يتركوا عنهم خبرا، ولم يبقوا لهم أثرا، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ وقيد منهم مائة وسبعون أسيرا».

стр. 1203

(١٢) قطعة من خطاب مرسل من صلاح الدين - وكان بالشام - إلى الخليفة في بغداد ينقل إليه أخبار بعض انتصارات أسطوله على الفرنج في البحر المتوسط، وبعض انتصارات عسكره في المغرب عن: (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٣٧) «ومن جملة البشائر الواصلة من مصر عود الأسطول مرة ثانية كاسرا كاسبا، غانما غالبا، بعد نكايته في أهل الجزائر، وإخراب ما وجده فيها من الأعمال والعمائر، ومن جملة ما ظفر به في طريقة: بطشة من مراكب الفرنج تحمل أخشابا منجورة إلى عكا، ومعها تجارون ليبنوا منها شوانى، فأسر النجارون ومن معهم، وهم نيف وسبعون، وأما الأخشاب فقد انتفع بها المجاهدون، وكفى شرّها المؤمنون، وللخادم في المغرب عسكر قد بلغت أقصى إفريقية فتوحه، وعاود به شخص الدين في تلك للبلاد روحه».

стр. 1204

(١٣) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى «بردويل» أحد ملوك الفرنج، وهو يومئذ مستول على بيت المقدس وما معه، معزّيا له في أبيه، ومهنئا له بجلوسه في الملك بعده عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ١١٥ - ١١٦) أما بعد - خصّ الله الملك المعظّم حافظ بيت المقدس بالجدّ الصاعد، والسّعد الساعد، والحظّ الزائد. والتوفيق الوارد، وهنأه من ملك قومه ما ورّثه، وأحسن من هداه فيما أتى به الدهر وأحدثه؛ فإن كتابنا صادر إليه عند ورود الخبر بما ساء قلوب الأصادق، والنّعى الذى وددنا أن قائله غير صادق؛ بالملك العادل الأعزّ الذى لقّاه الله خير ما لقّى مثله، وبلّغ الأرض سعادته كما بلّغه محلّه؛ معزّ بما يجب فيه العزاء، ومتأسّف لفقده الذى عظمت به الأرزاء؛ إلا أنّ الله سبحانه قد هوّن الحادث، بأن جعل ولده الوارث، وأنسى المصاب، بأن حفظ به النّصاب، ووهبه النعمتين: الملك والشّباب، فهنيئا له ما حاز، وسقيا لقبر والده الذى حقّ له الفداء لو جاز؛ ورسولنا الرئيس العميد مختار الدين أدام الله سلامته قائم عنا بإقامة العزاء من لسانه، ووصف ما نالنا من الوحشة لفراق ذلك الصديق وخلوّ مكانه، وكيف لا يستوحش ربّ الدار لفرقة جيرانه. وقد استفتحنا الملك بكتابنا وارتيادنا، وودّنا الذى هو ميراثه عن والده

стр. 1205

من ودادنا، فليلق التحيّة بمثلها وليأت الحسنة ليكون من أهلها، وليعلم أنّا له كما كنا لأبيه: مودّة صافية، وعقيدة وافية، ومحبّة ثبت عقدها في الحياة والوفاة، وسريرة حكمت في الدنيا بالموافاة، مع ما في الدّين من المخالفات. فليسترسل إلينا استرسال الواثق الذى لا يخجل، وليعتمد علينا اعتماد الولد الذى لا يحمل عن والده ما تحمّل، والله يديم تعميره، ويحرس تأميره، ويقضى له بموافقة التوفيق، ويلهمه تصديق ظنّ الصديق.

стр. 1206

(١٤) قطعة من خطاب مرسل من القاضى الفاضل إلى السلطان صلاح الدين في نفس السنة ٥٨٢ بشأن موقف أخيه العادل وابن أخيه المظفر تقى الدين عمر منه وطمعهما في ملك يطمئنان إليه (عن: أبو شامة الروضتين، ج ٢؛ ص ٧١) «الملك العادل والملك المظفر المذكوران ما هما أخ وابن أخ، بل هما ولدان لا يعرفان إلا المولى والدا ومنعما، وكل واحد منهما له عشّ كثير الفراخ، وبيت كرقعة الشطرنج فيه صغار وكبار كالبيادق والرخاخ، فلا يقنع كلّ واحد منهما إلا طرف يملكه وأقليم يتفرّد به، فيدبّر مولانا في ذلك بما يقتضيه صدره الواسع وجوده الذى ما نظر مثله الناظر ولا سمع السامع، ولا ينسى قول عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -: «مروا القرابة أن يتزاوروا ولا يتجاوروا». وما على مولانا عجلة في تدبير يدبّره ولا في أمر يبيّته، (وستبدى لك الأيام ما كنت عارفا). وفى غد ما ليس في اليوم، ولله أقدار، ولها أمد، وقد رزق الله مولانا ذرية تودّ لو قدمت أنفسها بين يديه، ولو اكتحلت أجفانها بغبار قدميه،

стр. 1207

ما فيها من يشكى منه إلا التزيد في الطّلب، وهو من باب الثقة بكرم المنعم، ولهم أولاد، والمولى مدّ الآمال لهم، كما قال مولى الأمة: «تناكحوا، تناسلوا، فإنى مكائر بكم الأمم». طالما قال لهم المولى: «لدوا، وعلىّ تجهيز الإناث. وغنى الذكور، وسواء على أفق هذا البيت طلوع الشمس والبدور».

