← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

الفضائل. وتناظروا فاجتمعت كلمة هؤلاء الأعاجم على سيف الدين وصاروا عليه يدا واحدة، وقهروه في البحث يومئذ لتظافرهم واتفاقهم (١). وصنف سيف الدين بدمشق للملك الناصر كتابا في العلوم العقلية سماه «فرائد القلائد (٢)» طلبه الملك الناصر منه فصنفه على حسب اقتراحه. ولما أخذ الملك الكامل دمشق من الملك الناصر ومضى إلى الكرك وأقام بها، أحب ان يكون عنده جماعة من أهل العلم يستأنس بهم، فطلب والدى أولا، فمضينا إلى خدمته وأقمنا عنده - كما ذكرت أولا (٣). ثم بعد ذلك طلب شمس الدين الخسرو شاهى، وكان قد سيّره وهو بدمشق إلى سلطان العجم جلال الدين [ابن علاء الدين خوارزم شاه (٤)] يستنصر به على أعمامه، وعاد من عنده وجرى ما ذكرنا. وبقى شمس الدين في دمشق مضطهدا، فطلبه الملك الناصر فقدم عليه إلى الكرك، ولازمه وقرأ عليه ولم يفارقه في سفر ولا حضر (٥) إلى أن أخذت الكرك من الملك الناصر على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وبقى سيف الدين [الآمدى (٦)] في دمشق، والملك الأشرف معرض عنه (٧) كاره له. فبعث الملك المسعود صاحب آمد يطلبه، وعقيب ذلك جرى ما ذكرنا

стр. 1647

من أخذ آمد من صاحبها (١). ولما أخذت منه قال الملك الكامل [١٧٦ ا] فيما بلغنى لصاحب آمد: «ما عندك في بلدك من عنده (٢) فضيلة». فغلط وقال «كنت سيّرت إلى الشيخ سيف الدين أطلبه، وقد وعدنى أنه يأتى إلىّ». فعظم هذا على الملك الأشرف والملك الكامل وغاظهما على سيف الدين [على الآمدى (٣)]؛ فعزله الملك الأشرف عن تدريس المدرسة العزيزية، فخرج إلى بستانه وأقام فيه مضطهدا إلى أن مات في هذه السنة وقد نيف على ثمانين سنة ﵀. وفى هذه السنة توفى شرف الدين بن عنين [وهو أبو المحاسن محمد بن نصر الله ابن الحسين بن عنين الأنصارى الكوفى الأصل، الدمشقى المولد] (٤). وكان شاعرا مجيدا، إلا أنه كان كثير الهجاء، فكان له إبداع فيه. تعرض في الدولة الصلاحية لهجو (٥) جماعة من أكابر الدولة منهم القاضى الفاضل ﵀. وأمر الملك الناصر [صلاح الدين ﵀ (٦) -] بنفيه فذكر أنه كتب على شجرة من جوز دمشق لمّا نفى: فعلام أبعدتم أخا ثقة ... لم يجترم (٧) ذنبا (٨) ولا سرقا انفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا

стр. 1648

وسافر إلى اليمن، وخدم عند سيف الاسلام طغتكين بن أيوب وله فيه مدائح حسان، وأقام عنده مدة (١). وسافر إلى بلاد العجم، [واجتمع بفخر الدين بن خطيب الرازى ومدحه. وكان فخر الدين (٢)] يجلس في بعض الأيام للوعظ، على عادة العجم، فجلس يوما واتفق أن صقرا طلب حمامة ليفترسها، فهربت الحمامة منه ووقعت في حجر فخر الدين، فضم عليها ثيابه حتى هرب الصقر ثم أطلقها. فقام شرف الدين [ابن عنين (٣)] وأنشده (٤) أبياتا منها: يا ابن الكرام المطعمين إذا شتوا ... في كل مسغبة (٥) وثلج خاشف (٦) ويقول فيها: جاءت سليمان الزمان بشجوها (٧) ... والموت يلمع من (٨) جناحى خاطف

стр. 1649

قرم طواه الجوع (١) حتى ظله ... من تحته يمشى بقلب راجف (٢) من أنبأ (٣) الورقاء أن محلكم ... حرم وأنك ملجأ للخائف [١٧٦ ب] فأعطاه فخر الدين - على ما بلغنى - ألف دينار. ثم قدم شرف الدين الشام، واتصل بخدمة الملك المعظم ولازمه، وله فيه وفى أبيه الملك العادل - رحمهما الله - المدائح البديعة، وقد ذكرنا بعضها (٤). وبعد وفاة الملك المعظم بقى مقيما بدمشق في خدمة الملك الأشرف، وله فيه أيضا مدائح. ولما مرض كان له جماعة مماليك قد رباهم، فكتب إلى الملك الأشرف يعرض باستخدامه لهم: (٥) يا أيها المولى الذى سيفه (٦) ... يفنى وجدوى كفه تغنى لى أعبد قد ضاق ذرعى بهم ... واضجرتهم علتى منى يشكون منى مثل ما اشتكى ... منهم فخلصهم وخلصنى فاستخدمهم الملك الأشرف وجعل لهم أخبازا (٧).

стр. 1650

وكان مولد شرف الدين سنة تسع وأربعين وخمسمائة [وذلك بدمشق يوم الاثنين تاسع شعبان. وكانت وفاته عشية يوم الاثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين وستمائة (١)] فكان عمره نحو احدى وثمانين سنة (٢). ودفن من الغد في مسجده الذى أنشأه بأرض المزّه ظاهر دمشق. ولنذكر شيئا من أشعاره فأنها كلها بديعة مستظرفة؛ من ذلك أنه لما نفاه السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ من دمشق، وعاد إليها حين أذن له الملك العادل ﵀ في العود إليها قال: هجوت الأكابر في جلّق (٣) ... ورعت الوضيع بسب الرفيع وأخرجت منها ولكننى ... رجعت إليها برغم الجميع (٤) وكان السلطان الملك المعظم بن الملك العادل ﵀ قد تغيّر على قاضى دمشق زكى الدين بن محيى الدين بن زكى الدين فبعث إليه كلوته وقبا (٥) وأمره بلبسه في المجلس، فلبسه وقام من المجلس، ومرض أياما غمّا ومات. واتفق في تلك المدة ان ابن عنين تزهد وانقطع في مسجد، فسير إليه الملك المعظم خمرا ودست نرد (٦) فكتب إليه:

