← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

عظم شأنه حدثته نفسه بالإستيلاء على الملك، وحسن له ذلك غيره وأطمعه فيه. وقد ذكر أن الخليفة الناصر لدين الله أقطعه البلاد سرا، وأمره بذلك، فقويت نفسه على الخلاف واستفسد جماعة من العسكر واستمالهم إليه. فلما تم أمره أظهر الخلاف على غياث الدين بن خوارزم شاه، وخرج عن طاعته، وقصد بلاد أذربيجان وبها مملوك من مماليك مظفر الدين أزبك بن البهلوان صاحب أذربيجان وأران، يقال له بغدى، قد عصى على أستاذه أزبك وصار يفسد في البلاد، ويقطع الطريق، وينهب القرى. وانضاف إليه جمع كثير من المفسدين ومعه مملوك آخر يقال له أيبك الساقى (١) قد وافقه على الفساد والعصيان، فاجتمع إيغان طايسى خال غياث الدين بهما، [واتفقوا (٢)] وساروا جميعا إلى غياث الدين بن خوارزم شاه ليقاتلوه، ويملكوا البلاد ويخرجوه منها. فجمع غياث الدين عسكره والتقوا [واقتتلوا قتالا شديدا (٣)]، فانهزم ايغان طايسى ومن معه وقتل من عسكره وأسر خلق كثير. وعاد المنهزمون إلى أذربيجان على أقبح حال، وأقام غياث الدين في بلاده التي بيده. وعم الجراد في هذه السنة أكثر البلاد فأهلك كثيرا من الغلات والخضروات بالعراق والجزيرة وديار بكر والشام.

стр. 1402

ودخلت سنة إحدى وعشرين وستمائة والممالك على ما كانت عليه في السنة الماضية ذكر عود التتر إلى الرى وهمذان كان أهل عراق العجم بعد أن قتلت فيهم الطائفة المغربة (١) من التتر ما قتلوا (٢)، وسبوا [ما سبوا (٣)] ثم رجعوا عنهم، قد عاد من سلم منهم من أهل البلاد من المسلمين [١١٣ ب] إلى البلاد وعمروها واطمأنوا، وظنوا أن التتر لم تبق لهم معاودة إلى البلاد. فلم يشعروا في هذه السنة إلا والتتر قد وصلوا إليهم في أولها، فلم يمتنعوا عنهم، فوضعوا في أهل الرى السيف وقتلوهم كيف شاؤوا (٤). ثم ساروا إلى ساوة (٥) ففعلوا بها كذلك، ثم قصدوا قم (٦) وقاشان، وكانتا قد سلمتا من التتر في النوبة الاولى؛ فأنهم لم يقربوهما (٧) في تلك المرة، ولم يصب

стр. 1403

أهلها أذى، فأتوهما في هذه المرة وقتلوا أهلهما وخربوهما، وألحقوهما بغيرهما من البلاد في الخراب. ثم ساروا في البلاد يخربون وينهبون ويقتلون، ثم قصدوا همذان وكان قد اجتمع بها كثير من الذين سلموا من أهلها، فأبادهم التتر قتلا وسبيا. وخربوا البلاد وكانوا لما وصلوا إلى الرى وجدوا بها عسكرا كثيرا من عسكر خوارزم شاه، فكبسوهم وقتلوا فيهم، وهرب من بقى منهم إلى أذربيجان ونزلوا بأطرافها. فلم يشعروا إلا والتتر قد كبسوهم [مرة ثانية (١)] ووضعوا فيهم السيف، فولوا منهزمين. ووصلت طائفة منهم إلى توريز وتفرق الباقون. ووصل التتر إلى قريب توريز وأرسلوا إلى صاحبها مظفر الدين أزبك بن البهلوان يقولون له: «إن كنت موافقنا فسلم إلينا من عندك من الخوارزمية وإلا فتعرفنا إنك غير موافق لنا». فعمد إلى من عنده من الخوارزمية فقتل بعضهم وأسر بعضهم، وحمل الأسرى والرؤس إلى التتر، وأنفذ معهم (٢) من الأموال والثياب والدواب شيئا كثيرا، فعادوا عن بلاده طالبين خراسان. وقد ذكر أن هذه الطائفة من التتر كانوا ثلاثة آلاف فارس، وكان الخوارزميه الذين انهزموا ستة آلاف فارس، وعسكر أزبك [مظفر الدين بن البهلوان (٣)] صاحب أذربيجان أكثر من الجميع، فألقى الله تعالى الخذلان في الكل، ولم يقدر لهم الدفع عن أنفسهم فنعوذ بالله من الخذلان.

стр. 1404

ذكر استيلاء غياث الدين بن خوارزم شاه على بلاد فارس قد ذكرنا استيلاء غياث الدين على عراق العجم مضافة إلى بلاد كرمان [١١٤ ا]، وذكرنا ما جرى له مع خاله إيغان طايسى وانتصاره عليه، وكان قد جعل مدينه اصفهان كرسى مملكته (١)، وأقام بها وحصنها. وكان التتر في المرة الاولى قد حصروا أصفهان فلم يقدروا عليها لكثرة الخلق بها، وعظمها وحصانتها، فرجعوا عنها. وفى أول هذه السنة قصد غياث الدين مملكة فارس وصاحبها أتابك سعد ابن دكلا. ولما صار غياث الدين في أطرافها خافه أتابك سعد فهرب منه إلى اصطخر (٢) واحتمى بها، وسار غياث الدين إلى مدينة شيراز، وهى كرسى مملكة فارس وأعظمها، فملكها بغير تعب، واستولى على أكثر بلاد فارس، ولم يبق بيد أتابك سعد غير الحصون المنيعة، فلما طال الأمر على سعد صالح غياث الدين على أن يكون لسعد من البلاد قسم اتفقوا عليه، ولغياث الدين الباقى. وأقام غياث الدين بشيراز وازداد رغبته في المقام بها وعزما عليه (٣)، لما سمع أن التتر قد طرقوا الرى والبلاد التي له وأخربوها.

стр. 1405

ذكر عصيان الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل على أخيه الملك الأشرف بخلاط كنا قد ذكرنا (١) أن الملك الأشرف [موسى بن العادل أبى بكر بن أيوب (٢)] أنعم على أخيه الملك المظفر شهاب الدين غازى خلاط وأعمالها، وهى مملكة عظيمة جدا، وهى التي يسمى أقليمها بأرمينية، وتناهز مملكته على ما قيل مملكة مصر. وأضاف إليه ميافارقين وحانى وجبل جور، ولم يقنع [الملك الأشرف (٣)] له بذلك حتى جعله ولى عهده في جميع بلاده، وحلف له العساكر وجميع النواب بالبلاد، إذ لم يكن للملك الأشرف ولد ذكر. وكنا ذكرنا (٤) وقوع الوحشة بين الملك المعظم صاحب دمشق وأخويه الملك الكامل والملك الأشرف بسبب ما قدمنا ذكره من ترحيلهما إياه عن بلاد حماه. وكان قد طال مقام الملك الأشرف عند أخيه الملك الكامل، وبلغه عنهما اتفاق وتصاف شديد، وتوهم منهما أنهما يقصدان أخذ بلاده منه، فاستوحش لذلك فأرسل إلى مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك صاحب إربل يدعوه إلى الأتفاق معه، ويأمره أن يقصد بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل ويحصره. وكان بدر الدين [١١٤ ب]- كما قدمنا ذكره - منتميا إلى الملك الأشرف، وكان مظفر الدين يعادى بدر الدين لؤلؤ ويبغضه لقلعه البيت الأتابكى واستيلائه على ولدى الملك القاهر؛ وهما ابنا بنت مظفر الدين التي هى من ربيعه خاتون أخت الملك العادل، ولأخذه من زوج إبنته الأخرى

