← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

فبقيت أمور الدولة كلها معدوقة (١) به. ثم] (٢) انتزع السلطان الملك الكامل سلمية منه وسلمها إلى الملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص - حسب ما كان (٣) وقع عليه الاتفاق على غزة. وبقى في يد الملك المظفر حماة والمعرة وبعرين. [ثم إن الملك الكامل أطلق الملك الناصر بعد رحيله من سلمية، وكتب إلى الملك المظفر أن يسلم إلى أخيه الملك الناصر بعرين وأن يحمل إليه ما في قلعة حماة من المال، وكان مبلغه على ما ذكر [١٥٣ ا] أربع مائة ألف درهم، فأجاب إلى ذلك. وقدم الملك الناصر إلى بعرين فسلم إليه الملك المظفر قلعتها فتسلمها. وبعث يستدعى المال المأذون في تسليمه إليه. فسير إليه الملك المظفر بعضه، فامتنع الملك الناصر من قبض ما بعث به الملك المظفر إليه ورده. وقال: «لا أقنع إلا بجميع ما أمر لى السلطان الملك الكامل، ولا أنزل منه درهما واحدا». فأخذ الملك المظفر الذى كان بعث به إليه، وامتنع أن يرسل إليه شيئا من المال، وبقى مع الملك المظفر من البلاد المعرة وحماة فقط (٤)]. [وكان في خدمة الملك المظفر لما ملك حماة الشيخ شرف الدين عبد العزيز ابن محمد بن عبد المحسن بن منصور بن خلف الأنصارى الدمشقى. وكان أبوه زين الدين ينوب في القضاء بحماة عن القاضى ضياء الدين بن الشهرزورى لما

стр. 1542

ولى الحكم بحماة. وأقره الملك المنصور بعده مدة يسيرة، ثم ولى قضاء بعرين ومات بها. وكان الشيخ شرف الدين فاضلا متأدبا، جيد النظم والترسل، وخدم مدة طويلة الملك الأمجد مجد الدين صاحب بعلبك. ثم صحب الأمير حسام الدين بن أبى على - الذى قدمنا ذكره (١). ثم اتصل بابن عمه الأمير سيف الدين فأوصله إلى الملك المظفر فخدمه، وأقام عنده بحماة. ومدحه لما ولى الملك بحماة بقوله] (٢): تناهى إليك الملك واشتد كاهله ... وحل بك الراجى فحطت رواحله ألا هكذا فليمنع المجدّ مانع ... ألا هكذا فليبذل البذل باذله ترحلت عن مصر فامحل روضها ... ولما حللت الشام روّض ما حله وعزّت (٣) حماة في حمى أنت غابه ... بصولته يحمى كليب ووائله وقد طالما ذلت (٤) بتدبير أهوج ... يجنب مرجيه ويحرم سائله فأضحى (٥) عليها الشكر فرضا لفوزها (٦) ... بذى كرم فاضت عليها نوافله سبقت إلى ورد العلى كل سابق ... فما نال إلا فضل ما أنت نائله وعدلت بالعدل الزمان وزدتّه ... سناء، فاستوت أسحاره وأصائله إذا فاعل رام ارتفاعا بفعله ... ففعلك مرفوع لأنك فاعله

стр. 1543

وذى أمل أعطيته فوق سؤله ... فغاضت أمانيه وفاضت مناهله وغاو سبقت العذل بالسيف رادعا ... له، فاهتدى لما أصاب مقاتله أبرّ تقى الدين مجدا وسؤددا ... فتمت عطاياه وتمت فضائله وفاق على الأملاك معنى وصورة ... فراق محياه وراقت (١) شمائله هم القوم إن سيموا وعودا بآجل ... سماهم جواد يسبق الوعد عاجله وإن شغلتهم دمية (٢) أو مدامة ... بلهو فلا (٣) هزل عن الجد شاغله فما لبنى أيوب ملك مساجل ... ولا (٤) في بنى أيوب ملك يساجله فكم فضّ ضيق حين زادت هباته ... وضاق (٥) فضاء حين زادت جحافله مليك، لشمل المكرمات مجمّع ... فلا جمع إلا وهو بالبذل شامله وبحر طويل الباع منشرح الندى ... بسيط المعالى، وافر الفضل كامله يذل (٦) معاديه ويعتز جاره ... وترجى عطاياه وتخشى غوائله وتلقى حصينات الدروع غنيمة ... إذا ما التقى ماذيّها (٧) وعوامله دعاه إلى حب (٨) المواضى مضاؤه ... وهل يصحب الإنسان من لا يشاكله وعمّ اليتامى والأرامل برّة ... فكل الورى أيتامه وأرامله

стр. 1544

وقد كانت الدنيا تحاول كاملا ... فقد أدركت في عصره ما تحاوله بلغت بمدحى فيه أبعد غاية ... فبلغت من جدواه ما أنا آمله ومن جوده شكرى، ولم تثن روضة ... على المزن بل أثنى على المزن وابله تعدى نداه (١) الجم أقصى مآربى ... فأفضلت مما أمطرتنى فواضله وقر قرارى في جنان جنابه ... وقد قلقلت (٢) بابن الحسين قلاقله وصار قريضى مدح أشرف ضيغم ... فلم ابتذله في غزال أغازله ذكر رحيل السلطان الملك الكامل إلى الشرق والوصلة بين الملك المظفر وبينه ولما ملك الملك المظفر حماة رحل السلطان الملك الكامل إلى البلاد الشرقية التي أخذها من الملك الأشرف فنظر في مصالحها وولى عليها (٣). [واستدعى [١٥٤ ا] الملك المظفر فسافر من حماة إلى خدمته، فعقد له العقد في معسكره على إبنة السلطان غازية خاتون شقيقة الملك المسعود صاحب اليمن، وهى والدة مولانا السلطان الملك المنصور رحمه الله تعالى (٤)]. وكتب

стр. 1545

له التقليد بمملكة حماة وعاد إلى حماة مسرورا، وقد قضيت لبانته (١) باستقراره في مملكة والده، ووصلته بخاله وكان ذلك مما كانت أمانيه متعلقة به في الديار المصرية. وكان في صحبته رجل بمصر يقال له الزكى القوصى (٢)، وكان متأدبا، فأنشده ليلة بمصر بيتين من نظمه يذكر فيهما تمنى (٣) عود ملك أبيه إليه، وتزوجه (٤) بابنة خاله الملك الكامل وهما: متى أراك كما أهوى وأنت ومن ... تهوى كأنكما (٥) روحان في بدن هناك أنشد والأقدار مصغية ... هنيت بالملك والأحباب والوطن فقال [الملك المظفر (٦)]: «يا زكى، والله لئن كان ذلك لأعطينك ألف دينار». فلما ملك حماة، [وعيد العيد (٧)]، وعقد العقد ذكّره الزكى (٨) به، فأمر له بألف دينار فحملت إليه. ذكر رجوع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية ولما قرر السلطان الملك الكامل أمر الشرق رجع إلى الديار المصرية بعساكره، وكان قد وردت عليه كتب من أم ولده (٩) الملك العادل سيف الدين