стр. 1651

يا أيها الملك المعظم سنّة ... أجريتها (١) تبقى على الآباد (٢) تجرى الملوك على طريقك بعدها ... خلع القضاة وتحفة الزّهاد وأمر الملك المعظم بنزح ماء (٣) بئر فأعيى الناس نزحه لكثرة ما فيه من الماء فقال ابن عنين: أرح من نزح ماء البئر (٤) قوما (٥) ... فقد أفضى إلى تعب وعي مر القاضى بوضع يديه فيه ... فيصبح مثل رأس الدولعى (٦) وكان القاضى بدمشق يومئذ جمال الدين المصرى وقد تقدم ذكره (٧)، والدولعى هو جمال الدين خطيب جامع دمشق، وهو منسوب إلى الدولعيّة قرية على باب الموصل في طريق الذاهب إلى الموصل من جهة نصيبين وقد رأيتها. وبلغه أن قائلا قال في أكل النواب أوقاف الجامع: لمّا رأى الجامع أمواله ... منهوبة (٨) ما بين نوّابه جنّ فمن أجل جنون غدا ... مسلسلا ما بين أبوابه

стр. 1652

وكيف لا تغتال جنّة ... وقد رأى خسة أربابه القرد في شبّاكه حاكم ... والكلب في قبلة محرابه (١) فتمم بذلك الوقيعة في القاضى والخطيب المذكورين (٢). وله في هذا الباب شىء كثير أربى فيه على ابن منير (٣) بل على ابن الرومى (٤). وكان مجيدا في عمل الألغاز وحلها. كتب إليه بعض الأدباء (٥) لغزا في الزّر والعروة (٦): وما أنثى وينكحها أخوها ... بعقد وهو حل مستباح رآه معشر منا حلالا (٧) ... وفى أعناقهم ذاك النكاح

стр. 1653

فحلّ اللغز وكتب الجواب ملغزا فيهما: أتانى منك لفظ مثل (١) در ... له من فكرك الوارى فصاح ببعل كله ذكر صحيح ... وأنثى كلها فرج مباح وتفضى هذه ويحبّ هذا ... ولا يؤذيهما ذاك (٢) الجراح وقد قدمنا ذكره في أخبار سيرة الملكين العادل والمعظم - رحمهما الله - والقصيدة الرائية التي مدح بها السلطان الملك العادل في غاية الحسن [١٧٧ ب] قد ذكرنا بعضها (٣). وذكر في آخرها تغربه، وشكر الحوادث التي أوصلته إلى جناب الملك العادل وهو: أشكو إليك نوى تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا لا عيشتى تصفو، ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفنى يخالطه (٤) الكرى أضحى عن الأحوى (٥) المريع محلّأ ... وأبيت عن ورد النمير (٦) منفّرا ومن العجائب أن يقيّل (٧) ظلكم ... كل الورى ونبذت وحدى بالعرا ولقد سمئت من القريض ونظمه ... ما حاجتى (٨) ببضاعة لا تشترى

стр. 1654

كسدت فلما قمت ممتدحا بها ... ربّ الممالك نلت أربح متجرا (١) ولأشكرن (٢) حوادثا قذفت بآ ... مالى إليك وحقّها أن تشكرا لا زلت ممتدّ (٣) البقا حتى ترى ... عيسى بعيسى في الورى مستنصرا أراد بعيسى الثانى ولده الملك المعظم - رحمهما الله (٤). ذكر وفاة [الملك المعطم (٥)] مظفر الدين كوكبورى ابن زين الدين على كوجك بن بكتكين صاحب أربل ﵀ [قد ذكرنا أخبار مظفر الدين بن زين الدين على كوجك في أخبار السلطان الملك الناصر صلاح الدين وبعدها (٦). وكان أبوه زين الدين على كوجك متحكما في الدولة الأتابكية ونائبا عن الملك عندهم. وقد ذكرنا أنه لما مات ملك أربل وبلادها مظفر الدين كوكبورى هذا، وانه صرف عن الملك بعد ذلك وولّيت البلاد لأخيه زين الدين يوسف، وكان أصغر منه في السن، وأنه أعطى بدلها الرها، وأنه لما ظهر الملك الناصر صلاح الدين

стр. 1655

التجأ إليه (١) مظفر الدين وفارق البيت الأتابكى وخدمه (٢)]. ولما ملك السلطان [صلاح الدين] (٣) الشرق، أقطعه حرّان مضافة إلى الرها (٤)، [وأنه نقم عليه بعد ذلك وأخذها منه، ثم رضى عنه وردها إليه] (٥). ولما كان السلطان [صلاح الدين (٦)] بمرج عكافى مقابلة الفرنج المنازلين (٧) لها توفى زين الدين يوسف (٨) بن زين الدين صاحب أربل بالمعسكر، وكان من جملة النجد الذين في خدمة السلطان (٩)، فنزل مظفر الدين عن حران والرها [١٧٨ ا]، وطلب بدلا منهما أربل وبلادها فأجيب إلى ذلك (١٠)، وقلده السلطان ذلك، فمضى مظفر الدين إليها، [واستولى على ممالكها (١١)]، ولم يتفق بعد ذلك عوده إلى السلطان. ثم صار بعد وفاة السلطان منتميا إلى البيت الأيوبى؛ لأن الملك صار إليه بطريقهم، وتزوّج ربيعة خاتون بنت أيوب أخت [السلطان الملك الناصر صلاح الدين وأخت (١٢)] الملك العادل، وأولدها ابنتين تزوّج إحداهما (١٣) الملك القاهر

стр. 1656

عز الدين مسعود [بن أرسلان شاه (١)] صاحب الموصل وأولدها ابنين، والأخرى تزوّجها أخوه عماد الدين زنكى. ومات الملك القاهر وتغلب بدر الدين لؤلؤ - مملوك أبيه - على الموصل، وأقام ولديه الصغيرين في الملك صورة واحدا بعد واحد (٢). ولما هلك الثانى منهما استقل (٣) بالملك، فقامت بسبب [ذلك (٤)] العداوة بين مظفر الدين وبدر الدين لؤلؤ، وجرى بينهما من الحروب ما تقدم ذكره. وكان مظفر الدين يلقب بالملك المعظم، ولما حضره الموت لم يكن له ولد يخلفه في الملك، فأوصى بتسليم البلاد إلى الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين (٥). [فلما مات ورد نوّاب الديوان العزيز إلى أربل وتسلموها، وولى فيها وال من قبل الخليفة، فأقام مدة ثم عزله، وولى بعده أربل الشريف تاج الدين بن صلايا (٦)]، وكان كريما حسن السيرة. ولم يزل حاكما بالبلاد من قبل الخليفة إلى أن ملك التتر بغداد، وقتلوا (٧) الخليفة المستعصم بالله أبا أحمد عبد الله بن المستنصر بالله، وملكت التتر البلاد. [فوفد إلى أولاكو (٨) ملكهم الشريف تاج الدين وبدر الدين لؤلؤ