стр. 1406

عماد الدين زنكى بن نور الدين بلاده. فأجاب مظفر الدين إلى ذلك وتجهز لقصد الموصل وحصارها. وكاتب الملك المعظم أيضا أخاه الملك المظفر شهاب الدين يحسن له الخروج على الملك الأشرف ومحاربته، ووعدهما من نفسه أنه يخرج من دمشق في عساكره ويقصد البلاد الشرقية، وينتزعها من يد الملك الأشرف. فأجاب الملك المظفر [شهاب الدين غازى (١) بن العادل] أخاه الملك المعظم إلى ذلك، وعصى بخلاط على أخيه الملك الأشرف وأظهر مغاضبته (٢)، والتجنى عليه، والخروج عن طاعته. فراسله الملك الأشرف [لما سمع بذلك (٣)]، واستماله وعاتبه على ما فعل فلم يرعو (٤) إلى ذلك، وأصر على خلافه. واتفق الملك المعظم والملك المظفر ومظفر الدين صاحب إربل على محاربة الملك الأشرف. ثم رحل الملك المعظم في عساكره من دمشق، ونزل القطنه (٥) في البرية على نية قصد الشرق. ذكر انتصار (٦) الملك الأشرف على أخيه الملك المظفر وانتزاع خلاط منه ثم عفوه عنه وإقراره على ميافارقين ولما جرى ما ذكرناه أرسل الملك الأشرف إلى أخيه الملك الكامل يعرفه الحال، فأرسل الملك الكامل إلى أخيه الملك المعظم يقول له: «إن

стр. 1407

تحركت من بلدك سرت إليه (١) وأخذته منك»، فلما وصلت (٢) إلى الملك المعظم رسالة أخيه بذلك خاف وعاد إلى دمشق. وجمع مظفر الدين صاحب إربل العساكر وسار إلى الموصل وحصرها ونازلها يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة من هذه السنة أعنى سنة إحدى وعشرين وستمائة؛ ظنا منه أن الملك الأشرف إذا سمع بمنازلة الموصل لا يقصد خلاط، ويخرج عليه [إخوته] (٣) الملك المظفر والملك المعظم، وتتخبط أحواله. فلما نازل [مظفر الدين (٤)] الموصل لم يجد فيها مطمعا لأن صاحبها بدر الدين [لؤلؤ (٥)] كان قد أحكم أمورها من استخدام الجند [على الأسوار (٦)] والأستكثار [١١٥ ا] من آلات الحرب والذخائر. وكان مما قوى طمع مظفر الدين في الموصل إن أكثر عساكرها سيرهم بدر الدين لؤلؤ إلى الملك الأشرف نجدة له على أخيه [الملك المظفر (٧)]، فقل العسكر بها. وكان الغلاء شديدا في البلاد جميعها، بسبب ما ذكرنا من كثرة الجراد (٨). وأقام مظفر الدين محاصرا لها عشرة أيام ثم رحل عنها يوم الجمعة لسبع (٩) ليال بقين من جمادى الآخرة. وكان سبب رحيله عنها ما رآه من

стр. 1408

قوتها، وما بلغه من إستيلاء الملك الأشرف على خلاط. فرحل [مظفر الدين (١)] عائدا إلى بلده وأقام بالزاب. وكان الملك الأشرف قد استدعى عسكر حلب فسار إليه عسكر قوى فيهم سيف الدين قلج وعلم الدين قيصر وحسام الدين بلدق، وسار بالعساكر إلى خلاط ومعه (٢) مع عسكر حلب عساكر الجزيره وعسكر الموصل. ولما قرب من خلاط خافه أخوه الملك المظفر، ولم يكن له قوة على لقائه ومحاربته، ففرق عساكره في البلاد لتحصينها، وانتظر أن يسير مظفر الدين صاحب إربل إلى ما يجاوره من الموصل وسنجار، وأن يسير أخوه الملك المعظم إلى بلاد الملك الأشرف فيضطر حينئذ الملك الأشرف إلى العود عنه. فلم يحصل له ما تمناه من ذلك. وحصر الملك الأشرف خلاط، وكان أهل البلد يحبونه لعدله وحسن سيرته وفرط كرمه وسوء سيرة الملك المظفر شهاب الدين. فلما نازلها الملك الأشرف سلمها أهلها إليه يوم الأثنين ثانى عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، وامتنع الملك المظفر بالقلعة. فلما جن الليل نزل إلى أخيه الملك الأشرف معتذرا إليه، فعاتبه الملك الأشرف ولم يعاقبه على ما ارتكب من عصيانه، وأبقى عليه ميافارقين. وهذه مكرمة للبيت الأيوبى لم يكن مثلها لأحد من الملوك قبلهم، فإن من كان قبلهم، وخصوصا آل سلجوق، كان إذا ظفر [أحد (٣)] منهم بأخيه أو ابن عمه الخارج عليه لا يبقيه أصلا، بل إما أن يوسطه بالسيف أو يخنقه بوتر القوس، وأحسن أحواله أن يعتقله ويضيق عليه إلى أن يموت كمدا. وسيأتى من أخبار هذا البيت ما يؤكد ما ذكرناه. ثم

стр. 1409

عاد الملك الأشرف وعساكر حلب في شهر رمضان من هذه السنة [١١٥ ب]، وشتى الملك الأشرف بسنجار. وفى هذه السنة انهدم من سور [قلعة (١)] حلب الأبراج التي تلى [باب (٢)] الجبل من حد المركز وهى عشرة أبراج، وتساقطت مع أبدانها وذلك في سلخ ذى القعدة، ووافق ذلك شدة البرد في الاربعينيات (٣)، فاهتم الأتابك شهاب الدين طغريل بعمارتها وتحصيل آلاتها، ولازمها بنفسه حتى أتمها. وفى هذه السنة ورد إلى والدى ﵀ كتاب من السلطان الملك المعظم ﵀ يستدعيه إلى خدمته على يد عفيف الدين بن مراحل السلمانى (٤). وكان مترددا في الرسائل بين الملك المعظم والملك الناصر صاحب حماه، فسافرنا من حماه في أواخر شعبان، فوجدنا منه ﵀ إقبالا عظيما. ولازم والدى الأجتماع به والحضور في خدمته. وكان الملك المعظم ﵀ في أكثر الأوقات يحاضر الفقهاء والعلماء ويباحثهم في دقائق العلوم، فطلب والدى منه المقام بالقدس الشريف لينقطع فيه للعباده. وتوقف الملك المعظم في إجابته إلى ذلك وقال للقاضى نجم الدين خليل بن المصمودى الحموى قاضى العسكر: «قل له يقيم بدمشق لأوليه أحد المنصبين القضاء أو الخطابة بجامع دمشق»، فأبى والدى إلا المضى إلى القدس. ففوض السلطان [الملك

стр. 1410

المعظم (١)] إليه تدريس المدرسة الناصرية الصلاحية (٢)، وهى المدرسة التي كان فوض صلاح الدين - رحمه لله - تدريسها إلى القاضى بهاء الدين بن شداد. ووليها بعده جماعة أكابر منهم الشيخ فخر الدين بن عساكر (٣) والشيخ تقى الدين بن الصلاح (٤) رحمهما الله. فمضينا إلى القدس في أوائل سنة إثنتين وعشرين وستمائه وأقمنا به. وفى هذه السنة سير الملك المعظم ولده الملك الناصر صلاح الدين داود إلى إربل ليكون عند عمته ربيعة خاتون بنت أيوب زوجة مظفر الدين بن زين الدين. وقصد بذلك توفيق (٥) الحال بينه وبين مظفر الدين، وذلك بعد إتفاقهما على المعاضده والتظاهر والتوازر، وأن يكونا يدا واحدة وذلك لما استحكم من الوحشة بين الملك المعظم وأخويه الملك الكامل والملك الأشرف.

