[لؤلؤ (١)] فهزمه واندفع [بدر الدين (٢)] موليا إلى الموصل، وعبر دجلة إلى القلعة ونزل منها إلى [٨١ ا] البلد. ولما رآه الناس فرحوا به وساروا معه وقصد باب الجسر والعدو [نازل (٣)] بازائه.
ونزل مظفر الدين فيمن سلم معه من عسكره وراء حصن نينوى (٤)، وأقام به ثلاثة أيام. ولما رأى [مظفر الدين (٥)] اجتماع العسكر الذين لبدر الدين معه بالموصل، وأنه لم يفقد منهم إلا اليسير، وبلغه أن بدر الدين [لؤلؤ] (٦) يريد العبور إليه ليلا في الفارس والراجل على الجسور وفى السفن ويكبسه، خاف من ذلك، ورحل نحو إربل. فلما عبر الزاب (٧) نزل به وجاءت الرسل [إليه] (٨) وسعوا في الصلح، فاصطلحوا وتقررت بينهم العهود والأيمان.
ذكر ما تجدد لعماد الدين بن المشطوب
بعد إخراجه من مصر
قد ذكرنا في حوادث السنة الماضية ما صدر من عماد الدين بن المشطوب من المخامرة، وإفساد الأمراء، والسعى في تغيير الدولة [الكاملية (٩)] حتى أدى ذلك إلى رحيل السلطان الملك الكامل من منزلته، واستيلاء العدو على بردمياط، والحيلوله بين عسكر المسلمين وبينها وتمكنهم من مضايقتها. وذكرنا وصول الملك المعظم [عيسى (١٠)] إلى أخيه الملك الكامل، وصلاح الأحوال على يده،
стр. 1297
ونفيه عماد الدين بن المشطوب إلى الشام، وأن عماد الدين وصل إلى حماه.
ولما قدم إلى حماه أقام عند الملك المنصور [محمد بن الملك المظفر تقى الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب] (١) صاحبها، فأكرمه وقام بضيافته. فحدث عماد الدين نفسه بالفساد، وأنه يتغلب على بعض الأطراف لما يعلمه من شجاعته، وانقياد الأكراد الهكاريه إليه لما يعلمونه من شجاعته وكرمه، فانضم إليه جماعة [كبيرة (٢)]. وسافر من حماة وفى صحبته القاضى نجم الدين أبو البركات ابن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون - الذى كان قاضى حماه - حسّن له عماد الدين أنه يصحبه فيحكمه فيما يملكه من البلاد، وأنه لا يخرج عن رأيه. واجتمع معه لما سافر من حماه نحو ثمان مائة فارس والفا راجل.
وكان الملك الأشرف [موسى بن الملك العادل (٣)] مقيما بحلب كما ذكرنا (٤)، فراسله [ليتصل به] (٥)، ويقطعه بعض البلاد. فامتنع عماد الدين [٨١ ب] من الوصول إليه، وقصد جهة بلاد الروم، والملك الأفضل نور الدين [على بن صلاح الدين يوسف (٦)] صاحب سميساط (٧) ليتفق معه ومع سلطان الروم [عز الدين كيكاوس (٨)] على قتال الملك الأشرف وانتزاع البلاد منه. وكانت مكاتبته قد سبقت إلى الملك الأفضل وسلطان الروم. فدخل عماد الدين بلاد حلب
стр. 1298
بغتة، وخاضها وكان الزمن زمن الربيع، وخيول الأجناد متفرقة في الجشار (١)، فوصل قنسرين ونفد منها إلى تل عون، وبلغ إلى الساجور (٢) واستاق في طريقه ما وجده من الخيل وغيرها. وبلغ خبره الملك الأشرف وهو نازل في الدار التي أخليت له ظاهر حلب، فأركب من كان بحضرته من العسكر خلفه، وكان فيهم عماد الدين صاحب قرقيسيا (٣)، فلحقوه على الساجور ومعه القاضى نجم الدين بن أبى عصرون، فقبضوا عليهما فأتوا بهما [إلى (٤)] الملك الأشرف فعفا عنه وعن ابن أبى عصرون. وأقطع عماد الدين رأس عين (٥)، وأقام عنده إلى أن دخل شعبان من هذه السنة، فرحل الملك الأشرف إلى بلاده الشرقيه لأصلاح أمر الموصل. فسافر عماد الدين إلى الشرق وله من جهة الملك الأشرف رأس عين. ونزل الملك الأشرف حران وكان قد طال مقامه بحلب أكثر من سنة، وأقام الملك الأشرف بحران ومعه عسكر حلب.
وتوفى عز الدين كيكاوس سلطان الروم، وقام بسلطنة الروم بعده أخوه (٦) علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان فراسل الملك الأشرف واتفق معه.
стр. 1299
وكان السبب في وصول الملك الأشرف إلى الشرق أنه بعد ما تقرر الصلح بين مظفر الدين [كوكبورى بن زين الدين] (١) صاحب إربل وبدر الدين لؤلؤ، تسلم عماد الدين زنكى قلعة كواشى (٢) بتسليم أهلها إليه، فأرسل بدر الدين لؤلؤ إلى مظفر الدين يذكّره العهود والإيمان، ويطلب منه إعادة كواشى، فلم تقع الإجابة إلى ذلك. فأرسل حينئذ بدر الدين إلى الملك الأشرف وهو بحلب يستنجد به، فلذلك توجه إلى الشرق وأقام بحران ثم كان بعد ذلك ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفى هذه السنة، أعنى سنة ست عشرة وستمائة، توفى قطب الدين محمد [٨٢ أ] بن عماد الدين زنكى بن مودود صاحب سنجار، فملك سنجار بعده ولده عماد الدين [شاهنشاه] (٣). وكان قطب الدين حسن السيرة في رعيته كثير الإحسان اليهم. وبقى عماد الدين في الملك شهورا، ثم وثب عليه أخوه عمر بن محمد (٤) في تليعفر (٥)، وكان قد سار إليها عماد الدين محمود، إذهى من جملة بلاده، فذبحه وملك سنجار، وهو آخر من ملك سنجار من ملوك البيت الأتابكى.
стр. 1300
ذكر تخريب البيت المقدس
لما اشتدت مضايقة الفرنج لثغر دمياط، وأشرفت على الأخذ خاف الملك المعظم شرف الدين [عيسى بن الملك العادل (١)] صاحب دمشق أن تصل من البحر أمم عظيمة من الفرنج، إذا سمعوا بقوة أصحابهم وتمكنهم من الديار المصرية، والملك الكامل مشغول بمحاربة من بديار مصر من الفرنج، فيقصدون البيت المقدس، وهو عامر فيملكونه، ولا يمكن بعد ذلك استنقاذه منهم. فتقدم بخراب [أبراج البيت المقدس وأسواره (٢)]، وكانت قد صارت في غاية العظمه والوثاقة، فإنه من حين استنقذه الملك الناصر صلاح الدين ﵀ من الفرنج، ما زالت فيه العمارة قائمة، فكان كل برج من أبراجه نظير قلعة. فجمع له الحجارين والنقابين، وعلّق أسواره وأبراجه فهدمها ما خلا برج داود ﵇ فإنه أبقاه. ولما هدمت أسواره انتقل عنه أكثر المقيمين به، وكان فيه خلق لا يحصون، فلم يبق فيه إلا القليل من الناس. ثم تقدم [الملك المعظم (٣)] بنقل ما كان فيه من الزرد خاناه (٤) وآلات القتال وغير ذلك، فعظم على المسلمين خرابه، وتأسفوا عليه غاية الأسف.
ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط
ولم يزل الفرنج يضايقون دمياط، ويقاتلون أهلها بجميع آلات القتال حتى نفد ما عند أهلها من الأقوات، واشتد الغلاء بها جدا، واشتد بأهلها الجوع حتى مات أكثرهم وعجزوا عن الحركة والمدافعة. ووصل إلى الفرنج نجد
стр. 1301
من البحر، وكثر الوباء في أهل دمياط وضعفوا عن حفظها. فحينئذ هجم الفرنج البلد على غفلة من أهلها، واستولى الفرنج عليهم واسترقوهم، وجعلوا الجامع [٨٢ ب] كنيسة. واشتد طمع الفرنج [حينئذ (١)] في ملك الديار المصرية، وظنوا أنهم يملكون بملكها البيت المقدس وسائر [بلاد (٢)] الشام.
