← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

بالأخذ بالميسور، من البلد المأسور، فإنه إن أخذ حربا فلا بد أن تقتحم الرجال الأنجاد، وتبذل أنفسها في آخر أمر قد نيل من أوله المراد؛ وكانت الجراح في العساكر قد تقدم منها ما اعتقل الفتكات، واعتاق الحركات، فقبل منهم المبذول عن يد وهم صاغرون، وانصرف أهل الحرب عن قدرة وهم ظاهرون؛ وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكّان، فحدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان؛ لا جرم أن الله أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحقّ وأسخطهم، فإنهم - خذلهم الله - حموها بالأسل والصّفاح [وبنوها بالعمد والصّفاح]، أودعوا الكنائس بها وبيوت الديوية والأستبارية منها كل غريبة من الرخام الذى يطّرد ماؤه، ولا يطرد لألاؤه، وقد لطف الحديد في تجزيعه، وتفنّن في توشيعه، إلى صار الحديد، الذى فيه بأس شديد، كالذهب الذى فيه نعيم عتيد، فما ترى إلا مقاعد كالرياض، لها من بياض الترخيم رقراق [وعمدا كالأشجار لها من التنبيت أوراق]. وأوعز الخادم بردّ الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الأئمة من يوفيه ورده المورود. وأقيمت الخطبة يوم الجمعة رابع شهر شعبان فكادت السموات يتفطرن للسجوم لا للوجوم، والكواكب [منها] ينتثرن للطرب لا للوجوم، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد، وكانت طرائقها مسدودة، وظهرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة؛ وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها [وجهرت الألسن بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها]، وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحّب به ترحيب من برّ بمن برّ، وخفق علماه في حفافيه، فلو طار به سرورا لطار بجناحيه.

стр. 1227

وكتاب الخادم وهو مجدّ في استفتاح بقية الثغور، واستشراح ماضاق بتمادى الحرب من الصدور، فإنّ قوى العساكر قد استنفدت مواردها، [وأيام الشتاء قد مردت مواردها]، والبلاد المأخوذة المشار إليها قد جاست العساكر خلالها، ونهبت ذخائرها وأكلت غلالها؛ فهى بلاد ترفد ولا تسترفد، وتجمّ ولا تستنفد، وينفق عليها ولا ينفق منها؛ وتجهّز الأساطيل لبحرها، وتقام المرابط لبرّها، ويدأب في عمارة أسوارها، ومرمّات معاقلها، وكلّ مشقة فهى بالإضافة إلى نعمة الفتح محتملة، وأطماع الفرنج فيما بعد ذلك مذاهبها غير مرجئة ولا معتزلة، فلن يدعوا دعوة يرجو الخادم من الله أنها لا تسمع، ولن تزول أيديهم من أطواق البلاد حتى تقطع. وهذه البشائر لها تفاصيل لا تكاد من غير الألسنة تتشخص، ولا بما سوى المشافهة تتلخص، فلذلك نفّذنا لسانا شارحا، ومبشّرا صالحا؛ ينشر الخبر على سياقته، ويعرض جيش المسرّة من طليعته إلى ساقته».

стр. 1228

(٢٤) خطاب بقلم العماد الأصفهانى صادر عن صلاح الدين إلى الخليفة الناصر لدين الله ببغداد ينبئه بفتح القدس عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥١٧ - ٥٢٠) ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ.﴾ الحمد لله على ما أنجز من هذا الوعد، على نصرته لهذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد؛ وعلى أن أجرى هذه الحسنة التي ما اشتمل على شبهها كرام الصحائف، ولم يجادل عن مثلها في المواقف؛ في الأيام الإمامية الناصرية زادها الله غررا وأوضاحا، ووالى البشائر فيها بالفتوح غدوا ورواحا؛ ومكّن سيوفها في كل مازق، من كل كافر ومارق، ولا أخلاها من سيرة سرية تجمع بين مصلحة مخلوق وطاعة خالق، وأطال أيدى أوليائها لتحمى بالحقيقة حمى الحقائق، وأنجزها الحقّ وقذف به على الباطل الزاهق، وملكها هوادى المغارب ومرامى المشارق؛ ولا زالت أراؤها في الظلمات مصابح، وسيوفها للبلاد مفاتح، وأطراف أسنتها لدماء الأعداء نوازح. والحمد لله الذى نصر سلطان الديوان العزيز وأيّده، وأظفر جنده الغالب وأنجده، وجلا به جلابيب الظلماء وجدّد جدده؛ وجعل بعد عسر يسرا، وقد أحدث الله بعد ذلك أمرا، وهوّن الأمر الذى ما كان الإسلام يستطيع عليه صبرا، وخوطب الدين بقوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى.﴾

стр. 1229

فالأولى في عصر النبى ﷺ والصحابة، والأخرى هذه التي عتق فيها من رقّ الكآبة، فهو قد أصبح حرا فالزمان كهيئته استدار، والحق بمهجته قد استنار؛ والكفر قد ردّ ما كان عنده من المستعار، وغسل ثوب الليل بما فجّر الفجر من أنهار النهار؛ وأتى الله بنيان الكفر من القواعد، وشفى غليل صدور المؤمنين برقراق ماء الموردات البوارد، أنزل ملائكة لم تظهر للعيون اللاحظة، ولم تخف عن القلوب الحافظة؛ عزت سيما الإسلام بمسومها، وترادف نصره بمردفها، وأخذت القرى وهى ظالمة فترى مترفيها كأن لم تؤو فيها؛ فكم أقدم بها حيزوم، وركض فاتبعه سحاب عجاج مركوم، وضرب فإذا ضربه كتاب جراح مرقوم. وإلا فإن الحروب إنما عقدت سجالا، وإنما جمعت رجالا وإنما دعت خفافا وثقالا؛ فإما سيوف تقاتل سيوفا، أو زحوف تقاتل زحوفا؛ فيكون حدّ الحديد بيد مذكرا وبيد مؤنثا، ويكون السيف في اليد الموحدة يغنى بالضربة الموحدة، ومن اليد المثلثة لا يغنى بالضرب مثلثا، وذلك أنه في فئتين التقتا، وعدوتين لغير مودة اعتنقتا، وإن هذه النصرة إن زويت عن ملائكة الله جحدت كراماتهم، وإن زويت عن البشر فقد عرفت قبلها مقامتهم، فما كان سيف يتيقظ من جفنه قبل أن ينبهه الصريخ، ولا كان ضرب يطير الهام قبل ضرب يراه الناظر ويسمعه المصيخ، فكم ضربة كأنها هجرة الموت وبها التاريخ، وكم طعنة تحزّ لها هضاب الحديد ولها شماريخ. والحمد لله الذى أعاد الإسلام جديدا ثوبه، بعد أن كان جديدا حبله، مبيضّا نصره، مخضّرا نصله، متسعا فضله، مجتمعا شمله. والخادم يشرح من نبإ هذا الفتح العظيم، والنصر الكريم؛ ما يشرح صدور المؤمنين، ويمنح الحبور لكافة المسلمين؛ ويكرر البشرى بما أنعم الله به

стр. 1230

- من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى يوم الخميس منسلخه - وتلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما سخّرها الله على الكفار ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ورايتها إلى الإسلام ضاحكة كما كانت من الكفر باكية. فيوم الخميس الأول فتحت طبرية، وفاض رىّ النصر من بحيرتها، وقضت على جسرها الفرنج فقضت نحبها بحيرتها. وفى يوم الجمعة والسبت كسر الفرنج الكسرة التي ما لهم بعدها قائمة، وأخذ الله أعداءه بأيدى أوليائه أخذ القرى وهى ظالمة. وفى يوم الخميس منسلخ الشهر فتحت عكا بالأمان، ورفعت بها أعلام الإيمان؛ وهى أمّ البلاد، وأخت إرم ذات العماد؛ وقد أصبحت كأن لم تغن بالكفر وكأن لم تفتقر من الإسلام. وقد أصدر هذه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور، وقلب ملك الكفر الأسير جيشه المكسور مكسور؛ والحديد الكافر الذى كان في الكفر يضرب وجه الإسلام، وقد صار حديدا مسلما يفرّق خطوات الكفر عن الأقدام؛ وأنصار الصليب وكباره، وكلّ من المعمودية عمدته والدّير داره؛ وقد أحاطت به يد القبضه، وأخذ رهنا فلا تقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة؛ وطبرية قد رفعت أعلام الإسلام عليها، ونكصت من عكّا ملّة الكفر على عقبيها، وعمّرت إلى أن شهدت يوم الإسلام، وهو خير يوميها؛ بل ليس من أيام الكفر يوم فيه خير، وقد غسل عن بلاد الإسلام بدماء الشرك ما كان يتخللها فلا ضرر ولا ضيّر؛ وقد صارت البيع مساجدهم، بها من آمن بالله واليوم الآخر، وصارت المناحر مواقف لخطباء المنابر، واهتزت

