← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

إذا لقوه، فساروا ونزلوا على عمّ (١)، ثم علموا عجزهم عن لقائه، فعادوا إلى حارم، فتبعهم نور الدين في عساكره، فلما تقاربوا اصطفوا للقتال، فحمل الفرنج على ميمنة المسلمين - وفيها عسكر حلب وصاحب الحصن - فانهزموا، وتبعهم الفرنج، فأبعدوا عن راجلهم، فحينئذ عطف الأمير زين الدين على كوجك في عساكر الموصل على راجل الإفرنج فأفناهم قتلا وأسرا، فعادت خيّالتهم الذين ساقوا وراء المنهزمين خوفا على راجلهم، فلما عادوا عاد المنهزمون، وحملوا على الإفرنج، وأحدق المسلمون بهم من كل جانب، واشتدت الحرب، وقامت على ساق، فتمت الهزيمة على الفرنج، وأنزل الله سبحانه [وتعالى] نصره على المسلمين وأسر من الفرنج ما لا يحد، ومن جملة الأسرى: صاحب أنطاكية، والقومص صاحب طرابلس، وابن جوسلين؛ وقتل منهم ما يزيد على عشرة آلاف [فارس وراجل (٢)]. وسار نور الدين ﵀ إلى حارم، فتسلمها لتسع بقين من رمضان من هذه السنة، - أعنى سنة تسع وخمسين وخمسمائة - وأشار عليه أصحابه بالمسير إلى أنطاكية ليملكها، لخلوها ممن يحميها ويدفع عنها، فامتنع، وقال: «أما المدينة فأمرها سهل، وأما القلعة فهى منيعة لا تؤخذ إلا بعد حصار طويل، وإذا ضيّقنا عليهم أرسلوا إلى صاحب القسطنطينية فيسلموها إليه، ومجاورة بيمند أحب إلينا من جوار ملك الروم». ثم أطلق نور الدين بيمند صاحب أنطاكية على أن يحمل أموالا كثيرة وأسرى من المسلمين أطلقهم.

стр. 177

وفى هذه السنة توفى جمال الدين محمد بن [٩٠] على الأصفهانى (١) وزير قطب الدين مودود بن [عماد الدين (٢)] زنكى - صاحب الموصل -، وكان عظيم القدر جوادا حسن السيرة؛ ولما توفى حمل إلى مكة - حرسها الله تعالى - وطيف بنعشه حول الكعبة المعظمة، ثم حمل إلى المدينة فدفن بها في تربة بنيت له قريبا من الحجرة المقدسة - على ساكنها [أفضل (٢)] الصلاة والسلام -. (٣) ذكر فتح بانياس كانت بيد الفرنج من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة - كما ذكرنا (٣) -، ولما فتح نور الدين ﵀ حارم أذن للعساكر الموصلية والديار بكرية بالعود إلى بلادهم، وأظهر أنه يقصد طبرية، فجعل الفرنج همتهم حفظها، فسار مجدّا إلى بانياس لعلمه بقلة المانعين لها، فنازلها وضايقها، ومعه أخوه الأمير نصرة الدين أمير أميران بن [عماد الدين (٤)] زنكى، -[وكان قد عاد إلى خدمة أخيه نور الدين، وقد رضى عنه نور الدين وأعطاه ما أراد (٤)]- فأصابه سهم أذهب إحدى عينيه، فقال له نور الدين: «لو كشف لك عن الأجر الذى أعدّ لك لتمنيت ذهاب الأخرى». وجدّ ﵀ في حصارها، فحشد الفرنج وجمعوا ليمنعوه منها، ففتحها قبل أن يتكامل جمعهم، وملك القلعة وملأها ذخائر ورجالا، ثم عاد إلى دمشق، وكان في يده خاتم يسمى الجبل بفص ياقوت من أحسن الجوهر لكبره وحسنه، فسقط من يده في شعرا بانياس، وهى كثيرة الأشجار، ملتفة الأغصان، فلما أبعدوا

стр. 178

عن المكان الذى ضاع فيه [الخاتم (١)] علم به [نور الدين (١)]، فأعاد بعض أصحابه في طلبه، ودلّهم على المكان الذى كان آخر علمه وعهده به، فعادوا فوجدوه، فقال بعض الشعراء يمدحه من قصيدة [أولها (١)]: إن يمترى الشّكّاك فيك بأنك ال ... ـمهدىّ مطفى (٢) جمرة الدجّال فلعودة الجبل الذى أضللته ... بالأمس بين غياطل وجبال لم يعطها إلا سليمان، وقد ... نلت المنى (٣) بموشك (٤) الإعجال زجر جرى لسرير مالك إنه ... كسريره عن كل جذع (٥) عال فلو البحار السبعة استهوينه ... وأمرتهن (٦)، قذفنه في الحال [قال: وفى سنة ستين وخمسمائة مات الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، ذكر القاضى شهاب الدين (٧) في تاريخه، قال: كان الوزير ابن هبيرة عالما ورعا عفيفا محبا لأهل العلم محسنا إليهم، وزير الخليفتين] (٨).

стр. 179

[٩١] ذكر فتح حصن المنيطرة وفى سنة إحدى وستين وخمسمائة فتح الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى - رحمهما الله - حصن المنيطرة، وكان بيد الفرنج، سار إليه جريدة، وانتهز (١) الفرصة فيه، وجدّ في قتاله عنوة وقهرا، وقتل من به، وسبى (٢) وغنم غنيمة كثيرة، وذكر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ أن الواقعة كانت سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ذكر مسير أسد الدين شيركوه بن شاذى المسير الثانى إلى مصر وفى سنة اثنتين وستين وخمسمائة سيّر الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى - رحمة الله عليهما - أسد الدين شيركوه إلى مصر ليملكها، وذلك لما ثبت في نفسه من غدر شاور به ورجوعه عما كان وقع من العهد والاتفاق عليه، وسيّر معه جمعا من الأمراء، فبلغت عدتهم ألفى فارس، وذلك في شهر ربيع الأول من السنة، وسار معه نور الدين إلى أطراف البلاد خوفا من معرة «كذا (٣)» الافرنج.

стр. 180

وكان صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن نجم الدين أيوب بن شاذى مع عمه أسد الدين في هذه السفرة؛ وفى ذلك يقول عرقلة (١) الدمشقى يمدح صلاح الدين، وجرى بملكه الفال، والفال موكل بالمنطق: أقول والأتراك قد أزمعت ... مصر إلى حرب الأعاريب ربّ كما ملّكتها يوسف ال ... صدّيق من أولاد يعقوب يملّكها في عصرنا يوسف ال ... صادق من أولاد أيوب من لم يزل ضرّاب هام العدى ... حقا، وضرّاب العراقيب ثم سار أسد الدين ﵀ إلى الديار المصرية (وترك بلاد الافرنج عن يمينه فوصل الديار المصرية) (٢)، وعبر النيل عند أطفيح (٣) بالجانب الغربى، ونزل بالبلاد الجيزية، وتصرف في البلاد، وأقام بها نيفا وخمسين يوما. وأرسل شاور - وزير العاضد - يستنجد بالفرنج، فأتوه على الصعب والذلول، وحملهم على ذلك أمران: أحدهما الطمع في تملك الديار المصرية، والثانى الخوف من تملك العساكر النورية لها؛ وعلموا أنه إن ملكها نور الدين ﵀ واستضافها إلى [٩٢] البلاد الشامية لم يبق لهم بالبيت المقدس والشام مقام، وأنه يستأصلهم وتصير بلادهم في وسط بلاده؛ ولما وصلوا مصر اجتمعوا بالعساكر المصرية وعبروا إلى الجانب الغربى.

