وسار مغاضبا. فبينما هم كذلك (١) إذ ورد الخبر بوصول جنكزخان في جموعه.
فلما رأى جلال الدين ضعف المسلمين لأجل من فارقهم من العسكر، لم يقدر على المقام، فسار نحو بلاد الهند، فوصل إلى ماء السند، وهو نهر كبير، فلم يجد من السفن ما يعبر فيه. وكان جنكزخان يقتص أثره مسرعا، فلم يتمكن جلال الدين من العبور حتى أدركه جنكزخان في التتر، فتصافوا للقتال، واقتتلوا قتالا كثيرا [٩١ ب] حتى قيل أن ما مضى من الحروب قبله كان لعبا بالنسبة إليه. ودام هذا القتال ثلاثة أيام، وقتل من الفريقين خلق كثير، وممن قتل فيه ملك خان المقدم ذكره، وكان القتل في التتر أكثر والجراح أعظم، فرجع التتر وأبعدوا ونزلوا [على بعد (٢)].
ولما رأى المسلمون أنه لا مدد لهم، وأنهم لا يزدادوا إلا ضعفا، أرسلوا يطلبون السفن فوصلت إليهم فعبروا بها ذلك النهر. ولم يعلموا بما أصاب التتر من الجراح والقتل، ولو علموا بذلك لرجعوا إليهم، وكانوا ربما انتصروا عليهم، لكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. ولما عبر جلال الدين النهر ومن معه [من العساكر (٣)] وتوجهوا إلى الهند، قدم التتر إلى غزنة، وملكوها لوقتها لخلوها عن من يحامى عنها، وقتلوا [أهلها (٤)] ونهبوا وسبوا الحريم، ولم يبقوا على أحد. ثم أحرقوها فأصبحت ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ (٥)﴾».
стр. 1332
فهذا خبر هؤلاء القوم في مبدأ أمرهم، وسنذكر - إن شاء الله تعالى - بعد ذلك ما تجدد من أخبارهم. وقد لخصت حديثهم بقدر الأمكان، ولو أتيت به على وجهه لملأت به مجلدات. ولم يجر في زمن الأسلام قبل هؤلاء - بل أقول ولا قبل الإسلام - نظير ما جرى لهؤلاء، فإنهم استأصلوا أكثر المعمورة من البلاد في مدة قريبة جدا. والأسكندر إنما ملك البلاد في نحو أربع عشرة سنة، ولم يسلك مسلك هؤلاء [القوم (١)]، وإنما كان يصل أهل كل مملكة بالعدل والأحسان. وهؤلاء ملكوا بسفك الدماء، وتخريب البلاد وقتل الأنفس، فالله المستعان وإليه الرغبة في أن ينصر المسلمين عليهم، ويقضى باستئصالهم واصطلامهم بالكلية، كما ورد في الخبر عن النبى ﷺ ، فإنه ورد أن لهم ثلاث سياقات؛ في الأولى يلحقون المسلمين بجزيرة العرب، وفى الثانية يقتل بعض ويسلم بعض؛ وفى الثالثة يصطلمون [فلا تقوم لهم قائمة بعدها (٢)].
ولنرجع إلى ذكر بقية الحوادث الحادثة في السنة التي انتهينا إلى ذكرها.
ذكر بقية حوادث سنة ست عشرة وستمائة
[٩٢ ا] في هذه السنة تقدم الملك المنصور صاحب حماة بتحليف أهل بلده لولده الملك المظفر تقى الدين محمود. وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة لأن مولده، كما قدمنا [ذكره (٣)] سنة تسع وتسعين وخمس مائة. فكتب والدى ﵀ نسخة اليمين (٤)، واستحلف الناس له بولاية العهد عن والده. ثم تقدم الملك المنصور إلى ولده الملك المظفر بالمضى إلى الديار المصرية، لإنجاد خاله الملك الكامل على الفرنج. وضم إليه جماعة من العسكر، وأصحبه
стр. 1333
الطواشى شجاع الدين مرشد المنصورى. ولما ودّعه والده الملك المنصور أنشده بيتين من نظمه (١) هما:
ومنك قد فارقت منّى مهجة ... خطيرة أمسيت منها في خطر
ايدك الله بنصركى أرى ... وجهك قد وافى منيرا بالظفر
ولما وصل الملك المظفر إلى العسكر الكاملى التقاه الملك الكامل أحسن تلق وأنزله في ميمنة عسكره، وهى منزلة أبيه وجده في الأيام الناصرية الصلاحية. وبعد سفر الملك المظفر إلى مصر، توفيت والدته ملكه خاتون بنت الملك العادل، وحزن عليها زوجها الملك المنصور حزنا عظيما، ولبس الحداد، وأمر بصعود أكابر حماة إلى القلعة للصلاة عليها، فصلوا عليها وأمّ بهم والدى ﵀ وحضرت معه يومئذ وعمرى نحو أثنتى عشرة سنة.
ثم عمل السلطان ﵀ عزاها (٢) بالمدرسة المنصورية (٣) ظاهر حماة. ورأيته وهو جالس يمنة المحراب وهو مكتئب حزين وهو لابس الحداد، ثوب أزرق وعمامة زرقاء، وإلى جانبه أولاده الملك الناصر قلج أرسلان وأخوته وعليهم كلهم الحداد. وقرأت القراء بين يديه، ووعظت الوعاظ، وانشدت الشعراء المراثى. وكان اقترح له أن تنظم المراثى على وزن قصيدة أبى [العلاء (٤)] المعرى ورويتها التي مطلعها:
يا ساهر البرق أيقظ راقد السّمر ... لعل بالجزع أعوانا على السّهر (٥)
стр. 1334
فعمل جماعة من الشعراء قصائد على هذا الوزن والروى، وأجود قصيدة [٩٢ ب] عملت قصيدة حسام الدين خشترين بن تليل (١)، وهو جندى كردى وكان شاعرا مجيدا، غير أنه كان ألكن لحانا، وإذا نظم أجاد وأحسن. ووصف لبس السلطان الحداد، وأبدع في المعنى، والقصيدة مطلعها:
الطرف في لجة والقلب في سعر ... له دخان زفير طار (٢) بالشرر
ظللت ما بين إنكار ومعرفة ... أقلب الطرف بين الخبر والخبر
حتى رأيت نجوما أطلعت شفقا ... على شموس وجوه في دجى شعر
من كل بيضاء خود خلتها جمدت ... من السكينة أو ذابت من الخفر
ما كنت أعلم أن الخطب متصل ... بأفضل الناس من أنثى ومن ذكر
أباد ألفا من الدنيا بواحدة ... شلّت يداه فما أمضاه في العير (٣)
فليفعل الدهر بى ما شاء بعدهم ... ها قد أمنت فلا ألوى على حذر
فقل لمن راح يرجو طيف من ظعنوا ... لمّا غدا الطرف موقوفا على السّهر
ناشدتك الله لا تنسى الوداد فقد ... بانت سعاد وهذا آخر الخبر
لم يبق للخلق قلب بعد ما ظعنت ... إلا وفيه لها بيت من الفكر
ومنها
في وصف لبس السلطان الحداد
ما كنت أعلم أن الشمس قد غربت ... حتى رأيت الدجى ملقى على القمر
стр. 1335
ومنها
قل للغزالة أىّ الروع (١) نّفرها ... ودونها أسد وقف على الحذر
ملك على كل خطب جلّ أصغره ... على الورى قادر (٢) إلا على القدر
لو كان من مات يفدى قبلها لفدى ... أمّ المظفّر آلاف من البشر
وراح من دونها للطعن أسد شرى (٣) ... على خيول لديها نزوة النّمر (٤)
صيد إذا شهروا أسيافهم كتبوا ... بها حروفا على الهامات في سطر
ومنها
أين التبابعة الصّيد الألى هدروا ... من الملوك نجيعا غير منهدر
أين البهاليل من غسان يقدمها ... على الجياد ذو والتيجان من مضر
أين المظّفر من كانت (٥) عزائمه ... في مأزق الحرب لا تلوى على خور
