(٣٠)
خطاب بقلم القاضى الفاضل مرسل من السلطان صلاح الدين إلى صاحب مكة، جوابا عن كتاب ورد منه عليه في معنى وصول غلال بعث بها إلى مكة
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ١٠٩ - ١١٠)
وصل كتابك، أيّها الشريف معربا عن المشايعة الشائعة أنباؤها، والمخالصة الخالصة أسرارها الوافرة أنصباؤها؛ وحسان الخلال، التي اقتسم طرفى الحمد إعادتها، وإبداؤها، ومكرمات الآل، التي تساوى في اقتناء المجد أبناؤها وآباؤها؛ وفضائل الإفضال التي لا تخفّ على غير أهل العباء صلوات الله عليهم أعباؤها. ونشر كتابك من محاسنك ما انطوى، ووردنا منه منهلا أروى وارده وارتوى؛ ووقفنا منه على أثر فضل اشتمل على عين الكرم واحتوى، ووفقنا وإياه من الحمد ما لا نخلفه نحن ولا هو مكانا سوى؛ فاقتضانا مزيدا في رفع قدره، واختصاصه من الإنعام بكلّ غريب الموقع ندره، وأصرنا كتابه إلى مستقرّ كاتبه من قلب الودّ وصدره؛ وكيف لا يكون ذلك وقد اشمخرّت لبيته الأنساب، وخرّت الأنصاب، وسجدت الرّقاب، وردّت له بعد ما توارت بالحجاب، وشهد بفضل توقيعهم الحرب وبفضل ليلهم المحراب.
فأمّا ما أشار إليه من الشّكر على ما سيّر من الغلاّت التي كان الوعد بها علينا نذرا، وروّحنا بإرسالها قلبا، وشرحنا بتسيبرها صدرا، وأنّها حلّت ربقة
стр. 1262
الجدب وفكّتها، وجلت هبوة القحط وكفّتها؛ وهوّنت مصاعب المساغب، وخلّفت سواحب السحائب، وأطفأت - ولله الحمد - بوار النّوائب؛ فقد سررنا بحسنتنا جعله الله ممن تسرّه الحسنة، وقد نبّهنا من سنتنا لأن نستقبل بالحمد الولى السنة، وقد قوّى النية وقوّمها، واستزاد لهم بلسان الشكر الفصيح، وتناول لهم بباع التلطّف الفسيح، وألقح لهم سحائب، محلّه منها محلّ ملقحها من الرّيح، واقتضى ما يعرضه أن خرج الأمر بأن يضاعف المحمول في كل عام، ولا يخصّ به خاصّ دون عام؛ وأمرنا أن يوفّر جلب الجلاّب، وتوقر ظهور الرّكاب، ليجمع للحرم الشريف بين برّ البر والبحر. وبين حمل البطن والظّهر؛ فتظلّ السنة ودودا ولودا، ويشاهد المحلّ الشريف وقد نأى عنه المحل شريدا؛ وتحطّ القلوع عما يحطّ عنه أمثالها من السحائب، وتستريح الأنفس اللواغب، فأما ما ألقاه إلى رسوله، فقد أسمع ما أسنده إليه، وأعيد بما يعيده عليه؛ وقد تكاثرت بولاء الشريف الأشهاد، فغنى عن الاستشهاد، وأغنته الحظوة بجميل رأينا عما نأى أخذه لشفعة العطاء، بل لشفاعة الاجتهاد، إن شاء الله تعالى.
стр. 1263
(٣١)
خطاب أرسله القاضى الفاضل إلى السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب يهنئه بمولود ولدله
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ٩٠ - ٩١)
المملوك يقبّل الأرض بالمقام العالى الناصرىّ، نصر الله الإسلام بمقامه، وأهلك أعداء الحقّ بانتقامه، ولا أعدم الأمة المحمدية عقد اعتزائه بكفالتها ومضاء اعتزامه.
يهنّى المملوك المولى بنعمة الله عنده وعند الإسلام وأهله بمن زاده في ولده، وكثّرة في عدده؛ وهو الأمير «أبو سليمان داود» (١) أنشأه الله إنشاء الصالحين، ومنّ الله بكمال خلقه، ووسامة وجهه، وسلامة أعضائه، وتهلّل غرّته، وابتسام أسرّته، ودلّ على أن هذا البيت الكريم فلك الإسلام، لا يطلع فيه إلا البدور، كما دلّ على عناية الله بأبيه، فإنّ الله تعالى قال:
﴿(يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ).﴾
فطريق المولى هذه قد توالت فيها البشائر، ونصر الله فيها بألطاف أغنت بلطف الخواطر عن قوّة العساكر واشتملت عليه (؟) في الغائب من أمره
стр. 1264
والحاضر (﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها﴾) وكيف يحصيها ويحصرها الحاصر، أيحيط ما يفنى بما لا ينفد؟.
فالحمد لله الذى جعل كتب المولى إلى أوليائه وكتبهم إليه مبتسمة عن المسارّ، ناطقة بأطيب الأخبار، منكشفة أسرارها عمّا يروّح الأسرار.
وهذا الولد المبارك هو الموفّى لاثنى عشر ولدا، بل اثنى عشر نجما متوقّدا؛ فقد زاد الله في أنجمه عن أنجم يوسف ﵇ نجما، ورآهم المولى يقظة ورأى ذلك الأنجم حلما؛ ورآهم ساجدين له ورأينا الخلق له سجودا، وهو سبحانه قادر أن يزيد جدود المولى إلى ان يراهم آباء وجدودا.
стр. 1265
(٣٢)
نسخة خطاب مرسل إلى الملك العادل أبى بكر بن أيوب في جواب كتاب ورد منه بالبشارة بفتح خلاط
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٧، ص ٨٨ - ٨٩)
أدام الله سلطان مولانا الملك العادل وزاده من فضله!، ومدّ على خلقه وارف ظلّه، وأظهر به دينه على الدّين كلّه؛ وأوضح إلى مرضاته ما يسلكه من سبله، ولا عدمت يد الإسلام والمسلمين التعلّق بوثيق حبله؛ وفرّج به الخطط المطبقة، وفتح به البلاد المستغلقة، وأخضع لطاعته الأعناق، وعمّ بفتوحه الآفاق؛ ودمّر الكفر بمقامه، وطوى أيّامهم بما ينشره ويديمه من أيامه، وأنزل النصر في مواقف النّزال بما ترفعه راياته من أعلامه.
وقف المملوك على ما أنعم به مولانا: من كتاب البشارة التي وصلت إلى كلّ قلب وسمع، وأمّل بها كلّ مسلم كلّ خير ونفع؛ وعلم ما وراءها من جمع شمل كان عزيز الجمع، وعلم ما يتبعها من عواطف مولانا التي عوّدها منه أكرم طبع؛ وتحقّق أن الله سبحانه قد قلّد الدين منه سيفا خلقه للوصل، وخلق السّيوف للقطع.
وبالجملة إن الله سبحانه نظر إلى هذه الملّة بنظر مولانا لها، وكفالته لأهلها، وسياستهم بشرف السجيّة وعدلها؛ وإنّ كل ما اختلس الملك الناصر ﵀ فإن الله يتمّه على يديه، ويجبر به تارة بصفحه وتارة بحدّيه، ويهب له
стр. 1266
عمرا نوحيّا إلى أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا، وإلى أن يورث الإسلام بسيفه منهم أرضا ومالا وديارا؛ وهذه مخايل لا يخلف الله بارقتها، بل يردّ إلى جهة الكفر صاعقتها؛ فما يحسب المملوك أنّ جانبا يتلوّى على طاعة مولانا ولا ينحرف، ولا أنّ كلمة عليه بعد اليوم تختلف، ولا أنّ ممتنعا بالأمس يكون معه اليوم إلا أن يرضى عنه مولانا وعليه ينعطف.