стр. 1231

أرضها لوقوف المسلمين فيها وطالما ارتجّت لمواقف الكافر، والبأس الإمامى الناصرى قد أمضى مشكاته على يد الخادم حتى بالدّنىّ في الكنائس، وإنّ عزّ أول الإسلام بحطّ تاج فارس، فكم حطّت سيوفه في هذا اليوم من تاج فارس. فأما القتلى والأسارى فإنها تزيد على ثلاثين ألفا. وأما فرسان الديوية والاسبتارية فقد أمضى الله حكمه فيهم وقطع بهم سيوف نار الجحيم، ووصّل الراحل منهم إلى الشقاء المقيم؛ وفتك بافرنس كافر الكفّار، ومشيّد النار، من يده في الإسلام كما كانت يد الكليم؛ وافتّرت النصرة عن ثغر عكّا بحمد الله الذى يسّر فتحها، وتسلمتها الملّة الإسلامية بالأمان وعرفت في هذه الصفقة ربحها. وأما طبريّة فافترتها يد الحرب فأنهرت الحرب جرحها. فالحمد لله حمدا لا تضرب عليه الحدود، ولا تزكى بأزكى منه العقود؛ وكأنه بالبيت المقدس وقددنا الأقصى من أقصاه، وبلّغ الله فيه الأمل الذى علم أن يحصيه وأحاط بأجلّه وأقصاه؛ لكل أجل كتاب، وأجل العدو هذه الكتائب الجامعة، ولكل عمل ثواب، وثواب من هدى لطاعته جنات نعيمه الواسعه؛ والله المشكور على ما وهب، والمسئول في إدامة ما استيقظ من جد الإسلام وهب. وقد توجّه من جانبه الأمير رشيد الدين دام تأييده في إهداء هذه البشرى نيابة عن الخادم، ووصف ما يسّره الله لأوليائه من العزائم، والبلاد والمعاقل التي فتحت هى: «طبرية، عكا، الناصرة، صفوريّة، قيسارية، نابلس، حيفا، معليا، القزله، الطور، الشقيف، وقلاع بين هذه كثيرة».

стр. 1232

والولد المظفر تقى الدين بصور وحصن تبنين. والأخ العادل سيف الدين - نصره الله - قد أوفت بالوصول من عنده من العساكر فينزل في طريقه على غزة وعسقلان، ويجهز مراكب الأسطول المنصور ويكثر عددها، ويسير بها إلى ثغر عكا المحروس ويشحنها بالرجال، ويوفر سلاحها وعددها؛ والنهوض إلى القدس فهذا أوان فتحه ولقد دام عليه ليل الضلال، وقد آن أن يستقر فيه الهدى مشكور الإحسان، إن شاء الله تعالى.

стр. 1233

(٢٥) خطاب مرسل من السلطان صلاح الدين إلى أخيه سيف الإسلام - صاحب اليمن - يستقدمه إليه، معاونا له على قتال الفرنج، ويخبره بما وقع له من الفتوحات في سنة أربع وثمانين وخمسمائة عن: (القلقشندى: صبح الأعشى ج ٧ ص ٣٤٠ - ٣٤٤. ج ٧ س ٢٣ - ٢٧) أصدرنا هذه المكاتبة إلى المجلس، ومما تجدّد بحضرتنا فتوح «كوكب» وهى كرسىّ الإستبارية ودار كفرهم، ومستقرّ صاحب أمرهم، وموضع سلاحهم وذخرهم، وكان بمجمع الطّرق قاعدا، ولملتقى السبل راصدا؛ فتعلّقت بفتحه بلاد الفتح واستوطنت، وسلكت الطرق فيها وأمّنت، وعمّرت بلادها وسكنت؛ ولم يبق في هذا الجانب إلا «صور»، ولولا أنّ البحر ينجدها والمراكب تردها، لكان قيادها قد أمكن، وجماحها قد أذعن؛ وما هم بحمد الله في حصن يحميهم، بل في سجن يحويهم، بل هم أسارى وإن كانوا طلقاء، وأموات وإن كانوا أحياء؛ قال الله : (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾) ولكل امرى أجل لا بدّ أن يصدقه غائبه، وأمل لا بدّ أن يكذبه خائبه. وكان نزولنا على «كوكب» بعد أن فتحنا «صفد» بلد الدّيويّة ومعقلهم، ومشتغلهم وعملهم، ومحلّهم الأحصن ومنزلهم؛ وبعد أن فتحنا

стр. 1234

«الكرك» وحصونه، والمجلس السيفى - أسماه الله - أعلم بما كان على الإسلام من مئونته المثقله، وقضيّته المشكلة وعلّته المعضله؛ وأن الفرنج - لعنهم الله - كانوا يقعدون منه مقاعد للسّمع، ويتبوّءون منه مواضع للنّفع؛ ويحولون بين قات وراكبها، فيذللّون الأرض بما كان منه ثقلا على مناكبها. والآن ما أمن بلاد الهرمين، بأشدّ من بلاد الحرمين؛ فكلّها كان مشتركا في نصرة المسلمين بهذه القلعة التي كان ترامى ولا ترام، وتسامى ولا تسام؛ وطالما استفرغنا عليها بيوت الأموال، وأنفقنا فيها أعمار الرجال، وقرعنا الحديد بالحديد إلى أن ضجّت النّصال؛ والله المشكور على ما انطوى من كلمة الكفر وانتشر من كلمة الإسلام. وإن بلاد الشام اليوم لا تسمع فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما فادخلوها بسلام. وكان نزولنا على «كوكب» والشتاء في كوكبه، وقد طلع بيمن الأنواء في موكبه، والثلوج تنشر على البلاد ملاءها الفضيض، وتكسو الجبال عمائمها البيض؛ والأودية قد عجّت بمائها، وفاضت عند امتلائها؛ وشمخت أنوفها سيولا، فخرقت الأرض وبلغت الجبال طولا؛ والأوحال قد اعتقلت الطّرقات، ومشى المطلق فيها مشية الأسير في الحلقات؛ فتجشّمنا العناء نحن ورجال العساكر، وكاثرنا العدوّ والزّمان وقد يحرز الحظّ المكاثر؛ وعلم الله النيّة فأنجدنا بفضلها، وضمير الأمانة فأعان على حملها؛ ونزلنا من رءوس الجبال بمنازل كان الاستقرار عليها أصعب من نقلها، والوقوف بساحتها أهون من نقلها ﴿وَأَمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ.﴾ والحمد لله الذى ألهمنا بنعمته الحديث، ونصر بسيف الإسلام الذى هو سيفه وسيف الإسلام الذى هو أخونا الطّيب على الخبيث، فمدح السيف ينقسم على حدّيه، ومدح الكريم يتعدّى إلى يديه؛ والآن فالمجلس

стр. 1235

- أسماه الله - يعلم أنّ الفرنج لا يسلون عما فتحنا، ولا يصبرون على ما جرحنا؛ فإنّهم - خذلهم الله - أمم لا تحصى، وجيوش لا تستقصى؛ ووراءهم من ملوك البحر من يأخذ كلّ سفينة غصبا، ويطمع في كلّ مدينة كسبا، ويد الله فوق أيديهم، والله محيط بأقر بيهم وأبعديهم؛ و ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً.﴾ (﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً.﴾ وما هم إلا كلاب قد تعاوت، وشياطين قد تغاوت، وإن لم يقذفوا من كلّ جانب دحورا، ويتبعوا بكلّ شهاب ثاقب مدحورا؛ استأسدوا واستكلبوا، وتألّبوا وجلّبوا وأجلبوا، وحاربوا، وخرّبوا؛ وكانوا لباطلهم الدّاحض، أنصر منّا لحقنا الناهض؛ وفى ضلالهم الفاضح، أبصر منّا لهدانا الواضح؛ ولله درّ جرير حيث يقول: إنّ الكريمة ينصر الكرم ابنها ... وابن اللّئيمة للّئام نصور فالبدار إلى النجدة البدار، والمسارعة إلى الجنّة فإنها لن تنال إلا بإيقاد نار الحرب على أهل النار، والهمّة الهمّة فإن البحار لا تلقى إلا بالبحار، والملوك الكبار لا يقف في وجوهها إلا الملوك الكبار. وما هى إلا نهضة تورث العلا ... ليومك ما حنّت روازم نيب ونحن في هذه السنة - إن شاء الله تعالى - ننزل على أنطاكية، وينزل ولدنا الملك المظفّر - أظفره الله - على طرابلس؛ ويستقرّ الرّكاب العادلىّ - أعلاه الله - بمصر فإنها مذكورة عند العدوّ - خذله الله - بأنها تطرق، وأنّ الطلب على الشام ومصر تفرّق؛ ولا غنى عن أن يكون المجلس السيفى - أسماء الله - بحرا في بلاد الساحل يزخر سلاحا، ويجرّد سيفا يكون على ما فتحناه قفلا ولما لم يفتح بعد مفتاحا؛ فإنه ليس لأحد ما للأخ