стр. 1546

أبى بكر تشكو من ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب - نائب أبيه في الملك بالديار (١) المصرية وولى عهده - وتذكر عنه أنه قد عزم على التوثب على [أخذ (٢)] الملك [من والده الملك الكامل، وأنه قد اشترى (٣)] جماعة كثيرة من المماليك الترك، وأخذ جملة من أموال التجار عظيمة. وبذل جملا عظيمة (٤) من بيت المال: «وإن لم تدرك البلاد، وإلا غلب (٥) عليها، وأخرجنى وولدك الملك العادل من البلاد». ولما ورد عليه ذلك من أم الملك العادل أغضبه [وأحنقه (٦)] وأسرع الرجوع إلى الديار المصرية. ولما وصل أظهر التغير على [ولده (٧)] الملك الصالح، وقبض على جماعة من أصحابه واعتقلهم، وطالبهم بالأموال التي فرط فيها. وكان هذا هو السبب الذى صرف عزم الملك الكامل إلى تولية عهده لإبنه الملك العادل وإبعاد الملك الصالح إلى الشرق، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٨). [وعهد بالسلطنة بعده إلى ولده الملك العادل سيف الدين أبى بكر (٩)]، [١٥٤ ب] وكان عمر

стр. 1547

الملك العادل يومئذ إحدى عشرة (١) سنة؛ [فإن مولده - على ما ذكر لى - سنة خمس عشرة وستمائة، بعد موت جده، ولهذا سماه باسمه ولقبه بلقبه (٢)]. وكان الملك الكامل شديد الميل إليه وإلى والدته؛ [وهى كانت جارية للفقيه نصر، وأصله من حماة من بنى هلال. وبلغنى أنه كان أهدى للملك الكامل طعاما فاستطابه جدا. وسأله من صنع هذا الطعام، فأخبره أنه صنعته جارية له، فطلبها منه، فأهداها إليه فأولدها الملك العادل وعدة بنات؛ إحداهن فاطمة خاتون التي زوجها الملك العزيز بن الملك الظاهر صاحب حلب؛ ومنهن عاشورا خاتون التي زوجها لابن أخيه الملك الناصر بن الملك المعظم، ولم يدخل بها على ما سنذكره؛ ومنهن التي تزوجها الملك السعيد عبد الملك ابن الملك الصالح عماد الدين اسماعيل بن الملك العادل، وأولدها الملك الكامل ناصر الدين محمدا وهو الآن حى (٣)]. وفى أواخر هذه السنة - أعنى سنة ست وعشرين وستمائة - قصدت الفرنج حصن بعرين وصاحبها الملك الناصر قلج أرسلان - كما ذكرنا - فنهبوا بلده وأعماله، وسبوا، ومن جملة من ظفروا به طائفة من التركمان كانوا نازلين في ولاية بعرين، فلم يسلم منهم إلا النادر والشارد (٤).

стр. 1548

ذكر محاصرة عسكر السلطان الملك الأشرف بعلبك [وفى هذه السنة نازل عسكر دمشق بعلبك ومقدمهم الملك الصالح اسماعيل ابن الملك العادل. وكنا قد ذكرنا أن الاتفاق وقع والسلطان الملك الكامل نازل بتل العجول على تسليم بعلبك إلى الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك (١) العادل. فلما تسلم الملك الأشرف دمشق، والملك المظفر حماة، امتنع الملك الأشرف من أن تكون بعلبك لأخيه الملك العزيز، وطلب استضافتها إلى ملك دمشق. ولم يمكن الملك الكامل مشاققته في ذلك، فحاصرها عسكر دمشق وضايقوها، ونصبوا عليها المجانيق إلى أن خرجت هذه السنة (٢)]. ذكر محاصرة السلطان جلال الدين بن [١٥٥ ا] خوارزم شاه خلاط ومنازلته لها وهى المنازلة الثانية كنا ذكرنا ما جرى من الاتفاق بين الملك المعظم صاحب دمشق، وجلال الدين بن خوارزم شاه، [وإنفاذ الملك الناصر - بعد موت أبيه واتفاق عميه عليه - الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى ينتصر به عليهما، ويحثه على قصد خلاط، لينفرج عنه الخناق (٣)]. فقصد جلال الدين خلاط بعساكره

стр. 1549

وبها عز الدين أيبك الأشرفى مملوك الملك الأشرف، وهو الذى كان سيره [الملك الأشرف (١)] للقبض على الحاجب علىّ وقتله. وكان بها أيضا الملك المعز مجير الدين يعقوب بن الملك العادل، وهو شقيق الملك المظفر شهاب الدين غازى [صاحب ميافارقين. فنازل جلال الدين خلاط وحاصرها (٢)]. ولم يزل الحصار مستمرا على خلاط [إلى أن خرجت هذه السنة، وهى سنة ست وعشرين وستمائة (٣)].

стр. 1550

ودخلت سنة سبع وعشرين وستمائة والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، وأخوه الملك الأشرف مقيم بدمشق مالك لها ولبلادها [إلى العقبة (١)]، وعسكره محاصر (٢) لبعلبك [وفيها الملك الأمجد بهرام شاه (٣)]؛ وبحماة الملك المظفر وله معها المعرة (٤)؛ وأخوه الملك الناصر [قلج أرسلان (٥)] بقلعة بعرين؛ والملك المجاهد بحمص وقد زيد عليها سلمية (٦). ولما كان الملك الكامل نازلا بها كان معسكره بالقرب من تل عال يقال له شميميش (٧). فقال الملك الكامل: «لو بنى فوق هذا التل قلعة، كانت تكون في غاية الحصانة». فاستأذنه الملك المجاهد أن يبنى لنفسه فوقها قلعة فأذن له فيه (٨).