стр. 1411

ودخلت سنة اثنتين وعشرين وستمائة والممالك على ما كانت عليه في السنة الماضية. [١١٦ ا] ذكر وصول السلطان جلال الدين منكبرتى بن خوارزمشاه من الهند إلى البلاد وقوة أمره كنا قد ذكرنا (١) ما جرى بين السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه وبين التتر بعد وفاة والده السلطان علاء الدين محمد بن تكش وانتصاره عليهم، وكسره لمن كسر منهم، ثم ذكرنا اختلاف عسكره عليه وتوجهه إلى بلاد الهند. فلما كانت هذه السنة، قدم [جلال الدين بن خوارزم شاه] (٢) من الهند ووصل إلى كرمان ثم وصل إلى أصفهان، وكانت - كما ذكرنا (٣) - قد امتنعت على التتر لعظمها وكثرة أهلها. وكانت عراق العجم كما ذكرنا (٤) بيد أخيه غياث الدين، وقد سار عنها إلى بلاد فارس وملك بعض بلادها، وبقى بعضها بيد أتابك سعد. فلما وصل السلطان جلال الدين إلى أصفهان ملكها واستولى على عراق العجم، ثم سار إلى فارس واستعاد ما أخذه أخوه منها، وسلمه إلى صاحبها سعد

стр. 1412

ابن دكلا، ودخل أتابك سعد وأخوه غياث الدين في طاعته. ثم سار جلال الدين إلى خوزستان، وكانت بيد الخليفة [الإمام (١)] الناصر لدين الله، فحاصر مدينة تستر في المحرم من هذه السنه. وكان بها مملوك الخليفة مظفر الدين المعروف بوجه السبع، فحصره جلال الدين وضيق عليه. وبالغ [الأمير (٢)] وجه السبع في حفظ تستر وتفرق عسكر جلال الدين (٣) ينهبون، حتى وصلوا إلى بادرايا (٤) وباكسايا (٥) وغيرهما من أعمال بغداد. وانحدر بعضهم إلى ناحية البصرة فسار اليهم والى البصرة وهو بلتكين من قبل الخليفه، فأوقع بهم وقتل منهم جماعه. ودام حصار جلال الدين لمدينة تستر شهرين، ثم رحل عنهم بغته. وكان بالقرب منه عسكر الخليفه مع الأمير جمال الدين قشتمر، مملوك الخليفه، فلم يجسر على التقدم إليه. ثم سار جلال الدين إلى بعقوبا (٦)، وهى قرية كبيرة مشهورة بينها وبين بغداد نحو سبعة فراسخ. ولما وصل الخبر بذلك إلى بغداد تجهزوا للحصار، وأصلحوا آلات الحرب، وعاد عسكر الخليفة الذى كان بإزاء جلال الدين إلى بغداد. ونهب جلال الدين البلاد وأهلكها، وغنم هو وأصحابه ما لا يقع

стр. 1413

عليه الأحصاء [١١٦ ب]، وكانوا قبل ذلك في ضائقة عظيمة، وقلة من الظهر والسلاح. ثم سار [جلال الدين (١)] إلى دقوقا فحصرها، وصعد أهلها على الأسوار وقاتلوه وشتموه، وأكثروا من التكبير (٢) عليه فعظم ذلك عليه، وجد في قتالهم، ثم أخذ المدينة عنوة، وبذل السيف في أهلها، وفعل أشنع من فعل التتر، فقتل أكثر أهلها، وذهب من سلم منهم وتفرقوا في البلاد (٣). واستولى جلال الدين على ما في دقوقا من الأموال، وكان فيها متمولون كثيرون تجار. ولما جرى ما ذكرنا على أهل دقوقا خاف أهل البوازيج (٤) من جلال الدين، وهى لبدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فطلبوا الأمان من جلال الدين وسألوه أن يبعث إليهم شحنة من قبله، وبذلوا له مالا فأجابهم [إلى ذلك (٥)]، وسير إليهم من يحميهم. وذكر أن الشخص الذى سيره لحمايتهم هو أحد أولاد جنكزخان ملك التتر، كان أسره جلال الدين في بعض حروبه ثم أكرمه فصار من أصحابه فحمى أهل البوازيج. وأقام جلال الدين مكانه إلى آخر شهر ربيع الأول (٦) من هذه السنة، والرسل مترددة بينه وبين مظفر الدين

стр. 1414

صاحب إربل [في الصلح (١)]، ثم تقررت بينهما قاعدة الصلح وسار [مظفر الدين (٢)] إلى جلال الدين ودخل في طاعته. وراسل السلطان الملك المعظم صاحب دمشق جلال الدين، واتفق معه، وصار هؤلاء الثلاثة جلال الدين وصاحب إربل والملك المعظم يدا واحدة. وفعل الملك المعظم ذلك معاندة لأخويه [الملك الكامل والملك الأشرف (٣)]. ذكر الحرب في هذه السنة بين المسلمين والكرج كان شروانشاه رشيد صاحب الدربند - الذى قدمنا ذكره (٤) - سيئ السيرة، كثير الفساد والظلم للرعية، وكان يتعرض لنسائهم وأولادهم، واشتدت وطأته عليهم، فاتفق بعض العسكر مع ولده عليه، فأخرجوه من البلاد وملكوا ولده [عليهم (٥)] فأحسن السيرة، فأحبته العساكر والرعية. وأرسل إلى والده يقول له: «المصلحة أن تكون في بعض القلاع وأجرى لك من الجرايات ما يقوم بك وبكل من تحب أن يكون عندك (٦)، والذى حملنى على ما فعلت معك سوء سيرتك وظلمك لأهل البلاد، وكراهيتهم لدولتك». فلما سمع شروانشاه [١١٧ ا] رسالة إبنه إليه سار إلى الكرج واستنصر بهم، وطلب منهم أن يسيروا معه عسكرا ليستعيد البلاد إلى نفسه، ويأخذها من ولده. فسيروا معه عسكرا كثيرا، فسار بهم حتى قرب من مدينة شروان. فلما سمع إبنه مسيره إليه

стр. 1415

سار إليه في عسكره وكانوا نحو ألف فارس، ولقى أباه والكرج وهم نحو ثلاثة آلاف فارس، واقتتلوا قتالا شديدا، فانهزمت الكرج وقتل منهم وأسر خلق كثير، وعاد من سلم منهم بأسوأ حال، ومعهم شروانشاه المخلوع. فقال (١) له مقدمو [الكرج (٢)]: «إنا لم نلق بسببك خيرا، ولا نؤاخذك بما كان منك، فلا تقم ببلادنا». ففارق بلادهم وبقى مترددا لا يأوى إلى أحد. واستقر ولده في الملك ورد إلى الرعية ما اغتصبه أبوه من أملاكهم وما أخذه منهم، فاغتبطوا به وأحبوه. وفى هذه السنة سار جمع من الكرج من تفليس يقصدون بلاد أذربيجان وهى بيد مظفر الدين أزبك بن البهلوان. ونزلوا وراء مضيق في الجبال لا يسلكه إلا الفارس بعد الفارس، فأقاموا به آمنين من المسلمين، استضعافا لهم واغترارا بحصانة موضعهم، وأنه لا طريق اليهم. فركبت طائفة من العساكر الإسلامية وقصدوهم في ذلك المضيق مخاطرين، فلم يشعر الكرج إلا وقد كبسهم المسلمون وبذلوا السيف فيهم، فقتلوهم كيف شاءوا، وولى الباقون منهزمين، وأسر منهم جمع صالح. فعظم ذلك على الكرج، وعزموا على قصد أذربيجان واستئصال المسلمين، والأخذ بثأرهم. وبينما هم كذلك إذ وصل اليهم الخبر بوصول السلطان جلال الدين منكبرتى بن خوارزم شاه إلى مراغة - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى - فنزلوا عن ذلك العزم، وراسلوا [مظفر الدين (٣)] أزبك بن البهلوان صاحب البلاد يدعونه إلى الأتفاق معهم والصلح، ليردوا جلال

