← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

من عظمة العساكر وكثرتها يومئذ ما غلب على ظنى أنه لم يجتمع مثله في الأعصار القريبة من الملك من الملوك. وكان نزول العساكر بسلميه في شهر رمضان من هذه السنة، [ووصلت أنا إلى حماه (١)]. ثم رحل السلطان بالعساكر ونزل بمنبج، وهى من بلاد الملك العزيز صاحب حلب، بعد أن استأذن الملك العزيز في ذلك، فأذن له وسير إليه الملك العزيز الأقامه الكثيرة والزردخاناة. وسير إليه عسكر حلب نجدة. وقدم عليهم عمه الملك المعظم فخر الدين تورانشاه بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين. ثم سار (٢) السلطان الملك الكامل من جهة تل باشر، فوصل إلى خدمته ابن عمه الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك الناصر صلاح الدين صاحب البيرة وأخوه الملك المفضل موسى صاحب سميساط وابن أخيهما الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر صاحب عين تاب. ووصل أيضا إليه الملك المظفر شهاب الدين غازى ابن الملك العادل صاحب ميافارقين وأخوه الملك الحافظ نور الدين أرسلان شاه (٣) ابن الملك العادل صاحب قلعة جعبر [وغيرهم] (٤). فذكر لى أنه كان في معسكر السلطان الملك الكامل (٥) ستة عشر دهليزا لستة عشر ملكا [١٨٥ أ] لم يجتمع مثلهم (٦) لملك قبل الملك الكامل؛ منهم الذين عددنا الآن

стр. 1682

ومنهم السلطان الملك الأشرف [بن الملك العادل (١)] وأخوه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل. [وكان أخوهما الملك العزيز قد توفى في سنة ثلاثين وستمائة (٢)، وملك بانياس وبلادها ولده الملك الظاهر. ثم توفى بعده بمدة يسيرة، وولى أخوه الملك السعيد بن الملك العزيز وهو طفل صغير، فأقرها السلطان الملك الكامل له. وكان في العسكر من الملوك السلطان الملك المظفر صاحب حماه، والملك المجاهد أسد الدين صاحب حمص، والسلطان الملك الناصر داود بن الملك المعظم بن الملك العادل صاحب الكرك. وبالجملة فكان عسكرا عظيما في كثرة رجاله وملوكه وتجملهم. لولا ما عرض على ما سنذكره إن شاء الله تعالى لم يتأخر فتح بلاد الروم ولا غيرها (٣)]. وسير السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب بلاد الروم - لما تحقق قصد السلطان الملك الكامل له - إلى الملك العزيز صاحب حلب يقول له: «أنا راض بأن تمده (٤) بالأجناد والرجال على أن لا تنزل إليه أبدا». وأعفى الملك الكامل الملك العزيز من النزول إليه. ورضى كل من السلطانين بفعله. ثم تقدم السلطان بعساكره (٥) إلى جهة الدربند (٦)، فوجد السلطان علاء الدين

стр. 1683

[كيقباذ (١)] قد حفظ طرقاته (٢) بالأجناد والرجال، وهى طرقات صعبة ضيقة جدا، يصعب سلوكها على العساكر. فنزل السلطان الملك الكامل على النهر الأزرق (٣) وهو في أوائل بلد الروم. وجاءت عساكر السلطان علاء الدين حتى نزلوا قبلى مكان يقال له زلّى، بينها (٤) وبين الدربند. وصعدت الرجاله الذين للروم (٥) إلى فم (٦) الدربند بالقرب من نور كغال (٧)، وبنوا عليه (٨) سورا وقاتلوا منه، ومنعوا أن تطلع عساكر الملك الكامل إليهم. وقلت الأفوات في عسكر الملك الكامل جدا (٩). وانضاف إلى ذلك أنه نمى إلى السلطان الملك الأشرف والملك المجاهد صاحب حمص أن السلطان الملك الكامل ذكر في الباطن أنه إن ملك بلاد الروم نقل الملوك من أهل بيته إليها، وفرقها عليهم، وانفرد [هو (١٠)] بملك الشام مع الديار المصرية. فاستوحشا من ذلك وأطلعا ملوك أهل البيت الأيوبى عليه، فتغيرت (١١) نيات الجميع وتخاذلوا ولم ينصحوا، إلا أن ذلك [لم يعلم عند الجمهور ذلك الوقت وإنما ظهر (١٢)] تأثيره فيما بعد على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1684

ولما أحس [١٨٦ ب] الملك الكامل بتخاذلهم وعدم نصحهم، وكثرة الغلاء وعزة الأقوات، وامتناع الدربند بمن عليه من الرجال، رحل (١) بالعساكر إلى أطراف بلد بهسنا، ونزل على بحيرة اىرىىىـ (٢). وجهز بعض الأمراء إلى حصن منصور فهدموه. ووصل إلى خدمته صاحب خرتبرت ودخل في طاعته، وأشار عليه بالدخول إلى بلاد الروم من جهة خرتبرت (٣). ذكر رحيل السلطان الملك الكامل إلى السويداء ونزوله بها، وما جرى للملك المظفر صاحب حماة وبعض العسكر الكاملى بخرتبرت (٤) ولما جرى ما ذكرناه من الذى أشار به صاحب خرتبرت على السلطان الملك الكامل، رحل بالعساكر وقطع الفرات من جسر العادل (٥)، [وكان قطع العساكر له في أيام متعددة لكثرتهم (٦)]. ثم سار [الملك الكامل (٧)] إلى السويداء من بلد آمد فنزل بها، وتقدم إلى الملك المظفر صاحب حماه بأن (٨) يستصحب معه ميمنة العسكر ويمضى بهم إلى خرتبرت. [وبعث معهم الأمير شمس الدين صواب