وعلى هذا فالشام الفرنجىّ متأخّذ بجناح إلى الأخذ وبقية عمر المؤمن كما قال ﷺ لا ثمن لها، والفرص تمرّ مرّ السحاب، والمستعاذ بالله من حسرات الفوت بعد الإمكان ﴿(وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ)﴾، وما يشخص لخطاب الله تعالى بالجهاد إلا مولانا، النية خالصة، والبصيرة ثاقبة، والعزيمة ماضية؛ والشجاعة منحة من الله له موهوبة، والسماحة خليفة من خلائقه الكريمة موجودة؛ والرجال تطأ عقبيه، والملوك تطيع أمره، والشّجعان تبذل أنفسهم بين يديه، والعدوّ يعرف منه خصما طالما خاطبه بلسان السيف منه إليه، وليس كلّ من قدر عليه أراده. وعكّا أقرب من (خلاط) وأنفع المسلمين فتحا، وأعظم في الكفّار قدحا؛ فو الله لئن انغلق باب الشام في وجه الكفر، لتنقطعنّ آمال أهل البحر والبرّ، وما دام في الشام بقية من الكفر فهو يقبل الزّيادة، وينتظر النّجدة ويؤمّل الاستعادة؛ وما كررّ المملوك هذا الحديث جهلا بما يجب في خدمة الملوك من الأدب في أن لا يتكلّم في القضية إلا من استشير فيها، ولا يجترئ على الكلام إلا إذا كان مجيبا بما يؤمر بالإجابة عنه، ولكن المملوك غلب على الصّحبة، وانقطع عن الخدمة؛ وعلم أنه لو كان حاضرا لكان مولانا يبسطه ولا يقبضه، ويستشفّ ما عنده ويستعرضه، ويشفّع قلبه في لسانه إذا هفا، ويحمله على صفاء ضميره فيما يقوله فلا يقابل
стр. 1267
بالتكدير من صفا؛ فقد علم الله أن المملوك يتمنّى للمسلمين أن يردّ عليهم حقّهم، وترجع إليهم بلادهم؛ وأن تكون هذه الأمنيّة جارية على يد مولانا ومستفادة من عزيمته، ومكتوبة في صحيفته؛ ومغتنمة فيما يمدّه الله في حياته؛ فإن الأمور فيما بعد ملموحه، ولكن أبواب قدرة الله مفتوحه، فالله يجعل منها أن يفتح على مولانا فيه بلاد الساحل، وأن يأخذ للإسلام به أهبة المقيم وللمقيم أهبة الراحل؛ وما يخلط المملوك هذا المهمّ بغيره، طالع به، ولمولانا علوّ الرأى.
стр. 1268
(٣٣)
نسخة توقيع صادر عن السلطان صلاح الدين إلى أخيه الملك العادل أبى بكر بإقطاع بالديار المصرية، وبلاد الشام، وبلاد الجزيرة، وديار بكر، وذلك في سنة ٥٨٠ هـ بعد الانفصال من حرب الفرنج بعكا وعقد الهدنة معهم
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ١٣، ص ١٤٤ - ١٤٨)
الحمد لله الذى جعل أيامنا حسانا، وأعلى لنا يدا ولسانا، وأطاب محتدنا أوراقا وأغصانا، ورفع لمجدنا لواء ولجدنا برهانا؛ وحقق فينا قوله: (﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً﴾).
نحمده على سبوغ نعمته، ونسأله أن يجعلنا من الداخلين في رحمته.
ثم نصلى على رسوله محمد الذى أيده بحكمته، وعصمه من الناس بعصمته، وأخرج به كل قلب من ظلمته؛ وعلى آله وأصحابه الذين خلفوه فأحسنوا الخلافة في أمته.
أما بعد، فإن فروع الشجرة يأوى بعضها إلى بعض لمكان قربه، ويؤثر بعضها من فضل شربه؛ ونحن أهل بيت عرف منا وفاق القلوب ودا، وإيثار الأيدى رفدا، وذلك وإن كان من الحسنات التي يكثر فيها إثبات الأقلام، فإنه من مصالح الملك التي دلت عليها تجارب الأيام، وكلا هذين الأمرين مشكورة مذاهبه، محمودة عواقبه، مرفوعة على رءوس الأشهاد مناقبه، وما من أحد من أدانينا إلا وقد وسمناه بعوارف يختال في ملابسها، ويسر في كل حين بزفاف
стр. 1269
عرائسها، ولم نرض في بل أرحامهم بمواصلة سلامها دون مواصلة برها وإدناء مجالسها؛ ولإخوتنا من ذلك أوفر الأقسام، كما أن لهم منازحما هو أقرب الأرحام؛ وقد أمرنا بتجديد العارفة لأخينا الملك العادل، الأجلّ السيد، الكبير؛ سيف الدين، ناصر الإسلام «أبى بكر» أبقاه الله. ولو لم نفعل ذلك قضاء لحق إخائه الذى ترف عليه حوانى الأضالع، لفعلناه جزاء لذائع خدمه التي هى نعم الذرائع؛ فهو من لزوم آداب الخدمة بعيد وقف منها على قدم الاجتهاد، وفى لحمة شوابك النسب قريب وصل حرمة نسبه بحرمة الوداد؛ وعنده من الغناء ما يحكم لآماله ببسطة الخيار، ويرفع مكانته عن مكانة الأشباه والأنظار، ويجعله شريكا في الملك والشريك مساو في النقض والإمرار؛ فكم من موقف وقفه في خدمتنا فجعل وعره سهلا، وفاز فيه بإرضائنا وبفضيلة التقدم فانقلب بالمجندين إرضاء وفضلا، ويكفى من ذلك ما أبلاه من لقاء العدو الكافر الذى استشرى في هياجه، وتمادى في لجاجه، ونزل على ساحل البحر فأطل عليه بمثل أمواجه، وقال:
لا براح، دون استفتاح، الأمر الذى عسرت معالجة رتاجه؛ وتلك وقائع استضأنا فيها برأيه الذى ينوب مناب الكمين في مضمره، وسيفه الذى ينسب من الاسم إلى أبيضه ومن اللون إلى أخضره، ولقد استغنينا عنهما بنضرة لقبه الذى تولت يد الله طبع فضله، وعنيت يد السيادة برونق صقله، فهو يفرى قلوب الأعداء قبل الأجساد، ويسرى إليهم من غير حامل لمناط النجاد، ويستقصى في استلابهم حتى ينتزع من عيونهم لذة الرقاد، وليس للحديد جوهر معدنه المستخرج من زكاء الحسيب، وإذا استنجد قيل له: ياذا المعالى! كما يقال لسميّه: ياذا الشطب، ولو أخذنا في شرح مناقبه، لظل القلم واقفا على أعواد منبره، وامتد شأو القول فيه فلم ينته مورده إلى مصدره، فمهما خولناه من العطايا فإنه يسير في جنب غنائه، ومهما أثنينا عليه فإنه سطر في كتاب ثنائه.
стр. 1270
وقد جعلنا له من البلاد ما هو مقتسم من الديار المصرية والشامية، وبلاد الجزيرة وديار بكر: ليكون له من كل حظ تفيض يده في أمواله، ويركب في حشد من رجاله؛ ويصبح وهو في كل جانب من جوانب ملكنا كالطليعة في تقدم مكانها، وكالربيئة في إسهار أجفانها. فليتسلم ذلك بيد معظم قدرا، ولا يستكثر كثرا، ويحمل منها رفدها غيثا أو بحرا؛ كذلك فليعدل في الرعيّة الذين هم عنده ودائع، وليجاوز بهم درجة العدل إلى إحسان الصنائع، فإذا أسند هذا الأمر إلى ولاته فليكونوا تقاة لا يجد الهوى عليهم سبيلا، ولا يحمد الشيطان عندهم مقيلا، وإذا حملوا ثقلا لا يجدون حمله ثقيلا.
وقد فشا في هذا الزمن أخذ الرشوة، وهى سحت أمر رسول الله ﷺ بنبذه، ونهى عن أخذه، وعن الرغبة في تداوله، وهو كأخذ الربا الذى قرنت اللعنة بمؤكله وآكله.
وأما القضاة الذين هم للشريعة أوتاد، ولأعضاء أحكامها أجناد، ولحفظ علومها كنوز لا يتطرق إليها النفاد، فينبغى أن يعول فيهم على الواحد دون الإثنين، وأن يستعان منهم في الفصل بذى الأيدى، وفى اليقظة بذى اليدين، ومن رام هذا المنصب سائلا فليلمه وليغلظ القول في تجريع ملامه، وليعرف أنه ممن رام أمرا فأخطأ الطريق في استجلاب مرامه، وأمر الحكام لا يتولاه من سأله، وإنما يتولاه من غفل عنه وأغفله.