стр. 1208

(١٥) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين في جواب كتاب ورد عليه مخبرا فيه بالحركة للقاء العدو عن: (القلقشندى: صبح الأعشى. ج ٧. ص ١١١ - ١١٢) ورد على المملوك - أدام الله أيام المجلس العالى الملكىّ الناصرى، ونصره على أعدائه، وملّكه أرضه بعدل حكم سمائه، ولا أخلى من نعمتى خيره ونظره قلوب وعيون أوليائه، وأعزّ الإسلام ورفع عن أهله البلوى بلوائه. الكتب القديمة التي تسرّ الناظرين من شعارها الأصفر، وتبشّر الأولياء إن كانوا غائبين مع الغيّب بأن حظّهم حاضر مع الحضّر؛ وقد كانت الفترة قد طالت أيامها، واستطالت آلامها، والطّرقات قد سبق إلى الأنفس إبهامها. فالحمد لله الذى أذهب عنّا الحزن وأولى من النعمة ما اشترى الحمد بلا ثمن؛ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس، ووعد الله سبحانه منتظر، إذ يقول في كتابه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وصدق ﷺ في قوله: «إنّ اختيار الله للمؤمن خير من اختياره، وإنّ مواضع الأمل للعبد خير منها مواقع أقضية الله وأقداره». فقد كانت حركة احتاجت إليها البلاد التي انفصل عنها، والبلاد التي قدم عليها. أما المصرية منها فبكونها على عدّة

стр. 1209

من نجدته آجلا، وأما الشامية فبكونها على ثقة من نصره عاجلا؛ فقد تماسكت من المسلمين الأرماق، وقد انقطعت من المشركين الأعناق: تهاب بك البلاد تحلّ فيها ... ولولا اللّيث ما هيب العرين وعرض المملوك ما وصل إليه من مكاتبات المولى على العلم العادلىّ وأدركها تحصيلا، وأحاط بها جملة وتفصيلا؛ والمولى - خلّد الله ملكه - فكلّ ما أشار إليه من عزيمة أبداها، ونية أمضاها، فهو الصواب الذى أوضح الله له مالكه، والتوفيق الذى قرّب الله عليه مداركه؛ ومن أطاع الله أطاعه كلّ شىء؛ ومن استخاره بيّن له الرّشد من الغىّ؛ والله تعالى يجعل له من كلّ حادثة نخوة، ويكتب أجره في كلّ حركة ونفس وخطوه. إن شاء الله تعالى.

стр. 1210

(١٦) قطعة من خطاب أرسله السلطان صلاح الدين إلى بعض إخوانه وهو يجمع الجموع ويحشد الحشود في سنة ٥٨٢ هـ استعدادا لموقعة حطين (عن: أبو شامة: الروضتين: ج ٢: ص ٧٥) «كتبت هذه المكاتبة من جسر الخشب ظاهر دمشق، وقد ورد السلطان أعزّ الله أنصاره للغزاة إلى بلاد الكفر، في عسكر فيه عساكر، وفى جمع البادى فيه كأنه حاضر، وفى حشد يتجاوز أن يحصّله الناظر إلى أن لا يحصله الخاطر، وقد نهضت به همّة لا يرجى غير الله لإنهاضها، وحجبت به عزمة الله المسئول في حسم عوارض اعتراضها، وباع الله نفسا يستمتع أهل الإسلام بصفقتها، ويذهب الله الشّرك بهيبتها، وأرجو أن يتمخّض عن زبدة، وتستريح الأيدى بعدها عن المخض، وأن يكون الله قد بعث سنتجة نصرة الإسلام وسلطانه قد نهض للقبض».

стр. 1211

(١٧) خطاب مرسل من عبد الله بن أحمد المقدسى - وكان مقيما بعسقلان - إلى بغداد في وصف موقعة حطين (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٨١ - ٨٢، عن ابن القادسى المؤرخ البغدادى) «كتبت هذا الكتاب من عسقلان يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وفيه»: ولو حمدنا الله طول أعمارنا ما وفينا بعشر معشار نعمته التي أنعم بها علينا من هذا الفتح العظيم: فإنا خرجنا إلى عسكر صلاح الدين، وتلاحق الأجناد حتى جاء الناس من: الموصل، وديار بكر، وإربل، فجمع صلاح الدين الأمراء، وقال: «هذا اليوم الذى كنت أنتظره، وقد جمع الله لنا العساكر، وأنا رجل قد كبرت، وما أدرى متى أجلى، فاغتنموا هذا اليوم، وقاتلوا لله تعالى لا من أجلى»، فاختلفوا في الجواب، وكان رأى أكثرهم لقاء الكفّار، فعرض جنده ورتّبهم، وجعل تقىّ الدين في الميمنة، ومظفّر الدين في الميسرة، وكان هو في القلب، وجعل بقيّة العسكر في الجناحين. ثم ساروا على مراتبهم حتى نزلوا الأقحوانة، فتركوا بها أثقالهم، وساروا حتى نزلوا بكفر سبت، فأقاموا يومين ينتظرون أن يبرز لهم الكفّار، وكان عسكر الكفار على صفورية، فلم يبرزوا، فعاد صلاح الدين حتى نزل على طبرية، فتقدّم

