← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

وكبيرهم، وصاحب الديار المصرية، ولا يمكن الخروج عما أمر به، وقد وقع الاتفاق على أن تسلم [إليه] (١) دمشق وتعوض عنها من الشرق كذا وكذا» وذكر ما وقع الاتفاق عليه. فلما أنهى قوله [١٤٣ ا] قام عز الدين أيبك المعظمى وقال: «لا كيد ولا كرامة ولا نسلم من البلاد حجرا واحدا، ونحن قادرون على دفع الجميع ومقاومتهم، ومعنا العساكر المتوافرة (٢)». وقال للملك الناصر: «قم وامض (٣) إلى دمشق». فركب الملك الناصر وأمر بتقويض الخيام، ورحل الملك الناصر وأصحابه إلى دمشق. ولم يتمكن الملك الأشرف من مقاومته [ومنعه من ذلك] (٤)؛ [إذ لم يكن معه إلا جمع قليل مع عسكر حلب، فإنهم كانوا وصلوا إلى نجدته، وانتهوا إلى الغور] (٥). وتخلف عن الملك الناصر - ممن كان معه - عمه الملك الصالح [عماد الدين] (٦) اسماعيل [صاحب بصرى] (٧) وابن عمه الملك المغيث، [شهاب الدين بن الملك المغيث بن الملك العادل] (٨) ومن معهما، والأمير كريم الدين الخلاطى وكان من أخص أصحاب الملك المعظم. وانضم هؤلاء إلى الملك الأشرف.

стр. 1507

ووصل الملك الناصر إلى دمشق، واستعد للحصار، وقام أهل دمشق بنصرته أحسن قيام، لأنهم كانوا يحبونه ويحبون والده. وبقى معه عسكر قوى إلى الغاية من حيث الشهامة وكمال العدة والآلة، [لكنه نقص منهم جمع كثير بمفارقة الملك العزيز وابن أخيهما الملك المغيث، ومن تبعهم من أجنادهم] (١). ورحل الملك الأشرف من القصير (٢) بمن معه من عسكر حلب، ومن انضم إليه من عسكر الملك الناصر. ولم يكن معه من عسكره المختصين به إلا قليل لأنه كان قدم دمشق جريدة (٣)، وعساكره في الشرق في قبالة جلال الدين ابن خوارزم شاه. ولما وصل الملك [الأشرف] (٤) إلى دمشق نزل ظاهرها من قبليها، وقطع عنها النهر الواصل إلى قلعتها المسمى باناس (٥) والنهر الواصل من باب الجابية المسمى القنوات (٦)، فخرج [إليهم] (٧) عسكر دمشق وقاتلوا أصحاب الملك الأشرف أشد قتال، وساعدهم على ذلك عامة البلد لفرط محبتهم لصاحبهم حتى أعادوا الماء إلى دمشق.

стр. 1508

[وكان قبل وصول الملك الناصر [داود (١)] إلى دمشق بأيام قد وصل إلى دمشق الملك الناصر قلج أرسلان - صاحب حماة - بعسكره نجدة للملك الأشرف؛ لأنه كان - كما ذكرنا - منتميا إليه فظن أن الحال بينه وبين الملك الأشرف على ما كان أولا من ذبه عنه وقيامه دونه (٢)]. فلما بلغه ما تجدد ورجوع الملك الناصر [داود] (٣) إلى بلده مستحصرا أسرع العود بعسكره إلى بلده، ليهتم بمصلحة نفسه إذ تحقق أنهم إذا فرغوا (٤) [١٤٣ ب] من دمشق لم يبق لهم إلا قصده. [وسير الملك الناصر داود الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى (٥) رسولا إلى السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه، يعلمه أن أعمامه إنما قصدوه لانتمائه هو وأبيه إليه، ويحثه بمعاجلة النزول على خلاط ومضايقتها، ليشتغل (٦) سر الملك الأشرف وليندفع عنه شره. فلما وصل شمس الدين إلى جلال الدين بهذه الرسالة اهتم لقصد خلاط وحصارها، وجرى ما سنذكره إن شاء الله تعالى] (٧).

стр. 1509

ذكر تسليم القدس [الشريف (١)] إلى الفرنج [وأقام السلطان الملك الكامل بتل العجول بعد توجه الملك الأشرف إلى دمشق لتتميم أمر الصلح مع الفرنج، وليخلو سره من جهتهم (٢)]. ولم تزل الرسل تتردد (٣) بينه وبين الانبراطور ملك الفرنج وأطماعه متعلقة بما استقر بينه وبين الملك الكامل أولا قبل موت الملك المعظم. وأبى [ملك الإفرنج (٤)] أن يرجع إلى بلاده إلا بما وقع الشرط عليه من تسليم القدس إليه، وبعض الفتوح الصلاحى. وامتنع الملك الكامل أن يسلم إليه كل ذلك، وآخر الأمر أنه تقرر بينهما (٥) أن يسلم إليه القدس على شريطة أنه يبقى خرابا، ولا يجدد سوره، وأن لا يكون للفرنج شىء من ظاهره ألبتة، بل يكون جميع قراياه للمسلمين، وللمسلمين وال عليها يكون مقامه بالبيرة من عمل القدس من شماليه، وأن الحرم الشريف بما حواه من الصخرة المقدسة والمسجد الأقصى يكون بأيدى المسلمين، وشعار المسلمين فيه ظاهر، ولا يدخلها الفرنج إلا للزيارة فقط، ويتولاه قوام المسلمين. واستثنى الفرنج قرايا معدودة

стр. 1510

هى طريقهم إذا توجهوا من عكا إلى القدس، تكون هذه القرايا بأيديهم، خوفا أن يغتالهم أحد من المسلمين. ورأى الملك الكامل أنه إن شاقق الانبراطور ولم يف له بالكلية أن يفتح له باب محاربة مع الفرنج، ويتسع الخرق ويفوت عليه كلما خرج بسببه، فرأى أن يرضى الفرنج بمدينة القدس خرابا ويهادنهم مدة، ثم هو قادر على انتزاع ذلك منهم متى شاء. وكان المتردد بينه وبين الملك [١٤٤ ا] الانبراطور [في الرسائل (١)] الأمير فخر الدين بن الشيخ (٢)، وكانت تجرى بينهما محاورات في أشياء شتى. وسير الأنبرطور إلى الملك الكامل في أثناء ذلك مسائل حكمية ومسائل هندسية ورياضية مشكلة، ليمتحن بها من عنده من الفضلاء. فعرض الملك الكامل ما أورده من المسائل الرياضية على الشيخ علم الدين قيصر بن أبى القاسم إمام هذه الصناعة (٣). وعرض الباقى على جماعة من الأفاضل فأجابوا عن الجميع.

