← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وكانت مدة مقام الفرنج بالديار المصرية ثلاث سنين وشهورا. فاتفق رأى الكل على بذل الأمان لهم، وتسلم دمياط منهم، فأجيبوا إلى ما طلبوا على أن يأخذ منهم السلطان الملك الكامل ملوكهم رهائن إلى أن يسلموا دمياط، وطلبوا هم أن يأخذوا ولد السلطان وجماعة من خواصه رهائن إلى أن يرجع ملوكهم اليهم. فتقررت القاعدة على ذلك والأيمان سابع رجب من هذه السنة، أعنى سنة ثمان عشرة وستمائة. وكانت رهائن الفرنج: ملك عكا (١)، واللكاف (٢) نائب البابا صاحب رومية الكبرى، وكندريس (٣) وغير هؤلاء من الملوك تتمة عشرين ملكا (٤). وكانت رهائن السلطان الملك الكامل، ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجماعة من خواصه. وكان عمر الملك الصالح يومئذ خمس عشرة سنة؛ لأن مولده سنة ثلاث وستمائة. ولما قدم هؤلاء الملوك إلى السلطان الملك الكامل جلس لهم مجلسا عظيما. ووقف بين الملوك من إخوته وأهل بيته جميعهم، [ورأى الفرنج (٥)] من

стр. 1367

عظمته وناموسه ما هالهم. ثم أرسلت الفرنج قسوسهم ورهبانهم إلى دمياط لتسلم إلى المسلمين، فسلمت اليهم تاسع عشر رجب من هذه السنة. وكان يوم تسلمها يوما مشهودا عاد به الدين الإسلامى جديدا بعد أن كانت قد ساءت [به] (١) الظنون، وخيف على الديار المصرية والشامية من الفرنج خوفا شديدا. وفى اليوم الذى سلمت فيه دمياط، وصل إلى الفرنج نجدة عظيمة من البحر، فلو سبقوا المسلمين اليهم لا متنعوا من تسليمها (٢). ولما دخلها المسلمون رأوها وقد حصنها الفرنج [١٠٣ ا] تحصينا عظيما بحيث بقيت لا ترام، ولا يوصل إليها. ورجعت رهائن الفرنج إليهم، [ورهائن المسلمين اليهم (٣)]. وولاها السلطان الأمير شجاع الدين جلدك المظفرى التقوى (٤)، وكان رجلا خيرا شهما. وكان للفرنج بدمياط لما وقع الصلح صوار (٥) عظام جدا، فأرادوا أخذها وحملها معهم إلى بلادهم، فمنعهم من ذلك شجاع الدين، فبعثوا إلى السلطان الملك الكامل يشكونه (٦) ويقولون: «إن هذه الصوارى لنا، وأن مقتضى الصلح أن ترد إلينا». فكتب الملك الكامل إلى شجاع الدين يأمره أن يرد الصوارى اليهم. فأصر على الأمتناع وقال: «إن الفرنج أخذوا منبر جامع دمياط وكسروه،

стр. 1368

وأهدوا كل قطعة منه إلى ملك من ملوكهم، فيأمرهم السلطان أن يردوا إلينا المنبر لنرد عليهم الصوارى». فكتب السلطان اليهم، وذكر لهم ما ذكره شجاع الدين فعجزوا عن رد المنبر وأعرضوا عن ذكر الصوارى. وهنت الشعراء الملك الكامل وإخوته بفتح دمياط، وأكثروا. فمما قيل في ذلك، قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك المعظم عيسى ﵀ ومطلعها: - سلوا صهوات الخيل يوم الوغى عنا ... إذا جهلت آياتنا والقنا اللّدنا غداة لقينا دون دمياط جحفلا ... من الروم لا يحصى يقينا ولا ظنّا قد اتفقوا رأيا وعزما وهمة ... ودينا وإن كانوا قد اختلفوا لسنا تداعوا بأنصار الصليب فأقبلت (١) ... جموع كأن الموج كان لهم (٢) سفنا عليهم من الماذى كل مفاضة ... دلاص كقرن الشمس قد أحكمت وضنا وأطمعهم فينا غرور فأرقلوا ... إلينا سراعا بالجياد وأرقلنا فما برحت شمر الرماح تنوشهم ... بأطرافها حتى استجاروا بنامنّا سقيناهم كأسا نفت عنهم الكرى ... وكيف ينام الليل من عدم الأمنا لقد صبروا صبرا جميلا ودافعوا ... طويلا فما أجدى دفاع ولا أغنى لقوا (٣) الموت من زرق الأسنة أحمرا ... فألقوا بأيديهم إلينا فأحسنا وما برح الإحسان منا سجية ... توارثها عن صيد آبائنا الأبنا [١٠٣ ب] وقد جرّبونا قبلها في وقائع ... تعلّم غمر القوم منا بها الطعنا

стр. 1369

أسود وغى لولا قراع سيوفنا (١) ... لما ركبوا قيدا ولا سكنوا سجنا وكم يوم حرّ ما لقينا هجيره ... بستر وقرّ ما طلبنا له كنّا فإن نعيم الملك في شظف الشقا ... ينال وحلو العيش من مرّه يجنى يسير بنا من آل أيوب ماجد ... أبى عزمه أن يستقر به مغنى كريم الثنا (٢) عار من العارباسل ... جميل المحيا كامل الحسن والحسنى سرى نحو دمياط بكل سميذع ... نجيب يرى [ورد الوغى المورد الأهنا] (٣) مآثر مجد خلّدتها سيوفه ... لها نبأ يفنى الزمان ولا يفنى وقد عرفت أسيافنا ورقابهم ... مواقعها فيها (٤) فإن عاودوا عدنا منحناهم منا حياة جديدة ... فعاشوا بأعناق مقلدة منّا ولو ملكوا لم يأتلوا في دمائنا ... ولوغا ولكنا ملكنا فأسجحنا ومن ذلك قصيدة لشرف الدين بن عنين يمدح بها السلطان الملك الأشرف [بن الملك العادل (٥)] مطلعها: - جعل العتاب إلى الصدود توصّلا ... ريم رمى فأصاب منى المقتلا أغراه بى واش تقوّل كاذبا ... فأطاعه وعصيت فيه العذّلا ما عمّه بالحسن عنبر خاله ... إلا ليصبح بالسواد مجملا صافى أديم الحسن ما خطت يد ال ... أيام في خديه سطرا مشكلا كل مقر بالجمال له فما ... يحتاج حاكم حسنه أن يسجلا

стр. 1370

ومنها في التخلص إلى المدح (١) ولربّ لائمة علىّ حريصة ... باتت وقد جمعت علىّ العذّلا قالت أما تخشى الزمان وصرفه ... وتقل من إتلاف مالك قلت: لا أأخاف من فقر، وجود الأشرف الس ... لطان [قد ملأ البسيطة والملا (٢)] الواهب (٣) الأمصار محتقرا لها (٤) ... إن غيره وهب الهجان والبزّلا (٥) ملك غدا جيد الزمان بجوده ... حال ولولاه لكان معطّلا ومنها لولاك لا نفصمت (٦) عرى الأسلام في ... مصر وأهمل (٧) ذكره وتبدّلا وتحكمت فيها الفرنج وغادرت ... أعلاجها محراب عمرو هيكلا أنت الذى أجليت عن (٨) حلب العدا ... وحميت بالسّمر اللدان الموصلا كم موقف ضنك فرجت مضيقه ... وطريقه لخفائه قد أشكلا ونثرت بالبيض المهندة الطّلى ... ونظمت بالسّمر المثقفة الكلا فالله يخرق في بقائك عادة الد ... نيا ويعطيك البقاء الأطولا