стр. 1212

فرسانه وحماته ورماته والنقابون فدخلوا تحت الحصن، فلما تمكن النقب منه انهال؟؟؟ من غير وقودنا، ودخل المسلمون فانتهبوا يوم الخميس. وأصبحوا يوم الجمعة فشرعوا في نقب القلعة، فلما كان وقت الصلاة جاء الخبر أن الكفّار قد توجهوا إلينا، فارتحل صلاح الدين على صفوفه، فلقيهم، ثم لم يزالوا يتقدمون حتى صار المسلمون محيطين بهم، وصار قالب المسلمين خلفهم، فتراموا ساعة، وبات كل فريق على مصافهم. ثم أصبحوا، فسار الكفّار يقصدون طبرية، والمسلمون حولهم يلحون عليهم بالرمى، فاقتلع المسلمون منهم فوارس، وقتلوا خيّالة ورجّالة، فانحاز المشركون إلى تلّ حطين، فنزلوا عنده، ونصبوا الخيام، وأقام الناس حولهم إلى أن انتصف النهار، وهبت الرياح، فهجم المسلمون عليهم، فانهزموا لا يلوون على شيء، ولم يفلت منهم إلا نحو من مائتين، وكانوا كما قيل اثنين وثلاثين ألفا، وقيل ثلاثة وعشرين ألفا، لم يتركوا في بلادهم من يقدر على القتال إلا قليلا. وكان الذى أسر الملك هو درباس الكردى، وغلام الأمير إبراهيم المهرانى أسر الإبرنس، وقتل صلاح الدين الإبرنس بيده لأنه كان قد غدر وأخذ قافلة من طريق مصر. ثم عاد صلاح الدين إلى طبرية، فأخذ قلعتها بالأمان، ثم ضرب أعناق الأسارى الذين كانوا في العسكر، وأرسل إلى دمشق فضربت أعناق الذين بها منهم».

стр. 1213

(١٨) لم يكن القاضى الفاضل حاضرا موقعة حطين، بل كان في دمشق، ومنها أرسل هذا الخطاب إلى صلاح الدين يهنئه بالنصر العظيم (عن: أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٨٢ - ٨٣) «ليهن المولى أنّ الله قد أقام به الدين القيّم؛ وأنه كما قيل: أصبحت مولاى ومولى كل مسلم، وأنّه قد أسبغ عليه النعمتين الباطنة والظاهرة، وأورثه الملكين: ملك الدنيا وملك الآخرة. كتب المملوك هذه الخدمة والرءوس إلى الآن لم ترفع من سجودها، والدموع لم تمسح من خدودها، وكلما فكّر الخادم أن البّيع تعود وهى مساجد، والمكان الذى كان يقال فيه: إن الله ثالث ثلاثة يقال اليوم فيه إنّه الواحد، جدّد لله شكرا: تارة يفيض من لسانه، وتارة يفيض من جفنه؛ وجزاء يوسف خيرا عن إخراجه من سجنه؛ والمماليك ينتظرون أمر المولى؛ فكلّ من أراد أن يدخل الحمّام بدمشق قد عوّل على دخول حمّام طبرية، تلك المكارم لاقعيان من لبن، وذلك الفتح لا عمان واليمن؛ وذلك السيف لا سيف ابن ذى يزن، وللألسنة بعد في هذا الفتح شرح طويل، وقول جليل».

стр. 1214

(١٩) خطاب من السلطان صلاح الدين إلى بغداد في وصف وقعة حطين، والخطاب بقلم القاضى الفاضل كتبه من عكا بعد أن فتحها صلاح الدين بعيد انتصاره في حطين (عن: أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٨٧) «صبّح الخادم طبرية فافتضّ عذرتها بالسيف، وهجم عليها هجوم الطيف، وتفرّق أهلها بين الأسر والقتل، وعاجلهم الأمر فلم يقدروا على الخداع والختل، وجاء الملك ومن معه من كفارّه، ولم يشعر أن ليل الكفر قد آن وقت إسفاره، فأضرم الخادم عليهم نارا ذات شرار، أذكرت بما أعدّ الله لهم في دار القرار، فترجّل هو ومن معه عن صهوات الجياد، وتسنّموا هضبة رجاء أن تنجيهم من حرّ السيوف الحداد، ونصبوا للملك خيمة حمراء وضعوا على الشّرك عمادها، وتولّت الرجال حفظ أطنابها فكانوا أوتادها، فأخذ الملك أسيرا، وكان يوما على الكافرين عسيرا، وأسر الإبرنس - لعنه الله - فحصد بذره، وقتله الخادم بيده، ووفّى بذلك نذره. وأسر جماعة من مقدمى دولته، وكبراء ضلالته، وكانت القتلى تزيد على أربعين ألفا، ولم يبق أحد من الديوية، فلله هو من يوم تصاحب فيه الذئب أو النسر، وتداول فيه القتل والأسر. أصدر الخادم هذه الخدمة من ثغر عكّا، والإسلام قد اتسع مجاله، وتصرّف أنصاره ورجاله، والكفر قد ثبتت أوجاله ودنت آجاله».

стр. 1215

(٢٠) قطعة من خطاب آخر مرسل من صلاح الدين وهو في عكا للبشرى بانتصاره في وقعة حطين (أبو شامة: الروضتين، ج ٢ ص ٨٧، عن العماد الأصفهانى) «ولما أحيط بالقوم أوى ملكهم إلى جبل يعصمه من العوم، فأسمعه السيف: لا عاصم اليوم، واستولى الخذلان عليهم بأسرهم، وبردت أيدى المؤمنين بحرّ قتلهم وأسرهم، ولم يبق لهم باقيه، وغصّت بقتلاهم في الدنيا والآخرة أرض الله الواسعة ونار الله الحامية، فما يطأ من يصل إلى مخيّمهم إلى على رممهم البالية، وأسر الملك وأخوه، وبارونيته ومقدّموه، ولم يفلت منهم إلا القمّص وهو مسلوب، ولا بد أن ندركه فهو مطلوب. وقد كنّا نظرنا ضرب رقبة الابرنس صاحب الكرك الغدّار، كافر الكفّار، ونشيدة النار، فلما رأيناه ضربنا عنقه سريعا، وسرنا إلى عكّا وهى بيضة ملكهم، وواسطة سلكهم، ومركز دائرة كفرهم، ومجمع جمع برّهم وبحرهم، فتسلمناها بالآمان. والصخرة المقدّسة الآن بنا تصرخ وتستغيث، وعباد الله الصالحون قد وصلت إليهم بوعد الله الصادق المواريث، والبشارة بفتح القدس لا تتأخر، والهمم بعد هذا الفتح السنى على ذلك تتوفر، والحمد لله الذى تتمّ الصالحات بمحمده، ما يفتح الله للنّاس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده» (١)