وإذا قضينا حق الله في هذه الوصايا فلنعطقها على ما يكون لها تابعا، ولقواعد الملك رافعا، وذاك أن البلاد التي أضفناها إليك: فيها مدن ذات أعمال واسعة، ومعاقل [ذات] حصانة مانعة، وكلها يفتقر إلى استخدام الفكر في تدبيره، وتصريف الزمان في تعميره، فولّ وجهك إليها غير وان في تكثير قليلها،
стр. 1271
وترويض مخيلها، وبث الأمنة على أوساطها، وإهداء الغبطة إلى أفئدة أهلها حتى تسمع باغتباطها، وعند ذلك يتحدث كل منهم بلسان الشكور، ويتمثل بقوله تعالى: (﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾).
واعلم أنه قد يجاورك في بعضها جبران ذو بلاد وعساكر، وأسرة ومنابر، وأوائل للمجد وأواخر، وما منهم إلا من يتمسك منا بود سليم، وعهد قديم، وله مساعدة نعرف له حقها (والحق يعرفه الكريم).
فكن لهؤلاء جارا يودون جواره، ويحمدون آثاره، وإن سألوك عهدا فابذله لهم بذل وفىّ واقف على السنن، مساو بين السر والعلن، ولا يكن وفاؤك لخوف تتّقى مراصده، ولا لرجاء ترقب فوائده، فالله قد أغناك أن تكون إلى المعاهدة لاجيا، وجعلك بنا مخوفا ومرجوا لا خائفا ولا راجيا، وقد زدناك فضلة في محلك تكون بها على غيرك مفضلا، وقد كنت من قبلها أعز فأوفت بك أغر محجلا، وذاك أنّا جعلناك على آية الخيل تقودها إلى خوض الغمار، وتصرفها في منارل الأسفار، وترتب قلوبها وأجنحتها على اختلاف مراتب الأطوار، فنحن لا نلقى عدوا ولا ننهد إلى بلد إلا وأنت كوكبنا الذى نهتدى بمطلعه، ومفتاحنا الذى نستفتح المغلق بيمن موقعه، ونوقن بالنصر في ذهابه وبالغنيمة في مرجعه، والله يشرح لك صدرا، وبيسر لك منا أمرا، ويشد أزرنا بك كما شد لموسى بأخيه أزرا، والسلام.
стр. 1272
مُفَرِّجُ الكُروبْ فِي أَخْبَار بني أَيُّوب
تأليف
جمال الدّين مُحَمَّد بن سَالم بن وَاصل الْمُتَوفَّى سنة ٦٩٧ هـ
«الْجُزْء الرَّابِع»
(٦١٥ هـ - ٦٢٨ هـ)
حَقَّقَهُ وَوضع حَوَاشِيه
الدكتور حسنين مُحَمَّد ربيع
أستاذ مساعد تَارِيخ العصور الْوُسْطَى - جَامِعَة الْقَاهِرَة
رَاجعه وَقدم لَهُ
الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور
أستاذ تَارِيخ العصور الْوُسْطَى - جَامِعَة الْقَاهِرَة
стр. 1273
مقدمة [للدكتور سعيد عباس الفاتح عاشور]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إذا كانت الحضارة العربية الإسلامية هى باعتراف الباحثين أعظم حضارة شهدها العالم أجمع طوال العصور الوسطى؛ فإن جزءا هاما من هذه الحضارة يكمن بين طيات الكتب التي تشكل ركنا أساسيا من التراث العربى.
ومنذ فجر النهضة الأوربية الحديثة والتراث العربى يحظى بعناية فائقة، ظهرت في القرنين الثانى عشر والثالث عشر للميلاد، عند ما أقبل الأوربيون على ترجمة كل ما وصل إلى أيديهم من ثمار الفكر العربى إلى اللاتينية، ثم إلى اللغات القومية التي ظهرت في الغرب الأوربى مع أواخر العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة.
ثم كان أن اشتد تيار الإستشراق وخاصة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فظهرت مجموعة من المستشرقين الذين تعمقوا في دراسة تراث الفكر العربى، وهؤلاء لم يكتفوا بترجمة أجزاء من هذا التراث، وإنما امتد نشاطهم إلى التحقيق والمقارنة ونشر المتون في صورتها الأصلية العربية.
ومن الطبيعى أن يدرك أبناء العروبة في نهضتهم الحديثة أنهم أحق الناس برعاية تراث آبائهم وأجدادهم، وأقدرهم على تحقيق ذلك التراث ونشره.
وهكذا أخذ علماء العرب زمام حركة إحياء التراث العربى، ووجدوا في هذا الإحياء إحساسا بالأمل وشعورا بالفخر وتعبيرا عن الوفاء للسلف العظيم.
стр. 1274
على أن حركة تحقيق التراث العربى شابتها في جميع أدوارها ظاهرة واضحة، هى أن العمل كان يبدأ بحماسة وسرعة في تحقيق كثير من الموسوعات، ثم لا يلبث أن يتوقف العمل في تحقيق هذه الموسوعة أو تلك قبل أن تكتمل. وهكذا ألفينا أنفسنا أمام حقيقة لا نستطيع أن ننكرها أو نتغاضى عنها، هى أن جزءا لا يستهان به من تراث الفكر العربى تم تحقيقه ونشره في صورة مبتورة، بحيث ظهرت الأجزاء الأولى من الكتاب أو الموسوعة في حين ظلت بقية الأجزاء في صورتها الخطية المليئة بأخطاء النساخ، يصعب الرجوع إليها، ويتعذر الإستفادة منها فائدة كاملة.
ولا تقتصر خطورة هذا الوضع على المصاعب التي يصادفها الباحثون في الرجوع إلى الأجزاء الخطية من تراثنا العربى، وبالتالى على عدم الإفادة من هذا التراث فائدة تامة متكاملة، وإنما هناك ما هو أشد خطرا وأبعد أثرا. ذلك أن الأجزاء الأخيرة من أية موسوعة تاريخية هى في كثير من الحالات أعظم أهمية وأكثر فائدة، لأن المؤلف كان يدونها في وقت متأخر نسبيا وقد اكتمل نضجه الفكرى، وازدادت دائرة علمه اتساعا. وفى موسوعات علم التاريخ وحولياته - بوجه خاص - نجد هذه الظاهرة أشد ما تكون وضوحا، لأن المؤرخ إذا اعتمد على الرواية والنقل في تسجيل أحداث السنوات الأولى من كتابه، فإنه في تأريخه للسنوات الأخيرة من موسوعته يروى أحداثا شاهدها بنفسه وربما شارك في صنعها.
ولا تخفى علينا الأسباب الحقيقية لتوقف العمل في تحقيق ونشر كثير من المخطوطات العربية عند مرحلة معينة. فتراث الفكر العربى جمع بين كثرة العدد وضخامة الحجم من ناحية، وبين العمق والأصالة من ناحية أخرى. وهكذا تبدو معظم الموسوعات العربية - من ناحيتى الكم والكيف - أعظم من أن
стр. 1275
يستطيع عالم من علماء عصرنا الحديث - مهما يبلغ علمه وجهده - أن يحققه بمفرده. وكانت النتيجة الحتمية لهذا الوضع، أن يبدأ العمل في تحقيق الموسوعة بداية تتصف بالنشاط والحماسة - وربما السرعة في الإنجاز - وما زال هذا العالم أو ذلك يطلق العنان لحماسته وجهده، حتى يضطره قانون الطبيعة إلى الرضوخ، فيجد نفسه وقد نفدت طاقته وعجزت قدرته عن الاستمرار في المضى في حمل الأمانة، فيتوقف العمل بطريقة تلقائية قد تكون تدريجية وقد تكون مفاجئة.
على أن توقف العمل في إنجاز تحقيق بعض جوانب التراث العربى على هذه الصورة، لا ينبغى - من وجهة نظرنا - أن يكون أكثر من نهاية مرحلة وبداية مرحلة أخرى. فالأمانة تقع على كواهل الأجيال المتعاقبة لا على كاهل جيل بعينه. وإذا كان الجيل السابق قد وضع حجر الأساس في بناء حركة إحياء التراث العربى، فلا أقل من أن ينهض الجيل اللاحق بالأمانة كاملة، فينهض بدوره ويؤدى واجبه في إتمام البناء الكبير.
وهكذا أرى أنه قبل أن نفكر في الشروع في تحقيق وإحياء جانب جديد من جوانب تراثنا العربى، فإنه يجب أن نستكمل أولا الجوانب السابقة التي بدأ بالعمل فيها الجيل أو الأجيال السابقة. وتنفيذا لهذا المبدأ بدأنا باستكمال تحقيق كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك للمقريزى، وهو الكتاب الذى أتم أستاذنا المرحوم الدكتور محمد مصطفى زيادة تحقيق نصفه ممثلا في الجزأين الأول والثانى. وكان أن نهضنا نحن بتحقيق النصف الباقى من كتاب السلوك ممثلا في الجزأين الثالث والرابع، وانتهينا تماما من تحقيقه حتى نهايته، ونرجو أن تفرغ مطبعة دار الكتب المصرية من استكمال طبعه قريبا.