стр. 1371

ومن ذلك قصيدة لبهاء الدين زهير بن محمد بن على القوصى ﵀ يمدح بها السلطان الملك الكامل مطلعها: - بك اهتزّ عطف الدين في حلل النصر ... وردّت على أعقابها ملّة الكفر ومنها: وما فرحت مصر بذا الفتح وحدها ... لقد فرحت بغداد أكثر (١) من مصر ولو (٢) لم يقم في الله حق قيامه ... لما سلمت دار السلام من الذعر وأقسم لولا عزمة كاملية (٣) ... لخافت رجال بالمقام وبالحجر ومنها: وأقسم إن ذاقت بنو الأصفر الكرى ... لما (٤) حلمت إلا بأعلامك (٥) الصفر عجبت لبحر جاء فيه سفينهم ... ألسنا نراه [عندنا ملك (٦)] الغمر ألا إنها من فعله لعجيبة ... سيطلب عفوا من أناملك العشر (٧) ثلاثة أعوام أقمت وأشهرا ... تجاهد فيهم لا بزيد ولا عمرو ومنها: وليلة نفر للعدو وإنها (٨) ... بكثرة من أرديته ليلة النحر فيا ليلة قد شرف الله قدرها ... فلا غرو إن سميتها ليلة القدر

стр. 1372

سددت سبيل البر والبحر عنهم ... بسابحة دهم وسابقة (١) غر أساطيل ليست في أساطير من مضى ... فكل غراب راح أقنص من (٢) صقر وباتت جنود الله فوق ضوامر ... بأوضاحها تغنى السراة عن الفجر فما زلت حتى أيد الله حزبه ... وأشرق وجه الدين جذلان بالنصر فروّيت منهم ظامئ البيض والقنا ... وأشبعت منهم طاوى الذئب والنسر وجاءت ملوك الروم نحوك خضّعا ... تجرر أذيال المذلة (٣) والصّغر أتوا ملكا فوق السّماك (٤) محلّه ... فمن جوده ذاك السحاب الذى يسرى فمنّ عليهم بالأمان تكرما ... على الرغم من بيض الصوارم والسمر كفى الله دمياط المخافة (٥) إنها ... لمن قبلة الإسلام من موضع البحر وما طاب ماء النيل إلا لأنه ... يحل محل الريق من ذلك الثغر فلله يوم الفتح يوم دخولها ... لقد (٦) طارت الأعلام منه (٧) على وكر ومنها: لك الله من أثنى عليك فإنما ... من القتل قد أنجيته أو من الأسر يقصّر عنك المدح من كلّ مادح ... ولو جاء بالشمس المنيرة والبدر قلت: لقد أبدع بهاء الدين زهير ﵀ في هذه القصيدة، وأتى بكل معنى بديع لطيف، وكذا أكثر شعره ﵀. وسنذكر شيئا من أخباره إذا انتهينا إلى ذكر مخدومه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ﵀.

стр. 1373

وقد [والله (١)] أبدع بعض الشعراء في ذكر إنجاد السلطانين الملك المعظم والملك الأشرف أخاهما السلطان الملك الكامل، قدس الله أرواحهم، في قوله من قصيدة: - أعبّاد عيسى إن عيسى أتاكم ... وموسى جميعا ينصران محمدا وقالت ست الفخر بنت التاجر مغنية الملك الأشرف تمدحه، وتذكر كسره الفرنج، وقد أبدعت في المعنى: - ولما طغى فرعون عكا وقومه (٢) ... وجاء إلى مصر ليفسد في الأرض أتى نحوهم موسى وفى يده العصا ... فغرّقهم في اليمّ بعضا على بعض ولما فتحت دمياط دخلها السلطان الملك الكامل، وفى خدمته إخوته، وملوك [١٠٥ ا] أهل بيته، وكان يوم دخوله إليها يوما مشهودا. ثم توجه إلى القاهرة، وأذن للملوك في الرجوع إلى بلادهم، فرجع كل ملك منهم إلى بلاده. وعمت هذه البشارة آفاق الأرض؛ فان التتر كانوا قد أهلكوا بلاد العجم، وكادت باقى البلاد الإسلامية تستأصل بالفرنج، فنصر الله المسلمين عليهم وكفاهم شرهم (٣). وعقدت الهدنة مع الفرنج مدة معلومة. وتوجه الملك الأشرف إلى الشرق، وانتزع الرقة من الملك الأمجد محمود ابن قطب الدين محمد بن عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى، ولقى محمود بغيه على أخيه وقد ذكرنا قتله له. وأقام الملك الأشرف بالرقة، وورد إلى خدمته الملك الناصر صلاح الدين قلج أرسلان بن الملك المنصور صاحب حماة، فأقام معه مدة ثم رجع إلى بلده (٤).

стр. 1374

وورد إلى الملك الأشرف وهو بالرقة كتاب من الخليفة الأمام الناصر لدين الله، يأمر فيه بإقامة الخطبة بولاية العهد لابنه عدة الدين أبى نصر محمد، وهو الذى ولى الخلافة بعده، ولقب الظاهر بأمر الله. وكنا قد ذكرنا (١) أن الخليفة كان قد ولاه عهده، وكتب بذلك إلى السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ وسائر ملوك الأطراف، وأنه خطب له بذلك على سائر البلاد الإسلامية، وضربت السكة باسمه بعد إسم والده. ثم ذكرنا أن أباه بعد ذلك خلعه من ولاية عهده، وكتب بذلك إلى ملوك الأطراف فطرحوا إسمه من السكة والخطبة. وأن الخليفة مال إلى ولده الأصغر أبى الحسن على وأهله لولاية عهده (٢). ثم ذكرنا وفاة علىّ سنة إثنتى عشرة وستمائة، وحزن الخليفة عليه (٣). ولما كانت هذه السنة ألجأت الخليفة الضرورة إلى إعادة إبنه أبى نصر إلى ولايه عهده، وتقدم إلى الملوك بإعادة الخطبة له بولاية العهد. وفى هذه السنة سير الملك الأشرف إلى الأتابك شهاب الدين طغريل مربى الملك العزيز بن الملك الظاهر رسالة تتضمن أنه: «لما وقع الأتفاق في الأبتداء، وعرض علىّ الجبول وبزاعا وسرمين (٤) أحببت أن آخذ (٥) ذلك [١٠٥ ب] ليعلم المخالف والعدو أن البلاد قد صارت واحدة، والكلمة متفقة. والآن فقد تحقق الناس كلهم ذلك، وأوثر الآن التقدم إلى نواب المولى الملك العزيز

стр. 1375

في قبضها، وإجرائها على العادة، وصرفها في مصالح بلاده». فوقعت الأجابة إلى ذلك، ورفع الملك الأشرف نوابه عنها (١). وتوفى في هذه السنة الملك الصالح ناصر الدين محمود بن نور الدين محمد ابن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق، صاحب حصن كيفا وآمد بالقولنج (٢)، وقام بملك تلك البلاد بعده ولده الملك المسعود (٣)، وهو الذى انتزع منه السلطان الملك الكامل آمد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1376

ودخلت سنة تسع عشرة وستمائة والسلطان الملك الكامل بديار مصر، والممالك على ما كانت عليه في السنة الماضية. ذكر الحرب بين الترك القفجاق وبين الكرج كنا قد ذكرنا في أخبار خروج التتر أن الطائفة المغرّبة (١) منهم استولت على بلد القفجاق، وأن القفجاق تفرقوا فذهبت طائفة منهم إلى بلد الروس، وطائفة ذهبت في جبالهم. ثم بعد ذلك اجتمعت طائفة كبيرة منهم، وساروا إلى دربند شروان، وأرسلوا إلى ملك الدربند وإسمه رشيد يقولون له «إن التتر قد ملكوا بلادنا، ونهبوا أموالنا، وقد قصدناك لنقيم في بلادك، ونحن مماليكك، ونفتح البلاد لك، و [تكون (٢)] أنت سلطاننا». فمنعهم من ذلك وخافهم، فأعادوا الرسالة إليه «إننا نحن نرهن عندك أولادنا ونساءنا على الطاعة والخدمة لك، والإنقياد لحكمك». فلم يجبهم إلى ما طلبوا. فسألوه أن يمكنهم ليدخلوا بلده ويتزودوا منه، وأن لا يدخل إلا عشرة عشرة، فإذا اشتروا ما يحتاجون إليه فارقوا بلاده فأجابهم إلى ذلك، فصاروا يدخلون متفرقين ويشترون ما يريدون ويخرجون. ثم إن بعض كبرائهم والمقدمين منهم