стр. 1511

ثم حلف السلطان الملك الكامل على ما وقع الاتفاق عليه، وحلف الأنبراطور، وعقدوا عقد الهدنة مدة معلومة، وانتظم بينهم الأمر، وأمن كل من الفريقين صاحبه. وبلغنى أن الأنبرطور قال للأمير فخر الدين: «لولا أنى أخاف انكسار جاهى عند الفرنج، لما كلفت السلطان شيئا من ذلك، وما لى غرض في القدس ولا غيره وإنما قصدت حفظ ناموسى عندهم (١)». ولما وقعت الهدنة بعث السلطان من نادى في القدس بخروج المسلمين، وتسليمه إلى الفرنج، فحكى لى والدى ﵀ وكان لما وقعت هذه الواقعة بالقدس الشريف قد وصل إليه من مكة حرسها الله فإنه كان جاور فيها السنة الماضية، وكنت قد سافرت إلى دمشق في السنة الماضية، وأقمت بدمشق - قال: لما نودى بالقدس بخروج المسلمين، وتسليم القدس إلى الفرنج، وقع في أهل القدس الضجيج والبكاء، وعظم ذلك على المسلمين، وحزنوا لخروج القدس من أيديهم. وأنكروا على الملك الكامل هذا الفعل، واستشنعوه منه، إذ كان فتح هذا البلد الشريف واستنقاذه من الكفار من أعظم مآثر عمه الملك الناصر صلاح الدين - قدس الله روحه - لكن علم الملك الكامل ﵀ إن الفرنج لا يمكنهم الامتناع بالقدس مع خراب أسواره، وإنه إذا قضى غرضه واستتبت الأمور له، كان متمكنا من تطهيره من الفرنج وإخراجهم منه. وقال [السلطان الكامل (٢)] «إنا لم نسمح لهم إلا بكنائس وآدر خراب، والحرم وما فيه من الصخرة المقدسة وسائر المزارات بأيدى المسلمين على

стр. 1512

حاله، وشعار الإسلام قائم على ما كان عليه، ووالى المسلمين متحكم على رساتيقه وأعماله». [١٤٤ ب] ولما تم أمر الهدنة استأذن الأنبراطور السلطان في زيارة القدس فأذن له، وتقدم السلطان إلى القاضى شمس الدين قاضى نابلس ﵀ وكان جليلا في الدولة متقدما عند ملوك بنى أيوب، أن يلازم خدمة الأنبرطور إلى أن يزور القدس ويرجع إلى عكا. فحكى لى شمس الدين ﵀ قال: لما قدم الأنبراطور القدس لازمته كما أمرنى السلطان الملك الكامل، ودخلت معه إلى الحرم الشريف فرأى ما فيه من المزارات. ثم دخلت معه إلى المسجد الأقصى فأعجبته عمارته وعمارة قبة الصخرة المقدسة. ولما وصل إلى محراب الأقصى أعجبه حسنه وحسن المنبر، وصعد في درجة إلى أعلاه، ثم نزل وأخذ بيدى وخرجنا من الأقصى، فرأى قسيسا وبيده الإنجيل، وهو يريد دخول الأقصى (١) فصاح عليه صيحة منكرة وقال: «ما الذى أتى بك إلى هاهنا، والله لئن عاد أحد منكم يدخل إلى هاهنا بغير إذنى لآخذن ما في عينيه، نحن مماليك هذا السلطان الملك الكامل وعبيده، وإنما تصدق على وعليكم بهذه الكنائس على سبيل الإنعام منه، ولا يتعدى أحد منكم طوره»، فمضى ذلك

стр. 1513

القسيس وهو يرعد خيفة منه. ومضى الأنبرطور إلى الدار التي عيّن نزوله فيها، فنزل بها. قال القاضى شمس الدين [قاضى نابلس (١)]: وأوصيت المؤذنين أنهم لا يؤذنون تلك الليلة احتراما له. فلما أصبحنا ودخلت عليه قال لى: «يا قاضى لم لم يؤذن المؤذنون على المنابر على جارى عادتهم؟». فقلت له: «إن المملوك منعهم من ذلك إعظاما للملك واحتراما له». فقال لى: «أخطأت فيما فعلت، والله إنه أكثر غرضى في المبيت في القدس أن أسمع آذان المؤذنين وتسبيحهم بالليل (٢)»، ثم رحل إلى عكا (٣). ولما ورد الخبر إلى دمشق بتسليم القدس إلى الفرنج أخذ الملك الناصر [داود (٤)] في التشنيع على عمه الملك الكامل. وتقدم إلى الشيخ شمس الدين يوسف سبط الشيخ جمال الدين بن الجوزى الواعظ - وكان له قبول عند الناس [١٤٥ ا] في الوعظ - في أن يجلس بجامع دمشق للوعظ، ويذكر فضائل القدس وما ورد فيه من الأخبار والآثار، وأن يحزن الناس ويذكر ما في تسليمه إلى الكفار من الصغار للمسلمين والعار. وقصد بذلك تنفير الناس من عمه ليناصحوه في قتاله. فجلس شمس الدين للوعظ كما أمره، وحضر الناس

стр. 1514

لاستماع وعظه، وكان يوما مشهودا، وعلا يومئذ ضجيج الناس وبكاؤهم وعويلهم (١). وحضرت أنا (٢) هذا المجلس، ومما سمعته يومئذ يورد قصيدة تائية وازن بها قصيدة دعبل بن على الخزاعى وضمنها بيتا من القصيدة وهو: مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحى مقفر العرصات وعلق بذهنى منها بيت واحد وهو: على قبة المعراج والصخرة التي ... تفاخر ما في الأرض من صخرات فلم ير في ذلك اليوم إلا باك أو باكية. ولما تقررت قواعد الهدنة بين السلطان الملك الكامل والأنبراطور، أقلع الأنبراطور راجعا إلى بلاده، واستمر مصافيا للملك الكامل، مواد له، والمراسلة بينهما متصلة إلى أن توفى الملك الكامل وملك ولده الملك العادل سيف الدين، فصافى [الأنبراطور] (٣) الملك العادل وواده، وراسله.

стр. 1515

ولما قبض على الملك العادل وولى أخوه الملك الصالح نجم الدين أيوب استمر الأمر على ذلك. وأرسل إليه الملك الصالح الشيخ العلامة سراج الدين الأرموى الذى هو قاضى قونية من بلاد الروم الآن. وأقام سراج الدين عنده مكرما مدة، وصنف له كتابا في المنطق، وأحسن إليه الأنبرطور إحسانا كبيرا. وعاد سراج الدين إلى الملك الصالح مكرما. ولما قصد ريدا فرنس (١) - وهو من أكبر ملوك الفرنج - الديار المصرية سنة سبع وأربعين وستمائة، بعث إليه الأنبراطور ينهاه عن ذلك، ويخوفه ويحذره عاقبة الأمر، فلم يقبل منه. فحكى لى سرنرد وهو مهمنددار (٢) منفريد (٣) ابن الأنبراطور قال: «أرسلنى [١٤٥ ب] الأنبراطور في السر إلى الملك الصالح نجم الدين لأعرفه عزم قصد ريدافرنس على الديار المصرية وأحذره منه، وأشير عليه بالاستعداد له. فاستعد له الملك الصالح، ورجعت إلى الأنبراطور، وكان ذهابى إلى مصر ورجوعى في زى تاجر (٤). ولم يشعر أحد باجتماعى بالملك الصالح خوفا من الفرنج أن يعلموا ممالأة الأنبراطور للمسلمين عليهم».