стр. 1276
ومع كتاب السلوك للمقريزى أخذنا في اعتبارنا ضرورة إتمام نشر كتاب آخر، هو كتاب مفرج الكروب في أخبار بنى أيوب لابن واصل، بعد أن حقق المرحوم الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال ما يقرب من نصفه، وترك للخلف مهمة إتمام النصف الآخر. ولما كان تحقيق بقية كتاب السلوك للمقريزى كفيلا بأن يستنفد كل طاقتى وجهدى، فإننى اخترت للعمل في تحقيق بقية كتاب مفرج الكروب، تلميذى وزميلى الدكتور حسنين محمد ربيع، مدرس تاريخ العصور الوسطى بكلية الآداب بجامعة القاهرة. وكان أن رسمت معه خطة العمل، ولازمته الشهور الطوال، نجلس سويا في مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية، أعيش مع المقريزى، ويعيش هو مع ابن واصل.
وهكذا حتى أتم الدكتور حسنين محمد ربيع تحقيق هذا الجزء الذى نقدمه اليوم لمقدرى مكانة التراث العربى. وإذا قلت أننى قمت بمراجعة هذا الجزء مراجعة دقيقة قبل أن أسمح بطبعه، فإننى لا أقول هذا لا نتقص من قيمة الجهد الشاق الكبير الذى قام به الدكتور حسنين ربيع في تحقيق هذا الجزء ووضع حواشيه، وإنما لأتحمل نصيبى كاملا في المسئولية عن كل لفظ ورد في المتن.
... ويعالج هذا الجزء الرابع من مفرج الكروب السنوات من سنة ٦١٥ هـ التي توقف عندها في التحقيق المرحوم الدكتور الشيال، حتى سنة ٦٢٨ هـ.
أما السبب في اختيارنا سنة ٦٢٨ هـ بالذات لتكون حدا للجزء الرابع من تاريخ مفرج الكروب، فلأنها السنة التي ينتهى بها كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير، وهو الكتاب الذى اعتمد عليه واستفاد منه ابن واصل، مما يجعل هذه السنة تمثل نهاية مرحلة وبداية مرحلة بالنسبة لكتاب مفرج الكروب.
стр. 1277
وفى هذا الجزء الرابع من كتاب مفرج الكروب، نلمس نغمة جديدة من ابن واصل عند ما يستخدم ضمير المتكلم في كتابته، مما يوضح أنه صار فتى يعى بعض الأحداث التي يسردها، والتي رآها بنفسه أو سمعها من بعض المقربين والثقات. من ذلك ما يرويه ابن واصل من وفاة أم الملك المظفر - وهى زوج الملك المنصور - سنة ٦١٦ هـ، وكيف أن والد ابن واصل أمّ المصلين عليها في قلعة حماه، ثم يسترسل ابن واصل متحدثا عن نفسه، فيقول ما نصه: «وحضرت معه يومئذ وعمرى نحو اثنتى عشرة سنة. ثم عمل السلطان ﵀ عزاها بالمدرسة المنصورية ظاهر حماه، ورأيته وهو جالس يمنة المحراب وهو مكتئب حزين، وهو لابس الحداد ثوب أزرق وعمامته زرقاء، وإلى جانبه أولاده الملك الناصر قلج أرسلان وإخوته، وعليهم كلهم الحداد. . .».
وفى حوادث سنة ٦١٩ هـ يروى ابن واصل كيف أنه شاهد بعينيه دخول الملك المعظم عيسى حماه، فيقول: «وشاهدته ﵀ حين دخوله إليها، وعمرى خمس عشرة سنة يومئذ». وفى حوادث سنة ٦٢٥ هـ يروى ابن واصل كيف استنجد الملك الناصر داود بعمه الملك الأشرف ضد عمه الآخر الملك الكامل، ويحكى عن نفسه فيقول أنه عند وصول الأشرف إلى دمشق «خرج الملك الناصر لاستقباله، وكنت يومئذ بدمشق وشاهدت دخوله القلعة. . .».
وإذا كان ابن واصل لم يشاهد بعينيه بعض الأحداث التي تعرض لها بالذكر في هذا الجزء الرابع من كتابه، فإنه سمع بأذنيه الكثير مما رواه شاهد والعيان لتلك الأحداث. من ذلك ما يقوله ابن واصل في حوادث سنة ٦٢٣ هـ:
«ولقد حكى لى ظهير الدين التفليسى ﵀ وكان حضر فتح جلال الدين لها [لمدينة تفليس] قال. . .». وعن الهدنة بين السلطان الكامل والامبراطور فردريك الثانى، يقول ابن واصل في حوادث سنة ٦٢٥ هـ: «حكى
стр. 1278
لى والدى. . .». ثم يمضى ابن واصل في روايته فيقول «حكى لى شمس الدين ﵀ قال: لما قدم الانبرطور القدس لازمته كما أمرنى السلطان الملك الكامل، ودخلت معه إلى الحرم الشريف. . .». ويروى قصة الأحداث كما رواها له القاضى شمس الدين قاضى نابلس، الذى أمره السلطان الكامل بملازمة خدمة الامبراطور فردريك ومرافقته إلى أن يزور القدس ويرجع إلى عكا (حوادث سنة ٦٢٥، ٦٢٦ هـ). وينتهز ابن واصل الفرصة للاستطراد في الكلام عن علاقة بنى أيوب من سلالة السلطان الكامل بالامبراطور فردريك بعد عودته إلى بلاده، ثم بابنه مانفرد. ويحكى كيف أن السلطان الظاهر بيبرس أرسله سنة ٦٥٩ هـ رسولا إلى الملك مانفرد. . . ويحكى الكثير عن مشاهداته في صقلية وجنوب إيطاليا وأوضاع المسلمين فيهما.
هذا بالإضافة إلى ما نصادفه في هذا الجزء من إشارات تلقى أضواء على حياة ابن واصل نفسه، فهو يحكى عن نفسه أنه في سنة ٦٢٤ هـ قرأ بالحرم الشريف بالقدس على الشيخ شمس الدين رزمين البعلبكى كتاب الإيضاح لأبى على الفارسى، وأنه جود عليه القرآن الكريم. وفى حوادث سنة ٦٢٥ هـ يحكى ابن واصل كيف أنه حل محل أبيه في المدرسة الناصرية الصلاحية بالقدس، عند ما حج أبوه في تلك السنة. ويقول في حوادث سنة ٦٢٨ هـ أنه كان بحلب في تلك السنة، «توجهت إليها للاشتغال فيها بالعلم على الشيخ نجم الدين الخباز في المذهب والأصولين، وعلى الشيخ موفق الدين بن يعيش في علم النحو واللغة، ولتحصل لى البركة بالقاضى بهاء الدين بن شداد، ﵀».
أما عن الاشارات التي أوردها ابن واصل في هذا الجزء عن أبيه ومكانته عند ملوك بنى أيوب من ناحية، ثم ولاء ابن واصل نفسه للبيت الأيوبى والإشادة بمناقبه من ناحية أخرى، فهى عديدة، تزداد كثرة كلما
стр. 1279
ازداد ابن واصل نفسه إدراكا ورشدا. ففى سنة ٦٢١ هـ يروى ابن واصل كيف أرسل السلطان الملك المعظم يستدعى أباه إلى خدمته، «فسافرنا من حماه في أواخر شعبان، فوجدنا منه ﵀ إقبالا عظيما».
... أما عن الخطة التي اتبعت في تحقيق هذا الجزء والأجزاء التالية من كتاب مفرج الكروب، فقد روعى فيها الالتزام بالقواعد التي وضعها المرحوم الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال في تحقيق الأجزاء السابقة من الكتاب، تقديرا لجهده الرائد من ناحية، ومحافظة على وحدة الصورة المتكاملة للكتاب من ناحية أخرى. وبذلك يأتى هذا العمل الذى ينهض به الدكتور حسنين ربيع متمما للعمل الكبير الذى بدأه الدكتور الشيال.