ذكر بناء المنصورة ونزول الملك الكامل بها
وحين جرى هذا الأمر الفظيع ابتنى الملك الكامل مدينة وسماها المنصورة (٣)، عند مفرق البحرين الآخذ أحدهما إلى دمياط، الفاصل بينها وبين جيزتها (٤)، والآخر إلى أشمون طنّاح (٥) ومصبه في بحيرة تنيس (٦). ونزل فيها بعساكره وبنى عليها سورا على بحر النيل، وشوانى المسلمين في بحر النيل غربى المنصورة.
ونفدت كتبه إلى سائر الأقطار يستحث على وصول النجد اليه. وكان تملك الفرنج لثغر دمياط في العاشر من شهر رمضان من هذه السنة.
стр. 1302
ذكر ظهور التتر واستيلائهم على معظم
بلاد المسلمين
لم ينكب المسلمون نكبة أعظم مما نكبوا هذه السنة، فانه جرى فيها من قتل المسلمين واسترقاقهم والاستيلاء على أكثر ممالكهم ما لم يجر لهم قبل هذه السنة مثله، ولا قريب منه. فمن ذلك ما ذكرنا من تمكن الفرنج - لعنهم الله - بتملكهم ثغر الديار المصريه [وهى (١)] دمياط واستيلائهم على أهلها قتلا وأسرا.
ومنه الواقعة العظمى والمصيبة الكبرى، وهو ظهور التتر وتملكهم في المده القريبة أكثر بلاد المسلمين ومعاقلهم، وسفك دماء المسلمين وسبى حريمهم وذراريهم (٢). ومذ بعث الله تعالى محمدا ﷺ وأظهر به الدين الحنيفى (٣) ونصره على أهل الشرك، لم يفجع المسلمون (٤) فجيعة أعظم من هذه الفجيعة. فإلى (٥) الله سبحانه [وتعالى (٦)] الرغبه في قلع شأفتهم، واجتثاث أصلهم.
ونحن [إن شاء الله تعالى (٧)] نذكر مبدأ خروجهم وما فعلوه ببلاد الأسلام.
كان (٨) سلطان العجم في هذه السنة علاء الدين محمد بن تكش (٩) ونسبه ينتهى
стр. 1303
إلى بلتكين (١)، أحد مماليك السلطان ألب ارسلان [٨٣ ا] بن جغرى بك (٢) داود ابن ميكائيل بن سلجق، وكان له ولاية ملك خوارزم من جهة السلاطين السلجوقيه، فلهذا كان يقال لكل واحد منهم [إذا ملك مدينة (٣)] خوارزم شاه.
فلما زال ملك السلجوقية ببلاد العجم، وملكت بلادهم مماليكهم، وتفرقت كلمتهم، قوى شأن هذا علاء الدين، واستولى على خراسان وبلاد الجبل وهى التي تسمى عراق العجم كأصبهان والرى وما معهما من البلاد. وملك أيضا ماوراء النهر كبخارا وسمرقند وغيرهما، وكان المستولى عليها الخطا (٤) وهم كفار لكنهم استولوا على بلاد المسلمين بما وراء النهر، وحكموا عليهم. فاتسع ملك السلطان علاء الدين جدا، وعظم [سلطانه و (٥)] جيشه، حتى قيل أنه بلغ أربع مائة الف مقاتل، وحدثته نفسه بقصد العراق وتملكه، وتصير الخليفة تحت حكمه كما كان الأمر في استيلاء السلجوقيه وبنى بويه قبلهم على الخلفاء.
فقصد [السلطان علاء الدين (٦)] في عساكره بغداد فأرسل إليه الخليفة الناصر لدين الله الشيخ شهاب الدين السهروردى (٧) ﵀ ليرده عن مقصده.
стр. 1304
فلما وصل إلى السلطان علاء الدين [خوارزم شاه (١)] أعظمه وتأدب معه، فاستفتح الشيخ شهاب الدين رسالته بحديث نبوى يتضمن الثناء على أهل بيت النبوة، وزجر من يتعرض لهم بالأذى، فجلس السلطان [علاء الدين (٢)] على ركبتيه تعظيما لحديث النبى ﷺ . فلما أنهى الشيخ شهاب الدين الحديث قال له السلطان: «هذا ينبغى أن يورده الشيخ على سمع أمير المؤمنين، فإنه [هو (٣)] الذى آذى أهل بيت النبوه باعتقاله لهم في السجن، وأنا فما فعلت شيئا من ذلك». وأصر السلطان علاء الدين على قصد بغداد ليكون له بها دار السلطنه كما كان للسلجوقيه. ثم اتفق [بعد ذلك (٤)] وقوع ثلوج كثيره عاقته عن مقصده، فرجع إلى بلاده على عزم العود إلى العراق. ثم اتفق في هذه السنة خروج التتر عليه.
ومن حديث هؤلاء القوم أنهم كانوا يسكنون في آخر الشرق في البرارى [والقفار، (٥) وهم] أهل خيام وعمد، ليس لهم إلا الأغنام والخيل يأكلون لحومها، ويشربون من ألبانها، ولا مأكل لدوابهم سوى الحشيش، وتحفر بحوافرها الأرض وتأكل عروق النبات. فإذا نزلوا منزلا لا يحتاجون [٨٣ ب] إلى شئ من خارج، وهم مع هذا لا يدينون بدين غير أنهم يعترفون بالصانع ويعظمونه، ولا يعتقدون شريعة من الشرائع. واتفق أن ملكهم جنكزخان المعروف بتمرجى (٦) وضع لهم ضوابط يدينون بها ويعملون بما تقتضيه
стр. 1305
يسمونها الآسه (١). وصار هذا الرجل [جنكزخان (٢)] عندهم بمثابه نبى يرجعون إليه في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه.
واتفق أنه استولى على أكثر بلاد الصين، وأهله أمة عظيمة يقال لهم الخطا، ديانتهم عبادة الأوثان كأهل الهند. فلما ملك بلاد الصين تمكن وقوى وعظم شأنه، فهذا كان مبدأ أمره. ثم سار [جنكزخان (٣)] إلى تركستان فملك كاشغر (٤) وبلاساغون (٥) وغيرها، وأزال ما كان بها من الترك. ثم سير [بعد ذلك (٦)]
стр. 1306
جماعة من التجار الأتراك (١) ومعهم شئ كثير من الفضة النقرة (٢) والقندس (٣) وغير ذلك إلى بلاد ماوراء جيحون [مثل (٤)] سمرقند وبخارا ليشترى له بها ثياب كسوة، فوصل هؤلاء التجار إلى بلد [يقال لها (٥)] أترار (٦) من بلاد الترك وهى آخر ولاية السلطان علاء الدين خوارزم شاه، وكان له نائب هناك. فلما ورد هؤلاء عليه أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم، ويذكر له ما معهم من الأموال، فبعث إليه خوارزم شاه يأمره بقتلهم وأخذ ما معهم من الأموال، فقتلهم وسير ما معهم إلى خوارزم شاه، وكان شيئا عظيما ففرقه خوارزم شاه على تجار بخارا وسمرقند وأخذ ثمنه منهم.
وكان ملك ماوراء النهر، كما قدمنا ذكره، بيد الخطا، فانتزعها خوارزم شاه منهم وقتلهم وأبادهم، فبذلك قوى التتر على بلاد تركستان؛ لأن الخطا كانوا يحاربون التتر ويدفعونهم عن التطرق إلى هذه البلاد، وكانوا سدا بين الإسلام والتتر. فلما أبادهم خوارزم شاه وملك ماوراء النهر، ملك التتر تركستان، وأخذوا في الأغارة على أطراف بلاد خوارزم شاه، فلذلك
стр. 1307
منع عنهم [علاء الدين خوارزم شاه] الميرة من الكسوة وغيرها، وفعل بتجارهم ما ذكرنا، فهذا هو كان السبب في حركتهم وخروجهم. (١)
وذكر عز الدين بن الأثير (٢) أنه قد قيل أن السبب في خروجهم كان غير هذا مما لا يمكن أن يودع [في (٣)] بطون الدفاتر وأنشد:
وكان ما كان مما لست أذكره ... فظنّ خيرا ولا تسأل عن الخبر (٤)
[٨٤ ا] قلت إنما أراد ابن الأثير بهذا أنه قيل أن الخليفة الناصر لدين الله لما قصد خوارزم شاه ليستولى على العراق، كتب [الخليفة (٥)] إلى جنكزخان ملك التتر يطمعه في البلاد، ويحسن له الخروج عليه، ويهون عليه أمره. وقد بلغنى أن الخليفة [الإمام الناصر لدين الله (٦)] كتب إلى خوارزم شاه كتابا، وضمنه بيتا يتهدده به وهو:
ستعلم إن حانت من الدهر لفتة ... عمود دواتى (٧) أم سنانك أقوم
وإنما لم يصرح ابن الأثير بذلك خوفا من الخليفة والله أعلم بحقيقة ذلك.