стр. 1216

(٢١) خطاب بقلم العماد الأصفهانى مرسل من صلاح الدين إلى الديوان العزيز ببغداد يصف فيه انتصاراته في حطين وعكا، واستيلاءه على معظم مدن الساحل وهو يتهيأ لاستعادة بيت المقدس (أبو شامة: الروضتين، ج ٢، ص ٨٩، عن العماد) «ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون. الحمد لله على ما أنجز من هذا الوعد، وعلى نصرته لهذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد، وجعل بعد عسر يسرا، وقد أحدث الله بعد ذلك أمرا، وهوّن الأمر الذى ما كان الإسلام يستطيع عليه صبرا، وخوطب الدين بقوله: «ولقد مننّا عليك مرّة أخرى»، فالأولى في عصر النبى ﷺ والصحابة، والأخرى هذه التي عتق فيها من رقّ الكآبة فهو قد أصبح حرا، ربّان الكبد الحرّى، والزمان كهيئته استدار، والحق ببهجته قد استنار، والكفر قد ردّ ما كان عنده من المتاع المستعار. فالحمد لله الذى أعاد الإسلام جديدا ثوبه، بعد أن كان جذيذا حبله، مبيضا نصره، مخضرّا نصله، متسعا فضله، مجتمعا شمله. والخادم يشرح من نبأ هذا الفتح العظيم والنصر الكريم ما يشرح صدور المؤمنين، وليمنح الحبور لكافّة المسلمين، ويورد البشرى بما أنعم الله به من يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر إلى يوم الخميس منسلخة،

стр. 1217

وتلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما، سخّرها الله على الكفار، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز تخل خاوية، وإذا رأيت ثمّ رأيت البلاد على عروشها خالية ورأيتها إلى الإسلام ضاحكة كما كانت من الكفر باكية. فيوم الخميس الأول فتحت طبرية. ويوم الجمعة والسبت نوزل الفرنج فكسروا الكسرة التي ما لهم بعدها قائمة، وأخذ الله أعداءه بأيدى أوليائه أخذ القرى وهى ظالمة. وفى يوم الخميس منسلخ الشهر فتحت عكا بالأمان، ورفعت بها أعلام الإيمان، وهى أمّ البلاد، وأخت إرم ذات العماد. وقد أصدر هذه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور، وقلب ملك الكفر الأسير بجيشه المكسور مكسور، والحديد الكافر الذى كان في يد الكفر يضرب وجه الإسلام قد صار حديدا مسلما يعوق خطوات الكفر عن الإقدام، وأنصار الصليب وكباره وكلّ من المعمودية عمّدته والدير داره قد أحاطت به يد القبضة وغلّق رهنه فلا تقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة. وطبرية قد رفعت أعلام الإسلام عليها، ونكصت من عكا ملّة الكفر على عقبيها، وعمرت إلى أن شهدت يوم الإسلام وهو خير يوميها، وقد صارت البيع مساجد يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر، وصارت المذابح مواقف لخطباء المنابر، واهتزت أرضها لموقف المسلم فيها وطالما ارنجت لموقف الكافر، فأما القتلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفا. وأما فرسان الداوية والاسبتارية فقد أمضى حكم الله فيهم، وقطع بهم سوق نار الجحيم ورحل الراحل منهم إلى الشقاء المقيم، وقتل الابرنس كافر الكفّار، ونشيدة النار، من يده في الإسلام كما كانت يد الكليم.

стр. 1218

والبلاد والمعاقل التي فتحت هى: طبرية. عكا. الناصرة صفورية. قيسارية. نابلس. حيفا. معليا. الفوله. الطور. الشقيف. وقلاع بين هذه كبيرة. والملك المظفر. تقىّ الدين - ظفّره الله - مضايق لصور وحص تبنين. والأخ العادل سيف الدين - نصره الله - قد كوتب بالوصول بمن عنده من العساكر لينزل في طريقه على غزة وعسقلان، ويجهّز مراكب الأسطول المنصورة إلى عكا. وما يتأخر النهوض إلى القدس، فهذا هو أوان فتحه، ولقد دام عليه ليل الضلال وقد آن يسفر فيه الهدى عن صبحه».

стр. 1219

(٢٢) خطاب أرسله السلطان صلاح الدين إلى بعض أهله يشير فيه إلى فتح معظم مدن الساحل وتهيئه للمسير لفتح بيت المقدس (أبو شامة الروضتين، ج ٢، ص ٩١، عن ابن القادسى) «انتقلنا إلى الجانب الذى فيه القدس وعسقلان، ففتحنا قلاعه كلّها، وحصونه جميعها، ومعاقله بجملتها، ومدنه بأسرها، وهى: حيفا. وقيسارية. وأرسوف. ويافا. والرملة. ولدّ. وتل الصافية. وبيت جبريل. والدير. والخليل. ونازلنا عسقلان، وهى المعقل المنيع، والحصن الحصين، والتلّ الرفيع، وفيهم من القوة والعدة والعدد ما تتقاصر الآمال عن نيل مثله، فافتتحناها سلما لتمام أربعة عشر يوما من يوم نزولنا عليها، ونصبت أعلام التوحيد على أبراجها وأسوارها، وعمرت بالمسلمين، وخلت من مشركيها وكفارها، وكبّر المؤذنون في أقطارها. ولم يبق في الساحل من جبيل إلى أوائل حدود مصر سوى القدس وصور، والعزم مصمم على قصد القدس، فالله يسمّله ويعجّله، فإذا يسّر الله تعالى فتح القدس ملنا إلى صور، والسلام».

