← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

ابن خوارزم شاه، وكان السلطان علاء (١) الدين كيقباذ بن كيخسرو خائفا من جلال الدين فاتفق مع الملك الأشرف فأرسل إليه الملك الأشرف يطلب منه أن يقصد بلاد آمد، فسار علاء الدين إلى ملطيه وسير منها العساكر إلى بلاد آمد، ففتحوا حصن منصور وغيره، وقد تقدم ذكرنا (٢) ذلك. فلما رأى ذلك صاحب آمدراسل الملك الأشرف وعاد إلى موافقته، فأرسل الملك الأشرف يسأل علاء الدين أن يعيد إلى صاحب آمد ما أخذ منه، ويعرفه موافقة الملك المسعود صاحب آمد له، فامتنع [ملك الروم علاء الدين كيقباذ (٣)] من ذلك، وقال: «ما كنت نائبا للأشرف يأمرنى مره وينهانى أخرى». فأمر الملك الأشرف عسكره بمساعدة صاحب آمد. وجمع صاحب آمد عسكره وسار الجميع إلى عسكر الروم وهم يحاصرون الكختين من بلاد صاحب آمد، فاقتتلوا هنالك، فانهزم صاحب آمد ومن معه، وجرح وأسر منهم خلق. وملك عسكر علاء الدين الكختين، وهى من أمنع الحصون، ثم عادوا إلى صاحبهم.

стр. 1472

ودخلت سنة أربع وعشرين وستمائه والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، والسلطان جلال الدين بن خوارزم شاه مالك بلاد أذربيجان وأران وبعض بلاد الكرج وعراق العجم وغيرها، وهو موافق للملك المعظم على أخويه الملك الكامل والملك الأشرف. وتزوج جلال الدين إحدى بنات الملك المعظم إلا أنها لم تحمل إليه، والرسل لا تنقطع بينهما، وقد تأكدت بينهما (١) المودة. والملك الأشرف مقيم عند أخيه الملك المعظم كالأسير في قبضته، يظهر كل منهما لصاحبه التصافى والأمر في الباطن بخلافه، والملك الأشرف لا يتجاسر أن يخالف أخاه في أمر من الأمور، والملك المعظم يتلون معه تلون الحرباء، وكلما أجابه الملك الأشرف إلى أمر من الأمور رجع عنه (٢) إلى غيره. وانقطعت مراسلة الملك الأشرف عن الحلبيين لكثرة عيون الملك المعظم عليه، لأنه أصبح كالأسير [١٣٣ ا] في قبضته، فذكر الصاحب كمال الدين ابن العديم ﵀ قال: «وصلت إلى دمشق من الحج في هذه السنه (٣)، فاستدعانى الملك الأشرف وحملنى رسالة إلى الأتابك (٤) شهاب الدين مضمونها

стр. 1473

ما قد وقع فيه مع أخيه وأنه كثير التلون معه (١) ولا يثبت على أمر من الأمور». وأنه آخر ما وقع بينه (٢) وبينه أنه التمس منه (٣) أن يحلف له أتابك على مساعدته ومعاضدته، وأن لا يوافق السلطان الملك الكامل عليه، وأنه متى قصده الملك الكامل كان عوناله على الملك الكامل، قال [كمال الدين (٤)]: «فلما بلّغت الأتابك (٥) ما قال لى امتنع من الموافقة على ذلك، وقال أنا حلفنى الملك الأشرف للملك الكامل وفى جملة يمينه أن (٦) لا أهادن أحدا من الملوك على قضية إلا بأمره، فإذا أراد هذا منى فليأتنى بأمر من الملك الكامل حتى أساعده على ذلك». وحين تحقق الملك الأشرف أنه لا خلاص له من أخيه وأنه لا يخلص من اعتقاله إلا بمساعدته على كل ما يريده، ساعده في حكم المكره على كل ما طلبه منه، وحلف له أنه يعاضده على الملك الكامل والملك المجاهد صاحب حمص والملك الناصر صاحب حماه. ذكر رجوع الملك الأشرف إلا بلاده وتخلصه من أخيه الملك المعظم ولما حلف الملك الأشرف للملك المعظم على ما أراد مكرها، أطمأن أخوه الملك المعظم إلى ذلك، ومكنه من الرحيل إلى بلاده، ولم يظن أحد أنه ينفلت من يده إلا بأخذ معظم بلاده منه. وكان رحيله من (٧) دمشق في جمادى الآخره من هذه السنة، فكانت مدة مقامه عنده نحو عشرة أشهر. ولما رجع الملك الأشرف إلى بلاده رجع عن جميع ما تقرر بينه وبين الملك المعظم، وتأول في

стр. 1474

إيمانه التي حلفها أنه كان مكرها عليها، وأنه تحقق أنه لا ينجيه منه (١) إلا موافقته على مراده. وندم الملك المعظم من تمكينه من الانفصال عنه، وسير العرب إلى بلد حمص وحماه فعاثوا فيها (٢). وفى هذه السنه رجع الملك الناصر داود بن الملك المعظم إلى أبيه من إربل وصحبته الشيخ شمس الدين عبد الحميد الخسروشاهى تلميذ الأمام فخر الدين بن الخطيب الرازى (٣) وكان الملك الناصر يشتغل عليه في العلوم [العقلية (٤)]. ولما تأكدت الوحشه [١٣٣ ب] بين الملك المعظم وأخويه [الملك الكامل والملك الأشرف (٥)]، وعلم الملك الكامل انتماءه إلى سلطان العجم جلال الدين بن خوارزم شاه خاف أن يكون اتفاقهما سببا لزوال الدوله، فأرسل الأمير فخر الدين يوسف بن صدر الدين شيخ الشيوخ إلى الأنبرطور فردريك صاحب بلاد انبوليه وجزيرة صقلية (٦) يطلب منه القدوم إلى عكا، ووعده أن يعطيه البيت المقدس وبعض الفتوح الناصرى (٧)، وقصد بذلك إشغال سر أخيه الملك المعظم ليحتاج إلى

стр. 1475

موافقته، والدخول في طاعته. فتجهز الأنبرطور لقصد الساحل وبلغ ذلك الملك المعظم، فكاتب أخاه الملك الأشرف ولاطفه، فأرسل إليه يطلب موافقته فعنفه على أفعاله التي عامله بها، وقرّعه على ما اعتمده في حقه وحق أهله. وفى هذه السنة انتزع الأتابك شهاب الدين طغريل الشغر وبكاس من الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر، وما كان في يده معهما، وسلمت إليه عين تاب والراوندان والروب (١). ذكر إستيلاء عساكر الملك الأشرف على بعض بلاد جلال الدين ثم خروجها عنهم كنا قد ذكرنا قبل أن السلطان جلال الدين تزوج إبنة السلطان طغرل، وأنها كانت قبله مزوجه بمظفر الدين أزبك بن البهلوان (٢)، وكانت في أيام، أزبك متحكمة في البلاد، وليس له معها حكم. فلما تزوجها جلال الدين، أعرض عنها ولم يلتفت إليها، فخافته مع ما فاتها من الحكم في البلاد، ونفوذ الكلمة، فأرسلت هى وأهل خوى (٣) إلى الأمير حسام الدين على الحاجب، نائب الملك الأشرف بخلاط، يستدعونه ليسلموا البلاد إليه، فسار في عساكر