стр. 1685

العادلى (١)]. وكان عزمه أن يرحل [خلفه (٢)] ببقية العسكر ليكون الدخول إلى بلاد الروم من تلك الجهة. [فرحل الملك المظفر وشمس الدين صواب ومن معهما من العسكر، وكانوا ألفين وخمس مائة فارس؛ فيهم الأمير فخر الدين البانياسى وهو من أجلّ الأمراء المصرية وغيره من الأمراء (٣)]، فتوجهوا إلى ارقنين (٤) ثم منها إلى البهرمان (٥)، ثم منها إلى البحيرة الصغيرة، ثم منها إلى خرتبرت، فوصلوا إليها جرائد بغير خيم. ولما طلع الفجر أقبلت عساكر السلطان علاء الدين صاحب الروم في اثنى عشر ألف فارس (٦) ومقدمهم القيمرى، وضربوا معهم مصافا. واستمر القتال بينهم من أول النهار إلى آخره، فانكسر عسكر الملك الكامل (٧)، وظهر عسكر علاء الدين عليهم. ودخل الملك المظفر إلى قلعة خرتبرت مع صاحبها ومعهما شمس الدين صواب العادلى وفخر الدين البانياسى. ونزل باقى العسكر في ربض خرتبرت. وزحف (٨) إليهم عسكر علاء الدين [١٨٦ ا] وهم في الربض (٩)، فملكوه عنوة، وأسر أكثر من كان فيه من عسكر الملك الكامل. ورمى بعضهم بأنفسهم إلى باب القلعة، وعبروا إليها.

стр. 1686

ثم (١) وصل السلطان علاء الدين ومعه بقية عساكره وأحدقوا بقلعة خرتبرت، ونصبوا عليها تسعة عشر منجنيقا. ودام الحصار عليها أربعة وعشرين يوما. ووجد المحاصرون من قلة الماء وكثرة العطش ما لا يمكن وصفه. وعدم الزاد عندهم لقلة المؤن المدخرة بها؛ فإنه اجتمع في القلعة مع ذلك اثنا عشر ألف نفس من الأجناد والعوام. فأخرج الملك المظفر قريبا من نصفهم وضاق الأمر به وبمن معه جدا. وذكر أن جميع ما كان في القلعة من الغلة قريبا من خمس مائة مكوكا (٢) بالحلبى، وكانت الذخائر قليلة جدا. ذكر استيلاء السلطان علاء الدين [كيقباذ (٣)] [صاحب بلاد الروم (٤)] على خرتبرت وتخلص الملك المظفر [صاحب حماة منه (٥)] ولما رأى الملك المظفر ما هو فيه ومن معه من عساكر [السلطان (٦)] الملك الكامل من الصائفة رأى المصلحة في طلب الأمان له ولمن معه [فراسل السلطان علاء الدين كيقباذ (٧)] على لسان الأمير بهاء الدين بن ملكيشو (٨) أحد أمراء السلطان

стр. 1687

الملك الكامل (١) في طلب الأمان وتسليم القلعة (٢) إليه فأجاب [السلطان علاء الدين كيقباذ ملك الروم (٣)] إلى ذلك. ودخل في الأمان صاحب خرتبرت أيضا فأمنهم علاء الدين على أنفسهم وأموالهم وأصحابهم، وحلف لهم على ذلك. فنزل الملك المظفر والأمراء الذين معه وأصحابهم (٤) إلى مخيم علاء الدين [كيقباذ (٥)] سلطان الروم. فتلقى علاء الدين الملك المظفر أحسن تلق (٦)، ونادمه وخلع عليه، وقدم له تحفا جليلة. وتسلم علاء الدين خرتبرت وما معها من القلاع وكانت [سبع قلاع. وكان صاحبها (٧)] من الملوك الأرتقية. والتزم له علاء الدين أن يسلم إليه عوضا عنها من بلاد الروم أقشهر (٨) وغيرها، فلم يف له علاء الدين بما التزم [به (٩)] وإنما عفا عن مهجته. وكان نزول الملك المظفر من قلعة خرتبرت يوم الأحد لسبع بقين [١٨٦ ب] من ذى القعدة من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وثلاثين وستمائة. [وأقطع علاء الدين صاحب خرتبرت إقطاعا يقوم به، ورحل معه إلى بلده فأقام به عنده إلى أن مات (١٠)].

стр. 1688

ورحل [الملك المظفر (١)] من معسكر علاء الدين [كيقباذ (٢)] لخمس بقين من ذى القعدة بأصحابه وبمن بقى معه من العسكر [الكاملى (٣)]، فوصل إلى السلطان الملك الكامل وهو نازل بالسويداء فعظم فرحه به واشتد سروره (٤) بسلامته. ذكر استيحاش الملك الكامل من ابن أخيه الملك الناصر داود بن الملك المعظم وفى هذه المدة (٥) حصل في قلب السلطان الملك الكامل استيحاش وتغير [ونفرة من (٦)] ابن أخيه الملك الناصر [داود (٧)] بن الملك المعظم بسبب أشياء باطنة [لم يطلع عليها (٨)]، [أوحشت قلب الملك الكامل منه (٩)]. وكنا قد ذكرنا (١٠) أنه لما وصل الملك الكامل اللجون في سنة تسع وعشرين عقد عقد نكاحه على عاشوراء بنت الملك الكامل. فلما حصل عند الملك الكامل فيه ما حصل في هذه السنة تقدم إليه بأن يطلق ابنته فطلقها، وأشهد عليه بذلك