وقد أشار المرحوم الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال في مقدمته للجزء الأول من مفرج الكروب إلى أنه يوجد من هذا الكتاب أربع نسخ خطية معروفة هى:.
١ - نسخة مكتبة جامعة كمبردج رقم ١٠٧٩، ويوجد منها صورة شمسية بمكتبه جامعة القاهرة رقم ٢٤٠٥٠، وتنتهى هذه النسخة بحوادث سنة ٦١٦ هـ، أي السنة التي مات فيها العادل الأول وتولى فيها السلطان الكامل محمد.
٢ - نسخة باريس رقم ١٧٠٢ وتوجد منها صورة شمسية بدار الكتب المصرية رقم ٥٣١٩، وتحتوى على ٤٤٢ ورقة وتشتمل على مخطوطة ابن واصل بأكملها.
٣ - نسخة باريس رقم ١٧٠٣، وتوجد منها صورة شمسية بمكتبة جامعة الإسكندرية، وتقع هذه النسخة في ٢١٦ ورقة، وتبدأ ببعض حوادث سنة ٦٣٥ هـ وتنتهى بحوادث سنه ٦٥٩ هـ.
стр. 1280
٤ - نسخة بمكتبة مللا جلبى باستانبول رقم ١١٩، وتوجد منها صورة شمسية بمكتبة جامعة الاسكندرية رقم ٤٩٨، وتقع في ٢٠٠ ورقة وتحتوى هذه النسخه على أواسط الكتاب، إذ تبدأ بالتأريخ للحوادث بعد وفاة صلاح الدين سنه ٥٨٩ هـ، وتنتهى بحوادث سنه ٦٣٥ هـ.
ومن الواضح أنه في تحقيق هذا الجزء الذى يبدأ ببقية حوادث سنة ٦١٥ هـ ويمتد حتى حوادث سنة ٦٢٨ هـ، كان علينا أن نعتمد على النسختين الثانية والرابعة، حيث أن السنوات التي احتوتها نسخة كامبردج تم تحقيقها ونشرها في الأجزاء السابقة، في حين أن النسخة الباريسية رقم ١٧٠٣ تبدأ بحوادث سنة ٦٣٥ هـ. واستقر رأينا - مع الدكتور حسنين ربيع - على اتخاذ نسخة مللا جلبى أصلا للنشر، ورمز لها في التحقيق بحرف [م]، مع مقابلتها بنسخة باريس رقم ١٧٠٢ التي رمز لها في التحقيق بحرف [س].
ذلك أنه بالأضافة إلى ما ذكره المرحوم الدكتور الشيال من أن نسخة مللا جلبى تمثل أقدم النسخ الموجودة من مخطوطة ابن واصل، في حين تمثل نسخة باريس (١٧٠٢) أحدثها، فإن نسخة مللا جلبى أكثر صحة واستيفاء ودقة من نسخة باريس التي يزيد من قصورها ما بها من خروم أضاعت من المتن صفحات عديدة، فضلا عما في ترقيم ورقاتها من اضطراب، وما في عباراتها من تحريف وأخطاء، أشار المحقق إلى بعضها أثناء تحقيقه، في هوامش الصفحات.
... وبعد، فإنه لا يسعنى في ختام هذه الكلمة الموجزة سوى أن أذكر فضل المرحوم الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال في التنبيه إلى أهمية كتاب مفرج الكروب لابن واصل، وفى وضع الأسس السليمة لتحقيق هذا الكتاب ونشره، ثم في تحقيق ونشر الأجزاء الثلاثة الأولى منه.
стр. 1281
ومن ناحية أخرى فإننى أبارك الجهد الكبير الذى يبذله الدكتور حسنين محمد ربيع في تحقيق بقية كتاب مفرج الكروب، وأدعو له بالتوفيق في إتمام بقية هذا الكتاب الهام، ليتم بذلك إضافة لبنة جديدة في صرح إحياء تراثنا العربى.
والله ولى التوفيق
دكتور
سعيد عبد الفتاح عاشور
أستاذ كرسى تاريخ العصور الوسطى
كلية الآداب - جامعة القاهرة
стр. 1282
تنويه
تم تحقيق هذا الجزء من كتاب «مفرج الكروب في أخبار بنى أيوب» لابن واصل، بمركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية بجمهورية مصر العربية.
ويطيب لنا في هذا الصدد أن ننوه بالجهد المشكور الذى بذله كل من الآنسة لبيبة ابراهيم مصطفى، والسيدة فاطمة مصطفى الحكيم، والأساتذة يحيى عبد الحميد الحدينى، وفراج عطا سالم، وعبد العزيز محمود عبد الدايم، وجميعهم من مساعدى الباحثين في مركز تحقيق التراث، وأسهموا في إخراج هذا الجزء. أما الأستاذ محمد محمد حسن أبو حسن فله الشكر الخاص لمساعدته في وزن أبيات الشعر التي وردت في هذا الجزء من كتاب ابن واصل.
стр. 1283
[ ٧٧ أ] ذكر (١) اضطراب العسكر على الملك الكامل وتأخره عن منزلته ونهب الافرنج أثقال المسلمين (٢)
ولما بلغ الملك الكامل موت والده، وهو بمنزلته المعروفة بالعادلية في بردمياط (٣)، مرابط للفرنج، جلس في العزاء، وعظم عليه موت والده جدا لا سيما في مثل ذلك الوقت الصعب. وخاف أن يتخلى عنه إخوته ولا يطيق دفع الفرنج عن الديار المصرية؛ وفى ملكهم لها بوار الاسلام بالكلية.
ولم يزل الفرنج ملازمين حصار برج السلسلة (٤) الذى تقدم ذكره حتى استولوا عليه وملكوه، وقطعوا السلاسل المتصلة لتجوز مراكبهم في بحر النيل ويتمكنوا من البلاد. فنصب الملك الكامل عوض السلاسل جسرا عظيما ليمنع العدو به من سلوك النيل، فقاتلت الفرنج عليه قتالا عظيما حتى قطعوه، فأمر
стр. 1284
السلطان عند ذلك بتغريق عدة من المراكب في النيل، فمنعت مراكب الفرنج من سلوك النيل.
فلما رأى الفرنج ذلك قصدوا خليجا هنالك يعرف بالأزرق (١) كان النيل يجرى فيه قديما، فحفروه وعمقوه فوق المراكب التي جعلت في النيل، فأجروا الماء فيه إلى البحر المالح وأصعدوا مراكبهم فيه إلى موضع يسمى بوره (٢) على أرض [جيزة دمياط (٣)] مقابل المنزلة التي بها السلطان ليقاتلوه من هنالك. فلما صاروا في بوره حاربوه وقاتلوه في الماء وزحفوا إليه غير مرة، فلم يظفروا بطائل.
ولم يتغير على أهل دمياط شىء لأن الميرة والامداد متصلة إليهم، والنيل يحجز بينهم وبين الفرنج [٧٧ ب] وأبواب المدينة مفتحة وليس عليها من الحصر ضيق ولا ضرر.
ولما علم العسكر بموت السلطان الملك العادل بالشام حصل عند بعضهم الطمع. وكان في العسكر عماد الدين أحمد بن سيف الدين على بن المشطوب، وكان معظما عظيما في الأكراد الهكارية (٤). فاتفق مع جماعة من الجند والأكراد
стр. 1285
ينقادون إليه يطيعونه، على خلع الملك الكامل من السلطنة، وأن يملّكوا الديار المصرية أخاه الملك الفائز ابراهيم بن الملك العادل، ليصير لهم الحكم عليه وعلى البلاد. ولما أحس الملك الكامل بذلك فارق منزلته المعروفة بالعادلية ليلا جريدة، وتوجه إلى أشمون طناح (١) فنزل عندها.
وأصبح العسكر وقد فقدوا سلطانهم، فركب كل سلطان منهم هواه، ولم يقف الأخ على أخيه، وتركوا أثقالهم وخيامهم وذخائرهم وأموالهم وأسلحتهم إلا ما خف عليهم حمله، ولحقوا بالسلطان الملك الكامل. ولما أصبح الفرنج لم يروا أحدا من المسلمين على شاطىء النيل، فعبروا إلى بر دمياط، وملكوه آمنين بغير منازع ولا مدافع. وكان ذلك في ذى القعدة من هذه السنة، وغنموا كل ما في معسكر المسلمين، وكان شيئا لا يحدّ ولا يوصف.