стр. 1220

(٢٣) خطاب بقلم القاضى الفاضل أرسله السلطان صلاح الدين إلى الديوان العزيز - أيام الخليفة الناصر لدين الله - ينبئه بفتح القدس الشريف واستنقاذه من أيدى الصليبيين عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٨ ص ٢٨٢ - ٢٨٩، ج ٦ ص ٤٩٦ - ٥٠٤ أدام الله أيام الديوان العزيز النبوى الناصرى، ولا زال مظفّر الجدّ بكلّ جاحد، غنىّ التوفيق عن رأى كل رائد، موقوف المساعى على اقتناء مطلقات المحامد؛ مستيقظ النصر والسيف في جفنه راقد، وارد الجود والسّحاب على الأرض غير وارد؛ متعدّد مساعى الفضل وإن كان لا يلقى إلا بشكر واحد، ماضى [حكم القول] بعزم لا يمضى إلا بنسل غوىّ وريش رشد، ولا زالت غيوث فضله [إلى الأولياء] أنداء إلى المرابع وأنوارا إلى المساجد، وبعدت رعبه إلى الأعداء خيلا إلى المراقب وخيالا إلى المراقد. كتب الخادم هذه الخدمة تلوما صدر عنه ممّا كان يجرى مجرى التباشير لصبح هذه الخدمة، والعنوان لكتاب وصف هذه النعمة، فإنها بحر للأقلام فيه سبح طويل، ولطف تحمّل الشكر فيه عب ثقيل؛ وبشرى للخواطر في شرحها مآرب، ويسرى للأسرار في إظهارها مسارب؛ ولله في إعادة شكره رضا، وللنعمة الرّاهنة به دوام لا يقال معه هذا مضى، وقد صارت أمور الإسلام إلى أحسن مصايرها، واستتبّت عقائد أهله على أبين بصائرها،

стр. 1221

وتقلّص ظلّ رجاء الكافر المبسوط، وصدق الله أهل دينه، فلمّا وقع الشرط حصل المشروط؛ وكان الدّين غريبا فهو الآن في وطنه، والفوز معروضا فقد بذلت الأنفس في ثمنه، وأمر أمر الحقّ وكان مستضعفا، وأهل ربعه وكان قد عيف حين عفا؛ وجاء أمر الله وأنوف أهل الشّرك راغمه، فأدلجت السيوف إلى الآجال وهى نائمة، وصدق وعد الله في إظهار دينه على كل دين، واستطارت له أنوار أبانت أنّ الصبح عندها حيان الحين؛ واستردّ المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، وظفروا يقظة بما لم يصدّقوا أنهم يظفرون به طيفا على النّأى طارقا؛ واستقرّت على الأعلى أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم؛ وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها وإن كانت صخرة [قلوبهم] كما تشفى بالماء غللهم. ولمّا قدم الدّين عليها عرف منها سويداء قلبه، وهنّا كفؤها الحجر الأسود ببتّ عصمتها من الكافر بحربه، وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه العظمى، ولا يقاسى تلك البؤسى إلا رجاء هذه النّعمى، ولا يناجز من يستمطله في حربه، ولا يعاتب بأطراف القنامن يتمادى في عتبه، إلا لتكون الكلمة مجموعه، والدعوة إلى سامعها مرفوعة، فتكون كلمة الله هى العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنى من الدنيا؛ وكانت الألسنة ربما سلقته فأنضج قلوبها بالاحتقار، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار؛ ومن طلب خطيرا خاطر، ومن رام صفقة رابحة تجاسر، ومن سما لأن يجلّى غمرة غامر؛ وإلا فإنّ القعود يلين تحت نيوب الأعداء المعاجم فتعضّها، ويضعف بأيديها مهز القوائم فتقضّها؛ هذا إلى كون القعود لا يقضى فرض الله في الجهاد، ولا يرعى به حقّ الله في العباد، ولا يوفى به واجب التقليد الذى تطوّقه الخادم من أئمة قضوا بالحقّ وبه كانوا