стр. 1689

وأعرض عنه بالكلية. وحكى لى بعض أولاد الملك الناصر ﵀ أن ذلك كان بسبب اتفاقه مع الملوك لما كانوا داخلين من جهة الدربند، وقد كنا أشرنا إلى ذلك. [ذكر بناء قلعة المعره (١)] في هذه السنة [أعنى سنة إحدى وثلاثين وستمائة (٢)] كان أشار على الملك المظفر صاحب حماه سيف الدين بن أبى على [الهذبانى (٣)]- وكان غالبا على أمره كله ومتحكما في دولته التحكم الكلى والأمور كلها راجعة اليه - أن تبنى في المعرة قلعة (٤). وأوهمه أن في ذلك مصلحة ظاهرة، فأجابه إلى ذلك وجدّ في بنائها فبنيت في مدة شهرين. وساعده على ذلك ما في المعره من الحجارة (٥) المنحوتة المهيأة ظاهر البلد وباطنه (٦). وسلم إلى كل أمير من أمراء الدولة برج من أبراجها، فكمل بناؤها في هذه المدة اليسيرة. ورتب فيها جامع، وحشدت بالرجالة والوالى. وأودعت من العدد وآلات الحرب ماجرت به العادة. ولم يكن بناؤها مصلحة، ولم يكن [الرأى (٧)] الذى أشار به سيف الدين صوابا [١٨٧ ا]. وظهر فساد هذا الرأى لما انتزعها الحلبيون من أيدى نواب الملك المظفر، وصارت بأيدى الحلبيين.

стр. 1690

ولما كمل بناؤها (١) مدح الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصارى الملك المظفر وهنأه ببنائها بقصيدة مطلعها: - مضى بمضاء عزمتك القضاء ... وشاء لك (٢) المهيمن ما تشاء فمر وانه الزمان تجده طوعا ... له منك ائتمار وانتهاء وما أيام دهرك والليالى ... إذن إلا عبيد أو إماء (٣) بهرت خلائقا شرفت كمالا ... فللدنيا بها ولك الهناء وصلت كما وصلت فكل قلب ... تعارض فيه خوفك والرجاء ومنها [يقول (٤)]: ووافيت المعرة مستجدا ... بناء لا يطاوله (٥) بناء لديه تخضع الأملاك صغرا ... وفيه تحسد الأرض السمآء دلفت له بجد غير كاب وجدّ ... لا يفتره التوآء حميت به حمى ثغر مذال ... تصول على الأسود به الظبآء (٦) مضيت على يقين الرشد حتى ... شفيت سقامه والشك داء فأضحى (٧) والبلاد سوى حماة ... وما فيها لقلعتها فداء (٨)

стр. 1691

تتيه على بروج الشمس فخرا ... وأنت لكل أبرجها (١) ذكاء (٢) لقد أتممتها (٣) نورا ومجدا ... فتم بها السنا ونمى السناء لها بوقارك الوافى ثبات (٤) ... ومن طماح همتك اعتلاء تناهت في مدى ستين يوما ... وقد (٥) بارى أياديك الشتاء ولولا لزبة عرضت وطالت ... لكان لها على الشهر (٦) استواء وآخرها [يقول (٧)]: سما برّا ففداه البرايا ... بأنفسهم وقلّ له الفداء وبدّ (٨) العالمين إلى المعالى ... وطاولهم (٩) فطال له البقاء وفى (١٠) هذه السنة سافر القاضى شهاب الدين قاضى حماه إلى جهة العراق بنية الحج مع الحاج العراقى. واستناب بحماة القاضى شمس الدين ابراهيم ابن عبد الله بن البارزى (١١). ولما وصل إلى بغداد سافر مع الحاج العراقى، ولما وصلوا

стр. 1692

إلى منزلة يقال لها لينه (١)، قطع عليهم العرب الطريق وجرت عليهم شدة عظيمة، ورجعوا إلى بغداد فخلع الخليفة على القاضى شهاب الدين، وعاد إلى حماه في السنة القابلة.

стр. 1693

ودخلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل بالشرق (١)، وقد انثنى عزمه عن قصد بلاد الروم [لما حصل بينه وبين أخيه وأهل بيته في الباطن من الاستيحاش، ولما جرى على عسكره والملك المظفر من الكسرة بخرتبرت، فعزم على العود إلى الديار المصرية. ذكر رجوع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية والملوك إلى بلادهم ورجع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية (٢)]. ومضى كل واحد من الملوك إلى بلده، فرجع الملك الأشرف إلى دمشق، والملك الناصر إلى الكرك وهو خائف من عمه الملك الكامل لما ظهر [له (٣)] من تغيره عليه واستيحاشه منه، وإلزامه تطليق ابنته. وعلم أنه يقصد الكرك وما بيده من البلاد التي بقيت له فينتزعها منه، فصمم [عزمه (٤)] على قصد العراق والاعتصام بخليفة الزمان المستنصر بالله (٥)، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1694

ومضى [الملك المظفر (١)] شهاب الدين غازى إلى ميافارقين، والملك الحافظ إلى قلعة جعبر، والملك المجاهد إلى حمص، وأقاموا ببلادهم. [وأما الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك الناصر صلاح الدين فإنه كان مرض بالمعسكر الكاملى فرجع إلى البيرة مريضا (٢)]. ذكر وفاة الملك الزاهر (٣) واستيلاء الملك العزيز على البيرة [١٨٨ ا] [ولما اشتد مرض الملك الزاهر (٤)] بالبيرة استدعى ابن أخيه السلطان الملك العزيز صاحب حلب (٥) فوصل إليه، فأوصى له بالبيرة، وبخزائنه وقلاعه، وعين لأولاده شيئا من ماله. ثم توفى بالبيرة والملك العزيز [بن الملك الظاهر (٦)] عنده في أوائل صفر من هذه السنة. ولما توفى تسلم الملك العزيز البيرة وبلادها. وأقام الملك العزيز بها يرتب أحوالها. [وكان الملك الزاهر شقيق الملك الظاهر رحمهما الله تعالى. ورتب الملك العزيز بها واليا من قبله (٧)]