стр. 181

ذكر واقعة البابين وكان أسد الدين شيركوه قد سار بالعساكر في الصعيد إلى أن بلغ إلى مكان يعرف بالبابين (١)، فسارت الفرنج والمصريون خلفه، فأدركوه به في الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة؛ وكانت جواسيسه قد أخبروه بكثرة عدد الفرنج والمصريين وقوتهم؛ فجمع أصحابه واستشارهم، فكلهم أشاروا عليه بعبور بحر النيل إلى الجانب الشرقى والعود إلى الشام، وقالوا: «إن نحن انهزمنا فإلى من نلتجئ وبمن نحتمى، وكل من في هذه الديار من جندى وفلاح عدو لنا». فقام أمير من مماليك نور الدين يقال له شرف الدين برغش - صاحب الشقيف - وكان شجاعا وقال: «من يخاف القتل والأسر فلا يخدم الملوك، بل يكون في بيته مع امرأته، والله لئن عدنا إلى نور الدين من غير غلبة وبلاء نعذر فيه ليأخذن أموالنا وما معنا من الإقطاع (٢) والجامكية (٣)، وليعودن علينا بجميع ما أخذناه منه من يوم خدمناه وإلى يومنا هذا، ويقول: تأخذون أموال المسلمين وتفرون عن عدوهم، وتسلمون مثل مصر إلى الكفار». فقال أسد الدين: «هذا الرأى، وبه أعمل». وقال ابن أخيه صلاح الدين يوسف ابن أيوب مثله؛ وكثر الموافقون، واجتمعت الكلمة على القتال، وأقاموا بمكانهم حتى وصل الفرنج والمصريون وهم على تعبيتهم، فجعل أسد الدين الأثقال في القلب، لا ليتكثر بها لأنه لا يمكنه تركها في مكان آخر خوفا من أن تنهب؛ وجعل صلاح الدين في القلب وقال له ولمن معه: «إن المصريين والفرنج يجعلون حملتهم على القلب، فإذا حملوا عليكم

стр. 182

فلا تصدقوهم القتال، ولا تهلكوا أنفسكم، واندفعوا من بين أيديهم، فإذا عادوا عنكم فارجعوا في أعقابهم»؛ واختار هو من شجعان عسكره جمعا يثق بهم، ويعرف [٩٣] صبرهم في الحرب، ووقف بهم في الميمنة، فما اصطفوا للحرب، حمل الفرنج على القلب، فقاتلهم من به قتالا يسيرا، ثم انهزموا بين أيديهم غير متفرقين، وتبعهم الفرنج، وحينئذ حمل أسد الدين بمن معه على من تخلّف من الذين حملوا من المسلمين والفرنج - الفارس والراجل - فهزمهم، ووضع السيف فيهم، وأثخن وأكثر من القتل والأسر. فلما عاد الفرنج من أثر المنهزمين، ورأوا عسكرهم مهزوما، والأرض منهم قفرا انهزموا أيضا، ونصر الله المسلمين. ذكر استيلاء أسد الدين شيركوه على الاسكندرية ثم سار أسد الدين ﵀ إلى ثغر الاسكندرية، وجبى ما في طريقه من القرى، ووصل إلى الاسكندرية، فسلمها أهلها إليه - لميلهم إلى مذهب السنة وكراهتهم لرأى المصريين -، فاستناب بالاسكندرية ابن أخيه صلاح الدين يوسف بن أيوب، وعاد إلى الصعيد، فملكه وجبا أمواله، وأقام به حتى صام شهر رمضان. ذكر محاصرة الفرنج لصلاح الدين يوسف بالاسكندرية وعاد الفرنج والمصريون بعد الوقعة إلى القاهرة، وأصلحوا عساكرهم، وجمعوا ثم ساروا إلى الإسكندرية فحصروا صلاح الدين، واشتد الحصار وقل الطعام بها، فصبر أهلها على ذلك، ولما بلغ ذلك أسد الدين سار من الصعيد إليهم، وكان شاور قد أفسد بعض من معه من التركمان.

стр. 183

ذكر وقوع الصلح بين أسد الدين والفرنج والمصريين ثم راسل المصريون والفرنج أسد الدين يطلبون الصلح، وبذلوا له خمسين ألف دينار، فأجابهم إلى ذلك بشرط أن الفرنج لا يقيمون في البلاد، ولا يتملكون منها قرية واحدة، فأجابوا إلى ذلك واصطلحوا، وعاد إلى الشام. وتسلم المصريون الاسكندرية في منتصف شوال، وعاد أسد الدين إلى دمشق لاثنتى عشرة ليلة بقيت من ذى القعدة، واستقر بين الفرنج والمصريين أن يكون لهم بالقاهرة شحنة، وتكون أبوابها مع فرسانهم وبأيديهم، ليمتنع نور الدين من إنفاذ عسكر إليهم (١)، ثم عاد الفرنج [٩٤] إلى بلادهم، وتركوا بمصر جماعة من مشاهير فرسانهم. وكان الكامل شجاع بن شاور قد أرسل إلى نور الدين مع بعض الأمراء ينهى محبته وولاءه، ويسأله الدخول في طاعته، وضمن عن نفسه أنه يجمع بمصر الكلمة على طاعته، وبذل له مالا يحمله كل سنة، فأجابه إلى ذلك، فحمل إلى نور الدين مالا جزيلا. ذكر فتح صافيثا والعزيمة وفى هذه السنة - أعنى سنة اثنتين وستين وخمسمائة - سار قطب الدين مودود ابن عماد الدين زنكى إلى أخيه الملك العادل نور الدين محمود، وجمعا العساكر

стр. 184

ودخلا بلاد الفرنج، فاجتازوا على حصن الأكراد (١)، فأغاروا ونهبوا وسبوا، ونزلوا عرقة، وحاصروا حلبة، وأخذوها وخربوها، وسارت العساكر إلى بلادهم يمينا وشمالا تغير وتخرب؛ وفتحوا العزيمة وصافيثا، وعادوا إلى حمص، فصاموا بها رمضان، ثم ساروا إلى بانياس، وقصدوا حصن هونين، فانهزم الفرنج عنه، فأخربوه، فوصل إليه نور الدين من الغد، فهدم سوره جميعه، وأراد الدخول إلى بيروت، فتجدد في العساكر خلف أوجب التفرق؛ وعاد قطب الدين إلى الموصل فأعطاه نور الدين الرقة. وفى هذه السنة عصى غازى بن حسّان المنبجى بمنبج (٢)، وكانت قد صارت له بعد أبيه إقطاعا من نور الدين، فسيّر إليه عسكرا فحصروه، وأخذها منه، وأقطعها أخاه قطب الدين، فأعطاها ينال بن حسّان، فبقى فيها إلى أن أخذها منه صلاح الدين سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة. وفيها توفى فخر الدين قرا أرسلان (٣) بن داوود بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - وأكبر ديار بكر، ولما اشتد مرضه أرسل إلى الملك العادل نور الدين يقول له: «بيننا صحبة في جهاد الكفار، أريد أن ترعى بها ولدى»؛ ثم توفى

стр. 185

فملك بعده ولده نور الدين (١) محمود بن قرا أرسلان، فقام الملك العادل نور الدين بنصرته والذبّ عنه، فأراد قطب الدين مودود بن زنكى - صاحب الموصل - قصده، فأرسل إليه أخوه نور الدين ومنعه، وقال: «إن قصدته أو تعرضت إلى بلاده منعتك قهرا»، فامتنع من قصده. ذكر فراق الأمير زين الدين على كوجك قطب الدين مودود ابن زنكى صاحب الموصل [٩٥] كان زين الدين على كوجك بن بكتكين هو النائب عن قطب الدين بالموصل والمتحكم في دولته، وكانت بيده إربل، وفيها بيته وأولاده وخزائنه، وكانت أيضا بيده شهرزور وجميع القلاع التي معها، وجميع قلاع الهكّارية، ومنها قلعة العمادية، وبلد الحميدية، وتكريت، وسنجار، وحران، فأصابه طرش وعمى في سنة ثلاث وستين وخمسمائة، فلما عزم على مفارقة الموصل إلى إربل سلم جميع ما كان بيده من الأعمال إلى قطب الدين، وبقى معه إربل حسب؛ وكان شجاعا عادلا حسن السيرة ميمون النقيبة، لم ينهزم في حرب قط، وكان كريما كثير العطاء للجند؛ ولما توجه إلى إربل توفى في هذه السنة، وصارت إربل بعده لولده زين الدين، ثم توفى على مرج عكا وهو في خدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين، فملكها بعده أخوه مظفر الدين كوكبورى إلى سنة ثلاثين وستمائة، فملكها الخليفة المستنصر بالله، وصارت نوابه فيها، وملكها المستعصم بالله، إلى أن ملكها التتر (٢) الملاعين حين ملكوا البلاد.