стр. 1377

جاء إلى رشيد ملك الدربند وقال: «إننى كنت في خدمة السلطان علاء الدين محمد خوارزم شاه، وأنا مسلم (١) والدين يحملنى على نصحك، واعلم أن القفجاق [١٠٦ ا] [أعداوك (٢)] يريدون الغدر بك، فلا تمكنهم من المقام ببلادك، واعطنى عسكرا [من عندك (٣)] حتى أقاتلهم وأخرجهم من البلاد». فسلم إليه طائفة من عسكره، وقواهم بالسلاح والعدة، وساروا مع ذلك المقدم فأوقعوا بطائفة من القفجاق، وقتلوا منهم جماعة، وسبوا، فلم يتحرك القفجاق لقتال بل قالوا: «نحن عبيد السلطان شروان شاه رشيد ومماليكه، ولولا ذلك لقاتلنا عسكره». فعاد ذلك المقدم ومن معه من عسكر رشيد إليه سالمين. ثم أن القفجاق فارقوا موضعهم، وساروا مسيرة ثلاثة أيام. فقال ذلك المقدم القفجاقى [لملك الدربند رشيد (٤)]: «أريد عسكرا أتبعهم». [فأمر له من العسكر بما أراد، فسار يقفو (٥)] أثرهم، فأوقع بهم وغنم منهم، وقصده جمع كثير من القفجاق من الرجال والنساء وهم يبكون، وقد جزوا شعورهم ومعهم تابوت وهم محيطون به يبكون حوله، وقالوا له «إن فلانا صديقك قد مات، وأوصى [أن نحمله (٦)] إليك لتدفنه في أي موضع شئت، ونكون نحن عندك». فحمله [القفجاقى (٧)] معه والذين يبكون عليه أيضا، وعاد إلى

стр. 1378

شروان شاه رشيد وأعلمه أن الميت صديق له، وقد حمله معه، وقد طلب أهله أن يكونوا عنده [في خدمته. فأمر أن يدخلوا البلد وأنزلهم فيه، فكان أولئك الجماعة يسيرون مع ذلك المقدم ويركبون بركوبه ويصعدون معه إلى القلعة التي لرشيد ويقعدون عنده (١)] ويشربون عنده هم ونساؤهم. فأحب رشيد إمرأة ذلك الرجل الذى قيل [له (٢)] أنه ميت ولم يكن مات، وإنما فعلوا ذلك مكيدة حتى دخلوا البلد، والذى أظهروا موته معهم، ولا يعرفه رشيد، وهو من أكبر مقدمى القفجاق. فبقوا كذلك عدة (٣) أيام، وكل يوم تجئ جماعة من القفجاق متفرقين (٤). فاجتمع بالقلعة منهم جماعة وأرادوا قبض رشيد، وملك بلاده، ففطن (٥) لذلك فخرج من باب القلعة الذى هو باب السر وهرب إلى شروان، وملك القفجاق القلعة. وقالوا لأهل البلد «نحن لكم وبين أيديكم خير [لكم (٦)] من رشيد». وأعادوا باقى (٧) أصحابهم إليهم، وأخذوا السلاح الذى في القلعة جميعه، واستولوا على ما في القلعة من الأموال ورحلوا عن القلعة، وقصدوا قبله (٨)، أحد بلاد الكرج، وحصروها. ورجع رشيد إلى قلعته فملكها،

стр. 1379

وقتل من كان فيها من القفجاق. فلم يعلم القفجاق المنازلون لقبله بذلك، فأرسلوا طائفة منهم إلى القلعة التي لرشيد، فقتلهم رشيد. فلما بلغ ذلك القفجاق [١٠٦ ب] عادوا إلى الدربند، ولم يبق لهم في القلعة طمع. وكان صاحب قبله لما حصروه أرسل يقول لهم: «إنى أرسل إلى ملك الكرج حتى يرسل إليكم الخلع والأموال، ونجتمع نحن وأنتم، ونملك البلاد». فكفوا عن نهب ولايته أياما، ثم مدوا أيديهم إلى النهب والفساد، ونهبوا بلاد قبله جميعها، وساروا إلى قريب كنجة من بلاد أرّان، وهى للمسلمين، فنزلوا هنالك. فأرسل إليهم الأمير بكنجة (١)، وهو مملوك مظفر الدين ازبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأرّان، عسكرا منعهم من الوصول إلى بلاده، وسير إليهم رسولا يقول لهم: «غدرتم بملك شروان وأخذتم قلعته، وغدرتم بصاحب قبله ونهبتم بلاده، فما يثق بكم أحد». فأجابوا: «إننا (٢) ما جئنا إلا قصدا لخدمة سلطانكم، فمنعنا شروان شاه (٣) عنكم، فلهذا أخذنا قلعته، ثم تركناها من غير خوف. وأما صاحب قبله، فهو عدوكم وعدونا، ولو أردنا أن نكون عند الكرج جعلنا طريقنا على دربند شروان، فانه أصعب وأشق وأبعد، وكنا جئنا إلى بلادهم على عادتنا، ونحن نوجه الرهائن إليكم». فلما سمع صاحب كنجة هذا سار إليهم، فلما سمع القفجاق بمسيره إليهم، ركب إليه أميران منهم هما مقدماهم في نفر يسير، وجاؤا (٤) إليه ولقوه وخدموه

стр. 1380

وقالوا [له (١)]: «قد أتيناك جريدة [في قلة من العدد (٢)] لتعلم أننا ما قصدنا إلا الوفاء، والخدمة لسلطانكم» وأعطوه رهائنهم. فأمرهم صاحب كنجة بالنزول في أرضه، وتزوج ابنة أحدهم، وأرسل إلى مخدومه مظفر الدين أزبك [ابن البهلوان (٣)] يعرفه حالهم، فأمر لهم بالخلع والنزول بجبل كيلكون (٤)، ففعلوا ذلك وخافتهم الكرج، فجمعوا لهم ليكبسوهم. فوصل الخبر بذلك إلى صاحب كنجة، فأخبرهم وأمرهم بالنزول عند كنجة، فعادوا ونزلوا عندها. وسار أمير من أمراء القفجاق إلى الكرج فكبسهم وقتل خلقا منهم، وغنم وسبى سبيا (٥) كثيرا. ورجعت القفجاق إلى جبل كيلكون فنزلوا به. وأحب أمير آخر منهم أن يفعل كمثل ما فعل صاحبه، فأرسل إليه صاحب كنجة ينهاه عن ذلك إلى أن ينكشف له خبر الكرج فلم يقبل منه، وسار إلى بلاد الكرج في طائفة [١٠٧ ا] [من القفجاق (٦)] فخرب وغنم [وعاد (٧)]. وسارت الكرج على طريق يعرفونها وسبقوه. فلما وصل إليهم (٨) قاتلوه وحملوا عليه وعلى أصحابه على غرة، ووضعوا السيف في القفجاق وأكثروا القتل فيهم، واستنقذوا منهم الغنائم. فعاد [القفجاقى (٩)] هو ومن بقى معه على أقبح