стр. 1657

صاحب الموصل فقتل ملك التتر الشريف ابن صلايا لأنه على ما ذكر حسّن له صاحب الموصل قتله، وقال أنه شريف وربما طمع في الخلافة. ورجع بدر الدين إلى الموصل على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (١)]. ذكر سيرة مظفر الدين ﵀ كان ملكا جليلا، شجاعا مقداما، ذا همة عالية [وبأس شديد، إلا أنه كان فيه ظلم وعسف وإلحاح في استخراج الأموال. ومع هذا، فكانت له (٢)] صدقات كثيرة دارّة، ومعروف كثير، واستفكاك الأسارى من أيدى الفرنج. وكان مقصدا للفقهاء والشعراء والأدباء والصوفية وأهل الدين، يبّرهم بالأموال الجزيلة، ولا ينصرفون من عنده إلا راضين شاكرين. [وكان يعمل السماعات كثيرا للفقراء ويحضر بينهم، وكان متنزها عن شرب الخمر والمعاصى، قائما بوظائف الصلوات في أوقاتها (٣)]. [واتخذ اليوم الثانى عشر من شهر ربيع الأول في كل سنة موسما لكون مثل ذلك اليوم هو الذى ولد فيه النبى ﷺ فكان ينفق فيه الأموال الجزيلة، ويعمل السماعات والاجتماعات للقراءة. وكان يحضر هذه المجامع ويبذل فيها الدنانير والدراهم الكثيرة، ويبعث إلى الشام كل سنة جملة كثيرة بسبب استفكاك الأسرى (٤)].

стр. 1658

وممن قدم عليه (١) الحافظ مجد الدين أبو الخطاب عمر بن دحية (٢) [وكان إمام وقته في علم الحديث وله فيه رحل كثيرة. ولما قدم عليه (٣)] امتدحه بقصيدة مطلعها: لولا الوشاة وهم (٤) ... أعداؤنا ما وهموا وساح جفنى وهما (٥) ... بالدمع لمّا فهموا فأعطاه ألف دينار (٦). وقد حكى القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان قاضى دمشق ﵀ عنه أشياء حسنة أودعها كتابه المسمى وفيات الأعيان (٧)، وهو أخبر الناس بأحواله لأنه نشأ بأربل، وأكثر ما ذكر يعرفه مشاهدة لا سماعا فلنذكره:

стр. 1659

قال [ابن خلكان (١)] ما معناه أن والده على بن بكتكين كان قصيرا ولهذا قيل له كجك، وهو لفظ عجمى معناه بالعربى صغير أي صغير القدر، وأصله من التركمان. وملك أربل وبلادا كثيرة في تلك النواحى وفرقها على أولاد [أتابك (٢)] قطب الدين مودود بن زنكى بن آق سنقر صاحب الموصل، ولم يبق له سوى أربل. وعمر عمرا طويلا فيقال أنه جاوز مائة سنة، وعمى في آخر عمره، وتوفى بأربل ليلة الأحد حادى عشر ذى القعدة سنة ثلاث وستين وخمسمائة. قال [ابن خلكان (٣)]: وقال بهاء الدين بن شداد [في سيرة صلاح الدين (٤)] مات في ذى الحجه ودفن بتربته المعروفة به المجاورة للجامع العتيق داخل البلد. ولما توفى ولى أربل بعده ولده مظفر الدين كوكبورى، وعمره يومئذ أربع عشرة سنة، وقام بأتابكيته مجاهد الدين قايماز، ثم تعصب عليه مجاهد الدين وكتب محضرا بأنه ليس أهلا للولاية. وشاور الخليفة في أمره فعزله واعتقله، وولى أربل أخاه زين الدين يوسف وكان أصغر منه. ثم أخرج مظفر الدين من البلاد [١٧٩ ا] فتوجه إلى بغداد فلم يحصل على مقصود، ثم انتقل إلى الموصل وصاحبها يومئذ سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن زنكى، واتصل بخدمته وأقطعه مدينة حران فانتقل إليها. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ وحظى عنده وتمكن منه، وزاد في أقطاعه الرها سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وزاده سميساط وذلك حين أخذ الملك الناصر الرها من

стр. 1660

فخر الدين بن الزعفرانى، وزوّج مظفر الدين أخته ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب ابن شادى، وكانت قبله مزوّجة بسعد الدين (١) مسعود بن معين الدين آنر. وتوفى عنها مسعود سنة احدى وثمانين وخمسمائة. وشهد مظفر الدين مع الملك الناصر صلاح الدين حروبه مع الفرنج، وكان أخوه زين الدين يوسف قد وفد إلى السلطان ﵀ نجدة وهو محاصر للفرنج المحاصرين لعكا، فتوفى بالناصرة وهى قرية بالقرب من عكا، كان انتقل إليها من العسكر السلطانى لما مرض، وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان سنة ست وثمانين وخمسمائه. فالتمس مظفر الدين من السلطان أن ينزل عن الرها وحران وسميساط ويعوضه عن ذلك أربل، فأجابه إلى ذلك وضم إليه شهرزور فتوجه إلى أربل ودخل إليها في ذى الحجة من السنة المذكورة. هذه خلاصة أمره. قال [ابن خلكان (٢)]: وكان له في فعل الخير غرائب لم يسمع أن أحدا فعل مثلها، من ذلك أنه لم يكن شىء أحب إليه من الصدقة، كان له كل يوم قناطير مقنطرة من الخبز (٣) تفرق على المحاويج في عدة مواضع من البلد، يجتمع في كل موضع (٤) خلق كثير، ويفرق عليهم في أول النهار. [وإذا نزل من الركوب يكون قد اجتمع جمع كثير عند بابه فيدخلهم إليه، ويدفع لكل واحد منهم كسوة على قدر الفصل من الشتاء والصيف. ومع الكسوة شىء من الذهب من الدينار

стр. 1661

والاثنين (١) والثلاثة وأقل وأكثر. وكان قد بنى أربع خانكاهات للزّمنى (٢) والعميان، وملأها من هذين الصنفين، وقرر لهم ما يحتاجون إليه كل يوم. وكان يأتيهم بنفسه في عصرية كل اثنين وخميس (٣)، ويدخل إلى كل واحد منهم [١٧٩ ب] في بيته ويسأله عن حاله، ويتفقده بشىء من النفقة، ويباسطهم ويمزح معهم ويجبر قلوبهم. وبنى دارا للنساء الأرامل، ودارا للصغار الأيتام، ودارا للقطاء، ورتب بها جماعة من المراضع، وكل مولود يلتقط يحمل إليهن فيرضعنه. وأجرى لأهل كل دار ما يحتاجون إليه في كل يوم. [وكان يدخل إليها في كل وقت ويتفقد أحوالهن ويعطيهن النفقات زيادة على المقرر لهن (٤)]. وكان يدخل إلى البيمارستان ويقف على مريض مريض، ويسأله عن مبيته وكيفية حاله. وكان له دار مضيف يدخل إليها كل قادم إلى البلد من فقيه أو فقير أو غيرهما، وما كان يمنع منها كل من قصد الدخول إليها، وله الراتب الدار في الغداء والعشاء. وإذا عزم الانسان على السفر أعطى نفقة على ما يليق بمثله. وبنى مدرسة رتب فيها فقهاء الفريقين من الشافعية والحنفية. وكان كل وقت يأتيها بنفسه ويعمل السماط بها، ويبيت [بها (٥)] ويعمل السماع. وإذا طاب