стр. 1476

خلاط، واستولى على مدينة خوى وسلماس ومرند (١)، وكاتبه أهل نقجوان (٢) فمضى إليهم فسلموها إليه، وقويت شوكتهم بتلك البلاد، فلو أنهم أقاموا بها لاستمر ملكهم لها، لكنهم عادوا إلى خلاط، واستصحبوا معهم زوجة جلال الدين إبنة السلطان طغرل. [فلما رجعوا استرجع جلال الدين البلاد التي أخذت منه وأقامت زوجة جلال الدين بمدينة خلاط مكرمة محترمة] (٣). [وكتب والدى ﵀ في هذه السنة وهو مقيم بالقدس بالمدرسة الناصرية الصلاحية إلى السلطان الملك المعظم يستأذنه [١٣٤ ا] في الحج فأذن له في ذلك، وأحرم عند الصخرة الشريفة، وسافر إلى مكة محرما، وحج وجاور، ثم حج سنة خمس وعشرين وعاد في سنة ست وعشرين، وأقمت مكانه بالمدرسة المذكورة (٤)]. ذكر وفاة السلطان الملك المعظم ﵀ وفى ذى القعدة من هذه السنة - أعنى سنة أربع وعشرين وستمائة - توفى الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل - رحمهما الله - بالدوسنطاريا بقلعة دمشق، وكان عمره على ما ذكر سبع (٥) وأربعين سنة، وكانت مدة ملكه لدمشق إستقلالا [بعد موت أبيه الملك العادل] (٦) تسع سنين وشهورا.

стр. 1477

[ذكر سيرته ﵀] (١) كان ﵀ ملكا جليلا شجاعا مقداما، شديد البأس مهيبا، وكانت مملكته ما بين حمص وعريش مصر، وكان عسكره قريب ثلاثة آلاف (٢) فارس، ولم يكن عند أحد من إخوته جند مثلهم، في فرط تجملهم وحسن زيهم. وكان بهذا العسكر القليل يقاوم أخويه الملك الكامل والملك الأشرف ويباريهما. وكان الملك الكامل يخافه لما يتوهمه من ميل عسكر مصر إليه ومحبتهم له، ولما يعلمونه من قيامه بأمر الجند وعنايته بهم. وكان الملك الكامل - مع أن عسكره كان يناهز إثنى عشر ألفا (٣) وسعة ملكه - لا يجسر على الخروج إلى الشام، ويظن أنه إن خرج [إلى الشام (٤)] إنحاز أكثر عسكره (٥) إلى الملك المعظم، وحيل بينه وبين الديار المصرية، [وكان والله الأمر كذلك] (٦)؛ فكان لذلك يداريه ويهادنه في الظاهر، وكان الملك المعظم مع ذلك يدارى أخاه الملك الكامل ويخطب له على منابر بلاده، ولا يذكر إسمه معه [في غالب أوقاته] (٧)، ويضرب السكة باسمه، وكذلك يدارى أخاه الملك الأشرف.

стр. 1478

وكان مع شهامته وعظم هيبته قليل التكلف جدا، لا يركب في السناجق السلطانية في غالب أوقاته، بل يركب في جمع قليل، وعلى رأسه كلوته صفراء بلا شاش علم، ويتخرق الأسراق والطرق، ولا يطرّق بين يديه [١٣٤ ب] كما جرت عادة الملوك (١). ولقد رأيته بالبيت المقدس في سنة ثلاث وعشرين وستمائة، والرجال والنساء والصبيان بالجامع الأقصى يزاحمونه ولا يردهم أحد عنه، وهذا المسلك لم يسلكه أحد من أهل بيته ولا غيرهم. ولما كثر هذا منه ضرب به المثل، فكان الانسان إذا فعل فعلا لا تكلف فيه قيل قد «فعل بالمعظمى». وكان عالما فاضلا متفننا في الفقه والنحو وغيرهما، وشيخه في النحو وعلم الأدب الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندى ﵀ وقد قدمنا ذكره في أخبار عز الدين فرخشاه بن شاهان شاه بن أيوب، وذكرنا فضله وشيئا من شعره (٢). وكان شيخه في الفقه الأمام جمال الدين الحصيرى (٣) ﵀. وكان يتردد [إلى الشيخين] (٤) في معظم الأوقات، وربما أتى إليهما ماشيا. وقرأ على الشيخ تاج الدين كتاب سيبويه. ولقد وقفت على نسخة من كتاب سيبويه وعليها خط الملك المعظم في عدة مواضع أظنها ستة، يقول في بعضها:

стр. 1479

«أتممت هذا الكتاب مطالعة ومراجعة وأنا منازل مدينة (١) أرسوف»، وفى بعضها يقول: «أتممته مطالعة ومراجعة وأنا بنابلس». وكان ملوك هذا البيت كلهم شافعية، وانفرد هو ﵀ بالانتماء إلى مذهب أبى حنيفة ﵀. وبلغنى أن أباه السلطان الملك العادل لامه [في ذلك] (٢) وقال له: «كيف اخترت مذهب أبى حنيفه، وأهلك كلهم شافعية؟». فقال لأبيه على سبيل المداعبة: «ياخوند أما ترضون أن يكون فيكم رجل واحد مسلم». وكان شديد التعصب لمذهب أبى حنيفه ﵀ عزل خطيب الأقصى وكان شافعيا، وولى خطابة الأقصى رجلا حنفيا بغداديا يقال له شهاب الدين، كان متميزا في الفقه، ومدرسا بالمدرسة الحنفية (٣) التي على باب الحرم الشريف المعروفة بالأمجدية؛ وهى منسوبه إلى الملك الأمجد حسن شقيق الملك المعظم، وكان مدفونا بها، ثم نقل [بعد ذلك] (٤) إلى مشهد جعفر بن أبى طالب - رضى الله عنه - بمؤته من أعمال الكرك. [١٣٥ ا] وأبقى الملك المعظم بالصخرة الإمامة للشافعية، وأمر المؤذنين أن لا يبلغوا (٥) في تكبير الصلوات بالحرم الشريف إلا خلف الأمام الحنفى إمام الأقصى لا غير. وبلغه مرة أن المؤذنين بلّغوا بالحرم خلف إمام الصخرة الشافعى، فأنكر ذلك غاية الانكار. ثم بنى بالحرم الشريف قبة ووقف عليها وقفا جليلا على أن يشتغل في تلك القبة بالقرآت السبع، وشرط أن لا يصرف من وقفها شئ إلا للحنفيه فقط،

стр. 1480

وولى تدريسها للشيخ شمس الدين بن رزين (١) البعلبكى تلميذ الشيخ تاج الدين [الكندى] (٢)، وقرأت عليه في تلك القبة الإيضاح لأبى على الفارسى (٣)، وجودت عليه القرآن العظيم، وكان حسن القرآءة جيد الأداء، حافظا للقراءات العشر وطرقها. ولما وقف الملك المعظم على تاريخ بغداد الذى صنفه الشيخ الحافظ أبو بكر أحمد بن ثابت (٤)، وفيه مطاعن على أبى حنيفه ﵀، رواها الخطيب عن جماعة من المحدثين، رد عليه الملك المعظم في ذلك، وصنف كتابا سماه «السهم المصيب في الرد على الخطيب». وأجاب الملك المعظم في هذا الكتاب عن كل مطعن ذكره بأحسن جواب، وذكر فيه مباحث جليله دقيقه في الفقه والنحو، ووقفت على هذا الكتاب بالقدس الشريف، وطالعته جميعه ووجدته في غاية الحسن. ثم ذكر في آخره مطاعن على الخطيب [صاحب تاريخ بغداد] (٥)، وروى له أشعارا غزليه طعن بسببها في عدالته، وقرربها جرحه وصنف غير ذلك من الكتب.