ولما قتل نائب خوارزم شاه أصحاب جنكزخان، أرسل خوارزم شاه جواسيس إلى عسكر جنكزخان لينظر ما هو وكم مقدار ما معه من التتر، فمضوا ثم عادوا إليه بعد مدة طويلة، وأخبروه أنهم عدد يفوق الأحصاء، وأنهم من أصبر الناس على القتال. فندم خوارزم شاه على قتل من قتل من
стр. 1308
تجارهم وأخذ أموالهم، ووقع في فكر عظيم. وأحضر الأمام شهاب الدين الخيوقى (١)، وكان إماما عالما كبير المحل عند السلطان لا يخالفه فيما يشير به، وأخبره بحال هؤلاء القوم، وكثرتهم وشجاعتهم، واستشاره [بعد ذلك (٢)] فيما يفعل.
فأشار [عليه شهاب الدين (٣)] بمكاتبة الأطراف، وجمع العساكر والمضى بهم إلى جانب نهر سيحون، وهو نهر عظيم يفصل بين بلاد الترك وبلاد الإسلام، لينزل هناك بالعساكر. فإذا جاء العدو وهو تعب من مسافة بعيده لقيه بالعساكر المستريحة. فجمع خوارزم شاه أمراءه وأرباب الرأى والمشورة، وعرض عليهم ما أشار به شهاب الدين فلم يوافقوه، وقالوا «بل الرأى أن نتركهم يعبرون نهر سيحون إلينا، ويسلكون هذه الجبال والمضايق، فأنهم جاهلون بطرقها، ونحن عارفون بها، فنقوى حينئذ عليهم، ونهلكهم ولا ينجو منهم أحد».
وبينما هم كذلك إذ ورد رسول جنكزخان ملك التتر ومعه جماعة، فتهددوا علاء الدين خوارزم شاه لقتله من قتل من التجار، وقالوا له: «يقول لك جنكزخان استعد للحرب، فها أنا واصل بما لا قبل لك به». فغضب خوارزم شاه لما سمع هذه الرسالة، وأمر بقتل الرسول، وحلق لحى الذين معه، وأعادهم إلى صاحبهم [جنكزخان (٤)] ليخبروه بقتل رسوله، ويقولوا له: «أن خوارزم شاه سائر إليك، ولو أنك في آخر الدنيا [٨٤ ب] لينتقم منك». [فلما عاد الذين كانوا مع الرسول، سار علاء الدين (٥)] خوارزم شاه
стр. 1309
بعد تسييرهم مبادرا ليسبق خبرهم ويكبسهم، فقطع مسيرة أربعة أشهر، ووصل إلى بيوتهم، فلم ير فيها إلا النساء والصبيان والأثقال، فأوقع بهم وسبى الذرية والنساء. وكان سبب غيبتهم عن بيوتهم أنهم قصدوا ملكا من الترك يقال له كشليخان (١)، فقاتلوه وهزموه وغنموا أمواله، فعادوا فوصل إليهم - وهم راجعون - الخبر بما فعل خوارزم شاه ببيوتهم، فجدوا في السير، فأدركوه قبل أن يخرج من بيوتهم، وتصافوا للحرب، واقتتلوا ثلاثة أيام بلياليها، فقتل من الفريقين ما لا يحصى. واستنفد الطائفتان وسعهم في الصبر والقتال، ولم يحضر هذه الحرب جنكزخان بل حضرها إبنه. وأحصى من قتل من المسلمين فكانوا عشرين ألفا، وقتل من التتر ما لا يحصى كثرة.
وفى الليلة الرابعة افترقوا، ونزل بعضهم مقابل بعض، ولما أظلم الليل أوقد التتر نيرانهم وتركوها بحالها وساروا، وكذلك فعل المسلمون لأنهم سئموا القتال هم والتتر.
وعاد التتر إلى ملكهم جنكزخان، وعاد المسلمون إلى بخارا [ولم يعلموا بحديث التتر وهروبهم (٢)]. واستعد خوارزم شاه للحصار لعلمه بعجزه عن التتر، لأن طائفة منهم لم تقدر على الظفر بهم، فكيف إذا جاءوا بجمعهم مع ملكهم. فتقدم [علاء الدين خوارزم شاه (٣)] إلى أهل بخارا وسمرقند بالأستعداد للحصار، وجمع الذخائر للأمتناع، وجعل في بخارا عشرين الف (٤) فارس يحفظونها، وفى سمرقند خمسين الفا وقال لهم: «احفظوا البلاد حتى أعود إلى خوارزم وخراسان، وأجمع العساكر وأعود اليكم». ورحل نحو خراسان فعبر نهر جيحون، ونزل بالقرب من بلخ فعسكر هنا لك.
стр. 1310
قلت هكذا ذكر عز الدين بن الأثير (١)، وسمعت من جماعة أن عسكره كان كفوا للقائهم، وانما كان فيه جماعة نياتهم فاسدة، وجماعة من الملوك وأبناء الملوك الذين أزال ممالكهم فهم موغروا الصدور عليه، [وعلم بذلك (٢)] فخاف أن يسلموه ولا يناصحوه في الحرب. واستعدت التتر وعبروا بجموعهم نهر سيحون ومعهم ملكهم جنكزخان، ووصلوا إلى بخارا بعد خمسة أشهر، وحصروها ثلاثة أيام، فلم يكن للعسكر الخوارزمى بهم طاقة ففارقوا البلد ليلا [٨٥ ا] ومضوا إلى خراسان.
وأصبح أهل البلد وليس عندهم من العسكر إلا القليل، فضعفت قلوبهم [عند ذلك (٣)] فأرسلوا قاضى البلد وهو بدر الدين بن قاضى خان ﵀ ليطلب الأمان للناس، فأعطوهم الأمان. وكان بقى في البلد بعض العسكر لم يمكنهم الهرب، فاعتصموا بالقلعة. وفتحت أبواب بخارا للتتر يوم الثلاثاء رابع ذى الحجة من هذه السنه، أعنى سنة ست عشرة وستمائة، فدخلها التتر ولم يتعرضوا أولا لأحد بل قالوا: «كل ما عند كم للسلطان من ذخيرة وغيره أخرجوه إلينا، وساعدونا على قتال من بالقلعة [من الجند] (٤)»، وأظهروا العدل وحسن السيرة. ودخل جنكزخان وأحاط بالقلعة ونودى في البلد «من تخلف عن مساعدتنا قتل». فحضر جميعهم وأمرهم بسد الخندق، فطموه بالأخشاب والتراب وغير ذلك حتى بمنبر (٥) الجامع وربعات القرآن المجيد.
стр. 1311
وتابعوا الزحف إلى القلعة وبها أربعمائة فارس من المسلمين، فصابروا القتال أثنى عشر يوما، ثم نقب سور القلعة وملكها التتر، وقتلوا جميع من كان بها.
ثم أمر جنكزخان بأحضار وجوه البلد وطالبهم بالفضه النقرة (١) التي باعهم إياها خوارزم شاه. فأحضروا ما عندهم منها ثم أخرجهم مجردين من أموالهم.
ودخل التتر البلد، وبذلوا فيه السيف، وسبوا ما فيه من النساء والذرية، وارتكبوا من النساء العظائم، ورجالهم ينظرون ولا يستطيعون الدفع. ومن الناس من اختار الموت فقاتل حتى قتل، وممن فعل ذلك الإمام ركن الدين إمام زاده (٢) وولده، والقاضى صدر الدين خان، [وقتل القاضى بدر الدين ابن قاضى خان (٣)] ﵏. ومن استسلم أخذ أسيرا، وألقوا النار في المساجد والمدارس [والجوامع (٤)]. ثم توجهوا إلى سمرقند واستصحبوا معهم من أهل بخارا أسارى مشاة، ومن عجز عن المشى قتلوه.
ووصلوا إلى سمرقند، وأحاطوا بها وبها خمسون ألفا من الجند، ومن العامة ما لا يحصى كثرة. فخرج إلى قتالهم شجعان البلد [وأبطاله (٥)]، ولم يخرج أحد من العسكر [الخوارزمى] (٦) لما خامرهم من الرعب. فقاتلهم هؤلاء الذين خرجوا [من البلد] (٧)، واندفعت التتر بين أيديهم، وهم يتبعونهم، وأكمنت التتر لهم كمينا، فلما جازوا الكمين خرجوا عليهم وحالوا بينهم [٨٥ ب] وبين البلد، وقتلوهم عن آخرهم، فضعفت نفوس من بالبلد من الجند وطلبوا
стр. 1312
الأمان من التتر [طمعا أن يسلموا لكونهم من الترك (١)]. فأعطاهم التتر الأمان، ففتحوا للتتر أبواب البلد [وهم يزيدون على خمسين ألف فارس]. (٢) وخرجوا إلى التتر بأهلهم وأموالهم فقال لهم التتر «أدفعوا إلينا سلاحكم وأموالكم ونحن نسيركم إلى مأمنكم». ففعلوا ذلك. فلما أخذوا ذلك منهم قتلوهم عن آخرهم.
