← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

عليه فأنه كان شديد البأس جدا شهما، فكان يخاف منه. ومامات أبوه حتى قارب أبو نصر ستين سنة من العمر، فلهذا لما ولى بعد أبيه قال: «من فتح دكانه بعد العصرأى شيئ يربح (١)». وللناصر شعر مشهور من ذلك ما قدمنا ذكره في جواب لشعر كتب به إليه الملك الأفضل بن صلاح الدين يشكو فيه عمه الملك العادل وأخاه الملك العزيز، وفى شعره ما يدل على ما ذكرنا من تشيعه وهو (٢): وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا ... بالصّدق يخبر أنّ أصلك طاهر غصبوا عليا حقّه إذ لم يكن ... بعد النبى له بيثرب ناصر فاصبر فإنّ غدا عليه حسابهم ... وابشر فناصرك الإمام النّاصر وذكر أنه اعتقل بعض كتاب دولته فكتب إلى الخليفة: ألقنى في لظى فإن غيرتنى ... فتيقّن أن لست بالياقوت عرف النّسج كلّ من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت [١٢٣ ب] فكتب الخليفة في جوابها: - نسج داود لم يفد صاحب ال ... غار وكان الفخار للعنكبوت وبقاء السمند (٣) في لهب الن ... ـار مزيل فضيلة الياقوت

стр. 1437

[و (١) هذا جواب فائق وشعر مفلق ومعنى بديع. وكان الإمام الناصر ﵀ يحب على ابن أبى طالب رضى الله عنه ويحب أولاده، ويميل إليهم ويمدحهم ويقدمهم ويفضلهم. ومما روى له فيهم من الشعر قوله: لا بلّغتنى همتى مطالبى ... ولا سطت في معرك قواضبى ولا علت نارى لأهدى طارقا ... ولا غدت مجنوبة جنائبى إن لم أعدها ضمّرا سواريا ... لأخذ تار الملك الحباحب الباقرين أحمد بن حيدر ... سلالة الأبرار آل طالب واصطليها في ولائه (٢) جماجما ... مضرمة في قمم النواصب حتى يعود البيض في ضيائها ... من هامهم مغلولة المضارب واستمد من قوى عزمه ... ما يجعل الآساد كالثعالب حتى يقول الناس إن أحمد ... قد أتى بالفتح والنصر لآل طالب] [وكان (٣) فطنا إلى الغاية، حسن الجواب لطيفه؛ ورد اليه رسولا من القاضى كمال الدين بن الشهرزورى (٤) فكتب إليه يوما مطالعة في «أولها المملوك محمد بن عبد الله الرسول»، فكتب الخليفة تحتها « ﷺ ». وكتب إليه خادم من

стр. 1438

خدامه أسمه يمن ورقة فيها إذلال كثير وتعنت، فوقع [الخليفة] على ظهرها ما صورته ممن ممن ممن ممن ممن ممن ممن فعرض الجواب على جماعة فلم يفهم أحد معناها، لتشابه الصورة وعدم النقط. ووقف عليها بعضهم وقال أراد الخليفة بهذا: يمن يمنّ يمن [؟] ثمن (١) يمن ثمن ثمن. وسمعت له أجوبة كثيرة بديعة في الحسن فلا نطول بذكرها]. وفى أيام الناصر عظمت حشمة الخلافة جدا، وقوى شأنها، واستولى مع العراق على إقليم خوزستان وغيرها من الأطراف، وملك همذان وأصفهان ثم انتزعتا منه. وقصده سلطان العجم علاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه يريد أن يستولى على بغداد ويكون له فيها دار سلطنة وشحنة، كما كان ذلك السلاطين السلجوقية، وقد ذكرنا ذلك (٢)، فحيل بينه وبين مقصده بما وقع من الثلوج في تلك السنة، فرجع إلى بلاده. وأعقب ذلك خروج التتر وجرى على خوارزم شاه ومعظم بلاد الإسلام ما قدمنا ذكره (٣)، [حتى قيل إن الخليفة هو الذى حسن للتتر الخروج وأطمعهم فيه (٤)]، [فإن كان صح ذلك فقد قدر

стр. 1439

الله تعالى من عقوبة ذلك انقطاع الدولة بهم، وهلاك ذريته، والله تعالى أعلم بما كان ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (١)﴾». أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون (٢)]. وقد ذكرنا ما كان [وقع (٣)] بينه وبين السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ من الوحشة و (٤) العتب. وذكر أن الملك [١٢٤ أ] الناصر [صلاح الدين (٥)] بقيت في نفسه من الخليفة نفرة، وأنه كان عزم بعد استقرار الهدنة بينه وبين الفرنج في سنة ثمان وثمانين وخمس مائة على قصد بغداد، والله تعالى أعلم بغيبه. ذكر خلافة الأمام الظاهر بأمر الله [أمير المؤمنين (٦)] أبى نصر محمد بن [الامام (٧)] الناصر لدين الله ولما توفى الخليفة الناصر بويع ولده وولى عهده الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد، فأظهر العدل وأزال المكوس والمظالم، وأخرج المحبسين وظهر للناس، وكان الناصر ومن قبله لا يظهرون إلا نادرا. ولم تطل مدته في الخلافة إلا تسعة أشهر وأياما. وفى هذه السنة توفى القاضى جمال الدين المصرى قاضى القضاه بدمشق وبلادها. وكان القاضى قبله زكى الدين بن محيى الدين بن زكى الدين فحكم بحكم

стр. 1440

أنكره الملك المعظم [عيسى بن العادل (١)] عليه، فغضب عليه وبعث إليه كلوتة (٢) وقبا (٣) وألزم بأن يلبسها في الملأ إهانه له وإخراقا به، وإشعارا بأنه لا يصلح له لباس أهل العلم، وأن اللائق به أن يكون جنديا. فحزن لهذه الواقعة واغتم، ومات بعدها بمدة قليلة. ولما عزله ولى جمال الدين المصرى، وكان قبل ذلك وكيل بيت المال (٤)، وكان شديد السمره، يلثغ بالقاف ويجعلها همزة، فصلى ليلة بالملك المعظم، فلم يفتح له من القرآن إلا قوله تعالى: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ

стр. 1441

اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ (١)﴾» الآية، فأبدل كل قاف فيها همزة، فضحك الملك المعظم وقطع الصلاة. وكان جمال الدين هذا فقيها، له معرفة بالمذهب متوسطة، وله شعر حسن، ذكر أنه خرج [يوما (٢)] مع جماعة الشهود لترآئى الهلال فرأوه وتحته شفق أحمر فقال جمال الدين المصرى: كأنما هلالنا ... في الشفق المرتكم سفينة من فضة ... تجرى على بحر دم وكأنه نحا في هذا نحو قول ابن المعتز: أهلا بعيد قد أنار هلاله ... الآن، فاغد على الشراب وبكر وانظر إليه كزورق من فضة ... قد أثقلته حمولة من عنبر [وكان فاضلا عالما في كل فن. ولما توفى القاضى جمال الدين المصرى ودفن في داره، فقال شرف الدين بن عنين: ما قصر المصرى في حكمه ... إذ صير التربة في داره (٣) فخلص الأحياء من رجمه ... وخلص الأموات من ناره (٤) ] ولما توفى ولى السلطان الملك المعظم القضاء شمس الدين الخويى (٥)، وكان فاضلا عالما متفننا في فنون شتى، وقاد الذهن (٦). وقبض الملك الناصر صاحب

стр. 1442

حماة، في هذه السنة، على شهاب الدين بن القطب الذى كنا قدمنا ذكره (١)، وهرب أخوه عماد الدين وكانا غالبين على ملكه، وولى الملك الناصر القضاء بحماة شهاب الدين إبراهيم بن عبد لله بن أبى الدم (٢)، وكان فاضلا متفننا في المذهب والأدب والتاريخ، سافر في صباه إلى بغداد واشتغل بالعلم، وخلع عليه الخليفة [الإمام] (٣) الناصر لدين الله، وقدم إلى حماة وعليه خلعة الخليفة.