стр. 186

ذكر استيلاء الملك العادل نور الدين على قلعة جعبر كان السبب في تملك نور الدين لها أن صاحبها شهاب الدين مالك العقيلى نزل يتصيّد فأخذه بنو كلب أسيرا، فحملوه إلى نور الدين ﵀ في رجب سنة ثلاث وستين وخمسمائة، فاعنقله وأحسن إليه، ورغّبه في المال والإقطاع ليسلم إليه القلعة، فلم يفعل، فعدل إلى الشدة والعنف وتهدده، فلم يفعل، فسير إليها نور الدين الأمير فخر الدين مسعود بن على بن الزعفرانى، فحصرها مدة، فلم يظفر بطائل، فأمدهم بعسكر، وجعل على الجميع مجد الدين أبا بكر بن الداية، فلم يحصل على غرض، فأخذ صاحبها بطريق اللين، وأشار عليه أن يأخذ عوضا عنها، فقبل ذلك، وتسلّمها، وتسلّم سرّوج وأعمالها، والملاحة التي في بلد حلب، وباب، وبزاعة (١)، وعشرين ألف دينار معجلة؛ وكانت قلعة جعبر بيد هؤلاء القوم من حين سلمها إليهم جلال الدولة ملكشاه، وقد ذكرناه في موضعه، وكان استيلاء نور الدين عليها سنة أربع وستين وخمسمائة. ذكر مسير أسد الدين شيركوه إلى الديار المصرية [٩٦] المسير الثالث وكان السبب في ذلك أن الفرنج كانوا قد دخلوا ديار مصر مرتين، واطلعوا على عوراتها، وكان لهم بالقاهرة شحنة، وأبوابها مسلمة إليهم، وبالقاهرة جماعة من شجعانهم وأعيان فرسانهم، فحكموا على المسلمين حكما جائرا، وركبوهم بالأذى الشديد، فلما رأوا تمكنهم من البلاد، وأنه ليس بها راد ولا عن أخذها صاد كاتب

стр. 187

الفرنج الذين بالقاهرة ملكهم بالشام المعروف بمرّى (١)، وكان ذا شجاعة ومكرودهاء، يستدعونه لتملكها، وأعلموه خلوها من الممانع، وهوّنوا أمرها عليه؛ وكاتبه أيضا جماعة من أعيان المصريين كانوا أعداء لشاور؛ منهم: ابن الخياط (٢)، وابن قرجلّه (٣)، فشاور الملك فرسان الفرنج وذوى الرأى منهم، فكل منهم أشار بقصدها وملكها، فقال لهم: «الرأى أنا لا نقصدها، فإنها طعمة لنا، وأموالها تساق إلينا، نتقوى بها على نور الدين، وإن نحن قصدناها لنملكها فإن صاحبها وعساكره وعامة بلاده وفلاحيها لا يسلموها إلينا، ويقاتلوننا دونها، ويحملهم الخوف منا على تسليمها لنور الدين، ولئن أخذها وصار له فيها مثل أسد الدين فهو هلاك الفرنج وإجلاؤهم من أرض الشام». فلم يقبلوا قوله، وقالوا: «إنه لا مانع منها ولا محامى، وإلى أن يتجهز نور الدين ويسير إليها نكون نحن قد ملكناها وفرغنا من أمرها، وحينئذ يتمنى نور الدين السلامة». فوافقهم على كره، وتجهز للسفر، وأظهروا أنهم يريدون قصد حمص. وسمع نور الدين بتجهيزهم فجمع عساكره، وتجهز للقائهم وتأهب، ثم سار الفرنج من عسقلان إلى الديار المصرية.

стр. 188

ذكر منازلة الفرنج بلبيس وملكهم لها فوصلوا إلى مدينة بلبيس فنازلوها وملكوها غرة صفر من هذه السنة - سنة أربع وستين وخمسمائة - فنهبوا أهلها، وقتلوا وسبوا وأسروا، ثم رحلوا عنها. ذكر منازلة الفرنج القاهرة ونازلوا القاهرة عاشر صفر وحصروها، فامتنع أهل البلد واستحصنوا خوفا أن تملكها [٩٧] الفرنج، فيسيروا فيهم سيرتهم في أهل بلبيس، فقاتلوا، وبذلوا الجهد في الحفظ. ذكر إحراق مصر وأمر شاور بإحراق مصر، وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، وأن ينهب البلد، فانتقلوا، وبقوا على الطرق، ونهبت مصر، وافتقر أهلها، وذهبت أموالهم ونعمهم، وذلك في تاسع صفر قبل نزول الفرنج على القاهرة بيوم واحد؛ فبقيت النار تعمل في مصر أربعة وخمسين يوما إلى خامس ربيع الآخر، واشتد الأمر، وعظم الخطب، وضاق الحصار، وخيف البوار، وعلم شاور عجزه وضعفه، وأن البلاد ذاهبة لا محالة، فسلك طريق التمحل، وأرسل إلى ملك الإفرنج مرّى يذكر له مودته ومحبته، وأن هواه معه، وتخوفه من نور الدين، وأن المسلمين لا يوافقونه على التسليم، ويشير بالصلح وأخذ مال، لئلا يسلم البلاد إلى نور الدين.

стр. 189

ذكر وقوع الصلح بين شاور والفرنج فأجابه مرّى إلى الصلح على ألف ألف دينار، يعجل البعض ويؤخر الباقى؛ ورأى الفرنج أن المصلحة في ذلك لئلا يتدارك نور الدين البلاد ويأخذها، فعجّل لهم شاور مائة ألف دينار، وماطل بالباقى خداعا ومكرا، وسيّر الكتب إلى نور الدين مسوّدة وفى طيها ذوائب نساء أهل القصر مجزوزة، وواصل الكتب إليه مستفزا ومستنصرا، ويقول: «إن لم تبادر ذهبت البلاد»، وأرسلها مع نجابين - يتلو بعضهم بعضا - وأقام منتظرا ما يرد عليه من نور الدين، وهو مع ذلك يدافع الفرنج ويماطلهم. ووردت مكاتبة العاضد لدين الله إلى نور الدين في هذا المعنى، وبذل له - إن وصل - ثلث البلاد، وأن يكون أسد الدين شيركوه مقيما عنده في عسكر، وإقطاعهم عليه خارجا عن الثلث الذى لنور الدين. ولما وردت الرسل إلى نور الدين بذلك كان بحلب، فأرسل إلى أسد الدين شيركوه - وكان بحمص، وهى إقطاعه - يستدعيه، فلما خرج القاصد من حلب متوجها إلى أسد الدين وجده قد وصل إلى حلب، لأنه كان أيضا قد أتته كتب المصريين يحثّونه على سرعة الوصول إليهم، فلحرص أسد الدين على التجهز إلى الديار المصرية سار من حمص إلى حلب، فوصلوا في ليلة واحدة، فأمره نور الدين بالتجهيز [٩٨] إلى مصر والسرعة في ذلك، وأعطاه مائتى ألف دينار سوى الثياب والدواب والآلات والأسلحة، وحكّمه في العساكر والخزائن، فاختار من العسكر ألفى فارس، وجمع من التركمان ستة آلاف فارس.