стр. 1416

الدين وخوفوه منه وقالوا له: «إن لم نتفق نحن وأنت، وإلا أخذك ثم أخذنا»؛ فعاجلهم جلال الدين قبل اتفاقهم. ذكر استيلاء جلال الدين خوارزم شاه على بلاد أذربيجان (١) [١١٧ ب] كان إيغان طايسى خال غياث الدين بن خوارزم شاه، الذى تقدم ذكره وذكر الحرب بينه وبين غياث الدين (٢)، قد جمع بعد ذلك عسكرا مبلغه خمسة آلاف فارس، ونهب كثيرا من بلاد أذربيجان، ثم سار إلى البحر من بلاد أران فشتى هنالك (٣) لقلة البرد في تلك البلاد. ولما ملك السلطان [جلال الدين (٤)] دقوقا، وقتل أهلها، كما قدمنا ذكره (٥)، سار في عساكره متوجها إلى بلاد أذربيجان فقصد مراغة وهى من أحسن البلاد بها، فنازلها وملكها وأقام بها وشرع في عمارة البلد واستحسنه. ثم وصل إليه الخبر بأن إيغان طايسى قد جمع عسكرا وسار إلى همذان ليملكها ويستولى على عراق العجم. وكان سبب قصد إيغان طايسى هذه الناحية أن الخليفة الناصر لدين الله كتب إليه يطمعه فيها، وأقطعه إياها وغيرها، فسار إلى تلك الناحية ليستولى عليها. ولما بلغ ذلك السلطان جلال الدين سار إليه جريدة، فوصل إليه ليلا. وكان إيغان طايسى إذا نزل جمع (٦) حول عسكره جميع ما غنمه من أذربيجان

стр. 1417

وأران من خيل وبغال وحمير وبقر وغنم، فلما وصل جلال الدين أحاط بالجميع. ولما أصبح إيغان طايسى ورأى العسكر والجتر (١) الذى يكون على رأس السلطان علم أنه جلال الدين، فسقط في يده لأنه كان يظن أنه [كان (٢)] عند دقوقا بالعراق. فأرسل إيغان طايسى زوجته وهى أخت جلال الدين يطلب منه الأمان، فآمنه وأحضره عنده، وانضاف عسكره إلى عسكر جلال الدين، وبقى إيغان طايسى وحده، ثم أضاف إليه [جلال الدين (٣)] عسكرا غير عسكره، وعاد إلى مراغة، وأعجبه المقام بها. وكان مظفر الدين أزبك [بن البهلوان (٤)] صاحب أذربيجان وأران قد سار من توريز - التي هى كرسى مملكة أذربيجان - إلى كنجة خوفا من جلال الدين، فأرسل جلال الدين إلى من بتوريز من وال وأمير ورئيس، يطلب منهم أن يتردد عسكره اليهم يمتارون منه فأجابوه إلى ذلك وأطاعوه. وتردد العسكر إليها وباعوا واشتروا الأقوات وغيرها، ومدوا أيديهم إلى أموال الناس؛ فكان أحدهم [١١٨ ا] يأخذ الشيء قهرا ويعطى من الثمن ما يريد، فشكا بعض أهل توريز إلى جلال الدين ما يفعلون بالناس، فأرسل اليهم جلال الدين شحنة يكون عندهم، وأمره أن يقيم بتوريز، ويكف الجند عن أهلها، ومن تعدى على أحد منهم صلبه. وأقام الشحنة ومنع [الجند (٥)] من التعدى على أحد

стр. 1418

من الناس. وكانت زوجه مظفر الدين أزبك، وهى إبنة السلطان طغرل بن أرسلان بن طغرل بن محمد بن ملكشاه السلجوقى مقيمة بتوريز؛ [وهذه أبوها هو آخر السلاطين السلجوقية الذين ملكوا ببلاد العجم (١)]، وهى إبنة عم أزبك من جهة الأمومة لأن البهلوان محمد بن الدكز أبا مظفر الدين كان أخا أرسلان بن طغرل جدها لأمه، والدكز كان مملوك جد أبيها طغرل بن محمد بن ملكشاه [الأكبر] (٢) بن ألب أرسلان. وتغلب الدكز وأولاده على البلاد وحكموا على أرسلان وطغرل من بعده بحكم الأتابكية لهما. ثم قتل طغرل الأصغر وهو آخر الملوك السلجوقية ببلاد العجم، واستقل مظفر الدين أزبك بالملك، [ولم يبق من السلجوقية ملك إلا أولاد قلج أرسلان بن سليمان ابن قطلمش ملوك بلاد الروم الذين اسم الملك لهم باق بتلك البلاد إلى اليوم (٣)]. [ولم يكن لمظفر الدين أزبك همة ولا قيام بمصالح الملك لإشتغاله بشربه ولهوه وملاذه، فأعرض بسبب ذلك عن إبنة السلطان طغرل وأقامت هى بمدينة توريز (٤)]. ثم إن أهل توريز شكوا من الشحنة، [الذى (٥) رتبه عند السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه] وقالوا: «أنه يكلفنا أكثر من طاقتنا». فأمر جلال الدين أن لا يعطى إلا ما يقيم به لا غير، ففعلوا ذلك. ثم سار جلال الدين إلى توريز وحصرها وقاتل أهلها قتالا شديدا، وزحف إليها فوصل العسكر إلى

стр. 1419

السور فأذعن أهلها بالطاعة. وطلبوا من جلال الدين الأمان، وكانوا خائفين منه جدا؛ لأن جلال الدين كان يذمهم ويقول: «قتلوا أصحابنا المسلمين وأرسلوا رؤوسهم (١) إلى التتر الكفار»، وقد ذكرنا ذلك في موضعه (٢). فلما طلبوا منه الأمان ذكر [لهم (٣)] فعلهم بالخوارزمية أصحاب أبيه وقتلهم إياهم [١١٨ ب]، فاعتذروا بأنهم لم يفعلوا شيئا من ذلك، وإنما فعله صاحبهم أزبك بن البهلون ولم يكن لهم قدرة على منعه من ذلك. فقبل عذرهم وآمنهم، فطلبوا منه أن يؤمن بنت السلطان طغرل زوجة أزبك، ولا يعارضها في الذى لها من بلاد أذربيجان وهى مدينة خوىّ (٤) وغيرها من ملك ومال وغيره، فأجابهم إلى ذلك. وملك توريز في السابع عشر من هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وسير زوجة أزبك إلى خوى، ومعها طائفة من العسكر، ودخل جلال الدين إلى توريز وأمر أن لا يحجب عنه أحد، وأحسن إلى الناس وبث فيهم العدل، ووعدهم الإحسان إليهم، وقال: «قد رأيتم ما فعلت بمراغة من الإحسان والعمارة بعد أن كانت خرابا، وسترون ما أصنع معكم من العدل فيكم، وعمارة بلدكم». وحضر الجامع يوم الجمعة، فلما خطب الخطيب ودعا للخليفة الناصر لدين الله قام قائما ولم يزل كذلك حتى فرغ من الدعاء وجلس. ثم دخل [بعد الصلاة (٥)] إلى جوسق كان قد