стр. 1516

ولما مات الملك الصالح، وجرى لريدافرنس ما جرى من هلاك عسكره واستئصالهم، وأسر الملك المعظم تورانشاه بن الملك الصالح له، ثم خلاصه من الأسر بعد قتل الملك المعظم ورجوعه إلى بلاده، بعث الأنبرطور إليه (١) يذكره نصحه له، وما جرّ عليه لجاجه (٢) ومخالفته، ويعنفه على ذلك. وتوفى الأنبراطور في تلك السنة، وهى سنة ثمان وأربعين وستمائة، بعد موت الملك الصالح بسنة. وولى بعده ولده (٣) كرا ثم مات كرا وولى أخوه منفريدا، وهؤلاء كلهم كانوا ممقوتين عند البابا خليفة الفرنج صاحب رومية، لميلهم إلى المسلمين، وجرى بين منفريدا والبابا حرب انتصر فيها منفريدا. وتوجهت (٤) رسولا إلى منفريدا من جهة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ﵀ في شهر رمضان سنة تسع وخمسين وستمائة، فأقمت عنده مكرما بمدينة من مدائن أنبوليه في البر الطويل، المتصل ببر أندلس. واجتمعت به مرارا، ووجدته متميزا ومحبا للعلوم العقلية، يحفظ عشر مقالات من كتاب أو قليدس في الهندسة. وبالقرب من البلد الذى كنت نازلا به مدينة تسمى لوجاره أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية، تقام فيها الجمعة، ويعلن بشعار الإسلام، وهى على هذه الصفة من عهد أبيه الأنبرطور. وكان منفريدا قد شرع في بناء دار علم بها، ليشتغل فيها بجميع أنواع العلوم النظرية. ووجدت أكثر أصحابه الذين يتولون أموره الخاصة به مسلمين. ويعلن في معسكره بالأذان والصلاة.

стр. 1517

ولما رجعت من تلك البلاد جاءت الأخبار بأنه اتفق على قصده [١٤٦ ا] البابا صاحب رومية العظمى - وبينها وبين البلد الذى كنا به مسافة خمسة أيام - وأخو ريدا فرنس المقدم ذكره. وذلك أن البابا كان قد حرّم (١) منفريدا لميله إلى المسلمين وخرقه ناموس شرعهم، وكذلك كان كرا أخوه والأنبراطور كل هؤلاء كانوا محرمين من جهة البابا برومية. والبابا برومية هو خليفة المسيح عندهم، والقائم مقامه، وإليه التحريم والتحليل والقطع والفصل (٢). وهو الذى يلبس الملوك تيجان الملك ويقيمهم. ولا يتم لهم أمر في شريعتهم إلا به. ويكون راهبا، وإذا مات قام مقامه من هو أيضا متصف بصفة الرهبانية. ولقد حكى لى وأنا ببلادهم حكاية عجيبة، وهى أن مرتبة الأنبرطورية [كانت قبل الأنبرطور (٣)] فردريك - الذى تقدم ذكره - لأبيه، وأنه لما

стр. 1518

مات كان ابنه فردريك شابا في أول ترعرعه، وأنه طمع في هذه المرتبة جماعة من ملوك الفرنج، كل منهم رجا أن يفوضها إليه بابا رومية. وكان فردريك ماكرا خبيثا، وهو من الألمانية، وهم جنس من أجناس الفرنج. فاجتمع بكل واحد من الملوك الذين طمعوا في مرتبة الأنبرطورية على انفراده وقال لكل واحد منهم: «إنى لا أريد هذه المرتبة لأنى لا أصلح لها، فإذا اجتمعنا عند البابا فقل أنت له إن هذا الأمر ينبغى أن يتقلد الحديث فيه ابن الأنبرطور الماضى، وأن من رضى بتقليده الأنبرطورية فأنا راض به، فإن البابا إذا رد الاختيار إلىّ في ذلك، إخترتك ولا أختار غيرك، وقصدى الانتماء إليك والاعتضاد بك». ولما قال [فردريك (١)] هذه المقالة لكل واحد من الملوك، أجابه كل واحد منهم، ووثق به، واعتمد صدقه فيما قال. فلما اجتمعوا عند البابا بمدينة رومية ومعهم فردريك، وكان قد تقدم إلى جماعة من أصحابه الألمانية الشجعان، أن يكونوا مستعدين راكبين خيولهم قريبا من الكنيسة العظمى التي برومية التي فيها المجمع الكبير. قال البابا للملوك لما اجتمعوا عنده: «ما ترون في أمر هذه المرتبة، ومن هو الأحق بها؟ [١٤٦ ب]» ووضع التاج بين أيديهم. فكل واحد منهم قال: «حكمت فردريك في ذلك، وما يشير به فهو الذى أقبله وأسير به، فإنه ولد الأنبرطور، وأحق الجماعة بأن يسمع قوله في ذلك». فقام فردريك وقال: «أنا ابن الأنبرطور وأنا أحق بمرتبته وتاجه، والجماعة كلهم قد (٢) رضوا بى واختارونى». ووضع التاج على رأسه فانكسوا كلهم، وخرج مسرعا والتاج على رأسه.

стр. 1519

وركب وركب معه الألمانية - الذين تقدم إليهم بأن يقفوا قرب الكنيسة - وسار بهم على حمية إلى بلاده. ثم بعد ذلك صدرت منه أمور توجب - عند البابا على ما يقتضيه مذهبهم - تحريمه فحرمه. وبلغنى أنه لما كان الأنبرطور بعكا قال للأمير فخر الدين بن الشيخ ﵀ أخبرنى عن الخليفة الذى لكم ما أصله؟». فقال فخر الدين: «هو ابن عم نبينا محمد ﷺ ، أخذ الخلافة عن أبيه، وأخذها أبوه عن أبيه، فالخلافة مستمرة في بيت النبوة، لا تخرج منهم». فقال الأنبرطور: «ما أحسن هذا، لكن هؤلاء القليلوا (١) العقول - يعنى الفرنج - يأخذون رجلا من المزبلة ليس بينه وبين المسيح نسبة ولا سبب، جاهلا فدما (٢)، يجعلونه خليفة عليهم، قائما مقام المسيح فيهم، وأنتم خليفتكم ابن عم نبيكم، فهو أحق الناس بمرتبته». ولما قصد البابا وأخو ريدا فرنس منفريدا بن الأنبراطور قاتلاه وهزما عسكره، وقبضا عليه. وتقدم البابا بذبحه فذبح، وملك أخو ريدافرنس البلاد التي كانت بيد ابن الأنبرطور، واستولى عليها، وكان هذا في سنة ثلاث وستين وستمائة في غالب ظنى (٣).

стр. 1520

ذكر منازلة السلطان الملك الكامل دمشق وحصاره لها قد ذكرنا (١) منازلة السلطان الملك الأشرف دمشق بمن معه من أصحابه وعسكر حلب، والملك الصالح بن الملك العادل وابن أخيه الملك المغيث ومن اجتمع معهم من عسكر دمشق، والملك المجاهد صاحب حمص، وتأخّر قدوم السلطان الملك الكامل. فأرسل إليه الملك الأشرف يستعجله على [١٤٧ ا] القدوم ويحثه عليه، فأرسل إليه الملك الكامل بعد فراغه من صلح الفرنج يقول له: «إن البلاد التي قد عينت لى حصون ومعاقل مثل الكرك والشوبك والصلت ربما تعذر أخذها علىّ لحصانتها، وتحصل أنت على دمشق». فقررت القاعدة بينهما على أن تكون البلاد الشرقيه التي عينت للملك الناصر للسلطان الملك الكامل، ويكون للملك الأشرف دمشق وبلادها إلى عقبة فيق (٢)، ويعوض الملك الناصر بما يقع الاتفاق عليه إذا فتحت دمشق من البلاد التي ما بين عقبة فيق وغزة، وما يبقى منها يكون للملك الكامل. ولما وقع الاتفاق على ذلك رحل الملك الكامل من تل العجول بعد طول مقامه بها، ووصل إلى ظاهر دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة ست وعشرين وستمائة - واتفق هو والملك الأشرف على محاصرتها ومضايقتها. وكانت منزلته بمسجد القدم (٣) قبلى دمشق، وقطع عنها نهر باناس