стр. 1662

خلع شيئا من ثيابه وسيّر (١) إلى الجماعة بكرة شيئا من الأنعام. ولم يكن له لذة سوى السماع، فإنه لم يكن يتعاطى شرب المسكر (٢)، ولا يمكّن أحدا من إدخاله إلى البلد. وبنى للصوفية خانقاتين، فيهما خلق كثير من المقيمين والواردين. ويجتمع في أيام المواسم فيهما خلق كثير يفوت الأحصاء. ورتّب لهما أوقافا كثيرة تقوم بجميع ما يحتاج إليه ذلك الخلق العظيم. ولا بد عند سفر كل واحد من صوفية الخانقاتين من نفقة يأخذها. وكان ينزل بنفسه إليهم، يعمل عندهم السماعات في كثير من الأوقات. وكان يسيّر في كل سنة دفعتين من أمنائه (٣) جماعة إلى ساحل الشام ومعهم جملة كثيرة من المال لا ستفكاك أسرى المسلمين من الكفار. وإذا وصلت إليه الأسرى أعطى كل واحد منهم شيئا، ومن لم يصل منهم أعطاه الأمناء شيئا بوصيته إليهم بذلك. وكان يقيم في كل سنة سبيلا للحاج، ويسير مع السبيل جميع ما تدعو حاجة المسافر إليه في الطريق، ويسير صحبته أمينا [معه (٤)] خمسة أو ستة آلاف دينار (٥) لينفق بالحرمين على المحاويج وأرباب الرواتب. وله بمكة - حرسها الله تعالى -[١٨٠ ا] آثار جميلة، وبعضها باق إلى الآن. وهو أول من أجرى الماء إلى جبل عرفات

стр. 1663

ليلة الوقوف، وغرم عليه جملة كثيرة. وعمر بالجبل مصانع للماء (١) وبنى تربة هناك. وأما احتفاله بمولد النبى ﷺ فإن الوصف يقصر عن الإحاطة به. قال [ابن خلكان (٢)]: ولكنا نذكر طرفا منه، وهو أن أهل البلاد كانوا قد سمعوا بحسن اعتقاده فيه، فكانوا كل سنة يصل من البلاد القريبة من أربل مثل بغداد والموصل والجزيرة وسنجار ونصيبين وبلاد العجم وتلك النواحى من الفقهاء والصوفية والوعاظ والقراء والشعراء خلق عظيم. ولا يزالون يتواصلون من المحرم إلى شهر ربيع الأوّل. ويتقدم مظفر الدين بنصب قباب من الخشب كل قبة أربع طبقات أو خمس، ويكون عدد القباب عشرين قبة، وأكبرها قبة له والباقى (٣) للأمراء وأعيان الدولة، لكل واحد قبة. فإذا كان أول صفر زينوا (٤) تلك القباب بأنواع الزينة الفاخرة المتجملة، وقعد في كل قبة جوق من المغانى، وجوق من أرباب الخيال، وفى كل طبقة من طبقات تلك القباب يكون فيها جوق. وتبطل معايش الناس في تلك المدة كلها، ولا يبقى للناس شغل إلا التفرج والدوران على تلك القباب. وكانت القباب تنصب من حدّ باب القلعة إلى باب الخانقاة المجاورة للميدان. وينزل مظفر الدين كل يوم بعد صلاة العصر ويقف على قبة قبة إلى آخرها، ويسمع غناء المغانى، ويتفرج على خيالاتهم وما يفعلونه في القباب. ثم يبيت في الخانقاة بعد الفراغ (٥)، ويركب عقيب صلاة الصبح

стр. 1664

ويتصيد، ثم يرجع إلى القلعة بعد الظهر (١)، هكذا يفعل في كل يوم إلى ليلة المولد (٢). وكان يعمله سنة في ثامن الشهر، وسنة في ثانى عشره، لأجل الخلاف الذى وقع فيه. فإذا كان قبل المولد بيومين أخرج من الإبل والبقر والغنم شيئا عظيما يجل عن الوصف، وزفّها بجميع ما عنده من الطبول والمغانى، حتى يؤتى بها إلى الميدان، ثم يشرع في نحرها وتنصب القدور، ويطبخ الطباخون الألوان المختلفة. وإذا كانت ليلة المولد (٣) عملت السماعات بعد أن يصلى المغرب في القلعة، [١٨٠ ب] ثم ينزل وبين يديه من الشموع المشتعلة (٤) شىء كثير، وفى جملتها شمعتان أو أكثر (٥). قال [ابن خلكان (٦)]: أشك في ذلك من الشموع الموكبية (٧) التي تحمل كل واحدة منها على بغل، ومن ورائها رجل يسندها، وهى مربوطة على ظهر البغل حتى ينتهى إلى الخانقاة. فإذا كان صبيحة ليلة المولد أنزل الخلع من القلعة [إلى الخانقاة (٨)] على أيدى الصوفية، على يد كل شخص منهم بقجه، وهم متتابعون كل واحد وراء الآخر، فينزل من ذلك شىء كثير لا يحصى عدده. ثم ينزل مظفر الدين إلى الخانقاة،

стр. 1665

ويجتمع به الأعيان والأكابر وطائفة كبيرة من بياض البلد. وينصب كرسى الوعظ، وقد نصب لمظفر الدين برج خشب له شبابيك إلى الموضع الذى فيه الناس وكرسى الوعظ، وشبابيك أخر للبرج أيضا إلى الميدان، وهو ميدان كبير في غاية الاتساع. ويجتمع فيه الجند، ويعرضهم ذلك النهار، وهو تارة ينظر إلى عرض الجند، وتارة ينظر إلى مجلس الوعظ. ولا يزال كذلك حتى يفرغ الجند من عرضهم. وعند ذلك يقدم السماط في الميدان للصعاليك، ويكون سماطا عاما عظيما (١). ويمد سماط آخر في الخانقاه للمجتمعين عند كرسى الوعظ. وفى مدة العرض ووعظ الوعاظ يطلب واحد واحد من (٢) الأعيان والرؤساء والوافدين لأجل هذا الموسم، ممن قدمنا ذكره من الفقهاء والوعاظ والقراء والشعراء، فيخلع على كل واحد منهم ويعاد إلى مكانه. فإذا تكامل ذلك كله حضروا السماط، وحمل من يعتاد الحمل إلى داره. (٣) ولا يزالون كذلك إلى العصر أو بعدها. ويبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات إلى بكرة، هكذا يعمل في كل سنة. وإذا فرغ هذا الموسم تجهزوا للانصراف إلى بلدانهم (٤)، فيدفع إلى كل شخص شىء من النفقة. وممن وفد إليه من العلماء الشيخ الحافظ أبو الخطاب عمر بن الحسن المعروف بابن دحية المحدث (٥) - وسيأتى ذكره فيما يأتى إن شاء الله تعالى - فأكرمه إكراما