стр. 1443

ودخلت سنة ثلاث وعشرين وستمائة والممالك على حالها، وقد قوى أمر السلطان جلال الدين منكبرتى بن [علاء الدين (١)] خوارزم شاه، وعظم شأنه، وصارت له مملكة عراق العجم وآذربيجان. وترددت الرسل بينه وبين الملك المعظم [عيسى بن العادل (٢)] صاحب دمشق، ومظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل [وصارت كلمتهم واحدة (٣)]. وتمكنت الوحشة بين الملك المعظم وأخويه الملك الكامل والملك الأشرف [صاحب بلاد الشرق (٤)]. وفى هذه السنة توجه الصاحب محيى الدين أبو المظفر يوسف بن الشيخ جمال الدين أبى الفرج بن الجوزى من الخليفة الظاهر بأمر الله ومعه التشريفات لملوك بنى أيوب فوصل أولا إلى الملك الأشرف وأفاض عليه الخلع الأمامية الظاهرية. ثم وصل إلى حلب فتلقاه السلطان الملك العزيز [غياث الدين محمد (٥)] ابن الملك الظاهر وقد ترعرع وقارب [من العمر (٦)] ثلاث عشرة سنة. فألبسه محيى الدين خلعة الخليفة واسعه الكم سوداء، وعمامة سوداء مذهبة. والثوب بالزركش، وركب الملك العزيز بها. ثم توجه [محيى الدين (٧)] إلى دمشق وألبس

стр. 1444

الملك المعظم خلعة الخلافة [مكمله (١)]. ثم توجه إلى مصر فألبس الملك الكامل خلعة الخلافة المكملة [أيضا (٢)] بالطوق الذهب، والمركوب السنى، وركب بذلك (٣) ثم رجع [محيى الدين بن الجوزى (٤)] إلى العراق. ذكر منازلة الملك المعظم مدينة حمص [١٢٥ ا] ولما اتفق الملك المعظم [ومظفر الدين بن زين الدين كوكبورى بن على كوجك (٥)] صاحب إربل، وجلال [الدين (٦)] بن خوارزم شاه وصاروا يدا واحدة، وقع عزمهم على أن يقصد مظفر الدين الموصل، ويقصد جلال الدين خلاط، ويقصد الملك المعظم حمص وحماه ليشتغل كل منهم بنفسه؛ وذلك أن صاحب حمص وصاحب حماة والحلبيين وصاحب الموصل كانوا يدا واحدة مع الملك الأشرف، ولم يكن مع الملك المعظم من أهل بيته إلا الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن عز الدين فرخشاه [صاحب بعلبك (٧)] والملك العزيز والملك الصالح ابنا الملك العادل. [وكان الملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بصرى والسواد، وكان هذين الأخين ملازمين خدمة أخيهما الملك المعظم لا يفارقانه (٨)].

стр. 1445

والذى قوى طمع الملك المعظم أن [أخاه (١)] الملك الكامل كان خائفا من جنده، وأوهمه الملك المعظم أنه إن خرج من مصر أخذه بعسكره، فلم يجسر على الحركة من مصر. فصمم الملك المعظم على قصد حمص وحماة، ورأى البداية بحمص [أوفق له (٢)] فسير أولا جماعة من عرب دمشق فأغاروا على قرى حمص ونهبوها وأخربوها. ووصل من جهة الملك الأشرف الأمير مانع بن حديثه أمير آل فضل (٣) في جموع كثيرة من العرب لأنجاد الملك المجاهد أسد الدين [شير كوه (٤)] صاحب حمص، فانتهبوا قرى المعرة وحماة وقسموا البيادر (٥). ثم خرج الملك المعظم من دمشق في عساكره ووصل إلى حمص فاندفع مانع وعرب حلب والجزيرة إلى قنسرين، ثم نزلوا قرى حصار (٦)، ثم تركوا

стр. 1446

أظعانهم بمرج دابق، وساروا جريدة إلى أرض حمص [نجدة لها (١)]، فوقعت بين عرب مانع وعرب دمشق عدة وقعات. وجرد الأتابك شهاب الدين [طغريل الخادم أتابك الملك العزيز محمد بن الظاهر (٢)] عسكرا من حلب نجدة لصاحب حمص، [فوصلوا إليها قبل أن ينازلها الملك المعظم (٣)]. واتفق عند وصولهم [إلى حمص (٤)] وصول عسكر الملك المعظم، فتواقعوا واقتتلوا ثم دخلوا (٥) إلى حمص. وكان الملك الأشرف نازلا بالرقة وجاءه الخبر بحركة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقى - صاحب بلاد الروم - إلى جهة آمد، وصاحبها الملك المسعود بن الملك الصالح الأرتقى وأنه استولى من بلاد [صاحب آمد (٦)] على حصن منصور والكختين (٧). فسير الملك الأشرف نجدة [١٢٥ ب] إلى صاحب آمد فالتقاهم عسكر السلطان علاء الدين فهزمهم، فرحل الملك

стр. 1447

الأشرف إلى حران وخرج من بقى من عسكر حلب إلى حاضر قنسرين (١) لأنجاد الملك المجاهد صاحب حمص. وأخرب الملك المعظم قرايا حمص ومزارعها، وامتدت غاراته إلى سلميه، وهى يومئذ للملك المظفر بن المنصور وهو عند خاله الملك الكامل بمصر. وطال مقام الملك المعظم على حمص، ولم ينل من قلعتها ومدينتها غرضا، ووقع الفناء في عسكره وماتت دوابهم وكثر المرض فيهم. ذكر رحيل الملك المعظم عن حمص وقدوم الملك الأشرف عليه ومقامه عنده بدمشق ولما جرى [للملك المعظم] (٢) ما ذكرناه، ولم ينل بحصاره لحمص غرضا، رحل عنها راجعا إلى دمشق في شهر رمضان من هذه السنة، أعنى سنة ثلاث وعشرين وستمائة. ورحل الملك الأشرف جريدة إليه قصدا لقطع مادة الشر، فالتقاه أخوه الملك المعظم وأظهر السرور بمقدمه، وضربت البشائر بدمشق، وزين البلد، ونصبت القباب، وأظهر [الملك المعظم (٣)] الابتهاج العظيم به، وحاله في الباطن بخلاف ما أظهر، والرسل مع ذلك مترددة بين الملك المعظم وبين السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه. ووصل رسول جلال الدين ومعه خلعة سنية للملك المعظم فلبسها وركب بها، وعزم الملك المعظم على تزويج إحدى بناته من جلال الدين. وجرت