стр. 1551

فشرع في هذه السنة في عمارة قلعة فوق التل. وبلغ ذلك الملك المظفر صاحب حماة فشق ذلك عليه، وجمع جمعا وأراد المنع منه، وتخريب ما بناه صاحب حمص. ثم لم يتأت ذلك له لعلمه أن الملك الكامل لا يمكنه من معارضة صاحب حمص في ذلك فأعرض عنه. وأتم الملك المجاهد القلعة (١)، وجاءت في غاية الحصانة [والعلو] (٢)، وسماها ماردين الشام، ومنع من تسميتها بغير هذا الاسم، ولزمها الأسم الأول. وخرب القلعة التي هى داخل السور التي كان جددها حسام الدين ابن أبى على للملك المظفر بسلمية (٣). [١٥٥ ب] ذكر مولد (٤) الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز صاحب حلب وفى هذه السنة ولد الملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن الملك العزيز صاحب حلب. وكان ولد له في هذه السنة ولدان آخران: أحدهما الملك الظاهر غازى، وهو أول مولود ولد له، وليس هو الملك الظاهر شقيق الملك الناصر فإن ذلك أصغر من الملك الناصر. وزين لهذا المولود الأول البلد، وعقدت القباب، ولبس العسكر في أتم زينة وهيئة، وعمل زورق من القلعة إلى المدينة، وانقطعت بكرة برجل منهم، فوقع في سفح القلعة فمات، وبطل [الملك العزيز (٥)] الزورق؛ وثانيهما [ولد أسماه] (٦) الملك العادل.

стр. 1552

ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك ولما طالت مدة الحصار على بعلبك، وكانت قريبا من عشرة أشهر واشتدت مضايقة العسكر الدمشقى لها، أذعن صاحبها الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه بن شاهان شاه (١) بن أيوب إلى تسليم بعلبك وأعمالها إلى ابن عمه الملك الأشرف، وأقطعه الملك الأشرف (٢) قصير دمشق الذى تنزل فيه القوافل والزّبدانى (٣) ومواضع أخر، وتوجه الملك الأمجد إلى دمشق ونزل بداره التي عند باب النصر المعروفة اليوم بدار السعادة التي ينزلها نواب السلطنة. ذكر مقتل الملك الأمجد صاحب بعلبك وفى هذه السنة قتل الملك الأمجد ﵀ بداره بدمشق. وحديث مقتله أنه كان له مملوك من أخص مماليكه ففقد الملك الأمجد (٤) له دواة محلاة، واتهمه بها وألزمه إحضارها، فلم يعترف بها. وأمر باعتقاله في مرقد بإيوان الدار التي هو نازل بها. وجلس الملك الأمجد على باب ذلك المرقد يلعب بالنرد مع [بعض (٥)] أصحابه، فخرج ذلك المملوك وبيده سيف مسلول فضرب به أستاذه الملك الأمجد ضربا مثخنا. ثم طلع المملوك [١٥٦ ا] إلى سطح الدار،

стр. 1553

ورمى بنفسه من قاعتها فمات لوقته (١). وعاش الملك الأمجد ﵀ إلى الليل ثم توفى ودفن في مدرسة والده التي على الشرق بظاهر دمشق. فكانت مدة ملكه لبعلبك نحو تسع وأربعين سنة لأنه ملّكه إياها (٢) عم أبيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب لما مات أبوه عز الدين فرخشاه [بن شاهنشاه بن أيوب (٣)] سنة ثمان وسبعين وخمس مائة. واستمر مالكا لها إلى أن انتزعت منه هذه السنة - أعنى سنة سبع وعشرين وستمائة، فذلك خمسون سنة إلا سنة. [وكان بين أخذ بعلبك منه وبين مقتله مدة يسيرة مقدارها خمسة أشهر (٤)]. ذكر سيرته ﵀ كان [الملك الأمجد (٥)] ملكا جليلا، فاضلا متأدبا، يحب العلماء والفضلاء والشعراء وأهل الأدب، ويجيزهم بالجوائز الكثيرة. وكان يقول الشعر الجيد البديع الذى يضاهى به شعر شعراء عصره المجيدين. [وله ديوان شعر مشهور، ويعنى بشىء من شعره] (٦). ولم يكن في بنى أيوب أشعر منه (٧)، وبعده الملك الناصر

стр. 1554

[داود (١)] بن الملك المعظم. [وكان فيهم من يقول الشعردون ذلك؛ منهم الملك المظفر تقى الدين عمر، وتاج الملوك بورى بن أيوب وله ديوان مشهور، والملك المنصور بن الملك المظفر صاحب حماة وله أيضا ديوان، وقد ذكرنا شيئا من شعرهم (٢)]. ومن المختار (٣) من شعر الملك الأمجد ﵀ قوله: حىّ عنى الحمى، وحى المصلى ... وزمانا بالرقمتين تولى كان أغلى الأوقات في النفس قدرا ... فتلاشى زمانه واضمحلا ثم لما نوى الفريق فراقا ... نهل الحى من دموعى وعلاّ مربع الوجد فيه أرسلت دمعى ... بعد بعد الأحباب وبلا وكلاّ منزل (٤) لم تبق فيه العوادى ... ودموعى والدهر إلا الأقلا لست أسلو ما كان فيه من العي ... ـش وحاشى المحبّ أن يتسلى ما استحق الفراق نجد فتسلو ... ـه ولا استأهل الحمى أن يملا أيها الظاعنون هذى دموعى ... بعدكم في الرسوم تسقى المحلا قد وقفنا بها (٥) فكل خليل ... بعزالى دمعه (٦) ما أحلاّ

стр. 1555

وتذكرت من سنا الوصل نورا ... زال عنى في الحال حين تجلى فهو مثل الشباب ما زار إلا (١) ... قيل سارت أظعانه واستقلاّ أيها الهاجرون قد كان صبرى ... صارما (٢) قبل هجركم لم (٣) يفلاّ أتراكم ترضون بالهجر حقا ... للمحبّ (٤) المشوق، حاشى وكلا؟ أم تقيلونه العثار امتنانا ... منكم في الغرام إن كان زلا إن تراخى عن الغرام أناس ... وتخلوا عنه فما نتخلا كيف أنسى أيام وصل تقضّت ... بكم والزمان منها محلا هل إلى ذلك الزمان سبيل ... وضلال أن يقتضى الشوق «هلاّ» إن تقينى فإن حزنى مقيم ... صار إلبا علي مذ صار كلا (٥) أين طي الأراك طابا جميعا ... بين روض العقيق طيبا وظلا لى إليه تطلع وحنين (٦) ... حيثما سار في البلاد وحلا بان عنى وكنت وهو قريب ... ذا سرور به وقدحى المعلا فاسألاه عن هجر مثلى اعتداء ... بعد ذاك (٧) الوصال كيف استحلا يا فؤادى، وكيف أدعو فؤادا ... يوم بين الخليط هام وضلا لست أرضى له الدناءة خدنا ... فعلام ارتضى لى الوجد (٨) خلا