فكم له ضربة في الهام هائمة ... وكم له ثغرة بالطعن في الثغر
وأين أولاد أيوب الذين لهم ... مواقف أوقفت (٦) عكا على الغير
وكم جرت دون صور من صوارمهم ... جرد الجياد على أرض من الصّور
كأنهم ما بدت في ليل عثيرهم (٧) ... نجوم سمر ولا برق من البتر (٨)
ولا أتتهم ظهور الخيل حاملة ... ليوث غيل لها الغابات من سمر
يبادرون إلى الأعداء سمرهم ... يوم الوغى، وإلى القصّاد بالبدر
جمال ذى (٩) الأرض كانوا في الحياة وهم ... بعد الممات جمال الكتب والسير
стр. 1336
ومنها
يا ناصر الدين خذها بنت ذى أدب ... جاءتك ترفل في وشى وفى حبر
من البسيط تهادى بعد ما كملت ... راح الطويل لها في غاية القصر
واسلم فأنت الذى في تاجه قمر ... ما زال يشرق بين النصر والظفر
لا زال ربعك يا منصور مبتسما ... منزّها بعدها من عابس الغير
وللملك المنصور زوجها في رثائها عدة قصائد، من ذلك قصيدة مطلعها:
دموع كالغيوث (١) الهاطلات ... لماض من [كآباتى وآتى (٢)]
ولوعات على لها إحتكام ... يرق لها ملام اللائمات
على من في الضريح لها أنيس ... صلاة واصلتها بالصلات
أيا من وجهها عندى عزيز ... ويا من موتها أوهى حياتى
سلام الله كل صباح يوم ... على تلك العظام الباليات
أساكنة اللحود عليك منى ... دموع دونها ماء الفرات
لقد كانت بك الساعات تزهو ... لعينى كالنجوم الزاهرات
وفقدك صير الأيام عندى ... لبعدك كالليالى الحالكات
وكنت بعصمة الدين المهنى ... بعصمتها العلية عن صفات
[٩٣ ب] فصرت بها المعزى (٣) من جميع ال ... ـجهات فيا حياتى من حياتى
ولم أك للحداد (٤) أخا لباس ... يعين على صروف النائبات
ولكنى أذبت سواد عينى ... فسال مع الدموع السائلات
стр. 1337
ومنها
وها أنا منك في أصفاد حزن ... لغير سماع نوح (١) لا أو اتى
وأبكى كلما غنّى حمام ... وأندب (٢) في العشيّة والغداة
وتبكى الصالحات عليك حزنا ... بكاء الأمّهات على البنات
فلا كنّ الليالى إذ أرتنى ... سراك إلى ذراك بلا أناه (٣)
ولا كان الحمام فكل شمل ... به متجرع كأس الستات
стр. 1338
ودخلت سنة سبع عشرة وستمائة
والفرنج متملكون ثغر دمياط، والسلطان الملك الكامل مستقر في المنصورة، مرابط لجهاد الفرنج، ورسله متواصلة إلى الملوك لاستدعاء النجد، وأخوه الملك الأشرف [موسى بن الملك العادل (١)] نازل في حران، وعماد الدين أحمد ابن المشطوب في إقطاعه الذى أقطعه إياه الملك الأشرف، وهو رأس عين - كما قدمنا ذكره (٢). وكنا ذكرنا ما جرى من إنتقاض الصلح بين مظفر الدين ابن زين الدين صاحب إربل، وبدر الدين [لؤلؤ (٣)] صاحب الموصل (٤). فراسل مظفر الدين الذين مع الملك الأشرف يستميلهم إليه، ويفسدهم على الملك الأشرف. وكاتب ملوك الأطراف يحسن لهم الخروج عليه. وكاتب صاحب ماردين، وصاحب آمد واستمالهما إليه. وإنما فعل ذلك بسبب قيام الملك الأشرف بنصرة بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وكونه ندب عنه. وكان ممن أجاب مظفر الدين إلى ما طلب من الأمراء، عماد الدين بن المشطوب، لما في نفسه من الغدر والفساد. ووافقه على ذلك عز الدين محمد بن بدر الحميدى وغيرهما. وجمع جمعا كثيرا من الأكراد والمفسدين.
стр. 1339
ذكر خروج ابن المشطوب على الملك الأشرف
ثم انتصار الملك الأشرف عليه واعتقاله
[٩٤ ا] ولما جرى ما ذكرنا من اجتماع صاحب ماردين، وصاحب آمد، وابن المشطوب، ومن وافقه من الأمراء على الملك الأشرف، نزل عماد الدين ومن وافقه من الأمراء والمفسدين بدنيسر (١) تحت ماردين ليجتمعوا مع صاحب آمد، وصاحب ماردين ويتفقوا كلهم على منع الأشرف من نصرته لصاحب الموصل.
فلما اجتمعوا هناك، رجّع صاحب آمد الملك الصالح عن موافقتهم، ومال إلى الملك الأشرف، واستقر الصلح بينهما وأعطاه الملك الأشرف حانى (٢) وجبل جور (٣)، وضمن له أخذ دارا (٤) وتسليمها إليه.
ولما جرى هذا [الأمر (٥)] انحل أمرهم، واضطر بعض تلك الأمراء إلى الرجوع إلى طاعة الملك الأشرف. وبقى عماد الدين بن المشطوب في جمع قليل، فسار إلى نصيبين ليسير منها إلى إربل، ويجتمع مع مظفر الدين صاحب إربل. فقصده والى نصيبين ابن صبرة في جمع [قليل (٦)] من عسكر الملك الأشرف واقتتلوا، فانهزم عماد الدين، وتفرق عنه من كان معه من الجند.
ومضى منهزما فاجتاز بطرف بلد سنجار، فسير إليه فروخ شاه محمود بن
стр. 1340
قطب الدين صاحبها عسكرا، وكان موافقا للملك الأشرف، فأخذوه أسيرا وحملوه إلى سنجار. فلما صار عنده حسن له موافقة مظفر الدين ومخالفة الملك الأشرف والخروج عليه وعلى بدر الدين لؤلؤ، فأجابه إلى ذلك.
وأرسل الملك الأشرف إلى صاحب سنجار يستدعى منه إنفاذ عماد الدين [أحمد بن المشطوب (١)] إليه، فامتنع من ذلك. وأطلق عماد الدين فانضم إليه جمع كثير من المفسدين، فقصد بهم البقعاء (٢) من أعمال الموصل، ونهبوا عدة قرى، وعاد بهم إلى سنجار. ثم سار بهم إلى تليعفر، وهى لصاحب سنجار، ليقصد بلد الموصل، وينهب تلك الناحية. وبلغ خبره بدر الدين لؤلؤ، فسير إليه عسكرا من الموصل فقاتلوه، فمضى منهزما وصعد [عماد الدين بن المشطوب (٣)] إلى تليعفر واحتمى بها، فنازلوه وحاصروه بها [فلم يقدروا عليه (٤)].
ثم سار إليه بدر الدين لؤلؤ من الموصل يوم الثلاثاء لتسع (٥) بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة، وجدّ في حصره والزحف اليها مرة بعد أخرى، فنزل إليه بالأمان فأكرمه [بدر الدين لؤلؤ (٦)] وقدم له تقدمة، واستصحبه معه إلى الموصل. ولما دخل مع بدر الدين الموصل فرح الناس به، ودعوا له لمحبتهم له.
وفى اليوم الثالث [٩٤ ب] من دخول بدر الدين الموصل قبض عليه، وغدر به وحبسه، وسير إلى الملك الأشرف يعرفه ذلك، ففرح بذلك وشكره عليه.
стр. 1341
ذكر إستيلاء الملك الأشرف على سنجار
ثم رحل الملك الأشرف من حران إلى دنيسر واستولى عليها وعلى بلد ماردين؛ لميل صاحب ماردين الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن أيلغازى الأرتقى إلى مظفر الدين صاحب إربل. وشحن (١) على البلاد، وأقطعها. ثم ترددت الرسل بين الملك الأشرف والملك المنصور صاحب ماردين.