стр. 190

وندب الملك العادل نور الدين صلاح الدين أبا المظفر يوسف بن أيوب ابن شاذى أن يمضى مع عمه إلى الديار المصرية، فكره ذلك صلاح الدين، فروى عنه القاضى بهاء الدين بن شداد - قاضى حلب ﵀ قال: لقد قال لى السلطان - يعنى صلاح الدين - «كنت أكره الناس في الخروج في هذه الوقعة، وما خرجت مع عمى باختيارى»، قال: وهذا معنى قوله سبحانه ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال عز الدين بن الأثير ﵀ في تاريخه الأصل: «أحب نور الدين مسير صلاح الدين، وفيه ذهاب بيته؛ وكره صلاح الدين المسير، وفيه سعادته وملكه» قال: «فلقد حكى لى صلاح الدين، قال: لما وردت الكتب من مصر إلى الملك العادل نور الدين ﵀ أحضرنى وأعلمنى الحال، وقال: تمضى إلى عمك أسد الدين بحمص مع رسول إليه تأمره بالحضور، وتحثّه أنت على الإسراع، فما يحتمل الأمر التأخير. قال: ففعلت، فلما فارقت حلب، على ميل منها، لقيناه قادما في هذا المعنى، فقال له نور الدين: تجهّز للمسير؛ فامتنع خوفا من غدرهم أولا وعدم ما ينفقه في العساكر ثانيا؛ فأعطاه نور الدين الأموال والرجال، وقال له: إن تأخرت عن المسير إلى مصر، فالمصلحة تقتضى أن أسير أنا بنفسى إليها، فإننا إن أهملنا أمرها ملكها الفرنج، ولا يبقى معهم مقام بالشام ولا غيره؛ قال: فالتفت إلىّ عمى أسد الدين وقال: تجهّز يا يوسف؛ قال: فكأنما ضرب قلبى بسكين؛ فقلت: والله لو أعطيت ملك مصر ما سرت إليها، فلقد قاسيت بالاسكندرية من المشاق بها ما لا أنساه أبدا؛ فقال عمى لنور الدين: لا بد من مسيره معى، فترسم له، فأمرنى نور الدين وأنا استقيله؛ فانقضى المجلس، ثم جمع أسد الدين العساكر

стр. 191

من التركمان وغيرهم، ولم يبق [٩٩] غير المسير، فقال لى نور الدين: ولا بد من مسيرك مع عمك، فشكوت إليه الضائقة وقلة الدواب وما احتاج إليه، فأعطانى ما تجهزت به، وكأنما أساق إلى الموت؛ - وكان نور الدين مهيبا مخوفا مع لينه ورحمته -، فسرت معه. فلما توفى أعطانى الله من الملك ما كنت أتوقعه». ثم سار نور الدين وأسد الدين من حلب إلى دمشق فوصلاها سلخ صفر، ثم رحلا إلى رأس الماء، وأنفق نور الدين لكل فارس عشرين دينارا، وأضاف إلى أسد الدين جماعة من الأمراء، ومنهم مملوكه عز الدين جورديك - وهو الذى لما توفى نور الدين كان نائبا عنه بقلعة حماة -، والأمير غرس الدين قلج - والد الأمير سيف الدين وعماد الدين -، وشرف الدين برغش، وعين الدولة الياروقى، وقطب الدين ينال بن حسان - صاحب منبج -، وغيرهم. ثم (١) سار أسد الدين شيركوه من رأس الماء منتصف ربيع الأول. ذكر قدوم أسد الدين شيركوه مصر ورحيل الفرنج عنها ولما قرب أسد الدين ﵀ من الديار المصرية رحل الفرنج عنها خائبين، وردّ الله الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال، ووصلت الأخبار بذلك إلى نور الدين ﵀، فأمر بضرب البشائر (٢) في البلاد الإسلامية، فإنها كانت أجل الفتوح (٣) وأعظمها، إذ لو استولى العدو - لعنه الله - على الديار المصرية لاستولى على سائر الخطة الإسلامية.

стр. 192

وكان وصول أسد الدين ﵀ إلى القاهرة لأربع مضين من ربيع الآخرة من هذه السنة، - أعنى سنة أربع وستين وخمسمائة -، ودخل إلى القصر، واجتمع بالعاضد (١) لدين الله، وخلع عليه، وعاد إلى مخيمه بالخلعة العاضدية، وفرح به أهل مصر، وأجريت عليه وعلى عساكره الجرايات الكثيرة والإقامات الوافرة. ذكر مقتل شاور (٢) وأقام شاور يتردد إلى أسد الدين شيركوه، وكان قد وعده بمال في مقابلة ما خسره من النفقة، فلم يوصل إليه شيئا، وقيل إنه ماطله في تقرير ما بذل (٣) له من المال والإقطاع [١٠٠] للعساكر، وإفراد ثلث البلاد لنور الدين؛ وذكر أنه كان [شاور (٤)] قد عزم على أن يعمل دعوة لأسد الدين ومن معه من الأمراء، ويقبض عليهم [فيها (٤)]، فنهاه ابنه الكامل، وقال: «والله لئن عزمت على هذا الأمر لأعرّفنّ أسد الدين». فقال أبوه: «والله لئن لم نفعل هذا لنقتلن جميعا»، قال: «صدقت، ولئن نقتل ونحن مسلمون والبلاد بيد المسلمين خير من أن نقتل وقد ملكتها الفرنج، وليس بينك وبين عود الفرنج إلا أن يسمعوا بالقبض على [أسد الدين (٤)] شيركوه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدين لم يرسل فارسا واحدا، ويملكون الفرنج البلاد». فترك [شاور (٤)] ما كان عزم عليه واجتمع أسد الدين وأصحابه على الفتك بشاور لأنهم علموا أن الفرنج متى وجدوا فرصة

стр. 193

أخذوا البلاد، وإن ترددهم إليها في كل وقت لا يفيد، وإن شاور يلعب بنا (١) تارة وبالفرنج أخرى، وإنهم إن قتلوه واستولوا على البلاد حفظوها من عدو الدين، وقيل إن صلاح الدين وعز الدين جرديك اتفقا على ذلك، وشاورا أسد الدين في ذلك، فنهاهما عنه؛ وقيل إن أسد الدين سيّر الفقيه ضياء الدين عيسى (٢) إلى شاور يشير عليه بالاحتراس (٣)، وقال: «أخشى عليك ممن عندى من الناس»؛ فركب شاور منبسطا على عادته واسترساله؛ وكان يركب على قاعدة الوزراء بالطبل والبوق والعلم، وكان أسد الدين قد توجه لزيارة قبر الشافعى - رحمة الله عليه (٤) - بالقرافة (٥)، فقصد شاور مخيّم أسد الدين ليجتمع به على العادة، فصادفه صلاح الدين يوسف ابن أيوب والأمير عز الدين جرديك ﵏ ومعهم جمع من العسكر، فخدموه وأعلموه أن أسد الدين في الزيارة، فقال: «نمضى إليه»، فسار - وهما