стр. 1236

من سمعة لها في كل مسمع سمعه، وفى كلّ روع روعه، وفى كل محضر محضر، وفى كل مسجد منبر، وفى كل مشهد مخبر؛ فما يدعى العظيم إلا للعظيم، ولا يرجى لموقف الصبر الكريم إلا الكريم؛ والأقدار ماضيه، وبمشيئة الله جاريه؛ فإن يشاء الله ينصر على العدوّ المضعّف، بالعدد الأضعف؛ ويوصّل إلى الجوهر الأعلى، بالعرض الأدنى؛ فإنّا لا نرتاب بأنّ الله ما فتح علينا هذه الفتوح ليغلقها، ولا جمع علينا هذه الأمة ليفرّقها؛ وأنّ العدوّ إن خرج من داره بطرا، ودخل إلى دارنا كان فيها جزرا، وما بقى إن شاء الله تعالى إلا أموال تساق إلى ناهبها، ورقاب تقاد إلى ضاربها، وأسلحة تحمل إلى كاسبها، وإنما نؤثر أن لا تنطوى صحائف الحمد خالية من اسمه، ومواقف الرّشد خاوية من عزمه؛ ونؤثر أن يساهم آل أيوب في ميراثهم منه مواقع الصبر، ومطالع النصر؛ فو الله إنّا على أن نعطيه عطايا الأخرة الفاخره، أشدّ منّا حرصا على أن نعطيه عطايا الدنيا القاصره، وإنّا لا يسرنّا أن ينقضى عمره في قتال غير الكافر، ونزال غير الكفء المناظر؛ ولا شكّ أنّ سيفه لو اتّصل بلسان ناطق وفم، لقال مادمت هناك فلست ثمّ؛ وما هو محمول على خطّة يخافها، ولا متكلّف قضية بحكمنا يعافها؛ والذى بيده لا نستكثره، بل نستقصره عن حقّه ونستصغره؛ وما ناولناه لفتح أرضه السّلاح، ولا أعرناه لملك مركزه النّجاح؛ إلا على سخاء من النفس به وبأمثاله، على علم منّا أنه لا يقعد عنا إذا قامت الحرب بنفسه وماله، ولا نكن به ظنّا أحسن منه فعلا، ولا نرضى وقد جعلنا الله أهلا أن لا نراه لنصرنا أهلا، وليستشر أهل الرشاد فإنهم لا يألونه حقّا واستنهاضا، وليعص أهل الغواية فإنهم إنما يتغالون به لمصالحهم أغراضا؛ ومن بيته يظعن وإلى بيته يقفل، وهو يجيبنا جواب مثله لمثلنا، وينوى في هذه الزيارة جمع شمل الإسلام قبل نيّة جمع شملنا؛ ولا تقعد به في الله نهضة قائم، ولا تخذله

стр. 1237

عزمة عازم؛ ولا يستفت فيها فوت طالب، ولا تأخذه في الله لومة لائم؛ فإنما هى سفرة قاصدة، وزجرة واحدة؛ فإذا هو قد بيّض الصحيفة والوجه والذّكر والسّمعة، ودان الله أحسن دين، ولا حرج عليه إن فاء إلى أرضه بالرّجعة، وليتدبّر ما كتبناه، وليتفهّم ما أردناه؛ وليقدّم الاستخارة، فإنها سراج الاستنارة، وليغضب لله ولرسوله ولدينه ولأخيه، فإنها مكان الاستغضاب والاستئارة، وليحضر حتى يشاهد أولاد أخيه، يستشعرون لفرقته غمّا، وقد عاشوا ما عاشوا لا يعرفون أنّ لهم مع عمّهم عمّا، والله سبحانه يلهمه توفيقا، ويسلك به إليه طريقا، وينجدنا به سيفا لرقبة الكفر ممزقا، ودمه مريقا، ويجعله في مضمار الطاعات سابقا لا مسبوقا. إن شاء الله تعالى.

стр. 1238

(٢٦) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من صلاح الدين إلى ديوان الخلافة ببغداد عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥٠٤ - ٥٠٦) أسعد الله عظماء الأملاك بالانتساب إلى الخدمة الشريفة النبوية، وأوزعهم ما أمرهم به من طاعتها، وخلّد ملك الديوان العزيز النبوى ما دامت الأفلاك قائمة، والنجوم ناجمة، ونقع بغمائمها غلل الآمال الحائمة، وفسّر بمكارمها حلم الأمانى الحالمة، ورتق بتدبيراتها المعصومة فتوق النّوب المتعاظمة، وأظهر على أيدى أوليائها معجزات نصرها، وصرّف الأيام والليالى بين المرضيين لله نهيها وأمرها، وأودع بركات السماء والأرض بمودعها ومستقرّها. المملوك - وإن كان قد يسّر الله له مذ أطلقت عذبة لسانه، خدمة الدولة العباسية، فتفسّح في وسيع مآثرها، وتخيّر من بديع جواهرها، وامتاح من نمير زواخرها، فإنه لا يعتذر عن الحصر الذى اعتراه في وصف المنعم عليه به من الخطاب الشريف، الذى لولا أنّ عصمة الموالاة تثبّت فؤاده الخافق، وتسدّد لسانه الناطق، لما تعاطى وصف ما أعطاه من كتابه المرقوم، وسبق إليه من سحابه المركوم، فإنه مما يشفّ عنه الأمل ناكصا وهو كسير، وينقلب دونه البصر خاسئا وهو حسير، إلا أن الإنعام الشريف يبدأ الأولياء بما لو وكلهم إلى أمانيهم لتهيّبت أن تتعاطى حظيّته، ولو فوّضه إلى راحتهم، لنكلت عن أن تترقى

стр. 1239

نصيّته، ولا غرو للسحاب أن يصافح قطره الثرى، والفجر أن يشرق نوره على عين الكرى والسرى. فالحمد لله الذى قرّب على المملوك منال الآمال، وثبّت حصاة فؤاده لما لا تستقل بحمله صمّ الجبال، ويستنيب عن جهر الشكر بسرّ الأدعية، ويقتصر على ما يفضى به إلى المحاريب وإن لم يقصّر عمّا يقصّه في الأندية؛ ويطالع بأن مملوك الخدمه وابن مملوكها أخذ الكتاب بقوة، وشمّر لخدمة أشرف خلافة لأشرف نبوة، وتلقّاه تلقى أبيه الأول الكلمات؛ ورأى إطلاع الله لأمير المؤمنين على ما في ضميره من طاعته، إحدى المعجزات والكرامات، وسمع المشافهة خاشعا متصدعا، واشتمل عليها بفهمه ساميا طرفه متطلعا. ولقد أشبه هذا الكتاب الكريم بيعة أخذت عليه، مدّ إليها يده آخذا بكلتا يديه، والمملوك يرجو، بل يتحقق، أن هذا العبد المشار إليه، سيوفى على سابقه من عبيد الدولة العباسية في الزمان، ويكون بمشيئة الله أسبق منهم بالإحسان؛ وقد صدرت خدمتان من جهته، وبعدهما تصدر الخدم، ولا يألو جهدا في الخدمتين مباشرا بيده السيف، ومستنيبا عنها العلم، وله نصرة باقية في الولاء وهو غنى بها عن النصير، وسريرة بادية في الطاعة هو إليها أسكن منها إلى كل مشير. يعود المملوك إلى ما لا يزال يفتتح به الصلوات المفروضة، ويختتم به الختمات المعروضه؛ من الدعاء الصالح الذى [وإن] أغنى الله وليّه عنه فقد أحوج ذوى العقائد السليمة إليه؛ لأنه مزكّ لأعمالهم؛ بل متمم لإسلامهم، وكيف لا يدعون لمن يدعون به يوم يدعى كلّ أناس بإمامهم، فيقول: جمع الله لأمير المؤمنين طاعة خلقه! وأذلّ رقاب الباطل سيف حقه!، وجعل الله ما هو

стр. 1240

قبضته في الأخرى قبضة أمير المؤمنين في الأولى! من الأرض التي هى موطوءة كالسموات العلى، وأدام نعمه على هذه الأمة بإمامته، وأظهر كرامة نبيّه ﵇ بما يظاهره من كرامته؛ وعجّل لمن لا يقوم بغرض ولايته إقامة قيامته، وردّ بسيوفه التي لا تردّ ما الإسلام ممطول به من ظلامته، وأقام به مناهج الدين لأهله، وأظهره بمظاهرته على الدين كلّه، حتى يلقى الله وما خلّف في الدنيا كافرا ولا ضميرا إلا بالتوحيد عامرا، ولا بلدا إلا وقد بات الإسلام به آهلا، وقد أصبح منه الكفر دائرا، إن شاء الله تعالى.