وحضر الملك الصالح نور الدين محمود بن محمد الأرتقى (٢) صاحب آمد عند الملك الأشرف، فوقع الصلح بين الملك الأشرف وصاحب ماردين [على أن تكون رأس العين للملك الأشرف؛ وكانت قبل ذلك لصاحب ماردين، فأخذها منه الملك الأشرف وأقطعها لابن المشطوب كما ذكرنا (٣)]، وعلى أن يكون لصاحب آمد الموزّر (٤)، ويحمل صاحب ماردين للملك الأشرف ثلاثين ألف دينار (٥).
ثم سار الملك الأشرف إلى نصيبين يريد الموصل، [فوقع في قلب صاحب سنجار خوف من الملك الأشرف لأجل أنه لم يسلم إليه عماد الدين بن المشطوب لما كان عنده، فأرسل إلى الملك الأشرف (٦)] محمود فروخشاه بن قطب الدين، صاحب سنجار، يطلب منه الرقة، على أن يسلم إليه سنجار.
стр. 1342
فأجاب الملك الأشرف إلى ذلك، وتسلم سّنجار وسلم الرقة إلى ابن قطب الدين.
وكانت هذه الواقعة من جملة سعادة الملك الأشرف الخارقة. فإن أباه الملك العادل كان نازلها في جميع (١) ملوك أهل بيته ما خلا الملك الظاهر. وكانت معه نجدته، وجدّ في قتالها ومضايقتها المدة المتطاولة، فلم ينل منها غرضا، وأخذها الملك الأشرف عفوا بلا تعب.
وكان السبب فيما فعله محمود بن قطب الدين [ما قدمنا ذكره من الخوف من الملك الأشرف وأيضا من ثقاته ونصحائه لأنه كان كثير التهدد لهم (٢)]، فطلبوا التغدى به قبل أن يتعشى بهم. فخاف منهم فراسل الملك الأشرف في النزول عنها، وتسليمها [إليه (٣)] فأجيب إلى ذلك، وسلّم سنجار، وتسلم ابن قطب الدين الرقة، وذلك في مستهل جمادى الأولى من هذه السنة [وهى سنة سبعة عشر وستمائه (٤)]. ثم أخذ الملك الأشرف الرقة بعد ذلك، وعاقب الله تعالى محمودا بن قطب الدين [صاحب سنجار (٥)] بقطع رحمه وقتله (٦) أخاه شاهان شاه. ومحمود هذا آخر ملوك البيت الاتابكى بسنجار. [٩٥ ا] واجتمع للملك الأشرف بلاد خلاط، وبلاد الجزيرة وسنجار.
стр. 1343
ذكر وصول الملك الأشرف إلى الموصل واستقرار
الصلح مع مظفر الدين [صاحب إربل (١)]
ولما ملك الملك الأشرف سنجار سار يريد الموصل، وقدم بين يديه العساكر، فكان يصل كل يوم [إلى الموصل (٢)] جمع كثير، ثم وصل هو في آخرهم تاسع عشر جمادى الأولى (٣) من السنة. وكان يوم وصوله اليها يوما مشهودا.
ووردت رسل الخليفة الناصر لدين الله ومظفر الدين بن زين الدين [كوكبورى (٤)] في الصلح، وبذل تسليم القلاع المأخوذه جميعها إلى بدر الدين [لؤلؤ (٥)] ما عدا العمادية، فإنها تبقى في يد عماد الدين زنكى بن أرسلان شاه، مع الذى كان بيده من جهة والده. فوقع الأتفاق على ذلك لأجل المصلحة الشاملة، وليقع التفرغ لجهاد الفرنج، ودفعهم عن الديار المصرية، ثم جعل التسليم القلاع أجل معلوم.
وجاء عماد الدين زنكى إلى الملك الأشرف ليكون رهنا عنده إلى حين تسلم القلاع. وسلمت قلعتا العقر والشوش، وهما القلعتان اللتان هما لعماد الدين من جهة والده، إلى الملك الأشرف ليكون رهنا عنده أيضا على ما استقر تسليمه من القلاع، فاذا سلّمت أطلق عماد الدين، وأعيد إليه قلعتاه. وتحالفوا على ذلك، وتسلم الملك الأشرف عماد الدين والقلعتين، ورحل عن الموصل ثانى شهر رمضان من هذه السنة. وعاد إلى سنجار وأرسلوا إلى القلاع لتسلم إلى بدر الدين لؤلؤ، فلم تسلم إليه غير قلعة جبل جور (٦) من أعمال الهكارية.
وأما باقى القلاع فان جندها أظهروا الأمتناع من ذلك، ومضى الأجل ولم يسلّم منها إلا ما ذكرنا.
стр. 1344
ولازم عماد الدين زنكى الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل، وخدمه وتقرب إليه فاستعطف له أخاه الملك الأشرف، فمال إليه وأطلقه وأزال نوابه عن قلعة العقر والشوش، وسلمهما إليه. وبلغ بدر الدين لؤلؤ عن الملك الأشرف ميله إلى قلعة تليعفر، فسلمها إلى الملك الأشرف.
ذكر ما آلت إليه حال عماد الدين بن المشطوب
[٩٥ ب] ولما عاد الملك الأشرف إلى سنجار أقام بها حتى انسلخ الشتاء، وسير إلى بدر الدين لؤلؤ يطلب منه عماد الدين بن المشطوب، وكان في إعتقاله كما ذكرنا. وكان الرسول في ذلك الحاجب على الموصلى، وهو أكبر أصحاب الملك الأشرف، وممن علت منزلته عنده جدا.
فلما قدم الحاجب علىّ على بدر الدين، أحضر إليه عماد الدين، فحين رآه الحاجب علىّ قال «وقع زريق في القفص (١)». فقال له عماد الدين «إنما وقع غدرا». فحمله الحاجب علىّ إلى الملك الأشرف فقيّده، وقبض على حسام الدين بن خشترين، وهو من أمراء حلب، لغدر بلغه منه، وأمر بحملهما إلى حران، فحبسا في جبّ بها فماتا فيه. وكانت وفاة عماد الدين في الجب سنة تسع عشرة وستمائة، ولقاه الله سبحانه عاقبة ما فعله بالمسلمين بدمياط وسعيه الردى إلى أن كادت ديار مصر تنتزع من أيدى المسلمين (٢).
وأطلق الملك الأشرف الجماعة الذين قبض عليهم إبن صبرة لما حارب ابن المشطوب. وقبض على القاضى نجم الدين بن أبى عصرون، ووجد معه
стр. 1345
حرمدان (١) فيه نسخ الأيمان التي استحلف بها من وافق ابن المشطوب، وكتب الأمراء والملوك الواصلة إليه. فشفع فيه الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ صدر الدين بن حمويه - وكان ورد رسولا إلى الملك الأشرف من السلطان الملك الكامل، وهو قريب القاضى نجم الدين لأن أم فخر الدين هى إبنة شهاب الدين بن شرف الدين بن أبى عصرون - فأطلقه الملك الأشرف لأجل فخر الدين فورد إلى حماة، وتوفى بها سنة إثنتين وعشرين وستمائة.
ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حماة ﵀ (٢)
وفى ذى القعدة من هذه السنة، توفى الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهان شاه بن أيوب ﵀ بقلعة حماة.
وكانت مدة مرضه احدى (٣) وعشرين يوما. وكان مرضه حمى حادة محرقة، وتأدت به إلى أن ورم دماغه، واشتعل ذهنه. وأوصى في مرضه باخراج [٩٦ ا] من في حبسه، وقال: «في حبسنا من قد ظلمنا بأخذ مالنا». وأعتق جميع مماليكه وإمائه، وأثمانهم تجل عن الحصر.