стр. 1666

عظيما. ولما رأى غرام مظفر الدين لمولد النبى، ﷺ ، صنف له كتابا سماه (التنوير في مولد السراج المنير) وقرأه [١٨١ ا] على مظفر الدين بنفسه. قال القاضى شمس الدين [أحمد بن خلكان (١)]: وسمعناه على مظفر الدين في ست مجالس، وختم الحافظ بن دحيه هذا الكتاب بقصيدة أولها: لولا الوشاة وهم ... أعداؤنا ما وهموا فدفع الملك المعظم [مظفر الدين كوكبورى] (٢) إلى الحافظ بن دحيه ألف دينار. وذكر القاضى شمس الدين أن هذه القصيدة في ديوان الأسعد بن مماتى المصرى (٣). قال القاضى شمس الدين [ابن خلكان (٤)]: وكان مظفر الدين إذا استطاب شيئا من الطعام لا يختص به، بل إذا أكل من زبدية منه لقمة [طيبة (٥)] قال لبعض الجاندارية: «احمل هذه إلى الشيخ فلان أو فلانة» ممن هم عنده مشهورون بالصلاح. وكذلك كان يعمل في الحلوى والفاكهة وغير ذلك من المطاعم [والمشارب والكساء (٦)]. وكان حسن الأخلاق، كثير التواضع، حسن العقيدة، سالم الطوية (٧)، شديد الميل إلى أهل السنة والجماعة، لا ينفق عنده من أرباب العلوم سوى الفقهاء والمحدثين، ومن عداهم لا يعطيه شيئا إلا تكلفا. وكذلك الشعراء لا يقول

стр. 1667

بهم، ولا يعطيهم إلا إذا قصدوه فما كان يضيع قصدهم. وكان يميل إلى علم التاريخ، وعلى خاطره شىء يذاكر به (١). ولم يزل مؤيدا في مواقفه ومصافاته (٢) مع كثرتها، لم ينقل أنه انكسر في مصاف قط. قال شمس الدين: ولم أذكر عنه شيئا على سبيل المبالغة بل كل ما ذكرته عن مشاهدة وعيان، وربما (٣) حذفت بعضه طلبا للإيجاز. قال: وكانت ولادته بقلعة الموصل ليلة الثلاثاء السابعة والعشرين من المحرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وتوفى ﵀ وقت الظهر يوم الأربعاء ثامن عشر شهر رمضان سنة ثلاثين وستمائة بداره التي كانت لمملوكه (٤) شهاب الدين قرطايا (٥) لما قبض عليه سنة أربع عشرة وستمائة أخذها وصار يسكنها بعض الأوقات. ثم نقل إلى قلعة أربل ودفن بها، ثم حمل بوصية منه إلى مكة (٦) [١٨١ ب]- شرفها الله تعالى - وكان قد أعدّ له بها قبة تحت جبل عرفات في ذيله ليدفن بها. فلما توجه الركب إلى الحجاز سنة إحدى وثلاثين وستمائة سيروه في الصحبة. واتفق رجوع الحجاج قبل أن يصلوا إلى مكة بسبب حادثة لينة (٧). قلت: وهى التي سنذكرها في حوادث تلك السنة، فردوه ودفنوه بالكوفة بالقرب من مشهد أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه.

стр. 1668

وتوفيت زوجته الخاتون ربيعة بنت أيوب، أخت الملك العادل - رحمهما الله - في شعبان سنة ثلاث وأربعين وستمائة. قال [ابن خلكان (١)]: وغالب ظنى أنها جاوزت ثمانين سنة، وأدركت من محارمها الملوك من أخوتها وأولادهم وأولاد أولادهم أكثر من خمسين ملكا، غير محارمها (٢) من غير الملوك. كانت أربل لزوجها المذكور، والموصل لولدى بنتها (٣) اللذين تغلب عليهم بدر الدين لؤلؤ وأبوهما وعمهما؛ أعنى الملك القاهر وعماد الدين زنكى صهراها، والملك الأشرف صاحب خلاط وبلاد الشرق ابن أخيها، والملك الظاهر وابنه الملك العزيز ابنا (٤) أخيها، والملك المنصور وأبناه الملك الناصر والملك المظفر من ذرية أخيها، والملك الأمجد صاحب بعلبك ابن ابن أخيها، والملك المعظم وابنه الملك الناصر داود صاحبا دمشق والملك العزيز صاحب بانياس وولداه أولاد أخيها، والملك الكامل وأولاده الملك العادل والملك الصالح والملك المنصور أصحاب مصر واليمن أولاد أخيها، وغير هؤلاء ممن لم نذكرهم. قلت: وكان مظفر الدين مع ما ذكرنا فيه ظلم وعسف على رعيته، والحاح في استخراج الأموال، وأحدث مكوسا ومظالم. وقد حكى لى من ذلك شىء كثير فكرهت ذكره ﵀ وعفا عنه (٥).

стр. 1669

ذكر استيلاء الملك العزيز [بن السلطان الملك الظاهر (١)] صاحب حلب على شيزر كانت شيزر بيد الأمير شهاب الدين يوسف بن عز الدين مسعود [١٨٢ ا] ابن سابق الدين عثمان بن الداية، وقد كنا ذكرنا فيما سلف أن سابق الدين هذا كان هو وأخوته شمس الدين وبدر الدين [ومجد الدين أولاد الدايه (٢)] عظماء الدولة النورية، وكانت بأيديهم الإقطاعات الجليلة، وكانوا هم القائمين بأعباء دولة الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى ﵀. ثم كنا ذكرنا أنه (٣) بعد وفاة نور الدين ﵀ وملك ولده الملك الصالح اسماعيل أنه اعتقل [المدبرون لدولة الملك الصالح (٤)] شمس الدين وسابق الدين بحلب، وأن الملك الناصر صلاح الدين ﵀ أنكر على مقدمى الملك الصالح (٥) ذلك، وجعل ذلك (٦) ذريعة إلى قصد الشام [وخلصهما (٧)]، وجرى ما ذكرناه (٨) من تملكه الشام. ثم أنه اتصل الأمير سابق الدين بخدمة الملك الناصر [صلاح الدين (٩)]

стр. 1670

وكانت شيزر إقطاعا له في الأيام النورية وأقره عليها (١)، فبقيت في يده. وزاده الملك الناصر حصن بوقبيس (٢) بعد قتل صاحبه ناصح الدين خمارتكين. ولم يزل هذا الإقطاع في يده إلى أن مات بعد موت (٣) الملك الناصر صلاح الدين، وصار بعده لولده عز الدين (٤) مسعود واستمر في يده، وكان مضافا إلى الملك الظاهر صاحب حلب. ثم مات عز الدين فصار الإقطاع المذكور إلى ولده شهاب الدين يوسف، واستمر على الإضافة إلى مملكة حلب. فلما كانت هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين وستمائة - خرج الملك العزيز [ابن الملك الظاهر (٥)] صاحب حلب لرمى البندق (٦) في العمق وحارم (٧)، ثم توجه إلى دركوش ثم إلى أفاميه (٨)، فلم يحتفل به شهاب الدين [يوسف بن عز الدين مسعود ابن الداية (٩)] صاحب شيزر، وسير أقامة يسيرة وهى شىء قليل من الشعير على حمير سخرها من بلد شيزر، فغضب من ذلك الملك العزيز [وبقى في قلبه منه (١٠)].