وفى اليوم الرابع نادوا في البلد ليخرج أهله بأجمعهم، ومن تأخر قتل، فخرج الجميع. ففعل التتر بهم فعلهم بأهل بخارا، ثم أحرقوا البلد وجامعه (٣).
وكان هذا في المحرم سنة سبع عشرة وستمائه.
ولنذكر ما فعلوه بعد ذلك وإن كان خارجا عن السنة التي نحن ذاكرون حوادثها ليتصل الحديث بعضه ببعض ولا ينبتر (٤). واعلم أن هذا كله جرى والسلطان علاء الدين خوارزم شاه مقيم بمنزلته التي هى بالقرب من بلخ، وكلما اجتمع عنده عسكره سيره إلى سمرقند فيرجعون ولا يقدمون على الوصول إليها.
ولما ملكت التتر سمرقند سير جنكزخان عشرين ألفا وأمرهم بطلب خوارزم شاه أين كان. وتسمى هذه الطائفة المغرّبة لأنهم ساروا (٥) غربى خراسان، وأوغلوا في البلاد، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. فقصدوا أولا مكانا يسمى بنج (٦) آب ومعناه خمسة مياه. ولما وصلوا إليه لم يجدوا سفينة
стр. 1313
تجيزهم نهر جيحون، فعملوا من الخشب مثل الأحواض الكبار لا يدخلها الماء، ووضعوا فيها سلاحهم وأمتعتهم، وألقوا الخيل في الماء وتعلقوا بأذناب خيلهم وشدوا تلك الحياض إلى أنفسهم، فكان الفرس يجذب الرجل، والرجل يجذب الحوض، فعبروا كلهم دفعة [واحدة (١)]. ولم يشعر خوارزم شاه إلا وهم معه في أرض واحدة، فولى منهزما لا يلوى على شئ، وتفرق أصحابه أيدى سبا. وذهب كل فريق [منهم (٢)] إلى جهة خذلانا من الله تعالى.
وقصد خوارزم شاه مدينة نيسابور، فاجتمع إليه بها بعض العسكر، فلم يشعروا إلا وأولئك (٣) التتر قد وصلوا إليهم. فرحل من بين أيديهم منهزما إلى مازندارن (٤)، فرحل التتر في أثره طالبين له، فكان كلما رحل من منزلة نزلوها. ووصل إلى الرى وهى من عراق العجم، ثم منها إلى همذان [٨٦ ا] والتتر في أثره، فرحل في نفر يسير لينكتم خبره. وعاد [خوارزم شاه (٥)] إلى مازندران، ثم قصد مرسى على بحر طبرستان يعرف بآب سكون (٦) فنزل في السفن ومضى إلى قلعة له في البحر فاعتصم بها وأدركته منيته فمات [بها (٧)] ﵀. وكان ملكا جليلا عظيم المقدار، عزيز الفضل، يحب العلماء ويعظمهم جدا. وكان قد اعتنى بالأمام فخر الدين بن خطيب الرى، صاحب التصانيف البديعة والعلوم الجمة، وكان ينزل إلى داره ماشيا، ويجلس بين يديه ويتعلم العلم منه. وكانت مملكته من حد العراق إلى تركستان
стр. 1314
من بلاد الترك، مضافا إلى غزنة وبعض الهند وسجستان وكرمان وطبرستان وغير ذلك من الممالك. وبالجملة لم يملك أحد بعد انقراض الدولة السلجوقية مثله، غير أن السعادة أدبرت عنه، وزال [بزوال ملكه (١)] ملك البلاد الإسلامية في جميع هذه الممالك فسبحان من لا يزول ملكه.
ولما أيس التتر المغربون من إدراك خوارزم شاه، قصدوا مازندران فملكوها مع صعوبة مسالكها وحصانتها، وأن المسلمين في أول الأسلام لما ملكوا بلاد العجم، لم يقدروا على دخولها فقنعوا من أهلها بالخراج إلى أن ملكت في خلافة سليمان بن عبد الملك. وهؤلاء الملاعين ملكوها على أسرع وقت، وقتلوا وسبوا وأحرقوا البلاد، ثم سلكوا نحو الرى فوقعوا على والدة خوارزم شاه - وكانت قاصدة أصفهان وهمذان لما بلغتها ما جرى على ولدها - فأخذوها وما معها، ووجدوا معها من المتاع ونفائس الجواهر ما ملأ أعينهم، وسيروا الجميع إلى ملكهم جنكزخان وهو نازل بسمرقند [وكان آخر العهد بها (٢)]. ثم رحل هؤلاء إلى الرى، وقد انضاف إليهم من عساكر المسلمين والكفار والمفسدين خلق كثير، فملكوا الرى ونهبوا وسبوا، ثم فارقوها ومضوا مسرعين يطلبون خوارزم شاه، لأنهم لم يعرفوا له خبرا. فلم يمروا بقرية إلا أحرقوها وقتلوا أهلها وسبوا نساءهم وذريتهم، وتركوا كل ما مروا به قاعا صفصفا.
ثم قصدوا همذان، فلما قاربوها خرج رئيسها إليهم بالخيل والأموال والدواب والثياب وغير ذلك، وطلب الأمان لأهل البلد فآمنوهم، وتركوا
стр. 1315
بها لهم شحنة (١). ثم قصدوا زنجان (٢) [٨٦ ب] فملكوها وقتلوا فيها [خلقا (٣)]، ثم قصدوا قزوين، فاعتصم أهلها بمدينتهم فحاصروها [مدة (٤)] ثم هجموها [بالسيف (٥)]، واقتتلوا هم وأهل البلد في البلد بالسكاكين، فقتل من التتر وأهل البلد خلق كثير. فذكر أنه عد قتلى قزوين فكانوا أربعين ألفا، [ومن التتر ما لا يحصى (٦)].
ثم قصدوا إقليم أذربيجان وأهلكوا كل (٧) ما في طريقهم من القرى والمدن.
وكان صاحب أذربيجان مظفر الدين أزبك بن البهلوان أحد غلمان السلجوقيه، فلم يخرج اليهم لاشتغاله بالشرب واللهو، وإنما أرسل إليهم وصالحهم على مال وثياب ودواب حملها إليهم، فساروا إلى ساحل البحر؛ لأن البرد كان قد اشتد، فأرادوا أن يشتوا في أماكن قليلة البرد كثيرة المراعى. فوصلوا إلى موقان (٨)، ومروا في طريقهم بأطراف بلاد الكرج، فخرج إليهم نحو عشرة آلاف من الكرج، فقاتلوهم فانهزمت الكرج، وقتل أكثرهم. فأرسلت الكرج إلى أزبك صاحب أذربيجان يطلبون منه الصلح والأتفاق معهم على
стр. 1316
دفع التتر عن البلاد، ليجتمعوا إذا انحسر الشتاء. وكذلك راسلوا (١) الملك الأشرف بن الملك العادل. وظنوا جميعهم أن التتر يصبرون إلى زمن الربيع، فلم يفعلوا وساروا إلى بلد الكرج. وانضاف اليهم مملوك لأزبك يسمى آقوش، وجمع من المفسدين من أهل تلك الجبال من التركمان والأكراد وغيرهم، وساروا في مقدمة التتر إلى الكرج، ففتحوا حصنا من حصونهم، وخربوا البلاد ونهبوها، وقتلوا أهلها، وسبوا ما لا يحصى حتى قربوا من تفليس.
فخرجت إليهم جموع الكرج في حدها وحديدها، فلقيتهم التتر فيمن اجتمع إليهم واقتتلوا قتالا شديدا. فقتل من أصحاب آقوش خلق كثير، وأدركتهم التتر وقد تعبت الكرج من القتال، فانهزموا من التتر أقبح هزيمة، وركبتهم السيوف من كل جانب، فقتل منهم ما لا يحصى كثرة، وكان ذلك في ذى القعدة سنة سبع عشرة وستمائة.