ذكر سيرته ﵀
كان ﵀ ملكا جليلا، شجاعا مقداما، عالما فاضلا، يحب العلماء والفضلاء وأهل الأدب والشعر، ويحب سماع المديح ويجيز عليه الجائزة
стр. 1346
الكثيرة. ويحب أن يكون في بلده من كل طائفة من أهل العلم أفضلهم. فورد إلى بابه جماعة من العلماء الأماثل، وممن ورد عليه منهم الشيخ الإمام سيف الدين أبو الحسن على الآمدى ﵀، وكان إماما عظيما متقدما في علمى الكلام وأصول الفقه وعلم المنطق وسائر العلوم الحكمية. وكان علما في هذه العلوم، عظم في الآفاق صيته، واشتهر ذكره، وصنّف التصانيف البديعه في جميع هذه الفنون، وردّ فيها على الإمام فخر الدين الرازى، والإمام أبى حامد الغزالى، وغيرهما من أكابر المتقدمين، وبيّن بطلان أقاويلهم.
ولما قدم [الآمدى (١)] إلى حماة بنى له السلطان الملك المنصور مدرسته المعروفة (٢) به، التي بقرب الباب الشمالى المعروف بباب الجسر الشمالى. وأجرى [الملك المنصور (٣)] له الجامكية الكثيرة والجراية. وواظب حضور مجلسه، والإشتغال عليه بجميع فنونه.
وورد عليه من الشعراء المجيدين جماعة، فأجرى عليهم الجامكيات والجرايات، واستخدمهم.
وصنف الملك المنصور ﵀ عدة تصانيف منها كتاب طبقات الشعراء، وكتاب مضمار الحقائق في التاريخ (٤)، وهو نحو عشرين مجلدة، وصنّف غير ذلك. وكان له العسكر الكثير المجمل. وخدمه عدة من أكابر الأمراء المشهورين، منهم الأمير شمس الدين بن قلج، والأمراء من بنى برطاس، وكل منهم كان أميرا جليلا.
стр. 1347
وولى قضاء بلده للقاضى ضياء الدين بن الشهرزورى (١) قاضى القضاة ببغداد وسائر البلاد الإسلامية. وحين وليها من جهة الملك المنصور، كانت له ولاية بالبلاد الأسلامية كلها، فانه خرج من بغداد بإذن الخليفة [٩٦ ب] الناصر لدين الله وهو باق على ولايته مستمر عليها. وأذن له الخليفة في أن يحكم في كل بلدة يحل بها من بلاد الإسلام.
ولما قدم [الشهرزورى (٢)] إلى حماه أكرمه الملك المنصور، وولاه قضاء بلاده، ثم توفى بعد أشهر من مقدمه.
وولى أيضا له القضاء القاضى نجم الدين أبو البركات عبد الرحمن بن الشيخ الإمام شرف الدين بن أبى عصرون، وكان عظيما كبير القدر، جليلا عند الملوك بسبب والده الشيخ شرف الدين قاضى القضاة، كان بدمشق، ومتولى المدارس النورية وأوقافها بالشام جميعه (٣).
وكان في خدمة الملك المنصور ما يناهز مائتا معمم من الفقهاء والنحاة، وأهل اللغة، والمشتغلين بالعلوم الحكمية، والمهندسين، والمنجمين، والشعراء، والكتاب، والأماثل.
стр. 1348
وكان ﵀ متصديا لتدبير أمور المملكة والرعية من حين يصلى صلوات الصبح إلى أن يدخل الليل، وترد عليه القصص والمهام في جميع النهار، ويقضى أشغال الرعية، ولا يحتجب عنهم في أكثر أوقاته.
وجمع في خزانته من كتب العلوم ما لا مزيد عليه، واعتنى بها جدا، وكان يكثر مطالعة الكتب ومراجعتها، واستحضار العلماء والبحث معهم.
وكان مؤثرا لعمارة بلده، وتحصينه وتقوية أسواره، والعناية بها.
بنى بظاهر حماة الجسر المعروف بالحديد، خارج الباب المعروف بباب حمص.
وخرّب أسوار قلعة حماه التي كان بناها والده، وكانت من لبن، فبناها الملك المنصور كلها بالحجر والكلس حتى جاءت في غاية الحسن. وعمّق خنادقها جدا، ووسعها (١). وجعل [الملك المنصور] (٢) في القلعة من الزردخاناه والذخائر ما لا مزيد عليه، حتى صارت مضاهية لقلعة حلب التي تضرب بها الأمثال، بل أجود وأحصن.
وبنى بظاهر حماه من شماليها (٣) مدرسة عند قبر والده [تقى الدين (٤)] ﵀.
ووقف عليها وقفا جليلا.
وكان له ﵀ بعد وفاة والده - من البلاد حماه، والمعرة (٥)، وسلميه، ومنبج، وقلعة نجم (٦).
стр. 1349
فلما فتح بارين (١)، وكانت بيد عز الدين ابراهيم بن المقدم، ألزمه عمه السلطان الملك العادل [٩٧ ا] أن يردها عليه، فامتنع من ذلك، وعوّض ابن المقدم عنها منبج وقلعة نجم، وهما خير من بارين، لكنه إختار عليهما بارين لأنها بالقرب منه. وكان ﵀ مع قلة بلاده يداريه عمه السلطان الملك العادل، وابن عمه الملك الظاهر. ويخاف كل منهما أن يميل مع الآخر عليه.
وكان موكبه من أجلّ المواكب تجذب السيوف الكثيرة بين يديه، ويركب في خدمته جمع كثير من المعممين من الفضلاء [والأماثل من أهل (٢)] البلد، ومن الأمراء الأكابر والأجناد. فكان موكبه يضاهى موكب عمه الملك العادل وابن عمه الملك الظاهر، مع سعة مملكتهما وقلة مملكته بالنسبة إليهما.
وجرت له حروب مع الفرنج، وانتصر فيها عليهم [وقد قتل فيها كثيرا] (٣)، وقد قدمنا ذكر ذلك، وظهرت فيها شجاعته وفروسيته.