стр. 1481

ولما قدم الملك المعظم ﵀ القدس الشريف سنة ثلاث وعشرين وستمائة، جلس خارج الصخرة الشريفة، واستدعى جماعة الفقهاء، واستدعى والدى ﵀ وباحثهم في مسائل لغويه وفقهيه (١). [ومما سأل عنه يومئذ أنه كيف ورد في القراءات الست، أعنى ما عدا قراءه أبى عمرو بن العلاء ﴿إِنْ هذانِ لَساحِرانِ﴾ (٢)» وهذه القراءة هى المطابقة لخط المصحف الإمام، ومن شأن إن أن ينتصب ما بعدها، فقال بعضهم: إن ها هنا بمعنى نعم [١٣٥ ب] كما في قول الشاعر (٣): ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت فقلت إنّه أي: نعم. فأجاب هذا القائل بعضهم: أن هذا القول يعكر عليه ورود اللام في الخبر، فإنه لا يقال «نعم زيد لقائم». فقال السلطان ﵀ «لا يعكر عليه، بل جاز أن تأتى هذه اللام رعاية للفظ إن فإنه يقتضى جواز وقوع اللام في الخبر، ورعاية اللفظ واعتباره قد جاء كثيرا، يقولون يا زيد الظريف، فيراعون اللفظ، ويحملون عليه، وإن كان زيد منصوبا في التقدير». فاستحسن الجماعة هذا الجواب من السلطان وأطنبوا في الثناء عليه] (٤). وقال لوالدى يومئذ: «أكان لمدينة المعرّه سور؟». فقال له والدى: «نعم وإنما الفرنج لما ملكو المعرّه ثم استنقذها منهم أتابك زنكى الشهيد بن آق سنقر هدم سورها». ثم ذكر له والدى واقعة جميله فعلها أتابك ﵀

стр. 1482

مع المعريين، وهى أنهم طلبوا أن يرد عليهم أملاكهم التي كانت بأيديهم قبل أن يملكها الفرنج، فرسم بردها إليهم، فقال له بعض الفقهاء إن من مذهب أبى حنيفة ﵀ أن الكفار إذا أخذوا من المسلمين بلدة وفيها أملاك للمسلمين ملكوها، فإذا فتح المسلمون تلك البلدة كانت تلك الأملاك لبيت المال، وحسنوا لأتابك الإستيلاء على تلك الأملاك ولا يردها إلى ملاكها لأنه حنفى المذهب. فقال أتابك: «لا والله بل نردها عليهم، إذا كنا نحن نأخذ أملاكهم، والفرنج يأخذون أملاكهم، فأى فرق بيننا وبين الفرنج». قال والدى ﵀ لى بعد ذلك: «[لقد (١)] غلطت في إيراد هذه الحكاية لأن السلطان حنفى، وفى هذا القول تشنيع على أبى حنيفة». قال [والدى] (٢): «لكن السلطان تغاضى عن ذلك وأظهر استحسانه». وكان عند الملك المعظم ﵀ جماعة من الفضلاء لا يفارقونه في سفر ولا حضر؛ منهم فخر القضاة نصر الله بن براقه المصرى ﵀، وكان فاضلا في فنون الأدب والنظم والرسائل [١٣٦ ا]، ومنهم شرف الدين أبو المحاسن بن عنين [الدمشقى كاتب الأنشاء وغيره (٣)]، وأصله من حوران، وله

стр. 1483

النظم البديع الذى لا يجاريه فيه أحد. وولاه الملك المعظم مرة نظر الدواوين (١) بدمشق، وعلت مرتبته جدا عنده. ولما علت سنه كتب إلى الملك المعظم يستعفيه من النظر: أقلنى عثارى واحتسبها (٢) صنيعة ... يكون برحماها لك الله جازيا كفى حزنا أن لست ترضى ولا أرى ... فتى راضيا عنّى ولا الله راضيا ولست أرجى بعد سبعين حجّة ... حياة وقد لاقيت منها (٣) الدواهيا ولا بدّ أن ألقى الردى من مصمّم ... وكم (٤) يتوقّى من تخطّى الأفاعيا ومنهم (٥) جمال الدين بن شيث كاتب الإنشاء (٦)، وكان جيد الترسل فاضلا متأدبا، وكان مع ذلك مغرى بصناعة الكيمياء. وكان شرف الدين بن عنين كثير الهجو، وكان الملك المعظم يعجبه هجوه ويضحكه. فقال شرف الدين يوما أبياتا وهو في المعسكر المعظمى (٧) يعرّض بجمال الدين كاتب الإنشاء وجماعة من أصحاب الملك المعظم]، ويذكر غرام جمال الدين بعلم الكيمياء وهجا مع ذلك نفسه فقال:

стр. 1484

أنا وابن شيث في الخيام زيادة ... وابن النفيس وذا الملقّ الصوفى لا نيلنا يرجى ولا أضيا فنا ... تقرى ولا نرجى (١) لدفع مخوف أما الملقّ كما علمت فنسكه (٢) ... وقف (٣) على زبدية ورغيف وفتى بجيله إن قراما خطّه ... عاينت (٤) منه غرائب التصحيف ومهوس بالكيمياء يقطع الأ ... وقات بالآمال والتسويف يبغى من الأبوال تبرا خالصا ... عقل لعمر أبيك جدّ سخيف وأنا وشعرى كم يعنّفنى الورى ... فيه (٥) ولا أصغى إلى التعنيف ولما بلغ ذلك جمال الدين بن شيث غضب وشكا شرف الدين بن عنين إلى الملك المعظم فأحضر الملك المعظم ابن عنين، وأمره أن لا يعود يتعرض لجمال الدين بن شيث، فقال: «السمع والطاعة»، وقال [بديها (٦)]: [١٣٦ ب] كذب كلّ ما ادّعيت وزور ... أنا وحدى زيادة في الخيام ولزوم السّماط أكبر همى ... ويداى الطوال عند الطعام وضيوفى هم يبيتون غرثى ... وعلاج الأبوال أقصى مرامى (٧)

стр. 1485

فأتى هذا الأعتذار بما هو أعظم من الأول، وأضحك الملك المعظم وأعجبه. وذكر أن المعظم كان نازلا مرة بنابلس وفى معسكره بهاء الدين نصر بن محمد بن القيسرانى، وبعث الملك المعظم جماعة من عسكره وأغاروا على [مدينة] (١) قيسارية من الساحل، وكانت يومئذ بيد الفرنج، فأسروا وقتلوا وعادوا مظفرين منصورين، ومعهم من ثمار قيسارية أترج كثير وليمون. وكان الملك المعظم عند قد ومهم في دعوة الأمير ظهير الدين بن سنقر الحلبى، وهو من أكبر أمراء الملك المعظم، وأبوه سنقر كان مملوكا لبيت القيسرانى. فقال الملك المعظم لظهير الدين: «يا ظهير هذه الهدية من بلد أستاذك»؛ يعنى ابن القيسرانى لأن جده من أهل قيساريه. وأمر الملك المعظم بتعبئة طبق كبير من ذلك الليمون والأترج، وأمر بعض الغلمان بحمله إلى بهاء الدين بن القيسرانى، ومضى مع الهدية ظهير الدين بن سنقر الحلبى، وكان في ذلك الوقت قد وصل إلى الملك المعظم الأمير سعد الدين بن كمشبة (٢) الأسدى، وهو ابن أخت السلطان الملك العادل ﵀ وقد سر الملك المعظم بوصوله إليه. ولما وصلت الهدية إلى بهاء الدين بن القيسرانى كتب إلى الملك المعظم: - يا أيّها الملك المعظم والذى ... أضحت له الدنيا تزف عروسا أوليتنى نعما (٣) إذا أظهرتها ... للناس أظهر حاسدوها بوسا