стр. 1222

يعدلون، وخلفاء الله كانوا في مثل هذا اليوم لله يسألون؛ لا جرم أنّهم أورثوا سرّهم وسريرهم خلفهم الأطهر، ونجلهم الأكبر، وبقيّتهم الشريفة، وطلعتهم المنيفة، وعنوان صحيفة فضلهم لا عدم سواد العلم وبياض الصحيفه، فما غابوا لمّا حضر، ولا غضّوا لما نظر، بل وصلهم الأجر لما كان به موصولا، وشاطروه العمل لما كان عنه منقولا ومنه مقبولا؛ وخلص إليهم إلى المضاجع ما اطمأنّت به جنوبها، وإلى الصحائف ما عبقت به جيوبها، وفاز منها بذكر لا يزال الليل به سميرا، والنهار به بصيرا، والشّرق يهتدى بأنواره، بل إن أبدى نورا من ذاته هتف به الغرب بأن واره؛ فإنه نور لا تكنّه أغساق السّدف، وذكر لا تواريه أوراق الصّحف. وكتاب الخادم هذا، وقد أظفر الله بالعدوّ الذى تشظّت قناته شفقا، وطارت فرقه فرقا، وفلّ سيفه فصار عصا، وصدعت حصاته وكان الأكثر عددا وحصا؛ وكلّت حملاته وكانت قدرة الله تصرّف فيه العيان بالعنان، عقوبة من الله ليس لصاحب يدبها يدان؛ وعثرت قدمه وكانت الأرض لها حليفه، وغضت عينه وكانت [عيون] السيوف دونها كسيفه؛ ونام جفن سيفه وكانت يقظته تريق نطف الكرى من الجفون، وجدعت أنوف رماحه وطالما كانت شامخة بالمنى أو راعفة بالمنون؛ وأضحت الأرض المقدّسة الطاهرة وكانت الطّامث، والرّبّ المعبود الواحد وكان عندهم الثالث، فبيوت الشّرك مهدومه، [ونيوب الكفر مهتومه] وطوائفه المحاميه، مجتمعة على تسليم البلاد الحاميه، وشجعانه المتوافية مذعنة لبذل المطامع الوافية؛ لا يرون في ماء الحديد لهم عصره، ولا في فناء الأفنية لهم نصره؛ وقد ضربت عليهم الذّلّة والمسكنه، وبدّل الله مكان السّيئة الحسنة؛ ونقل بيت عبادته من أيدى أصحاب المشأمة إلى أيدى أصحاب الميمنة

стр. 1223

وقد كان الخادم لقيهم اللقاة الأولى، فأمدّه الله بمداركته، وأنجده بملائكته؛ فكسرهم كسرة ما بعدها جبر، وصرعهم صرعة لا ينتعش بعدها بمشيئة الله كفر، وأسر منهم من أسرت به السلاسل، وقتل منهم من فتكت به المناصل؛ وأجلت المعركة عن صرعى من الخيل والسلاح [والكفار، وعن أنصاف محيل فإنه قتلهم بالسيوف الأفلاق والرماح الأكسار، فنيلوا بثأر من السلاح ونالوه أيضا بثار] فكم أهلّة سيوف تعارض الضّراب بها حتى صارت كالعراجين؛ وكم أنجم أسنّة تبادلت الطّعان حتى صارت كالمطاعين، وكم فارسية ركض عليها فارسها الشهم إلى أجل فاختلسه، وفغرت تلك القوس فاها فإذا فوها قد نهش القرن على بعد المسافة فافترسه. وكان اليوم مشهودا، وكانت الملائكة شهودا؛ وكان الكفر مفقودا، والإسلام مولودا، وجعل الله ضلوع الكفار لنار جهنّم وقودا؛ وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه، وآكد وصله بالدين وعلائقه، وهو صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت؛ وما دهموا قطّ بأمر إلا وقام بين دهمائهم يبسط لهم باعه، ويحرضّهم، وكان مدّ اليدين في هذه الدفعة وداعه؛ لا جرم أنهم يتهافت على ناره فراشهم، ويجتمع في ظل ظلامه خشاشهم، ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشدّ عقد وأوثقه، ويعدونه سورا تحفر حوافر الخيل خندقه. وفى هذا اليوم أسرت سراتهم، وذهبت دهاتهم [ولم يفلت منهم معروف إلا القومص، وكان لعنه الله مليّا يوم الظّفر بالقتال، ومليّا يوم الخذلان] بالاحتيال، فنجا ولكن كيف، وطار خوفا من أن يلحقه منسر الرمح أو جناح السيف؛ ثم أخذه الله تعالى بعد أيام بيده، وأهلكه لموعده، فكان لعدتهم فذلك، وانتقل من ملك الموت إلى مالك.

стр. 1224

وبعد الكسرة مرّ الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية العباسية السوداء صبغا، البيضاء صنعا، الخافقة هى وقلوب أعدائها، الغالبة هى [وعزائم أوليائها]، المستضاء بأنوارها إذا فتح عينها البشر، وأشارت بأنامل العذبات إلى وجه النصر، فافتتح بلد كذا وكذا، وهذه [كلها] أمصار ومدن، وقد تسمى البلاد بلادا وهى مزارع وفدن؛ وكلّ هذه ذوات معاقل ومعاقر، ومجار وجزائر، وجوامع ومنائر، وجموع وعساكر، يتجاوزها الخادم بعد أن يحرزها، ويتركها وراءه بعد أن ينتهزها، ويحصد منها كفرا ويزرع إيمانا، ويحط من منابر جوامعها صلبانا، ويرفع أذانا، ويبدل المذابح منابر، والكنائس مساجد، ويبوئ بعد أهل الصلبان أهل القرءان للذبّ عن دين الله مقاعد. ويقرّ عينه وعيون أهل الإسلام أن تعلّق النصر منه ومن عسكره بجار ومجرور، وأن ظفر بكل سور، وما كان يخاف زلزاله وزياله إلى يوم النفخ في الصور. ولمّا لم يبق إلا القدس وقد اجتمع إليها كلّ شريد منهم وطريد، واعتصم بمنعتها كلّ قريب منهم وبعيد؛ وظنوا أنّها من الله مانعتهم، وأنّ كنيستها إلى الله شافعتهم؛ فلما نازلها الخادم رأى بلدا كبلاد، وجمعا كيوم التناد؛ وعزائم قد تألبت وتألفت على الموت فنزلت بعرصته، وهان عليها مورد السيف وأن تموت بغصّته، فزاول البلد من جانب فإذا أودية عميقة ولجج وعرة غريقة، وسور قد انعطف عطف السّوار، وأبرجة قد نزلت مكان الواسطة من عقد الدار؛ فعدل إلى جهة أخرى كان للمطامع عليها معرّج، وللخيل فيها متولّج، فنزل عليها، وأحاط بها وقرب منها؛ وضرب خيمته بحيث يناله السلاح بأطرافه ويزاحمه السور بأكتافه؛ وقابلها ثمّ قاتلها، ونزلها ثم نازلها، وبرز إليها ثم بارزها، وحاجزها ثم ناجزها، فضمها ضمة ارتقب بعدها الفتح، وصدع أهلها فإذا هم لا يصبرون - على عبودية الخد - عن عتق الصفح، فراسلوه ببذل