стр. 1448

بينهما مراسلة في ذلك، وصار بينهما إتحاد كلى. ولما انقضى شهر رمضان خرج الملك المعظم ومعه أخوه الملك الأشرف متنزهين ومتصيدين. وورد إليهما من حلب القاضى زين الدين بن الأستاذ نائب القاضى بهاء الدين بن شداد (١) رحمهما الله، ومظفر الدين بن جرديك (٢) رسولين يطلبان تجديد الأيمان للملك العزيز، ولأتابكه شهاب الدين طغريل. ولما قدما دمشق وجدا الملك الأشرف كالتّبع للملك المعظم لا يمكنه أن ينفرد عنه بأمر ولا يتجاسر - لكونه في قبضته وكالأسير عنده - على مخالفته [١٢٦ أ] في قليل ولا كثير، ولا يتأتى له الأنفراد عنه بسر. فدامت المراجعات بينهما وبين الأتابك [شهاب الدين مستمرة (٣)] مدة شهرين إلى أن ورد الخبر بنزول السلطان جلال الدين خوارزم شاه على خلاط ومحاصرته لها، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. واشتدت ندامة الملك الأشرف على قدومه على أخيه الملك المعظم، واغتنم الملك المعظم قدوم أخيه عليه، ليتمكن من إلزامه بموافقته على ما يؤثره ويريده، وأن يمكنه من قصد حمص وحماه [وتمليكهما (٤)]. والملك الأشرف يداريه ويمغلطه ولا يمكنه مخاشنته لأنه كالأسير في قبضته، وهما في الظاهر متصافيان متحابان متعاشران على [اللهو (٥) و] اللذات. واشتهر عند الناس كلهم أن

стр. 1449

الملك الأشرف معتقل موصى عليه من جهة الملك المعظم، وأنه لا يطلقه حتى يأخذ منه جميع بلاده. ولم يكن الأمر على ما ظنوه وإنما كانت ملازمته له ليساعده على أغراضه. ثم استدعيا رسولى حلب، وحلفالهما، ورجعا إلى حلب. وخرجت هذه السنة والملك الأشرف عند أخيه الملك المعظم بمنزلة الأسير، ثم انتقلا إلى البلاد الغورية (١) فشتيا بها، وهما في الظاهر على غاية التصافى والتواد. وهذا أيضا من محاسن هذا البيت [الأيوبى (٢)]، ومما تميزوا به على من تقدمهم من الملوك؛ وهو أن يجتمع ملكان عظيمان كل منهما مالك إقليم عظيم، ويصير أحدهما في قبضة الآخر وليس معه جند ولا عسكر، ويكون بينهما في الباطن غاية التعادى والتنافس، ثم لا يعدو القاهر منهما على المقهور، بل يطلقه ليمضى إلى بلاده [بعد الأكرام الزائد وإظهار المودة والبر الذى ما فوقه مزيد (٣)]. ذكر إستيلاء جلال الدين بن خوارزم شاه على تفليس هذه تفليس مدينة عظيمة من أحسن البلاد وأحصنها وأمنعها، وكانت قبل الإسلام أعظم الثغور ضررا على مجاوريها من الفرس. فلما جاء الإسلام كانت في أول الإسلام من أعظم الثغور ضررا على المسلمين ونكاية، ثم ملكها المسلمون، فلم تزل في أيديهم إلى سنة خمس عشرة وخمس مائة، فملكها الكرج

стр. 1450

واستولوا عليها. وكان الملك (١) في ذلك الزمان السلطان محمود بن محمد بن [١٢٦ ب] ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقى، وكان من أعظم السلاطين السلجوقية شأنا، وأوسعهم مملكة، وأكثرهم عساكر. وكانت بيده مملكة بغداد والخليفة تحت حكمه والعراق كله، وبلاد الجبل المسماه عراق العجم، [و (٢)] أصفهان، وهمذان، والرى وغيرها. وكانت له أيضا مملكة خوزستان وأذربيجان وأرّان (٣) وأرمينية، وديار بكر [والجزيرة (٤)] والموصل، والشام وغير ذلك، وعمه السلطان سنجر صاحب خراسان وغيرها. وبالجملة فمعظم (٥) البلاد الإسلامية كانت بأيديهم، ومع ذلك فملكت الكرج تفليس ولم يقدر [السلطان محمود ابن ملكشاه (٦)] على دفعهم عن تفليس، [وجمع العساكر سنة سبع عشرة وخمس مائة وسار إلى الكرج فلم يقدر على دفعهم عنها (٧)]. ثم لما ملك بعد السلطان محمود أخوه السلطان مسعود - وهو الذى ذكرنا أنه كسر عسكر الخليفة المسترشد بالله وقبض عليه وعمل على قتله، ثم ملك بغداد وولى فيها الخليفة المقتقى لأمر (٨) الله - لم يقدم على الكرج ولم يقدر على استنقاذ تفليس منهم. ثم لما زالت مملكة السلاطين السلجوقية ببلاد

стр. 1451

العجم وملك الدكز - وهو أحد مماليكهم - عراق العجم وأذربيجان وأران، وأطاعه صاحب فارس وصاحب خوزستان، وشاهر من (١) صاحب خلاط، حشد للكرج (٢) وجمع، وكان قصاراه أن يتخلص منهم (٣). ثم ملك بعده ابنه البهلوان محمد، ثم ابن البهلوان مظفر الدين أزبك وكانت البلاد عامرة في يد أولئك كلهم. ثم جاءت التتر - كما ذكرنا - وخربوا البلاد، وزادها الكرج خرابا وضعفا، فقدر الله سبحانه [وتعالى (٤)] للسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه - بعد أن هرب إلى الهند من التتر وكاد يتلاشى أمره - أن قدم من الهند وقوى وكسر الكرج الكسرة العظيمة التي ذكرناها (٥)، واستنقذ منهم مدينة تفليس، فعظم هذا الفتح عند المسلمين جدا، وفرحوا به. وكان الكرج لما ملكوا تفليس أبقوا من فيها من المسلمين (٦)، وأذنوا لهم في إقامة شعائر الإسلام، فكانت الجمع تقام فيها ويعلن بالآذان، ومع هذا فكان من فيها من المسلمين يتمنون أن يستنقذها الله تعالى من الكفار. ولقد حكى لى ظهير الدين التفليسى ﵀ وكان حضر فتح جلال الدين لها، قال: «كان [١٢٧ ا] الرجل من أهل تفليس يقول لأولاده،

стр. 1452

إذا فتح الله [تعالى (١)] تفليس على المسلمين [وأنا قدمت (٢)] فقوموا عند قبرى، وقولوا إن الله تعالى قد فتح تفليس على المسلمين». فلما فتحها جلال الدين، كان أحدهم يمضى إلى قبر والده ويقول عند قبره ذلك. ولنذكر صورة فتحه لها، وذلك أنه لما غزا جلال الدين الكرج وعاد عنهم جمعوا بعد ذلك وحشدوا وجمعوا خلقا [كثيرا (٣)] من الأمم المجاورة لهم وهم اللان واللكز والقفجاق وغيرهم، واجتمعوا في أمم لا تحصى، فلقيهم السلطان جلال الدين وقد رتب لهم الكمناء (٤) في عدة مواضع، والتقوا واقتتلوا قتالا شديدا، فولت الكرج لا يلوى أحد منهم على أحد، وأخذتهم سيوف المسلمين من كل جانب، فلم ينج منهم إلا الشاذ (٥) اليسير، فأمر جلال الدين أن لا يبقوا على أحد منهم، فتبعوا المنهزمين يقتلونهم. وأشار على جلال الدين أصحابه بقصد مدينة تفليس فإنها كرسى مملكتهم، فقال: «لا حاجة أن نقتل رجالنا تحت الأسوار، وإنما إذا فنيت الكرج أخذنا بلادهم صفوا عفوا». فلم يزل [جلال الدين (٦)] يتبعهم ويستقضى في طلبهم، حتى كاد يأتى عليهم [أجمعين (٧)].