стр. 1420

عمره أزبك وأنفق عليه مالا جليلا، وهو في غاية الحسن يشرف على البساتين، فلما طاف فيه وخرج منه قال: «هذا من مساكن الكسالى ولا يصلح لنا». ذكر إيقاع السلطان جلال الدين [بن علاء الدين (١)] خوارزم شاه بالكرج ولما ملك جلال الدين [توريز وأكثر بلاد أذربيجان (٢)] واستفحل أمره وكثرت عساكره، أرسل إلى الكرج يؤذنهم بالحرب فأجابوه: «بأننا قصدنا التتر الذين فعلوا بأبيك علاء الدين خوارزم شاه الذى فعلوا، وبددوا عساكره وملكوا بلاده، وأفنوا أهلها قتلا وأسرا (٣)، ثم هرب منهم إلى جزيرة في البحر فمات فيها كمدا، وكان أعظم منك ملكا (٤)، وأبعد صيتا، وأكثر عسكرا، وأقوى نفسا، ولم ينال بحربهم، وكان قصاراهم (٥) أن سالمونا». وشرعت الكرج في جمع العساكر فجمعوا ما يزيد عل ستين (٦) ألفا فسار إليهم جلال الدين [وقد أغاظه كلامهم (٧)]، ونازل مدينة دوين وهى من بلادهم، وكانت قبل ذلك للمسلمين [فأخذها بالأمان (٨)] ثم سار منها إليهم، وضرب معهم مصافا، واقتتلوا قتالا كثيرا، فانهزمت الكرج أقبح هزيمة، فأمر

стр. 1421

جلال الدين أن يقتلوا بكل طريق، ولا يبقى على أحد منهم. وبلغت عدة القتلى منهم عشرين ألفا وقيل أكثر من ذلك [١١٩ ا]، وأسر كثير من أعيانهم، ومضى إيوانى مقدم الكرج منهزما، ولم يكن ملكهم بالحقيقة، وإنما كان الملك يومئذ في امرأة وقد قال النبى ﷺ : «لن (١) يفلح قوم ولوا أمرهم إمرأة». ولما انهزم إيوانى أدركه الطلب فصعد إلى قلعة لهم على طريقه فاحتمى بها، فرتب جلال الدين عليها من يحصرها ويمنعه من النزول منها، ثم فرق عساكره في بلاد الكرج ينهبون ويقتلون ويسبون ويخربون (٢) البلاد. فلولا ما عرض ما سنذكره (٣) الآن لملك جلال الدين بلاد الكرج، واستأصل أهلها قتلا وسبيا. ولما فرغ جلال الدين من هزيمة الكرج ودخل بلادهم بث العساكر فيها وأمرهم بالمقام بها مع أخيه غياث الدين بن خوارزم شاه - وكان قد انضم إليه كما ذكرنا وصار من أتباعه - وكان قد بلغ جلال الدين قبل هزيمة الكرج من جهة وزيره شرف الملك، وكان قد تركه بتوريز لحفظ البلد والنظر في مصالح الرعية، أنه اتفق شمس الدين الطغرائى (٤) مقدم أهل توريز مع الرئيس بها (٥) وسائر المقدمين بالبلد، [وتحالفوا (٦)] وتعاقدوا على العصيان على جلال

стр. 1422

الدين، وإعادة البلد إلى مظفر الدين أزبك بن البهلوان، وقالوا: «[إن (١)] جلال الدين قد قصد بلاد الكرج فإذا عصينا عليه وأحضرنا أزبك إلينا ومن معه من العسكر، يضطر جلال الدين إلى العود إلينا، فإذا عاد تبعه الكرج فلا يقدر على المقام ببلاد أذربيجان، ويجتمع أزبك والكرج ويقصدونه فينحل نظام أمره، وتتم عليه الهزيمة». ولما بلغ ذلك جلال الدين كتمه إلى أن كسر الكرج، فلما كسرهم وفرغ من أمرهم أحضر أمراء عسكره وقال [لهم]: «(٢) قد بلغنى كذا وكذا، فتقيمون أنتم بالبلاد على ما أنتم عليه من قتل من ظفرتم [به (٣)] من الكرج وتخريب ما أمكنكم من بلادهم، فأنى خفت أن أعرفكم ذلك قبل هزيمة الكرج، لئلا يلحقكم وهن وخوف». فأقاموا على حالهم وعاد جلال الدين إلى توريز، وقبض على الرئيس وغيره من المقدمين، وأمر أن يطاف بالرئيس البلد [وشمس الدين الطغرائى، ونادى على الرئيس (٤)] كل من له عليه مظلمة يأخذها منه، وكان ظالما. ففرح أهل البلد بذلك ثم أمر بقتله (٥). وأما الباقون فحبسوا. [مدة ثم عفا عنهم (٦)]. ولما فرغ من ذلك واستقام له أمر البلد أثبت عند الحاكم

стр. 1423

بالبلد أن مظفر الدين أزبك بن البهلوان [١١٩ ب] حلف بطلاق زوجته إبنة السلطان طغرل [السلجوقى (١)] أنه لا يقتل مملوكا له عيّنه ثم إنه قتله، فوقع عليه الطلاق بحكم ذلك. فلما ثبت ذلك عند الحاكم تزوج جلال الدين ابنة السلطان طغرل، وأقام بتوريز مدة، ثم سير منها جيشا إلى مدينة كنجه ففتحوها. وهرب مظفر الدين أزبك وكان بها (٢) إلى قلعة هناك فتحصن بها ثم هلك وتلاشى أمره. وغلب جلال الدين على البلاد بأسرها، وقصد الكرج في آخر هذه السنة وأغار عليهم. ذكر وفاة الملك الأفضل نور الدين أبى الحسن على بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمهما الله وفى هذه السنة - أعنى سنة اثنتين وعشرين وستمائة - توفى الملك الأفضل بن صلاح الدين - رحمهما الله - وليس بيده من البلاد إلا سميساط، وذلك في شهر صفر، وكان موته فجأة وعمره سبع وخمسين سنة، فملك البلد بعده أخوه الملك المفضل قطب الدين موسى وهو شقيقه. ذكر سيرته ﵀ كان فاضلا متأدبا حليما عادلا، حسن السيرة، متدينا قلّ أن يعاقب على ذنب، وكان يكتب خطا حسنا، وبالجملة فقد كان مستجمعا لفضائل ومناقب تفرقت في كثير من الملوك. وكان مع ذلك قليل الحظ والسعادة جدا وهذا

стр. 1424

هو الغالب في أهل الفضل. ولله در القائل في عبد الله بن المعتز بالله، وكان تام الفضيلة في بنى العباس ولم يزل مبغضا طول عمره، ولما بويع بالخلافة وظن أن السعادة قد أقبلت عليه لم يتم له الأمر غير يوم واحد، ثم قبض عليه وقتل: لله درّك من ملك بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لو ولا ليت (١) فينقصه ... وإنما أدركته حرفة الأدب وهكذا كان حال الملك الناصر داود بن الملك المعظم [بن الملك العادل (٢)]، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. لم تنتظم للملك الأفضل حال منذتوفى والده صلاح الدين رحمهما الله [١٢٠ ا]. ملك [الأفضل (٣)] دمشق بعده مدة يسيرة، ثم أخذها منه أخوه الملك العزيز عثمان، ثم ملك مصر بعد الملك العزيز وقصد دمشق وحاصرها، فلم يبق إلا أن يملكها فقطع عليه سوء الحظ ورجع عنها إلى مصر، واتبعه عمه الملك العادل وانتزع مصر منه، ولم يبق بيده غير صرخد. ثم قصد دمشق ثانيا مع أخيه الملك الظاهر فلم يتم لهما أمر واختلفا، فلم يحصل إلا على سميساط وحدها. وبعد وفاة أخيه الملك الظاهر [طمع في حلب (٤) و] خرج عز الدين كيكاوس سلطان