ثم قصدوا في أوائل سنة ثمانى عشرة وستمائة توريز (٢)، فصانعهم أهلها بمال وثياب ودواب. فقصدوا مراغة وصاحبتها إمرأة مقيمة بقلعة رويندز (٣)، فنصبوا على مراغه المجانيق وحاصروها عدة أيام، وبين أيديهم أسارى المسلمين يزحفون إليها [٨٧ ا]، وهذه عادتهم أبدا في حروبهم. ثم ملكوا مراغه رابع صفر من السنة، ووضعوا السيف في أهلها، فقتلوا منهم ما لا يحصى كثرة، وأحرقوا البلد، ورمى الله تعالى الخذلان العظيم في المسلمين. فذكر
стр. 1317
أن إمرأة من التتر دخلت دارا وقتلت جماعة من أهلها [وأسرت الباقين (١)] وهم يظنون أنها رجل، ثم وضعت السلاح فعرف أنها إمرأة فقتلها بعض أسراها. وذكر أن رجلا من التتر دخل دربا فيه ما يزيد على مائة رجل، فقتلهم واحدا واحدا حتى أفناهم، لم يمد أحد يده إليه، لما ركبهم من الخذلان والمذلة.
ثم رحل التتر قاصدين بلاد إربل، ووصل خبرهم إلى الموصل، فهم أهلها بالهرب خوفا من السيف. فأرسل مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل إلى بدر الدين لؤلؤ يطلب منه نجدة. فسير إليه جمعا من العسكر، وأراد أن يمضى إلى أطراف البلاد ويحفظ المضايق لئلا يجوزوها، وهى مضايق لا يجوزها إلا الفارس بعد الفارس. ووصلت كتب الخليفة الناصر لدين الله ورسله إلى مظفر الدين [صاحب إربل (٢)] وبدر الدين [لؤلؤ صاحب الموصل (٣)] يأمرهم بالاجتماع مع عساكره بمدينة دقوقا (٤) ليمنعوا التتر، فإنهم ربما عدلوا عن جبال إربل لصعوبتها إلى هذه الناحية، ويتطرقون العراق. فسار مظفر الدين في عسكره وعسكر الموصل، وتبعهم من المطوعة خلق كثير. وأرسل الخليفة إلى الملك الأشرف يأمره بالحضور بنفسه في عساكره ليجتمع الجميع على قصد التتر. فاتفق في ذلك الوقت أن الملك المعظم صاحب دمشق وصل إلى الشرق، كما سنذكره، يطلب من أخيه الملك الأشرف أن يسير معه بنفسه إلى مصر ليستنقذوا ثغر دمياط من الفرنج. فاعتذر الملك الأشرف إلى الخليفة بأخيه الملك الكامل، وقوة الفرنج بالديار المصرية، فإنهم إن لم يتداركوها ملكت الفرنج مصر والشام، واستؤصلت بلاد الإسلام.
стр. 1318
ولما اجتمع مظفر الدين والعساكر بدقوقا، بعث الخليفة إليه مملوكه قشتمر، وهو أكبر أمراء الخليفة، ومعه نحو ثمان مائه فارس، فاجتمعوا هناك ليصل باقى عسكر الخليفة، والمقدم على الجميع مظفر الدين [٨٧ ب].
فلما رأى قلة العسكر لم يقدم على قصد التتر.
وحكى مظفر الدين [بن زين الدين صاحب إربل (١)] قال: «لما أرسل إلىّ الخليفة في معنى قصد التتر، قلت له إن العدو قوى وليس عندى من العسكر ما ألقاه به. فإن [اجتمع عندى] (٢) عشرة آلاف فارس، استنقذت به ما أخذوا من البلاد، فأمرنى بالمسير، ووعدنى بوصول العسكر. فلما سرت لم يحضر عندى سوى عدد لم يبلغوا ثمان مائة طواشى، فأقمت وما رأيت أننى أغرر بنفسى وبالمسلمين».
ولما سمعت التتر إجتماع العساكر لهم، رجعوا القهقرى ظنا منهم أن العساكر تتبعهم. فلما لم يروا أن أحدا يتبعهم، أقاموا وأقام العسكر الإسلامى عند دقوقا، فلما لم يروا أن أحدا يقصدهم، ولا المدد يأتيهم [من عند الخليفة (٣)] تفرقوا. فلما تفرقوا رحل التتر إلى همذان ونزلوا بالقرب منها، ولهم بها شحنة كما ذكرنا، فأرسلوا إليه يأمرونه ليأخذ من أهلها مالا وثيابا. وكان رئيس همذان شريفا علويا من بيت رياسة بهمذان، فلما طولب أهل همذان بالمال حضروا عند الرئيس المذكور، وعنده فقيه يؤثر إجتماع الكلمة على
стр. 1319
[مخالفة (١)] التتر [والعصيان عليهم (٢)] فقالوا: «هؤلاء الكفار قد أفنوا أموالنا، ولم يبق لنا ما نعطيهم، وقد هلكنا من أخذهم أموالنا وما يفعله النائب معنا من الهوان». فقال لهم الشريف: «إذا كنا نعجز عنهم فليس لنا إلا مصانعتهم بالأموال». فقالوا له: «أنت أشد علينا من الكفار». وأغلظوا له في القول، فقال [الشريف (٣)] «أنا واحد منكم فاصنعوا ما شئتم». فأشار الفقيه عليهم بإخراج شحنة التتر من البلد والأمتناع فيه، ومقاتلة التتر. فوثبت العامه على الشحنه فقتلوه وامتنعوا في البلد؛ فقصدتهم التتر، وزحفوا إلى البلد وحاصروه.
وقاتلهم أهله قتالا كثيرا، فقتل من التتر (٤) خلق كثير، وجرح ذلك الفقيه جراحات مثخنة [فمات منها (٥)]. وهرب الرئيس المذكور إلى قلعة قريبة من همذان حصينة، فامتنع بها [ومات بها عن مدة قليلة (٦)]. وبقى أهل البلد بلا رأس، إلا أنهم صبروا وقاتلوا [إلى أن غلبوا (٧)]. ودخل التتر البلد هجما، وبذلوا السيف فيه، وقاتلهم الناس في الدروب، فقتل من الفريقين ما لا يحصى، ولم يسلم من أهل البلد إلا من اختفى في نفق تحت الأرض [٨٨ ا].
وألقى التتر النار في البلد فأحرقوه. وكانت هذه الوقعة في رجب سنة ثمانى (٨) عشرة وستمائه.
ولما فرغ التتر من همذان ساروا إلى أذربيجان فوصلوا إلى أردويل (٩) فملكوها وقتلوا أهلها وأحرقوها. ثم ساروا إلى توريز، وقد قام بأمرها رجل يعرف
стр. 1320
بشمس الدين الطغرائى أحسن قيام، وجمع الكلمة وحصن البلد، وذلك بعد مفارقة مظفر الدين أزبك بن البهلوان صاحب إقليم أذربيجان لها، خوفا من التتر ومصيره إلى نقجوان (١).
ولما سمع التتر بقوة البلد وتحصينه، صالحوا شمس الدين الطغرائى على مال حمله إليهم، وقصدوا مدينة سراو (٢)، فقتلوا كل من فيها، ثم قصدوا بيلقان (٣)، وأحرقوا كل ما في طريقهم من البلاد وقتلوا وسبوا.
ولما وصلوا إلى بيلقان حصروها، فاستدعى أهل البلد منهم رسولا ليقرروا معه أمر الصلح، فأرسلوا إليهم رسولا من مقدميهم فقتله أهل البلد، فزحف (٤) التتر إلى البلد وملكوه في رمضان من السنة المذكورة. ولم يبقوا فيه على صغير ولا كبير، وبقروا بطون الحبالى، وقتلوا الأجنة، وفجروا بالنساء، ثم قتلوهن. وكان الواحد منهم يدخل إلى الدرب وفيه جماعة فيقتلهم كلهم وحده.
ثم ساروا إلى كنجة (٥) وهى كرسى مملكة أران، وعلموا بكثرة أهلها وشجاعتهم وحصانة بلدتهم، وأنهم لا يقدرون عليها، فطلبوا من أهل البلد
стр. 1321
مالا وثيابا فحمل ذلك إليهم. ثم قصدوا بلد الكرج، وكان الكرج (١) قد استعدوا لهم، وبعثوا إلى أطراف بلادهم جيشا كبيرا ليمنع التتر عنهم، فلقيتهم التتر فولّت الكرج منهزمين بين أيديهم وأخذهم السيف، فلم يسلم منهم إلا الشريد [الفريد (٢)]. فذكر أنه قتل منهم ثلاثون ألفا، ودخلوا بلاد الكرج يخربون وينهبون. فلما وصل المنهزمون إلى تفليس، وبها ملكهم، جمع جموعا أخرى وسيرهم إلى التتر، فعادوا ولم يلقوا التتر خوفا منهم، وأخلوا البلاد للتتر فخربوا كل مامروا به وأفنوا من فيه.