ذكر وصول الملك المعظم إلى العسكر الكاملىّ
وتقرير قواعد أخيه الملك الكامل
واتفق بعد يومين من هذه الواقعة الصعبة وصول الملك المعظم، فقوى به قلب أخيه الملك الكامل واشتد به أزره، ووعده الملك المعظم بأزالة جميع المفاسد.
وكان الملك الكامل قد عزم قبل وصول أخيه - على ما يقال - على مفارقة البلاد وتركها بيد الفرنج والتوجه إلى بلاد اليمن، وكانت - كما تقدم ذكره -
стр. 1286
بيد ولده الملك المسعود صلاح الدين يوسف (١). فثبته الملك المعظم وشجعه، وركب الملك المعظم إلى خيمة عماد الدين بن المشطوب فاستدعاه ليركب معه ويسايره، فاستنظره ليلبس خفيه وثيابه فلم ينظره ولم يمهله، فركب معه وسايره إلى أن خرج به من العسكر، ثم سلمه إلى جماعة من أصحابه [٧٨ ا] وأمرهم أن لا يفارقوه حتى يخرجوه من الديار المصرية، وينفوه إلى الشام.
فمضى إلى الشام ووصل إلى حماه، وأقام عند صاحبها الملك المنصور مديدة، وجرى له ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - في حوادث السنة الآتية.
ثم بعدئذ (٢) بمدة أمر الملك الكامل أخاه الملك الفائز أن يمضى رسولا عنه لإحضار العساكر بسبب الجهاد؛ وكان الغرض إخراجه من البلاد. فمضى [الفائز] إلى حماه، وحمل إليه الملك المنصور صاحبها شيئا كثيرا، ثم مضى إلى الشرق فمات به. وقيل إنه مات مسموما والله أعلم بحقيقة ذلك، وسنذكر وفاته في السنة التي مات فيها إن شاء الله تعالى. ولما أخرج عماد الدين بن المشطوب والملك الفائز من العسكر الكاملى، انتظم أمر السلطان الملك الكامل وقوى جنانه.
وأما الفرنج فإنهم لما ملكوا بر دمياط احتاطوا بها برا وبحرا وأحدقوا بها، وأخذوا في محاصرتها والتضييق عليها. وامتنع دخول الأقوات إليها بالكلية، وكل هذا كان بسبب حركة ابن المشطوب ونيته الردية. لا جرم أن الله تعالى لم يمهله وعاقبه بعد ذلك - بما سنذكره إن شاء الله تعالى. وحفر الفرنج على معسكرهم المحيط بدمياط خندقا، وبنوا عليه سورا على عادتهم، وأهل دمياط
стр. 1287
يقاتلونهم أشد قتال ويمانعونهم، وصبروا صبرا لم ير مثله، وقلّت عندهم الأقوات وغلت الأسعار.
ولما رتب الملك المعظم القواعد بمصر عاد إلى بلاده، واستمر الملك الكامل إلى آخر هذه السنة محاربا للفرنج منازلا لهم، وهم محاربون لأهل دمياط منازلون لهم محدقون بدمياط، حائلون بينها وبين عساكر المسلمين، على ما كانت عليه الحال بعكا في أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين.
وكان الذى يدخل إلى دمياط من أصحاب الملك الكامل إنما يدخل عليهم بمخاطرة عظيمة، بأن يسبح في بحر النيل، وهو مملوء من مراكب العدو وشوانيهم. وكان عند السلطان جاندار (١) يسمى شمايل (٢) من أهل قرية من قرى حماه تسمى معرذفتين (٣)، كان من فلاحى هذه القرية، فوصل إلى أن خدم في الركاب السلطانى جاندارا. وكانت عنده قوة نفس وشهامة، فكان يخاطر بنفسه ويسبح في النيل ومراكب الفرنج به محيطة [٧٨ ب] ويدخل إلى دمياط فيقوى قلوب أهلها عن السلطان، ويعدهم وصول النجد لإزاحة العدو عنهم، ثم يأتى السلطان سباحة ويعلمه بأخبار أهلها. فحظى بذلك عند السلطان
стр. 1288
وتقدم عنده تقدما كثيرا، حتى آل أمره إلى أن جعله من أكبر الأمراء، وجعله أمير جاندار له وسيف نقمته (١)، وولاه القاهرة.
ذكر حوادث في هذه السنة في الشرق
ومما جرى من الحوادث في هذه السنة في الشرق ما كان من استيلاء عماد الدين زنكى بن نور الدين أرسلان شاه على قلاع الهكارية وبلاد الزوزان (٢).
ذكر الخبر عن ذلك
كان عماد الدين زنكى هو الأصغر من ولدى نور الدين أرسلان شاه صاحب الموصل، وكان هو وأخوه الملك القاهر عز الدين مسعود قد تزوجا إبنتى مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين صاحب إربل في حياة أبيهما.
وأم الابنتين ربيعه خاتون بنت أيوب أخت الملك العادل، وقد ذكرنا ذلك (٣).
فلما مات نور الدين وملك الموصل ولده الملك القاهر، صار لعماد الدين من البلاد - بحكم الوصية من أبيه - قلعتا العقر وشوش (٤).
فلما مات الملك القاهر وصار إسم [السلطنه لابنه نور الدين أرسلان شاه، وهو طفل صغير، وقام بتدبير ملكه بدر الدين لؤلؤ، طمع عماد الدين زنكى في البلاد. وكان بقلعة العمادية (٥) مملوك من مماليك عز الدين مسعود بن مودود
стр. 1289
جدّ عماد الدين زنكى، فجرت بينه وبين عماد الدين زنكى مراسلات في معنى تسليم العمادية إليه.
وبلغ ذلك بدر الدين لؤلؤ فبادر إلى عزل ذلك المملوك وولاها أميرا كبيرا، ورتب فيها جماعة من الجند، وكذلك فعل في غيرها من القلاع.
وكان نور الدين أرسلان شاه [بن القاهر (١)] الذى له أسم السلطنه، لا يزال مريضا من خراج كان به (٢) وغيرها من الأمراض، فكان يبقى المدد الطويلة لا يركب ولا يظهر للناس. فأرسل عماد الدين زنكى إلى من بالعمادية من الجند يقول لهم: «أن إبن أخى قد مات، ويريد بدر الدين لؤلؤ [أن (٣)] يملك البلاد لنفسه، وأنا أحق بملك آبائى وأجدادى». ولم يزل بالجند حتى [٧٩ ا] استدعوه وسلّموا إليه قلعة العمادية في ثامن عشر شهر رمضان من هذه السنة، وقبضوا على نائب بدر الدين وعلى من معه.
وبلغ ذلك بدر الدين فأمر العسكر بالرحيل إلى العمادية ليحصروا بها عماد الدين، فساروا إليه وحصروه فيها وذلك في قوة الشتاء. فاشتد البرد، وكاتب عماد الدين مظفر الدين [كوكبورى (٤)] بن زين الدين مستنجدا به على بدر الدين لؤلؤ، فأجاب إلى نصرته لكون عماد الدين زوج ابنته - كما ذكرنا. فكتب بدر الدين لؤلؤ إلى مظفر الدين يذكّره الأيمان والعهود [التي من جملتها أنه لا يتعرض إلى شىء من أعمال الموصل (٥)]، فلم يلتفت إليه وأصر على معاضدة صهره. فلم
стр. 1290
يتمكن بدر الدين من مكابرة العمادية بالرجال لئلا تخلو الموصل فيتمكن مظفر الدين من قصدها، ويأخذها لعماد الدين إذ هو الأولى بملك أبيه وأخيه. ونزل عماد الدين بمن معه من الجند إلى العسكر المحاصرين له، فهزموهم أقبح هزيمة، وعادوا إلى الموصل مكسورين. وحينئذ راسل عماد الدين زنكى أهل قلاع الهكارية والزوزان، واستدعاهم إلى طاعته فسلموا القلاع إليه فاستولى عليها وملكها.
ذكر اعتضاد بدر الدين لؤلؤ بالملك الأشرف ودخوله في طاعته
ولما رأى بدر الدين خروج هذه القلاع من يده، واتفاق مظفر الدين صاحب إربل مع عماد الدين، خاف من استيلاء عماد الدين على البلاد وتملكه لها، وكانت نفس بدر الدين قد أطمعته في ملك البلاد وقطع البيت الأتابكى.