стр. 1521

والقنوات، وضويق البلد مضايقة شديدة حتى جاف البلد لانقطاع الماء عنه. وبقى شرب الناس من الآبار، فكان أهل دمشق يخرجون كل يوم مع العسكر. ويقاتلون أشد قتال، ويناصحون صاحبهم (١) أشد مناصحة لمحبتهم له ولوالده الملك المعظم، وكراهية لخروج الملك من أولاده. وكنت في أكثر الأوقات أصعد مع جماعة على منارة دمشق، ونشاهد القتال، فكان ربما كر الدمشقيون على العسكر المصرى، وطاردوهم وأنكوا فيهم. وأحرقت مواضع للبلد، وطالت المدة إلى آخر رجب من هذه السنة، فاشتد ذلك على أهل دمشق لإقبال الصيف وعدم الفواكه عندهم، وغلاء السعر. ولم يكن بدمشق رخيص غير السكر والحلواء، فكانت الحلوى الصابونية (٢) وغيرها من الحلاوات أرخص من الجبن والخبز لكثرة السكر [الذى (٣)] كان بدمشق. ونفر من العسكر الدمشقى جماعة قليلة منهم أرغش المعظمى. ونفدت النفقات عند الملك الناصر فأنفق في هذه المدة [١٤٧ ب] جميع ما في الخزائن، ثم شرع في ضرب ما عنده من الأوانى الفضية والذهبية دراهم ودنانير، وأنفقها حتى أتى على أكثر ما عنده من الذخائر (٤).

стр. 1522

ذكر الوصلة بين الملك العزيز بن الملك الظاهر صاحب حلب وخاله السلطان اللملك الكامل بظاهر دمشق كنا ذكرنا (١) مسير القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ رسولا من الملك الظاهر إلى عمه السلطان الملك العادل - رحمهما الله - في حوادث سنة ثلاث عشرة وستمائة في معنى الخطبة والوصلة بين ابنه (٢) الملك العزيز وإبنة الملك الكامل وغير ذلك، وأنه أجيب إلى ذلك، ورجع إلى حلب ووجد الملك الظاهر قد مات. فلما كانت هذه السنة - أعنى سنة ست وعشرين وستمائة - وحاصر السلطان الملك الكامل دمشق، سيّر من حلب القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ وفى صحبته أكابر حلب وعدولها لإتمام هذه الوصلة [السعيدة (٣)] وعقد النكاح. وجاءوا إلى دمشق من ناحية ضمير (٤)، وخرج السلطان الملك الكامل من دهليزه (٥) بمسجد القدم (٦) لاستقباله، ثم عاد به إلى المخيم وأنزله بالقرب منه، ثم أحضره إلى خدمته، فقدم للسلطان ما كان أحضره من حلب من التقدمة.

стр. 1523

ثم نقل السلطان بهاء الدين إلى جوسق الملك العزيز بالمزة (١). وكان السلطان يتردد إليه لمكانته العظيمة وقدم (٢) سابقته في خدمة عمه الملك الناصر صلاح الدين ثم الملك الظاهر بعده [رحمهما الله أجمعين (٣)]، إلى أن اتفق [الأمر على أن (٤)] حمل الذهب الواصل لتقدمة المهر، والجوارى، والخدم، والدراهم، والمتاع. ثم عقد العقد بحضور السلطان الملك الأشرف في مسجد خاتون. وولى عقد النكاح من جهة السلطان الملك الكامل الأمير عماد الدين بن شيخ الشيوخ لابنته فاطمة خاتون - وهى شقيقة الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل - على صداق مبلغه خمسون ألف دينار. وقبل النكاح عن الملك العزيز القاضى بهاء الدين [بن شداد (٥)] وذلك سحر يوم الأحد سادس عشر رجب، والحصار بعد قائم على دمشق [١٤٨ ا]. وبعد فتح دمشق خلع السلطان على القاضى بهاء الدين و [على (٦)] جميع أصحابه وعلى الحاج بشير أمير لالا (٧) الملك العزيز ﵀. وعاد القاضى بهاء الدين ومن كان في صحبته إلى حلب.

стр. 1524

ذكر استيلاء الملك الكامل على مدينة دمشق وتعويض الملك الناصر بن الملك المعظم عنها الكرك وما معها من البلاد ولما طالت مدة الحصار، ونفد ما في يد الملك الناصر من المال، علم الملك الناصر [بن الملك المعظم (١)] حينئذ أنه لا قبل له بعمه السلطان الملك الكامل، وأن الأصلح له الخروج إليه ليرى فيه رأيه. فخرج ليلا من قلعة دمشق في العشر الأخر من رجب من هذه السنة، وقصد جهة الدهليز في نفر يسير من أصحابه. ولما بلغ السلطان مجيئه، خرج إليه وتلقاه وأكرمه إكراما كبيرا. وتحدث معه وباسطه وطيب قلبه، بعد أن عاتبه عتابا كثيرا، ثم أمره بالرجوع إلى قلعة دمشق فعاد إليها. ثم بعد يومين دخل إلى القلعة الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ من جهة السلطان الملك الكامل. وكان يوم الجمعة فصلى الجمعة بجامع القلعة، ثم خرج هو والملك الناصر إلى [عند (٢)] السلطان [الملك الكامل (٣)] فوقع الاتفاق والتحالف. وأقر الأمير عز الدين أيبك المعظمى على صرخد، والملك الصالح والملك العزيز وابن أخيهما الملك المغيث على ما بأيديهم. وقرر للملك الناصر داود الكرك والشوبك وأعمالهما، والصلت والبلقاء والأغوار جميعها، ونابلس، وأعمال القدس، وبيت جبريل. فنزل الملك الناصر [بعد ذلك (٤)] عن الشوبك وسأل السلطان قبولها منه، فقبلها. وبقى للسلطان الملك الكامل مع الشوبك

стр. 1525

الخليل وغزة (١)، وطبرية وعسقلان والرملة، ولدّ (٢) وسائر الساحل الذى بأيدى المسلمين. ثم رجع الملك الناصر [داود] (٣) إلى القلعة، وفتحت أبواب البلد مستهل شعبان، وكان ذلك [في أول إقبال المشمش والفواكه (٤)]، وأهل دمشق قد يبست أكبادهم لعدم الخضروات والفواكه والثلج، وانقطاع الماء، فانفرج عنهم الضيق؛ لكن حصل في قلوب الدمشقيين من الأسف والحزن [١٤٨ ب] ما لا مزيد عليه. ولقد كنت عند باب القلعة ذلك اليوم، وقد دخل العسكر المصرى من جميع الأبواب، وامتلأت المدينة منهم، وكان إلى جانبى إنسان من أهل دمشق، فلما رأى ذلك بكى بكاء عاليا، وأعلن بالعويل. وما رأيت يومئذ أحدا من الدمشقيين إلا ورأيته في صورة من فجع بموت ولد أو أب. ودخل والى السلطان الملك الكامل إلى القلعة وتسلمها، وولى في المدينة الأمير عز الدين بن ملكيشو. ذكر إستيلاء الملك الأشرف على دمشق بتسليم السلطان الملك الكامل إياها إليه (٥) ولما تسلم السلطان الملك الكامل مدينة دمشق، سلمها إلى أخيه الملك الأشرف بعد الاتفاق معه على بعث نوابه إلى البلاد الشرقية التي كانت عينت