стр. 1486

فليهنك اليوم الذى قد أطلعت ... فيه الكؤوس كواكبا وشموسا وقدوم سعد الدين سعد ذابح ... للكفر يمنحهم أذى ونجوسا فكتب إليه الملك المعظم ﵀: - يا من تفرّد بالفضائل دائبا ... أبدا يؤسس مجدها تأسيسا لا زلت في درج المكارم راقيا ... تعلو وربعك بالثنا محروسا (١) فكتب إليه بهاء الدين بن القيسرانى: - مدح بمدح يستطاب وما أرى ... ما بين ذين دراهما وفلوسا فأمر له الملك المعظم بقماش كثير وذهب وحنطة وشعير وشمع، وخلع عليه. ذكر أن قيمة الجميع يناهز ألف دينار صورية (٢)، وقال للرسول: «قل لبهاء الدين فلوس ما بيننا». [ذكر أولاده ﵀] ولد للملك المعظم أولاد (٣) كثيرة مات بعضهم في حياته (٤)] وخلّف من الذكور أربعة مات أحدهم [صغيرا (٥)] بعده بقليل، والثلاثة الباقون أحدهم الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر داود، وكان يلقب قبل ذلك الملك الحاكم،

стр. 1487

وهو أكبرهم [و (١)] مولده سنة ثلاث وستمائه، وكان عمره لما مات أبوه وولى الملك بعده إحدى وعشرين سنه، وأمه تركية عاشت بعد وفاة ولدها الملك الناصر بمدة طويلة، وعميت في آخر عمرها، ثم توفيت سنة إثنتين وسبعين وستمائة [وقد بلغت من العمر تسعين (٢) سنة]. وكانت عندها شهامة حفظت لابنها الكرك لما حاصر الملك الكامل دمشق، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وثانيهم الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز، وأمه تركية [أيضا وكان جميل الصورة فيه شبه كثير بوالده (٣)]، وتوفى سنة تسع وأربعين وستمائه ببلاد الشرق، وخلف عدة أولاد. وثالثهم الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك وأمه (٤) روميه، وتوفى بدمشق في أوائل سنة ست وسبعين وستمائة. وخلف [الملك المعظم بن العادل أيضا (٥)] عدة بنات إحداهن التي كان زوجها [السلطان (٦)] جلال الدين بن خوارزم شاه ولم يتفق حملها إليه، [وماتت بعد أبيها بمدة يسيرة (٧)]. ولما توفى دفن ﵀ في مدرسة حنفية بناها (٨) تحت جبل قاسيون في طرف الصالحية الغربى، وكان وقف عليها وقفا جليلا. [ودفن بها والدته وهى أم ولد تركية، ودفن فيها جماعة من أهله (٩)]. وبنى بدمشق المدرسة الكبيرة

стр. 1488

الشافعية المعروفه بالمدرسة العادلية [١٣٧ ب]، ودفن بها والدة السلطان الملك العادل، ووقف عليها وقوفا بدمشق، ودفن بها أيضا الملك المعز مجير الدين يعقوب بن الملك العادل في أيام السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز [صاحب حلب ﵀ بعد سنة خمسين (١) وستمائة]. ولما توفى الملك المعظم [رثته الشعراء؛ فمن ذلك مارثاه به (٢)] شرف الدين ابن عنين ومدح ولده الملك الناصر داود وهى: يا دهر ويحك ما عدا مما بدا ... أرسلت سهم الحادثات فأقصدا أغمدت سيفا مرهفا شفراته ... قد كان في ذات الأله مجرّدا فافعل بجهدك ما تشاء فإننى ... بعد المعظّم لا أبالى بالرّدى ما خلته يفنى وأبقى بعده ... يابؤس [عيشى (٣)] ما أمرّ وأنكدا لهفى على بدر تغيب في ثرى ... رمس وبحر في ضريح ألحدا أبقيت لى يادهر بعد فراقه ... كبدا مقرّحة وجفنا أرمدا وجوى يؤجج (٤) بين أثناء الحشا ... نارا تزايد بالدموع توقّدا لو كان خلق بالمكارم والتقى ... يبقى لكنت مع (٥) الزمان مخلّدا أو كان شقّ الجيب ينقذ من ردى ... شقّت عليك بنو أبيك الأكبدا

стр. 1489

أو كان ينجى (١) عنك دفع بالقنا ال ... ـخطىّ غادرت الوشيج مقصدا ولقد تمنّت أن تكون فوارس ... من آل أيوب الكرام لك الفدا أبكيت حتى نثرة وطمرة ... وحزنت حتى ذابلا ومهندا كم ليلة قد بت فيها لا ترى ... إلا ظهور الأعوجيّة مرقدا تحمى حمى الإسلام منتصرا له ... بعزائم تستقرب المستبعدا ولرب ملهوف دعاه لحادث ... جلل فكان جوابه قبل الصدى ولطالما شمنا (٢) بوارق كفه ... فهمت سحائبها علينا عسجدا يا مالكا من بعد فقدى وجهه ... جار الزمان علىّ بعدك واعتدا أعزز علىّ بأن يزورك راثيا ... من كان زارك بالمدائح منشدا كم مورد ضنك وردت وطعمه ... مر وقد عاف الكماة الموردا وعزيز قوم مترف سربلته ... ذلاّ وكان الطاغى المتمردا أركبته حلقات أدهم قصرت ... منه الخطى من بعد أشقر أجردا (٣) لولا دفاعك بالصوارم والقنا ... عن حوزة الإسلام عاد كما بدا وديار مصر لو ونت عزماته ... عن نصرها لتحكّمت (٤) فيها العدى ولأمست البيض الحرائر بينهم ... فيها إماء والموالى أعبدا (٥)

стр. 1490

ولأصبحت خيل الفرنج مغيرة ... تجتاب ما بين البقيع إلى كدا (١) وبثغر دمياط فكم من بيعة ... عبد الصليب بها وكانت مسجدا أجليت (٢) ليل الكفر عنها فانطوى ... وأنرت في عرصاتها فجر الهدى ولقد شهدتك يوم قيسارية ... والشمس قد نسج القتام لهاردا والكفر معتصم بسور مشرف ال ... أبراج أحكم بالصفيح وشيدا فجعلت عاليها مكان أساسها ... وألنت للأخشاب (٣) فيها الجلمدا قل للأعادى إن فقدنا سيدا ... يحمى الذمار فقد رزقنا سيدا الناصر الملك الذى أضحى برو ... ح القدس في كل الأمور مؤيّدا أعلى الملوك محلّة وأسرّهم ... رأيا وأشجعهم وأنداهم (٤) يدا ماضى العزائم (٥) لا يرى في رأيه ... يوم الكريهة حائرا مترددا يقظ يكاد يريه ثاقب رأيه (٦) ... في يومه ما سوف يأتيه غدا وبعد وفاة الملك المعظم توفى له ولد صغير فرثاه شرف الدين بن عنين على لسان الملك الناصر أخيه بقصيدة مطلعها: لو أن غير الدهر كان العادى ... لتبادرت قومى إلى إنجادى