стр. 1453

ثم قصد تفليس ونزل بالقرب منها، ثم سار في بعض الأيام بطائفة من العسكر لينظر إليها، ويبصر مواضع النزول عليها، وكيف يقاتلها (١). فلما قاربها كمن أكثر العسكر الذين معه في عدة مواضع، ثم تقدم إليها في نحو ثلاثة آلاف فارس، فلما رآه من بها من الكرج، طمعوا فيه لقلة من معه، ولم يعلموا أنه في ذلك الجمع، فخرجوا من المدينة إليه وقاتلوه، فتأخر عنهم فقوى طمعهم فيه وظنوه منهزما فتبعوه. فلما توسطوا الكمين (٢) خرجوا (٣) عليهم وبذلوا فيهم السيف، فقتل أكثرهم، وانهزم الباقون إلى المدينة فدخلوها، وتبعهم المسلمون. فلما وصلوا إليها نادى المسلمون من أهل البلد بشعار الإسلام وشعار جلال الدين، فأبقى الكرج بأيديهم واستسلموا. ودخل المسلمون مدينة تفليس [قهراو (٤)] عنوة في ثامن شهر ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وعشرين وستمائة - بغير أمان. وقتل كل من فيها من الكرج، ولم يبق على كبير منهم ولا صغير، إلا من أذعن بالاسلام وأقر بكلمة الشهادة فإنه [١٢٧ ب] أبقى عليهم وأمر بهم فختنوا. ونهب المسلمون الأموال، وسبوا النساء والذرية (٥)، ووصل إلى [بعض (٦)] المسلمين من أهلها بعض الأذى من قتل ونهب وغيره.

стр. 1454

ذكر مسير جلال الدين بن خوارزم شاه إلى كرمان لعصيان أهلها عليه وفى جمادى الآخره من هذه السنه، بلغ جلال الدين أن نائبه بكرمان - وهو بلاق (١) حاجب - قد عصى عليه، ونزع يده من طاعته، وطمع في تملكها لبعد جلال الدين عنه واشتغاله بحرب الكرج وغيرهم. وأرسل إلى التتر يعرفهم قوة جلال الدين واستيلائه على كثير من البلاد، وأنه إن أخذ الباقى عظمت مملكته، وكثرت عساكره، «وسار إليكم واستعاد ما بأيديكم من البلاد». وكان جلال الدين قد عزم على قصد خلاط وأخذها من الملك الأشرف، كما (٢) ذكرنا من مكاتبة الملك المعظم صاحب دمشق إليه بذلك، فصمم عزمه على ذلك وتوجه إليها. فلما بلغه ما فعله نائبه بكرمان عدل عن قصد خلاط، وسار يطوى المراحل، وقدم بين يده رسولا إلى نائبه بكرمان، وعلى يده الخلع ليطمئن [قلبه (٣)] ويأتيه وهو غير محتاط ولا مستعد للامتناع. فلما وصل إليه الرسول (٤) بذلك، علم أن ذلك مكيدة من جلال الدين لما يعرفه من عادته، فأخذ [النائب (٥)] ما يعز عليه، وصعد إلى قلعة حصينه فامتنع بها، وجعل من

стр. 1455

يثق به من أصحابه في الحصون يمتنعون بها. وأرسل إلى جلال الدين يقول له: «إننى (١) أنا العبد المملوك (٢)، ولما سمعت بمسير السلطان إلى هذه البلاد أخليتها له لأنها بلاده، ولو علمت أنه يبقى علىّ لحضرت إلى بابه، ولكنى أخاف منه». وحلف الرسول له أن السلطان جلال الدين بتفليس، وهو لا يلتفت إلى قوله. وعاد الرسول، وعلم جلال الدين أنه لا يمكنه أخذ ما بيده من الحصون، لأنه يحتاج لحصرها إلى مدة طويلة (٣) [وقتل المسلمين عليها (٤)]. فأقام [جلال الدين (٥)] بالقرب من أصفهان، وأرسل إليه (٦) الخلع وأقره على ولايته. وبينما الرسل تتردد بينهما إذ وصل رسول من شرف الملك وزيره - وكان بتفليس - يعرفه أن عسكر الملك الأشرف الذين بخلاط قد هزموا بعض عسكره، وأوقعوا بهم، ويحثه على العود إلى تفليس فعاد إليها مسرعا. [١٢٨ ا] ذكر الحرب بين عسكر الملك الأشرف وجلال الدين بن خوارزم شاه كان جلال الدين لما سار إلى كرمان ترك بتفليس عسكرا مع وزيره شرف الملك، فقلت عليهم الميرة، فساروا إلى أرزن الروم (٧) فوصلوا إليها

стр. 1456

ونهبوا، وسبوا النساء، وأخذوا من الغنائم ما لا يحصى وعادوا. فكان (١) طريقهم على أطراف ولاية خلاط، والنائب بخلاط عن السلطان الملك الأشرف الحاجب حسام الدين على، وهو أخص أصحاب الملك الأشرف ونائبه بخلاط، فجمع العساكر وسار إليهم فأوقع بهم، واستنقذ ما معهم من الغنائم، وغنم كثيرا مما معهم، وعاد هو وعسكره سالمين. فلما فعل ذلك خاف وزير جلال الدين منهم فأرسل إليه (٢) يعرفه بالحال، ويخوفه عاقبة التوانى، فعاد جلال الدين إلى تفليس كما ذكرنا (٣). ذكر منازلة مظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل الموصل قد ذكرنا مكاتبة الملك المعظم صاحب دمشق [إلى (٤)] مظفر الدين بن زين الدين واعتضاده به والتقدم إليه بمنازلة الموصل (٥)، فتوجه في جمادى الأولى (٦) من هذه السنة، أعنى سنة ثلاث وعشرين وستمائه، لقصد حصارها فنزل الزاب، وكان بدر الدين لؤلؤ، صاحب الموصل، قد أرسل إلى الملك الأشرف يستنجد به، ويطلب أن يحضر بنفسه إلى الموصل. وكان الملك الأشرف إذ ذاك بالرقة، فسار منها إلى حران، ومن حران إلى دنيسر فخرب بلد ماردين،