стр. 1695

ذكر وفاة القاضى بهاء الدين بن شداد رحمه الله تعالى (١) [وورد على الملك العزيز الخبر بوفاة القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀. وهو يوسف بن رافع بن تميم، وإنما اشتهر بالنسبة إلى شداد (٢)]. وكانت وفاته ﵀ يوم الأربعاء الرابع عشر من صفر من هذه السنة، وكان عمره نحو ثلاث وتسعين سنة؛ لأن مولده ﵀ سنة تسع وثلاثين وخمسمائة (٣). وصحب السلطان الملك الناصر صلاح الدين، وكان قاضى عسكره ومن أجل أصحابه. ولما توفى الملك الناصر صلاح الدين كان [عمر القاضى بهاء الدين ابن شداد إذ ذاك (٤)] نحو خمسين سنة. ثم عاش بعده نحو ثلاث وأربعين سنة، [عند إبنه الملك الظاهر، ثم عند إبن إبنه الملك العزيز محترما مكرما، متوليا الحكم في جميع ممالك حلب، ومرجوعا إلى رأيه ومشورته في أمر الملك. ونال من المنزلة والحرمة والمكانة ونفاذ الكلمة ما لا أعرف أن معمما في عصرنا هذا ناله. وبنى بحلب مدرسة عظيمة بالقرب من داره، ووقف عليها وقفا جليلا. وبنى إلى جانب المدرسة دارا لسماع حديث النبى ﷺ ] (٥). [وأوقف

стр. 1696

عليها أيضا وقفا كثيرا، وبنى موضعا لتربته بين دار الحديث والمدرسة متصلة بدار الحديث ولها شباك إلى المدرسة (١)]. ورتب مقرئين يقرؤن القرآن في التربة في حال حياته، واستمروا كذلك بعد وفاته. وكان ولى مشيخة دار الحديث الإمام (٢) العلامة نجم الدين بن الخباز الموصلى (٣) شيخنا ﵀. وكان [نجم الدين (٤)] فريد عصره في المذهب والخلاف والأصولين وغير ذلك من الفنون (٥). وكان القاضى بهاء الدين يذكر بنفسه الدرس في مدرسته، فلما أسن [١٨٨ ب] وضعف عن ذكر الدرس، بقى المعيدون [في كل يوم (٦)] يقرأ عليهم في المدرسة العلم، ولا يذكر أحد درسا بالمدرسة إلى أن توفى. وكنت بحلب سنة سبع وعشرين وسنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان الأمر جاريا على ذلك. وكانت الربعة تحضر في كل يوم فيقرأ [منها (٧)] ما تيسر ثم يدعو الداعى له ولا يذكر له لقبا بل يقول: «وارض عن واقف هذه البنيه، راجى رحمة ربه الكريم، يوسف بن رافع بن تميم (٨)». [وكان قد غلبت عليه النسبة إلى شداد،

стр. 1697

بل لعل ذلك في نسب أمه، ولم يكن في أيامه من اسمه شداد، وأصله من الموصل (١)]. وكان ﵀ عالما فاضلا دينا محسنا إلى كل من يرد إلى حلب من الفقهاء وأهل العلم. وكان اقطاعه على السلطان يزيد على مائة ألف درهم في السنة. ولم يعقب وتزوّج ابنتى الشيخ الصالح عبد الرحمن بن علوان المعروف بابن الأستاذ واحدة بعد أخرى، [لما ماتت الأولى تزوّج الثانية (٢)]. كانتا في غاية الصلاح والدين، لم تلد واحدة منهما له ولدا. وكان والدهما (٣) من المشهورين بالزهد. وولى القاضى بهاء الدين أخاهما زين الدين أبا محمد عبد الله نيابة الحكم بحلب بعد نجم الدين ابن الحجاج. وكان زين الدين هذا فاضلا يقظا شديد الأحكام. [وكان يذكر الدرس في أيام القاضى بهاء الدين في المدرسة الظاهرية التي فيها تربة الملك الظاهر تحت القلعة، ويحكم في المدرسة التي أنشأها القاضى بهاء الدين (٤)]. ولما توفى القاضى بهاء الدين كان السلطان الملك العزيز بالبيرة - كما ذكرنا -[وورد عليه الخبر بموت القاضى بهاء الدين. وكان كمال الدين عمر بن العجمى، وهو من أكابر حلب وأغنيائها، متطاولا إلى منصب القضاء (٥)] فكاتب السلطان يطلب منه أن يوليه القضاء (٦)، فلم يجب إلى ذلك. وسار [الملك العزيز] (٧) من البيرة [لما رتب أمورها (٨)] إلى حارم. [فتوجه كمال الدين إلى حارم (٩)]، وبذل له في قضاء حلب