فلم ير لنفسه أحسن من الأعتصام بالملك الأشرف [موسى بن الملك العادل (١)] والاعتضاد به ليندفع عنه ما يخافه من مظفر الدين وعماد الدين. فكاتب الملك الأشرف في ذلك فأجابه إلى قبوله فرحا مستبشرا به. وكتب إلى مظفر الدين يقبح عليه معاضدة عماد الدين ومساعدته على صاحب الموصل، ويقول له: «إن امتنعت من قبول شفاعتى وأصررت على معاضدته قصدتك بنفسى وعساكرى وأخذت بلادك». فلم يجب مظفر الدين إلى موافقته، وأصرّ على نصرة عماد الدين. وكاتب مظفر الدين الملك المنصور ناصر الدين أرتق [٧٩ ب] بن أدزى بن البى بن تمرتاش بن أيلغازى بن أرتق صاحب ماردين، وناصر الدين محمود بن محمد بن قرا آرسلان بن سقمان بن أرتق صاحب آمد والحصن (٢) ليتفقا معه على الملك الأشرف وبدر الدين لؤلؤ، فأجاباه إلى ذلك واتفقا معه.
стр. 1291
ودخلت سنة ست عشرة وستمائة
والملك الأشرف مقيم بظاهر حلب، يدبر أمر جندها وإقطاعاتها، والملك الكامل صاحب مصر في مقابلة الفرنج ومحاربتهم، والفرنج محدقون بثغر دمياط محاصرون له، وقد ضاقت بهم الأمور، وقلت عندهم الأقوات، والفرنج يزحفون إلى البلاد ليلا ونهارا لا يفترون عن مقاتلتهم، وكتب الملك الكامل ورسله متواصلة إلى إخوته وغيرهم من الملوك في طلب النجدة.
ولما وصلت رسل الملك الكامل إلى أخيه الملك الأشرف في طلب النجدة (١)، كان (٢) مقيما بحلب لتدبير أمورها - كما ذكرنا - ولا يفعل شيئا من ذلك إلا بمشاورة الأتابك شهاب الدين طغريل. وبدا من الأمراء المصريين بحلب تخزل في أمر الملك الأشرف (٣)، وكرهوا أمره ونهيه في حلب، وخافوا من إستيلائه عليها، وانتقامه منهم بسبب ميلهم إلى الملك الأفضل. وبلغه عنهم أشياء عزموا عليها من التوثب وهو ثابت لذلك كله.
ولما وصلته رسل أخيه تطلب منه إنجاده على الفرنج، اجتمع رأيه على تسيير الأمراء الذين علم منهم أنه يضمرون الغدر به. فسيرهم نجدة للملك الكامل وهم مبارز الدين بن خطلخ، ومبارز الدين سنقر الحلبى، وابن
стр. 1292
كهدان وغيرهم (١). وخاف ابن خطلخ منه، فحلف له أنه لا يؤذيه، وسيرهم إلى أخيه الملك الكامل فأقاموا عنده بالكلية.
ذكر الوقعة الكائنة بين بدر الدين لؤلؤ وعماد الدين زنكى بن أرسلان
شاه وانهزام عماد الدين
[قال (٢)] ولما كسر عماد الدين زنكى المحاصرين له من عسكر بدر الدين لؤلؤ قويت نفسه، وفارق العمادية وعاد إلى قلعة العقر التي له ليتسلّط على أعمال الموصل بالصحراء، لأن بلد الجبل (٣) كان قد فرغ منه، وأمده مظفر الدين صاحب إربل بطائفة من عسكره.
ولما بلغ ذلك بدر الدين لؤلؤ سير جماعة من عسكره [٨٠ ا] إلى أطراف بلد (٤) الموصل ليحموها فأقاموا على أربعة فراسخ من الموصل، ثم اتفقوا فيما بينهم على قصد عماد الدين وهو عند العقر في عسكره فساروا إليه جريدة، ولقوه بكرة الأحد لأربع بقين من المحرم من هذه السنة [فاقتتلوا قتالا شديدا فكسروا عماد الدين فمضى هو (٥)] وعسكره منهزمين إلى إربل، وعاد عسكر
стр. 1293
بدر الدين إلى منزلته التي كان بها. ثم وردت رسل الخليفة الناصر لدين الله [تعالى (١)]، ورسل الملك الأشرف، وكان بعد مقيما بحلب في تجديد الصلح فتحالفوا واصطلحوا بحضور الرسل.
ذكر وفاة نور الدين بن الملك القاهر وإقامة
بدر الدين لؤلؤ أخاه ناصر الدين مقامه
ولما انقضى أمر الصلح توفى نور الدين أرسلان شاه بن الملك القاهر عز الدين مسعود، وكان لا يزال مريضا فاستحلف بدر الدين [لؤلؤ (٢)] الجند بالموصل لأخيه ناصر الدين محمود بن الملك القاهر وعمره يومئذ ثلاث سنين. ولم يبق للملك القاهر ولد غيره، وهو آخر من خطب له من بيت أتابك بالسلطنة.
[وكان أبوه الملك القاهر أحب ما كان إليه استقلال هذا الولد بالسلطنة (٣)].
وأركب بدر الدين لؤلؤ ناصر الدين بالسناجق السلطانية (٤) وطابت قلوب الرعية.
ثم أن هذا الصبى مات بعد مده، واستقل بدر الدين لؤلؤ بالملك واستمر ملكا بالموصل إلى أن توفى بالموصل بعد أخذ التتر بغداد، فطالت مدة ملكه جدا، وواتته السعادة، وكان حسن السياسه حازما كريما.
ذكر الوقعة الكائنة بين بدر الدين لؤلؤ ومظفر الدين صاحب إربل وانهزام بدر الدين
ولما مات نور الدين بن الملك القاهر، ورتب أخوه ناصر الدين محمود في موضعه، تجدّد لعماد الدين زنكى ولمظفر الدين صاحب إربل طمع في
стр. 1294
الموصل لصغر سن ناصر الدين، فجمعا الرجال وتجهزا للحركة وأرسلا جماعة للإغارة على بلد الموصل. وكان بدر الدين لؤلؤ قبل ذلك قد أرسل ولده إلى الملك الأشرف في جمع كثيف من عسكره، والملك الأشرف نازل بظاهر حلب نجدة بسبب [٨٠ ب] منازلة الفرنج بلد دمياط. وكان الملك الأشرف يريد أن يدخل إلى بلاد الساحل ينهبها ويخربها ليعود بعض من بالديار المصرية إلى بلادهم؛ فيخف الأمر على الملك الكامل صاحب مصر.
فلما رأى بدر الدين تحرك مظفر الدين وعماد الدين وأن بعض عسكره بالشام، أرسل إلى عسكر الملك الأشرف [المقيمين] (١) بنصيبين يستدعيهم ليعتضد بهم. وكان مقدمهم مملوكا للملك الأشرف يسمى أيبك، فساروا إلى الموصل في رابع رجب من هذه السنه، فلما رآهم بدر الدين [لؤلؤ] (٢) استقلهم لأنهم كانوا أقل من العسكر الذين له بالشام. وألح أيبك على عبور دجلة وقصد بلاد إربل فمنعه بدر الدين [لؤلؤ (٣)] من ذلك وأمره بالاستراحة، فنزل [أيبك (٤)] ظاهر الموصل أياما وأصر [بعد ذلك (٥)] على عبور دجلة فعبرها بدر الدين [لؤلؤ (٦)] موافقة له، ونزلوا شرقى دجلة على فرسخ من الموصل. وبلغ ذلك مظفر الدين وعماد الدين زنكى فسارا في [العساكر إلى بدر الدين لؤلؤ (٧)] فعبى بدر الدين [لؤلؤ (٨)] أصحابه، وجعل أيبك في الجاليشية (٩) ومعه شجعان
стр. 1295
أصحابه. ولم يبق معه إلا اليسير، وجعل في ميسرته أميرا كبيرا فطلب الأنتقال إلى الميمنة فنقله. ثم وقت العشاء الآخره طلب [أيبك (١)] العود إلى الميسرة، فقال له بدر الدين «متى انتقلت ظنه الناس هزيمة فلا يقف أحد»، فأقام مكانه وهو في جمع كثير من العسكر.