стр. 1457

ثم سار بعد ذلك إلى دمشق - كما قدمنا (١) ذكره - وأقام عند أخيه الملك المعظم إلى أن خرجت هذه السنة. ولم يجسر مظفر الدين على المطاوله في قتال من بالموصل، وعلم عجزه عن ذلك، فعاد إلى إربل بعد أن أخرب بعض أعمال الموصل، وكان الغلاء شديدا، فأجحفت هذه الواقعة بأهل البلاد. ذكر حصر جلال الدين بن خوارزم شاه آنى وقرس (٢) من أعمال الكرج [١٢٨ ب] وفى شهر رمضان من هذه السنة، سار جلال الدين من تفليس بعد أن عاد إليها من بلاد كرمان، وقصد آنى مدينة وبها إيوانى مقدم الكرج فيمن بقى معه من أعيانهم فحصرهم. وسير طائفة من العسكر إلى قرس، وهاتان البلدتان من أحصن البلاد، فنازلهما [جلال الدين (٣)] ونصب عليهما المجانيق، وجدّ في القتال عليهما. وأقام عليهما إلى بعد انقضاء شوال، ثم ترك العسكر عليهما يحصرونهما، وعاد إلى تفليس، ثم سار من تفليس مجدا إلى بلاد أبخاز (٤) وبقايا الكرج فأوقع بمن فيها وقتل وسبى، وغنم عساكره ما فيها ثم عاد إلى تفليس.

стр. 1458

ذكر حصر جلال الدين بن خوارزم شاه خلاط وهو الحصر الأول ولما رجع جلال الدين من غزو الأبخاز سار مجدا إلى ملاذكرت (١) من بلد خلاط، فنازلها يوم السبت ثالث عشر ذى القعدة من هذه السنه، ثم رحل منها فنزل على خلاط، وبها الحاجب حسام الدين على الموصلى نائب الملك الأشرف، وقاتل أهلها قتالا شديدا. ووصل عسكره إلى سور المدينة ودخلوا الربض (٢) الذى لها، وذلك بعد أن زحفوا إلى السور، وقتل منهم قتلى كثيرة. ثم زحفوا إليها (٣) مرة ثانية، وقاتل أهل البلد قتالا شديدا، وعظمت نكاية عسكر جلال الدين بأهل خلاط، [ووصلوا إلى سور البلد، ودخلوا الربض الذى له (٤)]. ولما هجموا الربض مدوا أيديهم في النهب وسبى الحريم. فلما رأى أهل خلاط ذلك حرض بعضهم بعضا فقاتلوا العسكر قتالا شديدا، وأخرجوهم من البلد، وقتل بينهم خلق كثير، وترجل الحاجب علىّ ووقف في نحر العدو، وأبلى بلاء حسنا. وأسر عسكر جلال الدين من أمراء خلاط جماعة، وقتل منهم كثير. ثم استراح جلال الدين عدة أيام، وعاود الزحف مثل أول يوم، فقاتله أهل خلاط حتى أبعدوا عسكره عن البلد.

стр. 1459

وأقام جلال الدين محاصرا لخلاط إلى أن اشتد البرد، ونزل الثلج فرحل عنها، لسبع بقين من ذى الحجة من السنة. وكان سبب رحيله مع خوف الثلج ما بلغه من فساد التركمان الايوانية (١) - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة الإمام الظاهر [بأمر الله (٢)]﵀ وفى رابع عشر رجب من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وعشرين وستمائه - مات الخليفة الظاهر بأمر الله أبو نصر محمد بن الناصر لدين الله، وكانت مدة خلافته تسعة أشهر وأربعة عشر (٣) يوما. ولقد تباعد ما بينه وبين أبيه الناصر لدين الله تباعدا جدا في أمور، أحدها: أن مدة خلافته كانت قصيرة جدا، فلم يل من بنى العباس من هو أقصر مدة في الولاية منه إلا المنتصر بالله ابن المتوكل فإنه كانت مدة خلافته نحو خمسة أشهر. وطالت مدة أبيه الناصر [لدين الله] (٤) في الخلافة جدا، فلم يل من بنى العباس، بل ولا من الخلفاء قبلهم، أطول مدة في الخلافة منه. وثانيها: أنه كان في غاية العدل والإحسان إلى الخلق، وكان أبوه في غاية الظلم والعسف. وثالثها: أنه كان في غاية التعصب لمذهب [أهل (٥)] السنة [والبغض للروافض، وكان أبوه في غاية الميل إلى الروافض (٦)].

стр. 1460

ذكر سيرته ﵀ كان ﵀ إماما عادلا متواضعا، محسنا إلى الرعية جدا، وكان قبل وفاته قد أخرج توقيعا إلى الوزير بخطه ليقرأه على أرباب الدولة، وقال الرسول: «أمير المؤمنين يقول ليس غرضنا أن يقال برز مرسوم أو نفّذ (١) مثال، ولا يبين له أثر، بل أنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام قوال». ثم أمر بقراءة التوقيع على الجماعة فقرئ عليهم ونسخته: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اعلموا أنه ليس إمهالنا إهمالا، ولا إغضاؤنا، إغفالا، ولكن لنبلوكم أيكم أحسن عملا، وقد غفرنا (٢) لكم ما سلف من خراب (٣) البلاد، وتشريد الرعايا، وتقبيح السمعه، وإظهار الباطل الجلى في صورة الحق الخفى حيلة ومكيدة، وتسمية الاستئصال والاجتياح إستيفاء، واستدراكا لأغراض انتهزتم فرصتها مختلسه من براثن أسد (٤) باسل، وأنياب أسد مهيب، تتفقون بألفاظ مختلفة على معنى واحد، وأنتم [١٢٩ ب] أمناؤه وثقاته، فتميلون رأيه إلى هواكم (٥)، وتمزجون باطلكم بحقه، [فيطيعكم (٦)] وأنتم له عاصون، ويوافقكم وأنتم له مخالفون. والآن فقد بدل الله سبحانه بخوفكم

стр. 1461

أمنا، وبفقركم غنى، وبباطلكم حقا، ورزقكم سلطانا يقيل العثرة، ويقبل المعذرة، ولا يؤاخذ إلا من أصر، ولا ينتقم إلا ممن استمر. يأمركم بالعدل وهو يريده منكم، وينهاكم عن الجور وهو يكرهه لكم، يخاف الله تعالى، وهو يخوفكم مكره، ويرجو الله تعالى ويرغبكم في طاعته، فإن سلكتم مسالك خلفاء الله في أرضه وأمنائه على خلقه وإلا [هلكتم (١)] والسلام». ولما توفى وجد في داره ألوف رقاع كلها مختومه لم يفتحها، وقال: «لا حاجة لنا فيها، كلها سعايات». ومن مآثره الحسنة الجليلة أنه أعاد من الأملاك المغصوبة في أيام أبيه وقبلها شيئا كثيرا. وأطلق المكوس في جميع البلاد، وأمر بالاقتصار على الخراج القديم في جميع البلاد، وأن يسقط جميع ما جدده أبوه، وكان كثيرا لا يحصى؛ فمن ذلك أن القرية المسماة بعقوبا كان يؤخذ منها كل سنة عشرة الآف دينار (٢)، فلما ولى أبوه الناصر الخلافة كان يؤخذ منها كل سنة ثمانون ألف دينار، فحضر أهلها واستغاثوا، وذكروا أن أملاكم قد أخذت لأنه لا يتحصل منها هذا المبلغ، فأمر [الأمام الظاهر بأمر الله (٣)] بأن يقتصر على الخراج الأول وهو عشرة آلاف دينار (٤)، وأطلق لهم سبعون ألف دينار، فاذا كان هذا القدر العظيم قد أطلق من قرية واحدة، فما الظن بباقى البلاد؟.