стр. 1381

حال، وقصدوا مدينه برذعة (١)، وأرسلوا إلى صاحب كنجه يطلبون أن يحضر عندهم بنفسه وعسكره ليقصدوا الكرج، ويأخذوا منهم بثأرهم. فلم يفعل وخافهم، وقال: «أنتم خالفتمونى وعملتم برأيكم فلا أنجدكم بفارس واحد». فأرسلوا يطلبون منه رهائنهم فلم يعطهم إياها. فأخذوا كثيرا من المسلمين عوضا عن الرهائن، وثأر لهم المسلمون من أهل البلاد وقاتلوهم، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، فخافوا وساروا نحو شروان وجازوا إلى بلاد اللكز. وطمع فيهم المسلمون والكرج [واللكز (٢)] وغيرهم فأفنوهم قتلا وأسرا، فكان المملوك منهم يباع في دربند شروان بالثمن البخس، وامتلأت البلاد من سبيهم. ذكر نهب الكرج مدينة بيلقان وفى رمضان من هذه السنة - أعنى سنة تسع عشرة وستمائة - سارت الكرج من بلادهم إلى بلاد أران، وقصدوا بيلقان وكان التتر قد خربوها ونهبوها كما تقدم ذكره (٣). فلما سارت التتر إلى بلاد قفجاق، عاد من سلم من أهلها إليها وعمروا منها ما أمكن عمارته. فأتتهم الكرج في هذه السنة، وهجموها ووضعوا السيف فيها، وفعلوا فيها من النهب والقتل أكثر مما فعلته التتر. وكل هذا يجرى وصاحب البلاد مظفر الدين أزبك بن البهلوان مشتغل عن الرعية بشربه ولهوه. وملوك الإسلام كل منهم قد اشتغل بصلاح قطره، وكذلك

стр. 1382

خليفة الزمان [الإمام (١)] الناصر لدين الله لا يعدو قطره (٢) العراق وما يتعلق به، ولو كانت الكلمة انتظمت، واتفقت الآراء على دفع عدو الدين وقصده، لأزاحوا التتر وغيرهم من الكفار [عن البلاد، ولم يجر ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٣)]، لكن إذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. ذكر المتجددات بالموصل في هذه السنة [١٠٧ ب] [قد ذكرنا (٤)] تغلب بدر الدين على الموصل بعد وفاة ابن أستاذه الملك القاهر عز الدين مسعود بن نور الدين أرسلان شاه بن مسعود ابن مودود بن زنكى. وأنه نصب ابن الملك القاهر للملك وهو صغير ليس له معه إلا مجرد الاسم، وأن ذلك الصغير مات وأنه أقام أخا له صغيرا، وأمهما ابنة الملك المعظم مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك صاحب الموصل، وأمها ربيعة خاتون أخت الملك العادل. ثم أن ذلك الصغير الثانى الذى أقامه بدر الدين وتغلب على الملك بطريقه، مات. فاستقل بدر الدين لؤلؤ بالملك وسمى نفسه الملك الرحيم. وكان اعتضد - كما قدمنا ذكره - بالملك الأشرف بن الملك العادل فذب عنه ودافع، ومنع مظفر الدين من قصده. وكنا ذكرنا معاداته لعماد الدين زنكى بن نور الدين، وهو أخو

стр. 1383

الملك القاهر وزوج إبنة مظفر الدين بن زين الدين، وما جرى له معه من الوقائع (١)]. وكان عماد الدين [زنكى] لما جرى عليه من بدر الدين لؤلؤ قصد مظفر الدين أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران، واتصل به وصار معه، وأقطعه إقطاعا ببلاده، وأقام عنده. [فقصد بدر الدين قلعة شوش، وهى لعماد الدين، وهى قلعة حصينة فحاصرها (٢)] لبعد صاحبها عنها، وطال مقام بدر الدين [لؤلؤ (٣)] عليها إلى أن سلمها النواب الذين [لعماد الدين (٤)] إليه في هذه السنة، وبذل لهم إقطاعا ومالا لما تسلمها. ثم عاد إلى الموصل، وقوى شأنه واستفحل، وقلع البيت الأتابكى بالكلية. ودار الخليفة الناصر لدين الله حتى بعث له الخلع والتقليد بالسلطنة، وكاتبه ملوك الأطراف؛ فتمت أموره، وتقررت قواعده، فسبحان من يؤتى الملك من يشاء وينزعه عن من يشاء. ولم يزل مالكا للموصل وسائر بلادها إلى أن

стр. 1384

ملك التتر بغداد، واستولوا على العراق والجزيرة سنة ست وخمسين وستمائة. فوفد إلى هولاكو ملك التتر (١) فأقره على ولايته، ورجع إلى الموصل فمات بها، فكانت مدة ملكه [١٠٨ ا] نيفا وأربعين سنة سوى ما تقدم له من الاستيلاء والتحكم في أيام أستاذه نور الدين أرسلان شاه، وابنه الملك القاهر عز الدين، وسيأتى له ذكر وأخبار في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ذكر مسير السلطان الملك الأشرف إلى الديار المصريه ومقامه بها عند أخيه السلطان الملك الكامل رحمهما الله وفى هذه السنة سار السلطان الملك الأشرف [مظفر الدين موسى بن الملك العادل صاحب سنجار والبلاد الشرقية وأخلاط وأعمالها (٢)] إلى خدمة أخيه السلطان الملك الكامل، فأقام عنده بالديار المصرية متنزها إلى أن خرجت هذه السنة. وفى هذه السنة فوض الأتابك شهاب الدين طغريل القائم بتدبير مملكة الملك العزيز [غياث الدين محمد (٣)] بن الملك الظاهر صاحب حلب، إلى الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر الشغر وبكاس (٤). فتوجه من حلب إليهما، واستولى عليهما، وأضيف إليه الرّوج (٥) ومعرّة مصرين (٦)، ورتب جماعة من الحجاب والمماليك في خدمته، وذلك في جمادى الآخرة من هذه السنة.

стр. 1385

ذكر قصد الملك المعظم شرف الدين عيسى صاحب دمشق حماة وبلادها وفى شهر ذى الحجة من هذه السنة قصد السلطان الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل صاحب دمشق حماة بعساكره. وكنا قد ذكرنا (١) أن الملك المنصور صاحب حماة ﵀ لما توفى، كتب [وزيره (٢)] زين الدين بن فريج وأرباب الدولة بحماة إلى ولده الملك الناصر قلج أرسلان، وكان في خدمة خاله الملك المعظم في الساحل نجدة له على الفرنج، يستدعونه ليملكوه [حماة (٣)]، إذ كان أخوه الملك المظفر تقى الدين محمود [بن الملك المنصور (٤)] في خدمة [خاله (٥)] الملك الكامل نجدة له على الفرنج المتغلبين على دمياط. وأن الملك المعظم أذن للملك الناصر [بن الملك المنصور (٦)] في التوجه إلى حماة، بشرط أن يحمل إليه مالا، وأنه توجّه إليها وملكها. ولما لم يف الملك الناصر للملك المعظم بما اتفق معه عليه، غاظ ذلك الملك المعظم، وعزم على قصده وأخذ بلاده. واتفق في هذه السنة أن أميرا من أمراء الملك الكامل يقال له مجاهد الدين (٧) إقبال [١٠٨ ب] هرب من مصر، فكتب الملك الكامل إلى أخيه الملك المعظم [صاحب دمشق (٨)] يأمره بطلبه، والقبض عليه، وحمله إليه، فاتخذ ذلك الملك

стр. 1386

المعظم حجة وذريعة إلى قصد حماة، [فتوجه إليها بعساكره مظهرا أن مقصوده طلب الأمير مجاهد الدين إقبال. فكان الملك الناصر صاحب حماة قد اتفق أنه خرج إلى الصيد، فجد الملك المعظم في السير رجاء أن يسبق الملك الناصر إليها، ويحول بينه وبين حماة (١)]. وانتهى الخبر بذلك إلى الملك الناصر، فسارع إلى الدخول إليها قبل أن يصل الملك المعظم. ووصل الملك المعظم إلى حماة فوجد الملك الناصر قد وصلها وتحصن بقلعتها، فنزل [بقرية يقال لها نقيرين (٢)]، وأمر الملك الناصر بغلق أبواب البلد، والاستعداد للحصار. فأرسل الملك المعظم يقول له: «أننى لم أقصد قتالا وإنما أتيت لطلب [مجاهد (٣) الدين] إقبال، فحيث سلكت طريق المحاربة والقتال، فنحن نسلكه أيضا معك». ثم أمر جماعة من العسكر فتقدموا إلى الأسوار وباشروا القتال قليلا، [ففعلوا ذلك (٤)]. ثم رحل من ظاهر حماة بعساكره متوجها إلى سلمية، فنزل بها، واحتاط على ما فيها من الحواصل، وولى فيها واليا من قبله. ثم رحل [بالعساكر (٥)] إلى معرة النعمان، وكان الوالى بها من قبل الملك الناصر شهاب الدين بن القطب كما تقدم ذكره (٦). وكان والدى ﵀ يتقلد القضاء بها، وكان قبل ذلك قلده الملك المنصور القضاء بحماة، وعزل القاضى حجة الدين بن مراحل السلمانى (٧) عنه. ثم استعفى والدى من القضاء بحماة مراعاة للقاضى حجة الدين لما كان بينهما من قديم المودة فأعفى.