стр. 1526

أولا للملك الناصر [داود (١)] وهى حران والرقة والرها وسروج ورأس عين وجملين والموزر، فبعث الملك الكامل نوابه إليها، فتسلموها من نواب الملك الأشرف. [وبقى للملك الأشرف بالبلاد الشرقية نصيبين وسنجار والخابور وبلاد خلاط، وكانت ميافارقين يومئذ بيد أخيهما الملك المظفر شهاب الدين غازى، وقلعة جعبر بيد أخيهما الملك الحافظ أرسلان شاه (٢)]. ثم سافر الملك الناصر بأهله [وإخوته (٣)] ومن يتعلق به إلى الكرك، وتسلم البلاد التي عينت له. وكان قبل أن تفتح دمشق قد سير الملك الكامل نور الدين الكركى (٤) - وكان من أصحاب الملك المعظم ثم صار مع الملك الكامل - وسير معه الملك الكامل جماعة من العسكر، فحاصروا الكرك وبها أم الملك الناصر، فأخرجت إليهم جماعة من أهل الكرك فأوقعوا بهم ونهبوهم، وأسروا نور الدين وأميرا آخر كان من أصحاب الملك المعظم يقال له شقيفات، فحبستهما في جب بالكرك، ولم يزالا فيه حتى ماتا. ثم أمر السلطان الملك الكامل العساكر (٥) بالتبريز إلى جهة حماة لأخذها من صاحبها الملك الناصر قلج (٦) أرسلان بن الملك المنصور. [وكان الملك المظفر

стр. 1527

تقى الدين محمود بن الملك المنصور - كما ذكرنا (١) - صحبة خاله الملك الكامل، وهو موعود بتسليم حماة إليه. وكان في صحبة الملك المظفر - لما خرج من الديار المصرية - الأمير حسام الدين أبو على بن محمد بن أبى على، وكان متقدما عنده [١٤٩ ا]، وهو الذى ذكرنا أنه ولاه الملك المظفر سلمية لما أضيفت إليه، وبنى له بها القلعة التي هى داخل البلد. وكان لما وصل العسكر إلى غزة، وقعت بينه وبين الملك المظفر أمور أوجبت المنافرة بينهما، ففارق حسام الدين الملك المظفر ومضى إلى مصر، فاتصل بخدمة الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل، وهو نائب أبيه كما ذكرنا بالديار المصرية، وصار أستاذ داره وأخص الناس به. ولم تزل هذه منزلته عنده إلى آخر أيام الملك الصالح - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ولازم الملك المظفر ابن عم حسام الدين وهو سيف الدين على بن أبى على، وتقدم عنده كثيرا وألقى إليه مقاليده. ولم يزل عنده عالى المنزلة إلى أن جرى له ما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى (٢)] ذكر وفاة الملك المسعود صلاح الدين يوسف ابن السلطان الملك الكامل صاحب اليمن ﵀ ولما كان السلطان الملك الكامل محاصرا لدمشق ورد إليه الخبر بوفاة ولده الملك المسعود صاحب اليمن، فجلس للعزاء لابسا الحداد. وكان الملك المسعود مرض باليمن في هذه السنة مرضا شديدا، وكره المقام باليمن، وعزم على مفارقتها بالكلية والتوجه إلى الديار المصرية. فسار إلى مكة شرفها الله

стр. 1528

تعالى وكانت قد صارت له - كما تقدم ذكره (١) - واشتد مرضه بها، وتوفى ودفن بالمعلى (٢) وعمره نحو ست وعشرين سنة. وكانت مدة ملكه اليمن أربع عشرة سنة، لأنه ملكها سنة اثنتى عشرة وستمائة، وعمره اثنتا عشرة سنة. ذكر سيرته ﵀ (٣) كان ملكا شجاعا مقداما، ذا بأس شديد، وهمة عالية، وشهامة عظيمة. وكان أبوه يخاف منه على بقية أولاده. ولما تملك الملك المسعود (٤) اليمن والحجاز دوخهما (٥) وأزال عنهما المفسدين، وسفك دماء خلق من أهل الشر والعيث (٦)، وجماعة من الأشراف المفسدين. فخافته العرب وغيرهم، وعظمت هيبته جدا [١٤٩ ب]. وكان قدم إلى والده زائرا سنة عشرين وستمائة، بعد استيلائه على مكة شرفها الله تعالى. وأقام بالقاهرة [بالقصر (٧)] مدة، وأقام هيبة والده وناموسه، وخافته الأمراء والجند [بمصر وهابوه، ثم رجع إلى بلاده (٨)].

стр. 1529

[وحكى لى أنه طلع يوما إلى القلعة فرأى جماعة من الأمراء وعلى رءوسهم الشرابيش (١)، فأنكر ذلك عليهم وقال: «إذا كنتم أنتم تلبسون الشرابيش والسلطان يلبس الشربوش، فبأى شىء يتميز عنكم السلطان، ويعرف منكم؟. والله لا أعود أرى أحدا منكم في دار السلطان أو موكبه يلبس شربوشا إلا ضربت عنقه». فما جسر منهم أحد بعد ذلك يلبس بحضرة السلطان ولا في موكبه شربوشا] (٢). ومدحه لما قدم مصر كاتب أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب، بهاء الدين زهير بن محمد القوصى (٣) وهنأه بقدومه إلى مصر، وذكر قدومه في البحر بقصيدة مطلعها: لكم حيث ما كنتم مكان وإمكان ... وملك له تعنوا الملوك وسلطان ضربتم من العزّ المنيع سرادقا ... فأنتم له بين السماكين سكان وليست نجوما ما أرى وسحائبا ... ولكنها منكم وجوه وإيمان

стр. 1530

ومنها في ذكر مجيئه في البحر: جزى الله بالإحسان سفنا حملنه ... لقد حلّ معروف (١) لهن وإحسان حوين جميع الحسن حتى كأنما ... يلوح بها في ساحة اليم خيلان وما هاج ذاك البحر حين سرى به ... ولكن هذا (٢) من خوفه وهو ثهلان (٣) لقد كان ذاك الموج يرعد خيفة ... ويخفق قلب منه بالروع ملآن ومنها: قدمت قدوم الليث والليث باسل ... وجئت مجىء الغيث والغيث هتّان وما برحت مصر إليك مشوقة ... ومثلك من يشتاق لقياه صديان (٤) تحنّ فتبدى (٥) نيلها لك دمعة ... ويعول قمرى على الدوح مرنان ولما أتاها العلم أنك قادم ... تهلل منها وجهها وهو جذلان تصفق أوراق وتشدو حمائم (٦) ... وترقص أغصان وتفتر غدران فحسبك قد وافاك يا مصر يوسف ... وحسبك قد وافاك يا نيل طوفان وخلف الملك المسعود ولدا صغيرا فسماه الملك الكامل يوسف باسم أبيه، ولقبه بلقبه صلاح الدين (٧). [وكان في كفالة جده الملك الكامل إلى أن توفى