стр. 1241

(٢٧) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى الخليفة الناصر لدين الله بخبر ملك الألمان والقتال معه، في جواب كتاب ورد عليه عن: (القلقشندى. صبح الأعشى، ج ٧، ص ١٢٦ - ١٣٠) أدام الله ظلّ الديوان العزيز النبوىّ، الإمامىّ، الشريف الناصرىّ؛ ومدّه على الأمة ظليلا، وجعل الأنوار عليه دليلا؛ وحاطه بلطفه وتقبّل أعماله بقبول حسن وأنبتها، وأرغم أعداءه وكبتها، ومسّها بعذاب من عنده وسحتها؛ ولا زالت رايته السوداء بيضاء الخبر، محمرّة المخبر في العداة مسودّة الأثر. ورد على الخادم ما كوتب به من الديوان العزيز رائدا في استخلاصه، مبرهنا عن اختصاصه، مطلقا في الشكر للسانه، وفى الحرب لعنانه؛ ومقتضيا لأمنيّة كان يتهيّبها، ومفيضا لمكرمة لو سمت نفسه إليها، كان يتهمها، فلله هو! من كتاب كأنّه سورة وكلّ آية منه سجدة، قابله بالخشوع كأنما قلم الكتاب القضيب وطرسه البردة؛ وتلاه على من قبله من الأولياء مسترهفا به لعزائمهم، مستجزلا به لمغانمهم؛ مستثبتا به للازمهم، مستدعيا به الخدمة للوازمهم؛ مرهفا به ظباهم في القتال، فاسحا به خطاهم يوم النّزال؛ فأثّر فيهم كالاقتداح في الزّند، وكالانبجاس من الصّلد، وكالاستلال من الغمد، فشمّر من كان قد أسبل، وانتهى من كان قد أجبل؛ وكأنّما أعطوا كتابا من الدّهر بالأمان، أو سمعوا مناديا ينادى للإيمان؛ وقالوا سمعنا

стр. 1242

وأطعنا، وعلينا من الخدمة ما استطعنا؛ هذا مع كونهم أنضاء زحوف، وأشلاء حتوف، وضرائب سيوف؛ قد وسمت وجوههم علامات الكفاح، وأحالت غرضهم أقلام الرّماح؛ صابرين مصابرين، مكائرين مكابرين، مناضلين مناظرين؛ قد قاموا عن المسلمين بما قعد عنه سائرهم؛ ونزلوا بقارعة القراع فلا يسير عنها سائرهم؛ وسدّست كعوب الرّماح أنملهم، وأثبتوا في معترك الموت أرجلهم؛ كلّ ذلك طاعة لله ولرسوله ولخليفتهما، وإذا رموا فأصابوا، قالوا: ولكنّ الله رمى. ومن خبر الكفّار أنهم إلى الآن، على عكاّ يمدّهم البحر بمراكب أكثر عدّة من أمواجه، ويخرج للمسلمين منهم أمرّ من أجاجه؛ قد تعاضدت ملوك الكفر على أن ينهضوا إليهم من كلّ فرقة منهم طائفة، ويقلّدوا لهم من كل قرن يعجز بالكرّة واصفه؛ فإذا قتل المسلمون واحدا في البرّ، بعث البحر عوضه ألفا، وإذا ذهب بالقتل صنف منهم، أخلف بدله صنفا؛ فالزّرع أكثر من الجداد، والثمرة أنمى من الحصاد. وهذا العدوّ المقاتل - قاتله الله - قد زرّ عليه من الخنادق أدراعا متينة، واستجنّ من الجنويات بحصون حصينة؛ مصحرا ومتمنّعا، وجاسرا ومتدرّعا، ومواصلا ومنقطعا، وكلّما أخرج رأسا قد قطعت منه رءوس، وكلّما كشف وجها كشفت من غطاء أجسادها نفوس؛ فكم من يوم أرسلوا أعنّة السوابق فذمّوا عقبى إرسالها، وكم من ساعاة فضّوا فيها أقفال الخنادق، فأفضى إليهم البلاء عند فضّ أقفالها؛ إلا أنّ عددهم الجمّ قد كاثر القتل، ورقابهم الغلب قد قطعت النّصل لشدّة ما قطعها النصل، ومن قبل الخادم من الأولياء قد أثرت المدة الطويلة والكلف الثقيلة في استطاعتهم، لا في طاعتهم، وفى أجوالهم لا في شجاعتهم؛ فالبرك قد أنضوه،

стр. 1243

والسّلاح قد أحفوه، والدّرهم قد أفنوه، وكل من يعرفهم من أهل المعرفة، ويراهم بالعين فما هم مثل من يراهم بالصّفة؛ يناشد الله المناشدة النبويّة، في الصّيحة البدرية؛ اللهم أن تهلك هذه العصابة، ويخلص الدعاء ويرجو على يد أمير المؤمنين الإجابة. هذا والساحل قد تماسك، وما تهلك؛ وتجلّد، وما تبلّد؛ وشجّعته مواعد النّجدة الخارجة. وأسلته عن مصارع العدّة الدّارجة؛ فكيف به إذا خرج داعية الألمان، وملوك الصّلبان؛ وجموع ما وراء البحر، وحشود أجناس الكفر؟ وقد حرّم باباهم - لعنة الله عليهم وعليه - كلّ مباح واستخرج منهم كلّ مذخور، وأغلق دونهم الكنائس، ولبس وألبسهم الحداد، وحكم عليهم أن لا يزالوا كذلك أو يستخلصوا المقبرة، ويعيدوا القمامة. (﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ.﴾) أللهم أخفر جواره، واصرف جوره، وأخلف وعده، واكسر ضمانه، وأنكصه على عقبه، وعجّل في الدنيا والآخرة منهم تبابه. وما بدأتنا به من نعمتك فلا تقطعه، وما وهبتنا من نصرك فلا تسلبه، وما سترته من عجزنا فلا تهتكه. وفى دون ما الدّين مستقبله، وعدوّه خذله الله يؤمّله؛ ما يستفرغ عزائم الرجال، ويستنفد خزائن الأموال؛ ويوجب لإمام هذه الأمة أن يحفظ عليها قبلتها، ويزيح في قتل عدوّها علّتها؛ ولولا أنّ في التصريح، ما يعود على عدالته بالتّجريح، لقال ما يبكى العين ويبكى القلوب، وتنشقّ له المرائر وتشقّ له الجيوب، ولكنّه صابر محتسب، منتظر لنصر الله مرتقب، قائم من نفسه بما يجب؛ ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي،﴾ وها هو قد هاجر

стр. 1244

إليك هجرة يرجوها عندك مقبولة، وولدى وقد أبرزت لعدوّك صفحات وجوههم، وهان علىّ محبوبك بمكروهى فيهم ومكروههم، ونقف عند هذا الحدّ، ولله الأمر من قبل ومن بعد؛ وإن لم يشتك الدّين إلى «ناصره» والحقّ إلى من قام بأوّله وإلى اليوم الآخر يقوم بآخره؛ فإلى من يشتكى البثّ، وعند من يتفرج بالنفث؟ ومنفعة الغوث قبل العطب، والنّجاء قبل أن يصل الحزام الطّبيين، والبلاغ قبل أن يصل السيل الزّبى. فياعصبة محمد ﷺ اخلفه في أمّته بما تطمئن به مضاجعه، ووفّه الحقّ فينا فإنّا وإنّ المسلمين عندك ودائعه، وما مثّل الخادم نفسه في هذا القول إلا بحالة من وقف بالباب ضارعا، وناجى بالقول صادعا؛ ولو رفعت عنه العوائق لهاجر، وشافه طبيب الإسلام بل مسيجه بالداء الذى خامر؛ ولو أمن عدوّ الله أن يقول فرّ لسافر، وبعد ففيه وإن عضّ الزمان بقية، وقبله وإن تدارأت الشّهّاد دريّة؛ فلا يزال قائما حتىّ ينصر أو يعذر، فلا يصل إلى حرم ذرّية أحمد ﷺ ومن ذرّية أيوب واحد يذكر. أنجز الله لأمير المؤمنين مواعد نصره! وتمم مساعدة دهره! وأصفى موارد إحسانه! وأرسى قواعد سلطانه! وحفظه وحفظ به فهو خير حافظا، ونصره ونصر على يديه فهو أقوى ناصرا، إن شاء الله تعالى.