стр. 1225

قطيعة إلى مدّة، وقصدوا نظرة من شدة وانتظارا لنجدة؛ فعرفهم الخادم في لحن القول، وأجابهم بلسان الطول، وقدّم المنجنيقات التي تتولى عقوبات الحصون عصيّها وحبالها، وأوتر لهم قسيّها التي تضرب فلا تفارقها سهامها، ولا يفارق سهامها نصالها؛ فصافحت السور بأكنافه، فإذا سهمها في ثنايا شرفاتها سواك، وقدّم النصر نشرا من المنجنيق يخلد إخلاده إلى الأرض ويعلو علوّه إلى السماك، فشجّ مرادع أبراجها، وأسمع صوت عجيجها [صمّ أعلاجها] ورفع مثار عجاجها، فأخلى السور من السيّارة، والحرب من النظارة؛ فأمكن النقّاب، أن يسفر للحرب النّقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته [الأولى] من التراب؛ فتقدم إلى الصخر فمضغ سرده يأنياب معوله، وحلّ عقده بضربه الأخرق الدالّ على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة حنينه واستغاثته إلى أن كادت ترقّ لمقبّله، وتبرّأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقا فلن تبرح الأرض، وفتح في السور بابا سدّ من نجاتهم أبوابا، وأخذ ينقّب في حجره فقال عنده الكافر: ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً،﴾ فحينئذ يئس الكفّار من أصحاب الدور، كما يئس الكفار من أصحاب القبور، وجاء أمر الله وغرّهم بالله الغرور. وفى الحال خرج طاغية كفرهم، وزمام أمرهم، ابن بارزان سائلا أن يؤخذ البلد بالسلام لا بالعنوه، وبالأمان لا بالسّطوه، وألقى بيده إلى التهلكه، وعلاه ذلّ الملكة بعد عزّ المملكة، وطرح جبينه في التراب، وكان جبينا لا يتعاطاه طارح، وبذل مبلغا من القطيعة لا يطمح إليه طرف آمل طامح، وقال: هاهنا أسارى مؤمنون يتجاوزون الألوف، وقد تعاقد الفرنج على أنهم إن هجمت عليهم الدار، وحمّلت الحرب على ظهورهم الأوزار، بدى بهم فعجّلوا وثنّى بنساء الفرنج وأطفالهم فقتّلوا؛ ثم استقتلوا بعد ذلك فلم يقتل خصم إلا بعد أن ينتصف، ولم يسلّ سيف من يد إلا بعد أن تنقطع أو ينقصف، وأشار الأمراء

стр. 1226

بالأخذ بالميسور، من البلد المأسور، فإنه إن أخذ حربا فلا بد أن تقتحم الرجال الأنجاد، وتبذل أنفسها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد؛ وكانت الجراح في العساكر قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات، واعتاق الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون؛ وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكّان، فحدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان؛ لا جرم أن الله أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحقّ وأسخطهم، فإنهم - خذلهم الله - حموها بالأسل والصّفاح [وبنوها بالعمد والصّفاح]، أودعوا الكنائس بها وبيوت الديوية والأستبارية منها كل غريبة من الرخام الذى يطّرد ماؤه، ولا يطرد لألاؤه، وقد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنّن في توشيعه، إلى صار الحديد، الذى فيه بأس شديد، كالذهب الذى فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض، لها من بياض الترخيم رقراق [وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق]. وأوعز الخادم بردّ الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود. وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شهر شعبان فكادت السموات يتفطرن للسجوم لا للوجوم، والكواكب [منها] ينتثرن للطرب لا للوجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد، وكانت طرائقها مسدودة، وظهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة؛ وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها [وجهرت الألسن بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها]، وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحّب به ترحيب من برّ بمن برّ، وخفق علماه في حفافيه، فلو طار به سرورا لطار بجناحيه.

стр. 1227

وكتاب الخادم وهو مجدّ في استفتاح بقية الثغور، واستشراح ماضاق بتمادى الحرب من الصدور، فإنّ قوى العساكر قد استنفدت مواردها، [وأيام الشتاء قد مردت مواردها]، والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها؛ فهى بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجمّ ولا تستنفد، وينفق عليها ولا ينفق منها؛ وتجهّز الأساطيل لبحرها، وتقام المرابط لبرّها، ويدأب في عمارة أسوارها، ومرمّات معاقلها، وكلّ مشقة فهى بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع الفرنج فيما بعد ذلك مذاهبها غير مرجئة ولا معتزلة، فلن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع، ولن تزول أيديهم من أطواق البلاد حتى تقطع. وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفّذنا لسانا شارحا، ومبشّرا صالحا؛ ينشر الخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرّة من طليعته إلى ساقته».