فلما انتصف الليل سار أيبك [طالب الميسرة] (٢) فأمره بدر الدين بالمقام إلى الصبح لقرب (٣) العدو فلم يفعل [وسار من ساعته (٤)]. واضطر بدر الدين [لؤلؤ (٥)] إلى إتباعه، فالتقواهم ومظفر الدين وعماد الدين في العشرين من رجب. فأما أيبك فإنه تيامن والتحق بالميمنة وحمل في أطلابه (٦) هو والميمنة على ميسرة مظفر الدين فهزمها. وكان في الميمنة ذلك الأمير الذى انتقل إليها، فحمل مع أيبك على الميسرة. وأما ميمنة مظفر الدين فإنها حملت على ميسرة بدر الدين [لؤلؤ (٧)] فهزمتها، وبقى بدر الدين في النفر اليسير الذين معه، وكان عماد الدين [زنكى بن أرسلان شاه (٨)] في الميسرة وقد انهزم بانهزامها. وتقدم مظفر الدين فيمن معه في القلب إلى بدر الدين
стр. 1296
[لؤلؤ (١)] فهزمه واندفع [بدر الدين (٢)] موليا إلى الموصل، وعبر دجلة إلى القلعة ونزل منها إلى [٨١ ا] البلد. ولما رآه الناس فرحوا به وساروا معه وقصد باب الجسر والعدو [نازل (٣)] بازائه.
ونزل مظفر الدين فيمن سلم معه من عسكره وراء حصن نينوى (٤)، وأقام به ثلاثة أيام. ولما رأى [مظفر الدين (٥)] اجتماع العسكر الذين لبدر الدين معه بالموصل، وأنه لم يفقد منهم إلا اليسير، وبلغه أن بدر الدين [لؤلؤ] (٦) يريد العبور إليه ليلا في الفارس والراجل على الجسور وفى السفن ويكبسه، خاف من ذلك، ورحل نحو إربل. فلما عبر الزاب (٧) نزل به وجاءت الرسل [إليه] (٨) وسعوا في الصلح، فاصطلحوا وتقررت بينهم العهود والأيمان.
ذكر ما تجدد لعماد الدين بن المشطوب
بعد إخراجه من مصر
قد ذكرنا في حوادث السنة الماضية ما صدر من عماد الدين بن المشطوب من المخامرة، وإفساد الأمراء، والسعى في تغيير الدولة [الكاملية (٩)] حتى أدى ذلك إلى رحيل السلطان الملك الكامل من منزلته، واستيلاء العدو على بردمياط، والحيلوله بين عسكر المسلمين وبينها وتمكنهم من مضايقتها. وذكرنا وصول الملك المعظم [عيسى (١٠)] إلى أخيه الملك الكامل، وصلاح الأحوال على يده،
стр. 1297
ونفيه عماد الدين بن المشطوب إلى الشام، وأن عماد الدين وصل إلى حماه.
ولما قدم إلى حماه أقام عند الملك المنصور [محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب] (١) صاحبها، فأكرمه وقام بضيافته. فحدث عماد الدين نفسه بالفساد، وأنه يتغلب على بعض الأطراف لما يعلمه من شجاعته، وانقياد الأكراد الهكاريه إليه لما يعلمونه من شجاعته وكرمه، فانضم إليه جماعة [كبيرة (٢)]. وسافر من حماة وفى صحبته القاضى نجم الدين أبو البركات ابن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون - الذى كان قاضى حماه - حسّن له عماد الدين أنه يصحبه فيحكمه فيما يملكه من البلاد، وأنه لا يخرج عن رأيه. واجتمع معه لما سافر من حماه نحو ثمان مائة فارس والفا راجل.
وكان الملك الأشرف [موسى بن الملك العادل (٣)] مقيما بحلب كما ذكرنا (٤)، فراسله [ليتصل به] (٥)، ويقطعه بعض البلاد. فامتنع عماد الدين [٨١ ب] من الوصول إليه، وقصد جهة بلاد الروم، والملك الأفضل نور الدين [على بن صلاح الدين يوسف (٦)] صاحب سميساط (٧) ليتفق معه ومع سلطان الروم [عز الدين كيكاوس (٨)] على قتال الملك الأشرف وانتزاع البلاد منه. وكانت مكاتبته قد سبقت إلى الملك الأفضل وسلطان الروم. فدخل عماد الدين بلاد حلب
стр. 1298
بغتة، وخاضها وكان الزمن زمن الربيع، وخيول الأجناد متفرقة في الجشار (١)، فوصل قنسرين ونفد منها إلى تل عون، وبلغ إلى الساجور (٢) واستاق في طريقه ما وجده من الخيل وغيرها. وبلغ خبره الملك الأشرف وهو نازل في الدار التي أخليت له ظاهر حلب، فأركب من كان بحضرته من العسكر خلفه، وكان فيهم عماد الدين صاحب قرقيسيا (٣)، فلحقوه على الساجور ومعه القاضى نجم الدين بن أبى عصرون، فقبضوا عليهما فأتوا بهما [إلى (٤)] الملك الأشرف فعفا عنه وعن ابن أبى عصرون. وأقطع عماد الدين رأس عين (٥)، وأقام عنده إلى أن دخل شعبان من هذه السنة، فرحل الملك الأشرف إلى بلاده الشرقيه لأصلاح أمر الموصل. فسافر عماد الدين إلى الشرق وله من جهة الملك الأشرف رأس عين. ونزل الملك الأشرف حران وكان قد طال مقامه بحلب أكثر من سنة، وأقام الملك الأشرف بحران ومعه عسكر حلب.
وتوفى عز الدين كيكاوس سلطان الروم، وقام بسلطنة الروم بعده أخوه (٦) علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان فراسل الملك الأشرف واتفق معه.
стр. 1299
وكان السبب في وصول الملك الأشرف إلى الشرق أنه بعد ما تقرر الصلح بين مظفر الدين [كوكبورى بن زين الدين] (١) صاحب إربل وبدر الدين لؤلؤ، تسلم عماد الدين زنكى قلعة كواشى (٢) بتسليم أهلها إليه، فأرسل بدر الدين لؤلؤ إلى مظفر الدين يذكّره العهود والإيمان، ويطلب منه إعادة كواشى، فلم تقع الإجابة إلى ذلك. فأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف وهو بحلب يستنجد به، فلذلك توجه إلى الشرق وأقام بحران ثم كان بعد ذلك ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفى هذه السنة، أعنى سنة ست عشرة وستمائة، توفى قطب الدين محمد [٨٢ أ] بن عماد الدين زنكى بن مودود صاحب سنجار، فملك سنجار بعده ولده عماد الدين [شاهنشاه] (٣). وكان قطب الدين حسن السيرة في رعيته كثير الإحسان اليهم. وبقى عماد الدين في الملك شهورا، ثم وثب عليه أخوه عمر بن محمد (٤) في تليعفر (٥)، وكان قد سار إليها عماد الدين محمود، إذهى من جملة بلاده، فذبحه وملك سنجار، وهو آخر من ملك سنجار من ملوك البيت الأتابكى.
стр. 1300
ذكر تخريب البيت المقدس
لما اشتدت مضايقة الفرنج لثغر دمياط، وأشرفت على الأخذ خاف الملك المعظم شرف الدين [عيسى بن الملك العادل (١)] صاحب دمشق أن تصل من البحر أمم عظيمة من الفرنج، إذا سمعوا بقوة أصحابهم وتمكنهم من الديار المصرية، والملك الكامل مشغول بمحاربة من بديار مصر من الفرنج، فيقصدون البيت المقدس، وهو عامر فيملكونه، ولا يمكن بعد ذلك استنقاذه منهم. فتقدم بخراب [أبراج البيت المقدس وأسواره (٢)]، وكانت قد صارت في غاية العظمه والوثاقة، فإنه من حين استنقذه الملك الناصر صلاح الدين ﵀ من الفرنج، ما زالت فيه العمارة قائمة، فكان كل برج من أبراجه نظير قلعة. فجمع له الحجارين والنقابين، وعلّق أسواره وأبراجه فهدمها ما خلا برج داود ﵇ فإنه أبقاه. ولما هدمت أسواره انتقل عنه أكثر المقيمين به، وكان فيه خلق لا يحصون، فلم يبق فيه إلا القليل من الناس. ثم تقدم [الملك المعظم (٣)] بنقل ما كان فيه من الزرد خاناه (٤) وآلات القتال وغير ذلك، فعظم على المسلمين خرابه، وتأسفوا عليه غاية الأسف.
ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط
ولم يزل الفرنج يضايقون دمياط، ويقاتلون أهلها بجميع آلات القتال حتى نفد ما عند أهلها من الأقوات، واشتد الغلاء بها جدا، واشتد بأهلها الجوع حتى مات أكثرهم وعجزوا عن الحركة والمدافعة. ووصل إلى الفرنج نجد