стр. 1491

ولدافعت عنك (١) المنون فوارس ... بيض الوجوه كريمة الأجداد قوم بنى شاذى وأيوب لهم ... مجدا (٢) تليدا فوق مجد عادى من كلّ وضح إذا شهد الوغى ... روّى الأسنة من دم الأوراد (٣) المبصرون إذا السنابك أطلعت ... شمس الظهيرة في ثياب حداد لم تنب في يوم الهياج سيوفهم ... عن مضرب ونبت عن الأغماد قسما لوأن الموت يقبل فدية ... عزّت (٤) لكنت بمهجتى لك فادى قد كنت أرجوأن أراك مقاسمى ... في خفض عيش أو لقاء أعادى وأراك في يومى وغى ومسرة ... قلب الخميس وصدر أهل النادى خانتنى الأيام فيك فقرّبت ... يوم الرّدى من ليلة الميلاد ورمتنى الأيام (٥) منك بلوعة ... باتت تأجّح في صميم فؤادى ومنها فسقى ضريحك كل دان مسبل ... متواصل الأبراق والإرعاد حتى ترى عرصات قبرك روضة ... موشية كوشائع (٦) الأبراد

стр. 1492

ذكر استيلاء الملك الناصر داود بن الملك المعظم على مملكة والده ولما توفى الملك المعظم ترتب في ممالكه بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين داود، وقام بأمره كله أستاذدار (١) والده الأمير عز الدين أيبك المعظمى، وكانت بيده صرخد وأعمالها، واستمر في خدمته عماه الملك العزيز عماد الدين عثمان شقيق والده صاحب بانياس وبلادها، والملك الصالح عماد الدين إسماعيل صاحب بصرى والسّواد وابن عمه الملك المغيث شهاب الدين محمود بن الملك المغيث عمر بن الملك العادل. ونفذت كتبه ورسله إلى عميه الملك الكامل والملك الأشرف بالتعزية بأبيه الملك المعظم، فقعد كل منهما في عزائه. وورد من مصر الأمير علاء الدين بن شجاع الدين جلدك المظفرى التقوى رسولا من الملك الكامل، ومعه الخلعة للملك الناصر وسنجق السلطنة، وكتب إليه بما طيب قلبه، وأقره على ممالك أبيه، فلبس خلعة عمه وركب بالسنجق الواصل إليه.

стр. 1493

ودخلت سنة خمس وعشرين وستمائة والسلطان الملك الكامل مقيم بالديار المصرية، والملك الناصر داود بن الملك المعظم مستول على مملكة والده ما بين حمص وعريش مصر (١). [وورد إليه من جهة [١٣٩ ا] عمه الملك الكامل يطلب منه أن يسمح له من بلاده بقلعة الشوبك فقط ليجعلها خزانة، فلم يقع منه الإجابة إلى ذلك. ورأى الملك الكامل منه إعراضا عنه وجفاء؛ ولو أنه بادر إلى تسليم الشوبك إليه وألقى إليه مقاليده لا ستمر ملكه، ولم تغير عليه قاعدة، فكان امتناعه من تسليم الشوبك وإعراضه عن جنبته (٢) سببا لوقوع الوحشة بينه وبينه. وأدى ذلك إلى تصميم عزم الملك الكامل على الخروج إلى الشام وأخذ دمشق وغيرها منه] (٣). ذكر مسير السلطان الملك الكامل [بعساكره (٤)] إلى الشام ونزوله بتل العجول ولما جرى ما ذكرناه - (من امتناع الملك الناصر من تسليم الشوبك إلى عمه الملك الكامل واستيحاش عمه منه (٥)]- ولى إبنه الملك الصالح نجم الدين أيوب

стр. 1494

ولاية عهده (١)، وأركبه بالقاهرة، وحملت الأمراء الغاشية (٢) بين يديه بالنوبة، وجعله نائبا عنه في الديار المصرية، وأنزله بدار الوزارة، وعمره يومئذ اثنتان وعشرون سنة لأن مولده سنة ثلاث وستمائة. ثم خرج السلطان الملك الكامل من مصر في عساكره المتوافرة وفى صحبته [ابن أخيه (٣)] الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور، وهو موعود من جهته بأن ينتزع له حماه وبلادها (٤) من أخيه الملك الناصر قلج أرسلان وتسليمها إليه، وفى صحبته [من أهله (٥)] أيضا ابن أخيه الملك الجواد مظفر الدين يونس بن الملك الجواد شمس الدين مودود بن الملك العادل. وكان مودود توفى في حياة والده الملك العادل، وربى ولده الملك الجواد في خدمة عمه السلطان الملك الكامل، وكان قريبا منه في السن، وكانت البحيرة (٦) من ديار مصر إقطاعه. وفى أواخر أيام (٧) الملك المعظم فارق عمه الملك الكامل وانتقل إلى خدمة الملك المعظم، فأقطعه مدينة غزة، ثم راسله الملك الكامل وطيب قلبه، فعاد إلى خدمته. وكان مسير الملك الكامل من مصر في شهر رمضان من

стр. 1495

هذه السنة. ولما وصل إلى غزة نزل بها مخيما بتل العجول، وبعث ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وغيرها [من الأعمال، فانزعج الملك الناصر لذلك وخاف منه خوفا شديدا (١)]. [١٣٩ ب] ذكر مفارقة الملك العزيز بن الملك العادل ابن أخيه الملك الناصر ومضيه إلى أخيه الملك الكامل كان جماعة من الجند بقلعة بعلبك - في هذه السنة - قد تواطؤا على تسليمها إلى الملك العزيز عثمان بن الملك العادل صاحب بانياس، وأطلع صاحب بعلبك الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن عز الدين فرخشاه على ذلك، فاعتقل بعضهم وقتل بعضهم - على ما حكى لى -، ولم يتم للملك العزيز ما أراد. فقصد الملك العزيز بعلبك ونازلها وعزم على مضايقتها وأخذها من صاحبها. وبلغ ذلك الملك الناصر صاحب دمشق فانزعج له، وشق عليه قصد عمه الملك العزيز الملك الأمجد، فإنه كان صديق والده ومنتميا إليه، فسير إليه رسولا يأمره أن يرحل عنه، فرحل عن بعلبك قهرا. وغضب الملك العزيز بسبب ذلك على الملك الناصر، ورحل إلى أخيه الملك الكامل. فسر بقدومه الملك الكامل، ووعده بتسليم بعلبك إليه، فأقام في خدمته ونزل في معسكره. وفى هذه السنة جلس السلطان الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر صاحب حلب في منصب أبيه الملك الظاهر، ورفعت إليه الشكاوى، فأجاب عنها وأمر ونهى، وكان قد ناهز سن البلوغ خمس عشرة سنة. وأحضر الفقهاء عنده في ليالى الجمع يتكلمون في مسائل العلم بين يديه، ثم