стр. 194

معه - قليلا، فأخذ صلاح الدين بتلابيبه (١)، وأمر العسكر أن يقبضوا على أصحابه، ففروا، ونهبهم العسكر، وألقى شاور عن فرسه، ولم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدين، فذهبوا به إلى خيمة مفردة، فسجنوه بها، ووكل به من يحفظه بها؛ وعلم أسد الدين الحال فعاد من القرافة مسرعا، ولم يمكنه إلا إتمام ما عملوه، وجاء رسول العاضد لدين الله في الوقت، وهو أحد الخدم [١٠١] الخواص (٢)، ومعه (٣) توقيع يتضمن: «[أنه (٤)] لا بد من [أخذ (٤)] رأسه»، جريا على عادتهم في وزرائهم، في تقرير قاعدة من قوى منهم على صاحبه؛ فضرب عنقه وحمل رأسه إلى القصر، وذلك سابع ربيع الآخر. ودخل أسد الدين القاهرة، ورأى من كثرة الخلق واجتماعهم ما خاف منه على نفسه، فقال لهم: «إن أمير المؤمنين قد أمركم بنهب دار شاور»، فقصدوها الناس فنهبوها، وتفرقوا عنه. ذكر استيلاء أسد الدين شيركوه على الديار المصرية وتقلده وزارة العاضد ثم خلع العاضد على أسد الدين خلع الوزارة، فلبسها، وسار، ودخل القصر، وفوضت إليه الوزارة والتقدم على الجيوش، ولقّب الملك المنصور أمير الجيوش؛

стр. 195

وقصد دار الوزارة (١) فنزلها، واستقر في الأمر، ولم يبق له منازع ولا مناوئ وكتب له منشور بالإنشاء الفاضلى أوله: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: من عبد الله ووليّه [عبد الله (٢)] أبى محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين إلى السيد الأجل الملك المنصور سلطان الجيوش ولى الأئمة، مجير الأمة، أسد الدين، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، أبى الحرث شيركوه - العاضدى - عضّد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته، وأعلى كلمته: سلام عليك، فإنه يحمد (٣) إليك الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله (٣) أن يصلى على محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين [صلى الله عليه (٢)] وعلى آله الطاهرين، والأئمة المهديين، وسلّم تسليما [كثيرا (٢)]». ثم مضمون بقية (٤) المنشور تفويض أمور الخلافة إليه، والقيام بأعباء حفظها، والذبّ عنها، والتوصية بتقوى الله تعالى، والعمل بفرائضه، والانتهاء عن مناهيه، وإلى غير ذلك من الوصايا، أعرضنا عن ذكرها لطولها.

стр. 196

وكتب العاضد في هذا (١) المنشور بخطه: «هذا عهد لم يعهد لوزير مثله، فتقلّد أمانة رآك أمير المؤمنين أهلا لحملها (٢)، والحجة عليك عند الله، بما (٣) أوضحه لك من مراشد سبله (٤)، فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى بنوّة النبوّة، واتخذه (٥) للفوز سبيلا، و ﴿لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها [١٠٢] وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ (٦)». ولما انتظمت الأمور لأسد الدين بالديار المصرية أقطع البلاد للعساكر التي (٧) قدمت معه؛ وصلاح الدين ﵀ ابن أخيه، مباشر الأمور مقرر لها، وبيده زمام الأمر والنهى. ومدح الشعراء أسد الدين، فممن مدحه عماد الدين أبو حامد محمد بن محمد (٨) الأصفهانى الكاتب من قصيدة سيّرها إليه من الشام، وهو في خدمة نور الدين ﵀: بالجدّ أدركت ما أدركت لا اللعب ... كم راحة جنيت من دوحة التعب

стр. 197

يا شيركوه بن شاذى الملك دعوة من ... نادى فعرّف خير ابن بخير أب جرى الملوك، وما جازوا بركضهم ... من المدى في العلى ما حزت بالخبب تملّ من ملك مصر رتبة قصرت ... عنها الملوك فطالت سائر الرّتب فتحت مصر، وأرجو أن تصير بها ... ميسّرا فتح بيت القدس عن كثب قد أمكنت أسد الدين الفريسة من ... فتح البلاد، فبادر نحوها وثب أنت الذى هو فرد من بسالته، ... والدين من عزمه في جحفل لجب في حلق ذى الشرك من عدوى سطاك شجا، ... والقلب في شجن، والنفس في شجب زارت بنى الأصفر البيض التي لقيت ... حمر المنايا بها مرفوعة الحجب وإنها نقد (١) من خلفها أسد ... أرى سلامتها من أعجب العجب (٢) لقد رفعنا إلى الرحمن أيدينا ... في شكرنا ما به الإسلام عنك (٣) حبى يشكو (٤) إليك بنو الإسلام يتمهم ... فقمت فيهم مقام الوالد الحدب في كل دار من الإفرنج نادبة ... بما دهاهم، فقد باتوا على ندب من شرّ شاور أنقذت العباد، فكم ... وكم قضيت لحزب الله من أرب هو الذى أطمع الأفرنج في بلد ال ... إسلام حتى سعوا للقصد والطّلب وإنّ ذلك عند الله محتسب ... في الحشر من أفضل الطاعات والقرب [١٠٣] أذلّه الملك المنصور منتصرا، ... لما دعا الشرك: هذا قد تعزّز بى وما غضبت لدين الله منتقما ... إلا لنيل رضا الرحمن بالغضب وأنت من وقعت في الكفر هيبته ... وفى ذويه وقوع النار في الحطب وحين سرت إلى الكفار فانهزموا ... نصرت نصر رسول الله بالرعب

стр. 198

يا محيى الأمة الهادى بدعوته ... للرّشد كل غوى منهم وغبى لما سعيت لوجه الله مرتقبا ... ثوابه، نلت عفوا كلّ مرتقب أعدت نقمة مصر نعمة، فغدت ... تقول لكم نكث (١) لله في النّوب أركبت رأس سنان رأس ظالمها ... عدلا، وكنت لوزر غير مرتكب ردّ الخلافة عباسية، ودع ال ... دّعىّ فيها يصادف شرّ منقلب لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها، ... فالحزم عندى: قطع الرأس والذّنب. وفى قتل شاور وتولى أسد الدين الوزارة يقول عرقلة الدمشقى الشاعر ويمدح صلاح الدين يوسف بن أيوب وأخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب من قصيدة: لقد فاز بالملك العقيم خليفة ... له شيركوه العاضدىّ وزير كأنّ ابن شاذى والصلاح وسيفه ... علىّ، لديه شبّر وشبير (٢) هو الأسد الضارى الذى جلّ خطبه، ... وشاور كلب للرجال عقور بغى وطغى، حتى لقد قال صحبه (٣) ... على مثلها كان اللعين يدور فلا رحم الرحمن تربة قبره ... ولا زال فيها منكر ونكير ذكر وفاة أسد الدين شيركوه بن شاذى ﵀ - ذكر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ في تاريخه أن أسد الدين كان كثير الأكل شديد المواظبة على اللحوم الغليظة، تتواتر عليه التخم والخوانيق، وينجو منها بعد معاناة شديدة عظيمة، فأخذه مرض شديد واعتراه خانوق (٤) عظيم