стр. 1425

الروم ووعده المساعدة على أخذ حلب [له (١)] وبلادها، فلم يتم لهما أمر. ورجع عز الدين مكسورا، ورجع الأفضل إلى سميساط متجرعا غصته حتى أتته منيته، فمات كمدا، وله شعر حسن ذكرنا بعضه فيما سلف. ومن شعره قوله في السلطان غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان حين طعن بالرمح (٢): وشمس غياث الدين عند ضيائها ... وإشراقها في كل شرق ومغرب أنار (٣) لديها كوكب الرمح فاختفت ... ولم أر شمسا قط تخفى بكوكب ومن شعره في خضاب الشعر ويعرض بسوء حظه: يا من يسوّد شعره بخضابه ... لعساه من أهل الشبيبة يحصل ها: فاختضب بسواد حظى مرة (٤) ... ولك الأمان بأنه لا ينصل وذكر أنه لما أخذت منه دمشق كتب إلى بعض أصحابه كتابا من جملة فصوله: «وأما أصحابنا بدمشق فلا علم لى بأحد منهم وسبب ذلك أن: أىّ صديق سألت عنه ففى ... الذلّ وتحت الخمول في الوطن وأى ضد سألت حالته (٥) ... سمعت ما لا تحبه أذنى فتركت السؤال عنهم (٦)»

стр. 1426

واختلف أولاده وإخوته [بعد موته (١)] في ملك سميساط، ولم يقو أحد منهم على الباقين ليستبد بالأمر (٢). ذكر وفاة الإمام الناصر لدين الله أبى العباس أحمد بن المستضيئ بنور الله ﵀ - وفى أول شوال من هذه السنة توفى الخليفة الناصر لدين الله، وكانت [١٢٠ ب] مدة خلافته نحوا من سبع وأربعين سنه، فإنه ولى الخلافة في سنة خمس وسبعين وخمسمائة، بعد ملك الملك الناصر صلاح الدين دمشق بخمس سنين. ولم تبلغ مدة خلافة أحد من الخلفاء قبله إلى هذا الحد، وأطول من ولى منهم مدة اثنان [وهما (٣)] القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر وكانت مدة خلافته ثلاث وأربعين سنة (٤)، وابنه القائم بأمر الله وكانت مدة خلافته نحو خمس وأربعين (٥) سنة. وأما الذين دعى لهم بالخلافة في الأطراف وكانوا في حكم الخوارج على الخلفاء، فمنهم من زادت مدته على مدة الإمام الناصر؛ فإن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل إلى الأندلس ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك صاحب الأندلس الملقب أيضا الناصر لدين الله ولى نحوا من خمسين سنة؛ والمستنصر بالله أبو تميم معد بن الظاهر العلوى صاحب

стр. 1427

مصر ولى نحوا من ستين سنة. ولم يصل إلى هذه المدة أحد غيره ممن دعى له بالخلافة. وكان الإمام الناصر قد عمى في آخر عمره، وقيل بل ذهبت إحدى عينيه، وكان يبصر بالأخرى إبصارا ضعيفا، وكان موته بالدوسنطاريا مرض به نحو عشرين يوما. ولنذكر نسبه المتصل برسول الله ﷺ : هو أبو العباس أحمد بن المستضيىء بنور الله (١) أبى محمد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمد بن المستظهر بالله أبى العباس أحمد ابن المقتدى بأمر الله أبى القاسم عبد الله بن الأمير ذخيرة الدين ولى العهد أبى عبد الله محمد بن القائم بأمر الله أبى جعفر عبد الله بن القادر بالله أبى العباس أحمد بن الأمير اسحاق بن المقتدر بالله أبى الفضل جعفر بن المعتضد بالله أبى العباس أحمد بن الموفق بالله الناصر لدين (٢) الله أبى أحمد طلحة وقيل محمد - ولم يل الخلافة وإنما كان ولى عهد غالبا على الأمر كله - بن المتوكل على الله أبى الفضل جعفر بن المعتصم بالله أبى اسحاق محمد بن الرشيد أبى جعفر هرون بن المهدى أبى عبد الله محمد بن المنصور أبى جعفر عبد الله بن الإمام

стр. 1428

المدعو له بالامامة في خراسان سرا محمد بن السجاد أبى الحسن على بن الحبر (١) صاحب رسول الله [١٢١ أ] ﷺ والعالم بتفسير القرآن العزيز والفقه أبى العباس عبد الله بن عم رسول الله ﷺ وصنو أبيه أبى الفضل العباس بن عبد المطلب شيبه الحمد جد رسول الله ﷺ بن هاشم. نسب كأن عليه من شمس الضحى ... نورا، ومن فلق الصباح عمودا والنسب بعد ذلك إلى آدم معروف مشهور. [وفى آبائه ما بين أبى جعفر المنصور وبين الإمام الناصر لدين الله أربع عشرة خليفة، واثنان لم يليا الخلافة وإنما كانا وليا عهد؛ وهما جعفر الموفق بالله وذخيرة الدين، وواحد لم يكن خليفة ولا ولى عهد. وما فوق أبى جعفر المنصور فليس فيهم خليفة وباقى خلفاء بنى العباس لم يكونوا من آبائه (٢)]؛ فالسفاح أبو العباس عبد الله هو أخو المنصور [وولى قبله] (٣)، [والهادى موسى أخو الرشيد ولى قبله] (٤)، ومحمد الأمين وعبد الله المأمون أخوا المعتصم ووليا [الخلافة (٥)] قبله، والواثق بالله هرون أخو المتوكل وولى قبله، والمنتصر أخو الموفق ولى بعد المتوكل، والمستعين أحمد بن محمد بن المعتصم بن عم الموفق ولى بعد المنتصر، والمعتز بالله أبو عبد الله محمد وقيل الزبير

стр. 1429

أخو الموفق ولى بعد المستعين، والمهتدى بالله محمد بن الواثق ابن عم الموفق ولى بعد المعتز، والمعتمد على الله أحمد أخو الموفق ولى بعد المهتدى، والمكتفى بالله على بن المعتضد أخو المقتدر ولى قبله، والقاهر بالله أبو منصور محمد أخو المقتدر ولى بعده، والراضى بالله أبو العباس أحمد أخو اسحاق بن المقتدر ولى بعد القاهر، والمتقى لله أبو إسحاق ابراهيم أخو إسحاق ولى بعد الراضى، والمستكفى بالله أبو القاسم عبد الله بن المكتفى ابن عم إسحاق ولى بعد المتقى، والمطيع لله أبو منصور الفضل أخو إسحاق ولى بعد المستكفى، والطائع لله أبو بكر عبد الكريم بن المطيع [ابن أخى اسحاق ولى بعد أبيه المطيع لله (١)]، وولى بعده القادر ابن إسحاق وهو على عمود النسب. ولم يل بعد ذلك من ليس على عمود النسب إلا اثنان المسترشد بالله أبو منصور الفضل أخو المقتفى ولى بعد أبيه المستظهر، وولى بعده ابنه الراشد بالله أبو جعفر المنصور بن أخى المقتفى، ثم ولى المقتفى وهو على عمود النسب، ثم لم يل بعد ذلك إلا من هو على عمود النسب. ثم ولى بعد الناصر ابنه الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد، وولى بعد الظاهر المستنصر بالله أبو جعفر المنصور ثم [١٢١ ب] ولى بعد المستنصر المستعصم بالله أبو أحمد عبد الله وهو آخر من ولى الخلافة ببغداد من بنى العباس، فجميع خلفائهم الذين ولوا بالعراق سبعة وثلاثون خليفة.