ولما رأى التتر كثرة المضايق والدربندات، لم يتجاسروا على الوغول فيها، وقد داخل (٣) الكرج منهم خوف شديد. ثم قصد التتر دربند شروان (٤) فقصدوا مدينة شماخى (٥) فحصروا أهلها، فصبر [٨٨ ب] أهلها على الحصر.
فجمع التتر كثيرا من البقر والغنم وجيف القتلى وغير ذلك، فألقوا بعضه على بعض، وصعدوا عليه فأشرفوا على السور والمدينة، وقاتلوا أهلها ثلاثة أيام، وانتنت تلك الجيف وانهضمت، فلم يبق للتتر على السور إستعلاء.
стр. 1322
فعاودوا (١) الزحف والقتال حتى كلّ أهل البلد وضعفوا عن القتال، ودخل التتر البلد فقتلوا وأكثروا ونهبوا.
ولما فرغوا منه عبروا دربند (٢) شروان لينفذوا منه إلى بلاد القفجاق من الترك، وبلاد اللان (٣)، وبلاد الروس وغيرهم من الأمم، فلم يقدروا على ذلك. فأرسلوا رسولا إلى شروان ملك الدربند، يطلبون منه رسولا يسعى في الصلح بينهم، فأرسل اليهم عشرة أنفس من أعيان أصحابه فقتلوا منهم واحدا وقالوا للباقين: «إن عرّفتمونا طريقا نعبر منه (٤) فلكم الأمان، وإلا قتلناكم كما قتلنا هذا». فدلّوهم على موضع ذكروا أنه أسهل الطرق.
فساروا وهم معهم حتى عبروا تلك الطريق، وتركوا الدربند وراءهم.
стр. 1323
ولما عبروا الدربند ساروا في تلك الأعمال، وبها أمم لا تحصى منهم (١):
اللان واللكز (٢) وطوائف من الترك، فنهبوا وقتلوا من اللكز كثيرا، وهم مسلمون وكفار، وأوقعوا بمن عداهم من أهل تلك البلاد. ثم قصدوا اللان، وهم أمم كثيرة ودينهم النصرانيه، وكان بلغهم خبرهم فحذروا، وجمعوا جمعا عظيما من القفجق، وقاتلوهم فلم تظفر إحدى الطائفتين بالأخرى.
فأرسلت التتر إلى قفجاق [يقولون (٣)]: «بأنا نحن وأنتم جنس واحد، واللان ليسوا منكم حتى تنصروهم، ولا دينكم مثل دينهم، ونحن نعاهدكم أنّا لا نتعرض لكم، ونحمل لكم من الأموال والثياب ما شئتم، وتتركون بيننا وبينهم». واستقر الأمر بينهم على مال وثياب يحملها التتر إليهم، فتخلوا عن اللان، وأوقعت التتر باللان فقتلوا منهم كثيرا ونهبوا وسبوا.
ثم عاد التتر إلى قفجاق، وهم آمنون متفرقون لما استقر بينهم من الصلح، فلم يشعروا بهم [القفجاق (٤)] إلا وقد طرقوهم ودخلوا بلادهم، وأوقعوا بهم وأخذوا منهم أضعاف ما حملوه إليهم. واعتصم بعضهم بالشعاب وبعضهم بالجبال، ولحق بعضهم ببلاد الروس، وأقام هؤلاء التتر ببلاد قفجاق؛ وهى أرض كثيرة المرعى في الشتاء [٨٩ ا] والصيف، وفيها أماكن باردة في الصيف كثيرة المرعى، وأماكن حارة في الشتاء كثيرة المرعى.
ووصلوا إلى مدينة سوداق (٥) - وهى مدينة قفجاق التي منها مادتهم وهى عند
стр. 1324
بحر متصل بخليج القسطنطينية (١) - فملكها التتر وتفرق أهلها؛ فبعضهم اعتصم بالجبال، وبعضهم ركب البحر وسار إلى بلاد السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو [سلطان سلاجقة الروم (٢)].
ثم سارت طائفة من هؤلاء [التتر (٣)] إلى بلاد الروس، وهى بلاد طويلة عريضة، يدين أهلها بالنصرانية. وكان وصول التتر اليها في سنة عشرين وستمائة. وسمع الروس ومن جاء إليهم من قفجاق خبرهم، فاستعدوا لقتالهم، فساروا ليلقوا التتر ويردوهم عن بلادهم. فعاد التتر لما بلغهم ذلك على أعقابهم، فطمعت الروس وقفجاق فيهم، وظنوا أن رجوعهم أنما كان خوفا منهم وعجزا عنهم، فاتبعوهم مسافة إثنى عشر يوما. ثم عطفت التتر عليهم، وقد أمنوا وتفرقوا لاستشعارهم القدرة على التتر، فلم يجتمعوا للقتال إلا وقد بلغت التتر منهم مبلغا عظيما. فصبرت الطائفتان وتقاتلوا قتالا لم يسمع بمثله عدة أيام. ثم هزمتهم التتر هزيمة عظيمة وأثخنوا فيهم القتل، فلم يسلم منهم إلا القليل، ومن سلم وصل إلى البلاد على أقبح صورة لبعد الشقه. وتبعهم التتر يقتلون ويخربون حتى خلت أكثر البلاد، واجتمع كثير من أعيان تجار الروس وغيرهم، وحملوا ماعز عليهم إلى بلاد السلطان علاء الدين.
ولما سمع أهل بلغار بقربهم منهم، كمنوا لهم في عدة مواضع، وخرجوا فقاتلوهم. واستجروهم إلى أن جاوزوا مواضع (٤) الكمناء، فخرجوا عليهم من وراء ظهورهم، وبقوا في الوسط، وأخذهم السيف من كل ناحية، فقتل أكثرهم وسلم الباقون.
стр. 1325
ثم أن هذه الطائفة [من التتر (١)] سارت إلى سقسين (٢) عائدين إلى ملكهم جنكزخان [فوصلوا إليه (٣)]. فهذه أخبار الطائفة التي يقال لها المغربة؛ وهى التي سارت غربى خراسان، وتوغلت في البلاد التوغل العظيم الهائل الذى لم يسمع قط أن طائفة من الأمم أو غلته وفعلت فيه فعل هؤلاء في هذه المدة القريبة.
وأما جنكزخان فإنه بعد أن سير هذه الطائفة قسم أصحابه عدة أقسام، فسير قسما [٨٩ ب] إلى بلد فرغانه ليملكوها، وسير قسما إلى ترمذ (٤)، وقسما إلى كلانه (٥) وهى قلعة حصينة إلى جانب نهر جيحون، فسارت كل طائفة إلى الجهة التي أمروا بقصدها ونازلوها واستولوا عليها، وفعلوا من القتل والسبى والنهب والتخريب مثل فعل أصحابهم.
ولما فرغوا من ذلك عادوا إلى جنكزخان وهو بسمرقند، فجهز جيشا عظيما وقدم أحد أولاده وبعثهم إلى خوارزم. وبعث جيشا آخر إلى خراسان، فعبروا جيحون وقصدوا بلخ وتسلموها بالأمان سنة سبع عشرة وستمائة، وجعلوا فيها شحنة ولم يتعرضوا لنهبها. وكذلك فعلوا ببلاد أخرى، وأخذوا رجال هذه البلاد ليقاتلوا بهم من امتنع عليهم. ثم وصلوا [إلى (٦)] الطالقان وهى ولاية تشتمل على عدة بلاد، وفيها قلعة حصينة يقال لها منصور كوه، لا ترام علوا وارتفاعا، وبها
стр. 1326
مقاتلة في غاية الشجاعة فحصروها ستة أشهر يقاتلون أهلها بالليل والنهار، فلم ينالوا منها غرضا فأرسلوا إلى جنكزخان يعرّفونه عجزهم عن ملك هذه القلعة لحصانتها وكثرة مقاتليها وشجاعتهم. فسار بنفسه بمن معه من جموعه فحصرها، ومعه خلق من المسلمين أسرى مكرهين على القتال، فأقام على حصارها أربعة أشهر أخرى وقتل من التتر عليها خلق كثير. ثم أمر [جنكزخان] (١) أن يجمع له من الحطب والأخشاب ما أمكن جمعه، وصاروا يعملون صفا من خشب وصفا من تراب. ولم يزالوا كذلك حتى صار تلا عاليا يوازى القلعة، وصعدت الرجالة (٢) فيه ونصبوا عليه منجنيقا فصار يرمى إلى وسط القلعة. فاجتمع من بها وفتحوا بابها وخرجوا وحملوا على التتر حملة واحدة، فسلمت الخيالة منهم ونجوا وسلكوا الجبال والشعاب، وقتلت الرجالة وملكت التتر القلعة، وسبوا النساء والأطفال ونهبوا الأموال.