стр. 1496

حضر عيد الفطر من هذه السنة، فخلع على كافة الأمراء، ومقدمى البلد وأرباب المناصب، وعمل عيدا عظيما احتفل فيه، ولم يعمل بحلب عيد قبل هذه السنة مذ مات أبوه الملك الظاهر - رحمهما الله. (١) ذكر قدوم الملك الأشرف إلى دمشق نجدة لابن أخيه الملك الناصر [داود بن الملك المعظم (٢)] ولما قدم السلطان الملك الكامل إلى غزة وولى على بعض بلاد الملك الناصر، رحل منها إلى نابلس ونزل بها بدار الملك المعظم. ولما تحقق الملك الناصر قصد عمه الملك الكامل له، أرسل إلى عمه الملك الأشرف يعتضد به، ويستمسك بذيله، ويستنصر به على الملك الكامل. وكان الرسول في ذلك الأمير عماد الدين [١٤٠ ا] ابن موشك (٣) وفخر القضاة نصر الله بن براقة (٤) فمضيا إلى الشرق واجتمعا بالملك الأشرف وكان بسنجار. وطلباه ليأتى إلى دمشق، ويعاضد ابن أخيه الملك الناصر، ويدفع عنه الملك الكامل، فسار إلى دمشق، وزينت دمشق لقدومه، وضربت بها البشائر، ونصبت القباب. وخرج الملك الناصر لاستقباله، وكنت (٥) يومئذ بدمشق، وشاهدت دخوله إلى القلعة، وعلى رأسه شاش علم كبير، وهو مشدود الوسط بمنديل، والملك

стр. 1497

الناصر إلى جانبه. ولما قربا من باب القلعة أهوى الملك الأشرف للترجل للملك الناصر، فحلف عليه الملك الناصر أن لا يفعل، ثم أهوى الملك الناصر للترجل للملك الأشرف فحلف عليه الملك الأشرف أن لا يفعل. ودخلا القلعة راكبين، وذلك في العشر الأخير (١) من شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة خمس وعشرين وستمائة. وفرح الملك الناصر به غاية الفرح، وطاب قلبه، وأقام الملك الأشرف مدة يتنزه في بساتينها، هو والملك الناصر؛ وكان الوقت صيفا، وبساتينها في غاية النضارة والحسن وكثرة الفواكه. وفى قلب الملك الأشرف من محبة دمشق، والميل إلى تملكها ما فيه، فهو يعمل على ذلك باطنا، وقام الملك الناصر بجميع وظائفه. ثم قدم إلى دمشق الملك المجاهد أسد الدين [شيركوه بن محمد (٢)] صاحب حمص فإنه كان - كما ذكرنا (٣) - من المنتمين إلى الملك الأشرف، ونزل بداره داخل البلد. ثم سير الملك الأشرف رسولا إلى أخيه السلطان الملك الكامل الأمير سيف الدين [على] (٤) بن قلج - وهو من أكبر أمراء الحلبيين - يشفع في الملك الناصر، ويطلب منه إبقاء دمشق عليه، ويقول: «إننا كلنا في طاعتك، ولم نخرج عن

стр. 1498

موافقتك». فلم يجب الملك الكامل إلى ذلك، وخاطب سيف الدين بما فيه إطماع للملك الأشرف بملك دمشق. ذكر مسير الملك الأشرف إلى نابلس وصحبته الملك الناصر وصاحب حمص ولما جرى ما ذكرناه، أشار الملك الأشرف على ابن أخيه الملك الناصر [١٤٠ ب] بأن يمضى في صحبته إلى نابلس، ويقيم الملك الناصر بنابلس، ويمضى هو إلى السلطان الملك الكامل، ويصلح الأمر معه. فأجابه الملك الناصر إلى ذلك، ورحلا معا من دمشق، ومعهما الملك المجاهد صاحب حمص. وكنا قد ذكرنا أن الملك الكامل وصل إلى نابلس، ونزل بدار الملك المعظم بها. ولما بلغه حلول الملك الأشرف بدمشق، رحل من نابلس على عزم العود إلى الديار المصرية، ووصل إلى تل العجول فنزل به. ووصل الملك الأشرف والملك الناصر والملك المجاهد إلى نابلس. ذكر وصول الملك الأشرف إلى معسكر أخيه الملك الكامل وما جرى بينهما من الاتفاق ثم أقام الملك الناصر بنابلس، ورحل الملك الأشرف (١) ومعه الملك المجاهد صاحب حمص إلى غزه للاجتماع بالملك الكامل. ولما سمع الملك الكامل بقرب أخيه الملك الأشرف، خرج إلى استقباله، وعاد به إلى العسكر (٢) بتل العجول ونزلا به

стр. 1499

ثم وقع الاتفاق بين السلطانين على انتزاع دمشق من ابن أخيهما الملك الناصر، وأنها تكون للملك الأشرف وما معها من الأعمال إلى عقبة فيق (١)، ويكون للملك الكامل ما بين غزه وعقبة فيق من البلاد والحصون، ويكون للملك الناصر داود عوضا عن بلاده - من بلاد الملك الأشرف - حران والرقه والرها وسروج ورأس عين وجملين والموزر (٢)، وأن ينتزع بعلبك من الملك الأمجد بهرام شاه وتعطى هى وأعمالها للملك العزيز عثمان، وينتزع حماه والمعره وبعرين من الملك الناصر قلج أرسلان [بن المنصور (٣)] وتعطى للملك المظفر [تقى الدين محمود (٤)] بن المنصور، وتؤخذ سلميه من الملك المظفر وتعطى للملك المجاهد صاحب حمص؛ وكان طلبها من الملك الكامل لأنها كانت جارية في إقطاع ابنه ناصر الدين محمد بن شيركوه، وإنما أضيفت إلى الملك المظفر تقى الدين عمر ابن شاهان شاه في أيام صلاح الدين بعد موت ناصر الدين. وخرجت السنة [١٤١ ا] والأمر على ما ذكرناه. ذكر ما تجدد في هذه السنة من الحرب بين التتر وجلال الدين بن خوارزم شاه وفى هذه السنة عاود التتر الخروج إلى بلاد الإسلام، وأتاهم السلطان جلال الدين في عساكره، وجرت بينهم حروب كثيرة كان في أكثرها الظفر للتتر

стр. 1500

عليه، وفى آخرها كان الظفر له. وقد ذكر في حديث هذه الحروب أن التتر الذين قصدوا البلاد في هذه السنة، لم يكن قصدهم لها بأمر ألقان، وإنما كان سخط على مقدمهم وأبعده عنه وأخرجه من بلاده فقصد بلاد خراسان فرآها خرابا، فقصد الرى ليتغلب عليها وعلى غيرها من عراق العجم، فلقيه السلطان جلال الدين وضرب معه مصافا، فانهزم جلال الدين. ثم عاود القتال وانهزم ثانيا، وقصد أصفهان وأقام بينها وبين الرى، وجمع عساكره ومن في طاعته. وورد عليه ابن أتابك سعد بن دكلا صاحب فارس، وكان أبوه سعد قدمات وملك فارس بعده إبنه. ثم عاود جلال الدين لقاء التتر مرة ثالثه، وضرب معهم مصافا. وبينما (١) هم مصطفون انفرد من عسكر جلال الدين أخوه غياث الدين وجماعة آخرون وافقوه من الأمراء والجند، فاعتزلوا وقصدوا جهة ساروا إليها. فلما رآهم التتر قد فارقوا العسكر ظنوا أنهم يريدون أن يأتوهم من وراء ظهورهم ويقاتلوهم من جهتين، فانهزمت التتر لهذا الظن (٢)؛ وهذا من أغرب شئ وقع. وتبعهم ابن سعد صاحب بلاد فارس. وأما جلال الدين فلما رأى مفارقة أخيه له ومن فارقه من الأمراء، ورأى التتر راجعين عنه، ظن أن ذلك خديعة منهم ليستدر جوه، فولى منهز ما ولم يجسر على دخول أصفهان لئلا يحصره التتر، فمضى إلى سميرم (٣). وأما صاحب فارس فلما أبعد في أثر التتر، ولم ير جلال الدين خاف التتر فعاد [عنهم (٤)].