стр. 199

فقتله؛ وقيل بل توفى فجأة، وكانت وفاته يوم السبت [١٠٤] لنمان بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة - سنة أربع وستين وخمسمائة - فكانت وزارته شهرين وخمسة أيام. ذكر استيلاء صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ على الديار المصرية، وتقلده وزارة العاضد ذكر القاضى بهاء الدين أن الوصية كانت إليه من عمه أسد الدين، وأنه لما فوض إليه الأمر تاب عن شرب الخمر، وأعرض عن أسباب اللهو، وتقمّص لباس الجد والاجتهاد، وما عاد وما زاد إلا جدا إلى أن توفاه الله إلى رحمته. قال: «ولقد سمعته ﵀ يقول: لما يسّر الله تعالى الديار المصرية علمت أنه أراد فتح الساحل، لأنه أوقع ذلك في نفسى». وذكر عن بهاء الدين أنه لما توفى أسد الدين كان بمصر جماعة من أكابر الأمراء النورية، منهم: عين الدولة الياروقى (١)، وقطب الدين خسرو بن التليل، - وهو ابن أخى ابن أبى الهيجا الهذبانى صاحب إربل وقد ذكرناه - وسيف الدين على بن أحمد المشطوب، - وكان جده صاحب قلاع الهكاريّة - وشهاب الدين الحارمى - خال صلاح الدين -، وكل منهم تطاول إلى الأمر ورام التقدم، فأرسل العاضد من القصر يستدعى صلاح الدين ليخلع عليه ويوليه الوزارة، وكان الذى حمل العاضد على ذلك ضعف صلاح الدين، وعلم أنه إذا ولى وليس له عسكر ولا رجال كان تحت يده وحكمه، ولا يجسر على المخالفة؛ وأنه يضع على العسكر الشامى من يستميلهم إليه، فإذا صار معه البعض أخرج الباقين، وتعود البلاد

стр. 200

إليه، وعنده من العساكر الشامية من يحميها من الفرنج ونور الدين، فامتنع صلاح الدين، وضعفت نفسه عن هذا المقام، فألزم به، وأحضر إلى القصر، وخلعت عليه خلع (١) الوزارة، ولقّب الملك الناصر، وعاد إلى دار الوزارة، وهى الدار التي كان بها عمه، فلم يلتفت إليه أحد من أولئك الأمراء ولا خدموه، فقام بأمره الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى، وما زال بسيف الدين على بن أحمد المشطوب حتى أماله إليه، وقال: «إن هذا الأمر لا يصل إليك مع (٢) وجود عين الدولة وشهاب الدين الحارمى وابن تليل»، ثم قصد به شهاب الدين وقال: «إن هذا صلاح الدين هو ابن أختك، وملكه لك، وقد استقام الأمر له، فلا تكن أول من يسعى [١٠٥] في إخراجه عنه، فلا يصل إليك»؛ ولم يزل به حتى استحلفه له. واجتمع بعد ذلك بقطب الدين وقال له: «إن صلاح الدين قد أطاعه الناس ولم يبق غيرك وغير الياروقى، وعلى كل حال فالجامع بينك وبين صلاح الدين أن أصله من الأكراد، فلا يخرج الأمر عنه إلى الأتراك»؛ ووعده زيادة في إقطاعه، فأجاب وحلف.

стр. 201

ثم اجتمع بالياروقى - وكان أكبر الجماعة وأكثرهم جمعا -، فلم ينفع فيه رقاه ولا نفث فيه سحره، وقال: «أنا لا أخدم يوسف أبدا». وعاد إلى نور الدين ومعه غيره، فأنكر عليهم فراقه له. وذكر عماد الدين الكاتب في كتابه المعروف بالبرق الشامى: «أن أسد الدين لما توفى ومضت له التعزية اختلفت آراء الأمراء واختلطت آراؤهم، ثم اجتمعت كلمتهم على عقد الأمر لصلاح الدين؛ وألزموا العاضد - صاحب القصر - بتوليته، فولاّه وزارته، وكتب له منشور (١) بالإنشاء الفاضلى، من جملته: «فأنت راضع درّه وناشئة حجره، وظهور الخيل مواطنك، وظلال الخيام مساكنك، وفى ظلمات قساطله (٢) تجلى محاسنك. وفى أعقاب نوازلة تتلى مناقبك (٣)، فشمّر له عن ساق من القنا، وخض فيه بحوافر (٤) الظّبا، واحلل في عقد كلمة الله وثيقات الجبى (٥)، وأسل الوهاد بدم العدا، وارفع برءوسهم الرّبا، حتى يأتى الله بالفتح الذى يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخورا لأيامك، ومشهودا لك يوم مقامك». وكتب العاضد لدين الله في طرته (٦) بخطه: «هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله سبحانه عليك، فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين بيمينك، وبمن مضى بجدنا رسول الله

стр. 202

- ﷺ [أحسن] (١) أسوة، [ولمن بقى بقربنا سلوة] (١) و ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٢). وهذا آخر منشور كتب عنهم، وانقرض أمرهم، وانفصمت عرى دولتهم. وفى هذا التاريخ ابتداء الدولة الأيوبية، وأخذت الدولة المصرية في الوهن والضعف والانحطاط إلى أن انقرضت بالكلية بعد سنتين على ما سنذكره - إن شاء الله تعالى - ورثى عماد الدين الكاتب أسد الدين ﵀ بقصيدة عزى بها أخاه نجم الدين [١٠٦] أيوب وولده الأمير ناصر الدين محمد بن شيركوه، وهنأهما بملك الملك الناصر صلاح الدين الديار المصرية: ما بعد يومك للمعنى المدنف ... غير العويل وحسرة المتأسّف ما أجرأ الحدثان! كيف عدا (٣) على الأ ... سد المخوف سطا، ولم يتوقّف من ثابت دون الكماة سواه؟ إن ... زلّت بهم أقدامهم في الموقف من ذا رأى الأسد الهصور فريسة ... أم أبصر الصبح المنير وقد خفى؟ ما كان أسنى البدر لو لم يستتر! ... ما كان أبهى الشمس لو لم تكسف! أيام عمرك لم تزل مقسومة ... لله: بين تعبّدّ وتعرّف متهجدا لعبادة، أو تاليا ... من آية، أو ناظرا في المصحف فجع الندا والبأس منك بحاتم ... وبحيدر، والعلم منك بأحنف بالملك فزت، وحزته عن قدرة، ... ومضيت عنه بسيرة المتعفّف ووصفت يا أسدا لدين محمد ... مدحا بما ملك به لم يوصف

стр. 203

وقفوت آثار الشريعة كلّها، ... وقد اهتدى من للشريعة يقتفى أأنفت من دنياك حين عرفتها؟ ... فلويت وجه العارف المستنكف (١) يا ناصر الدين استعذ بتصبّر ... مدن إلى مرضاة ربّ مزلف وتعزّ نجم الدين عنه مهنأ ... أبد الزمان بملك مصر، ويوسف لا نستطيع سوى الدعاء؛ فكلنا ... - إلا بما في الوسع - غير مكلّف ولما ملك الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب - رحمهما الله - مصر كتب إلى بعض أصدقائه وأودائه بالشام كتابا أوله: «أيها الغائبون عنى وإن كن ... تم لقلبى بذكركم جيرانا إننى مذ فقدتكم لأراكم ... بعيون الضمير عندى عيانا» فأجابه، والشعر والترسل لعماد الدين الأصفهانى: [١٠٧] «أيها الظاعنون عنا (٢) وقلبى ... معهم (٣) ما يفارق الأشجانا (٤) ملكوا مصر مثل قلبى، وفى هـ ... ذا، وفى تلك (٥) أصبحوا سكّانا فاعدلوا فيهما، فإنكم اليو ... م ملكتم عليهما سلطانا لا تروعوا بالهجر قلب محب ... أورئته أوصابه (٦) الخفقانا حبذا معهد قضينا به العي ... ـش، وكنا بربعه جيرانا (٧)

стр. 204

وبعد: فإن وفود الهناء، وأمداد الدعاء، متواصلة على الولاء، صادرة عن محض الولاء، إلى عالى جنابه المأنوس، ومنيع كنفه المحروس، فليهنه الظفران بالملك وبالعدو، وفرع هضاب المجد والعلو، وكيف لا يكون النصر مساوقا لدين هو صلاحه، والتأييد موافقا لعزم هو (١) تجاحه وفلاحه. فالشام يغبط مصرا مذ حللت بها ... كما الفرات عليكم يحسد النيلا نلتم من الملك عفوا ما الملوك به ... عنوا قديما وراموه فما نيلا» وثبتت قدم الملك الناصر صلاح الدين في الملك ورسخ ملكه، والخطبة مع ذلك على المنابر بالديار المصرية للخليفة العاضد، وبعده للملك العادل نور الدين؛ فالملك في الظاهر له، ولا يتصرف صلاح الدين إلا عن أمره، والمكاتبة ترد عليه من نور الدين: «بالأمير الاسفهسلار (٢)»، ويكتب نور الدين اسمه قبل علامته (٣) تعظيما لنفسه، ولا يفرده بالمكاتبة، بل يكتب إليه: «الأمير الاسفهسلار صلاح الدين، وكافة الأمراء بالديار المصرية يفعلون كذا».