стр. 1698

ستين ألف درهم، وأن يحمل إليه كل سنة من فواضل أوقاف الصدقة (١) ومن كتابة الشروط خمسين ألف درهم. فلم يصغ الملك العزيز ﵀ إلى شىء من ذلك. وكتب إلى القاضى زين الدين أبى محمد عبد الله بن الشيخ عبد الرحمن [بن علوان (٢)] المعروف بابن الأستاذ [يأمره (٣)] أن يحكم بين الناس على جارى [١٨٩ ا] عادته في أيام القاضى بهاء الدين ﵀ إلى أن يدخل إلى حلب. فلما دخل الملك العزيز إلى حلب اجتهد كمال الدين [عمر (٤)] بن العجمى في قبول ما بذله [له. وبذل شيئا غير ذلك لخواص الملك العزيز، فحسنوا للملك العزيز قبول ما بذله (٥)] وإجابته إلى ما سأله. فجرى على منهاج أبيه [الملك الظاهر (٦)] وجده الملك الناصر صلاح الدين [رحمهما الله (٧)] في الإحسان. ولم يبع الشريعة المطهرة ومنصب المصطفى ﷺ بالأثمان (٨). ونظر في مصلحة الرعية، وأرضى الله [تعالى (٩)] ونبيه [ ﷺ (١٠)]، وقلد القضاء لزين الدين بن الأستاذ المقدم ذكره يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول من هذه السنة.

стр. 1699

ذكر قدوم السلطان الملك المظفر صاحب حماه إلى حماه ومولد ولده مولانا السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبى المعالى محمد قدس الله روحه (١) ولما رجع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية ورجعت الملوك إلى بلادهم رجع السلطان الملك المظفر إلى حماة. وكان دخوله إليها [يوم الخميس (٢)] لخمس بقين من ربيع الأول من هذه السنة؛ أعنى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. واتفقت ولادة ولده الملك المنصور ناصر الدين [أبى المعالى (٣)] محمد - عز نصره (٤) - في الساعة الخامسة من يوم الخميس لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول بعد مقدم والده بيومين (٥). [وأمه الصاحبة غازية خاتون بنت السلطان الملك الكامل، فعظمت المسرة عند العامة والخاصة بمولده (٦)]. وعملت له عقيقة (٧) بالقلعة المحروسة في اليوم السابع [من مولده (٨)] حضرها أكابر المعممين والأجناد، وكان يوما فيه قرة عين الأولياء، وكبت قلوب الحساد [والأعداء (٩)]. وفى الهنا بهذه النعمة العظيمة والمنحة

стр. 1700

الجسيمة قال الشيخ شرف الدين عبد العزيز بن محمد الأنصارى ﵀ مهنئا [للملك المظفر ﵀ ومادحا بقصيدة مطلعها (١)]: غدا الملك محروس الذرى والقواعد ... بأشرف مولود لأشرف والد بملك تمنته الممالك حقبة ... فأوفى عليها مرغما كلّ حاسد حبينا به يوم الخميس كأنه ... خميس (٢) بدا للناس في شخص (٣) واحد تهيأ منه للمعالى مثقف (٤) ... تجمع من أشتاتها كلّ شارد دعته أباها وهو في المهد فأعجبوا ... لفرع مساو (٥) أصله في الموالد وسميته باسم النبى محمد ... وجدّ به فاستوفى جميع المحامد تردّد في أصلاب صيد أشاوس ... كلا طرفيه ماجد من أماجد فجيئت به رحب الذراعين واضح ال ... ـجبينين سبط (٦) الكف صدق السواعد محاسن خلق آذنت بخلائق ... يقصر عنها كل شهم وجائد (٧) تخوّف منه كل أغلب ضيغم ... وتصبو (٨) إليه كلّ عذراء ناهد كأنى به في سدة الملك جالسا ... وقد ساد في أوصافه كلّ سائد وقام بما أوليته متأيدا (٩) ... وزاد على جهد الورى غير جاهد

стр. 1701

ووافاك من أبنائه وبنيهم ... بأنجم سعد نورها غير خامد وأولى ملوك الأرض منشور (١) بره ... وأثبت (٢) من معروفه في الجرائد وزهد في عصيانه (٣) [كلّ راغب (٤)] ... ورغّب في إحسانه كلّ زاهد وأعلاه من (٥) أبناء أيوب كلّهم ... علوك عنهم في جميع المشاهد (٦) ألست الذى بذ الأكارم سؤددا (٧) ... بدمياط كرّارا (٨) على كل مارد وروّى قناه من دم القرن مقدما ... يحلّق لمّا فر كل مجالد ووافى حماة وافيا بعهوده ... لمن حلها (٩) من مسلم ومعاهد فآيتن منها كل طاغ مغافص (١٠) ... وشرد عنها كلّ باغ وحاسد (١١) ولم (١٢) يثنه حر الجراح عن العدى ... فأفضى إلى ظل من العيش بارد وفازت به ملكا وفاز (١٣) برشفه ... سلافتها من بين سم الأساود وأذكر بدرا يوم أفنون إذ سطا ... على شمسه بالبارقات الرواعد

стр. 1702

محوت (١) من الكفار فيه كتائبا ... يضيق (٢) بها طرس الربا والفدافد وصلت على بارين بالزحف (٣) صولة ... أغدّت إلى فتح لمجدك شائد فولجتها (٤) بالسيف [صلتا (٥)] وأذعنت ... فأغمدته بالعفو يا خير غامد وجزت المدى (٦) في خرتبرت إلى العلا ... بأضعاف ما أحرزت في فتح آمد غداة أغص الموت من ورد (٧) الوغى ... وضاقت على المحتال طرق المكائد أقمت بها سوق الحروب فسوقها ... ترى القتل فيها نافقا غير كاسد لقيت على فقد المواسى (٨) جموعهم (٩) ... فروعت قلب الحجفل المتعاقد علوتهم كالبدر من فوق شامخ ... سنابكه محذوة بالفراقد (١٠) تقدّم لا ترديه (١١) طعنة شاجر ... برمح، ولا يلويه صدمة طارد فطاعنتهم حتى تحطمت القنا ... وضاربت حتى فلّ حدّ الحدائد وعانقت أبطال النزال مكافحا (١٢) ... وقد حام عنه صادرا (١٣) كلّ وارد