وكانت له أشعار حسنة جمعت في ديوان فنذكر بعضها. من ذلك قوله من قصيدة مطلعها: -
سحّا الدموع فإن القوم قدبانوا ... وأقفر الصّبر لمّا أقفر البان
أتسعدانى (٤) بوجد بعد بينهم؟ ... فالشّان لمّا نأوا عنّى له شان
ومنها
يا ظبية البان هل وصل يسربه (٥) ... لينجلى بلذيذ الوصل أشجان
стр. 1350
لا تبعثوا في (١) نسيم الريح نشركم ... فإننّى من نسيم الريح غيران
كيف السّلّو ولى قلب يخالفنى ... وفى الهوادج أقمار وغزلان (٢)
سقاهم الغيث في قبلىّ كاظمة ... سحّا وروّى ثراهم أينما كانوا
وقوله من قصيدة يفتخر فيها، مطلعها: -
الفخر بالفضل ليس الفخر بالنسب ... والناس في ذاك من درّ ومن خشب
وكل فخر سوى فخرى فمختلق ... زور وقائله ينمى إلى الكذب
أنا الذى لم ينل من ذا الورى أحد ... مانلته قط من عجم ومن عرب
سموت فيهم بأصل لا يقاومه ... أصل ومن بعده بالعلم والأدب
بآل شادى ملوك الناس كلّهم ... أكرم بذلك من مجد ومن حسب
أيوب جدّى حقيقا حين ينسبنى ... يا حسنها رتبة تعلو على الرّتب
نحن الملوك الذرى (٣) والناس كلهم ... لنا عبيد (٤) وليس الرأس كالذّنب
كم قد أبدت بسيفى كل مفتخر ... حامى الحقيقة يوم الجحفل اللّجب
وكم تركت بنى الإفرنج في رعب ... فصرت أدعى لديهم جالب الرّعب
وكم أبحتهم يومى وغى ولعا ... رأس السنان وحدّ (٥) المخذم الذرب
وكم جررت إليهم جحفلا لجبا ... بالسابرّية والماذىّ واليلب
كفعل آبائى الغرّ الذين هم ... كانوا لدين الهدى كالوالد الحدب
من كلّ محتسب في الله منتسب ... مؤيّد بجميل النصر مرتقب
أغرّ أبلج وضّاح، لغرته ... فضل على الأنجم السيّارة الشهب
стр. 1351
وقوله من أرجوزة يفتخر فيها مطلعها: -
يا من يبارينى ويذكر إسمى ... إنّى من قوم كرام شمّ (١)
بحار جود وبحار حلم ... من كل ذى بأس شجاع شهم
يذبّ عن هام العلا ويحمى ... يسعى إلى الغنم لها بالرّغم
كم رتبة (٢) فوق السما والنجم ... بلغتها قبل أوان حلمى
ينبيك من معرفتى وفهمى ... إن علوم ذا (٣) الورى من علمى
وحزمهم قلامة من حزمى ... ولى لسان قوله كالسهم
ينفذ في الصّخر الصلاد الصّم ... ولى يد (٤) مثل السحاب تهمى
على العفاة بالنّوال الجمّ ... ينتعش العانى به وينمى
يسبح من عطائها في يمّ ... ولى حسام مسرع (٥) في الجسم
يكلم قبل ضربه ويدمى ... طوبى لمن حاول يوما سلمى
ربّ حسود لى ولا أسمّى ... يهرب من سهمى حين أرمى
أغفل عنه غفلة الأصمّ ... ولا يمر قتله بوهمى
لو حلّ من خوفى محل العصم ... إذا سمت في شاهق أشم
أدركته بهمتى وعزمى
[٩٨ ا] ومنها
أيوب جدّى يا سديد الفهم ... ويوسف خير البرايا عمّى (٦)
стр. 1352
ومن محلّى في الورى وعظمى ... أنّى من نسل ملوك شمّ
من مثلنا في عربها والعجم ... فجدنا يعلو فويق النجم (١)
وقوله في صدر كتاب إلى عمه الملك العادل رحمهما الله: -
سلام محبّ في الولاء محقّق ... يكاد لفرط الشوق بالدمع يشرق
وينشد بيتا قيل في مدح مجدكم ... له بثناكم حين ينشد رونق
تقول لى الآمال إن كنت نازلا ... بباب إبن أيوب فأنت الموفّق
وحكى في تاريخه المسمى [بمضمار الحقائق في علوم الخلائق (٢)] أنه رأى في منامه شخصا ينشده قصيدة مدحا فيه، فلما انتبه من منامه لم بحفظ منها إلا بيتا واحدا، وهو: -
ملك إذا سمته القوافى ... وافاك منها بألف فاء
فضم إليه ﵀ أبياتا على الروى والوزن، منها: -
يا ملكا من يديه يبدى ... بذل نداه بلا نداء
ومن غدا بابه يسمى ... لمرتجيه باب الرجاء
أوفى الورى نائلا وعهدا ... فعنه يروى حفظ الوفاء
أحيا الورى جوده فأضحى ... في وجهه رونق الحياء
قد بذل الجود منه حتى ... تخلّل الجود بالعباء
فصيفه صيفنا ولكن ... في كفه دممة الشّتاء
أسنى الورى محتدا وفرعا ... فقد تعدّى حدّ السناء
مهابة في علاه جلّت ... عن فرط عجب وكبرياء
والاسم منه إذا إبتلينا ... طلسم سعد بسيمياء
стр. 1353
في كفه الحيدرى سيف ... تراه نارا شيبت بماء
تخاله في الحروب يبدى ... شعلة نار على هباء (١)
ومنها [٩٨ ب]
لا ينتهى جود راحتيه ... وكل شئ إلى إنتهاء
لله من مالك كريم ... توّجه الله بالبهاء
رقا علّوا على البرايا ... وزاد في المجد والعلاء (٢)
سما وحاز العلياء (٣) حتى ... سما به عالم السماء
يعطى عطاء (٤) بلا امتنان ... فهو إذن كعبة العطاء
ملك إذا سمته القوافى ... وافاك منه (٥) بألف فاء
ومن شعره ﵀: -
دع الوقوف بتسآل على طلل ... عن من سرى منه بالوخّادة البزل
وذكر سلمى وسعدى والرباب وما ... يعلو الغصون من الأقمار في الكلل (٦)
ومل إلى العز بالجرد العتاق وبال ... ـبيض (٧) الرقاق وما أعددت من أسل
لم ترض خيلى إذا ما الحرب (٨) حوّلها ال ... ـوفاء (٩) نعلا سوى ما عزّ من مقل
ومن شعره: -
وجود سلافة الصّهبا ... ء عند وجوده عدم
стр. 1354
وللحظات في خدّي ... هـ أنى (١) حلّ مزدحم (٢)
وليس يصدّها عنه ... لثام حين يلتثم
ذكر إستيلاء الملك الناصر بن الملك
المنصور على حماة
لما توفى الملك المنصور، كان ولده الملك المظفر - وهو المعهود إليه بالسلطنة - بالديار المصرية في معسكر خاله الملك الكامل في مقابلة الفرنج، وهم قد تملكوا ثغر دمياط كما تقدم ذكره.
وكان ولده [الآخر (٣)] الملك الناصر صلاح الدين قلج أرسلان عند خاله الملك المعظم شرف الدين [عيسى (٤)] صاحب دمشق، وكان بالساحل محاصرا لحصون الفرنج، وكان قد فتح قيسارية وهدمها، وقصد عثليث (٥) ونازلها.
وكان الوزير بحماة زين الدين بن فريج (٦)، فاتفق هو وجماعة من أرباب الدولة على استدعاء الملك الناصر وتسليم الملك اليه [٩٩ ا] لما يعلمونه من لين عريكته، وشهامة الملك المظفر وقوة بأسه. وقصدوا أن تكون البلاد بأيديهم يتصرفون فيها كيف شاءوا. فكتبوا إلى الملك الناصر يستدعونه ليملكوه.
стр. 1355
فلما أتت كتبهم بذلك إليه عرف الملك المعظم ذلك، فمنعه من التوجه اليهم إلا بشرط أن يحلف له على مال يحمله إليه، فحلف له على ذلك. فيقال أن مبلغه كان أربع مائة ألف درهم. فأذن له [حينئذ (١)] في التوجه إلى حماة، فقدم اليها واجتمع بالوزير زين الدين بن فريج والجماعة الذين كانوا كاتبوه.
فاستحلفوه على ما أرادوا، فحلف لهم، وأصعدوه إلى القلعة وأظهروا أن والده حى، وأنهم جمعوا بينهم وبينه، وأنه عهد إليه بالسلطنة. ثم أخرجوه من القلعة راكبا في السناجق السلطانية. ونادوا في البلد بشعاره، وحنثوا في أيمانهم التي حلفوها لأخيه الملك المظفر. وكان عمر الملك الناصر، لما ولى الملك بحماة، سبع عشرة سنة؛ لأن مولده سنة ستمائة.
ولما ملك استوزر زين الدين بن فريج مدة، ثم بعد ذلك تغير عليه وأبعده. وتقدم عنده رجل من أهل حماة يعرف (٢) بشهاب الدين بن القطب، كان أبوه رجلا كبيرا في العلم والفتوى، وكان إبنه شهاب الدين عنده نباهة في الفقه والخلاف والأدب. وكان [شهاب الدين (٣)] سافر إلى العراق، واشتغل ببغداد مدة، ثم قدم حماه، وصار معيدا بالمدرسة السلطانية المنصورية عند الشيخ سيف الدين الآمدى. ثم اتفق أنه ولى أمرا وخان فيه، فحبسه الملك المنصور بجامع القلعه. [وكان له أخ يقال له عماد الدين بن القطب، كان فقيها فاضلا في المذهب فولاه] (٤) الملك المنصور القضاء بحماة.
ولما حبس شهاب الدين بالقلعة، كان يجتمع به الملك الناصر بجامع القلعة، فأنس به جدا وصار يكثر التردد إليه. فقال له شهاب الدين بن
стр. 1356
القطب يوما «[إنى (١)] أبشرك ببشارة»، فقال [الملك الناصر (٢)] «ما هى؟».