стр. 1462

ولما فعل ذلك تضور الديوان وقالوا: «إن هذا القدر يصل إلى المخزن (١) فمن أين يكون العوض؟». فأقام لهم العوض من جهات أخرى. ومن ذلك أن المخزن كانت له صنجة يقبضون بها المال، ويعطون بالصنجة التي يتعامل بها الناس. فسمع بذلك فخرج توقيعه إلى الوزير أوله [قوله تعالى (٢)] ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ، أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ، لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣)». قد بلغنا [أن الأمر] (٤) كذا وكذا فتعاد صنجة المخزن إلى الصنجة التي يتعامل بها المسلمون واليهود والنصارى». وكتب إليه بعض النواب يقول: «إن هذا مبلغ [كثيرو (٥)] قد حسبناه فكان في السنة الماضية خمسة وثلاثين ألف دينار [قد ذهبت علينا (٦)]»، فأعاد الجواب: «لو أنه ثلثمائه ألف وخمسون ألف دينار يطلق». وكذلك فعل أيضا في إطلاق زيادة الصنجة التي للديوان، وهى في كل دينار (٧) حبه. وتقدم إلى القاضى بأن كل من عرض عليه كتابا صحيحا [بملك (٨)]

стр. 1463

يعيده إلى صاحبه ولا يراجع (١) فيه. وأقام رجلا حنبليا صالحا في ولاية الحشرى (٢) وبيت المال فكتب إليه: «إن من مذهبى توريث ذوى الأرحام؛ فإن أذن أمير المؤمنين أن أفعل ذلك وليت وإلا فلا». فكتب إليه الخليفة: «اعط كل ذى حق حقه، واتق الله ولا تتق سواه». وكانت العادة جارية في بغداد أن حارس كل درب يبكر ويكتب مطالعة إلى الخليفة بما تجدد في دربه من إجتماع بعض الأصدقاء ببعض على نزهة أو سماع أو غير ذلك، وكذلك يكتب بكل ما تجدد من صغير وكبير، فكان الناس من هذا في حجر عظيم. فلما تولى الظاهر الخلافة أتته المطالعات على العادة فأمر بقطعها وقال: «أي غرض لنا في معرفة أحوال الناس في بيوتهم، فلا يكتب أحد إلينا إلا ما يتعلق بمصالح دولتنا». فقيل له إن العامة تفسد بذلك، ويعظم شرها. فقال: «نحن ندعو الله أن يصلحهم (٣)». ولما ولى الخلافة وصل صاحب الديوان (٤) من واسط، وكان قد سار إليها في أيام الناصر لتحصيل الأموال، فلما وصل وصل معه ما يزيد على مائه الف

стр. 1464

دينار، وكتب مطالعة تتضمن ذلك، ويستخرج الأمر في جملة. فخرج الجواب بأن يعاد المال إلى أربابه. وأخرج لما ولى كل من في الحبوس (١)، وأمر بإعادة ما أخذ منهم، وبعث إلى القاضى عشرة آلاف دينار ليعطيها كل من هو محبوس في حبس الشرع وليس له مال. ولما عوقب في بذل الأموال التي لم يبذلها خليفة قبله، قال: «أنا فتحت دكانا بعد العصر فاتركونى أفعل الخير [فكم أعيش (٢)]؟». وأطلق في ليلة عيد النحر (٣) [١٣٠ ب] من السنة الماضية - ولم يشهد عيدا في خلافته سواه - مائه ألف دينار للعلماء وأهل الدين (٤). خلافة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين بن الظاهر ولما توفى الظاهر بأمر الله ولى الخلافة بعده ولده الأكبر المستنصر بالله أبو جعفر المنصور، وكان جده الناصر لدين الله يسميه القاضى، وكان له ولد آخر يلقب الخفاجى، عنده شهامة عظيمة وشجاعة، وأظنه بقى حيا إلى أن ملك التتر بغداد، وقتل مع من قتل من بنى العباس. وكان جديرا بالخلافة بعد أخيه المستنصر، لكن لما يريده الله تعالى من بوار الأسلام، عدلوا عنه إلى المستعصم بن المستنصر - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1465

ولما ولى المستنصر بالله الخلافة سلك في العدل والأحسان إلى الرعية واتباع السنة مسلك أبيه الظاهر [بأمر الله (١)]. وأمر فنودى ببغداد بإفاضة العدل وإن من كانت له حاجة أو مظلمه يطالع بها لتقضى حاجته، وتكشف مظلمته. فلما كانت أول جمعه أتت على خلافته أراد أن يصلى الجمعه في المقصورة التي جرت عادة الخلفاء بالصلاة فيها، فقيل له إن المطبق (٢) - الذى يسلك منه إليها (٣) فيه - خراب لا يمكن سلوكه، فركب فرسا وسار إلى جامع القصر ظاهرا بحيث يراه الناس بقميص أبيض وعمامة بيضاء بسكاكين حرير (٤). ولم يترك أحدا يمشى معه، بل أمر كل من أراد [أن] (٥) يمشى معه من أصحابه بالصلاة في الموضع الذى كان يصلى فيه. وسار ومعه خادمان وركاب دار لا غير (٦)، وصلى وعاد. وكذلك فعل في الجمعة الثانية حتى أصلح له المطبق.

стр. 1466

ولما توفى الخليفة الظاهر وولى الخلافة المستنصر بالله، وردت إليه رسل ملوك الأطراف مهنئين له بخلافته، ومعزين له عن والده الظاهر. وممن ورد في هذا المعنى ضياء الدين [بن الأثير (١)] الجزرى - الذى تقدم ذكره (٢) في أخبار الملك الأفضل بن صلاح الدين -[١٣١ ا] وهو أبو الفتح نصر الله، وكان قد فارق الملك الأفضل واتصل ببدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، وقدم إلى بغداد رسولا من [عند] (٣) بدر الدين مهنئا للمستنصر بالله، ومعزيا بالظاهر بأمر الله. وكان فاضلا بالأدب وعلم البديع، ومن تصانيفه «المثل السائر» المشهور (٤)، وله الترسل البليغ البديع، وتوفى - على ما بلغنى - في سنة تسع وثلاثين وستمائة. ولما حضر الديوان قال: «ما لليل (٥) والنهار لا يعتذران وقد عظم حادثهما؟، وما للشمس (٦) والقمر لا يكسفان وقد فقد ثالثهما؟». [شعر (٧)] فيا وحشة الدنيا وكانت أنيسة ... ووحشة من فيها لمصرع واحد وذلك الواحد هو سيدنا ومولانا الأمام الظاهر بأمر الله أمير المؤمنين، الذى كانت ولايته رحمة للعالمين (٨). واختير من أرومة النبى الذى هو سيد ولد آدم