стр. 1671

ولما دخل إلى حلب سير الأمير سيف الدين على بن قلج إلى خاله السلطان الملك الكامل، يستأذنه في حصار شيزر وأخذها من شهاب الدين (١). وكان السلطان الملك الكامل بدمشق فقرر [سيف الدين (٢)] مع السلطان [الملك الكامل (٣)] الأمر على ما يختاره الملك العزيز. فسير سيف الدين إلى الملك العزيز يعلمه بذلك، فحينئذ أخرج الملك العزيز عسكر حلب والزردخاناه (٤)، وسار إلى شيزر بعد أن وصل إليه سيف الدين بن قلج [١٨٢ ب]، ونصب عليها المجانيق (٥) من جهة الجبل وهو شرقيها، ونصب المنجنيق المغربى (٦) قبالة بابها. وأرسل السلطان الملك الكامل إلى الملك العزيز نجابين، ومعهما خمسة آلاف دينار مصرية، ليستخدم بها رجالة، يستعين بهم على الحصار. [وقدم نجدة للملك العزيز ابن خالته الملك المظفر صاحب حماة ومساعدا ومعاضدا. واحتيط على ما في رستاق شيزر من المغلات (٧)]. وسير الملك العزيز إلى شهاب الدين صاحب شيزر يقول له: «والله لئن قتل واحد من أصحابى لأشنقنك بدله، فتقدم شهاب الدين إلى الجرخيه (٨) الذين بالقلعة أن لا يرمى أحد منهم بسهم، وأسقط

стр. 1672

في يده (١)، وخاف خوفا شديدا. وأرسل إلى الملك العزيز يبذل له تسليمها وتسليم بوقبيس (٢)، على أن يبقى عليه أمواله التي بشيزر، ويحلف له على أملاكه التي بحلب. [فامتنع أن يجيبه إلى ذلك إلا بشرط أن يقرر عليه جملة كثيرة من المال، حكى لى أنها مائة ألف دينار، فنزل إلى خدمته ونادمه. وكان شهاب الدين - على ما حكى لى - يعانى اللعب بالجغانة (٣)، فأمره الملك العزيز أن يلعب بها بين يديه ففعل، فأطلق له الملك العزيز ما كان ألزمه أياه من المال، وأذن له في حمل أمواله معه إلى حلب وأبقاها جميعها عليه، ووفى له بأبقاء أملاكه بحلب عليه. وصعد الملك العزيز إلى قلعة شيزر وأقام بها ثم رحل إلى حلب (٤)]. ولما فتحت شيزر هنأ شهاب الدين يحيى بن موفق الدين خالد بن القيسرانى (٥) - كاتب الأنشاء - الملك العزيز بفتح شيزر بقوله (٦): يا مالكا عم أهل الأرض نائله ... وخص أحسانه الدانى مع القاصى لما رأت شيزر رايات نصرك في ... أرجائها ألقت العاصى إلى العاصى

стр. 1673

ذكر استيلاء الملك المظفر صاحب حماة على [حصن (١)] بعرين وانتزاعها من أخيه الملك الناصر [قلج أرسلان (٢)] كنا قد ذكرنا (٣) أن الملك المظفر لما تسلم حماة تقدم إليه الملك الكامل أن يسلم بعرين إلى أخيه الملك الناصر قلج أرسلان، فسلمها إليه فبقيت في يده [١٨٣ ا] إلى هذه الغاية. ثم أنه (٤) بعد أن فتح السلطان الملك الكامل آمد طلب منه الملك المظفر الإذن في أن يقصد بعرين وينتزعها من أخيه الملك الناصر، واعتذر إليه بأنه يخاف إن تركها في يده أن يقصدها الفرنج لأنهم جيرانها، فيأخذوها منه لضعفه عن حمايتها، فيقوى الضرر بذلك على المسلمين؛ فأن بعرين تجاور حصن الأكراد وصافيتا، ولهم عليها قطيعة، وهم في كل وقت يقصدونها، وبعض قراياها (٥) بين المسلمين والفرنج مناصفة، فأذن له السلطان [الملك الكامل (٦)] في ذلك. فقصدها الملك المظفر في هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين وستمائة، ونازلها بعسكره بعد أن بعث إلى أخيه يأمره بالنزول عنها، وأن يسلمها إليه، ويتهدده إن لم يجبه إلى ذلك، فلم يلتفت وأصر على العصيان والامتناع. ولما نازلها الملك المظفر زحف عليها،

стр. 1674

فأذعن حينئذ الملك الناصر إلى التسليم فسلمها إليه، ونزل إلى خدمته، واجتمع به، فطلب الملك المظفر منه أن يقيم عنده ويعطيه [من الأقطاع (١)] ما يقوم به، فامتنع [من ذلك (٢)] وسار إلى الديار المصرية، فبذل له خاله السلطان الملك الكامل خبزا بالديار المصرية يقوم بمائتى فارس (٣)، وأن يسلم إليه أملاك والده بمصر والغور. فحكى لى (٤) أنه نزل إليه فلك الدين المسيرى (٥) من عند السلطان وعرض عليه ما قال السلطان فغضب وقال: «لا والله، لا أرضى إلا بعود بلادى إلىّ»، وأراد عليها شيئا آخر. فرجع فلك الدين بهذا الجواب إلى السلطان، فعلم السلطان أنه قد اختل واضطرب مزاجه، فاعتقله بقلعة الجبل. ولم يزل معتقلا إلى أن مات سنة خمس وثلاثين وستمائة قبل موت السلطان الملك الكامل بأيام. ودفن في تربة الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين تور انشاه بن أيوب ﵀ خارج باب النصر. وورد كتاب السلطان الملك الكامل إلى الملك المظفر يخبره بموت أخيه، ويعزيه به، وفى الكتاب أنه ملك تسعا واعتقل تسعا (٥).

стр. 1675

ولما (١) ملك الملك المظفر بعرين، مدحه الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد (٢) وهنّاه بما تيسر له من هذا الفتح بقصيدة مطلعها: يوم نصرت به العلياء والجودا ... وساعة غادرت صيدا لك الصيدا وموقف سؤت كل الحاسدين به ... كما سررت به عدلا وتوحيدا أنطقت بالفتح أعواد الوشيج وما ... أحللت (٣) من ذكره من منبر عودا لولاك ما شدّ أزر المسلمين كما ... بنيان عزّهم لولاك ما شيدا بادرت «بارين (٤)» إذ بارت رعيتها ... جهدا وغودر عنها الأمن مطرودا واستبطأت منك وعدا لا تخاف له ... خلفا فأنجزتها تلك (٥) المواعيدا بكرت مفترعا بالسيف عذرتها ... من دون كل الورى حيّا ومولودا لم تطلع الشمس قيد الرمح (٦) ضاحية ... حتى غدا إرثك الممنوع مردودا ولا انقضى يومها حتى دلفت لها ... مصرفا أمرها: عزلا وتقليدا فأصبحت كحماة في حمى ملك ... بالعدل يجمع فيها الشاء والسيدا (٧)

стр. 1676

ألهى شقيقك عن إلف (١) الشقاق بها ... رنات (٢) بيض حكت (٣) في الهام تغريدا لم ينه إصراره حتى بذلت له ... طعنا دراكا وضربات أخاديدا ارجأته مدة الأسبوع ترشده ... عدلا وتوسعه لوما وتهديدا حتى إذا قعد الرأى السديد به ... وعاد عنه سبيل الرشد مسدودا صبّحت أشياعه فيها بصاعقة ... تخرّمت والدا منهم ومولودا أبقى خميسك يوم الأربعاء به ... ما حلّ فيه بعاد إذ عصوا هودا أظمأته (٤) بظبى كالنار مشعلة ... فروّه ورد أمن منك مورودا قد كان بالخوف مصفودا فغادره ... بدل الأمان له بالعفو مصفودا ألقى مقاليده في كف ذى لبد ... لو ساور الدهر أعطاه المقاليدا أكذبت ماظنه من سلب مهجته ... منه وصدقت من سمّاك محمودا كم رام صدّك عما جئت طالبه ... جهلا، متى كنت عمارمت مصدودا؟ أيوم (٥) دمياط إذرعت الفرنج بما ... أبقى ثناءك (٦) اذ لم (٧) تبق مقصودا أم يوم أفيون (٨) إذ بددت جمعهم ... وقد أتوا في لهام يملأ البيدا

стр. 1677

أم يوم آمد إذ زاحفتها (١) عجلا ... مصادما بالجلاميد البلاميدا وقائع عجزت عن وصفها فطن ال ... ـورى وإن أكثروا فيها الأسانيدا (٢) عمرى: لقد خص هذا الفتح جانبنا ... وعمّ إقليمنا أمنا وتمهيدا حتى لقد عاد يوم الأربعاء لنا ... مثل العروبة (٣) في أسبوعنا عيدا لا زلت تفدى لمن (٤) جاوزت رتبته ... كيما يخلدك الرحمن تخليدا ودام قولى في مدحيك (٥) مشتهرا ... ودام فعلك يا محمود محمودا

стр. 1678

ودخلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل مقيم بالديار المصرية، وعنده ابن أخيه الملك (١) الناصر داود بن الملك المعظم [نازل بدار الوزارة (٢)، وحصل له مرض شديد، ثم أبلّ منه. ووصل إلينا كتابه وأنا مقيم بالكرك في خدمته، وإنعامه الغزير متصل به يبشر بما منّ الله سبحانه عليه من العافية بعد أن كان به حمى حادة داخل العروق قارب فيها التلف، فشكرنا الله سبحانه على ما منّ به من عافيته (٣)]. والملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ببلاد الشرق (٤)، وأتابكه الأمير شمس الدين صواب [العادلى (٥)] وهو الحاكم في البلاد الشرقية [والمتصرف فيها] (٦) عن السلطان الملك الكامل. ذكر وفاة الأتابك شهاب الدين طغريل ﵀ [واتفق مرض الأتابك شهاب الدين طغريل في السنة الماضية، ودام مرضه إلى أن توفى (٧)] ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من المحرم من هذه السنة. فحضر

стр. 1679

السلطان الملك العزيز [صاحب حلب (١)]﵀ جنازته في صبيحة الليلة المذكورة. ومشى خلف جنازته من داره إلى أن صلى عليه خارج باب الأربعين (٢). ودفن في تربته التي بناها (٣) ووقفها مدرسة على مذهب (٤) الإمام أبى حنيفة ﵀. وبكى الملك العزيز بكاء عظيما. ثم حضر عزاءه يومين بالمدرسة السلطانية التي أنشأها الأتابك تحت القلعة، وجعل فيها تربة السلطان الملك الظاهر [غياث الدين غازى] (٥) ﵀. وكان (٦) ﵀ صالحا عادلا، كثير المعروف. وحافظ على مملكة ولد أستاذه الملك الظاهر من حين مات الملك الظاهر، و [عمر (٧)] الملك العزيز سنتان وكسر، إلى أن جاوز الملك العزيز عشرين سنة واستقل بالملك. وكان خصيا روميا شاهدته وأنا بحلب، وأنا على باب المدرسة السلطانية، وهو على برج من أبراج القلعة. وكان قد وقع منها في تلك السنة عدة أبراج، ولم يزل مهتما بها إلى أن نجزت، ﵀، وجازاه عن قيامه بدولة أستاذه أحسن الجزاء.

стр. 1680

ذكر مسير السلطان الملك الكامل من الديار المصرية لقصد الدخول إلى مملكة الروم وكان السبب في خروج السلطان الملك الكامل من الديار المصرية في هذه السنة [١٨٤ ب] أن السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو صاحب بلاد الروم قصد ولاية خلاط (١) وتعرض لأخذها (٢)، فاتفق رأى السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف على قصده وانتزاع البلاد [الرومية (٣)] التي في يده منه. فخرج السلطان الملك الكامل من مصر في عساكره المتوافرة، [وتوجه الملك الناصر من مصر إلى الكرك لترتيب أموره وتهيئته لأسباب الحركة. ووصلت أنا بعد سفره إلى دمشق من الكرك، فشاهدت يوم وصولى إليها وصول العساكر المصرية وهم في أحسن تجمل وزى (٤)]. وخرج أهل دمشق للتفرج عليهم وكان يوما مشهودا. ثم رحل السلطان الملك الكامل من دمشق بالعساكر العظيمة قاصدا بلاد الروم، فنزل شمالى سلميه بالقرب من شميميش (٥) وهى القلعة التي أنشأها الملك المجاهد صاحب حمص. واجتمعت بالملك الناصر ﵀ في تلك المنزلة، فأخذت منه دستور الأقيم بوطنى، وفارقته في تلك المنزلة على كره منه لذلك (٦). وشاهدت