قال «إنك تلى الملك بعد أبيك، ولا يليه أخوك الملك المظفر». فقال له الملك الناصر «من أين لك هذا؟». قال «إنى سمعت في النوم قائلا ينشدنى أبياتا من الشعر، فيها ذكر هذا» وأنشده أبياتا من جملتها [٩٩ ب]: -
وليس يملك من أولاده أحد ... إلا قليج الذى لا يملك النّشبا
ففرح الملك الناصر بذلك، ووعده أنه إذا وقع ذلك يحسن إليه، ويحكّمه في دولته.
فلما ولى أحسن إليه، وأقطعه إقطاعا جليلا. فنزع شهاب الدين عن رأسه العمامة، ولبس الشربوش (٣)، وتزيا بزى الجند. وولاه الملك الناصر المعرة، فتصرف فيها تصرف الملوك في بلادهم. ثم نزل عن ولاية المعرة، وصارت إليه أتابكية العسكر (٤) والنظر في أكثر الأمور، وإلى أخيه عماد الدين القضاء بحماة. ثم غضب عليه الملك الناصر بعد ذلك في سنة إثنتين وعشرين وستمائة، فاعتقله وعزل أخاه عن القضاء. فهرب عماد الدين، وبقى شهاب الدين محبوسا بقلعة حماة مضيقا عليه في أقبح حال، إلى أن ملك الملك المظفر حماه فأطلقه [وأحسن إليه (٥)].
ولما ولى الملك الناصر حماة، وبلغ أخاه الملك المظفر وفاة أبيه، استأذن خاله السلطان الملك الكامل في التوجه إلى حماة؛ ظنا منه أنه إذا وصلها سلمت
стр. 1357
إليه، لما علم من حلف أهلها له وأكابر الدولة، فأذن له في ذلك فسار مسرعا.
فلما وصل إلى الغور، وجد به خاله الملك المعظم، فسأله [خاله (١)] عن سبب مقدمه. فذكر له أن مقصوده التوجه إلى حماه، ليملك بلاد والده. فقال له الملك المعظم «إن أخاك الملك الناصر قد ملكها، وأطاعه أهلها، والملك عقيم (٢)، وأخاف عليك منه إن وصلت إلى حماة أن يعتقلك أخوك، والمصلحة أن تتوجه إلى دمشق ولا تتجاوزها، وتكتب إلى أرباب الدولة، وتذكرهم ما حلفوا به لك، فان اتفقوا على مساعدتك وإزالة أخيك من الملك، توجهت حينئذ إلى بلدك».
فقدم إلى دمشق، ونزل بدار والده المعروفة بابن الزنجيلى (٣). وقتل بها رجلا من أصحابه يعرف بابن الفصافصه، ذكر أنه كان يكتم عنه خبر مرض والده حتى مات، وجرى من ملك الملك الناصر ما جرى. وأقام الملك المظفر بدمشق مدة، ولم يتأت له أمر. ثم رجع إلى مصر فأقطعه السلطان الملك الكامل بها إقطاعا. وأقام في خدمته إلى أن جرى من الأمر ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
[١٠٠ ا] ذكر إستيلاء الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل على خلاط وبلادها مع ميافارقين
كان بيد الملك المظفر شهاب الدين غازى من أيام والده السلطان الملك العادل، الرها وسروج. فلما كانت هذه السنة أخذهما منه أخوه الملك
стр. 1358
الأشرف، وأعطاه ميافارقين وحانى، وسلم إليه بلاد خلاط جميعها؛ وهى مملكة عظيمة تضاهى ملك مصر، وجعله ولى عهده في الملك؛ فان الملك الأشرف لم يكن له ولد ذكر. فقدم الملك المظفر شهاب الدين (١) بلاد خلاط في أوائل سنة ثمان عشرة وستمائة.
وكان السبب في تسليم الملك الأشرف هذه البلاد إليه أن التتر لما قصدوا بلاد الكرج، وهزموهم ونهبوا بلادهم، وقتلوا كثيرا من أهلها، أرسل الكرج إلى أزبك بن البهلوان، صاحب بلاد أذربيجان وأرّان، يطلبون منه المهادنة ودفع التتر عن البلاد. وأرسلوا إلى الملك الأشرف في هذا المعنى، وقالوا للجميع «إن لم توافقونا على قتال التتر ودفعهم عن البلاد، وتحضروا بنفوسكم وعساكركم لهذا المهم، وإلا صالحناهم عليكم». فوصلت رسلهم إلى الملك الأشرف وهو يتجهز للمسير إلى نجدة أخيه السلطان الملك الكامل، ليدفع الفرنج عن الديار المصرية. وكان ذلك عنده أهم الوجوه، لأمور:
أحدها أن الفرنج ملكوا ثغر دمياط، وقد أشرفت الديار المصرية على أن تملك، ولو ملكت لم يبق بالشام ولا غيره معهم ملك لأحد.
وثانيها: أن الفرنج أشد شكيمة من التتر، وطالبوا ملك وإقامة ملة، وإذا ملكوا قرية لا يفارقونها إلا بعد العجز عن حفظها يوما واحدا.
وثالثها: أن الفرنج قد طمعوا في كرسى مملكة البيت الأيوبى؛ وهو مصر. والتتر لم يجاوزوا بلاد العجم، وليس غرضهم إلا النهب والقتل وتخريب البلاد، والإنتقال من بلد إلى آخر.
стр. 1359
فلما وصل إلى الملك الأشرف رسل الكرج بما ذكرنا، اعتذر اليهم بالمسير إلى مصر لدفع الفرنج. وقال لهم: «إننى قد أقطعت مملكة خلاط لأخى، وسيرته إليها ليكون بالقرب منكم، وتركت عنده العساكر، فمتى احتجتم إلى نصرته لدفع التتر حضر معكم، ودفع التتر (١) عنكم».
[١٠٠ ب] وفى هذه السنة توفى نصير الدين ناصر بن مهدى الشريف العلوى، الذى كان وزير الخليفة الناصر لدين الله. وقد ذكرنا أخباره (٢).
وفيها توفى الشيخ صدر الدين أبو الحسن محمد بن عمر بن حمويه شيخ الشيوخ بمصر والشام. وكانت وفاته بالموصل، وكان فقيها فاضلا، وصوفيا صالحا من بيت كبير بخراسان. وخلف بنين أربعة تقدموا عند السلطان الملك الكامل، وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض أخبارهم، وكان قدم الموصل رسولا من الملك الكامل إلى بدر الدين لؤلؤ صاحبها (٣).
стр. 1360
ودخلت سنة ثمان (١) عشرة وستمائة
والفرنج متملكون لثغر دمياط. وقد طمعوا في تملك الديار المصرية، وعزموا على التقدم إلى المسلمين ليدفعوهم عن المنزلة التي نزلوا بها، وهى المنصورة التي ابتناها السلطان الملك الكامل ونزلها.
ذكر مسير الملوك والعساكر الأسلامية إلى مصر نجدة للسلطان
الملك الكامل ﵀
ولما قوى أمر الفرنج واستفحل بالديار المصرية، واصل السلطان الملك الكامل كتبه إلى إخوته وأهل بيته يحثهم على سرعة الحركة، والقدوم عليه في العساكر [الإسلامية (٢)] لدفع العدو عن مصر. فسار أخوه الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشرق، واجتمع بأخيه الملك الأشرف، وأشار عليه بأن يسرع التوجه إلى مصر في عساكره، ويستصحب معه ملوك أهل البيت وعساكرهم. فأجابه [الملك الأشرف (٣)] إلى ذلك، وجهز العساكر، واستدعى عسكر حلب، فسير إليه الأتابك شهاب الدين طغريل عسكرا كثيفا، وعبر الفرات، وعسكر بحلب.
стр. 1361
وكان الملك الناصر صاحب حماة [ابن الملك المنصور (١)] قد سير إلى الأتابك شهاب الدين يطلب الأعتضاد به، والسفارة بينه وبين خاله الملك الأشرف، على أن ينتمى إليه ويكون من قبله ليأمن بذلك من خاله السلطان الملك الكامل؛ فانه كان خائفا منه أن ينتزع حماة منه ويسلمها إلى أخيه الملك المظفر محمود، إذ هو المعهود له بالسلطنة من أبيه الملك المنصور، وقد انتمى إلى الملك الكامل. [١٠١ ا] فراسل الأتابك شهاب الدين الملك الأشرف في ذلك، فأجاب إليه وحلف له أنه يمنع منه من يقصده.