ثم أن جنكزخان جمع رجال البلاد الذين أعطاهم الأمان كأهل بلخ وغيرهم، وسيرهم مع بعض أولاده إلى مدينة مرو، فوصلوا إليها وبها من المسلمين المقاتله ما يزيد على مائتى ألف رجل من جند وتجار وعرب وترك، وهم معسكرون بظاهر مرو عازمون على لقاء التتر [٩٠ ا]. فلما وصل التتر إليهم التقوا واقتتلوا قتالا شديدا، ثم انهزم المسلمون ووضع التتر السيف فيهم فلم يسلم منهم إلا القليل، ونهبت أموالهم وسلاحهم. ثم أرسل التتر إلى ما حولهم من البلاد ليأتيه رجال أهلها، فلما اجتمعوا عنده زحفوا إلى مرو وجدوا في حصارها أربعة أيام، وقد ضعفت قلوب أهل مرو لانكسار عسكرهم.
стр. 1327
ولما كان اليوم الخامس أرسل التتر إلى المقدم الذى في البلد يقولون له:
«لا تهلك نفسك وأهل البلد، واخرج إلينا فنحن نجعلك أمير هذه البلده (١)، ونرحل عنك.» فأرسل ذلك المقدم يطلب الأمان لنفسه ولأهل البلد (٢) فأمنوهم، فخرج فخلع عليه ابن جنكزخان وقال له: «أريد أن تعرض علىّ أصحابك حتى ننظر من يصلح لخدمتنا استخدمناه، وأعطيناه إقطاعا». فلما حضروا عنده وتمكن منهم، قبض عليهم وعلى أميرهم.
ولما فرغ من قبضهم أمر أن يكتبوا له تجار البلد ورؤسائه وأرباب الأموال في جريدة (٣)، وأرباب الحرف والصناعات في جريدة أخرى، ففعلوا ما أمرهم به. ولما وقف على النسخ أمر بأن يخرج أهل البلد بأهلهم وأموالهم، فخرجوا كلهم إليه، فجلس على كرسى من ذهب، وأمر بحضور الأجناد الذين أمر بالقبض عليهم، وأن تضرب أعناقهم، ففعل ذلك والناس ينظرون إليهم ويبكون. ثم قسم رجال العامة ونسائهم وولدانهم وأموالهم، وكان يوما مشهودا من كثرة الصراخ والبكاء والعويل. وأمر بضرب أرباب الأموال وتعذيبهم بأنواع العقوبات حتى استصفى ما معهم. ثم أمر بإحراق البلد [فأحرق جميعه وأحرقت (٤)] تربة السلطان سنجر بن ملكشاه، ظنا من التتر أن
стр. 1328
فيها مالا، وبقى الأمر كذلك ثلاثة أيام. وفى اليوم الرابع أمر بقتل أهل البلد كافة، فأحصيت القتلى فكانوا نحو سبعمائة ألف قتيل.
ثم ساروا إلى نيسابور فحصروها خمسة أيام وبها جمع [كثير (١)] من العسكر الأسلامى، فلم يكن لهم بالتتر قوة، وملكت التتر البلد، وأخرجوا أهله إلى الصحراء فقتلوهم، وسبوا حريمهم، وعاقبوا من اتهموه بالمال. وأقاموا بها خمسة عشر يوما يخربون، وينبشون المنازل عن المال. ثم سيروا طائفة إلى طوس وفعلوا بها كذلك [٩٠ ب]. وخربوا المشهد الذى فيه على بن موسى الرضى (٢) ﵉، وفيه قبر هارون الرشيد.
ثم ساروا إلى هراة (٣)، وهى من أحسن البلاد، فحصروها عشرة أيام ثم ملكوها وأمنوا أهلها، وقتلوا منهم البعض وتركوا عند الباقين شحنة.
ثم ساروا إلى غزنة فلقيهم السلطان جلال الدين منكبرتى بن السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه فكسرهم - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. [فوثب أهل هراة حينئذ على شحنة التتر فقتلوه، فلما عاد المنهزمون عنه دخلوا البلد عنوة، وقتلوا كل من فيه، وسبوا الحريم، وخرقوا البلد وأحرقوه، وعادوا إلى جنكزخان وهو بالطالقان يرسل التتر إلى جميع بلاد خراسان يخربون وينهبون ويقتلون. وكل هذا كان سنة سبع عشرة وستمائة] (٤).
стр. 1329
وأما السرية التي سيرها جنكزخان إلى مدينة خوارزم (١)، فإنها كانت أعظم السرايا لعظم البلد. فوصلوا إليها وبها عسكر ورجال شجعان من أهل البلد، فحصروها خمسة أشهر، وقتل من الفريقين خلق كثير، إلا أن القتل في التتر [كان (٢)] أكثر لاحتماء المسلمين بالسور. فاستمد التتر ملكهم جنكزخان فأمدهم بخلق كثير، فزحفوا إلى البلد زحفا متتابعا، فملكوا طرفا من البلد. فاجتمع أهل البلد وقاتلوهم في الموضع الذى ملكوه، فلم يقدروا على إزاحتهم عنه، ولم يزالوا يقاتلونهم والتتر يملكون محلّة (٣) بعد محلة، وكلما ملكوا محلة قاتلهم المسلمون من المحلة التي تليهم، وكان النساء والصبيان يقاتلون مع الرجال.
ولم يزالوا كذلك حتى ملكوا البلد جميعه، وقتلوا كل من فيه، ونهبوه، ثم فتحوا الجسر الذى كان يمنع ماء جيحون عن ركوب البلد، فدخله الماء، وغرق البلد جميعه، وتهدمت أبنيته وبقى لجة ماء. ولما فرغ التتر من ملك خراسان وعادوا إلى ملكهم، جهز جيشا كثيفا وسيره إلى غزنة.
ذكر ما جرى بين جلال الدين خوارزم شاه وبين
التتر من الحروب ثم توجهه إلى بلاد الهند
وكان جلال الدين منكبرتى بن علاء الدين خوارزم شاه مقيما بغزنة وعنده [٩١ ا] من سلم من عسكر أبيه خوارزم شاه، وكانوا ستين ألفا، وكان العسكر الذى سيره جنكزخان إلى غزنة [نحو (٤)] إثنى عشر ألفا. فلما وصلوا إلى أعمال
стр. 1330
غزنة خرج إليهم جلال الدين مع العسكر [الذى كان (١)] عنده، ووقع المصاف بمكان يعرف ببلق (٢). واقتتل الفريقان قتالا شديدا، فنصر الله تعالى المسلمين، وانهزم التتر، وقتلهم المسلمون كيف شاؤا. وعاد المنهزمون الذين سلموا إلى جنكزخان، فسير جنكزخان عسكرا أكثر من الأول مع بعض أولاده، فوصل إلى كابل، فتوجه العسكر الأسلامى إليه [مع جلال الدين (٣)]. ووقع المصاف، واقتتلوا قتالا عظيما، فانهزم التتر هزيمة ثانية، وقتل منهم خلق [عظيم (٤)]، وغنم المسلمون أموالهم وكانت عظيمة، وكان معهم من أسرى المسلمين خلق [عظيم (٥)] فخلصوا من الأسر.
ثم [بعد ذلك (٦)] جرت بين المسلمين فتنة لأجل قسمة الغنائم، لما يريده الله تعالى من بوار الأسلام. وحديث هذه الفتنة (٧) أن أميرا منهم يقال له سيف الدين بغراق، تركى من الخلج (٨)، وكان شجاعا مقداما، ذا رأى في الحرب ومكيدة، وكان اصطلى حرب التتر بنفسه، وقع بينه وبين أمير آخر يقال له ملك خان - بينه وبين السلطان جلال الدين نسب - خلف في الغنيمة، واقتتلوا فقتل بينهم أخ لبغراق، فقال بغراق: «أنا أهزم الكفار ويقتل أخى لأجل هذا السحت». فغضب وفارق العسكر وسار إلى الهند، ومعه من العسكر ثلاثون ألفا كلهم يريده. واستعطفه جلال الدين بكل طريق، وسار بنفسه إليه، وذكّره الجهاد، وخوفه من الله تعالى، وبكى بين يديه، فلم يرجع
стр. 1331
وسار مغاضبا. فبينما هم كذلك (١) إذ ورد الخبر بوصول جنكزخان في جموعه.