стр. 1556

وبريق قد بات يلمع وهنا ... كالحسام الصقيل - في الروع - سلاّ بت والبرق لا أمل دموعى ... عند إيماضه، ولا البرق ملا مستهاما (١) ألقى الغرام بجسم ... منذ أبلاه هجركم ما أبلا ذا غليل من حرقة البين والهج ... ـر بغير اقترابكم لن (٢) يبلا أيها الناظمون هذا قريضى ... دق في صنعة القريض وجلا يتمشى على السماك افتخارا ... ثم يضحى منه عليكم مطلا وبغيض إلى من ليس يدرى ... صنعة الشعر أن يكون مذلا بقريض إذا كسى الشعر عزّا ... قائليه (٣)، كساه هونا وذلك ما يسمى في حلبة الشعر يوما ... سابقا لا، ولا استخف (٤) فضلا (٥) ومن شعره المختار قوله: حالى غدا عاطلا من وصلك الحالى ... فكم أغالط عن ذا الهجر آمالى كتمته فوشت بى وهى جاهلة ... مدامع أرخصت من سرّى الغالى يا جيرة الحىّ اشمتم بهجركم ... قبل التفرق لوامى وعذالى أبكى على مربع من بعد بينكم ... عاف، وجسم على أطلالكم بال بأدمع لم يزل في الوجد صيّبها ... وقفا على جيرة تنأى وأطلال وزّعته بين هجر أو أليم نوى ... ما بين ساكب تهماع وتهمال في أربع حكمت أيدى النوى عبثا ... فيها، بما لا جرى منى على بال

стр. 1557

باهل يردّ زمانا بان مذهبه ... بكاى في رسم دار غير مخلال وقفت فيها فلم ألمح وقد درست ... سوى رسوم كبرد الصبر أسمال يا منحنى الجزع لى قلب يطالبنى ... بما تقضّى لنا في عصرك الخال من حسن ألفة أحباب ومجتمع ... وطيب أوقات أعصار وآصال تلك المنازل أبكتنا حمائمها ... وقد تغنين فوق الطلح والضال أجرين بالنوح دمعى في ملاعبها ... فنحن ما بين تغريد وإعوال منازل درستها الريح سافية ... والقطر ما بين منهلّ ومنهال يا ريم رامة قد أمسيت تسلمنى ... إلى الممضّين: نسيانى وإغفالى قلبى وجسمى هماما قد عرفتهما ... في النائبات لأوجاع وأوجال لا تبعدّن بكم في الحب من نغص ... ومن ملام، ومن قيل، ومن قال ومنها يا طالب الشعر تعييه مذاهبه ... فتنثنى منه في ضيق وإشكال خذها، فكم من فنون في طرائفها ... فيها ومن حكم تسرى وأمثال ومن شعره: هل بعد ذا كلف بكم وغرام ... جسد يذوب وعبرة وسقام وحمامة تدعو الهديل وطالما ... جلب الحنين حمامة وحمام هتفت، وكم شاقتك فوق غصونها ... ورق تجاوب والعيون نيام فسهرت من دون الرفاق لنوحها ... ولبارق بالرقمتين يشام أمسى يلوح ولى فؤاد خافق ... بوميضه، دون القلوب يضام

стр. 1558

رحل الأحبة عن زرود (١) وخلفوا ... مضنى تكنفه أسى وهيام ومتى خلا ربع الهوى من أهله ... فكرى الجفون على الجفون حرام من مبلغ خبرا بنا بطويلع (٢) ... أنّى سهرت من الغرم وناموا قوم إذا ذكروا طربت صبابة ... فكّأنما دارت علىّ مدام بانوا، وقد كانوا علىّ أعزة ... وهم وإن بانوا علىّ كرام أهوى رجوع الراحلين وطالما ... كذبت أمانىّ، وعزّ مرام ومن شعره في الخال: يا أيها البدر الذى ريقه ... خمر له فيه جريال خدك أضحى كالشقيق الذى ... له على وجنته خال ومن شعره فيه أيضا: وبدر تمّ يحاكى ريق مبسمه ... [خمرا (٣)] سقيت بها من فيه جريالا لو لم يكن خدّه مثل الشقيق لما ... كان السواد الذى تحتلّه خالا ومن شعره: قد أورثت خاطر المشتاق نوم نأت ... سعاد عن أثلات المنحنى ولها لا تحسب الصب مذ زمّت أيانقها ... إلى العقيق تناسى عهدها ولها قلبى وإن كنت لا أفك أعتبه ... قد صار طوعا وكرها ملكها ولها

стр. 1559

لو شاء قصّر من أيام كاظمة (١) ... بالوصل من كان بالهجران طولها فليت آخر أيام الحمى بهم ... كانت على غرّة الواشين أولها ومن شعره: ومصفر أوراق الغصون وخضرها ... لعينيك في فصل الخريف تروق فذا ذهب فيها وذاك زبرجد ... جلته لكاسات المدام بروق بروق رحيق في الزجاجات لمع ... لدى الشرب لا يخشى لهن حريق معتقة من بات يعمل كاسها ... فذاك من الهمّ الطويل عتيق ومن شعره جوابا لكتاب ورد إليه: كتابك كالروض الذى فاح نشره ... وفاضت به الغدران وابتسم الزّهر ففى كل سمع منه شنف مرصعّ ... وفى كل قطر من تأرّجه عطر فلله ما تحوى السطور التي به ... كأن رياض الحزن ما قد حوى السطر (٢) ومدح الملك الأمجد جماعة من الشعراء ممن وفد إليه وقصده، ومنهم من لازمه وأقام عنده، وممن مدحه من الوافدين (٣) شرف الدين بن عنين، ومدح شعره [وأثنى عليه] (٤) بقصيدة مطلعها: عجبت للطيف يالمياء حين سرى (٥) ... نحوى وما جال في عينى لذيذ كرى

стр. 1560

وكيف ترقد عين طول ليلتها ... تدافع المقلتين (١) الدمع والسهرا [ومنها في المخلص إلى المدح (٢)]: وليلة مثل موج البحر بتّ بها (٣) ... أكابد المزعجين: الخوف والخطرا حتى وقفت (٤) بآمالى على (٥) ملك ... لو رام ماضى أمس كان قد قدرا (٦) فأصبح الدهر مما كان أسلفه ... إلىّ في سالف الأيام معتذرا يذود (٧) عنى الرزايا حين أبصرنى ... بعزة الأمجد السلطان منتصرا أعز ما نزعت عنه تمائمه ... حتى تردّى رداء الملك واتّزرا (٨) من آل أيوب أغنتنا عوارفه ... في كالح الجدب أن نستنزل المطرا ثبت الجنان له حلم يوقره ... إن خامر الطيش ركنى يذبل وحرا (٩) ومنها في وصف شعر الملك الأمجد ﵀: لما تخيرنى أروى قصائده ... مضيت قدما وخلّفت الرواة ورا فاعجب لبحر غدا في رأس شاهقة ... من العواصم طام يقذف الدررا

стр. 1561

شعر سمت باسمه (١) الشعرى لشركتها ... فيه فباتت تباهى (٢) الشمس والقمرا سحر ولكنّ هاروتا وصاحبه ... ماروت ما نهيا فيه ولا أمرا كم قمت في مجلس السادات أنشده ... فلم يكن لحسود في علاه مرا عجبت من معشر كيف ادّعو اسفها ... من بعد ما سمعوه أنهم شعرا أنا الذى سار في الدنيا له مثل ... أهديت من سفه (٣) تمرا إلى هجرا (٤) والشعر صيد فهذا جل طاقته ... حرش الضباب وهذا يقتل البقرا (٥) وليس مستنزل الأوعال من يفع ... كمن أتى نفق اليربوع فاحتفرا وإن من شارف التسعين (٦) في شغل ... عن القوافى جدير أن يقول هرا وممن لازم خدمة الملك الأمجد من الفضلاء وأقام عنده زمانا الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، وله فيه قصائد حسان مذكورة في ديوانه، وهى مشهورة. ووفد إليه [أيضا (٧)] ولازمه مدة الشيخ مهذب الدين أبو سعد النحوى الضرير، وكان فاضلا في العربية وله فيها تصانيف مشهورة.

стр. 1562

ذكر إستيلاء جلال الدين [بن علاء الدين] (١) خوارزم شاه على خلاط (٢) قد ذكرنا منازلة جلال الدين خلاط في السنة الماضية (٣). ولم يزل مجدا في حصارها وقاتله أهل البلد قتالا كثيرا [لما يعلمون من سوء سيرته (٤)]. وأسرفوا في شتمه على الأسوار وسبه والوقيعة فيه. وأخذه اللجاج في قتالهم، ودخل الشتاء ووقع الثلج فلم يرحل عنهم. وأقام جميع الشتاء محاصرا لهم ومضايقا. وفرق كثيرا من عساكره في البلاد والقرى القريبة من شدة البرد وكثرة الثلج، فإن خلاط من أشد البلاد بردا، وأكثرها ثلجا. وأبان جلال الدين عن عزم قوى، وصبر شديد تتحير العقول فيه (٥)، ونصب عليها عدة مجانيق، وواتر رمى الحجارة عليها (٦) حتى خرب بعض أسوارها. وكان أهل البلد كلما خرب شيئا من السور أعادوه. ولم يزل مصابرهم ومضايقهم إلى أواخر جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة

стр. 1563

سبع وعشرين وستمائة (١) -[١٥٩ ا] فزحف يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الأولى، ففتح له باب المدينة أمير من الأمراء كان موكلا به. فدخل جلال الدين البلد بعسكره، ووضع السيف في أهله، وفعل في ذلك فعل التتر؛ فقتل كل من وجد في البلد، وكانوا قد قلوا، فبعضهم كان فارق خوفا بعد الحصار الأول، وبعضهم مات في البلد جوعا (٢)، وبعضهم صعد إلى القلعة مع من صعد إليها من الأمراء والأجناد. وكانت الأقوات قد قلت بل عدمت بخلاط، حتى أكل أهلها البغال والحمير والكلاب والسنانير (٣). وكانوا يصطادون الفار ويأكلونه، وصبروا صبرا لم يصبرها محاصر (٤) خوفا من جلال الدين وما يعرفونه [منه من إقدامه على (٥)] سفك الدماء. ولما فتحت سبى عسكره بها الحريم، وباعوا الأولاد كما يفعل بالكفرة، ونهبت الأموال، وجرى منه نظير ما جرى من التتر. فلا جرم أن الله سبحانه (٦) عاقبه ببغيه ولم يمهله، وقلع شأفته [بكسر السلطان الملك الأشرف له أولا،

стр. 1564

وكبس التتر لعسكره ثانيا، وهلاكه ودماره ببلد ميافارقين ثالثا، على ما سنذكره ذلك كله في موضعه إن شاء الله تعالى (١)]. ومع هذا فكان في هلاكه وتدميره بوار الإسلام (٢) بيد التتر؛ فإنه كان - بعد موت والده [علاء الدين خوارزم شاه (٣)] وما جرى من التتر في إخراب (٤) البلاد وقتل أهلها، وهرب جلال الدين إلى الهند - قد عاد كما ذكرنا وقوى أمره واستفحل، وملك كرمان وعراق العجم وأذربيجان وأران. وصارت معه عساكر عظيمة. فلو أحسن السيرة وعدل، ولم يسفك الدماء، [وصالح سلطان الروم علاء الدين والملك الأشرف وغيرهما من المجاورين والخليفة، واعتضد بالجميع، لكان مع تقدير الله تعالى (٥)]، قاوم (٦) التتر، وكان هو وعساكره سدا بيننا وبينهم لكنه أساء (٧) السيرة، وظلم وعادى (٨) مجاوريه من الملوك، وعاملهم بالغدر والبغى (٩)، [وشره إلى ما في أيديهم (١٠)] فأدى ذلك إلى هلاكه وهلاك عساكره (١١) واستيلاء التتر على البلاد (١٢). وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. ولما ملك

стр. 1565

جلال الدين مدينة خلاط نازل قلعة خلاط ثم طلبوا منه الأمان فأمنهم وتسلم القلعة (١). وقبض على الملك المعز مجير الدين يعقوب بن [السلطان (٢)] الملك العادل [١٥٩ ب] ثم أطلقه بعد ذلك ومضى إلى أخيه الملك الأشرف. وقبض أيضا على [الأمير (٣)] عز الدين أيبك [نائب الملك الأشرف ثم (٤)] قتله (٥). [وكانت زوجته بخلاط - كما تقدم ذكرها - فماتت في الحصار فطلبها فقيل له إنها قد توفيت، وكان ذلك سعادة لها لأنها عملت في حقه ما قد تقدم ذكره (٦)]. [ذكر كسرة السلطان جلال الدين منكبرتى ابن علاء الدين (٧)] بن خوارزم شاه (٨) كنا قد ذكرنا أن مظفر الدين بن زين الدين كان موافقا في الباطن لجلال الدين مع الملك المعظم صاحب دمشق. ولما مات الملك المعظم استمر مظفر الدين على موافقة جلال الدين وكذلك أيضا كان الملك المسعود

стр. 1566

ابن الملك الصالح الأرتقى صاحب آمد موافقا له. وكان صاحب أرزن الروم - وهو ابن عم السلطان علاء الدين كيقباذ [بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقى (١)] صاحب [بلاد] (٢) الروم - معاديا لابن عمه علاء الدين، فانتمى إلى جلال الدين ودخل في طاعته، وحضر معه حصار خلاط وفتحها. فخاف علاء الدين من جلال الدين أن يقصد بلاد الروم ويأخذها منه، ويملك بعضها لابن عمه، فاستنجد علاء الدين بالسلطان الملك الكامل والملك الأشرف على جلال الدين. فجمع الملك الأشرف عساكر الشام والجزيرة وسار بنفسه إلى سيواس، واجتمع بالسلطان علاء الدين كيقباذ وسارا معا إلى خلاط، ولم يكن جلال الدين استولى على شىء من معاقلها. وكان مع الملك الأشرف خمسة آلاف فارس (٣) بعضهم عسكر دمشق وعسكر الجزيرة، وبعضهم عسكر حمص ومقدمهم الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه نجدة للملك الأشرف وبعضهم من عسكر الملك المظفر صاحب حماة، وبعضهم من عسكر حلب ومقدمهم الأمير عز الدين بن مجلى. وكان مع السلطان علاء الدين سلطان الروم نحو عشرين ألفا إلا أنهم لم يكونوا في قوة العسكر الذين مع الملك الأشرف؛ فإنهم كانوا في غاية التجمل بالسلاح الكثير والدواب الفارهة والأبهة العظيمة، وكانوا نقاوة العسكر الشامى والجزرى وجياده.

стр. 1567

ولما سمع السلطان جلال الدين باجتماع العساكر مع الملك الأشرف وعلاء الدين، وتصميم العزم على لقائه، وضرب المصاف معه سار مجدا ليلقاهم فوصل إليهم ولقيهم بناحية أرزنكان (١). واصطفت العساكر للقتال. فلما رأى جلال الدين [١٦٠ ا] قوة العسكر الذين مع الملك الأشرف وتجملهم وفراهة دوابهم وحسن سلاحهم وقوتهم بهت وملىء منهم رعبا. ثم وقع القتال بينهم، فلم يلبث (٢) جلال الدين أن ولى منهزما لا يلوى على شىء، وتفرقت عساكره وتمزقت، وهلك منهم خلق كثير قتلا وترديا من رءوس الجبال التي كانت في طريقهم. وصادفوا شقيقا (٣) فوقع فيه أكثر الخوارزمية فهلكوا. واسترجع الملك الأشرف خلاط وقد صارت خرابا يبابا (٤). ودخل جلال الدين بلاد أذربيجان وقد قل جمعه وضعف ركنه، وبلغ التتر ذلك فقصدوه. وكان من بواره وهلاكه بوار الإسلام بتلك البلاد وغيرها، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكانت هذه الكسرة في اليوم التاسع

стр. 1568

والعشرين من شهر رمضان من هذه السنة أعنى سنة سبع وعشرين وستمائة. وكان مما ساعد على وقوع هذه الكسرة هبوب رياح عاصفة في وجوه عساكره. ذكر إستيلاء علاء الدين [كيقباذ بن كيخسرو السلجوقى (١)] سلطان الروم على أرزن الروم ولما جرى ما ذكرنا (٢) من هزيمة جلال الدين بن [علاء الدين (٣)] خوارزم شاه، وكان معه صاحب أرزن الروم في المصاف، فأخذ أسيرا وأتى به [إلى (٤)] ابن عمه علاء الدين [كيقباذ (٥)] فقبض عليه وأتى به (٦) إلى أرزن الروم فتسلمها [منه (٧)] وجميع (٨) معاقلها وبلادها، [واعتقل ابن عمه إلى أن مات في اعتقاله (٩)]. ذكر وقوع الصلح بين الملك الأشرف وعلاء الدين [كيقباذ (١٠)] وبين جلال الدين [بن علاء الدين خوارزم شاه (١١)] ولما رجع جلال الدين إلى بلاد أذربيجان نزل مدينة خوى، وترددت الرسل بينه وبين الملك الأشرف وعلاء الدين سلطان الروم في معنى الصلح.

стр. 1569

وآخر الأمر أنه وقع الاتفاق بينهم على أن يقتصر كل واحد منهم على ما بيده من البلاد، واستقرت القواعد (١) على ذلك وجرت الأيمان المؤكدة بينهم. ولما تم ذلك سار الملك الأشرف إلى سنجار فنظر في مصالحها ثم توجه إلى دمشق فأقام بها. ذكر إستيلاء الملك المظفر شهاب الدين غازى [بن الملك العادل (٢)] على [مدينة (٣)] أرزن من ديار بكر [١٦٠ ب] كان حسام الدين صاحب أرزن من ديار بكر من بيت قديم [عريق في الملك (٤)] يقال لهم بيت طغان أرسلان، كان لهم مع أرزن بدليس (٥) وغيرها، ويقال لهم بيت الأحدب. [وأرزن (٦)] لم تزل بأيديهم من أيام السلطان ملكشاه ابن ألب أرسلان السلجوقى. وكان بكتمر صاحب خلاط قد أخذ بدليس من عم حسام الدين هذا، لموافقته للسلطان (٧) الملك الناصر صلاح الدين يوسف

стр. 1570

ابن أيوب. ولم يزل حسام الدين مصاحبا للملك الأشرف ومساعدا (١) له في جميع حروبه، ينفق أمواله في طاعته، ويبذل عساكره وأمواله في مساعدته. ومن جملة موافقته له أنه كان في خلاط - لما حاصرها جلال الدين - ولقى من الشدة والخوف ما لقيه من كان بها. ولما فتحت خلاط أسره جلال الدين فيمن أسر، وأراد أخذ مدينته أرزن منه. فقيل [لجلال الدين (٢)] إنه من بيت قديم عريق في الملك، وأن أرزن وصلت إليه من أسلافه مع غيرها من البلاد، فخرج الجميع من أيديهم، فتعطف عليه [جلال الدين (٣)] ورق له وأبقى عليه مدينته، وأخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يقاتله، فعاد إلى بلده وأقام به. فلما جاء الملك الأشرف وعلاء الدين [صاحب الروم (٤)] لمحاربة جلال الدين لم يحضر معهم الحرب وفاء لجلال الدين. ولما انهزم جلال الدين سار إليه (٥) الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل صاحب ميافارقين، فحصره بأرزن وملكها [صلحا (٦)]، وعوضه عنها بمدينة حانى من ديار بكر. وكان هذا حسام الدين حسن السيرة، كريما جوادا، لا يخلو بابه من جماعة يردون إليه، ولكل أمر آخر، فسبحان من لا يزول ملكه.

стр. 1571

ذكر انتصار الملك المظفر صاحب حماة على الفرنج بظاهر حماة وفى رمضان من هذه السنة (١) - أعنى سنة سبع وعشرين وستمائة - قصدت الفرنج من حصن الأكراد وغيرها حماة في جمع كثير من خيالة ورجالة فخرج إليهم الملك المظفر تقى الدين محمود [بن الملك المنصور ﵀] (٢) صاحب حماة كالأسد الخادر والليث الباسل في عسكر حماة. ووصل الفرنج إلى أفنون (٣) - وهى ما بين حماة وبعرين - فقاتلهم وحمل [١٦١ ا] عليهم حملة بعد حملة، فلم يثبتوا له، وولوا منهزمين (٤). وقتل من خيالتهم (٥) ورجالتهم [خلق كثير، وأسر جماعة، واسترد ما غنموه (٦)]، ودخل حماة مظفرا منصورا. وامتدحه الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصارى (٧) بقصيدة مطلعها: أبشر بما شئت من نصر وتأييد ... فعنك يروى حديث البأس والجود وأنت ليث وغى تدمى مخالبه ... في نحر كل طويل الباع صنديد

стр. 1572

وأنت غيث ندى تجرى عوائده ... بجوده قبل جرى الماء في العود فرّقت بين المعالى والثراء كما ... جمعت في العدل بين الشاء (١) والسيد (٢) يذم بعض الورى بعضا وقولهم ... ما في البرية محمود كمحمود ملك إذا أغرق الأملاك في قنص ... فصيده غلب آل الأصفر الصيد وإن سبتهم ذوات الحسن مال به ... قطع الطلى عن وصال الخرّد الغيد (٣) وإن تلاهوا بشرب الراح قال لهم ... دماء بنى الحرب لا بنت العناقيد وإن هفت بهم الألحان أطربه ... وقع الصوارم إطراب الأغاريد لو (٤) نال ملك على مقدار همته ... لنلت (٥) ملك سليمان بن داود كم عزمة لك لا تنفك عن ظفر ... فالجدّ منك لجد منك مسعود وكم سطى (٦) أعربت عنها العروبة من ... فحول أبطالك الغر المناجيد كانوا الجلاميد في بأس وفى جلد ... فوق الجلاميد ترمى بالجلاميد (٧) كتائب حكمت في كل مملكة ... حتى لقد خلتها كتبا بتقليد فكم جبان غذته بأس ذى لبد ... وكم شجاع كسته ثوب رعديد أما الفرنج فقد أخمدت نارهم ... ولم تزل ذات إضرام وتوقيد من بعد ما حاد أملاك الطوائف عن ... حفظ البلاد وألقوا بالمقاليد

стр. 1573

رجا بنو الأحد (١) الكفار عودهم ... بالفوز عن رب إخلاص وتوحيد فباكروا (٢) في كثيف الحشدذى لجب ... تبيد (٣) في ساحتيه (٤) ساحة البيد مستشعرى سحب نقع من هماهمة ... ونقعه (٥) ذات إبراق وترعيد فما جنحت إلى سلم على غبن ... ولا قنعت بإرهاب وتهديد أقباتهم رحب صدر ليس يحرجه ... ضيق المجال وقلبا غير مرءود (٦) وسابحا سطعت (٧) بالنصر غرته ... ما سار في الحرب أقداما بتغريد وحدّ عضب عليهم منه صاعقة ... كنفخة الصور كلّ عندها مودى ورعتهم بخميس فلّ جمعهم ... بحرّ ضرب وطعن كالأخاديد فغودروا بين مجروح ومختبل ... يبكى على هالك منهم ومفقود (٨) إن خبّروا عنك بالبأس الفظيع لقد ... قام العيان بتصديق الأسانيد صاروا قطائع إذ راموا القطائع لل ... ـقواطع البيض في حجب الوغى السود فلا تدع غزوهم في عقر دارهم ... صغوا إلى الزود من لوم وتفنيد واسلم، لك الملك مقصورا عليك ولا ... زال الورى تحت ظل منك ممدود

стр. 1574

ذكر حادثة غريبة (١) ظهر أمير من أمراء التركمان يقال له شمس الدين سونج (٢)، ويقال لقبيلته قيشالوا (٣)، وقوى أمره وقطع الطريق، وكثر جمعه. وكان قطعه الطريق ما بين إربل وهمذان، ثم إنه تعدى إلى قلعة حصينة [اسمها سارو (٤)] لمظفر الدين ابن زين الدين صاحب إربل، [فأخذها وقتل عندها أميرا كبيرا من أمراء مظفر الدين (٥)] يقال له عز الدين الحميدى، فجمع مظفر الدين وأراد استعادتها منه، فلم يمكنه ذلك لحصانة القلعة، وكثرة جموع هذا الرجل، فاصطلحا على ترك القلعة بيده. وكان عسكر السلطان جلال الدين بن خوارزم شاه يحصرون قلعة رويندز (٦) وهى من قلاع أذربيجان، وهى من أحصن القلاع وأمنعها، لا يوجد مثلها. وقد طال الحصار على من بها فأذعنوا (٧) إلى (٨) التسليم فأرسل جلال الدين بعض (٩)