стр. 1531

الملك الكامل] (١). ثم توفى صلاح الدين يوسف هذا في أيام عمه السلطان الملك الصالح [نجم الدين (٢) أيوب] ﵀. [ورأيته وكان ضئيلا مصفر الوجه (٣)]. وخلف ولدا صغيرا اسمه موسى ولقبه الملك الأشرف مظفر الدين، وهو الذى أقامه الترك سلطانا بمصر بعد قتل ابن عم أبيه الملك المعظم تورانشاه ابن الملك الصالح، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر القبض على حسام الدين الحاجب عليّ نائب الملك الأشرف بخلاط وقتله كان الحاجب على من أهل الموصل، واتصل بخدمة السلطان الملك الأشرف وصار من أخص أصحابه وألزامه، وناب عنه بخلاط وأعمالها. وكان من أشد الناس مناصحة له وحفظا لبلاده، مع حسن السيرة والعدل في الرعية. ووقف في وجه جلال الدين بن خوارزم شاه مع عظمته وكثرة جنوده - كما ذكرنا - مدة طويله، ودفعه عن خلاط بعد أن كاد يملكها، ثم دخل بلاد أذربيجان واحتوى منها على بلاد ومعا قل: فاتفق في هذه السنة أن سير إليه الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك الأشرفى، وهو أكبر الأمراء عنده (٤)، فقبض عليه واعتقله ثم قتله. ولم يعلم أحد من الناس السبب [في قتله (٥)]؛

стр. 1532

فقيل إن السلطان الملك الكامل أمر أخاه الملك الأشرف بذلك لأشياء باطنة لم يطلع الناس عليها. وكان ﵀ حسن السيرة، كريما كثير البر والصدقات، عمر الخانات في طرق (١) السبيل من ذلك الخان الذى بين حران ونصيبين المعروف (٢) به؛ ومن ذلك الخان الذى بين حمص ودمشق المعروف بخان برج العطش، وكان هناك برج منهدم قديم ليس فيه ماء فلذلك سمى [١٥٠ ب] برج العطش. وكان أبدا مأوى قطاع الطريق فقلّ إن كان أحد يمر به منفردا فيسلم من الحرامية، فأصلح عمارة ذلك البرج، ووصله بخان كبير بناه بالحجر النحيت. وعمل عليه بابا كبيرا وحفر فيه جبا (٣) للماء، فصار منزلا للقوافل، وعاد الطريق به آمنا بعد أن كان مخوفا. ثم لم يمهل الله عز الدين أيبك، [على قتل الحاجب على] (٤) بل أخذه سريعا، فإن جلال الدين بن خوارزم شاه لما ملك خلاط - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى - قبض عليه مع غيره من أمراء الملك الأشرف. وكان للحاجب على مملوك هرب إلى جلال الدين، فلما قبض جلال الدين على عز الدين أيبك، مملوك الملك الأشرف، قال ذلك المملوك لجلال الدين: «هذا قتل أستاذى». وطلبه من جلال الدين، فسلمه إليه فقتله بأستاذه. وحكى أن الملك الأشرف

стр. 1533

رأى في منامه الحاجب عليا قد دخل عليه، وعند الملك الأشرف مملوكه عز الدين أيبك، فوضع الحاجب منديله في عنق أيبك وأخذه وخرج. وكان ذلك بعد أخذ جلال الدين لخلاط وقبضه على أيبك. فلما أصبح الملك الأشرف قال: «قد مات أيبك، رأيت في المنام كذا وكذا». [فبينما هو يحدث إذ جاء من أخبره أن عز الدين أيبك قد قتل (١)]. ذكر منازلة [عسكر (٢)] السلطان الملك الكامل [مدينة] (٣) حماه ولما سلم السلطان الملك الكامل لأخيه الملك الأشرف دمشق (٤)، تقدم إلى العساكر بالتوجه إلى حماة (٥)، فخرجوا إلى جهة القصير (٦) مبرزين، وضرب

стр. 1534

الدهليز السلطانى به. ثم رحل السلطان الملك الكامل من دمشق بعساكره المتوافرة، ووصل إلى مجمع المروج من أرض حمص، ثم رحل من مجمع المروج بمعظم عسكره إلى سلمية فنزل بها على قصد التوجه إلى الشرق للإشراف على بلاده التي تسلمها من الملك الأشرف. وتقدم [الكامل (١)] إلى الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور أن يرحل ببعض العسكر إلى حماة ليحاصرها، وبعث معه الملك المجاهد أسد الدين [شيركوه] (٢) صاحب حمص، والملك العزيز والملك الصالح إبنا الملك العادل. فنازل الملك المظفر بمن معه من العساكر حماة. وكان صاحبها [١٥١ ا] الملك الناصر قلج أرسلان قد استعد للحصار، وهيأ أسباب الامتناع، وجعل في قلعة حماة من الذخائر والعدد شيئا كبيرا. ولو امتنع بقلعتها لم يتمكن الملك الكامل من أخذها إلا بعد مطاولة (٣) كثيرة. ولو طلب عنها عوضا - وهو فيها - يرتضيه لأجيب إليه ولحلف الملك الكامل له عليه. وكان الملك الكامل قد تعلق طمعه بها، فلو سلمها الملك الناصر إليه على عوض يأخذه منه لأخذها لنفسه. وكان أرضى الملك المظفر ببعض بلادها، لكنه استعجل النزول إلى الملك الكامل، فلم يتحصل على غرض.

стр. 1535

ذكر إستيلاء الملك المظفر تقى الدين [ابو الفتح (١)] محمود بن الملك المنصور على حماة [وبلادها (٢)] ولما نازل العسكر حماة نصبوا عليها المجانيق (٣) من جهة الباب (٤) الغربى، فنزل (٥) الملك الناصر إلى البلد ومضى إلى سور باب (٦) الغربى، وصعد إليه (٧) ورأى من كثرة العساكر المحيطة به والمجانيق (٨) المنصوبة على البلد ما هاله، وتمكن الرعب في قلبه. ووقعت حجرة من حجارة المنجنيق فأصابت رجلا كان واقفا على السور قريبا من الملك الناصر فأذهبت (٩) قحف رأسه، وظهر دماغه من تحت القحف. وكان الملك الناصر عنده خوروجبن فارتاع لذلك، وأضمر في نفسه العزم على النزول إلى خاله السلطان الملك الكامل. وكان نزول العسكر على حماة في [أوائل (١٠)] شهر رمضان وفى [آخر (١١)] زمان البطيخ وشدة الحر. واستمر الحال والحصار إلى أول العشر الأخير (١٢) من الشهر، والسلطان الملك الكامل مقيم بسلمية من شماليها. وفى سلمية يومئذ نواب الملك المظفر [تقى الدين وقد بنى