стр. 1703

وخضت غمارا (١) ينفد العمر دونها ... فأحرزت منها سؤددا غير نافد تفردت بالبأس الشديد فلم يقم ... بوصفك (٢) ما أحكمته في قلائدى (٣) وإن كان تبرا غير زيف (٤) فإنه ... يرى منك معروضا على خير ناقد مليك كفاه الله عين كماله ... يراعى للعلا طرف (٥) له غير هاجد فتى الحرب كم شدت بما رام أزره ... وجشمه غشيانها من شدائد يراها - على ما كان منها - حبيبة ... فأكرم به (٦) من عاشق غير حاقد يريك نداه بخل كعب وحاتم (٧) ... ويروى سطاه عن على وخالد مساع (٨) لمجد أقعدت كل ناهض ... وهباته قد انهضت كل قاعد (٩) ألا أيها الملك المظفر دعوة (١٠) ... سيورى بها زندى ويشتد ساعدى هنيئا لك الملك الذى بقدومه ... ترحّل عنا كلّ هم معاود (١١) وبشرنا من قبل مولده به ... من الله آى صادقات المواعد

стр. 1704

فحمدا وشكرا للإله مخلدا ... على منن منه جسام خوالد فذا اليوم نال الملك أشرف مقصد (١) ... وحققت النعمى (٢) ظنون القصائد (٣) ذكر استيلاء السلطان علاء الدين سلطان الروم على حران والرها من بلاد السلطان الملك الكامل وخلاط من بلاد الملك الأشرف (٤) ولما رجع السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية وخرج فصل الشتاء، [١٩٠ ب] خرج السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو صاحب بلاد الروم إلى الشرق مقابلة للملك الكامل على قصد بلاده. واشتد طمعه لرجوع الملك الكامل من غير أن يحفل بطائل (٥)، وما انتهى إليه من تقاعد ملوك بنى أيوب عن الملك الكامل (٦)، فنازل الرها وضايقها ونصب عليها المجانيق (٧) وجدّ في حصارها. ووقع (٨) حجر من حجارة المنجنيق على القاضى علاء الدين قاضى القضاة بالشرق، وكان في قلعة الرها، فقتله (٩). [وكان فقيها فاضلا يعرف المذهب الشافعى، وكان له كرم

стр. 1705

ورياسة، وحشمة وسؤدد، وهو من أكابر الفقهاء الأكراد (١)]. وكان له تقدم عظيم (٢) في الدولة الكاملية والأشرفيه، [وبه تقدم القاضى بدر الدين يوسف بن الحسن ﵀ الذى كان في آخر أمره قاضى القضاة بالديار المصرية. وسنذكر أوصافه ومناقبه في أخبار الملك الصالح نجم الدين ﵀ (٣)] ولم يزل الحصار مستمرا على الرها إلى أن ملكها علاء (٤) الدين واستولى عليها. وحاصر أيضا حران واستولى عليها وعلى قلعتها، وولى في حران والرها وما معهما من البلاد نوابه، ثم رجع إلى بلاده لخروج الصيف وإقبال الشتاء (٥). [ثم استولى على خلاط وبلادها وانتزعها من أيدى نواب الملك الأشرف (٦)].

стр. 1706

ودخلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل بالديار المصرية، وأخوه الملك الأشرف بدمشق [وقد تغير ما بينهما في الباطن (١)]، [والممالك الباقية على حالها في السنة الماضية (٢)]. ذكر توجه الملك الناصر داود بن الملك المعظم [إلى بغداد واعتضاده بالخليفة المستنصر بالله ﵀ (٣)] وقد ذكرنا استشعار الملك الناصر من عمه السلطان الملك الكامل وخوفه منه، وأنه صمم العزم على قصد الخليفة والاستجارة به، فحصل عنده من النجب والروايا (٤) ما يحتاج إليه لسفر البرية. ثم سافر ملتجئا إلى الخليفة ومستجيرا (٥) به ومتمسكا بذيله، ومعه فخر القضاة نصر الله بن بزاقه (٦) والشيخ شمس الدين [عبد الحميد (٧)] الخسرو شاهى

стр. 1707

والخواص من مماليكه وألزامه. ولما قرب من بغداد [١٩١ ا] أمر الخليفة [المستنصر بالله (١)] بتلقيه (٢) وإكرامه. ودخل بغداد ونزل (٣) بها مكرما معظما. وقدم للخليفة ما استصحبه (٤) معه من الجواهر النفيسة [المثمنة (٥)] والتحف الجليلة. وأمر الخليفة له بالأقامات الكثيرة، [وله ولأصحابه بالخلع والعطايا. وكان طامعا أن يأذن له الخليفة بالحضور بين يديه ويقبل يده ويشاهد صورته (٦)]، كما فعل ذلك بمظفر الدين كوكبورى ابن زين الدين [على كوجك (٧)] [صاحب إربل (٨)]؛ فإنه كان قدم إلى بغداد (٩)، وطلب الاجتماع بالخليفة فأذن له في ذلك، فحضر وبرز له الخليفة، فشاهد صورته. فرغب الملك الناصر [داود (١٠)] أن يعامل بتلك المعاملة فإنه أكبر بيتا من بيت مظفر الدين، وأعرق في الملك، وإنه بطريق الأولى جدير بأن ينال هذه المرتبة السنية. فلم يؤذن له في ذلك، وطال مقامه ببغداد وهو يردد الضراعة وسؤال ذلك (١١)، فلم تقع الإجابة. وكان مقصود الخليفة من ذلك أن لا يحصل

стр. 1708

بسبب ذلك عتب من السلطان الملك الكامل (١)؛ فإنهم يعلمون أنه ما ورد عليهم إلا وهو ساخط على عمه مباين له. فعمل الملك الناصر [داود (٢)] قصيدة يعرض فيها بقصده (٣)، ويذكر مهاجرته إلى الأبواب [العزيزة (٤)] العالية مرتكبا متن الخطر مع بعد المسافة، ويعرض فيها بأن مظفر الدين بن زين الدين (٥) وصل من مسافة قريبة وليس هو مثله في أصالته وبيته، وأنه شرف (٦) بهذا الأمر الجليل، ويعرض بأنه أحق من مظفر الدين بذلك. والقصيدة في غاية الحسن، وازن بها (٧) قصيدة أبى تمام التي منها [يقول (٨)]: لأمر عليهم أن تتم (٩) صدوره ... وليس عليهم أن تتمّ (١٠) عواقبه والقصيدة هى هذه: ودان ألمت بالكثيب ذوائبه ... وجنح الدجى وحف (١١) تجول غياهبه تقهقه في تلك الربوع رعوده ... وتبكى على تلك الطلول سحائبه

стр. 1709

أرقت له لما توالت بروقه ... وحلّت عزاليه وأسبل ساكبه إلى أن بدا من أشقر الصبح قادم ... يراع له من أدهم الليل هاربه وأصبح ثغر الأقحوانة ضاحكا ... تدعدعه (١) ريح الصبا وتداعبه (٢) تمر (٣) على نبت الرياض بليلة (٤) ... تجمشه (٥) طورا وطورا تلاعبه وأقبل وجه الأرض طلقا وطالما ... غدا مكفهرا موحشات جوانبه كساه الحيا وشيا (٦) من النبت فاخرا ... فعاد قشيبا غوره وغواربه كما عاد بالمستنصر بن محمد ... نظام المعالى حين قلّت كتائبه إمام تحلّى الدين منه بماجد ... تحلت بآثار النبى مناكبه هو العارض الهتّان لا البرق مخلف ... لديه ولا أنواره وكواكبه إذا السنة الشهباء شحت بطلّها ... سخا وابل منه وسخت سواكبه فأحيى ضيآء البرق ضوء جبينه ... كما بخلت جود العوادى مواهبه له العزمات اللائى لولا نضالها ... تزعزع ركن الدين وانهد جانبه بصير بأحوال الزمان وأهله ... حذور فما تخشى عليه نوائبه بديهته تغنيه عن كل مشكل ... وإن حنكته في الأمور تجاربه (٧)

стр. 1710

حوى قصبات السبق مذكان يافعا ... وأربت على زهر النجوم مناقبه (١) تزينت الدنيا به وتشرفت ... بنورها فأضحى خافض (٢) العيش ناصبه لئن فوّهت باسم الإمام خلافة ... ورفّعت (٣) الزاكى النجار (٤) مناسبه فأنت إمام العدل (٥) والمعرق الذى ... به شرّفت (٦) أنسابه ومناصبه جمعت شتيت المجد بعد افتراقه ... وفرقت جمع المال فانهال كاثبه واغنيت حتى ليس في الأرض معدم ... يجور عليه دهره ويحاربه ألا يا أمير المؤمنين ومن غدت ... على كاهل الجوزاء تعلو مراتبه ومن جدّه عم النبى وخدنه ... إذا صارمته أهله وأقاربه أيحسن في شرع المعالى ودينها ... وأنت الذى تعزى إليه مذاهبه وأنت الذى يعنى حبيب (٧) بقوله ... [الا هكذا فليكسب الحمد كاسبه (٨)] بأنى أخوض الدوّ (٩) والدوّ مقفر (١٠) ... سباريته (١١) مغبرة وسباسبه (١٢)

стр. 1711

وأرتكب الهول المخوف مخاطرا ... بنفسى ولا أعبا بما أنا راكبه وقد رصد الأعداء لى كلّ مرصد ... فكلهم نحوى تدب عقاربه وآتيك والعضب المهند مصلت ... طرير شباة قانيات ذوائبه وانزل آمالى ببابك راجيا ... فواضل (١) جاه يبهر النجم ثاقبه فتقبل منى عبد رق فيغتدى ... له الدهر عبدا طائعا لا يغالبه وتنعم في حقى بما أنت أهله ... وتعلى محلّى فالسّها لا يقاربه وتلبسنى من نسج ظلك ملبسا (٢) ... يشرف قدر النيرين جلاببه وتركبنى نعمى (٣) أياديك مركبا ... على الفلك الأعلى تسير مواكبه وتسمح لى بالمال والجاه بغيتى ... وما الجاه إلا بعض ما أنت واهبه ويأتيك غيرى من بلاد قريبة ... له الأمن فيها صاحب (٤) لا يجانبه وما اغبر من جوب الفلا حرّ وجهه ... ولا انضيت بالسير فيها ركائبه فيلقى دنوا منك لم ألق مثله ... ويحظى ولا احظى (٥) بما أنا طالبه؟ وينظر من لألآء قدسك نظرة ... فيرجع والنور الإمامى صاحبه ولو كان يعلونى بنفس ورتبة ... وصدق ولآء لست فيه أصاقبه لكنت أصد (٦) النفس عما ترومه (٧) ... وكنت أذود العين عما تراقبه (٨)