стр. 1387

ولما اعتقل الملك المنصور القاضى شهاب الدين بن سليمان المعرى أحمد بن مدرك بن سليمان قاضى المعرة، استدعى الملك المنصور والدى وألزمه قبول قضاء المعرة، فامتثل مرسومه وتوجه إليها. وعاد القاضى حجة الدين إلى قضاء حماة. ثم توفى حجة الدين في شعبان سنة سبع عشرة وستمائة (١)، فولى الملك المنصور قضاء حماة عماد الدين بن القطب، أخا شهاب الدين المقدم ذكره. ولما توفى الملك المنصور [سنة سبع عشرة وستمائة (٢)]، وولى الملك الناصر ولده، تقدم عنده - كما ذكرنا - شهاب الدين [بن قطب، وكان معمما فقيها فألبسه الملك الناصر (٣)] الشربوش (٤) ونادمه وولاه المعرة، وقد ذكرنا ذلك كله (٥)، وأقر أخاه على قضاء حماة. ولما وصل الخبر إلى المعرة بدنو الملك المعظم منها [١٠٩ ا] هرب شهاب الدين بن القطب إلى حماة. وخرج والدى وأعيان أهل المعرة إلى لقاء الملك المعظم. فأقبل على والدى والجماعة إقبالا عظيما، ونزل بدار الملك الناصر صاحب حماة، وهى دار ابتناها له شهاب الدين بن القطب غربى المعرة. [وشاهدته ﵀ حين دخوله إليها، وعمرى خمس عشرة سنة يومئذ. وحين استقر في الدار المذكورة، سير إليه والدى هدية وكتبا من العلم نفيسة، فقبلها وأخذ يسيرا منها، وأمر بحمل الباقى إلى ولده الملك الناصر صلاح الدين

стр. 1388

داود ﵀، وكان نازلا معه في تلك الدار. وعمر الملك الناصر يومئذ ست عشرة سنة، لأن مولده سنة ثلاث وستمائة (١)]. واستولى الملك المعظم على المعرة وما فيها من الحواصل. وولى فيها واليا من قبله. ووصل إلى خدمته وهو بالمعرة الأمير شهاب الدين يوسف بن عز الدين مسعود بن سابق الدين عثمان بن الداية، صاحب شيزر (٢). ثم ورد إليه شهاب الدين بن القطب رسولا من الملك الناصر يستعطفه ويستميله، فلم يلتفت إليه ورجع إلى حماة خائبا. ووصل أيضا إليه وهو بالمعرة الأمير مظفر الدين بن جرديك رسولا من الأتابك شهاب الدين طغريل، وعلى يده تقدمة فقبلها، واعتذر بأنه إنما جاء بكتاب وصله من أخيه السلطان الملك الكامل يأمره أن يقبض على خادمه المعروف بمجاهد الدين إقبال، وأنه خرج خلفه ليدركه، فلما قرب من حماة بدا من صاحبها من الإمتهان وعدم النزل (٣) والإقامة ما لا يليق. [وتجنى الملك المعظم على الناصر صاحب حماة ذنوبا لا أصل (٤) لها]. وكان الحلبيون إذ ذاك والملك الناصر صاحب حماة تجمعهم رابطة الإنتماء إلى الملك الأشرف والانحياز إليه. ثم رحل الملك المعظم إلى سلمية، وأقام بها إلى أن خرجت هذه السنة، وهو على قصد منازلة حماة وانتزاعها من الملك الناصر صاحبها.

стр. 1389

ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل صاحب اليمن على مكة حرسها الله تعالى [١٠٩ ب] كنا قد ذكرنا (١) في حوادث سنة إثنتى عشرة وستمائة إستيلاء الملك المسعود صلاح [الدين (٢)] يوسف بن السلطان الملك الكامل على اليمن وقبضه على سليمان شاه بن سعد الدين شاهان شاه بن الملك المظفر تقى الدين الذى كان تغلب عليها؛ وتسييره إياه إلى مصر. وكان الملك المسعود يسمى أتسز (٣) وهو اسم بلغة الترك، والعامة يسمونه الأقسيس (٤). وكانت للملك المسعود صرامة عظيمة وهيبة شديدة. وكان صاحب مكة الشريف أبا عزيز قتادة بن إدريس العلوى الحسنى (٥) وكان عظيم الشأن شما شجاعا. وكانت ولايته قد اتسعت من حدود اليمن إلى مدينة النبى ﷺ وبلغ من العمر نحو تسعين سنة. وكانت له قلعة ينبع بنواحى المدينة، وكثر عسكره، واستكثر من المماليك الترك، وخافته العرب في تلك البلاد خوفا عظيما. وكان في أول أمره لما ملك مكة حسن السيرة، أزال عنها المفسدين، وأحسن إلى الحجاج وأكرمهم. ثم إنه

стр. 1390

[بعد ذلك (١)] أساء السيرة وجدد المكوس بمكة، وفعل أفعالا منكرة شنيعة، ونهب الحجاج في بعض السنين وقد ذكرنا ذلك. وكان يقول الشعر الجيد، فذكر أنه طلب مرة ليحضر عند أمير الحاج العراقى كما جرت عادة أمراء مكة فلم يفعل، فعوتب من جهة الخليفة على ذلك، فكتب إلى الإمام الناصر لدين الله [أمير المؤمنين هذه الأبيات (٢)]: ولى كفّ ضرغام أدلّ (٣) ببطشها ... وأشرى بها بين الورى وأبيع تظل ملوك الأرض تلثم ظهرها ... وفى وسطها للمجدبين (٤) ربيع أأتركها (٥) تحت الرحا ثم ابتغى ... خلاصا لها؟ أنى إذا لرقيع وما أنا إلا المسك في كل بلدة ... يضوع، وأما (٦) عندكم فيضيع فلما كانت سنة ثمانى عشرة وستمائة جمع جموعا كثيرة وسار عن مكة يريد مدينة النبى ﷺ ، فنزل بوادى السباع (٧) وهو مريض. وسير أخا له على الجيش ومعه ابنه الحسن بن قتادة، فلما أبعدوا بلغ الحسن أن عمه قال

стр. 1391

لبعض الجند «إن أخى مريض وهو ميت لا محالة»، وطلب منهم أن يحلفوا له على أن يكون له ملك مكة بعد أخيه قتادة. ولما بلغ ذلك الحسن أحضر عمه واجتمع إليه كثير [١١٠ ا] من الأشراف ومماليك أبيه، وقال لعمه: بلغنى أنك فعلت كذا وكذا. فقال عمه: «لم أفعل ذلك». فأمر الحسن الحاضرين بقتل عمه فامتنعوا، وقالوا له: «أنت أمير وهذا أمير، فلا نمد (١) أيدينا إلى قتل أحدكما». فقال له مملوكان لأبيه قتادة: «نحن عبيدك فمرنا بما شئت». فأمرهما [بقتله (٢)] فوضعا عمامة عمه في عنقه وقتلاه (٣). وبلغ ذلك قتادة، فبلغ منه الغيظ كل مبلغ، وحلف ليقتلن ابنه، فكتب بعض أصحابه إلى الحسن وعرّفه ذلك وقال له: «ابدأ به قبل أن يقتلك». فعاد الحسن إلى مكة وقصد دار أبيه في نفر يسير، فرأى على الباب جمعا كثيرا فأمرهم فانصرفوا، ودخل الحسن على أبيه قتادة، فلما رآه [أبوه (٤)] شتمه وبالغ في ذمه وتهدده. فوثب الحسن على أبيه فخنقه لوقته، ثم خرج إلى الحرم الشريف، وأحضر الأشراف وقال: «إن أبى قد اشتد مرضه وقد أمركم أن تحلفوا لى على أن أكون أميركم». فحلفوا له ثم أنه أظهر تابوتا ودفنه ليظن الناس أنه مات حتف أنفه وأنه في التابوت، وكان قد دفنه سرا. فلما استقرت له الأمارة بمكة أرسل إلى أخيه الذى بقلعة ينبع على لسان أبيه يستدعيه، فلما حضر أخوه عنده قتله أيضا، وارتكب أمرا عظيما بقتل أبيه وعمه وأخيه، فلم يمهله الله تعالى وعجل زوال أمره.