стр. 1536

قلعتها التي هى داخل البلد (١)]، وكانت [سلمية (٢)] في يده من سنة عشرين وستمائة كما تقدم ذكره (٣). وفى العشر الأخير (٤) من شهر رمضان نزل الملك الناصر قلج أرسلان سحرا (٥) من قلعة حماة بعد أن أرسل إلى الملك المجاهد [أسد الدين (٦)] صاحب حمص يخبره أنه ينزل إليه ويمضى معه إلى خدمة السلطان الملك الكامل، فركب الملك المجاهد ووقف خارج البلد ينتظره. فلما نزل [إليه (٧)] الملك الناصر مضى معه إلى المعسكر الكاملى [١٥١ ب] بسلمية. [وحكى لى أن ساعة خروج الملك الناصر من القلعة كان المؤذن بمنارة جامع القلعة يقول في تسبيحه: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ، وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ، وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ، وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ﴾ (٨)» وهذا اتفاق عجيب (٩)]. ولما وصل الملك الناصر ودخل دهليز السلطان، ووقعت عينه عليه شتمه وانتهره (١٠)، وكان ممتلئا غيظا منه لأشياء بلغته عنه، وكان اعتماده على [خاله (١١)] الملك الأشرف أوجب له إهمال جانب [خاله (١٢)] الملك الكامل. ثم أمر السلطان

стр. 1537

باعتقاله فاعتقل. ثم بعث إليه يأمره أن يبعث إلى النواب بقلعة حماة علامة يعرفونها ليسلموا القلعة إلى نواب السلطان الملك الكامل، فأجاب إلى ذلك، وبعث العلامة إلى النواب يأمرهم بتسليم القلعة إلى نواب السلطان الملك الكامل. وكان بالقلعة (١) الطواشيان بشير وشجاع الدين مرشد المنصوريان. وسير السلطان من قبله لأجل تسلم القلعة الأمير مجد الدين أخا الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى الصلاحى وسابق الدين مثقال الجمدار الناصرى الصلاحى. وكان هذا مثقال الجمدار - قبل أن يصير إلى الملك الناصر - أحد خدام العاضد خليفة مصر، ثم صار للسلطان الملك الناصر صلاح الدين، وعمّر عمرا طويلا إلى آخر أيام الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، فأدرك أول الدولة الأيوبية بمصر وآخرها. ولما وصلت رسالة الملك الناصر إلى النواب بقلعة حماة وبها الطواشيان المذكوران، وجماعة من الخدام، والمماليك المنصورية، وجماعة من أولاد الملك المنصور، امتنعوا من ذلك، وأبوا أن يسلموا القلعة إلى الملك الكامل. وأركبوا الملك المعز (٢) بن الملك المنصور، شقيق الملك المظفر والملك الناصر، [أمهم جميعا ملكة خاتون بنت السلطان الملك العادل (٣)]، ونادوا في حماة (٤) بشعاره. وكان يومئذ صبيا صغيرا، وقالوا هذا بدل الملك الناصر والبلد له.

стр. 1538

ولما وصل مجد الدين ومثقال الجمدار فتحوا لهما باب القصر فدخلا المدينة ولم يمكنو هما من الصعود إلى القلعة [١٥٢ ا]، وأنزلوا إليهما الملك المعز فاجتمع بهما وقال لهما: «هذه القلعة لى ولأخوتى يقوم بملكها أحدنا، وأى واحد منا مات كان فينا من يقوم مقامه. وليس بيننا وبين من يقصدنا إلا السيف» ثم رجع إلى القلعة. ورجع مجد الدين ومثقال الجمدار، وصاحت العامة (١) عليهما، ورجموهما بالحجارة، فرجعا إلى السلطان وأخبراه بذلك. فحينئذ أرسل السلطان الملك الكامل إلى الملك المظفر تقى الدين محمود يأمره أن يتفق مع مماليك أبيه على تسليم القلعة إليه. وكان [الملك المظفر (٢)] نازلا بظاهر البلد مع العسكر محاصرا له، فراسلهم السلطان الملك المظفر في ذلك، فأجابوه إلى تسليم البلد والقلعة إليه. وأرسلوا إليه من يستحلفه لهم ويستحلفهم له (٣)، فخرج إليه جماعة من الأعيان أحدهم خال (٤) القاضى برهان الدين [اسماعيل (٥)] بن أبى الدم ﵀ وهو ابن عم القاضى شهاب الدين بن أبى الدم وكان يومئذ متولى القضاء بحماة. فاجتمعوا به بالجوسق الذى بناه الملك الناصر أخوه على العاصى شمالى تربة جدهما الملك المظفر تقى الدين عمر ﵀ واستحلفوه لمن في القلعة، واشترطوا عليه أن لا يدخل البلد إلا بجماعته خاصة، وأن لا يدخله

стр. 1539

أحد من عسكر الملك الكامل. فأجابهم (١) إلى ذلك، وواعدوه الوصول بجماعته إلى باب النصر ليلا ليفتحوه له. ولما كان وقت السحر من الليلة التي وقع الاتفاق عليها (٢)، ورد [الملك المظفر (٣)] بجماعته إلى باب النصر [ومعه من أصحابه الأمير سيف الدين ابن أبى على - وقد ذكرنا تقدمه عنده وعلو منزلته بعد مفارقته ابن عمه حسام الدين ومصير حسام الدين إلى الملك الصالح نجم الدين (٤) - وفى بعض أيام الحصار أصابت عينه نشابة فأذهبتها. وذكر لى أنه كان يقول للملك المظفر: «أشتهى أن أراك صاحب حماة وأكون بعين واحدة» فقضى له أن جرى الأمر على وفق ما نطق به لسانه. ولما ورد الملك المظفر بجماعته باب النصر فتح له (٥)] فدخله بجماعته، ثم أغلق الباب ومضى إلى دار أبيه المعروفة بوزيره خطير الدين [١٥٢ ب] الأكرم بن الدخماسى بالجانب من حماة المعروف بالسوق الأعلى (٦)، فنزلها. وأصبح أهل البلد قاصدين بابه، ومهنئين له. [وجاءه إخوته ومماليك والده، والعسكر الذين بالبلد، وسروا به غاية السرور، مستبشرين بولايته، ومصير ملك والده إليه (٧)]؛ فإن أهل حماه - كما قدمنا ذكره - كانوا قد حلفوا له

стр. 1540

بولاية عهد أبيه الملك المنصور سنة ست عشرة وستمائة (١). وجرى من تغلب أخيه على الملك ما جرى، وعاد الحق إلى نصابه، واستقر في أربابه، وفرحت الرعية بملكه؛ لما يعلمونه من شهامته وصرامته، ووفور عقله وكمال يقظته وفطنته. وكانوا خائفين من تغلب الملك الكامل على البلد، فأمنوا ذلك بدخول الملك المظفر إليه واستقراره به. وزال ما حذروه من زوال ملك البيت التقوى إلى غيره، فإن أهل هذا البلد جبلت قلوبهم على محبة هذا البيت الكريم، صغيرهم وكبيرهم لأنهم ربوا في صدقاتهم وإحسانهم، فالله تعالى يديم دولتهم [لهم] (٢) ليعيشوا في ظلها وكنفها. (٣) وكانت مدة ملك الملك الناصر قلج أرسلان بحماة وبلادها تسع سنين إلا نحو شهرين؛ فإن ابتداء ملكه كان في ذى القعدة سنة سبع عشرة وستمائة. وأقام الملك المظفر في دار الأكرم يومين، وصعد في اليوم الثالث إلى القلعة [المحروسة (٤)] وتسلمها. وجاء عيد الفطر من هذه السنة -[أعنى سنة ستة وعشرين وستمائة (٥)]- وهو مالك حماة وبلادها، وعمره يومئذ نحو سبع وعشرين سنة، لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمس مائة، ومولد أخيه الملك الناصر سنة ستمائة، بينهما سنة واحدة. ولما ملك [الملك المظفر (٦)] حماة [فوض الأمور كلها صغيرها وكبيرها إلى الأمير سيف الدين على بن أبى على؛

стр. 1541

فبقيت أمور الدولة كلها معدوقة (١) به. ثم] (٢) انتزع السلطان الملك الكامل سلمية منه وسلمها إلى الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص - حسب ما كان (٣) وقع عليه الاتفاق على غزة. وبقى في يد الملك المظفر حماة والمعرة وبعرين. [ثم إن الملك الكامل أطلق الملك الناصر بعد رحيله من سلمية، وكتب إلى الملك المظفر أن يسلم إلى أخيه الملك الناصر بعرين وأن يحمل إليه ما في قلعة حماة من المال، وكان مبلغه على ما ذكر [١٥٣ ا] أربع مائة ألف درهم، فأجاب إلى ذلك. وقدم الملك الناصر إلى بعرين فسلم إليه الملك المظفر قلعتها فتسلمها. وبعث يستدعى المال المأذون في تسليمه إليه. فسير إليه الملك المظفر بعضه، فامتنع الملك الناصر من قبض ما بعث به الملك المظفر إليه ورده. وقال: «لا أقنع إلا بجميع ما أمر لى السلطان الملك الكامل، ولا أنزل منه درهما واحدا». فأخذ الملك المظفر الذى كان بعث به إليه، وامتنع أن يرسل إليه شيئا من المال، وبقى مع الملك المظفر من البلاد المعرة وحماة فقط (٤)]. [وكان في خدمة الملك المظفر لما ملك حماة الشيخ شرف الدين عبد العزيز ابن محمد بن عبد المحسن بن منصور بن خلف الأنصارى الدمشقى. وكان أبوه زين الدين ينوب في القضاء بحماة عن القاضى ضياء الدين بن الشهرزورى لما

стр. 1542

ولى الحكم بحماة. وأقره الملك المنصور بعده مدة يسيرة، ثم ولى قضاء بعرين ومات بها. وكان الشيخ شرف الدين فاضلا متأدبا، جيد النظم والترسل، وخدم مدة طويلة الملك الأمجد مجد الدين صاحب بعلبك. ثم صحب الأمير حسام الدين بن أبى على - الذى قدمنا ذكره (١). ثم اتصل بابن عمه الأمير سيف الدين فأوصله إلى الملك المظفر فخدمه، وأقام عنده بحماة. ومدحه لما ولى الملك بحماة بقوله] (٢): تناهى إليك الملك واشتد كاهله ... وحل بك الراجى فحطت رواحله ألا هكذا فليمنع المجدّ مانع ... ألا هكذا فليبذل البذل باذله ترحلت عن مصر فامحل روضها ... ولما حللت الشام روّض ما حله وعزّت (٣) حماة في حمى أنت غابه ... بصولته يحمى كليب ووائله وقد طالما ذلت (٤) بتدبير أهوج ... يجنب مرجيه ويحرم سائله فأضحى (٥) عليها الشكر فرضا لفوزها (٦) ... بذى كرم فاضت عليها نوافله سبقت إلى ورد العلى كل سابق ... فما نال إلا فضل ما أنت نائله وعدلت بالعدل الزمان وزدتّه ... سناء، فاستوت أسحاره وأصائله إذا فاعل رام ارتفاعا بفعله ... ففعلك مرفوع لأنك فاعله

стр. 1543

وذى أمل أعطيته فوق سؤله ... فغاضت أمانيه وفاضت مناهله وغاو سبقت العذل بالسيف رادعا ... له، فاهتدى لما أصاب مقاتله أبرّ تقى الدين مجدا وسؤددا ... فتمت عطاياه وتمت فضائله وفاق على الأملاك معنى وصورة ... فراق محياه وراقت (١) شمائله هم القوم إن سيموا وعودا بآجل ... سماهم جواد يسبق الوعد عاجله وإن شغلتهم دمية (٢) أو مدامة ... بلهو فلا (٣) هزل عن الجد شاغله فما لبنى أيوب ملك مساجل ... ولا (٤) في بنى أيوب ملك يساجله فكم فضّ ضيق حين زادت هباته ... وضاق (٥) فضاء حين زادت جحافله مليك، لشمل المكرمات مجمّع ... فلا جمع إلا وهو بالبذل شامله وبحر طويل الباع منشرح الندى ... بسيط المعالى، وافر الفضل كامله يذل (٦) معاديه ويعتز جاره ... وترجى عطاياه وتخشى غوائله وتلقى حصينات الدروع غنيمة ... إذا ما التقى ماذيّها (٧) وعوامله دعاه إلى حب (٨) المواضى مضاؤه ... وهل يصحب الإنسان من لا يشاكله وعمّ اليتامى والأرامل برّة ... فكل الورى أيتامه وأرامله

стр. 1544

وقد كانت الدنيا تحاول كاملا ... فقد أدركت في عصره ما تحاوله بلغت بمدحى فيه أبعد غاية ... فبلغت من جدواه ما أنا آمله ومن جوده شكرى، ولم تثن روضة ... على المزن بل أثنى على المزن وابله تعدى نداه (١) الجم أقصى مآربى ... فأفضلت مما أمطرتنى فواضله وقر قرارى في جنان جنابه ... وقد قلقلت (٢) بابن الحسين قلاقله وصار قريضى مدح أشرف ضيغم ... فلم ابتذله في غزال أغازله ذكر رحيل السلطان الملك الكامل إلى الشرق والوصلة بين الملك المظفر وبينه ولما ملك الملك المظفر حماة رحل السلطان الملك الكامل إلى البلاد الشرقية التي أخذها من الملك الأشرف فنظر في مصالحها وولى عليها (٣). [واستدعى [١٥٤ ا] الملك المظفر فسافر من حماة إلى خدمته، فعقد له العقد في معسكره على إبنة السلطان غازية خاتون شقيقة الملك المسعود صاحب اليمن، وهى والدة مولانا السلطان الملك المنصور رحمه الله تعالى (٤)]. وكتب

стр. 1545

له التقليد بمملكة حماة وعاد إلى حماة مسرورا، وقد قضيت لبانته (١) باستقراره في مملكة والده، ووصلته بخاله وكان ذلك مما كانت أمانيه متعلقة به في الديار المصرية. وكان في صحبته رجل بمصر يقال له الزكى القوصى (٢)، وكان متأدبا، فأنشده ليلة بمصر بيتين من نظمه يذكر فيهما تمنى (٣) عود ملك أبيه إليه، وتزوجه (٤) بابنة خاله الملك الكامل وهما: متى أراك كما أهوى وأنت ومن ... تهوى كأنكما (٥) روحان في بدن هناك أنشد والأقدار مصغية ... هنيت بالملك والأحباب والوطن فقال [الملك المظفر (٦)]: «يا زكى، والله لئن كان ذلك لأعطينك ألف دينار». فلما ملك حماة، [وعيد العيد (٧)]، وعقد العقد ذكّره الزكى (٨) به، فأمر له بألف دينار فحملت إليه. ذكر رجوع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية ولما قرر السلطان الملك الكامل أمر الشرق رجع إلى الديار المصرية بعساكره، وكان قد وردت عليه كتب من أم ولده (٩) الملك العادل سيف الدين
следующие страницы →