فلما رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر، لم يقدر على المقام، فسار نحو بلاد الهند، فوصل إلى ماء السند، وهو نهر كبير، فلم يجد من السفن ما يعبر فيه. وكان جنكزخان يقتص أثره مسرعا، فلم يتمكن جلال الدين من العبور حتى أدركه جنكزخان في التتر، فتصافوا للقتال، واقتتلوا قتالا كثيرا [٩١ ب] حتى قيل أن ما مضى من الحروب قبله كان لعبا بالنسبة إليه. ودام هذا القتال ثلاثة أيام، وقتل من الفريقين خلق كثير، وممن قتل فيه ملك خان المقدم ذكره، وكان القتل في التتر أكثر والجراح أعظم، فرجع التتر وأبعدوا ونزلوا [على بعد (٢)].
ولما رأى المسلمون أنه لا مدد لهم، وأنهم لا يزدادوا إلا ضعفا، أرسلوا يطلبون السفن فوصلت إليهم فعبروا بها ذلك النهر. ولم يعلموا بما أصاب التتر من الجراح والقتل، ولو علموا بذلك لرجعوا إليهم، وكانوا ربما انتصروا عليهم، لكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. ولما عبر جلال الدين النهر ومن معه [من العساكر (٣)] وتوجهوا إلى الهند، قدم التتر إلى غزنة، وملكوها لوقتها لخلوها عن من يحامى عنها، وقتلوا [أهلها (٤)] ونهبوا وسبوا الحريم، ولم يبقوا على أحد. ثم أحرقوها فأصبحت ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (٥)﴾».
стр. 1332
فهذا خبر هؤلاء القوم في مبدأ أمرهم، وسنذكر - إن شاء الله تعالى - بعد ذلك ما تجدد من أخبارهم. وقد لخصت حديثهم بقدر الأمكان، ولو أتيت به على وجهه لملأت به مجلدات. ولم يجر في زمن الأسلام قبل هؤلاء - بل أقول ولا قبل الإسلام - نظير ما جرى لهؤلاء، فإنهم استأصلوا أكثر المعمورة من البلاد في مدة قريبة جدا. والأسكندر إنما ملك البلاد في نحو أربع عشرة سنة، ولم يسلك مسلك هؤلاء [القوم (١)]، وإنما كان يصل أهل كل مملكة بالعدل والأحسان. وهؤلاء ملكوا بسفك الدماء، وتخريب البلاد وقتل الأنفس، فالله المستعان وإليه الرغبة في أن ينصر المسلمين عليهم، ويقضى باستئصالهم واصطلامهم بالكلية، كما ورد في الخبر عن النبى ﷺ ، فإنه ورد أن لهم ثلاث سياقات؛ في الأولى يلحقون المسلمين بجزيرة العرب، وفى الثانية يقتل بعض ويسلم بعض؛ وفى الثالثة يصطلمون [فلا تقوم لهم قائمة بعدها (٢)].
ولنرجع إلى ذكر بقية الحوادث الحادثة في السنة التي انتهينا إلى ذكرها.
ذكر بقية حوادث سنة ست عشرة وستمائة
[٩٢ ا] في هذه السنة تقدم الملك المنصور صاحب حماة بتحليف أهل بلده لولده الملك المظفر تقى الدين محمود. وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة لأن مولده، كما قدمنا [ذكره (٣)] سنة تسع وتسعين وخمس مائة. فكتب والدى ﵀ نسخة اليمين (٤)، واستحلف الناس له بولاية العهد عن والده. ثم تقدم الملك المنصور إلى ولده الملك المظفر بالمضى إلى الديار المصرية، لإنجاد خاله الملك الكامل على الفرنج. وضم إليه جماعة من العسكر، وأصحبه
стр. 1333
الطواشى شجاع الدين مرشد المنصورى. ولما ودّعه والده الملك المنصور أنشده بيتين من نظمه (١) هما:
ومنك قد فارقت منّى مهجة ... خطيرة أمسيت منها في خطر
ايدك الله بنصركى أرى ... وجهك قد وافى منيرا بالظفر
ولما وصل الملك المظفر إلى العسكر الكاملى التقاه الملك الكامل أحسن تلق وأنزله في ميمنة عسكره، وهى منزلة أبيه وجده في الأيام الناصرية الصلاحية. وبعد سفر الملك المظفر إلى مصر، توفيت والدته ملكه خاتون بنت الملك العادل، وحزن عليها زوجها الملك المنصور حزنا عظيما، ولبس الحداد، وأمر بصعود أكابر حماة إلى القلعة للصلاة عليها، فصلوا عليها وأمّ بهم والدى ﵀ وحضرت معه يومئذ وعمرى نحو أثنتى عشرة سنة.
ثم عمل السلطان ﵀ عزاها (٢) بالمدرسة المنصورية (٣) ظاهر حماة. ورأيته وهو جالس يمنة المحراب وهو مكتئب حزين وهو لابس الحداد، ثوب أزرق وعمامة زرقاء، وإلى جانبه أولاده الملك الناصر قلج أرسلان وأخوته وعليهم كلهم الحداد. وقرأت القراء بين يديه، ووعظت الوعاظ، وانشدت الشعراء المراثى. وكان اقترح له أن تنظم المراثى على وزن قصيدة أبى [العلاء (٤)] المعرى ورويتها التي مطلعها:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السّمر ... لعل بالجزع أعوانا على السّهر (٥)
стр. 1334
فعمل جماعة من الشعراء قصائد على هذا الوزن والروى، وأجود قصيدة [٩٢ ب] عملت قصيدة حسام الدين خشترين بن تليل (١)، وهو جندى كردى وكان شاعرا مجيدا، غير أنه كان ألكن لحانا، وإذا نظم أجاد وأحسن. ووصف لبس السلطان الحداد، وأبدع في المعنى، والقصيدة مطلعها:
الطرف في لجة والقلب في سعر ... له دخان زفير طار (٢) بالشرر
ظللت ما بين إنكار ومعرفة ... أقلب الطرف بين الخبر والخبر
حتى رأيت نجوما أطلعت شفقا ... على شموس وجوه في دجى شعر
من كل بيضاء خود خلتها جمدت ... من السكينة أو ذابت من الخفر
ما كنت أعلم أن الخطب متصل ... بأفضل الناس من أنثى ومن ذكر
أباد ألفا من الدنيا بواحدة ... شلّت يداه فما أمضاه في العير (٣)
فليفعل الدهر بى ما شاء بعدهم ... ها قد أمنت فلا ألوى على حذر
فقل لمن راح يرجو طيف من ظعنوا ... لمّا غدا الطرف موقوفا على السّهر
ناشدتك الله لا تنسى الوداد فقد ... بانت سعاد وهذا آخر الخبر
لم يبق للخلق قلب بعد ما ظعنت ... إلا وفيه لها بيت من الفكر
ومنها
في وصف لبس السلطان الحداد
ما كنت أعلم أن الشمس قد غربت ... حتى رأيت الدجى ملقى على القمر
стр. 1335
ومنها
قل للغزالة أىّ الروع (١) نّفرها ... ودونها أسد وقف على الحذر
ملك على كل خطب جلّ أصغره ... على الورى قادر (٢) إلا على القدر
لو كان من مات يفدى قبلها لفدى ... أمّ المظفّر آلاف من البشر
وراح من دونها للطعن أسد شرى (٣) ... على خيول لديها نزوة النّمر (٤)
صيد إذا شهروا أسيافهم كتبوا ... بها حروفا على الهامات في سطر
ومنها
أين التبابعة الصّيد الألى هدروا ... من الملوك نجيعا غير منهدر
أين البهاليل من غسان يقدمها ... على الجياد ذو والتيجان من مضر
أين المظّفر من كانت (٥) عزائمه ... في مأزق الحرب لا تلوى على خور
فكم له ضربة في الهام هائمة ... وكم له ثغرة بالطعن في الثغر
وأين أولاد أيوب الذين لهم ... مواقف أوقفت (٦) عكا على الغير
وكم جرت دون صور من صوارمهم ... جرد الجياد على أرض من الصّور
كأنهم ما بدت في ليل عثيرهم (٧) ... نجوم سمر ولا برق من البتر (٨)
ولا أتتهم ظهور الخيل حاملة ... ليوث غيل لها الغابات من سمر
يبادرون إلى الأعداء سمرهم ... يوم الوغى، وإلى القصّاد بالبدر
جمال ذى (٩) الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير