← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

وإذا كان ابن واصل قد استهدف من كتابه مفرج الكروب أن يكون قبل أي اعتبار آخر سجلا لأخبار بنى أيوب؛ فإننا نلمس في هذا الجزء عنايته الخاصة باستقصاء وتسجيل أخبار المعاصرين من أمراء الأيوبيين، وما كان بينهم وبين بعض من صلات وروابط تفاوتت بين الزواج والمصاهرة والتحالف والمودة حينا وبين الخلاف والوحشة والعداء والحرب أحيانا. والحق إن ابن واصل نجح في أن يجعل كتابه مفرج الكروب المصدر الأول لأخبار بنى أيوب في تلك الفترة القلقة من تاريخ الشرق الأدنى، وهو المصدر الذى اعتمد عليه ونقل منه معظم من أرخوا لتلك الحلقة من تاريخ الشرق الأدنى من المؤرخين اللاحقين. وساعد ابن واصل فيما حققه من نجاح الصلات القوية التي ربطته بكثير من أمراء البيت الأيوبى، حتى أن بعضهم - كما يقول ابن واصل نفسه في حوادث سنة ٦٣٤ هـ - كان"يؤثر كثيرا مقامى عنده". وقد أدى ذلك إلى اختيار ابن واصل عضوا في بعض السفارات مثل السفارة التي أرسلها المظفر الأيوبى صاحب حماة إلى الخليفة المستعصم بالله العباسى، والتي أشار إليها ابن واصل في أحداث سنة ٦٤١ هـ. وإذا ذكرنا أن هذا الجزء الخامس يعالج أخبار الفترة الواقعة بين سنتى ٦٢٩ هـ، ٦٤٥ هـ، فإنه علينا أن نشير إلى أن هذه الفترة تمثل مرحلة الشباب والطموح والوعى في حياة ابن واصل، إذ تراوح عمره فيها بين الخامسة والعشرين والحادية والأربعين، مما أهله لأن يكون جليسا للرجال، صديقا للكبار، ندا لأرباب المسئولية. وهكذا نراه يشير إلى أن بعض الأحداث التي رواها في هذا الجزء شاهدها بنفسه، والبعض الآخر استقاه من كبار الملوك والأمراء وصانعى التاريخ الذين جالسهم في ذلك الدور مثل السلطان الملك المنصور ابراهيم صاحب

стр. 1612

حمص؛ في حين استمد بعض معلوماته مما حكاه له مباشرة رجال مسئولون ممن يحتلون مكانة خاصة في العصر الأيوبى مثل كاتب الإنشاء بهاء الدين زهير والأمير حسام الدين أبى على الهذبانى. هذا فضلا عن كبار القضاة والعلماء المعاصرين الذين جالسهم ابن واصل ورووا له كثيرا من الأحداث مثل القاضى شهاب الدين ابن أبى الدم الحموى والقاضى كمال الدين بن العديم. وهكذا تهيأت لابن واصل في تلك المرحلة كافة أسباب النجاح لكتابة تاريخ محكم البنيان صادق الرواية، جمع بين الدقة في رواية أحداث الفترة التي تعرض لها بالعلاج، وبين العناية بذكر الكثير عن مشاهير المعاصرين من سلاطين وملوك وأمراء وعلماء وشعراء وغيرهم. أما عن الخطة التي اتبعها المحقق الدكتور حسنين محمد ربيع في تحقيق هذا الجزء فهى تتفق مع الإطار العام الذى رسمناه معا لإتمام كتاب مفرج الكروب والذى يسير في نفس الاتجاه الذى سبق أن حدده المرحوم الأستاذ الدكتور جمال الدين الشيال، محقق الأجزاء الثلاثة الأولى من هذا الكتاب. هذا مع ملاحظة أن تحقيق الجزء الرابع الذى ينتهى بسنة ٦٢٨ هـ، اعتمد في المقام الأول على كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير، وهو المصدر الذى استقى منه ابن واصل وأخذ عنه الكثير، حيث أن ابن واصل لم يع أحداث ذلك الدور. وقد اخترنا أن ننهى الجزء الرابع من كتاب مفرج الكروب بحوادث سنة ٦٢٨ هـ وهى نفس السنة التي انتهى بها كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير. أما الجزء الخامس من كتاب مفرج الكروب، وهو الجزء الذى نقدمه اليوم للباحثين، فإن ابن واصل اعتمد فيما سرده فيه من معلومات على ما شاهده بنفسه

стр. 1613

وما سمعه من الثقات، كما سبق أن أشرنا. وبعبارة أخرى فإنه لم يعتمد فيما كتبه اعتبارا من سنة ٦٢٩ هـ على كتاب بعينه ينقل عنه بقدر ما اعتمد على بصره وسمعه وحسه. وفى الفترة بين سنتى ٦٢٩ هـ، ٦٣٥ هـ اتخذ المحقق نسخة مللا جلبى أصلا للتحقيق، ورمز لها بحرف [م]، مع مقابلتها بنسخة باريس رقم ١٧٠٢ التي رمز لها في التحقيق بحرف [س]. ولما كانت نسخة مللا جلبى تنتهى وسط حوادث سنة ٦٣٥ هـ، فإن المحقق في تحقيقه بقية الجزء الخامس اتخذ نسخة باريس رقم ١٧٠٣ أصلا للنشر ورمز إليها بحرف [ب] مع مقابلتها بنسخة باريس رقم ١٧٠٢ التي احتفظت لنفسها برمز [س]. ... وأخيرا، فلعلنا لسنا في حاجة إلى الإشارة إلى الجهد الكبير الذى بذله الدكتور حسنين محمد ربيع في تحقيق هذا الجزء. فكل صفحة بل كل سطر في هذا المجلد هو في حقيقة أمره ثمرة ساعات طويلة متصلة قضاها الدكتور حسنين ربيع في عمل شاق في مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية. ولا يسعنى سوى أن أهنأه على هذا العمل من ناحية، ثم أدعو له بمزيد من الصبر والمثابرة حتى يتم إنجاز الجزء السادس والأخير من كتاب مفرج الكروب في أخبار بنى أيوب لابن واصل، وبذلك نكون قد أتممنا صرحا آخر في حركة إحياء تراثنا العربى. رمضان ١٣٩٥ هـ دكتور سعيد عبد الفتاح عاشور سبتمبر ١٩٧٥ م أستاذ تاريخ العصور الوسطى كلية الآداب - جامعة القاهرة

стр. 1614

تنويه تم تحقيق هذا الجزء من كتاب (مفرج الكروب في أخبار بنى أيوب) لابن واصل بمركز تحقيق التراث بدار الكتب والوثائق القومية بجمهورية مصر العربية. ويطيب لنا في هذا الصدد أن ننوّه بالجهد المشكور الذى بذله في إخراج هذا الجزء كل من الآنسة لبيبة ابراهيم مصطفى والسيدة نجوى مصطفى كامل والسيدة فاطمة مصطفى الحكيم والأستاذ محمد محمد أبو حسن، وجميعهم من مساعدى الباحثين بمركز تحقيق التراث.

стр. 1615

[١٦٨ أ] ودخلت سنة تسع وعشرين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، وعنده أخوه الملك الأشرف، والملك المظفر [تقى الدين محمود (١)] بحماة مالك (٢) لها [وللمعرة (٣)]، وأخوه الملك الناصر [قليج أرسلان (٤)] ببعرين (٥)، [والملك العزيز بن الملك الظاهر قد استبد بأمر الملك بحلب واستقل بالتدبير، ورسوله القاضى بهاء الدين بن شداد بالديار المصرية ومعه جماعة من الأكابر والأعيان لإحضار جهته الكريمة (٦)]. ذكر انتزاع [السلطان الملك العزيز (٧)] تل باشر من يد الأتابك شهاب الدين طغريل كانت تل باشر من أيام الملك الناصر صلاح الدين إقطاعا للأمير بدر الدين دلدرم بن ياروق (٨) وصارت بعده لولده. ولما خرج عز الدين كيكاوس سلطان الروم

стр. 1616

إلى (١) الشام ومعه الملك الأفضل بن الملك الناصر بعد وفاة الملك الظاهر [صاحب حلب (٢)]، انتزع [السلطان عز الدين ملك الروم (٣)] تل باشر من يد ابن (٤) دلدرم وأخذها لنفسه. فلما انهزم كيكاوس بين يدى الملك الأشرف - كما قدمنا ذكره - فتح الملك الأشرف تل باشر وسلمها إلى الأتابك شهاب الدين طغريل [أتابك السلطان الملك العزيز (٥)]، فكانت في يده إلى هذه الغاية، وفيها خزائنه. فخرج الملك العزيز في هذه السنة إلى الصيد ورمى البندق (٦) بنواحى العمق، فحسن له بعض أصحابه أن يسير إلى قلعة تل باشر ويأخذها لنفسه، ويبقى على الأتابك رستاقها (٧) وأن لا يكون شىء من القلاع إلا بيده. فوصل الخبر (٨) بذلك إلى الأتابك فسير إلى نائبه بقلعة تل باشر يأمره أن لا يعارض الملك العزيز في القلعة، وأن يسلمها إليه، واستدعى خزائنه التي كانت بها. وتوجه الملك العزيز إلى عزاز (٩) وكانت في يد والدة أخيه (١٠)

стр. 1617

الملك الصالح [صلاح الدين (١)] أحمد وبنى ألطنبغا (٢)، عوضهم بها الأتابك [شهاب الدين (٣)] عن بهسنا (٤) بعد أن قتل [السلطان عز الدين كيكاوس صاحب ملك الروم (٥)] أباهم ألطنيغا. فصعد الملك العزيز إلى قلعة عزاز (٦) فولى عليها واليا من قبله، وأبقى عليهم ما كان في أيديهم من عملها. ثم سار الملك العزيز إلى تل باشر، وصعد إلى القلعة، وولى فيها واليا من جهته، [وانتزعها من أيدى نواب الأتابك (٧)]. وبلغه أخذ الخزانة من تل باشر فسير من اعترض أصحاب الأتابك في الطريق، وأخذ الخزانة منهم. وكان يظن أن فيها ما لا كثيرا، فلم يجد الأمر (٨) كما ذكر له (٩). فأعاد الخزانة إلى الأتابك [١٦٨ ب] فامتنع الأتابك من أخذها وقال: «ما ادخرت المال إلا (١٠) لك». ثم دخل الملك العزيز إلى حلب. [وبقيت الخزانة في دار العدل إلى أن مات الأتابك فرفعت إلى قلعة حلب] (١١).

стр. 1618

ذكر مسير السلطان الملك الكامل من الديار المصرية إلى الشرق وفى هذه السنة -[أعنى سنة تسع وعشرين وستمائة] (١) - رحل السلطان الملك الكامل وأخوه الملك الأشرف بالعساكر المصرية [والشامية (٢)] إلى الشرق لانتزاع آمد وبلادها من يد الملك (٣) المسعود بن الملك الصالح [الارتقى. وكانت آمد من فتوح السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ أخذها من ابن بيسان وسلمها إلى نور الدين محمد بن قرا آرسلان بن سقمان بن أرتق جد الملك المسعود هذا. وكانت له قبل ذلك حصن كيفا فقط، وقد تقدم ذكر ذلك. وكان محمد (٤) حسن السيرة، ولما مات ملك بعده الملك الصالح محمود، ثم ملك بعد الملك الصالح ولده الملك المسعود. وكان ردئ السيرة جدا يتعرض لحرمهم (٥)]. وأكثر من النساء (٦)، وكانت (٧) عنده امرأة يقال لها الأزاه (٨) رأيتها بالقاهرة تستعطى وهى عجوز كبيرة كان يرسلها إلى نساء الرعية لتؤلف بينهن وبينه. (٩) وفعل ذلك مع نساء الأعيان والأكابر

стр. 1619

من أهل البلد، وربما تعدى ذلك إلى بعض نساء (١) ملوك الشرق، فكثرت الشكاوى منه إلى السلطان الملك الكامل ﵀ فأجمع رأيه ورأى أخيه الملك الأشرف على قصده (٢) وأخذ آمد منه. [وانضاف إلى ذلك ما في قلوبهما من الحنق عليه بسبب معاضدة جلال الدين بن خوارزم شاه عليهما]. (٣) ولما خرج الملك الكامل بالعساكر تقدمه أخوه الأشرف بالعساكر إلى دمشق (٤). وأما السلطان الملك الكامل فمضى جريدة إلى الشوبك [ليتوجه منه إلى الكرك ثم إلى دمشق. فوصل إلى الشوبك، وكان قد سلمه إليه الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم] (٥)، وشاهده ونظر في مصالحه ثم توجه إلى جهة الكرك (٦). [ذكر الوصلة بين الملك الناصر داود ابن الملك المعظم وعمه الملك الكامل] (٧) ورتب الملك الناصر الإقامات الكثيرة بالمنزلة التي هى شرقى الكرك [١٦٩ أ] المعروفة باللّجون (٨)، وهى منزلة الحجاج إذا توجهوا إلى الحجاز. وأمر فضربت للسلطان الملك الكامل بها خيمة ودهليز كانا قبل ذلك للملك الصالح صاحب

стр. 1620

آمد في غاية الحسن، قد صوّرت فيهما الصور البديعة، وأمر فذبح (١) شىء عظيم من البقر والغنم والخيل (٢) وشويت قشلميشا (٣). ومد سماطا عظيما عاما لينتهب [على عادة الترك (٤)]، [وجعل حوله أبراجا عالية من الحلوى (٥)]. [واحتفل الملك الناصر بعمه السلطان الملك الكامل احتفالا عظيما (٦)] لم يسمع بمثله، غرم فيه جملة جليلة. [وكان لما قرب عمه قد خرج إلى لقائه وبات عنده ليلة ومعه الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى ﵀ شيخه، ثم رجع إلى الكرك قبل أن يصل عمه. واجتمعت به أنا ووالدى في قلعة الكرك فسمعته ﵀ يقول لوالدى: «تباحثنا مع السلطان وأصحابه البارحة في الفقه، فكانوا جميعهم علىّ لأنهم كلهم شافعية؛ السلطان وصلاح الدين الأربلى والشيخ شمس الدين قاضى العسكر الشريف وكمال الدين بن شيخ الشيوخ. وخرج شمس الدين الخسرو شاهى معى فصار معهم علىّ لأنه شافعى، وبقيت أنا وحدى في مقابلة الجميع ما معى من ينصرنى عليهم». ثم خرج الملك الناصر إلى اللجون، وخرجنا في خدمته، والتقينا معه السلطان الملك الكامل ﵀. ونزل الملك الكامل في الدهليز الذى ضرب له وأنهب

стр. 1621

السماط، وتسلقت العامة والغلمان في أبراج الحلوى لينتهبوها وتساقطوا منها، والسلطان الملك الكامل واقف، وإلى جانبه الملك الناصر وهما يضحكان مما يجرى من الانتهاب من العامة ووقوع بعضهم على بعض] (١). ولما كانت صبيحة الغد من ذلك اليوم اجتمعنا في خيمة إلى جانب خيمة السلطان الملك الكامل، وحضر فيها القاضى الشريف شمس الدين قاضى العسكر [المنصور (٢)] الكاملى، وكمال الدين بن شيخ الشيوخ، [ومن أصحاب الملك الناصر الشيخ شمس الدين الخسروشاهى شيخ الملك الناصر، والشيخ شهاب الدين الكاشى معلمه، والقاضى شمس الدين قاضى نابلس والقدس وما معهما من البلاد، وكان متقدما عند الملك الناصر [١٦٩ ب] وأبيه الملك المعظم من قبل ومحترما عند ملوك البيت لكرمه ورياسته (٣)]. [وعقد العقد للملك الناصر على إبنة عمه عاشوراء خاتون بنت السلطان الملك الكامل وهى شقيقة الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل. وكان متولى العقد من جهة الملك الكامل كمال الدين بن شيخ (٤) الشيوخ]، [ومتولى القبول (٥)] من جهة الملك الناصر الطواشى عزيز الدولة ريحان نائب الملك الناصر بالكرك.

стр. 1622

[فلما عقد العقد نثر النثار من الذهب والفضة، وحصل الاتصال بين الملك الناصر ابن الملك المعظم وبين عمه الملك الكامل، ولو كان الملك الناصر التجأ إلى عمه الملك الكامل في أول أمره لم تخرج بلاد أبيه من يده (١)]. ووصل [بعد (٢) ذلك] إلى اللجون الملك المظفر تقى الدين صاحب حماه ملتقيا لخاله الملك الكامل، وكان حلول الملك الكامل باللجون في العشر (٣) الأخير من شعبان. ثم رحل الملك الكامل متوجها إلى دمشق ومعه الملك الناصر بعسكره. واجتمعت العساكر بدمشق، [ثم رحل منها متوجها إلى الشرق في عساكر يضيق بها الفضاء، ومعه جماعة ملوك أهل بيته الملك العزيز والملك الصالح أخوه، وابن أخيه الملك المغيث، والملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص، والملك المظفر صاحب حماه، والملك المظفر شهاب الدين صاحب ميافارقين، والملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه بن الملك العادل صاحب تل باشر، وعسكر حلب] (٤). ذكر رحيل الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل إلى الشرق ومقامه به (٥) كنا قد ذكرنا (٦) أن الملك الكامل في خرجته الأولى التي فتح فيها دمشق كان عهد إلى ابنه الملك الصالح واستنابه بالديار المصرية، ثم ذكرنا (٧) تغير الملك الكامل عليه

стр. 1623

لما بلغه عنه من جهة أم الملك العادل. ولما كانت هذه السنة تقدم الملك الكامل - عند رحيله من مصر - إلى ابنه الملك الصالح في المسير إلى الشرق ليكون به نائبا عنه فيه. ورتب ابنه الملك العادل في الديار المصرية بقلعة الجبل مع أمه والخزائن والأموال بحكمها، وكانت أحظى الناس عنده. وجعل لابنها [١٧٠ ا] ولاية العهد. ورحل الملك الصالح إلى الشرق فحضر مع أبيه فتح آمد، ثم أقام في الشرق وجعله ولى عهده فيه، والمتصرف في الشرق نيابة عن الملك الكامل الأمير شمس الدين صواب العادلى. ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وبلادها [ثم رحل السلطان الملك الكامل بعد اجتماع العساكر معه بسلمية إلى الشرق وقطع الفرات وقصد إلى آمد، فلما وصل إليها نازلها بالعساكر التي معه (١)]. ونصب عليها المجانيق (٢) ولها أسوار [عظيمة (٣)] منيعة حصينة جدا؛ لكن الرعية بآمد كانوا مبغضين لصاحبهم (٤) مبغضين لدولته (٥) لما (٦) قدّمنا من سوء سيرته معهم، فلذلك تخلوا عنه، وأحبّوا زوال ملكه. ثم زحف الملك الكامل على البلد يوما واحدا فأذعن صاحبها بالتسليم علما منه بتخلى الرعية عنه، وأنه إن أخذت منه المدينة عنوة لم يأمن الملك (٧) الكامل أن يعتقله،

стр. 1624

وخاف أيضا أن تسلمه الرعية (١) إلى الملك الكامل فيقع في يده بغير عقد ولا عهد (٢)، فلذلك سارع إلى التسليم، فبادر إلى الخروج إلى خدمة الملك الكامل، وسلم آمد وبلادها إليه. وهى مملكة عظيمة، ومن جملة معاقلها حصن (٣) كيفا الذى هو في غاية الوثاقة والحصانة. فأحسن الملك الكامل إليه ووعده بإقطاع جليل (٤) في الديار المصرية. ولما رجع معه إلى مصر وفّى له بما وعده، وأقام عنده مدة، ثم بدت منه أشياء ردية فاعتقله. ولم يزل معتقلا إلى أن مات السلطان الملك الكامل فأخرجه ابنه الملك العادل، فورد إلى حماة فأقام بها عند الملك المظفر [تقى الدين محمود (٥)] أياما، ثم سافر إلى الشرق فاتصل بالتتر (٦) فقتلوه. وهذا عاقبة البغى والفساد. [وكنت مقيما بالكرك في هذه السنة في خدمة الملك الناصر، وسافر معه والدى ﵀ لما سافر في صحبة السلطان الملك الكامل. فلما وصل الملك الكامل إلى سلمية، ونزل بها استأذن والدى الملك الناصر في الدخول إلى بلده فأذن له، فدخل إلى حماة وعرضت له حمى حادة وأعقبها دوسنطاريا فتوفى لعشر بقين من ذى القعدة وعمره ثمان وخمسون سنة، فإنه أخبرنى أن مولده سنة إحدى وسبعين وخمسمائة (٧)].

стр. 1625

وورد إلى الكرك كتاب من الملك الناصر إلى نائبه الطواشى عزيز الدولة ريحان (١) يذكر فيه فتح آمد ويصف صورة الواقعة بإنشاء شرف الدين بن جمال الدين [ابن شيث (٢)] ولم يكن جيد الترسل. فتقدم الطواشى عزيز الدولة [ريحان (٣)] إلى فخر القضاة [نصر الله (٤)] بن بزاقة (٥) [بأن يكتب جوابه فكتب الجواب، وذكر صورة الواقعة أحسن ذكر. وهنأ السلطان الملك الناصر بهذا الفتح (٦)] وأوّله: أعز الله أيام المقر (٧) العالى المولوى السلطانى الملكى الناصرى الصلاحى، ولا زالت البشائر عنه صادرة، وإليه واردة، والأقدار لمعاليه مساعفة، ولمساعيه مساعدة، والألسن لسيرته مادحة، ولسريرته حامدة. المملوك يقبل الأرض

стр. 1626

خدمة لا تزال - حتى يزول - زائدة (١)، وطاعة يعدها لدنياه فائدة ولأخراه عائدة. ويواصل الأدعية الصالحة ما دامت (٢) قامته قائمة، وهامته ساجدة، وينهى ورود المثال الشريف الذى سرّ النفوس (٣) وأبهجها، وشرح الصدور وأثلجها، وسكن الخواطر بعد أن أقلقها البين وأزعجها، وفتح باب (٤) الأفراح فما أغلقها ولا أرتجها (٥)؛ متضمنا أن مولانا السلطان سار مصحوبا بالسلامة صحبة مولانا السلطان الأعظم في عساكر تضاهى النجوم إشراقا وعددا، والبحور إغراقا ومددا، وجحافل لم يجتمع مثلها في عصر من الأعصار، ولهاذم (٦) ومخاذم (٧) يكاد سنا برقها يذهب بالأبصار، وفرسان كالأسود إلا أن براثنها السلاح، وخيول كالطيور إلا أنها تسبق الرياح بلا جناح، [وأنهم أحاطوا بها إحاطة الخواتم بالخناصر والمناطق بالخصور، وأظهروا بما أبدوه من قدرتهم ما في خصمهم من العجز والقصور (٨)]. وأنه رتب عليها نوب اليزك (٩) [للمخاتلة لا للمقاتلة (١٠)]، وقصد حفظ حرمة البلد وقتاله (١١) بالمطاولة. وانتظر من صاحبها أن (١٢) يخرج إليه خاضعا (١٣) ومتضرعا، وان يفد إليه تائبا (١٤) عما ارتكبه

стр. 1627

من قبح السيرة، ومقلعا لأنه - أعز الله أنصاره - لم يقصده إلا غضبا لله لما انتهكه من محارمه، وإقامة لمنار العدل الذى شرع في هدم [١٧١ ا] معالمه (١)، وشفقة على خلق الله الذين بسط عليهم - لمّا (٢) وليهم - أيدى مظالمه. فلما أبى إلا التمادى في الطغيان والإيغال في مهالك العصيان، وظن أن الثلوج تنجده، وأن الشيطان يفى له بوعده وطالما أخلف من يعده، واغتر بأصحابه الذين هم معه بأجسامهم (٣) وعليه بقلوبهم، ووثق برعاياه الذين كانوا قد وقعوا معه بذنوبهم، أمر السلطان [الأعظم (٤)]- أعز الله أنصاره - أبطاله (٥) بالزحف فتقدمت وزحفت، وتقدم إلى عساكره بالتحرك فتزلزلت الأرض لحركتهم ورجفت، ودنا (٦) الجيش المنصور من السور فدنا (٧) وتدلى، ورأى الخصم عين القصم (٨) فعبس وتولى، وأطلق الجاليش عقائل التراكيش (٩) فكشفت السور وهتكت حجابه، وأماط الزراقون (١٠) لثامه، وسفر النقابون نقابه، وأرسلت عليهم الجنايا رسل المنايا، وخرجت لهم خبايا البلايا من

стр. 1628

الزوايا، (١) وأوردتهم الرماح الشّرع مشارع الحتوف، وتفرّقت منهم الصفوف لمّا صلت (٢) عليهم السيوف، وطلعت على الأسوار المنيفة من الأعلام الشريفة كل راية صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. وأيد الله الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين. وأنهم لما عاينوا من حشد (٣) السلطان وحده ما لا قبل لهم بمقابلته، وتحققوا عجزهم عن مقاومة أقل أمرائه ومقاتلته (٤)، ورأوا أعلامهم تخفض خفضا، وأعلام السلطان وأحزابه ترفع رفعا، وأفكروا في صاحبهم فرأوا أنه لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، [لا ذوا بالأمان فدخلوا فيه آمنين والتزموا الطاعة (٥)]، فذلت أعناقهم لها خاضعين. وأن مولانا السلطان - أعز الله أنصاره - آمن الرعايا وأجارها، ومنّ بكفّ كف (٦) القتال، فوضعت الحرب أوزارها. وقد أخذ المملوك بخطه من هذه البشرى وإن عجز عن كنه مقدارها، وقابل هذه النعمة بالشكر لله وإن كان لا يقوم بعشر معشارها (٧). وأمر فضربت البشارة على قلّة (٨) القلعة وأرجاء المدينة، وحشر الناس ضحى لأنه كان في الحقيقة يوم الزينة، فالله سبحانه المسئول أن يعطى مولانا الحظ الأوفى والمحل الأعلى وهو القائل تعالى [١٧١ ب] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ (٩) وإليه الرغبة في أن يجعل هذا الفتح

стр. 1629

مبشرا بأمثاله، [وهذا النصر أنموذجا تنسج الأقدار على منواله (١)]. ويبقى لمولانا من سلطانه [الأعظم (٢)] ركنا لا تطمع الأيام في زواله (٣) بمحمد وآله». وسيّر مع الرسالة إلى الملك الناصر قصيدة امتدحه بها فخر الدين فخر القضاة وهى هذه القصيدة (٤): قد طوانى (٥) الصدّ والهجران طى ... في هوى ظبى (٦) حمى من آل طى كنت في طيى من أسد الشرى ... قبل أن يفرسنى هذا الرّشى (٧) ومتى ينشر ميت (٨) قد غدا ... قلبه مفتسما في كلّ حى جدة السلوة أبلتها بلى ... واقتراب الوصل (٩) أقصته قصى غلبتنى أعين من غالب ... ولوت دينى قدود (١٠) من لؤى كلما رمت خلاصا منهم ... سدّت الأبواب والطرق على يا أخى حرت وضاقت حيلى (١١) ... دلّنى كيف احتيالى يا أخى

стр. 1630

وبأى الطرق أسلو عنهم ... خبّرونى يا أخلاّى بأى؟ وانظروا ما حلّ بى واعتبروا ... أننى شيخ سبى (١) عقلى صبى نافر عنى وإن آنسته ... قاطع إن قلت: صلنى يا بنى ما دها مجنون ليلى في الهوى ... مادها قلبى، ولا غيلان مى (٢) أيها العاذل كى يرشدنى ... عدّ (٣) عن نصحى، فهذا الرشد غى قد نبا عن كل عذل مسمعى ... فكأنى أطرش أو بى هوى ولقد خفت على عينى العمى (٤) ... عند ما أعشى (٥) فؤادى ناظرى يا أطبائى - وأنتم مرضى - ... هل لدائى في هوا كم من دوى؟ قد كوى الهجر فؤادى يا ترى ... آخر الطب كما قد قيل كى؟ فأقلوا (٦) من عذابى وارحموا ... من يرى مر الجفا منكم حلى وعسى أن تهبوا جفنى الكرى ... فلعل الطيف أن يسرى إلى ليس لى محيى من الموت سوى ... أن يرى داود (٧) عينى في محى (٨) يبتغى الصيد على عادته ... من رشا ريش إلى أطراف عى

стр. 1631

ملك سيرته سائرة ... من فلسطين إلى أقصى خوى (١) وإمام يقتدى البحر به ... كلما نادى نداه الغمر حى ذو خوان يرخص اللحم به ... منضجا لكن يغالى (٢) فيه نى فهو للناس ربيع دائم ... في خريف ومصيف وشتى عن سواه أذنى ما سمعت ... ما رأته من علاه مقلتى فلدى (٣) علياه أهدى مدحى ... مثل ما دنياه قد أضحت لدى أنا أفديه بأمى وأبى ... وقليل في فداه والدى قد كفانا كلّ شىء يختشى ... فكفانا الله فيه كل شى ولما وصلت الرسالة و [هذه (٤)] القصيدة إلى الملك الناصر [داود (٥)] سر بهما سرورا شديدا. [وكان فخر الدين (٦) مجيدا في النظم والنثر]، (٧) لوذعيا فطنا، حسن المجالسة، لا يمل من حديثه ومحاورته. وكان من أخص أصحاب السلطان الملك المعظم - رحمه الله تعالى. وبعد وفاة الملك المعظم صحب ولده الملك الناصر وحظى عنده جدا. وكان الملك الناصر قد تغير عليه واتهمه بمكاتبة عمه الملك الأشرف والميل إليه، فاعتقله في جب في القلعة مظلم، لم يكن يفرق فيه بين الليل والنهار. فحكى لى أنه

стр. 1632

[ما كان يعرف الليل من النهار (١) إلا] بصوت الحديد في الزردخاناه. وأقام في الحبس مدة. وكان ينظم القصائد في الجب، ويكرر على القصيدة - على ما حكى لى - مرارا كثيرة لتثبت عنده ولا ينساها، إذ لم يكن عنده شىء يقيدها فيه. فمما عمل في الجب قصيدة مطلعها: ليس حالى يا رب عنك (٢) بخافى ... فأقل عثرتى وآمن مخافى ثم ذكر فيها ما نسبه أعداؤه إليه من الميل عن الملك الناصر والانحراف عنه، وممالأة الملك الأشرف عليه. [وأتى في هذا بنوع من التهكم بهم لطيف، وهو (٣)]: حسدونى قربى من الملك النا ... صر حتى تسببوا في تلافى وادّعوا أننى أميل إلى الغي ... ـر بكليتى وأبدى انحرافى وأشق العصا وأقدح في الم ... ـلك وأغرى أنصاره بالخلاف (٤) عظّموا قصتى كأنى كسرى ... أو كأنى سابور ذى (٥) الأكتاف ومنها في مدح أهل البيت ﵈ والاستشفاع بهم (٦): ليس لى شافع سوى الخمسة الغرّ ... (م) (٧) بنى هاشم بن عبد مناف النبى الأمى وابنته الزهرا ... ء والأترع (٨) الفتى السياف

стр. 1633

والشهيدين إبنيه منها قت ... ـيل الطفّ (١) والمبتلى بسم ذعاف (٢) نسب يبهر (٣) الدرارىّ بالنو ... ر ويزرى بالجوهر الشفاف أهل طه والحج والنور والف ... ـرقان والذاريات والأعراف (٤) أهل بيت رضوا بما قسم الله ... تعالى من رحلة الأيلاف قنعوا بالقليل من هذه الدن ... ـيا وعاشوا فيها بدون الكفاف ما أعزوا العزّى ولا واددوا ودّا ... ولا استأسفوا لفقد (٥) أساف (٦) فعلى حبهم جعلت اعتمادى ... وعلى مدحهم جعلت اعتكافى ومن لطيف شعره قوله في الغزل: لو وفى (٧) طيفكم لى وألمّ ... لشفى غلة وجد وألم فابعثوه لمحب ما سلا ... عن ظباء الحىّ من وادى سلم دميت بعد الدمى أجفانه ... واستهلّت فهى تزرى (٨) بالديم لقصير الوصل منكم لم ينل (٩) ... ولطول الهجر فيكم لم ينم كلما لاح له برق لمى (١٠) ... بالحمى حلّ به قرب لمم

стр. 1634

لا تلومونى على حبى لكم ... تأثموا في لومكم لى إن ألم (١) قد زجرت القلب لكن ما ارعوى ... وكتمت الحب لكن ما انكتم من عذيرى من قدير (٢) كلما ... رمت منه العدل في الحب ظلم (٣) حاكم بالجور في شرع الهوى ... للمحبين ومن عزّ حكم وقبل سفر الملك الناصر بقليل إلى آمد أخرج فخر القضاة هذا من الجب (٤) ووعده الاحسان (٥) إليه (٦) إذا عاد. ولما عاد من آمد خلع عليه وأعاده إلى مرتبته عنده، ورضى عليه، وصار أقرب الناس إليه، ونادمه. وأمره ليلة بإنشاد [١٧٣ ا] القصيدة اليائيه (٧) التي تقدم ذكرها وتسييرها (٨) إليه إلى آمد. فأنشده إياها فأطلق له خمسة آلاف درهم، وضعت تلك الليلة بين يديه، وأقطعه اقطاعا سنيا، واستمر في خدمته [إلى أن مات. ولما فتح السلطان الملك الكامل ﵀ آمد وبلادها واستولى عليها، رتب نوابه فيها وجعل أمرهم كلهم راجعا إلى الأمير شمس الدين صواب الدين

стр. 1635

العادلى. ورتب عنده ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب نائبا عنه في السلطنة، وجعله ولى عهده في البلاد الشرقية خاصة. وأقام الملك الكامل بالشرق إلى آخر السنة (١)]. ذكر وصول الجهتين الكريمتين الكامليّتين (٢) إلى حماه وحلب كنا ذكرنا توجه القاضى بهاء الدين بن شداد إلى مصر في السنة الماضية لإحضار جهة الملك العزيز إلى حلب (٣). [ولما كانت هذه السنة - أعنى سنة تسع وعشرين وستمائة - وخرج السلطان الملك الكامل من الديار المصرية لأخذ آمد من صاحبها خرج في صحبته الستر العالى فاطمه خاتون زوجة الملك العزيز صاحب حلب، والستر العالى غازيه خاتون زوجة الملك المظفر صاحب حماه، وخرج القاضى بهاء الدين بن شداد، فوصلت الصاحبه غازية خاتون والدة مولانا السلطان الملك المنصور - قدس الله روحه (٤) - إلى حماة في أحسن تجمل وزى، وزينت حماة لقدومها (٥)]. ووصلت الستر العالى فاطمه خاتون إلى حلب وصحبتها (٦) القاضى بهاء الدين ابن شدّاد ﵀، والقاضى الشريف شمس الدين قاضى العسكر [المنصور

стр. 1636

الكاملى (١)] [والأمير فخر الدين البانياسى من أمراء السلطان الملك الكامل (٢)]. وكان قد خرج [من حلب (٣)] زين الدين عبد المحسن بن محمد بن حرب وزير الملك العزيز وأعيان الدولة، والتقوا المحفة من حماة. والتقتها الستر العالى الصاحبة ضيفة (٤) خاتون بنت السلطان الملك العادل والدة الملك العزيز من جباب (٥) التركمان، ثم التقتها بقبة العساكر بتل السلطان. والتقاها الملك الصالح صلاح الدين أحمد ابن الملك الظاهر صاحب عين تاب في عسكره، وتجمّله. وعادت العساكر معها في تجملها، واصطفت أطلابا طلبا بعد طلب، إلى الوضيحى (٦). وخرج الملك العزيز إلى الوضيحى إلى لقائها، وصعدت إلى قلعة حلب، [أعاد الله عمارتها للمسلمين لأن التتر الملاعين أخربوها في سنة ثمان وخمسين وستمائة (٧)]، وذلك كله في شهر رمضان من هذه السنة [أعنى سنة تسع وعشرين وستمائة (٨)]. وفى الوصلة [السعيدة (٩)] بين الملك المظفر وخاله الملك الكامل يقول الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد [بن عبد المحسن الأنصارى قصيدة مطلعها (١٠)]:

стр. 1637

هنيئا (١) لياليه حوال بواسم ... وأيّامه بالمكرمات مواسم ووصلة ملك لا يقاوم جدّه ... بملك له تعنو الملوك الأكارم و (٢) إهداء شمس دونها الشمس رتبة ... إلى أسد تخشى سطاه الضراغم قران سعود في بروج سيادة ... بها العيش صفو (٣) والزمان مسالم فو الله ما أدرى أموسى وأهله ... بجنات عدن، أم على وفاطم عظيمة قدر كافأت منك ماجدا ... تكف (٤) به البؤس وتكفى العظائم يمانّية الفتك عضبا (٥) يمانيا ... يشاركها في وصفها ويلائم فحامت عزوفا (٦) عن سواك وخيمت ... بحيث المعالى جمة والمكارم بمغنى ملوك الأرض باد خضوعها ... لديه وأملاك السماء حوائم فيا ليلة تمضى الليالى وذكرها ... تزان به العليا وتزهى المعالم غذتها أفاويق الفخار وجادها ... كمال لأدواء النقائص حاسم ونور لأظلام الدياجى مشرد ... ونشر لأنف البدر بالطيب فاغم وأضحت بها طير البشائر سبقا ... تبارى خوافيها الصبا والقوادم فظلت بها الأمصار مصرا فشملها (٧) ... وإن كن شتى جامع (٨) متلائم فلله كم أدنت على بعد دارها ... لناظرنا ما أطربته الحمائم

стр. 1638

عممت الرعايا بالعطايا فسرها ... قدومك بالغنم الذى أنت غانم مهم له ما بعده إذ قضيته ... قضى الله إن العدل للجور هادم رأيتك يا محمود يا ابن محمد ... فتى حمده فرض على الناس لازم وإنك للملك الذى بنوا له ... وعدل سطاه بشّرتنا الملاحم يدين له في الناس عمرو وعامر ... ويعنوله في الجود كعب وحاتم أخو نقمات قارنت مهلكاتها ... عواطف تنتاش الورى ومراحم يهاب (١) فلا قلب الموالف ساكن ... ويرجى (٢) فلا وجه المخالف واجم ويحلم فالشم (٣) الرواسى طوائش (٤) ... ويكرم فالجون السوارى لائم ويدنو فمرّ الصاب شهد (٥) لذائق ... وينأى فكاسات الرحيق علاقم ويفنى اللهى جودا ليقنى بها العلا (٦) ... ألا هكذا فليغنم المجد غانم إذا صال فالغلب الوقاح فرائس ... وإن قال فالعرب الفصاح أعاجم وإن ضاق رزق أو محال فإنه ... خضم وخصم للحوادث خاصم كذا أيها الملك المظفر فليكن ... من الناس مخدوم (٧) له الدهر خادم أبت لك عار (٨) الميل نفس أبيّة ... وفكر بمجهول العواقب عالم وناظر عين ليس يغفى وعامل ... بأمر الوغى في الرفع والخفض حازم

стр. 1639

وجأش وجيش رابط ومرابط (١) ... مغازيه لا تنحل منه العزائم وليل ببرق البيض أبلج زاهر ... ويوم بدجن النقع أكلف قاتم فهنيت بالدهر الذى أنت مالك ... جديديه والشهر الذى أنت صائم وبلّغت ما يرضيك من طول خالق ... تحارب في مرضاته وتسالم نوالك مقسوم وفضلك شائع ... ومجدك محروس (٢) وعزك سالم

стр. 1640

ودخلت سنة ثلاثين وستمائة والسلطان الملك الكامل ببلاد الشرق، [وفى خدمته ملوك أهل بيته (١)] وقد انتظمت (٢) آمد وبلادها [وحصونها وقلاعها في سلك ممالكه؛ ومن جملتها حصن كيفا وقلعة الهيثم والسويداء وغيرها من المعاقل (٣)]. ودانت لطاعته ملوك الشرق كلهم وخافوه. واستشعر منه سلطان الروم (٤) علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقى. [ورتب الملك الكامل بالشرق ولده الملك الصالح نجم الدين أيوب، وجعله ولى عهده في ممالك الشرق خاصة، ورتب معه الطواشى شمس الدين صواب العادلى لأنه كان من أكبر الخدام العادلية وأوثقهم عنده، وجعل إليه النقض والأبرام في جميع الأمور، والملك الصالح معه صورة. ذكر رجوع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية ولما قضى الملك الكامل إربه من تسلم آمد وبلادها، وترتيب ممالكها وممالك الشرق، رجع إلى الديار المصرية فأقام بها إلى أن خرجت هذه السنة. ورجع كل من الملوك إلى بلده (٥)]، ووصل الملك الناصر صلاح الدين

стр. 1641

داود بن الملك المعظم إلى الكرك. والتقيته بموضع يقال له العلفدان بالقرب من زيزا (١) من أعمال البلقاء. وتصدق وأحسن إلىّ وقرّر لى ما كان لوالدى، ولازمت خدمته والحضور في مجلسه في غالب الأوقات والاستفادة معه على الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى في العلوم النظرية. وفى شوّال من هذه السنة سافر الملك الناصر من الكرك إلى الديار المصرية، وفى صحبته الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى و [فخر الدين (٢)] فخر القضاه بن بزاقه. ولما وصل إلى الديار المصرية أنزله السلطان الملك الكامل في دار الوزارة (٣). وأقام بالديار المصرية في خدمة عمه [الملك الكامل (٤)] إلى أن خرجت هذه السنة. وفى هذه السنة توفى الشيخ سيف الدين على الآمدى (٥) ﵀ وكان إمام وقته في الأصولين والمنطق وغير ذلك من العلوم العقلية والخلاف. وسافر إلى

стр. 1642

العراق، وذكر لى أنه دخل بغداد في خلافة المستنجد بالله (١) وعمره خمس عشرة سنة، والوزير ببغداد يومئذ عون الدين بن هبيرة. واشتغل فيها بالأصول ومذهب الشافعى، وكان قبل ذلك حنبليا. وسافر إلى الديار المصرية وأقام بها مدّة طويلة، وقدم إلى حماة بعد سنة ستمائة. واعتنى به الملك المنصور [ناصر الدين أبو المعالى محمد صاحب حماه (٢)] وبنى له مدرسة بحماه، واشتغل عليه بالعلم ولازمه. وصنف بحماه كتبا كثيرة (٣) في الأصولين والخلاف والمنطق. وكان يغرى (٤) بالرد على فخر الدين ابن خطيب الرازى (٥)، ويتتبع كلامه وإفساده. وإذا ذكره في تصانيفه يقول: «قال بعض المتأخرين»، ويبالغ في ثلبه والوقيعة فيه. وغالب ظنى أنه كان يفعل ذلك حسدا لفخر الدين، فإنه كان يعتقد في نفسه أنه أعلم (٦) من فخر الدين أو مساويه في العلم، ويرى أن فخر الدين أشهر عند الناس منه، وإقبال الناس على تصانيف فخر الدين أكثر من إقبالهم على تصانيفه، وتعظيمهم له أكثر لا سيما العجم. وكان يبلغه أن السلطان علاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه (٧) كان ينزل إلى خدمة فخر الدين راجلا، ويأخذ العلم عنه، ويعظمه

стр. 1643

التعظيم العظيم (١). [١٧٥ ا] وكثرت عند فخر الدين الأموال العظيمة، والمماليك الكثيرة، والخيل المسوّمة، وفى خدمته من علماء العجم من لا يحصى (٢) كثرة، ويرى هو في نفسه ضد ذلك من قلة التعظيم له، وعدم الاحتفال به، وقلة ما يتناوله من العلوم. فكان ذلك مما أظن سبب وقيعته فيه. وكتب إلى سيف الدين - وهو بحماة - الملك المسعود صاحب آمد يطلبه ليوليه قضاء بلاده. وبلغ ذلك الملك المنصور [بن تقى الدين (٣)] فعظم عليه ذلك، ولم يؤثر فراقه. وبعث إليه الربعة وشاهدين عدلين استحلفاه بالمصحف والطلاق والأيمان المغلظة أن لا (٤) يفارق حماة إلا بإذنه فحلف له. ثم في سنة سبع عشرة وستمائة، قبل وفاة الملك المنصور بأشهر، كتب الملك المعظم صاحب دمشق إلى سيف الدين [الآمدى (٥)] يستدعيه ليكون عنده بدمشق، ووعده الوعود الجميلة، فهرب إليه فولاه الملك المعظم تدريس المدرسة العزيزية (٦)،

стр. 1644

وأنزله في دار بدرب عزيزة (١)، وأحسن إليه إلا أنه كان يظن أن الملك المعظم يفعل في حقه من الإحسان أضعاف ما وقع منه. وبلغنى أن سبب تقصير الملك المعظم في حقه أن شرف الدين بن عنين (٢) كان من المتعصبين (٣) لفخر الدين الرازى، ولفخر الدين إحسان إليه عظيم - على ما سنذكر إن شاء الله تعالى، وأن شرف الدين [بن عنين (٤)] اجتمع بسيف الدين [على (٥)] فسمعه يغض من قدر فخر الدين (٦) [بن خطيب الرازى (٧)]، ويكثر الوقيعة فيه. فغاظه ذلك، ووقع فيه عند الملك المعظم، وصغر منزلته عنده، إلا أنه مع هذا كان يحضره الملك المعظم ليالى الجمع مع علماء دمشق، ويسمع بحثه ومجادلته (٨). وكان سيف الدين [على الآمدى (٩)] بليغا إلى الغاية حسن العبارة، إذا أخذ في الاحتجاج والمناظرة لا يقدر أحد على مجاراته (١٠).

стр. 1645

وحكى لى السلطان الملك الناصر داود ﵀ ونحن في خدمته بالكرك قال: «كان إذا حضر الشيخ سيف الدين عند والدى ﵀ أقصد الحضور لأسمع كلامه، وأتعجب من بلاغته وفصاحته، وحسن احتجاجه واستعلائه على الجماعة في المناظرة». وقلت للملك الناصر: «أي الرجلين عند مولانا السلطان أفضل شمس الدين الخسرو شاهى أم سيف الدين [على الآمدى]؟ (١)». فقال [١٧٥ ب]: «سبحان الله، كيف تقول هذا، كل هؤلاء عند سيف الدين فراريج للذبح، سيف الدين كان يرى أنه أفضل من أستاذهم فخر الدين فهو لا يعتد بهم». ولما توفى الملك المعظم ﵀ تقدم سيف الدين عند الملك الناصر التقدم العظيم، ومال إليه بكليته، وأعطاه ثمانية آلاف درهم اشترى بها جوسقا وبستانا. ولازم الملك الناصر مع ملازمة شمس الدين الخسرو شاهى للملك الناصر. وفى بعض الأيام عقد الملك الناصر مجلسا جمع فيه جماعة الفضلاء الأعيان بدمشق - قبل أن تؤخذ منه - حضر المجلس الشيخ شمس الدين الخسرو شاهى والشيخ سيف الدين [الآمدى (٢)] والشيخ تاج الدين الأرموى وهو من الأكابر المصنفين الفضلاء، والقاضى شمس الدين الخويى (٣) قاضى دمشق، وكان جامعا لفنون

стр. 1646

الفضائل. وتناظروا فاجتمعت كلمة هؤلاء الأعاجم على سيف الدين وصاروا عليه يدا واحدة، وقهروه في البحث يومئذ لتظافرهم واتفاقهم (١). وصنف سيف الدين بدمشق للملك الناصر كتابا في العلوم العقلية سماه «فرائد القلائد (٢)» طلبه الملك الناصر منه فصنفه على حسب اقتراحه. ولما أخذ الملك الكامل دمشق من الملك الناصر ومضى إلى الكرك وأقام بها، أحب ان يكون عنده جماعة من أهل العلم يستأنس بهم، فطلب والدى أولا، فمضينا إلى خدمته وأقمنا عنده - كما ذكرت أولا (٣). ثم بعد ذلك طلب شمس الدين الخسرو شاهى، وكان قد سيّره وهو بدمشق إلى سلطان العجم جلال الدين [ابن علاء الدين خوارزم شاه (٤)] يستنصر به على أعمامه، وعاد من عنده وجرى ما ذكرنا. وبقى شمس الدين في دمشق مضطهدا، فطلبه الملك الناصر فقدم عليه إلى الكرك، ولازمه وقرأ عليه ولم يفارقه في سفر ولا حضر (٥) إلى أن أخذت الكرك من الملك الناصر على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وبقى سيف الدين [الآمدى (٦)] في دمشق، والملك الأشرف معرض عنه (٧) كاره له. فبعث الملك المسعود صاحب آمد يطلبه، وعقيب ذلك جرى ما ذكرنا

стр. 1647

من أخذ آمد من صاحبها (١). ولما أخذت منه قال الملك الكامل [١٧٦ ا] فيما بلغنى لصاحب آمد: «ما عندك في بلدك من عنده (٢) فضيلة». فغلط وقال «كنت سيّرت إلى الشيخ سيف الدين أطلبه، وقد وعدنى أنه يأتى إلىّ». فعظم هذا على الملك الأشرف والملك الكامل وغاظهما على سيف الدين [على الآمدى (٣)]؛ فعزله الملك الأشرف عن تدريس المدرسة العزيزية، فخرج إلى بستانه وأقام فيه مضطهدا إلى أن مات في هذه السنة وقد نيف على ثمانين سنة ﵀. وفى هذه السنة توفى شرف الدين بن عنين [وهو أبو المحاسن محمد بن نصر الله ابن الحسين بن عنين الأنصارى الكوفى الأصل، الدمشقى المولد] (٤). وكان شاعرا مجيدا، إلا أنه كان كثير الهجاء، فكان له إبداع فيه. تعرض في الدولة الصلاحية لهجو (٥) جماعة من أكابر الدولة منهم القاضى الفاضل ﵀. وأمر الملك الناصر [صلاح الدين ﵀ (٦) -] بنفيه فذكر أنه كتب على شجرة من جوز دمشق لمّا نفى: فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم (٧) ذنبا (٨) ولا سرقا انفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا

стр. 1648

وسافر إلى اليمن، وخدم عند سيف الاسلام طغتكين بن أيوب وله فيه مدائح حسان، وأقام عنده مدة (١). وسافر إلى بلاد العجم، [واجتمع بفخر الدين بن خطيب الرازى ومدحه. وكان فخر الدين (٢)] يجلس في بعض الأيام للوعظ، على عادة العجم، فجلس يوما واتفق أن صقرا طلب حمامة ليفترسها، فهربت الحمامة منه ووقعت في حجر فخر الدين، فضم عليها ثيابه حتى هرب الصقر ثم أطلقها. فقام شرف الدين [ابن عنين (٣)] وأنشده (٤) أبياتا منها: يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا ... في كل مسغبة (٥) وثلج خاشف (٦) ويقول فيها: جاءت سليمان الزمان بشجوها (٧) ... والموت يلمع من (٨) جناحى خاطف

стр. 1649

قرم طواه الجوع (١) حتى ظله ... من تحته يمشى بقلب راجف (٢) من أنبأ (٣) الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف [١٧٦ ب] فأعطاه فخر الدين - على ما بلغنى - ألف دينار. ثم قدم شرف الدين الشام، واتصل بخدمة الملك المعظم ولازمه، وله فيه وفى أبيه الملك العادل - رحمهما الله - المدائح البديعة، وقد ذكرنا بعضها (٤). وبعد وفاة الملك المعظم بقى مقيما بدمشق في خدمة الملك الأشرف، وله فيه أيضا مدائح. ولما مرض كان له جماعة مماليك قد رباهم، فكتب إلى الملك الأشرف يعرض باستخدامه لهم: (٥) يا أيها المولى الذى سيفه (٦) ... يفنى وجدوى كفه تغنى لى أعبد قد ضاق ذرعى بهم ... واضجرتهم علتى منى يشكون منى مثل ما اشتكى ... منهم فخلصهم وخلصنى فاستخدمهم الملك الأشرف وجعل لهم أخبازا (٧).

стр. 1650

وكان مولد شرف الدين سنة تسع وأربعين وخمسمائة [وذلك بدمشق يوم الاثنين تاسع شعبان. وكانت وفاته عشية يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين وستمائة (١)] فكان عمره نحو احدى وثمانين سنة (٢). ودفن من الغد في مسجده الذى أنشأه بأرض المزّه ظاهر دمشق. ولنذكر شيئا من أشعاره فأنها كلها بديعة مستظرفة؛ من ذلك أنه لما نفاه السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ من دمشق، وعاد إليها حين أذن له الملك العادل ﵀ في العود إليها قال: هجوت الأكابر في جلّق (٣) ... ورعت الوضيع بسب الرفيع وأخرجت منها ولكننى ... رجعت إليها برغم الجميع (٤) وكان السلطان الملك المعظم بن الملك العادل ﵀ قد تغيّر على قاضى دمشق زكى الدين بن محيى الدين بن زكى الدين فبعث إليه كلوته وقبا (٥) وأمره بلبسه في المجلس، فلبسه وقام من المجلس، ومرض أياما غمّا ومات. واتفق في تلك المدة ان ابن عنين تزهد وانقطع في مسجد، فسير إليه الملك المعظم خمرا ودست نرد (٦) فكتب إليه:
следующие страницы →