стр. 1392

وكان لقتادة ابن آخر أسمه راجح وكان مقيما عند العرب بظاهر مكة، يفسد وينازع أخاه الحسن في ملك مكة. فلما قدم الحاج العراقى إلى مكة - سنة ثمان عشرة وستمائة - وكان أميرهم مملوكا من مماليك الخليفة الناصر لدين الله أسمه آق باش (١)، وكان حسن السيرة [مع الحاج (٢)] في الطريق، كثير الحماية لهم، فأتاه راجح بن قتادة وبذل له وللخليفة مالا ليساعده على استنزاع مكة من الحسن، وأن يكون هو أميرها. فأجابه آق باش إلى ذلك ووصلوا إلى مكة ونزلوا بالزاهر. وتقدم راجح وآق باش إلى مكة مقاتلين لحسن بن قتادة. وكان حسن قد جمع جموعا كثيرة من العرب وغيرهم، فخرج إليهما من مكة وقاتلهما. وتقدم آق باش من بين عسكره منفردا، وصعد جبلا هناك إدلالا بنفسه، وأنه لا يقدم عليه أحد، فاحتاط به أصحاب حسن وقتلوه وعلقوا رأسه على رمح، فانهزم العسكر العراقى. واحتاط [١١٠ ب] أصحاب حسن بالحاج لينهبوهم، فأرسل اليهم حسن عمامته أمانا لهم، فعاد أصحابه عنهم ولم ينهبوا منهم شيئا. وسكن الناس وأذن حسن لهم في دخول مكة، وإقامة مناسك الحج، فدخل الحاج وقضوا مناسكهم، وعادوا إلى العراق سالمين. وعظم على الخليفة الناصر لدين الله ما فعله حسن بن قتادة [في قتل أمير الحاج (٣)]، فوصلت رسل حسن [بن قتادة إلى الخليفة (٤)] يعتذر ويطلب العفو عنه فأجيب إلى ذلك. [ولم يظهر لراجح بن قتادة خبر بعد الوقعة (٥)]. فلما كان الموسم من هذه السنة - أعنى سنة تسع عشرة وستمائة - قدم الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى مكة حاجا، فلما كان يوم عرفة وقد

стр. 1393

تقدمت أعلام الخليفة لترفع على الجبل، تقدم الملك المسعود بعساكره ومنع من ذلك، وأمر بتقديم أعلام أبيه السلطان الملك الكامل الواردة من الديار المصرية على أعلام الخليفة، ولم يقدر أصحاب الخليفة على منعه من ذلك، ثم رجع إلى اليمن بعد قضاء مناسك الحج. ولما بلغ الخليفة ذلك عظم عليه، وراسل السلطان الملك الكامل في إنكار ذلك، فوقع الاعتذار عنه، فقبل الخليفة العذر. وأقام الملك المسعود باليمن بعد قدومه إليها مدة يسيرة، ثم حدثته نفسه بقصد مكة وانتزاعها من حسن بن قتادة، وكان حسن قد أساء السيرة في الأشراف ومماليك أبيه وتفرقوا عنه، ولم يبق عنده إلا نفر قليل. فقدم الملك المسعود مكة في رابع شهر ربيع الأول (١) من سنة عشرين وستمائة، فلقيه حسن بن قتادة في المسعى، وقاتله ببطن مكة، فانهزم الحسن وفارق مكة بمن معه. وملك الملك المسعود مكة واستولى عليها، وأمر أن ينبش قبر أبى عزيز قتادة ويحرق، فنبشوه فظهر التابوت الذى دفنه الحسن والناس ينظرون اليه، فلم يروا فيه شيئا، فعلموا حينئذ أن الحسن كان دفن أباه سرا، وأنه لم يجعل في التابوت شيئا. وذاق الحسن وبال أمره [وقطيعة رحمه (٢)] بقتله أباه وعمه وأخاه، وولى الملك المسعود بمكة واليا من قبله وعاد إلى اليمن.

стр. 1394

ودخلت سنة عشرين وستمائة والسلطان الملك الأشرف مظفر الدين موسى مقيم بالديار المصرية عند أخيه السلطان الملك الكامل، مجتمعان على مسراتهما ومتنزهاتهما وأخوهما الملك المعظم [١١١ ا] شرف الدين عيسى مقيم بسلمية مستول عليها وعلى المعرة من أعمال حماة، مصمم العزم على حصار حماه [وأخذها (١)]. وتقدم الملك المعظم إلى العرب بقطع الميرة عن حماه ومنع من يقصدها من الجند لانجاد صاحبها [الملك الناصر (٢)]، وجعل طريق القوافل على سلمية. وتحدث الناس بأن الأمير حسام الدين بن أمير التركمان قد اتفق مع الملك المعظم وأنه قد صاهر الأمير ناصر الدين منكورس بن ناصح الدين خمارتكين صاحب صهيون. وكان الأمير سيف الدين على بن قلج (٣) هو الذى أشار على الأتابك شهاب الدين طغريل بترتيب ابن أمير التركمان بجبلة واللاذقية وضمنه. فلما تحدث الناس بذلك توجه الأمير سيف الدين بن قلج إلى ابن أمير التركمان وتقدم إليه بتسليم جبلة واللاذقية إليه فلم يمتنع من ذلك حسام الدين، فعلم بذلك أنه لم يكن لما ذكر صحة، فترك سيف الدين باللاذقية وجبلة أخاه عماد الدين بن قلج، واستصحب حسام الدين معه إلى حلب فأقام بها إلى أن زال الأستشعار من الملك المعظم وردتا إليه.

стр. 1395

ذكر رحيل الملك المعظم عن سلمية ورجوعه إلى دمشق وابتداء الوحشة بينه وبين أخويه باطنا ولما وصلت الأخبار إلى الديار المصرية إلى الملك الأشرف بما فعله أخوه الملك المعظم [بالملك الناصر (١)] عظم ذلك عليه جدا وتنمر منه، وخاطب في ذلك أخاه السلطان الملك الكامل وقال: «إن تركنا الملك المعظم يحاصر حماة ويأخذها، تعدى ذلك إلى غيرها، وأطمعته نفسه بالاستيلاء على البلاد كلها، والمصلحة الأنكار عليه وتهديده وتخويفه من مغبة فعله، والتقدم إليه بالرجوع إلى بلاده، وأن يسلم بلاد صاحب حماة إليه». فوقع الاتفاق على أن كاتب الملك الأشرف الحاجب حسام الدين على الموصل، وهو نائب الملك الأشرف في بلاده، بأن يمضى إلى حلب ويجتمع بالأتابك شهاب الدين طغريل ويعلمه إن الملك الأشرف كتب إليه في ترحيل الملك المعظم عن بلاد صاحب حماة، وأن يعلم الأتابك أن هذا الذى وقع لم يكن يرضى السلطانين (٢) الملك الكامل والملك الأشرف وأنهما لا يوافقانه على ذلك [١١١ ب]. ثم سار الحاجب إلى الملك المعظم [بعد أن أخبر الأتابك شهاب الدين ذلك (٣)] في هذا المعنى. وأرسل السلطان الملك الكامل الأمير ناصح الدين أبا المعالى الفارسى - أحد الأمراء الحلبيين وكان بمصر في خدمة الملك الأشرف - إلى الملك المعظم في [هذا (٤)] المعنى. فاجتمعا معا بالملك المعظم وقال له ناصح الدين الفارسى: «مولانا السلطان الملك الكامل يأمر المولى بالرحيل، وترك الخلاف». فقال: «السمع والطاعة». فترددت الرسالة بين الملك المعظم والملك الناصر صاحب

стр. 1396

حماه على يد عفيف الدين عبد الله السلمانى بن مراخل، وهو ابن أخى القاضى حجة الدين قاضى حماه، وكان متقدما عند ملوك بنى أيوب متوجها عندهم، بسبب مكارمته لهم ولغامانهم ولكل من يرد إلى سلمية من جهتهم. فتقررت قواعد الصلح بين الملك المعظم وابن أخته (١) الملك الناصر على دخن. ورحل الملك المعظم عن سلمية مغضبا محنقا على أخويه، وكان ذلك ابتداء الوحشة بينه وبينهما، وكانت أطماعه قد تعلقت بالاستيلاء على حماه وبلادها وإضافتها (٢) إلى ممالكه. وفى هذه السنة نقل تابوت السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازى صاحب حلب ﵀ من الحجرة [التي دفن (٣)] بها بقلعة حلب إلى القبة التي بنيت له بالمدرسة التي أنشأها الأتابك شهاب الدين طغريل له ولدفنه (٤) بها، وذلك في مستهل شعبان. ذكر انتزاع سلمية من الملك الناصر صاحب حماه وتسليمها إلى أخيه الملك المظفر تقى الدين محمود وكان الملك المظفر [محمود بن الملك المنصور محمد بن تقى الدين عمر (٥)]- كما ذكرنا (٦) - مقيما عند خاله السلطان الملك الكامل بالديار المصرية. وكان الملك الكامل يؤثر تمليكه حماة، إذ هو ولى عهد أبيه الملك المنصور والأكبر من

стр. 1397

أولاده، ولخدمته السلطان الملك الكامل وانتمائه إليه، لكن الملك الأشرف غير مجيب إلى ذلك لانتماء الملك الناصر [صاحب حماه (١)] إليه. وجرت بين السلطانين الملك الكامل والملك الأشرف في ذلك مراجعات كثيرة. وآخر ما استقر الأمر بينهما عليه أن ينتزع الملك المظفر من أخيه بعض بلاد [١١٢ ا] والده، فلم يسمح الملك الأشرف له إلا بسلمية وحدها، وتبقى حماه والمعرة وبعرين بيد الملك الناصر. فوقع الاتفاق على ذلك، فتسلم الملك المظفر سلمية وسير إليها من قبله الأمير حسام الدين أبا على بن محمد بن أبى على الهذبانى ﵀، وأمره بعمارة القلعة التي في داخلها، فوصل حسام الدين إلى سلمية وشرع في عمارة قلعتها وتحصينها. ذكر وصول الملك الأشرف إلى حلب بالخلع السلطانية والتقليد للسلطان الملك العزيز بن الملك الظاهر ﵀ وفى هذه السنة رحل السلطان الملك الأشرف من الديار المصرية متوجها إلى بلاده، واستصحب معه من السلطان الملك الكامل الخلع السلطانية وتقليد السلطنة بممالك حلب والسناجق (٢) للملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر. ولما وصل إلى دمشق التقاه أخوه الملك المعظم وأنزله بقلعة دمشق [فأقام عنده ثلاثة أيام] (٣). ووصل [الملك الأشرف (٤)] إلى حلب في شوال من هذه السنة، والتقاه الملك العزيز صاحب حلب ﵀ وعمره يومئذ عشر سنين.

стр. 1398

ونزل الملك الأشرف بخيمة قبلى المقام وشرقيه بالقرب من قرنبيا (١). وجمع الملك العزيز أهل البلد من الأكابر والأمراء والمعممين ودخلوا الخيمة في خدمة الملك العزيز، ومد السماط للناس فأكلوا. فلما رفع السماط وخرج الناس أحضرت الخلع الكاملية وأفيضت على الملك العزيز، ووقف الملك الأشرف في خدمته، ثم أحضر له المركوب فركبه، وحمل الملك الأشرف الغاشية بين يديه حتى خرج من الخيمة وركب إلى القلعة. وأقام الملك الأشرف بحلب عشرة أيام، واتفق رأيه مع الأمراء على إخراب قلعة اللاذقية، فسار العسكر إليها فخربوها، ثم توجه الملك الأشرف إلى حران. ذكر الحرب بين عسكر خلاط والكرج [كان (٢) صاحب سرمارى (٣) في طاعة الملك المظفر شهاب الدين صاحب خلاط. وكنا ذكرنا تمليك الأشرف [موسى بن العادل (٤)] أخاه الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل [١١٢ ب] خلاط وبلادها وميافارقين (٥)، وكان قد جعله ولى عهده. فقدم في هذه السنة صاحب سرمارى على الملك المظفر شهاب الدين. وكان صاحب سرمارى لما توجه إلى خدمة الملك

стр. 1399

المظفر استخلف] بها أميرا من أمرائه، فجمع ذلك الأمير جمعا [كثيرا (١)] وسار إلى [بلاد (٢)] الكرج، ونهب عدة قرى وعاد. فجمع صاحب دوين (٣)، وهو من أكبر أمراء الكرج، عسكرا، وسار إلى سرمارى، فحصرها أياما ونهب بلادها [وسوادها (٤)] ورجع. ولما بلغ ذلك صاحب سرمارى عاد إليها، فوصل إليها في اليوم الذى رجع فيه الكرج عنها، فأخذ عسكرا وتبع الكرج، فأوقع بساقتهم فقتل منهم وغنم، واستنقذ منهم بعض ما أخذوه من الغنائم [ورجع (٥)]. ثم جمع صاحب دوين جمعا كثيرا من الكرج وسار إلى سرمارى ليحصرها، فوصل الخبر بذلك إلى صاحبها فحصّنها وجمع ما يحتاج إليه من الذخائر. وأتاه من أخبره أن الكرج بواد ضيق، فسار بجميع عسكره وفرقه فرقتين: فرقة في أعلى الوادى وفرقة في أسفله، ثم حملوا على الكرج وهم غافلون، ووضعوا السيف فيهم، فقتلوا وأسروا خلقا [كثيرا (٦)]. وكان في جملة الأسرى صاحب دوين نفسه في جماعة من مقدمى جنده. وسلم من هرب منهم في أسوأ حال. ولما بلغ ذلك ملك الكرج أرسل إلى الملك الأشرف [موسى بن العادل، صاحب ديار الجزيرة، وهو الذى أعطى خلاط وأعمالها الأمير شهاب الدين (٧)]

стр. 1400

يقول له: «كنا نظن أننا صلح، والآن فقد عمل صاحب سرمارى هذا العمل، فان كنا على الصلح فنريد إطلاق أصحابنا من الأسر، وإن كان الصلح قد انفسخ [بيننا (١)] فتعرفونا (٢) ذلك حتى ندبر أمرنا». فأرسل الملك الأشرف إلى صاحب سرمارى يأمره (٣) بإطلاق الأسرى، وتجديد الصلح مع الكرج. ففعل ذلك، وأطلق الأسرى واستقرت قاعدة الصلح. ذكر ما تجدد ببلاد العجم (٤) في هذه السنة كنا قد ذكرنا (٥) ملك التتر لبلاد العجم وما فعلوه فيها من السفك والنهب، وما جرى بينهم وبين السلطان جلال الدين منكبرتى بن السلطان علاء الدين محمد ابن تكش وتوجهه إلى بلاد الهند هربا منهم لما اختلف عليه عسكره [١١٣ ا]. وكان قد ملّك أخاه غياث الدين بن علاء الدين كرمان، فلما توجه جلال الدين إلى الهند تغلب غياث الدين على الرى واصفهان وهمذان وغير ذلك من عراق العجم وهى البلاد المعروفة ببلاد الجبل. وكان مع غياث الدين في خدمته خاله إيغان طايسى (٦)، وهو أكبر أمير معه، لا يصدر [غياث الدين (٧)] إلا عن رأيه والحكم إليه في جميع المملكة. فلما