стр. 1501

وأما التتر [١٤١ ب] فلما لم يروا أحدا يطلبهم، عادوا إلى أصفهان فلم يجدوا في طريقهم أحدا يمنعهم، ووصلوا إلى أصفهان وحصروها. وكانت أصفهان إلى ذلك الوقت لم يتمكن التتر منها لعظمها وكثرة أهلها وشجاعتهم. ولما حصر التتر أصفهان ظن أهلها أن جلال الدين قد عدم، فبينما هم كذلك والتتر يحصرونهم [إذ] (١) وصل قاصد من جلال الدين [إليهم] (٢) يعرفهم بسلامته، ويقول لهم: «لا بد أن يجتمع إلىّ من تفرق من العساكر وأقصدكم، وأتفق أنا وأنتم على إزعاج التتر وترحيلهم عنكم». وأرسلوا إليه يستدعونه إليهم، ويعدونه (٣) النصرة والخروج إلى عدوه، فسار إليهم واجتمع بهم، وخرج أهل أصفهان معه، وقاتلوا التتر، فانهزم التتر أقبح هزيمة، وتبعهم جلال الدين إلى الرى يقتل ويأسر. فلما أبعدوا عن الرى أقام بها، وجاء إليه رسول ألقان وهو ابن جنكزخان يقول له: «إن هؤلاء ليسوا من أصحابنا، وإنما نحن أبعدناهم [عنا] (٤)». فلما آمن جلال الدين من جهة ابن جنكز خان عاد إلى بلاد أذربيجان. ذكر قدوم الأنبرطور فردريك ملك الفرنج إلى عكا وعمارة صيدا (٥) في هذه السنة قدم الأنبرطور إلى عكا في جموع كثيرة من الألمانية وغيرها من الفرنج. وقد ذكرنا (٦) مسير الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ إلى الأنبرطور

стр. 1502

من جهة السلطان الملك الكامل، وكان ذلك في آخر أيام الملك المعظم، وإنما قصد الملك الكامل بالأتفاق مع الأنبرطور واستدعائه لإشغال سر الملك المعظم، ولئلا يتمكن الملك المعظم بالاتفاق مع جلال الدين خوارزم شاه وصاحب إربل من قصده وقصد الملك الأشرف. فتجهز الأنبرطور ووصل في عساكره إلى الساحل، ونزل بعكا. وكان قد تقدمه جمع كثير من الفرنج، لكنهم لم يتمكنوا من الحركة خوفا من الملك المعظم ولانتظارهم مقدمهم الأنبرطور. ومعنى هذا الأسم [١٤٢ ا] بالفرنجية ملك الأمراء (١)، ومملكته جزيرة صقلية، ومن البر الطويل بلاد أنبولية (٢) والأنبردية. وقد رأيت تلك الممالك وتوجهت إليها لما توجهت رسولا من جهة السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ﵀ إلى ولد الانبراطور فردريك هذا المسمى منفريدا. وكان الانبرطور - من بين ملوك الفرنج - فاضلا، محبا للحكمة والمنطق والطب، مائلا إلى المسلمين لأن مقامه في الأصل ومرباه بلاد صقلية، وهو وأبوه وجده كانوا ملوكها، وأهل تلك الجزيرة غالبهم المسلمون. ولما وصل الأنبرطور إلى عكا نشب به (٣) الملك الكامل لأن أخاه الملك المعظم الذى كان السبب في استدعائه توفى وقد استغنى عنه، ولم يمكنه دفعه ومحاربته لما تقدم بينهما من الاتفاق، ولأنه كان يؤدى [ذلك (٤)] إلى فوات

стр. 1503

أغراضه التي كان في ذلك الوقت بصددها. فراسله ولا طفه وجرى بعد ذلك ما سنذكره - إن شاء الله تعالى. وبعد وصول الأنبرطور إلى عكا شرع الفرنج في عمارة صيدا، وكانت مناصفة بين [المسلمين] (١) وبين الفرنج، وسورها خراب، فعمروها واستولوا عليها، وأزالوا عنها حكم المسلمين. ولم يزل الأنبرطور بعكا، والرسل مترددة بينه وبين الملك الكامل إلى أن خرجت [هذه] (٢) السنة. ذكر نهب السلطان جلال الدين خوارزم شاه أعمال خلاط ولما فرغ جلال الدين من حرب التتر وهزمهم ووصل إلى أذربيجان بعساكره وخلا سره، قصد خلاط وتعداها إلى صحراء موش (٣) وجبل جور، ونهب الجميع، وسبى الحريم، واسترق الأولاد، وقتل الرجال، وخرب القرى، وعاد [بعد ذلك] (٤) إلى بلاده. وخافه أهل حران والرها وسروج وسائر البلاد الأشرفية (٥). وعزم بعضهم على الانتقال إلى الشام، ووصل بعض أهل سروج إلى منبج، وكان الوقت شتاء، ثم وصلت الأخبار بأنه عاد بسبب كثرة وقوع الثلج.

стр. 1504

ودخلت سنة ست وعشرين وستمائة والسلطانان (١) الملك الكامل والملك الأشرف نازلان بتل العجول في العساكر الكثيرة، [والملك الناصر داود بن الملك المعظم بنابلس] (٢). وفى المحرم منها سير الأتابك شهاب الدين طغريل عسكرا من حلب نجدة للملك الأشرف فوصلوا إلى الغور. [ذكر رجوع الملك الناصر بن الملك المعظم إلى دمشق ومنازلة الملك الأشرف (٣) لها] ولما جرى ما ذكرناه من اتفاق السلطانين الملك الكامل والملك الأشرف، وانتهى إلى الملك الناصر [داود] (٤) ما اتفقا عليه، رحل من نابلس عائدا إلى دمشق. [وكان في مدة مقامه بنابلس قد أنكر على الأمير عز الدين أيدمر المعظمى صاحب جينين (٥) - وهو من أكبر أمراء أبيه وهو يتلو عز الدين أيبك صاحب صرخد في المرتبة - شيئا صدر منه، فأحضره وأمر بضربه وإهانته، فهرب