стр. 1467

[وخاتم النبيين] (١)، فذمته موصولة بذمته، فهو شقيقه في نسبه، وخليفته في أمته، ولقد وقف على السنن، وأتانا بالحسن، وحمدت الأيام في زمنه، فلم يشك أحد من الزمن، ومما عظم الرزية أنه أتى عقيب رزء، وصل فجعة بفجعة، وكان يستهول أحدهما وهو وتر، فشفع الوتر بشفعه. فياويح الإسلام، فجع أولا بناصره وفجع الآن بظاهره، وقرب الوقت بينهما حتى كاد يعثر أولهما بآخره، فلم نفق النفوس ببرحائها (٢) حتى وافت ما طوى مضضا على مضض، ووقع ذلك موقع نكسة عطفت على مرض، ونكا القرح بالقرح أوجع، وذهاب فرع العليا بعد أصله ذهاب بالعلياء أجمع، وكلا هذين الرزءين رمى الناس بسهم [غائر (٣)] ليس عليه من صابر، وما كان الله ليسوء دينه بمصاب خليفتين، ولا يجلو ظلمته بصباح سافر. وقد جاء بسيدنا ومولانا الأمام المستنصر بالله أمير المؤمنين فأرضى به كل قلب سخط ولم يرض، وقيل هذا بدل الكل من الكل، لا بدل البعض من البعض. وكان الناس على خطر من انتقاض أمرهم، فأبيح لهم إبرام ذلك النقض، ونسى ما تقدم من البرح (٤)، ودمل ما أعضل من القدح. ولئن عظم الأسف على ليلتين مضيتا برامة لقد أسلت عنهما [١٣١ ب] ليلة السفح، والعبد قائم بهذا (٥) المقام وقلبه مقسم للعزا شطرا وللهنا شطرا، فإذا نطق بهذا أسبل دمعا، وإذا نطق بهذا أبدى ثغرا، وهو نائب عن مرسله في أخذ البيعة التي يد الله

стр. 1468

فوق يدها، والسابق إلى يومها أفضل من المتأخر إلى غدها، وهى التي تجملت بها (١) أقلام الكرام السفرة، وجعلها الله معدودة في بيعة العقبة، وبيعة الشجرة ولها يصح قول القائل: وبيعة من قلوب غير شاردة ... ما كان في عودها ضعف ولا خور لو أنها لعتيق لم يمت حسرا ... سعد ولا قال كانت فلتة عمر وكذلك فإن العبد ينهى طاعة مرسله التي جعل يومه فيها كأمسه، وزادها (٢) في (٣) مبانى الإسلام فهو يبنى بها على ستة لا على خمسة، وقد أعدها في الدنيا معقلا يكتن بذراه، وفى الآخرة عتادا [صالحا (٤)] يسره أن يراه». قلت: لقد أبدع ضياء الدين ﵀ في هذا القول، وسلك في مزج التهنئة بالتعزية مسلك أبى نواس الحسن بن هانىء حيث يقول في التهنئة بولاية محمد الأمين والتعزية بأبيه هارون الرشيد: جرت جوار بالسعد والنحس ... فنحن في وحشة وفى أنس يضحكنا القائم الأمين وتب ... كينا وفاة الرشيد بالأمس العين تبكى والسن ضاحكة ... فنحن في مأتم وفى عرس بدران: بدر بدا ببغداد في ال ... حلل وبدر بطوس في الرمس وسلك أبو نواس في ذلك مسلك أبى دلامة حيث يقول في التهنئة بولاية المهدى والتعزية بالمنصور:

стр. 1469

عيناى: واحدة ترى مسرورة ... بإمامها جزلى، وأخرى تذرف تبكى وتضحك تارة ويسوؤها ... ما أنكرت، ويسرها ما تعرف فيسؤوها موت الخليفة محرما ... ويسرها أن قام هذا الأرأف أهدى - لهذا - الله فضل خلافة ... ولذاك جنات النعيم تزخرف فابكوا لمصرع خيركم ووليكم ... واستبشروا بمقام ذا وتشرفوا لكن أساء ضياء الدين [بن الأثير] (١) الأدب على خليفة رسول الله ﷺ [١٣٢ ا] وبيعة المهاجرين والأنصار له إذ قدم عليها بيعة المستنصر، إذ قضى بأنها لو كانت للصديق لم يمت بحسرتها سعد بن عبادة الأنصارى، ولم يقل الفاروق رضى الله عنه أن بيعة أبى بكر رضى الله عنهما كانت فلته. ولفد افترى في ذلك فإن بيعة الصديق لم تكن بيعة أفضل منها إلا البيعة لرسول الله ﷺ . ومما يشبه ما فعله ضياء الدين من سوء أدبه ما سنذكره في خبر قدوم الملك الناصر داود بن الملك المعظم على المستنصر بالله، فإنه عقد محفل للعلماء حضره الملك الناصر، وكان الخليفة بمرأى منه ومسمع، فقام فقيه وأنشد قصيدة يمدح فيها الخليفة (٢) ومن جملتها: لو كنت في يوم السقيفة حاضرا ... كنت المقدّم والأمام الأروعا فعظم هذا القول على الملك الناصر ﵀ وقال في ذلك الملأ ما معناه: كذبت كان جد مولانا أمير المؤمنين العباس بن عبد المطلب يوم السقيفة حاضرا، ولم يكن المقدم والأمام الأروع إلا أبو بكر الصديق رضى الله عنه. فخرج المرسوم بنفى ذلك الفقيه فنفى.

стр. 1470

ذكر إيقاع جلال الدين بن خوارزم شاه بالأيوانية (١) كانت الأيوانية (٢) قد تغلبت على أشنه وأرميه (٣) وكثير من بلاد أذربيجان، وأخذوا الخراج من أهل خوى ليكفوا عنهم، واغتروا باشتغال السلطان جلال الدين بالكرج وخلاط، وازداد طمعهم وانبسطوا في البلاد يقطعون الطريق وينهبون. وأتت الأخبار بذلك إلى جلال الدين وهو متغافل عنهم لاشتغاله بما هو أهم منه. وبلغ من طمعهم أنهم قطعوا الطريق بقرب توريز، وأخذوا من تجار أهلها شيئا كثيرا. ولما اشتد ذلك على الناس أرسلت إبنة السلطان طغرل إلى زوجها جلال الدين تستغيث به، وتعرفه أن البلاد قد استولى عليها الأيوانية (٤) وإن لم يتداركها وإلا هلكت بالكلية. فلما أتته الرسالة رحل عن خلاط، وكان منازلها - كما ذكرنا - وجد في السير وأتى الأيوانية (٥) وهم آمنون، فأوقع بهم وأخذتهم السيوف وهم [عارون من السلاح] غافلون (٦)، فقتل منهم ما لا يحصى، واسترق حريمهم وأولادهم، ولما فرغ منهم عاد إلى توريز وأقام بها. [١٣٢ ب] ذكر الحرب في هذه السنة بين صاحب آمد وسلطان الروم كان صاحب آمد الملك المسعود بن الملك الصالح الأرتقى قد وافق الملك المعظم صاحب دمشق ومظفر الدين بن زين الدين صاحب إربل وجلال الدين