стр. 1245

(٢٨) نسخة العهد المكتوب به من ديوان الخلافة ببغداد إلى السلطان الملك العادل أبى بكر بن أيوب - أخى السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج.١، ص ٩٩ - ١١١) الحمد لله الذى اطمأنت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره، ووسعت كلّ شىء رحمته، وظهرت في كل أمر حكمته، ودلّ على وحدانيته بعجائب ما أحكمه صنعا وتدبيرا، وخلق كل شىء فقدّره تقديرا؛ ممدّ الشاكرين بنعمه التي لا تحصى عددا، وعالم الغيب الذى لا يظهر على غيبه أحدا؛ لا معقب لحكمه في الإبرام والنقض، ولا يؤده حفظ السموات والأرض؛ تعالى أن يحيط بحكمه الضمير، وجل أن يبلغ وصفه البيان والتفسير: (﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.﴾ والحمد لله الذى أرسل - محمد ﷺ بالحق بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا؛ وابتعثه هاديا للخلق، وأوضح به مناهج الرشد وسبل الحق؛ واصطفاه من أشرف الأنساب وأعز القبائل، واجتباه لإيضاح البراهين والدلائل؛ وجعله لديه أعظم الشفعاء وأقرب الوسائل، فقذف ﷺ بالحق على الباطل، وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجة البيضاء والسنن العادل، حتى استقام اعوجاج كل زائغ، ورجع إلى الحق كل حائد عنه ومائل؛ وسجد لله كل شىء تتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه

стр. 1246

الكرام الأفاضل، صلاة مستمرة بالغدوات والأصائل؛ خصوصا على عمّه وصنو أبيه العباس بن عبد المطلب الذى اشتهرت مناقبه في المجامع والمحافل؛ ودرّت ببركة الاستسقاء به أخلاف السحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول على عقبه في الخلافة بما لم يفز به أحد من الأوائل. والحمد لله الذى حاز مواريث النبوة والإمامة، ووفر جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيّه ومحيى شريعته، الذى أحله الله من معارج الشرف والجلال في أرفع ذروة، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهى بأمتن عصمة وأوثق عروه؛ واستخرجه من أشرف نجار وعنصر، واختصه بأزكى منحة وأعظم مفخر؛ ونصبه للمؤمنين علما، واختاره للمسلمين إماما وحكما؛ وناط به أمر دينه الحنيف، وجعله قائما بالعدل والإنصاف بين القوى والضعيف؛ إمام المسلمين، وخليفة رب العالمين؛ أبى جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين؛ ابن الإمام السعيد التقى، أبى نصر محمد الظاهر بأمر الله، ابن الإمام السعيد الوفى أبى العباس أحمد الناصر لدين الله، ابن الإمام السعيد أبى محمد المستضىء بأمر الله أمير المؤمنين، صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى آبائه الطاهرين، الأئمة المهديين؛ الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، ولقوا الله تعالى وهو عنهم راض، وهم عنه راضون. وبعد، فبحسب ما أفاضه الله على أمير المؤمنين - صلوات الله عليه وسلامه - من خلافته في الأرض، وفوضه إلى نظره المقدس في الأمور من الإبرام والنقض، وما استخلصه له من حياطة بلاده وعباده، ووكله إلى شريف نظره ومقدس اجتهاده؛ لا يزال - صلوات الله عليه - يكلأ العباد بعين الرعاية، ويسلك بهم في المصالح العامة والخاصة مذاهب الرشد وسبل

стр. 1247

الهدايه؛ وينشر عليهم جناحى عدله وإحسانه، وينعم لهم النظر في ارتياد الأمناء والصلحاء من خلصاء أكفائه وأعوانه؛ متخيرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعى، وتعرف إليه في سياسة الرعايا بجميل الأسباب والدواعى؛ وسلك في مفترض الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل، وعلم منه حسن الاضطلاع في مصالح المسلمين بالعبء الثقيل، والله يؤيد آراء أمير المؤمنين - صلوات الله عليه - بالتأييد والتسديد، ويمده أبدا من أقسام التوفيق الإلهى بالموفور والمزيد؛ ويقرن عزائمه الشريفة باليمن والنجاح، ويسنى له فيما يأتى ويذر أسباب الخير والصلاح، وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله عليه يتوكل وإليه ينيب. ولما وفق الله تعالى نصير الدين محمد بن سيف الدين أبى بكر بن أيوب من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، والحظوة في جهاد أعداء الدين بالمساعى الصالحة؛ والفوز من المراضى الشريفة الإمامية - أجلها الله تعالى - بالمغانم الجزيلة والصفقة الرابحة؛ لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه، وشفع تالده في تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه؛ واستوجب بسلوكه في الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل، وضرع في الإنعام عليه بمنشور شريف إمامى يسلك في اتباعه هداه والعمل بمراشده سواء الصراط وقصد السبيل - اقتضت الآراء الشريفة المقدسة - زادها الله تعالى جلالا متألق الأنوار، وقدسا يتساوى في تعظيمه من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار - الإيعاز بإجابته إلى ما وجّه أمله إلى الإنافة فيه به إليه، والجذب بضبعيه إلى ذروة الاجتباء الذى تظهر أشعة أنواره الباهرة عليه؛ فقلده - على خيرة الله تعالى - الزعامة والغلات، وأعمال الحرب والمعاون والأحداث والخراج والضياع والصدقات، والجوالى وسائر وجوه الجبايات، والعرض والعطاء، والنفقة في الأولياء؛ والمظالم

стр. 1248

والحسبة في بلاده، وما يفتتحه ويستولى عليه من بلاد الفرنج الملاحين، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده من الشاذين عن الإجماح المنعقد من المسلمين؛ و [من] يتعدى حدود الله تعالى بمخالفة من يصل (؟) من الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، وطاعته ضاعف الله جلاله بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ موصولة؛ حيث قال عز من قال: (﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾) واعتمد - صلوات الله عليه وسلامه - في ذلك على حسن نظره ومدد رعايته، وألقى مقاليد التفويض إلى وفور اجتهاده وكمال سياسته؛ وخصه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره، ويخلد له على ممر الزمان حسن ذكره وجزيل فحاره؛ وحباه بتقليد يوطد له قواعد الممالك، ويفتح بإقليده رتاج الأبواب والمسالك؛ ويفيد قاعدته في بلاده زيادة تقرير وتمهيد، ويطير به صيته في كل قريب وبعيد، ووسمه بالملك الأجل، السيد، الكامل، المجاهد، المرابط؛ نصير الدين، ركن الإسلام، أثير الأنام، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، غازى بك محمد، بن أبى بكر، ابن أيوب، معين أمير المؤمنين، رعاية لسوابق خدمه وخدم أسلافه وآبائه، عن وفور اجتبائه، وكمال ازدلافه، وإنافة من ذروة القرب إلى محل كريم، واختصاصا له بالإحسان الذى لا يلقاه إلا من هو كما قال تعالى: (﴿ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ.﴾) وثوقا بصحة ديانته التي يسلك فيها سواء سبيله، وإستنامة إلى أمانته في الخدمة التي ينصح فيها لله تعالى ولرسوله، وركونا إلى [كون] الإنعام عليه موضوعا بحمد الله تعالى في أحسن موضع، واقعا به لديه في خير مستقر ومستودع. وأمير المؤمنين - صلوات الله عليه - (لا زالت الخيرة موصوله بآرائه،

стр. 1249

والتأييد الإلهى مقرونا بإنفاذه وإمضائه) يستمد من الله حسن الإعانة في اصطفائه الذى اقتضاه نظره الشريف واعتماده، وأدى إليه ارتياده المقدس الإمامى واجتهاده؛ وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل. أمره بتقوى الله تعالى التي هى الجنة الواقية، والنعمة الباقية؛ والملجأ المنيع، والعماد الرفيع؛ والذخيرة النافعة في السر والنجوى، والجذوة المقتبسة من قوله سبحانه: (﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾) وأن يدرع بشعارها، في جميع الأقوال والأفعال، ويهتدى بأنوارها، في مشكلات الأمور والأحوال، وأن يعمل بها سرا وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجبة صدرا؛ قال الله تعالى: (﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾). وأمره بتلاوة كتاب الله متدبرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل الرشاد والهداية في العمل به، وأن يجعله مثالا يتبعه ويقتفيه، ودليلا يهتدى بمراشده الواضحة في أوامره ونواهيه؛ فإنه الثقل الأعظم، وسبب الله المحكم، والنور الذى يهدى به إلى التي هى أقوم؛ ضرب الله تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، وبين لهم بهداه الرشد والضلال، وفرق بدلائله الواضحة الحرام والحلال؛ فقال عز من قائل: (﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾). وقال تعالى: (﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ.﴾) وأمره بالمحافظة على مفروض الصلوات، والدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات؛ وأن يكون نظره في موضع سجوده من الأرض، وأن يمثل لنفسه في ذلك موقفه بين يدى الله تعالى يوم العرض؛ قال الله تعالى: (﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾)، وقال تعالى: (﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً.﴾) وأن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها

стр. 1250

الواجبة، ولا يلهو بسبب عن إقامة سنتها الذاتية؛ فإنها عماد الدين الذى نمت أعاليه، ومهاد الشرع الذى تمت قواعده ومبانيه؛ قال الله تعالى: (﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ،﴾) وقال سبحانه: (﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ.﴾) وأمره أن يسعى إلى صلوات الجمع والأعياد، ويقوم في ذلك بما فرضه الله تعالى عليه وعلى العباد؛ وأن يتوجه إلى الجوامع والمساجد متواضعا، ويبرز إلى المصليات الضاحية في الأعياد خاشعا؛ وأن يحافظ في تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب، ويعظم باعتماد ذلك شعائر الله التي هى من تقوى القلوب، وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه، وكمال نظره وإرعائه؛ بيوت الله التي هى محال البركات، ومواطن العبادات؛ والمساجد التي تأكد في تعظيمها وإجلالها حكمه، والبيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه؛ وأن يرتب لها من الخدم من يتبتل لإزالة أدناسها، ويتصدى لإذكاء مصابيحها في الظلام وإيناسها؛ ويقوم لها بما تحتاج إليه من أسباب الصلاح والعمارات، ويحضر إليها ما يليق من الفرش والكسوات وأمره باتباع سنة النبى ﷺ التي أوضح جددها، وثقف ﵇ أودها؛ وأن يعتمد فيها على الأسانيد التي نقلها الثقات، والأحاديث التي صحت بالطرق السليمة والروايات؛ وأن يقتدى بما جاءت به من مكارم الأخلاق التي ندب ﷺ إلى التمسك بسببها، ورغب أمته في الأخذ بها والعمل بأدبها؛ وقال الله تعالى: (﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.﴾) وقال : (﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ.﴾) وأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر في ثغوره، وأن يشملهم بحسن نظره

стр. 1251

وجميل تدبيره؛ مستصلحا نياتهم بإدامة التلطف والتعهد، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التفحص والتفقد؛ وأن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم، ويهديهم في انتظامها واتساقها إلى الصراط المستقيم، ويحملهم على القيام بشرائط الخدم، والتمسك منها بأقوى الأسباب وأمتن العصم؛ ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والائتلاف، ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف؛ وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم في الإعطاء والمنع، وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض والرفع؛ وأن يثيب المحسن على إحسانه، ويسيل على المسىء ما وسعه العفو واحتمله الأمر ذيل صفحه وامتنانه؛ وأن يأخذ برأى ذوى التجارب منهم والحنكة، ويجتنى بمشاورتهم في الأمر ثمر الشركة؛ إذ في ذلك أمن من خطا الانفراد، وتزحزح عن مقام الزيغ والاستبداد. وأمره بالتبتل لما يليه من البلاد، ويتصل بنواحيه من ثغور أولى الشرك والعناد؛ وأن يصرف مجامع الالتفات إليها، ويخصها بوفور الاهتمام بها والتطلع عليها؛ وأن يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان، وينتهى في أسباب مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان، وأن يشحنها بالميرة الكثيرة والذخائر، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر، وأن يتخير لحراستها [من يختاره] من الأمناء التقاة، ولسدها من ينتخبه من الشجعان الكماة؛ وأن يؤكد عليهم في استعمال أسباب الحفظة والاستظهار، ويوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار؛ وأن يكون المشار إليهم ممن ربوا في ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد، وتدربوا في نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد، وأن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد، وكثرة العدد، والتوسعة في النفقة والعطاء؛ والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم في التقصير والفناء؛ إذ في ذلك حسم لمادة الأطماع في بلاد الإسلام، ورد لكيد المعاندين

стр. 1252

من عبدة الأصنام؛ فمعلوم أن هذا الفرض أولى ما وجهت إليه العنايات وصرفت، وأحق ما قصرت عليه الهمم، ووقفت؛ فإن الله تعالى جعله من أهم الفروض التي كرم فيها القيام بحقه، وأكبر الواجبات التي كتب العمل بها على خلقه؛ فقال هاديا في ذلك إلى سبيل الرشاد، ومحرضا لعباده على قيامهم بفروض الجهاد: ﴿(ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ، إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)﴾. وقال تعالى: (﴿وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾). وقال النبى ﷺ : «من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر». وقال ﵇: «غدوة في سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس». هذا قوله ﷺ في حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها، فكيف بمن كان كما قال ﵇: «ألا أخبركم بخير الناس: ممسك بعنان فرسه كلما سمع هيعة طار إليها». وأمره باقتفاء أوامر الله تعالى في رعاياه، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه؛ وأن يسلك في السياسة [بهم] سبل الصلاح، ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح، ويمد ظل رعايته على سلمهم ومعاهدهم ويزحزح الأقذاء والشوائب عن مناهلهم في العدل ومواردهم، وينظر في مصالحهم نظرا يساوى فيه بين الضعيف والقوى، ويقوم بأودهم قياما يهتدى به ويهديهم فيه إلى الصراط السوى؛ قال الله تعالى: (﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.﴾)

стр. 1253

وأمره باعتبار أسباب الاستظهار والأمنه. واستقصاء الطاعة والقدرة الممكنة، في المساعدة على قضاء تفث حجاج بيت الله الحرام، وزوار نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام، وأن يمدهم بالإعانة في ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام، ويحرسهم من التخطف والأذى في حالتى الظعن والمقام؛ فإن الحج أحد أركان الدين المشيّدة، وفروضه الواجبة المؤكدة؛ قال الله تعالى «ولله على الناس حج البيت». وأمره بتقوية أيدى العاملين بحكم الشرع في الرعايا، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا؛ والعمل بأقوالهم فيما يثبت لذوى الاستحقاق، والشد على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق، وأنه متى تأخر أحد الخصمين عن أجابة داعى الحكم أو تقاعس في ذلك لما يلزم من الأداء والعدم، جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشرع واضطره بقوة الانصاف إلى الأداء بعد المنع. وأن يتوخّى عمال الوقوف التي تقرّب المتقربون بها، واستمسكوا في ثواب الله بمتين حبلها. وأن يمدهم بجميل المعاونة والمساعدة، وحسن الموازرة والمعاضدة، في الأسباب التي تؤذن بالعمارة والاستنماء، وتعود عليها بالمصلحة والاستخلاص والاستيفاء؛ قال الله تعالى: (﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾) وأمره أن يتخير من أولى الكفاءة والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال، والقيام بالواجب: من أداء الأمانة والحراسة والتمييز لبيت المال. وأن يكونوا من ذوى الاضطلاع بشرائط الخدم المعينة وأمورها؛ والمهتدين إلى مسالك صلاحها وتدبيرها. وأن يتقدم إليهم بأخذ الحقوق من وجوهها المتيقنة، وجبايتها في أوقاتها المعينة؛ إذ ذاك من لوازم الجند ووفور الاستظهار، وموجبات قوة الشوكة بكثير الأعوان والأنصار، وأسباب الحيطة التي تحمى بها البلاد والأمصار؛ ويأمرهم بالجرى في الطسوق والشروط على النمط المعتاد، والقيام في مصالح الأعمال

стр. 1254

على أقدام الجدو الاجتهاد. وإلى العاملين على الصدقات بأخذ الزكوات على مشروع السنن المهيع، وقصد الصراط المتبع؛ من غير عدول في ذلك عن المنهاج الشرعى؛ أو تساهل في تبديل حكمها المفروض وقانونها المرعى، فإذا أخذت من أربابها الذين يطهرون ويزكون بها؛ كان العمل في صرفها إلى مستحقها بحكم الشريعة النبوية وموجبها. وإلى جباة الجزية من أهل الذمة بالمطالبة بأدائها في أول السنة، واستيفائها منهم حسب أحوالهم بحكم العادة في الثروة والمسكنة؛ إجراء في ذلك على حكم الاستمرار والانتظام، ومحافظة على عظيم شعائر الإسلام. وأمره أن يتطلع على أحوال كل من يستعمله في أمر من الأمور، ويصرفه في مصلحة من مصالح الجمهور، تطلعا يقتضى الوقوف على حقائق أماناتهم، وموجب تهذيبهم في حركاتهم وسكناتهم، ذهابا مع النصح لله تعالى في بريته وعملا فيه بقول النبى ﷺ «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته». وأمره أن يستصلح من ذوى الاضطلاع والغناء، من يرتب العرض والعطاء والنفقة في الأولياء، وأن يكونوا من المشهورين بالحزم والبصيرة، والموسومين في المناصحة بإخلاص الطويّة وإصفاء السريرة، حالين من الأمانة والصون بما يزين؛ ناكبين عن مظان الشبه والطمع الذى يصم ويشين؛ وأن يأمرهم باتباع عادات أمثالهم في ضبط أسماء الرجال، وتحلية الأشخاص والأشكال، واعتبار شيات الخيول وإثبات أعدادها، وتحريض الجند على تخيرها واقتناء جيادها، وبذل الجهد في قيامهم من الكراع واليزك والسلاح بما يلزمهم والعمل بقوله تعالى: (﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾). فإذا نطقت جرائد الجند المذكورين بما أثبت لديهم، وحقق الاعتبار والعيان