стр. 205

ثم شرع صلاح الدين في استمالة قلوب الناس إليه، ويبذل من الأموال ما كان أسد الدين جمعه، وطلب من العاضد شيئا يخرجه، فلم يمكنه منعه، فمال الناس إليه وأحبوه، وقويت نفسه على القيام بهذا الأمر والثبات فيه، وضعف أمر العاضد. ثم بلغ نور الدين أن الفرنج قد اجتمعت لتسير إلى مصر، فأمد نور الدين صلاح (١) الدين بعسكر فيهم الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب - وهو أكبر من صلاح الدين - وقال له نور الدين لما أراد أن يسيره إلى أخيه: «إن كنت تسير إلى مصر [١٠٨] وتنظر إلى أخيك أنه يوسف الذى كان يقوم في خدمتك وأنت قاعد، فلا تسر، فإنك تفسد البلاد، وأحضرك حينئذ وأعاقبك بما تستحقه، وإن كنت تنظر إليه أنه صاحب مصر وقائم فيها مقامى، وتخدمه بنفسك كما تخدمنى، فسر إليه، واشدد أزره، وساعده على ما هو بصدده»؛ فقال: «أفعل معه من الخدمة والطاعة ما يصل إليك إن شاء الله تعالى»، فكان كما قال. ذكر وقعة السودان بالقاهرة وكان بالقاهرة خصىّ يقال له مؤتمن الخلافة (٢)، وكان متحكما في القصر، ولما ثقلت وطأة الملك الناصر على أهل القصر، وعلموا أن دولتهم زائلة بسببه، أحبوا الراحة منه، فأجمعوا على مكاتبة الفرنج ليصلوا إلى البلاد، فإذا خرج صلاح الدين إلى لقائهم قبضوا على من بقى من أصحابه بالقاهرة، واجتمعواهم والفرنج

стр. 206

على حربه وحرب أصحابه واستئصالهم، ويكون بعد ذلك البلاد بينهم وبين الفرنج يقتسمونها، فسيّر مؤتمن الخلافة رجلا وحملّه (١) كتابا إلى الفرنج، فخرز عليه نعله، وظنوا أن ذلك يخفى عن صلاح الدين والمسلمين (٢)، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٣)». فاتفق أن ذلك القاصد لما عبر بالبئر البيضاء (٤) رآه رجل تركمانى وعلى القاصد خلقان، وفى يده النعلان اللذان (٥) أخفيت فيهما المكاتبة، وليس فيهما أثر شىء، فأنكرهما التركمانى، فأخذهما، وأحضرهما إلى صلاح الدين، ففتقهما فوجد مكاتبة الفرنج فيهما من أهل القصر، فأخذ صلاح الدين الكتاب، وقال: «دلونى على كاتب هذا الخط»، فدلوه على رجل يهودى، فلما أحضروه ليسألوه ويعاقبوه ويقابلوه، نطق بالشهادتين واعتصم بهما، واعترف أنه كاتب الكتاب عن أهل القصر، فأخفى صلاح الدين الحال، واستشعر مؤتمن الخلافة، وخاف على نفسه، ولازم القصر لا يخرج منه، فإذا خرج لم يبعد، وصلاح الدين معرض عن ذكره البتة، مغض عنه، لا يأمر فيه ببسط ولا قبض، فاسترسل حينئذ وظن أنه لا يقدم عليه؛ وكان له قصر

стр. 207

بقرية على شاطىء النيل بقرب قليوب تعرف [١٠٩] بالخرقانيّة (١)، ذات متنزه وبساتين، فخرج إليها للتنزه، فلما علم صلاح الدين أرسل إليه جماعة من أصحابه فاغتالوه من مأمنه، وقتلوه وأتوا برأسه، وذلك يوم الأربعاء لخمس بقين من ذى القعدة من هذه السنة - أعنى سنة أربع وستين وخمسمائة -. فلما قتل غار السودان (٢) عبيد القصر وثاروا، وكانوا يزيدون على خمسين ألفا، وكانوا إذا قاموا على وزير قتلوه واجتاحوه؛ فلما ثاروا أنهض (٣) إليهم الملك الناصر صلاح الدين أبا الهيجاء السمين، ووقعت الحرب بين الفريقين - بين القصرين بالقاهرة - واشتد القتال بين الفريقين، واستمر ذلك يومين، وصاروا كلما لجأوا إلى محلة أحرقت عليهم، وكانت لهم محلة عظيمة على باب زويلة، تعرف بالمنصورة، (٤)، فأرسل صلاح الدين إليها من أوقع الحريق فيها على أموالهم وأولادهم وحريمهم، فلما أتاهم الخبر بذلك ولوا منهزمين، وركبتهم السيوف، وأخذت عليهم

стр. 208

أفواه السكك، فطلبوا الأمان بعد أن كثر فيهم القتل، فأجيبوا إلى ذلك؛ وذلك يوم السبت ليلتين بقيتا من ذى القعدة، فمضوا إلى الجيزة، فعبر إليهم الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب - أخو السلطان - في طائفة من العسكر فأبادهم بالسيف، فلم يبق منهم إلا الشريد، وضعف أمر العاضد بالكلية وتلاشى أمره؛ وأمر صلاح الدين بتخريب محلة السودان، وأعفى أثرها، فخرّبها بعض الأمراء واتخذها بستانا؛ وأصبح أمر السودان كأن لم يكن قط (١)؛ ففى ذلك يقول عماد الدين الكاتب يمدح صلاح الدين، وسيّرها إليه من الشام: بالملك الناصر استنارت ... - في عصرنا - أوجه الفضائل علىّ من حقه فروض ... شكرا لما جاد من نوافل يوسف مصر الذى إليه ... تشدّ آمالنا الرواحل أجريت نيلين في ثراها: ... نيل نجيع، ونيل نائل وما نفيت السودان حتى ... حكّمت البيض في المقاتل [١١٦] صيّرت رحب الفضاء ضيقا ... عليهم كفه بحائل (٢) وكلّ رأى منهم كراء ... وأرض مصر كلام واصل وقد خلت منهم المغانى ... وأقفرت منهم المنازل

стр. 209

وما أصيبوا إلا بطلّ ... فكيف لو أمطروا بوابل! والسود بالبيض قد أبيحوا (١) ... فهى بواديهم نوازل مؤتمن القوم خان حتى ... غالته من شرّه غوائل عاملكم بالخنا فأضحى ... ورأسه فوق رأس عامل يا مخجل البحر بالأيادى ... قد آن أن تفتح السواحل فقدّس القدس من خباث ... أرجاس كفر غتم أراذل وذكر عماد الدين أنه وصل في هذه المدة كتاب من الملك الناصر صلاح الدين إلى بعض أصحابه بدمشق، وضمنه هذا البيت: وانثر درّ الدمع من قبل أبيضا ... وقد حال مذغبتم فأصبح ياقوتا فنظمت في الجواب أبياتا منها: هنيئا لمصر كون يوسف ملكها ... بأمر من الرحمن قد كان موقوتا وما كان فيها قتل يوسف شاورا ... يماثل إلا قتل داوود جالوتا وقلت لقلبى أبشر اليوم بالمنى ... فقد نلت ما أمّلت، بل حزت ما شيتا ولما وقعت هذه الواقعة تلاشى أمر العاضد خليفة مصر، إلا أن الخطبة باقية له، وبعده لنور الدين، فحكى لى الأمير حسام (٢) الدين بن أبى على قال: «كان جدى في خدمة الملك الناصر صلاح الدين، فحكى أنه لما وقعت هذه الواقعة شرع صلاح الدين كل يوم يطلب من العاضد شيئا من الخيل والرقيق