стр. 1401

عظم شأنه حدثته نفسه بالإستيلاء على الملك، وحسن له ذلك غيره وأطمعه فيه. وقد ذكر أن الخليفة الناصر لدين الله أقطعه البلاد سرا، وأمره بذلك، فقويت نفسه على الخلاف واستفسد جماعة من العسكر واستمالهم إليه. فلما تم أمره أظهر الخلاف على غياث الدين بن خوارزم شاه، وخرج عن طاعته، وقصد بلاد أذربيجان وبها مملوك من مماليك مظفر الدين أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران، يقال له بغدى، قد عصى على أستاذه أزبك وصار يفسد في البلاد، ويقطع الطريق، وينهب القرى. وانضاف إليه جمع كثير من المفسدين ومعه مملوك آخر يقال له أيبك الساقى (١) قد وافقه على الفساد والعصيان، فاجتمع إيغان طايسى خال غياث الدين بهما، [واتفقوا (٢)] وساروا جميعا إلى غياث الدين بن خوارزم شاه ليقاتلوه، ويملكوا البلاد ويخرجوه منها. فجمع غياث الدين عسكره والتقوا [واقتتلوا قتالا شديدا (٣)]، فانهزم ايغان طايسى ومن معه وقتل من عسكره وأسر خلق كثير. وعاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال، وأقام غياث الدين في بلاده التي بيده. وعم الجراد في هذه السنة أكثر البلاد فأهلك كثيرا من الغلات والخضروات بالعراق والجزيرة وديار بكر والشام.

стр. 1402

ودخلت سنة إحدى وعشرين وستمائة والممالك على ما كانت عليه في السنة الماضية ذكر عود التتر إلى الرى وهمذان كان أهل عراق العجم بعد أن قتلت فيهم الطائفة المغربة (١) من التتر ما قتلوا (٢)، وسبوا [ما سبوا (٣)] ثم رجعوا عنهم، قد عاد من سلم منهم من أهل البلاد من المسلمين [١١٣ ب] إلى البلاد وعمروها واطمأنوا، وظنوا أن التتر لم تبق لهم معاودة إلى البلاد. فلم يشعروا في هذه السنة إلا والتتر قد وصلوا إليهم في أولها، فلم يمتنعوا عنهم، فوضعوا في أهل الرى السيف وقتلوهم كيف شاؤوا (٤). ثم ساروا إلى ساوة (٥) ففعلوا بها كذلك، ثم قصدوا قم (٦) وقاشان، وكانتا قد سلمتا من التتر في النوبة الاولى؛ فأنهم لم يقربوهما (٧) في تلك المرة، ولم يصب

стр. 1403

أهلها أذى، فأتوهما في هذه المرة وقتلوا أهلهما وخربوهما، وألحقوهما بغيرهما من البلاد في الخراب. ثم ساروا في البلاد يخربون وينهبون ويقتلون، ثم قصدوا همذان وكان قد اجتمع بها كثير من الذين سلموا من أهلها، فأبادهم التتر قتلا وسبيا. وخربوا البلاد وكانوا لما وصلوا إلى الرى وجدوا بها عسكرا كثيرا من عسكر خوارزم شاه، فكبسوهم وقتلوا فيهم، وهرب من بقى منهم إلى أذربيجان ونزلوا بأطرافها. فلم يشعروا إلا والتتر قد كبسوهم [مرة ثانية (١)] ووضعوا فيهم السيف، فولوا منهزمين. ووصلت طائفة منهم إلى توريز وتفرق الباقون. ووصل التتر إلى قريب توريز وأرسلوا إلى صاحبها مظفر الدين أزبك بن البهلوان يقولون له: «إن كنت موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية وإلا فتعرفنا إنك غير موافق لنا». فعمد إلى من عنده من الخوارزمية فقتل بعضهم وأسر بعضهم، وحمل الأسرى والرؤس إلى التتر، وأنفذ معهم (٢) من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا، فعادوا عن بلاده طالبين خراسان. وقد ذكر أن هذه الطائفة من التتر كانوا ثلاثة آلاف فارس، وكان الخوارزميه الذين انهزموا ستة آلاف فارس، وعسكر أزبك [مظفر الدين بن البهلوان (٣)] صاحب أذربيجان أكثر من الجميع، فألقى الله تعالى الخذلان في الكل، ولم يقدر لهم الدفع عن أنفسهم فنعوذ بالله من الخذلان.

стр. 1404

ذكر استيلاء غياث الدين بن خوارزم شاه على بلاد فارس قد ذكرنا استيلاء غياث الدين على عراق العجم مضافة إلى بلاد كرمان [١١٤ ا]، وذكرنا ما جرى له مع خاله إيغان طايسى وانتصاره عليه، وكان قد جعل مدينه اصفهان كرسى مملكته (١)، وأقام بها وحصنها. وكان التتر في المرة الاولى قد حصروا أصفهان فلم يقدروا عليها لكثرة الخلق بها، وعظمها وحصانتها، فرجعوا عنها. وفى أول هذه السنة قصد غياث الدين مملكة فارس وصاحبها أتابك سعد ابن دكلا. ولما صار غياث الدين في أطرافها خافه أتابك سعد فهرب منه إلى اصطخر (٢) واحتمى بها، وسار غياث الدين إلى مدينة شيراز، وهى كرسى مملكة فارس وأعظمها، فملكها بغير تعب، واستولى على أكثر بلاد فارس، ولم يبق بيد أتابك سعد غير الحصون المنيعة، فلما طال الأمر على سعد صالح غياث الدين على أن يكون لسعد من البلاد قسم اتفقوا عليه، ولغياث الدين الباقى. وأقام غياث الدين بشيراز وازداد رغبته في المقام بها وعزما عليه (٣)، لما سمع أن التتر قد طرقوا الرى والبلاد التي له وأخربوها.

стр. 1405

ذكر عصيان الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل على أخيه الملك الأشرف بخلاط كنا قد ذكرنا (١) أن الملك الأشرف [موسى بن العادل أبى بكر بن أيوب (٢)] أنعم على أخيه الملك المظفر شهاب الدين غازى خلاط وأعمالها، وهى مملكة عظيمة جدا، وهى التي يسمى أقليمها بأرمينية، وتناهز مملكته على ما قيل مملكة مصر. وأضاف إليه ميافارقين وحانى وجبل جور، ولم يقنع [الملك الأشرف (٣)] له بذلك حتى جعله ولى عهده في جميع بلاده، وحلف له العساكر وجميع النواب بالبلاد، إذ لم يكن للملك الأشرف ولد ذكر. وكنا ذكرنا (٤) وقوع الوحشة بين الملك المعظم صاحب دمشق وأخويه الملك الكامل والملك الأشرف بسبب ما قدمنا ذكره من ترحيلهما إياه عن بلاد حماه. وكان قد طال مقام الملك الأشرف عند أخيه الملك الكامل، وبلغه عنهما اتفاق وتصاف شديد، وتوهم منهما أنهما يقصدان أخذ بلاده منه، فاستوحش لذلك فأرسل إلى مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك صاحب إربل يدعوه إلى الأتفاق معه، ويأمره أن يقصد بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ويحصره. وكان بدر الدين [١١٤ ب]- كما قدمنا ذكره - منتميا إلى الملك الأشرف، وكان مظفر الدين يعادى بدر الدين لؤلؤ ويبغضه لقلعه البيت الأتابكى واستيلائه على ولدى الملك القاهر؛ وهما ابنا بنت مظفر الدين التي هى من ربيعه خاتون أخت الملك العادل، ولأخذه من زوج إبنته الأخرى
следующие страницы →