فخرج الملك الناصر من حماة في عساكره، ولقى خاله الملك الأشرف وانضوى إليه، وخرج إليه أيضا الملك المجاهد [صاحب خمص (٢)] أسد الدين شير كوه، والملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه [صاحب بعلبك (٣)] في عساكرهما. ثم سار الملك الأشرف وأخوه الملك المعظم ومن انضاف اليهما من العساكر المذكورة إلى الديار المصرية نجدة للملك الكامل على الفرنج.
وكان أشار على الملك الأشرف بعض خواصه بانفاذ العساكر إلى مصر، والعود إلى بلاده خوفا من إختلاف يحدث بعده، فلم يقبل قولهم وقال: «قد خرجت بنية الجهاد ولا بد من إتمام هذا العزم».
ولما بلغ الفرنج الذين هم داخل البحر ملك إخوانهم ثغر دمياط وتمكنهم بالديار المصرية، ساروا إلى مصر مجدين واتخذوا مصر دار هجرتهم، وقدم منهم إلى دمياط أمم لا تحصى.
стр. 1362
ولما كثر الفرنج بدمياط أخذوا في التجهز للوغول في ديار مصر، ودفع العساكر الإسلامية عنها، فساروا من دمياط في حدهم وحديدهم.
ذكر نزول الفرنج في مقابلة السلطان الملك
الكامل
ووصل الفرنج، فنزلوا في قبالة المسلمين في طرف جزيرة دمياط، وبينهم وبين المسلمين بحر أشمون، والمنزلة - كما قدمنا ذكرها - للمسلمين هى المنصورة؛ وهى على بحر النيل عند ملتقى البحرين اللذين أحدهما يذهب إلى أشمون (١) والآخر يذهب إلى دمياط. وغربى المنصورة سور ماد عليها، عليه الستاير وآلات الحرب، وهو متصل بجوسق (٢) إبتناه السلطان [الملك الكامل (٣)] ونزله، وغربى السور البحر الذى يفترق منه البحران المذكوران. وللمسلمين أيضا عسكر نازلون من غريبه في مقابلة الفرنج، والفرنج في طرف الجزيرة التي يحيط بها البحران المذكوران، وشوانى المسلمين في البحر تقاتل شوانى الفرنج، وشرع الفريقان في القتال برا وبحرا.
ذكر قدوم الملوك والعساكر الإسلامية إلى مصر
ولما بلغ السلطان الملك الكامل قرب أخيه الملك الأشرف منه، توجه إليه [١٠١ ب] ملتقيا له، وفرح به وسر سرورا شديدا، وأيقن بحصول النصر والظفر بالعدو. ووصل الملك المعظم، والملك الناصر صاحب حماة،
стр. 1363
وكان خائفا من الملك الكامل أن يأخذ حماة منه لأخيه الملك المظفر، فطيب قلبه الملك الأشرف، وأصلح له قلب السلطان الملك الكامل. ووصل الملك المجاهد صاحب حمص، والملك الأمجد صاحب بعلبك، وعسكر حلب. وأتت العساكر تتبع بعضها بعضا، ونزلوا كلهم بالمنصورة في خدمة السلطان الملك الكامل.
ورأى الفرنج من العساكر الإسلامية ما هالهم وفتّ في أعضادهم، واشتد القتال بين الفريقين برا وبحرا، واجتمع من رجالة المسلمين بالمنصورة ما لا يقع عليه الإحصاء، فكانوا ينكون في العدو أكثر من نكاية الجند. ثم تقدم جماعة من العسكر إلى خليج من النيل في البر الغربى، يعرف ببحر المحلة، وقاتلوا الفرنج منه. وتقدمت شوانى المسلمين في بحر النيل، وقاتلت (١) شوانى الفرنج، وأخذوا منها ثلاث قطع بمن فيها من الرجال، وما فيها من الأموال والسلاح.
ففرح المسلمون بذلك واستبشروا به، وقويت نفوسهم واستطالوا على عدوهم.
وهذا كله يجرى ورسل الفرنج مترددة بينهم في تقرير قواعد الصلح، وبذل المسلمون لهم البيت المقدس، وعسقلان، وطبرية واللاذقية وجبله، وجميع ما فتحه السلطان الملك الناصر صلاح الدين من الساحل ما عدا الكرك والشوبك ليسلموا دمياط ويرحلوا عن الديار المصرية. فلم يرضوا بذلك وطلبوا ثلثمائة ألف دينار عوضا عن الأسوار التي خربت بالقدس ليعمروه بها. وقالوا لابد من تسليم الكرك والشوبك إليهم، فلم يتم بينهم أمر، واضطر المسلمون إلى قتالهم ومصابرتهم لما يريده الله تعالى من النصرة عليهم، وسلامة القدس والبلاد الساحلية منهم (٢).
стр. 1364
ذكر فتح دمياط والنصرة على الفرنج
وبينما الأمر متردد في معنى الصلح، والفرنج ممتنعون إلا على الشرط الذى اقترحوه، عبر جماعة من عساكر المسلمين في بحر المحلة (١) إلى الأرض التي [١٠٢ ا] عليها الفرنج من بر دمياط، ففجروا فجرة عظيمة في النيل، وكان ذلك في قوة زيادته، والفرنج لا خبرة لهم بأمر النيل، وكيفية فجر جسوره. فركب الماء أكثر تلك الأرض، وصار حائلا بينهم وبين دمياط.
ولم يبق للفرنج جهة يسلكوها غير جهة واحدة فيها ضيق، فأمر السلطان الملك الكامل عند ذلك بنصب جسور عند أشمون طناح، فعبرت العساكر عليها، وملكوا الطريق التي يسلكها الفرنج إلى دمياط إن أرادوا العود إليها، فلم يبق لهم خلاص، وبقوا محصورين من جميع الجهات. واتفق في تلك الحال أنه وصل إلى الفرنج مركب عظيم يسمى مرمه (٢) وحوله عدة حراقات (٣) يحمونه، والجميع مملوء من الميرة والسلاح، وما يحتاجون إليه. فوقعت عليه شوانى المسلمين وقاتلوهم قتالا شديدا، فظفر المسلمون بالمرمة وما معها من الحراقات فأخذوها. فلما رأى الفرنج ذلك سقط في أيديهم، وعلموا أنهم قد ضلوا الصواب بمفارقتهم دمياط، وتوغلهم في طرق لا يعرفونها. وأحاطت عساكر المسلمين بهم من كل ناحية يرمونهم بالنشاب، ويحملون على أطرافهم.
стр. 1365
ولما اشتد الأمر على الفرنج أحرقوا خيامهم ومجانيقهم وأثقالهم، وأرادوا الزحف إلى المسلمين ومقاتلتهم، لعلهم يقدرون على العود إلى دمياط والإعتصام بها، فعجزوا عن ذلك، وحيل بينهم وبينه لكثرة الوحل والمياه الراكبة للأراضى حولهم.
فلما رأوا عجزهم عن دفع المسلمين عنهم، وأن المنايا قد كثرت [لهم (١)] عن أنيابها، وكانت الأقوات قد عدمت عندهم جدا، ولم يبق لهم سبيل إلى وصول ميرة اليهم، ذلت نفوسهم، وتنكست صلبانهم، فراسلوا السلطان الملك الكامل وأخويه الملك الأشرف، والملك المعظم، يطلبون منهم الأمان لأنفسهم ليسلموا اليهم دمياط من غير عوض.