стр. 1255

قيامهم بما وجب عليهم، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب إقراراتهم وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقهم: فإن هذا الحال أصل حراسة البلاد والعباد، وقيام الأمر بما أوجبه الله تعالى من الاستعداد بفرض الجهاد، قال تعالى: (﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.﴾) وأمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا، وللسنة النبوية في إقامة حدودها متبعا، فيعتمد في الكشف عن أحوال العامة في تصرفاتها الواجب، ويسلك في التطلع إلى معاملاتهم السبيل الواضح والسنن اللاحب، في الأسواق لاعتبار المكاييل والموازين. ويقيمه [مقامه] في مؤاخذة المطففين، وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين، ويحذرهم في تعدى حدود الإنصاف شدة نكاله، ويقابل المستحق المؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله، قال الله تعالى: (﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ، وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ، وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾). وقال سبحانه: (﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.﴾) فليتول الملك السيد الكامل، المجاهد، المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، أثير الأنام، جلال الدولة، فخر الملة، عز الأمة، سند الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، أمير المجاهدين غازى بك معين أمير المؤمنين - ما قلده عبد الله وخليفته في أرضه، القائم له

стр. 1256

بحقه الواجب وفرضه، أبو جعفر المنصور المستنصر بالله أمير المؤمنين، تقليد مطمئن بالإيمان، وينصح لله ولرسوله وخليفته - صلوات الله عليه - في السر والإعلان، وليشرح بما فوض إليه من هذه الأمور صدرا، وليقم بالواجب عليه من شكر هذا الإنعام الجزيل سرا وجهرا، وليعمل بهذه الوصايا الشريفة الأمامية، وليقف آثار مراشدها المقدسة النبوية، وليظهر من أثر الجد في هذا الأمر والاجتهاد، وتحقيق النظر الجميل لله والإرشاد، ما يكون دليلا على تأييد الرأى الأشرف المقدس - أجله الله تعالى - في اصطناعه واستكفائه، وإصابة مواقع النجح والرشد في التفويض إلى حسن قيامه وكمال اعتنائه، فليقدر النعمة في هذه الحال حق قدرها، وليمتر بأداء الواجب بما غلب عليه من جزيل الشكر غزير درها، وليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض، ولينه إلى العلوم الشريفة المقدسة - أجلها الله تعالى - ما يلتبس عليه من الشكوك والغوامض (؟) ليرد عليه من الأمثلة ما يوضح له وجه الصواب في الأمور. ويستمد من المراشد الشريفة التي هى شفاء لما في الصدور بما يكون وروده عليه وتتابعه إليه نورا على نور، إن شاء الله تعالى.

стр. 1257

(٢٩) مرسوم بقلم القاضى الفاضل صادر عن صلاح الدين لتحويل السنة الخراجية إلى سنة هلالية عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ١٣، ص ٧١ - ٧٤) خرجت الأوامر الصلاحية بكتب هذا المنشور وتلاوة مودّعه بحيث يستمر، ونسخه في الدواوين بحيث يستقر؛ ومضمونه. إنّ نظرنا لم يزل تتجلّى له الجلائل والدقائق، ويتوخى من الحسنات ما تسير به الحقائب والحقائق، ويخلّد من الأخبار المشروعة، كلّ عذب الطرائق رائق، ويجدّد من الآثار المتبوعة، ما هو بثناء الخلائق لائق، ولا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير إلا جهدنا أن نكتسبها، ولا يثوّب بنا الداعى إلى مثوبة إلا رأينا أن نحتسبها، لا سيما ما يكون للسنين الماضية ممضيا، وإلى القضايا العادلة مغضيا، ولمحاسن الشريعة مجلّيا، ولعوارض الشّبه رافعا، ولتناقض الخبر دافعا، ولأبواب المعاملات حافظا، ولأسباب المغالطات لافظا، وللخواطر من أمراض الشكوك مصحّحا، وعن حقائق اليقين مفصحا، وللأسماع من طيف الاختلاف معفيا، ولغاية الإشكال من طرق الأفهام معفّيا. ولما استهلّت سنة كذا الهلالية، وقد تباعد ما بينها وبين السنة الخراجية إلى أن صارت غلاّتها منسوبة إلى ما قبلها، وفى ذلك ما فيه: من أخذ الدرهم المنقود عن غير الوقت المفقود، وتسمية بيت المال ممطلا وقد أنجز، ووصف

стр. 1258

الحق المتلف بأنه دين وقد أعجز، وأكل رزق اليوم وتسميته منسوبا إلى أمسه، وإخراج المعتدّ لسنة هلاله إلى حساب المعتدّ إلى سنة شمسه. وكان الله تعالى قد أجرى أمر هذه الأمة على تاريخ منزّه عن اللّبس، موقّر عن الكبس، وصرّح كتابه العزيز بتحريمه، وذكر ما فيه من تأخير وقت النّسىء وتقديمه، والأمّة المحمدية لا ينبغى أن يدركها الكسر، كما أن الشمس لا ينبغى أن تدرك القمر، وسننها بين الحق والباطل فارقة، وسنتها أبدا سابقة، والسّنون بعدها لاحقة، يتعاورها الكسر الذى يزحزح أوقات العبادات عن مواضعها، ولا يدرك عملها إلا من دقّ نظره، واستفرغت في الحساب فكره، والسنة العربية تقطع بخناجر أهلّتها الاشتباه، وتردّ شهورها حالية بعقودها موسومة الجباه، وإذا تقاعست السنة الشمسية عن أن نطأ أعقابها، وتواطى حسابها، اجتذبت قراها قسرا، وأوجبت لحقّها ذكرا، وتزوجت سنة الشمس سنة الهلال وكان الهلال بينهما مهرا؛ فسنتهم المؤنثة وسنتنا المذكّرة، وآية الهلال هنا دون آية الليل هى المبصرة، وفى السنة العربية إلى ما فيها من عربية الإفصاح وراحة الإيضاح الزيادة التي تظهر في كل ثلاث وثلاثين سنة توفى على عدد الأمم قطعا، وقد أشار الله إليها بقوله: (﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَاِزْدَادُوا تِسْعاً.﴾) وفى السنة الزائدة زيادة، من لطائف السعادة، ووظائف العبادة، لأن أهل ملّة الإسلام يمتازون على كل ملة بسنة في نظير تلك المدة قصدوا صلاتها، وأدّوا زكاتها، وحجّوا فيها البيت العتيق الكريم، وصاموا فيها الشهر العظيم، واستوجبوا فيها الأجور الجليلة، وأنست فيها أسماعهم بالأعمار الطويلة، ومخالفوهم فيها قد عطلت

стр. 1259

صحائفهم في عدوانهم، وإن كانت عاطلة، وخلت مواقفهم في أديانهم، وإن لم تكن قطّ آهلة. وقد رأينا باستخارة الله سبحانه ولتيمن باتباع العوائد التي سلكها السلف، ولم تسلك فيها السّرف، أن ينسخوا أسماءها من الخراج، ويذهب ما بين السنين من الاضطراب والاعوجاج، لا سيما والشهور الخراجية قد وافقت في هذه الشهور الشهور الهلالية، وألقى الله في أيامنا الوفاق بين الأيام، كما ألقى باعتلائنا الوفاق بين الأنام، وأسكن بنظرنا ما في الأوقات من اضطراب وفى القلوب من اصطرام. فليستأنف التاريخ في الدواوين المعمورة، لاستقبال السنة المذكورة، بأن توسم بالهلالية الخراجية لإزالة الالتباس، ولإقامة القسطاس، [وإيضاحا] لمن أمره عليه غمّة من الناس، وعلى هذا التقرير تكتب سجلات التحضير، وتنتظم الحسبانات المرفوعة، والمشارع الموضوعة، وتطرد القوانين المشروعة، وتثبت المكلفات المقطوعة، ولو لم يكن بين دواعى نقلها، وعوارض زللها وزوالها، إلا أن الأجناد إذا قبضوا واجباتهم عن منشور إلى سنة خمس في أواخر سنة سبع وسقط ساقطهم بالوفاة، وجرى بحكم السمع لا بالشرع إلى أن يرث وارثه دون بيت المال مستغلّ السنة الخراجية التي يلتقى فيها تاريخ وفاته من السنة الهلالية وفى ذلك ما فيه، مما يباين الإنصاف وينافيه [لكفى]. وإذا كان العدل وضع الأشياء في مواضعها فلسنا نحرم أيّامنا المحرّمة بذمامنا ما رزقته أبناؤها من عدل أحكامنا، بل نخلع عن جديدها المس كل المس، و [نمنع] تبعة الضّلال أن تسند مهادنته إلى نور الشمس، ولا نجعل أيامنا

стр. 1260

معمورة بالأسقاط التي تجمعها، بل مغمورة بالأقساط التي تنفعها، فليبن التاريخ على بنيانه وليحسم الخلف الواقع في السنين، بهذا الحقّ الصادع المبين، ولينسخ المشهود به في جميع الدواوين، وليكاتب بحكمه من الخراج إلى من يمكنه من المستخدمين؛ ومنها أن المستجدّ من الأجناد لو حمل على السنة الخراجية في استغلاله، وعلى الهلالية في استقباله، لكان محالا على ما يكون محالا، وكان يتعجل استقبالا، ويباطن استعلالا، وفى ذلك ما ينافر أوصاف الإنصاف، ويصون الفلاح إن شاء الله.

стр. 1261

(٣٠) خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى صاحب مكة، جوابا عن كتاب ورد منه عليه في معنى وصول غلال بعث بها إلى مكة عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ١٠٩ - ١١٠) وصل كتابك، أيّها الشريف معربا عن المشايعة الشائعة أنباؤها، والمخالصة الخالصة أسرارها الوافرة أنصباؤها؛ وحسان الخلال، التي اقتسم طرفى الحمد إعادتها، وإبداؤها، ومكرمات الآل، التي تساوى في اقتناء المجد أبناؤها وآباؤها؛ وفضائل الإفضال التي لا تخفّ على غير أهل العباء صلوات الله عليهم أعباؤها. ونشر كتابك من محاسنك ما انطوى، ووردنا منه منهلا أروى وارده وارتوى؛ ووقفنا منه على أثر فضل اشتمل على عين الكرم واحتوى، ووفقنا وإياه من الحمد ما لا نخلفه نحن ولا هو مكانا سوى؛ فاقتضانا مزيدا في رفع قدره، واختصاصه من الإنعام بكلّ غريب الموقع ندره، وأصرنا كتابه إلى مستقرّ كاتبه من قلب الودّ وصدره؛ وكيف لا يكون ذلك وقد اشمخرّت لبيته الأنساب، وخرّت الأنصاب، وسجدت الرّقاب، وردّت له بعد ما توارت بالحجاب، وشهد بفضل توقيعهم الحرب وبفضل ليلهم المحراب. فأمّا ما أشار إليه من الشّكر على ما سيّر من الغلاّت التي كان الوعد بها علينا نذرا، وروّحنا بإرسالها قلبا، وشرحنا بتسيبرها صدرا، وأنّها حلّت ربقة

стр. 1262

الجدب وفكّتها، وجلت هبوة القحط وكفّتها؛ وهوّنت مصاعب المساغب، وخلّفت سواحب السحائب، وأطفأت - ولله الحمد - بوار النّوائب؛ فقد سررنا بحسنتنا جعله الله ممن تسرّه الحسنة، وقد نبّهنا من سنتنا لأن نستقبل بالحمد الولى السنة، وقد قوّى النية وقوّمها، واستزاد لهم بلسان الشكر الفصيح، وتناول لهم بباع التلطّف الفسيح، وألقح لهم سحائب، محلّه منها محلّ ملقحها من الرّيح، واقتضى ما يعرضه أن خرج الأمر بأن يضاعف المحمول في كل عام، ولا يخصّ به خاصّ دون عام؛ وأمرنا أن يوفّر جلب الجلاّب، وتوقر ظهور الرّكاب، ليجمع للحرم الشريف بين برّ البر والبحر. وبين حمل البطن والظّهر؛ فتظلّ السنة ودودا ولودا، ويشاهد المحلّ الشريف وقد نأى عنه المحل شريدا؛ وتحطّ القلوع عما يحطّ عنه أمثالها من السحائب، وتستريح الأنفس اللواغب، فأما ما ألقاه إلى رسوله، فقد أسمع ما أسنده إليه، وأعيد بما يعيده عليه؛ وقد تكاثرت بولاء الشريف الأشهاد، فغنى عن الاستشهاد، وأغنته الحظوة بجميل رأينا عما نأى أخذه لشفعة العطاء، بل لشفاعة الاجتهاد، إن شاء الله تعالى.

стр. 1263

(٣١) خطاب أرسله القاضى الفاضل إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يهنئه بمولود ولدله عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ٩٠ - ٩١) المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالى الناصرىّ، نصر الله الإسلام بمقامه، وأهلك أعداء الحقّ بانتقامه، ولا أعدم الأمة المحمدية عقد اعتزائه بكفالتها ومضاء اعتزامه. يهنّى المملوك المولى بنعمة الله عنده وعند الإسلام وأهله بمن زاده في ولده، وكثّرة في عدده؛ وهو الأمير «أبو سليمان داود» (١) أنشأه الله إنشاء الصالحين، ومنّ الله بكمال خلقه، ووسامة وجهه، وسلامة أعضائه، وتهلّل غرّته، وابتسام أسرّته، ودلّ على أن هذا البيت الكريم فلك الإسلام، لا يطلع فيه إلا البدور، كما دلّ على عناية الله بأبيه، فإنّ الله تعالى قال: ﴿(يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ).﴾ فطريق المولى هذه قد توالت فيها البشائر، ونصر الله فيها بألطاف أغنت بلطف الخواطر عن قوّة العساكر واشتملت عليه (؟) في الغائب من أمره

стр. 1264

والحاضر (﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾) وكيف يحصيها ويحصرها الحاصر، أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟. فالحمد لله الذى جعل كتب المولى إلى أوليائه وكتبهم إليه مبتسمة عن المسارّ، ناطقة بأطيب الأخبار، منكشفة أسرارها عمّا يروّح الأسرار. وهذا الولد المبارك هو الموفّى لاثنى عشر ولدا، بل اثنى عشر نجما متوقّدا؛ فقد زاد الله في أنجمه عن أنجم يوسف ﵇ نجما، ورآهم المولى يقظة ورأى ذلك الأنجم حلما؛ ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق له سجودا، وهو سبحانه قادر أن يزيد جدود المولى إلى ان يراهم آباء وجدودا.

стр. 1265

(٣٢) نسخة خطاب مرسل إلى الملك العادل أبى بكر بن أيوب في جواب كتاب ورد منه بالبشارة بفتح خلاط عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ٨٨ - ٨٩) أدام الله سلطان مولانا الملك العادل وزاده من فضله!، ومدّ على خلقه وارف ظلّه، وأظهر به دينه على الدّين كلّه؛ وأوضح إلى مرضاته ما يسلكه من سبله، ولا عدمت يد الإسلام والمسلمين التعلّق بوثيق حبله؛ وفرّج به الخطط المطبقة، وفتح به البلاد المستغلقة، وأخضع لطاعته الأعناق، وعمّ بفتوحه الآفاق؛ ودمّر الكفر بمقامه، وطوى أيّامهم بما ينشره ويديمه من أيامه، وأنزل النصر في مواقف النّزال بما ترفعه راياته من أعلامه. وقف المملوك على ما أنعم به مولانا: من كتاب البشارة التي وصلت إلى كلّ قلب وسمع، وأمّل بها كلّ مسلم كلّ خير ونفع؛ وعلم ما وراءها من جمع شمل كان عزيز الجمع، وعلم ما يتبعها من عواطف مولانا التي عوّدها منه أكرم طبع؛ وتحقّق أن الله سبحانه قد قلّد الدين منه سيفا خلقه للوصل، وخلق السّيوف للقطع. وبالجملة إن الله سبحانه نظر إلى هذه الملّة بنظر مولانا لها، وكفالته لأهلها، وسياستهم بشرف السجيّة وعدلها؛ وإنّ كل ما اختلس الملك الناصر ﵀ فإن الله يتمّه على يديه، ويجبر به تارة بصفحه وتارة بحدّيه، ويهب له
следующие страницы →