стр. 1575

خواص أصحابه وثقاته ليتسلموا القلعة (١)، وأرسل معه (٢) الخلع [والمال (٣)] للذين هم بها. فلما صعد ذلك القاصد إلى القلعة وتسلمها، أعطى بعض من بالقلعة (٤) ولم يعط البعض، واستذلهم وطمع فيهم، حيث استولى على الحصن. فلما رأى من لم يأخذ شيئا من الخلع والمال ما فعل بهم أرسلوا إلى [الأمير التركمانى (٥)] شمس الدين سونج (٦) المذكور ليسلموا إليه القلعة، فسار في أصحابه إليهم (٧) فسلموها إليه، وهذا من غريب الاتفاق؛ فإن هذه رويندز (٨) لم تزل أكابر الملوك تتقاصر عنها قدرتهم من قديم الزمان وحديثه [١٦٢ ا] فسهل الله تعالى أمرها لهذا الرجل الضعيف بغير قتال ولا تعب فملكها، وأزال عنها أصحاب جلال الدين الذى كان التتر وسائر الملوك تهابه وتخاف جانبه. ولما ملكها شمس الدين (٩) سونج (١٠) طمع في غيرها - لا سيما وقد اتفق ضعف جلال الدين بما أصابه من الهزيمة العظيمة التي هدت ركنه وفرقت جمعه - فنزل من القلعة إلى مراغة (١١) وحصرها، فأتاه منها سهم غرب (١٢) فقتله. فلما قتل

стр. 1576

[سونج (١)] ملك رويندز أخوه، ثم إنه نزل من القلعة فقصد أعمال توريز ونهبها وعاد إلى القلعة بالنهب ليجعله مدخرا فيها، فصادفه طائفة من التتر [في الطريق (٢)] فقتلوه وأخذوا ما معه، فملكت القلعة أخت (٣) له، وكل هذا كان في مدة سنتين، أولاهما هذه السنة.

стр. 1577

ودخلت سنة ثمان وعشرين وستمائة والسلطان الملك الكامل مقيم بالديار المصرية، وأخوه الملك الأشرف مقيم بدمشق، والممالك الباقية على ما كانت عليه في السنة الماضية. [ذكر استقلال السلطان الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر صاحب حلب بالسلطنة وقيامه بأعبائها (١)] وفى هذه السنة انفرد الملك العزيز ﵀ بأمر الملك وقام به أحسن قيام، وكان قد بلغ من العمر ثمان عشرة (٢) سنة، وسلم إليه أتابكه شهاب الدين طغريل - أحسن الله جزاءه - الخزائن. ورتب الملك العزيز الولاة من قبله، واستحلف الأمراء والأجناد لنفسه، ثم خرج بنفسه وزار القلاع والحصون. وركب الأتابك شهاب الدين ونزل من القلعة، وركب الناس في خدمته، وذلك في منتصف شهر رمضان [المعظم (٣)] من هذه السنة. ولم يخرج الأتابك منذ توفى الملك الظاهر [أبو الفتح غازى (٤)] من القلعة إلى هذا

стр. 1578

التاريخ، فكانت مدة ملازمته [للقلعة نحو (١)] خمس عشرة (٢) سنة، فجزاه الله خيرا، فما سمعنا في شىء من التواريخ أن أحدا نصح [نصحه (٣)] في خدمة بيت أستاذه وقام قيامه. ولقد فعل بدر الدين لؤلؤ في البيت الأتابكى ضد فعله، فالله تعالى يجازى يوم القيامة كلا بفعله. ثم عاد الأتابك - يوم ركوبه - إلى القلعة، وكان [١٦٢ ب] يركب منها في الأحايين (٤) ويعود إليها إلى أن دخل [السلطان (٥)] الملك العزيز بابنة خاله السلطان الملك الكامل. وبقى الأتابك [شهاب الدين (٦)] بعد ذلك مدة، ثم نزل [من القلعة (٧)] وسكن بداره المعروفة بصاحب عين تاب تجاه باب القلعة، [إلى أن توفى رحمه الله تعالى (٨)]. وفى هذه السنة كانت للفرنج حركة فخرج عسكر حلب مع الأمير بدر الدين الوالى وأغاروا على ناحية المرقب ونهبوا حصن بلنياس (٩) وخربوه، وخلصوا من وجدوه من أسرى المسلمين وسيروه إلى حلب. [وهذا بدر الدين

стр. 1579

الوالى كان أميرا جليلا، وكان متولى قلعة جعبر في أيام الملك الظاهر إلى أن أخذها الملك العادل فولاه الملك الظاهر بعد ذلك قلعة حلب إلى حين وفاته، أنزله من قلعة حلب وولاها للأتابك شهاب الدين ﵀. وفى هذه السنة (١)] وقعت (٢) وقعة أخرى بين المسلمين والفرنج [قتل من الفريقين جماعة، واستظهر فيها الفرنج على المسلمين (٣)]، فجهزت العساكر من حلب في منتصف شهر ربيع الآخر، ثم استقرت الهدنة بين عسكر حلب والداوية والاسبتارية في العشرين من شعبان. وكنت بحلب في هذه السنة توجهت إليها للاشتغال فيها بالعلم على الشيخ نجم الدين بن الخباز (٤) في المذهب والأصول (٥)، وعلى الشيخ موفق الدين بن يعيش (٦) في علم النحو [واللغة (٧)]، ولتحصل لى البركة بالقاضى بهاء الدين بن شداد، ﵀. وكان سفرى إلى حلب في أواخر سنة سبع وعشرين وستمائة [أنا والشيخ الإمام تاج الدين أحمد بن الشيخ زين الدين أحمد - رحمها الله (٨)].

стр. 1580

وأقمنا (١) بها إلى شعبان من سنة ثمان وعشرين وستمائة، وترددنا (٢) في هذه المدة إلى خدمة القاضى بهاء الدين بن شداد، وكان نزولنا (٣) بالمدرسة التي أنشأها بالقرب من داره. واحتبس الغيث في حلب في هذه السنة احتباسا كثيرا وارتفعت الأسعار فخرج الناس إلى جبل بانقوسا، واستسقوا. وحضر الإستسقاء القاضى بهاء الدين ابن شداد ﵀ فجاء مطر يسير بعد ذلك، وانحطت الأسعار قليلا (٤). وكان الوزير بحلب [في ذلك الوقت (٥)] القاضى الأكرم جمال الدين بن القفطى (٦). [وكان حسن السيرة وعنده فضيلة وغرام عظيم بالكتب، وحصل منها جملة كثيرة (٧)] فعزله - في هذه السنة - الملك العزيز عن الوزارة، وفوض الوزارة إلى خطيب قلعة حلب زين الدين عبد المحسن بن محمد بن حرب، وكان يألفه
следующие страницы →