стр. 1681

من عظمة العساكر وكثرتها يومئذ ما غلب على ظنى أنه لم يجتمع مثله في الأعصار القريبة من الملك من الملوك. وكان نزول العساكر بسلميه في شهر رمضان من هذه السنة، [ووصلت أنا إلى حماه (١)]. ثم رحل السلطان بالعساكر ونزل بمنبج، وهى من بلاد الملك العزيز صاحب حلب، بعد أن استأذن الملك العزيز في ذلك، فأذن له وسير إليه الملك العزيز الأقامه الكثيرة والزردخاناة. وسير إليه عسكر حلب نجدة. وقدم عليهم عمه الملك المعظم فخر الدين تورانشاه بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين. ثم سار (٢) السلطان الملك الكامل من جهة تل باشر، فوصل إلى خدمته ابن عمه الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك الناصر صلاح الدين صاحب البيرة وأخوه الملك المفضل موسى صاحب سميساط وابن أخيهما الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر صاحب عين تاب. ووصل أيضا إليه الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل صاحب ميافارقين وأخوه الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه (٣) ابن الملك العادل صاحب قلعة جعبر [وغيرهم] (٤). فذكر لى أنه كان في معسكر السلطان الملك الكامل (٥) ستة عشر دهليزا لستة عشر ملكا [١٨٥ أ] لم يجتمع مثلهم (٦) لملك قبل الملك الكامل؛ منهم الذين عددنا الآن

стр. 1682

ومنهم السلطان الملك الأشرف [بن الملك العادل (١)] وأخوه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل. [وكان أخوهما الملك العزيز قد توفى في سنة ثلاثين وستمائة (٢)، وملك بانياس وبلادها ولده الملك الظاهر. ثم توفى بعده بمدة يسيرة، وولى أخوه الملك السعيد بن الملك العزيز وهو طفل صغير، فأقرها السلطان الملك الكامل له. وكان في العسكر من الملوك السلطان الملك المظفر صاحب حماه، والملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص، والسلطان الملك الناصر داود بن الملك المعظم بن الملك العادل صاحب الكرك. وبالجملة فكان عسكرا عظيما في كثرة رجاله وملوكه وتجملهم. لولا ما عرض على ما سنذكره إن شاء الله تعالى لم يتأخر فتح بلاد الروم ولا غيرها (٣)]. وسير السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب بلاد الروم - لما تحقق قصد السلطان الملك الكامل له - إلى الملك العزيز صاحب حلب يقول له: «أنا راض بأن تمده (٤) بالأجناد والرجال على أن لا تنزل إليه أبدا». وأعفى الملك الكامل الملك العزيز من النزول إليه. ورضى كل من السلطانين بفعله. ثم تقدم السلطان بعساكره (٥) إلى جهة الدربند (٦)، فوجد السلطان علاء الدين

стр. 1683

[كيقباذ (١)] قد حفظ طرقاته (٢) بالأجناد والرجال، وهى طرقات صعبة ضيقة جدا، يصعب سلوكها على العساكر. فنزل السلطان الملك الكامل على النهر الأزرق (٣) وهو في أوائل بلد الروم. وجاءت عساكر السلطان علاء الدين حتى نزلوا قبلى مكان يقال له زلّى، بينها (٤) وبين الدربند. وصعدت الرجاله الذين للروم (٥) إلى فم (٦) الدربند بالقرب من نور كغال (٧)، وبنوا عليه (٨) سورا وقاتلوا منه، ومنعوا أن تطلع عساكر الملك الكامل إليهم. وقلت الأفوات في عسكر الملك الكامل جدا (٩). وانضاف إلى ذلك أنه نمى إلى السلطان الملك الأشرف والملك المجاهد صاحب حمص أن السلطان الملك الكامل ذكر في الباطن أنه إن ملك بلاد الروم نقل الملوك من أهل بيته إليها، وفرقها عليهم، وانفرد [هو (١٠)] بملك الشام مع الديار المصرية. فاستوحشا من ذلك وأطلعا ملوك أهل البيت الأيوبى عليه، فتغيرت (١١) نيات الجميع وتخاذلوا ولم ينصحوا، إلا أن ذلك [لم يعلم عند الجمهور ذلك الوقت وإنما ظهر (١٢)] تأثيره فيما بعد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1684

ولما أحس [١٨٦ ب] الملك الكامل بتخاذلهم وعدم نصحهم، وكثرة الغلاء وعزة الأقوات، وامتناع الدربند بمن عليه من الرجال، رحل (١) بالعساكر إلى أطراف بلد بهسنا، ونزل على بحيرة اىرىىىـ (٢). وجهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدموه. ووصل إلى خدمته صاحب خرتبرت ودخل في طاعته، وأشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت (٣). ذكر رحيل السلطان الملك الكامل إلى السويداء ونزوله بها، وما جرى للملك المظفر صاحب حماة وبعض العسكر الكاملى بخرتبرت (٤) ولما جرى ما ذكرناه من الذى أشار به صاحب خرتبرت على السلطان الملك الكامل، رحل بالعساكر وقطع الفرات من جسر العادل (٥)، [وكان قطع العساكر له في أيام متعددة لكثرتهم (٦)]. ثم سار [الملك الكامل (٧)] إلى السويداء من بلد آمد فنزل بها، وتقدم إلى الملك المظفر صاحب حماه بأن (٨) يستصحب معه ميمنة العسكر ويمضى بهم إلى خرتبرت. [وبعث معهم الأمير شمس الدين صواب

стр. 1685

العادلى (١)]. وكان عزمه أن يرحل [خلفه (٢)] ببقية العسكر ليكون الدخول إلى بلاد الروم من تلك الجهة. [فرحل الملك المظفر وشمس الدين صواب ومن معهما من العسكر، وكانوا ألفين وخمس مائة فارس؛ فيهم الأمير فخر الدين البانياسى وهو من أجلّ الأمراء المصرية وغيره من الأمراء (٣)]، فتوجهوا إلى ارقنين (٤) ثم منها إلى البهرمان (٥)، ثم منها إلى البحيرة الصغيرة، ثم منها إلى خرتبرت، فوصلوا إليها جرائد بغير خيم. ولما طلع الفجر أقبلت عساكر السلطان علاء الدين صاحب الروم في اثنى عشر ألف فارس (٦) ومقدمهم القيمرى، وضربوا معهم مصافا. واستمر القتال بينهم من أول النهار إلى آخره، فانكسر عسكر الملك الكامل (٧)، وظهر عسكر علاء الدين عليهم. ودخل الملك المظفر إلى قلعة خرتبرت مع صاحبها ومعهما شمس الدين صواب العادلى وفخر الدين البانياسى. ونزل باقى العسكر في ربض خرتبرت. وزحف (٨) إليهم عسكر علاء الدين [١٨٦ ا] وهم في الربض (٩)، فملكوه عنوة، وأسر أكثر من كان فيه من عسكر الملك الكامل. ورمى بعضهم بأنفسهم إلى باب القلعة، وعبروا إليها.
следующие страницы →