стр. 210

والأموال، ليقوى بذلك ضعفه، قال: فسيّرنى يوما إليه أطلب منه فرسا، ولم يبق عنده إلا فرس واحد، فأتيت [١١١] إليه وهو راكب في بستانه المعروف بالكافورى (١)، الذى يلى القصر الغربى (٢)، فقلت: صلاح الدين يسلم عليك، ويطلب منك فرسا، فقال: ما عندى إلا الفرس الذى أنا راكبه؛ ونزل عنه، وشقّ خفّيه، ورمى بهما، وسلم إلىّ الفرس، فأتيت به صلاح الدين؛ ولزم العاضد بيته، ولم يعد لركوب حتى كان منه ما كان». ذكر منازلة الفرنج دمياط وعودتهم عنها خائبين ولما ملك صلاح الدين ﵀ الديار المصرية، واستقرت قدمه بها، واستقرت بها العساكر النورية، أيقن الفرنج بالهلاك، وأيقنوا أن بلاد الساحل من المسلمين على شفا جرف هار، وأنهم إن لم يتداركوا الأمر وإلا ذهبت البلاد

стр. 211

من أيديهم، فكاتبوا افرنج صقلية [والأندلس] (١) وغيرهم، واستمدوهم واستنصروهم لدين النصرانية، وأمدوهم بالأموال والرجال والسلاح، واعتدوا للنزول على دمياط، فوصل إلى دمياط الفرنج والروم من داخل البحر، واستصحبوا معهم المنجنيقات (٢) والدّبابات (٣) وآلات الحصار وغير ذلك، واشتد أمر الفرنج بالشام لما قدم فرنج

стр. 212

الغرب إلى دمياط، فسرقوا حصن عكار من المسلمين، وأسروا صاحبها، وكان مملوكا لنور الدين يقال له خطلخ (١) الجمدار؛ وكان وصول الفرنج إلى دمياط في صفر سنة خمس وستين وخمسمائة. وكان سبق إلى دمياط الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ابن أخى السلطان، وكذا شهاب الدين خاله، فدخلا دمياط، وتابع إليهما صلاح الدين الأمداد والنجد في البحر، وأمدهما بالسلاح والمال والذخائر، واتصل على دمياط حصار الفرنج وضايقوها، وتابع صلاح الدين رسله إلى الملك العادل نور الدين ﵀ يشكو إليه ما هو فيه من المخاوف، وأنه إن تخلف عن دمياط ملكها الفرنج، وإن سار إليها خلفه المصريون في مخلفيه ومخلفى عسكره بالسوء، وخرجوا عن طاعته، وصار الفرنج أمامه والمصريون خلفه، فجهز إليه نور الدين العساكر أرسالا، كلما تجهزت طائفة أرسلها، فسارت إليه يتلو بعضها بعضا. ثم سار نور الدين فيمن عنده من العساكر ودخل بلاد الفرنج، [١١٢] فنهبها وأغار عليها واستباحها، لتتحرك الفرنج إلى حفظ البلاد الشامية ويشتغلوا عن دمياط؛ وذكر أنه بلغ من اهتمام نور الدين بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ

стр. 213

بين يديه جزء من حديث كان له به رواية، فجاءه في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يتبسم ليتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك، وقال: «إنى لأستحى من الله تعالى أن يرانى مبتسما والمسلمون محاصرون بالفرنج». وذكر أن إماما لنور الدين رأى ليلة رحل الفرنج عن دمياط في منامه النبى ﷺ وقال له: «أعلم نور الدين أن الفرنج رحلوا عن دمياط في هذه الليلة»، قال: فقلت: «يا رسول الله لا يصدقنى، فاذكر لى علامة يعرفها»، [قال]: فقل له «بعلامة ما سجدت على تل حارم، وقلت: يا رب انصر دينك (١)، ولا تنصر محمودا؛ من محمود الكلب حتى ينصر؟!» قال: «فانتبهت، ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أن ينزل إليه بغلس، ولا يزال يركع فيه حتى يصلى الصبح»، قال: «فتعرضت له، فسألنى عن أمرى، فأخبرته بالمنام، وذكرت له العلامة كلها، إلا أننى لم أذكر لفظ الكلب»؛ فقال نور الدين: «اذكر العلامة كلها» وألحّ علىّ، فقلتها، فبكى، وصدّق الرؤيا. وأرخت تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة». ولما رأى الافرنج تتابع الأمداد إلى دمياط من القاهرة والشام، ودخول نور الدين إلى بلادهم ونهبها وإخرابها (٢) رجعوا خائبين؛ وكان مدة مقامهم

стр. 214

على دمياط خمسين يوما، وكان رحيلهم لتسع بقين من ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وأنفق صلاح الدين في هذه النوبة أموالا عظيمة، وذكر عنه أنه قال: «ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلىّ مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها»؛ وسيّرت الكتب إلى الشام بالبشارة برحيل الفرنج، فكتب نور الدين إلى العاضد صاحب مصر يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط، وكان قد ورد عليه كتاب [١١٣] من العاضد يستقيل فيه من الأتراك خوفا منهم، ويطلب الاقتصار على صلاح الدين وخواصه وألزامه؛ فكتب إليه (١) نور الدين بمدح (١) الأتراك، ويعلمه أنه ما أرسلهم واعتمد عليهم إلا لعلمه بأن قنطاريّات (٢) الفرنج ليس لها إلا سهام الأتراك، وأن الفرنج لا يخافون إلا منهم، ولولاهم لزاد طمعهم في الديار المصرية، ولعل الله ييسّر بهم فتح بيت المقدس. ومما مدح به الملك الناصر صلاح الدين بعد رحيل الفرنج ما كتب إليه به عماد الدين الكاتب ﵀ من قصيدة (٣) مخلصها: كأنّ قلبى وحبّ مالكه ... مصر وفيها المليك يوسفها

стр. 215

هذا بسلب الفؤاد يظلمنى، ... وهو بقتل الأعداء ينصفها الملك الناصر الذى أبدا ... بعزّ سلطانه يشرّفها قام بأحوالها، فدبّرها ... حسنا، وأثقالها يخفّفها بعدله والصّلاح يعمرها، ... وبالندى والجميل يكنفها من دنس الغادرين يرحضها، ... ومن خباث العدى ينظّفها وإنّه في السّماح حاتمها، ... وإنّه في الوقار أحنفها يوسف مصر التي (١) ملاحمها ... جاءت بأوصافه تعرّفها كتب التواريخ لا يزيّنها ... - إلا بأوصافه - مصنّفها وحطت (٢) دمياط إذ أحاط بها ... من برجوم (٣) البلاء يقذفها لاقت غواة الفرنج خيبتها ... فزاد - من حسرة - تأسّفها أوردت قلب (٤) القلوب أرشية ... من القنا للدماء تنزفها (٥) ولّيتها سفكها فعاملها ... عاملها (٦) والسّنان مشرفها (٧) يمضى لك الله في قتالهم ... عزيمة للجهاد ترهقها
следующие страницы →