стр. 1228

(٢٤) خطاب بقلم العماد الأصفهانى صادر عن صلاح الدين إلى الخليفة الناصر لدين الله ببغداد ينبئه بفتح القدس عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥١٧ - ٥٢٠) ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ.﴾ الحمد لله على ما أنجز من هذا الوعد، على نصرته لهذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد؛ وعلى أن أجرى هذه الحسنة التي ما اشتمل على شبهها كرام الصحائف، ولم يجادل عن مثلها في المواقف؛ في الأيام الإمامية الناصرية زادها الله غررا وأوضاحا، ووالى البشائر فيها بالفتوح غدوا ورواحا؛ ومكّن سيوفها في كل مازق، من كل كافر ومارق، ولا أخلاها من سيرة سرية تجمع بين مصلحة مخلوق وطاعة خالق، وأطال أيدى أوليائها لتحمى بالحقيقة حمى الحقائق، وأنجزها الحقّ وقذف به على الباطل الزاهق، وملكها هوادى المغارب ومرامى المشارق؛ ولا زالت أراؤها في الظلمات مصابح، وسيوفها للبلاد مفاتح، وأطراف أسنتها لدماء الأعداء نوازح. والحمد لله الذى نصر سلطان الديوان العزيز وأيّده، وأظفر جنده الغالب وأنجده، وجلا به جلابيب الظلماء وجدّد جدده؛ وجعل بعد عسر يسرا، وقد أحدث الله بعد ذلك أمرا، وهوّن الأمر الذى ما كان الإسلام يستطيع عليه صبرا، وخوطب الدين بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى.﴾

стр. 1229

فالأولى في عصر النبى ﷺ والصحابة، والأخرى هذه التي عتق فيها من رقّ الكآبة، فهو قد أصبح حرا فالزمان كهيئته استدار، والحق بمهجته قد استنار؛ والكفر قد ردّ ما كان عنده من المستعار، وغسل ثوب الليل بما فجّر الفجر من أنهار النهار؛ وأتى الله بنيان الكفر من القواعد، وشفى غليل صدور المؤمنين برقراق ماء الموردات البوارد، أنزل ملائكة لم تظهر للعيون اللاحظة، ولم تخف عن القلوب الحافظة؛ عزت سيما الإسلام بمسومها، وترادف نصره بمردفها، وأخذت القرى وهى ظالمة فترى مترفيها كأن لم تؤو فيها؛ فكم أقدم بها حيزوم، وركض فاتبعه سحاب عجاج مركوم، وضرب فإذا ضربه كتاب جراح مرقوم. وإلا فإن الحروب إنما عقدت سجالا، وإنما جمعت رجالا وإنما دعت خفافا وثقالا؛ فإما سيوف تقاتل سيوفا، أو زحوف تقاتل زحوفا؛ فيكون حدّ الحديد بيد مذكرا وبيد مؤنثا، ويكون السيف في اليد الموحدة يغنى بالضربة الموحدة، ومن اليد المثلثة لا يغنى بالضرب مثلثا، وذلك أنه في فئتين التقتا، وعدوتين لغير مودة اعتنقتا، وإن هذه النصرة إن زويت عن ملائكة الله جحدت كراماتهم، وإن زويت عن البشر فقد عرفت قبلها مقامتهم، فما كان سيف يتيقظ من جفنه قبل أن ينبهه الصريخ، ولا كان ضرب يطير الهام قبل ضرب يراه الناظر ويسمعه المصيخ، فكم ضربة كأنها هجرة الموت وبها التاريخ، وكم طعنة تحزّ لها هضاب الحديد ولها شماريخ. والحمد لله الذى أعاد الإسلام جديدا ثوبه، بعد أن كان جديدا حبله، مبيضّا نصره، مخضّرا نصله، متسعا فضله، مجتمعا شمله. والخادم يشرح من نبإ هذا الفتح العظيم، والنصر الكريم؛ ما يشرح صدور المؤمنين، ويمنح الحبور لكافة المسلمين؛ ويكرر البشرى بما أنعم الله به

стр. 1230

- من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى يوم الخميس منسلخه - وتلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما سخّرها الله على الكفار ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ورايتها إلى الإسلام ضاحكة كما كانت من الكفر باكية. فيوم الخميس الأول فتحت طبرية، وفاض رىّ النصر من بحيرتها، وقضت على جسرها الفرنج فقضت نحبها بحيرتها. وفى يوم الجمعة والسبت كسر الفرنج الكسرة التي ما لهم بعدها قائمة، وأخذ الله أعداءه بأيدى أوليائه أخذ القرى وهى ظالمة. وفى يوم الخميس منسلخ الشهر فتحت عكا بالأمان، ورفعت بها أعلام الإيمان؛ وهى أمّ البلاد، وأخت إرم ذات العماد؛ وقد أصبحت كأن لم تغن بالكفر وكأن لم تفتقر من الإسلام. وقد أصدر هذه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور، وقلب ملك الكفر الأسير جيشه المكسور مكسور؛ والحديد الكافر الذى كان في الكفر يضرب وجه الإسلام، وقد صار حديدا مسلما يفرّق خطوات الكفر عن الأقدام؛ وأنصار الصليب وكباره، وكلّ من المعمودية عمدته والدّير داره؛ وقد أحاطت به يد القبضه، وأخذ رهنا فلا تقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة؛ وطبرية قد رفعت أعلام الإسلام عليها، ونكصت من عكّا ملّة الكفر على عقبيها، وعمّرت إلى أن شهدت يوم الإسلام، وهو خير يوميها؛ بل ليس من أيام الكفر يوم فيه خير، وقد غسل عن بلاد الإسلام بدماء الشرك ما كان يتخللها فلا ضرر ولا ضيّر؛ وقد صارت البيع مساجدهم، بها من آمن بالله واليوم الآخر، وصارت المناحر مواقف لخطباء المنابر، واهتزت
следующие страницы →