стр. 1430

واتفق فيهم اتفاق عجيب وهو أن كل سادس منهم مخلوع أو مقتول، ولم ينتقض ذلك إلا في المستنصر بالله [وإنما قتل ابنه المستعصم بالله بأيدى التتر وهو سابع (١)]، ولنذكر ذلك لغرابته فنقول: أول خلفاء بنى العباس السفاح، ثم المنصور أخوه، ثم ابنه المهدى، ثم ابنه الهادى، ثم أخوه الرشيد، ثم ابنه الأمين وهو سادس فخلع مرتين وقتل. ثم ولى أخوه المأمون، ثم أخوه المعتصم، ثم إبنه الواثق، ثم أخوه المتوكل، ثم إبنه المنتصر، ثم ابن عمه المستعين وهو سادس فخلع وقتل. ثم ولى ابن عمه المعتز، ثم ابن عمه المهتدى، ثم ابن عمه المعتمد، ثم ابن أخيه المعتضد، ثم إبنه المكتفى، ثم أخوه المقتدر وهو سادس فخلع مرتين وقتل. ثم ولى أخوه القاهر ثم ابن أخيه الراضى، ثم أخوه المتقى، ثم ابن عمه المستكفى، ثم ابن عمه المطيع، ثم ابنه الطائع ودو سادس فخلع. ثم ولى ابن عمه القادر، ثم ابنه القائم، ثم ابن ابنه المقتدى، ثم إبنه المستظهر، ثم ابنه المسترشد، ثم ابنه الراشد وهو سادس فخلع وقتل. ثم ولى عمه المقتفى، ثم ابنه المستنجد، ثم إبنه المستضيىء، ثم إبنه الناصر، ثم ابنه الظاهر، ثم ابنه المستنصر وهو سادس لكن لم يشتهر أنه خلع ولا قتل فانخرمت القاعدة فيه وحده. لكنى سمعت من جماعة منهم الوجيه بن سويد ﵀ وكان خبيرا بأمور الدول خصوصا بدولة الخليفة، أن المستنصر بالله فصد بمبضع مسموم [فمات (٢)] فإن كان الأمر كذلك، كان [الأمر (٣)] جاريا على ما ذكرنا من هذا الأتفاق العجيب. ولم يل بعده إلا ابنه المستعصم

стр. 1431

بالله ﵀ وهو آخرهم، وقتل شهيدا بيد التتر، وزال بزواله الدولة العباسية بالعراق. ذكر سيرة الأمام الناصر لدين الله ﵀ كان شهما شجاعا أبى النفس حازما متيقظا، ذا فكرة صائبة وعقل رصين، ودهاء ومكر، وكانت هيبته عظيمة جدا، وكان له أصحاب أخبار في العراق [١٢٢ ا] وسائر الأطراف يطالعونه بجزئيات الأمور وكلياتها، فكان لا يخفى عنه من الأمور إلا ما قل، وكان ذا سطوة شديدة فكان أهل العراق يخاف أحدهم أن يتحدث مع زوجته في منزله بما يظن أن الخليفة إذا بلغه عاقب عليه. وقد ذكر أن رجلا من أهل بغداد عمل دعوة وغسل يده قبل أضيافه، فطالع أصحاب الأخبار الخليفة بذلك، فكتب [الخليفة (١)] في جواب ذلك: سوء أدب من صاحب الدار، وفضول من كاتب المطالعة. وكان مع ذلك ردئ السيرة في رعيته، مائلا إلى الظلم والعسف، فخربت في أيامه العراق، وتفرق أهلها في البلاد. وأخذ أموالهم وأملاكهم، ومع هذا فكان له بر ومعروف وصدقات دارة. وكان يفعل أفعالا متضادة؛ عمل دار الضيافة (٢) ببغداد ليفطر عليها الناس في شهر رمضان، فبقيت مدة ثم قطع ذلك، ثم عمل دور الضيافة للحجاج فبقيت مدة ثم أبطلها. وأطلق بعض المكوس التي جددها ببغداد خاصة ثم أعادها.

стр. 1432

وكان يميل إلى رمى البندق (١) واللعب بالطيور المناسيب، ولبس سراويلات النبوة والفتوة (٢). وكاتب سائر ملوك الأطراف في أن ينتموا إليه في رمى البندق وفى الفتوة. فبطل الفتوة في البلاد جميعها إلا من يلبس منه سراويلها ويدعى له فيها، فلبس سائر ملوك الأطراف سراويلات الفتوة له، وادعوا له في رمى البندق. ووصل رسوله إلى حماة في أيام الملك المنصور [ناصر الدين أبو المعالى محمد (٣)]﵀ وتقدم إليه بأن يلبس للخليفة [سراويل الفتوة (٤)] ويلبس الأكابر له. فتقدم الملك المنصور بأن يعمل خطبة في الفتوة، فعمل والدى ﵀ خطبة بديعة في هذا المعنى، واستشهد بآيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ (٥)﴾»، ومنها قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ (٦)﴾» وغير ذلك من الأخبار والآثار التي [يحض فيها (٧)] على عمل الطاعات واجتناب المآثم، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ونصر المظلوم على الظالم، وإغاثة الملهوف وحفظ الجار، وغير ذلك مما يشترطونه في الفتوة.

стр. 1433

وبالجملة (١) ذلك كله من محاسن الأخلاق الممدوحة شرعا وعقلا [١٢٢ ب]، وقرئت هذه الخطبة بمحضر من السلطان والأكابر. وكان القاضى بحماة يومئذ بهاء الدين أبا اليسر بن موهوب (٢) فأمره السلطان بلبس سراويل الفتوة في المجلس فلبسها ولبسوها الجماعة. وكذلك [أيضا (٣)] منع الخليفة من الدعوة في البندق إلا له، وأبطل المناسيب في جميع البلاد إلا (٤) له، فأجابه الناس بالعراق وسائر الأمصار إلى ذلك ما خلا رجلا واحدا راميا بالبندق من أهل بغداد فإنه امتنع من إجابته، وهرب من العراق ولحق بالشام، فأرسل إليه [الخليفة (٥)] يرغبه بالأموال الجزيلة ليرمى عنه، فامتنع من الرمى له والانتساب اليه، فأنكر ذلك عليه بعض الناس فقال: «يكفينى فخرا أنه ليس في الأرض أحد من الرماة إلا وهو منسوب إلى الخليفة غيرى». وصنف الخليفة كتابا في الحديث النبوى فيه أسانيد صحيحة عالية رواها الخليفة عن أكابر من المحدثين، وسمى الكتاب «روح العارفين (٦)». ثم أجازه الخليفة [الناصر لدين الله (٧)] لجماعة وأمرهم أن يسمعوه في العراق وفى سائر الآفاق. ووصل هذا [الكتاب (٨)] في سنة ثمان عشرة وستمائة على يد

стр. 1434

رجل من أهل شيزر يرويه عن الخليفة إجازة، وسمعناه عنه [وقد تقدم ذكره (١)]. وكان الناصر لدين الله يتشيع ويميل إلى مذهب الأمامية (٢) وهو خلاف ما كان عليه أباؤه من القادر [بالله (٣)] إلى المستضيئ [بنور (٤) الله] فإنهم كانوا يذهبون مذهب السلف، وللخليفة القادر (٥) عقيدة مشهورة في ذلك. فتقدم عند الناصر جماعة من الشيعة، وبلغنى أنه بلغه أن شخصا من أهل بغداد كان يرى صحة خلافة يزيد بن معاوية فأحضره الخليفة ليعاقبه على هذه المقالة، فلما حضر [الرجل (٦)] قيل له: «أنت تقول بصحة خلافة يزيد؟». فقال في الجواب: «أنا أقول أن الإمام لا ينعزل عن الأمامة بارتكاب الفسق». فأعرض الخليفة عنه، وأمر باطلاقه إذ لم يمكنه محاققته في ذلك لئلا يرد عليه ما يرد. وكان الشيخ جمال الدين بن الجوزى وغيره من الوعاظ إذا تكلموا بحضرته ربما أتوا بأمر موهم خوفا منه. سئل الشيخ جمال الدين وهو على المنبر والخليفة يسمع: «من أفضل الناس بعد رسول الله؟» وقصد بذلك [١٢٣ ا] أن