فاستشار السلطان الملك الكامل ملوك أهل بيته في ذلك، فأشار بعضهم بأن لا يؤمنهم ويأخذهم أخذا باليد، فانهم قد صاروا في قبضته، وهم جمهور أهل الشرك، [١٠٢ ب] وأنه إذا فعل ذلك أخذ منهم دمياط، وجميع ما بقى لهم من البلاد الساحلية. فلم ير السلطان الملك الكامل ذلك مصلحة وقال «إن هؤلاء ليسوا جميع الفرنج، وإذا أبدناهم لا نقدر على أخذ دمياط إلا بمطاولة وحروب كثيرة مدة، ويسمع ملوك ما وراء البحر من الفرنج وباباهم (٢) بما يجرى على الفرنج، فيقدم [إلينا (٣)] أضعاف هؤلاء وتعود للحرب خدعة، وقد ضجرت العساكر من الحرب وكلّت».
стр. 1366
وكانت مدة مقام الفرنج بالديار المصرية ثلاث سنين وشهورا. فاتفق رأى الكل على بذل الأمان لهم، وتسلم دمياط منهم، فأجيبوا إلى ما طلبوا على أن يأخذ منهم السلطان الملك الكامل ملوكهم رهائن إلى أن يسلموا دمياط، وطلبوا هم أن يأخذوا ولد السلطان وجماعة من خواصه رهائن إلى أن يرجع ملوكهم اليهم.
فتقررت القاعدة على ذلك والأيمان سابع رجب من هذه السنة، أعنى سنة ثمان عشرة وستمائة. وكانت رهائن الفرنج: ملك عكا (١)، واللكاف (٢) نائب البابا صاحب رومية الكبرى، وكندريس (٣) وغير هؤلاء من الملوك تتمة عشرين ملكا (٤).
وكانت رهائن السلطان الملك الكامل، ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجماعة من خواصه. وكان عمر الملك الصالح يومئذ خمس عشرة سنة؛ لأن مولده سنة ثلاث وستمائة.
ولما قدم هؤلاء الملوك إلى السلطان الملك الكامل جلس لهم مجلسا عظيما.
ووقف بين الملوك من إخوته وأهل بيته جميعهم، [ورأى الفرنج (٥)] من
стр. 1367
عظمته وناموسه ما هالهم. ثم أرسلت الفرنج قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط لتسلم إلى المسلمين، فسلمت اليهم تاسع عشر رجب من هذه السنة. وكان يوم تسلمها يوما مشهودا عاد به الدين الإسلامى جديدا بعد أن كانت قد ساءت [به] (١) الظنون، وخيف على الديار المصرية والشامية من الفرنج خوفا شديدا.
وفى اليوم الذى سلمت فيه دمياط، وصل إلى الفرنج نجدة عظيمة من البحر، فلو سبقوا المسلمين اليهم لا متنعوا من تسليمها (٢).
ولما دخلها المسلمون رأوها وقد حصنها الفرنج [١٠٣ ا] تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام، ولا يوصل إليها. ورجعت رهائن الفرنج إليهم، [ورهائن المسلمين اليهم (٣)]. وولاها السلطان الأمير شجاع الدين جلدك المظفرى التقوى (٤)، وكان رجلا خيرا شهما.
وكان للفرنج بدمياط لما وقع الصلح صوار (٥) عظام جدا، فأرادوا أخذها وحملها معهم إلى بلادهم، فمنعهم من ذلك شجاع الدين، فبعثوا إلى السلطان الملك الكامل يشكونه (٦) ويقولون: «إن هذه الصوارى لنا، وأن مقتضى الصلح أن ترد إلينا». فكتب الملك الكامل إلى شجاع الدين يأمره أن يرد الصوارى اليهم. فأصر على الأمتناع وقال: «إن الفرنج أخذوا منبر جامع دمياط وكسروه،
стр. 1368
وأهدوا كل قطعة منه إلى ملك من ملوكهم، فيأمرهم السلطان أن يردوا إلينا المنبر لنرد عليهم الصوارى». فكتب السلطان اليهم، وذكر لهم ما ذكره شجاع الدين فعجزوا عن رد المنبر وأعرضوا عن ذكر الصوارى.
وهنت الشعراء الملك الكامل وإخوته بفتح دمياط، وأكثروا. فمما قيل في ذلك، قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك المعظم عيسى ﵀ ومطلعها: -
سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنا ... إذا جهلت آياتنا والقنا اللّدنا
غداة لقينا دون دمياط جحفلا ... من الروم لا يحصى يقينا ولا ظنّا
قد اتفقوا رأيا وعزما وهمة ... ودينا وإن كانوا قد اختلفوا لسنا
تداعوا بأنصار الصليب فأقبلت (١) ... جموع كأن الموج كان لهم (٢) سفنا
عليهم من الماذى كل مفاضة ... دلاص كقرن الشمس قد أحكمت وضنا
وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا ... إلينا سراعا بالجياد وأرقلنا
فما برحت شمر الرماح تنوشهم ... بأطرافها حتى استجاروا بنامنّا
سقيناهم كأسا نفت عنهم الكرى ... وكيف ينام الليل من عدم الأمنا
لقد صبروا صبرا جميلا ودافعوا ... طويلا فما أجدى دفاع ولا أغنى
لقوا (٣) الموت من زرق الأسنة أحمرا ... فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنا
وما برح الإحسان منا سجية ... توارثها عن صيد آبائنا الأبنا
[١٠٣ ب] وقد جرّبونا قبلها في وقائع ... تعلّم غمر القوم منا بها الطعنا
стр. 1369
أسود وغى لولا قراع سيوفنا (١) ... لما ركبوا قيدا ولا سكنوا سجنا
وكم يوم حرّ ما لقينا هجيره ... بستر وقرّ ما طلبنا له كنّا
فإن نعيم الملك في شظف الشقا ... ينال وحلو العيش من مرّه يجنى
يسير بنا من آل أيوب ماجد ... أبى عزمه أن يستقر به مغنى
كريم الثنا (٢) عار من العارباسل ... جميل المحيا كامل الحسن والحسنى
سرى نحو دمياط بكل سميذع ... نجيب يرى [ورد الوغى المورد الأهنا] (٣)
مآثر مجد خلّدتها سيوفه ... لها نبأ يفنى الزمان ولا يفنى
وقد عرفت أسيافنا ورقابهم ... مواقعها فيها (٤) فإن عاودوا عدنا
منحناهم منا حياة جديدة ... فعاشوا بأعناق مقلدة منّا
ولو ملكوا لم يأتلوا في دمائنا ... ولوغا ولكنا ملكنا فأسجحنا
ومن ذلك قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك الأشرف [بن الملك العادل (٥)] مطلعها: -
جعل العتاب إلى الصدود توصّلا ... ريم رمى فأصاب منى المقتلا
أغراه بى واش تقوّل كاذبا ... فأطاعه وعصيت فيه العذّلا
ما عمّه بالحسن عنبر خاله ... إلا ليصبح بالسواد مجملا
صافى أديم الحسن ما خطت يد ال ... أيام في خديه سطرا مشكلا
كل مقر بالجمال له فما ... يحتاج حاكم حسنه أن يسجلا
стр. 1370
ومنها
في التخلص إلى المدح (١)
ولربّ لائمة علىّ حريصة ... باتت وقد جمعت علىّ العذّلا
قالت أما تخشى الزمان وصرفه ... وتقل من إتلاف مالك قلت: لا
أأخاف من فقر، وجود الأشرف الس ... لطان [قد ملأ البسيطة والملا (٢)]
الواهب (٣) الأمصار محتقرا لها (٤) ... إن غيره وهب الهجان والبزّلا (٥)
ملك غدا جيد الزمان بجوده ... حال ولولاه لكان معطّلا
ومنها
لولاك لا نفصمت (٦) عرى الأسلام في ... مصر وأهمل (٧) ذكره وتبدّلا
وتحكمت فيها الفرنج وغادرت ... أعلاجها محراب عمرو هيكلا
أنت الذى أجليت عن (٨) حلب العدا ... وحميت بالسّمر اللدان الموصلا
كم موقف ضنك فرجت مضيقه ... وطريقه لخفائه قد أشكلا
ونثرت بالبيض المهندة الطّلى ... ونظمت بالسّمر المثقفة الكلا
فالله يخرق في بقائك عادة الد ... نيا ويعطيك البقاء الأطولا