стр. 1471

ابن خوارزم شاه، وكان السلطان علاء (١) الدين كيقباذ بن كيخسرو خائفا من جلال الدين فاتفق مع الملك الأشرف فأرسل إليه الملك الأشرف يطلب منه أن يقصد بلاد آمد، فسار علاء الدين إلى ملطيه وسير منها العساكر إلى بلاد آمد، ففتحوا حصن منصور وغيره، وقد تقدم ذكرنا (٢) ذلك. فلما رأى ذلك صاحب آمدراسل الملك الأشرف وعاد إلى موافقته، فأرسل الملك الأشرف يسأل علاء الدين أن يعيد إلى صاحب آمد ما أخذ منه، ويعرفه موافقة الملك المسعود صاحب آمد له، فامتنع [ملك الروم علاء الدين كيقباذ (٣)] من ذلك، وقال: «ما كنت نائبا للأشرف يأمرنى مره وينهانى أخرى». فأمر الملك الأشرف عسكره بمساعدة صاحب آمد. وجمع صاحب آمد عسكره وسار الجميع إلى عسكر الروم وهم يحاصرون الكختين من بلاد صاحب آمد، فاقتتلوا هنالك، فانهزم صاحب آمد ومن معه، وجرح وأسر منهم خلق. وملك عسكر علاء الدين الكختين، وهى من أمنع الحصون، ثم عادوا إلى صاحبهم.

стр. 1472

ودخلت سنة أربع وعشرين وستمائه والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، والسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه مالك بلاد أذربيجان وأران وبعض بلاد الكرج وعراق العجم وغيرها، وهو موافق للملك المعظم على أخويه الملك الكامل والملك الأشرف. وتزوج جلال الدين إحدى بنات الملك المعظم إلا أنها لم تحمل إليه، والرسل لا تنقطع بينهما، وقد تأكدت بينهما (١) المودة. والملك الأشرف مقيم عند أخيه الملك المعظم كالأسير في قبضته، يظهر كل منهما لصاحبه التصافى والأمر في الباطن بخلافه، والملك الأشرف لا يتجاسر أن يخالف أخاه في أمر من الأمور، والملك المعظم يتلون معه تلون الحرباء، وكلما أجابه الملك الأشرف إلى أمر من الأمور رجع عنه (٢) إلى غيره. وانقطعت مراسلة الملك الأشرف عن الحلبيين لكثرة عيون الملك المعظم عليه، لأنه أصبح كالأسير [١٣٣ ا] في قبضته، فذكر الصاحب كمال الدين ابن العديم ﵀ قال: «وصلت إلى دمشق من الحج في هذه السنه (٣)، فاستدعانى الملك الأشرف وحملنى رسالة إلى الأتابك (٤) شهاب الدين مضمونها

стр. 1473

ما قد وقع فيه مع أخيه وأنه كثير التلون معه (١) ولا يثبت على أمر من الأمور». وأنه آخر ما وقع بينه (٢) وبينه أنه التمس منه (٣) أن يحلف له أتابك على مساعدته ومعاضدته، وأن لا يوافق السلطان الملك الكامل عليه، وأنه متى قصده الملك الكامل كان عوناله على الملك الكامل، قال [كمال الدين (٤)]: «فلما بلّغت الأتابك (٥) ما قال لى امتنع من الموافقة على ذلك، وقال أنا حلفنى الملك الأشرف للملك الكامل وفى جملة يمينه أن (٦) لا أهادن أحدا من الملوك على قضية إلا بأمره، فإذا أراد هذا منى فليأتنى بأمر من الملك الكامل حتى أساعده على ذلك». وحين تحقق الملك الأشرف أنه لا خلاص له من أخيه وأنه لا يخلص من اعتقاله إلا بمساعدته على كل ما يريده، ساعده في حكم المكره على كل ما طلبه منه، وحلف له أنه يعاضده على الملك الكامل والملك المجاهد صاحب حمص والملك الناصر صاحب حماه. ذكر رجوع الملك الأشرف إلا بلاده وتخلصه من أخيه الملك المعظم ولما حلف الملك الأشرف للملك المعظم على ما أراد مكرها، أطمأن أخوه الملك المعظم إلى ذلك، ومكنه من الرحيل إلى بلاده، ولم يظن أحد أنه ينفلت من يده إلا بأخذ معظم بلاده منه. وكان رحيله من (٧) دمشق في جمادى الآخره من هذه السنة، فكانت مدة مقامه عنده نحو عشرة أشهر. ولما رجع الملك الأشرف إلى بلاده رجع عن جميع ما تقرر بينه وبين الملك المعظم، وتأول في

стр. 1474

إيمانه التي حلفها أنه كان مكرها عليها، وأنه تحقق أنه لا ينجيه منه (١) إلا موافقته على مراده. وندم الملك المعظم من تمكينه من الانفصال عنه، وسير العرب إلى بلد حمص وحماه فعاثوا فيها (٢). وفى هذه السنه رجع الملك الناصر داود بن الملك المعظم إلى أبيه من إربل وصحبته الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسروشاهى تلميذ الأمام فخر الدين بن الخطيب الرازى (٣) وكان الملك الناصر يشتغل عليه في العلوم [العقلية (٤)]. ولما تأكدت الوحشه [١٣٣ ب] بين الملك المعظم وأخويه [الملك الكامل والملك الأشرف (٥)]، وعلم الملك الكامل انتماءه إلى سلطان العجم جلال الدين بن خوارزم شاه خاف أن يكون اتفاقهما سببا لزوال الدوله، فأرسل الأمير فخر الدين يوسف بن صدر الدين شيخ الشيوخ إلى الأنبرطور فردريك صاحب بلاد انبوليه وجزيرة صقلية (٦) يطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده أن يعطيه البيت المقدس وبعض الفتوح الناصرى (٧)، وقصد بذلك إشغال سر أخيه الملك المعظم ليحتاج إلى

стр. 1475

موافقته، والدخول في طاعته. فتجهز الأنبرطور لقصد الساحل وبلغ ذلك الملك المعظم، فكاتب أخاه الملك الأشرف ولاطفه، فأرسل إليه يطلب موافقته فعنفه على أفعاله التي عامله بها، وقرّعه على ما اعتمده في حقه وحق أهله. وفى هذه السنة انتزع الأتابك شهاب الدين طغريل الشغر وبكاس من الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر، وما كان في يده معهما، وسلمت إليه عين تاب والراوندان والروب (١). ذكر إستيلاء عساكر الملك الأشرف على بعض بلاد جلال الدين ثم خروجها عنهم كنا قد ذكرنا قبل أن السلطان جلال الدين تزوج إبنة السلطان طغرل، وأنها كانت قبله مزوجه بمظفر الدين أزبك بن البهلوان (٢)، وكانت في أيام، أزبك متحكمة في البلاد، وليس له معها حكم. فلما تزوجها جلال الدين، أعرض عنها ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما فاتها من الحكم في البلاد، ونفوذ الكلمة، فأرسلت هى وأهل خوى (٣) إلى الأمير حسام الدين على الحاجب، نائب الملك الأشرف بخلاط، يستدعونه ليسلموا البلاد إليه، فسار في عساكر
следующие страницы →