стр. 1435

يقول جمال الدين صريحا ما يخالف رأى الخليفة. فقال [الشيخ جمال الدين (١)] مسرعا: «أفضلهم بعده من كانت إبنته تحته»؛ وهذا القول كما علم محتمل للأمرين معا. وذكر أنه سئل مرة أخرى عن ذلك فأنشد: لا تسألونى إلاّ عن أواخرهم ... فأوّل الركب ما عندى له خبر وكان إبنه أبو نصر محمد - وهو الذى ولى [الخلافة (٢)] بعده ولقب الظاهر بأمر الله - على خلاف مذهبه، وكان يرى رأى الحنابلة ويبغض الروافض (٣). وكان [للناصر لدين الله (٤)] إبن آخر أصغر منه أسمه على، موافق لأبيه على رأيه فأحبه الخليفة وأبغض إبنه أبا نصر، وكان قد ولاه عهده فخلعه من العهد كما قدمنا ذكره (٥). ثم توفى على فحزن عليه الخليفة حزنا شديدا، وكتب إلى سائر الأطراف يأمر بأن يتقدم إلى الشعراء بالرثاء له وإقامة شعار الحزن، وقد ذكرنا ذلك كله (٦). ثم دعته الضرورة إلى تجديد العهد لإبنه أبى نصر كما ذكرنا في سنة ثمان عشرة وستمائة (٧)، وهو مع ذلك محبوس - على ما بلغنى - مضيّق

стр. 1436

عليه فأنه كان شديد البأس جدا شهما، فكان يخاف منه. ومامات أبوه حتى قارب أبو نصر ستين سنة من العمر، فلهذا لما ولى بعد أبيه قال: «من فتح دكانه بعد العصرأى شيئ يربح (١)». وللناصر شعر مشهور من ذلك ما قدمنا ذكره في جواب لشعر كتب به إليه الملك الأفضل بن صلاح الدين يشكو فيه عمه الملك العادل وأخاه الملك العزيز، وفى شعره ما يدل على ما ذكرنا من تشيعه وهو (٢): وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا ... بالصّدق يخبر أنّ أصلك طاهر غصبوا عليا حقّه إذ لم يكن ... بعد النبى له بيثرب ناصر فاصبر فإنّ غدا عليه حسابهم ... وابشر فناصرك الإمام النّاصر وذكر أنه اعتقل بعض كتاب دولته فكتب إلى الخليفة: ألقنى في لظى فإن غيرتنى ... فتيقّن أن لست بالياقوت عرف النّسج كلّ من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت [١٢٣ ب] فكتب الخليفة في جوابها: - نسج داود لم يفد صاحب ال ... غار وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند (٣) في لهب الن ... ـار مزيل فضيلة الياقوت

стр. 1437

[و (١) هذا جواب فائق وشعر مفلق ومعنى بديع. وكان الإمام الناصر ﵀ يحب على ابن أبى طالب رضى الله عنه ويحب أولاده، ويميل إليهم ويمدحهم ويقدمهم ويفضلهم. ومما روى له فيهم من الشعر قوله: لا بلّغتنى همتى مطالبى ... ولا سطت في معرك قواضبى ولا علت نارى لأهدى طارقا ... ولا غدت مجنوبة جنائبى إن لم أعدها ضمّرا سواريا ... لأخذ تار الملك الحباحب الباقرين أحمد بن حيدر ... سلالة الأبرار آل طالب واصطليها في ولائه (٢) جماجما ... مضرمة في قمم النواصب حتى يعود البيض في ضيائها ... من هامهم مغلولة المضارب واستمد من قوى عزمه ... ما يجعل الآساد كالثعالب حتى يقول الناس إن أحمد ... قد أتى بالفتح والنصر لآل طالب] [وكان (٣) فطنا إلى الغاية، حسن الجواب لطيفه؛ ورد اليه رسولا من القاضى كمال الدين بن الشهرزورى (٤) فكتب إليه يوما مطالعة في «أولها المملوك محمد بن عبد الله الرسول»، فكتب الخليفة تحتها « ﷺ ». وكتب إليه خادم من

стр. 1438

خدامه أسمه يمن ورقة فيها إذلال كثير وتعنت، فوقع [الخليفة] على ظهرها ما صورته ممن ممن ممن ممن ممن ممن ممن فعرض الجواب على جماعة فلم يفهم أحد معناها، لتشابه الصورة وعدم النقط. ووقف عليها بعضهم وقال أراد الخليفة بهذا: يمن يمنّ يمن [؟] ثمن (١) يمن ثمن ثمن. وسمعت له أجوبة كثيرة بديعة في الحسن فلا نطول بذكرها]. وفى أيام الناصر عظمت حشمة الخلافة جدا، وقوى شأنها، واستولى مع العراق على إقليم خوزستان وغيرها من الأطراف، وملك همذان وأصفهان ثم انتزعتا منه. وقصده سلطان العجم علاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه يريد أن يستولى على بغداد ويكون له فيها دار سلطنة وشحنة، كما كان ذلك السلاطين السلجوقية، وقد ذكرنا ذلك (٢)، فحيل بينه وبين مقصده بما وقع من الثلوج في تلك السنة، فرجع إلى بلاده. وأعقب ذلك خروج التتر وجرى على خوارزم شاه ومعظم بلاد الإسلام ما قدمنا ذكره (٣)، [حتى قيل إن الخليفة هو الذى حسن للتتر الخروج وأطمعهم فيه (٤)]، [فإن كان صح ذلك فقد قدر

стр. 1439

الله تعالى من عقوبة ذلك انقطاع الدولة بهم، وهلاك ذريته، والله تعالى أعلم بما كان ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (١)﴾». أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون (٢)]. وقد ذكرنا ما كان [وقع (٣)] بينه وبين السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ من الوحشة و (٤) العتب. وذكر أن الملك [١٢٤ أ] الناصر [صلاح الدين (٥)] بقيت في نفسه من الخليفة نفرة، وأنه كان عزم بعد استقرار الهدنة بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين وخمس مائة على قصد بغداد، والله تعالى أعلم بغيبه. ذكر خلافة الأمام الظاهر بأمر الله [أمير المؤمنين (٦)] أبى نصر محمد بن [الامام (٧)] الناصر لدين الله ولما توفى الخليفة الناصر بويع ولده وولى عهده الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد، فأظهر العدل وأزال المكوس والمظالم، وأخرج المحبسين وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله لا يظهرون إلا نادرا. ولم تطل مدته في الخلافة إلا تسعة أشهر وأياما. وفى هذه السنة توفى القاضى جمال الدين المصرى قاضى القضاه بدمشق وبلادها. وكان القاضى قبله زكى الدين بن محيى الدين بن زكى الدين فحكم بحكم

стр. 1440

أنكره الملك المعظم [عيسى بن العادل (١)] عليه، فغضب عليه وبعث إليه كلوتة (٢) وقبا (٣) وألزم بأن يلبسها في الملأ إهانه له وإخراقا به، وإشعارا بأنه لا يصلح له لباس أهل العلم، وأن اللائق به أن يكون جنديا. فحزن لهذه الواقعة واغتم، ومات بعدها بمدة قليلة. ولما عزله ولى جمال الدين المصرى، وكان قبل ذلك وكيل بيت المال (٤)، وكان شديد السمره، يلثغ بالقاف ويجعلها همزة، فصلى ليلة بالملك المعظم، فلم يفتح له من القرآن إلا قوله تعالى: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ
следующие страницы →