стр. 1505

منه بجماعته، ومضى إلى السلطان الملك الكامل، فأقبل عليه إقبالا كثيرا، وأحسن إليه. وانهدّ بذلك ركن من أركان الملك الناصر، مع ما تقدم من مفارقة الملك العزيز له. ولما رحل الملك الناصر عائدا إلى دمشق] (١) رحل الملك الأشرف من تل العجول قاصدا الاجتماع [بابن أخيه الملك الناصر] (٢) ليعرفه ما وقع الاتفاق عليه، وليأمره بالنزول عن دمشق، والرضى بما قرر له من البلاد الشرقية. فلحقه بالقصير (٣) المعروف بقصير (٤) ابن معين الدين بالغور تحت عقبة فيق (٥)، فاجتمع به وحضر اجتماعهما الملك الصالح اسماعيل بن الملك العادل وابن أخيه الملك المغيث بن الملك المغيث (٦) وكانا مع الملك الناصر، والأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد أستاذ الدار. فقال الملك الأشرف للملك الناصر: «إنى اجتعت بخدمه عمك السلطان الملك الكامل، وقصدت الأصلاح بينك وبينه بجهدى، وحرصت على أن يرجع عنك ويقر عليك بلادك لكنه امتنع وأبى إلا أن يأخذ دمشق منك، وأنت تعلم أنه سلطان البيت [الأيوبى] (٧)،

стр. 1506

وكبيرهم، وصاحب الديار المصرية، ولا يمكن الخروج عما أمر به، وقد وقع الاتفاق على أن تسلم [إليه] (١) دمشق وتعوض عنها من الشرق كذا وكذا» وذكر ما وقع الاتفاق عليه. فلما أنهى قوله [١٤٣ ا] قام عز الدين أيبك المعظمى وقال: «لا كيد ولا كرامة ولا نسلم من البلاد حجرا واحدا، ونحن قادرون على دفع الجميع ومقاومتهم، ومعنا العساكر المتوافرة (٢)». وقال للملك الناصر: «قم وامض (٣) إلى دمشق». فركب الملك الناصر وأمر بتقويض الخيام، ورحل الملك الناصر وأصحابه إلى دمشق. ولم يتمكن الملك الأشرف من مقاومته [ومنعه من ذلك] (٤)؛ [إذ لم يكن معه إلا جمع قليل مع عسكر حلب، فإنهم كانوا وصلوا إلى نجدته، وانتهوا إلى الغور] (٥). وتخلف عن الملك الناصر - ممن كان معه - عمه الملك الصالح [عماد الدين] (٦) اسماعيل [صاحب بصرى] (٧) وابن عمه الملك المغيث، [شهاب الدين بن الملك المغيث بن الملك العادل] (٨) ومن معهما، والأمير كريم الدين الخلاطى وكان من أخص أصحاب الملك المعظم. وانضم هؤلاء إلى الملك الأشرف.

стр. 1507

ووصل الملك الناصر إلى دمشق، واستعد للحصار، وقام أهل دمشق بنصرته أحسن قيام، لأنهم كانوا يحبونه ويحبون والده. وبقى معه عسكر قوى إلى الغاية من حيث الشهامة وكمال العدة والآلة، [لكنه نقص منهم جمع كثير بمفارقة الملك العزيز وابن أخيهما الملك المغيث، ومن تبعهم من أجنادهم] (١). ورحل الملك الأشرف من القصير (٢) بمن معه من عسكر حلب، ومن انضم إليه من عسكر الملك الناصر. ولم يكن معه من عسكره المختصين به إلا قليل لأنه كان قدم دمشق جريدة (٣)، وعساكره في الشرق في قبالة جلال الدين ابن خوارزم شاه. ولما وصل الملك [الأشرف] (٤) إلى دمشق نزل ظاهرها من قبليها، وقطع عنها النهر الواصل إلى قلعتها المسمى باناس (٥) والنهر الواصل من باب الجابية المسمى القنوات (٦)، فخرج [إليهم] (٧) عسكر دمشق وقاتلوا أصحاب الملك الأشرف أشد قتال، وساعدهم على ذلك عامة البلد لفرط محبتهم لصاحبهم حتى أعادوا الماء إلى دمشق.

стр. 1508

[وكان قبل وصول الملك الناصر [داود (١)] إلى دمشق بأيام قد وصل إلى دمشق الملك الناصر قلج أرسلان - صاحب حماة - بعسكره نجدة للملك الأشرف؛ لأنه كان - كما ذكرنا - منتميا إليه فظن أن الحال بينه وبين الملك الأشرف على ما كان أولا من ذبه عنه وقيامه دونه (٢)]. فلما بلغه ما تجدد ورجوع الملك الناصر [داود] (٣) إلى بلده مستحصرا أسرع العود بعسكره إلى بلده، ليهتم بمصلحة نفسه إذ تحقق أنهم إذا فرغوا (٤) [١٤٣ ب] من دمشق لم يبق لهم إلا قصده. [وسير الملك الناصر داود الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى (٥) رسولا إلى السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه، يعلمه أن أعمامه إنما قصدوه لانتمائه هو وأبيه إليه، ويحثه بمعاجلة النزول على خلاط ومضايقتها، ليشتغل (٦) سر الملك الأشرف وليندفع عنه شره. فلما وصل شمس الدين إلى جلال الدين بهذه الرسالة اهتم لقصد خلاط وحصارها، وجرى ما سنذكره إن شاء الله تعالى] (٧).

стр. 1509

ذكر تسليم القدس [الشريف (١)] إلى الفرنج [وأقام السلطان الملك الكامل بتل العجول بعد توجه الملك الأشرف إلى دمشق لتتميم أمر الصلح مع الفرنج، وليخلو سره من جهتهم (٢)]. ولم تزل الرسل تتردد (٣) بينه وبين الانبراطور ملك الفرنج وأطماعه متعلقة بما استقر بينه وبين الملك الكامل أولا قبل موت الملك المعظم. وأبى [ملك الإفرنج (٤)] أن يرجع إلى بلاده إلا بما وقع الشرط عليه من تسليم القدس إليه، وبعض الفتوح الصلاحى. وامتنع الملك الكامل أن يسلم إليه كل ذلك، وآخر الأمر أنه تقرر بينهما (٥) أن يسلم إليه القدس على شريطة أنه يبقى خرابا، ولا يجدد سوره، وأن لا يكون للفرنج شىء من ظاهره ألبتة، بل يكون جميع قراياه للمسلمين، وللمسلمين وال عليها يكون مقامه بالبيرة من عمل القدس من شماليه، وأن الحرم الشريف بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى يكون بأيدى المسلمين، وشعار المسلمين فيه ظاهر، ولا يدخلها الفرنج إلا للزيارة فقط، ويتولاه قوام المسلمين. واستثنى الفرنج قرايا معدودة

стр. 1510

هى طريقهم إذا توجهوا من عكا إلى القدس، تكون هذه القرايا بأيديهم، خوفا أن يغتالهم أحد من المسلمين. ورأى الملك الكامل أنه إن شاقق الانبراطور ولم يف له بالكلية أن يفتح له باب محاربة مع الفرنج، ويتسع الخرق ويفوت عليه كلما خرج بسببه، فرأى أن يرضى الفرنج بمدينة القدس خرابا ويهادنهم مدة، ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء. وكان المتردد بينه وبين الملك [١٤٤ ا] الانبراطور [في الرسائل (١)] الأمير فخر الدين بن الشيخ (٢)، وكانت تجرى بينهما محاورات في أشياء شتى. وسير الأنبرطور إلى الملك الكامل في أثناء ذلك مسائل حكمية ومسائل هندسية ورياضية مشكلة، ليمتحن بها من عنده من الفضلاء. فعرض الملك الكامل ما أورده من المسائل الرياضية على الشيخ علم الدين قيصر بن أبى القاسم إمام هذه الصناعة (٣). وعرض الباقى على جماعة من الأفاضل فأجابوا عن الجميع.
следующие страницы →