стр. 1712

ولكنه مثلى ولو قلت: إننى ... أزيد عليه، لم يعب ذاك عائبه وما أنا ممن يملأ المال عينه ... ولا بسوى التقريب تقضى مآربه ولا بالذى يرضيه دون نظيره ... ولو أنعلت بالنيرات (١) مراكبه وبى ظمأ، رؤياك منهل ريه ... ولا غرو أن تصفو لدىّ مشاربه ومن عجب أنى لدى (٢) البحر واقف ... واشكو الظما (٣) والبحر جم عجائبه وغير ملوم من يؤمك قاصدا ... إذا عظمت أغراضه ومطالبه (٤) وقد رضيت مقصودى فتمت صدوره ... ومنك أرجى أن تتم عواقبه (٥) ولما وقف الخليفة [الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين ﵀] (٦) [على هذه القصيدة (٧)] أعجبته إعجابا كثيرا، وأراد أن يجمع بين المصلحتين ويجبر بحسن تأنيه الجهتين، فاستدعاه [إليه (٨)] سرا لا جهرا (٩)، جبرا لقلبه ورعاية في عدم الجهر للسلطان (١٠) الملك الكامل.

стр. 1713

[فحكى الملك الناصر ﵀] (١) قال: استدعانى الخليفة بعد شطر من الليل، فدخلت من باب السر إلى إيوان فيه ستر مضروب، فقبلت الأرض بين يديه، فأمرنى بالجلوس فجلست. ثم أخذ الخليفة يحدثنى من خلف الستر ويونسنى (٢). ثم أمر الخدام فرفعوا الستر، وقمت (٣) فقبلت الأرض ثانيا. وتقدمت فقبلت يد الخليفة [١٩٣ ب] فأمرنى بالجلوس فجلست بين يديه. وجارانى (٤) في أنواع من العلوم وأساليب من الشعر [إلى آخر الليل (٥)]. ثم خرجت من عنده وعدت إلى منزلى في باقية الليلة (٦). ثم حضر الملك الناصر المدرسة المستنصرية التي بناها الخليفة [المستنصر بالله ﵀ (٧) -] على شاطئ (٨) دجلة، وسنذكر - إن شاء الله - صفتها عند ذكر (٩) سيرة الإمام المستنصر بالله ﵀. وكان الخليفة في روشن (١٠) ينظر ويسمع كلامهم، وحضر جماعة الفقهاء الذين هم منزلون في المدرسة وغيرهم من الطوائف الأربعة (١١). وبحث الملك الناصر واستدل واعترض وناظر

стр. 1714

الفقهاء مناظرة حسنة (١). [وكان ﵀ جيد المناظرة، صحيح الذهن، له في كل فن مشاركة جيده (٢)]. وقام يومئذ رجل من الفقهاء ومدح الخليفة بقصيدة يقول فيها مخاطبا الخليفة (٣): لو كنت في يوم السقيفة حاضرا ... كنت المقدم والأمام الاروعا فغضب الملك الناصر لله تعالى لكون ذلك الفقيه لأجل [سحت (٤)] الدنيا أساء الأدب على أبى بكر الصديق [خليفة رسول الله ﷺ وثانى إثنين] (٥)، وعلى عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلى بن أبى طالب، [وسادات المهاجرين والأنصار الحاضرين يوم السقيفة (٦)]، وجعل الخليفة المستنصر مقدما (٧) عليهم. فقال [الملك الناصر (٨)] لذلك الفقيه: «أخطأت فيما قلت، كان ذلك اليوم جدّ سيدنا ومولانا الإمام المستنصر بالله العباس بن عبد المطلب - عم رسول الله ﷺ حاضرا، ولم يكن المقدم والإمام الأروع إلا أبا بكر الصديق رضى الله عنه». فخرج المرسوم في [ذلك (٩)] الوقت بنفى ذلك الفقيه [من بغداد (١٠)] فنفى. [وذلك الفقيه هو وجيه الدين القيروانى، وكان فقيها فاضلا

стр. 1715

اجتمعت به بالقاهرة وكان صاحبى. وولى تدريس المدرسة التي هى منسوبة إلى الصاحب صفى الدين بن شكر وزير السلطان الملك العادل والسلطان الملك الكامل بعده، وتوفى ﵀ بعد سفرى من صفر (١)]. ذكر مسير السلطان الملك الكامل من الديار المصرية إلى الشرق واستعادة حران والرها من نواب سلطان الروم (٢) [كنا ذكرنا (٣) أن السلطان علاء الدين سلطان الروم خرج في السنة الماضية من بلاده وقصد الشرق واستولى على حران والرها، وولى فيهما من قبله، فسار السلطان الملك الكامل في هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة - متوجها إلى الشرق بعساكره. وسار معه أخوه الملك الأشرف بعساكر دمشق، والملك المجاهد صاحب حمص، والملك المظفر صاحب حماه، وقطعوا الفرات ونازلوا الرها، فسلمت إلى الملك الكامل فأمر بهدم قلعتها فهدمت (٤)]. ثم نازل حران فسلمت إليه وقبض على أجناد علاء الدين [كيقباذ (٥)] الذين كانوا بحران والرها

стр. 1716

[ونوابه (١)]. وأمر بحملهم مقيدين [في محاير (٢)] على الجمال، [وسير بهم أسارى إلى الديار المصرية. واستقبح الناس هذه الفعلة من الملك الكامل، ولم يجر له ولا لأحد من أهل بيته عادة بمثلها، وإنما حمله على ذلك أنه كان ممتلئا غيظا على علاء الدين. ذكر عود السلطان الملك الكامل إلى دمشق واستقراره بها إلى آخر السنة ولما قضى السلطان الملك الكامل غرضه من استرداد البلاد التي استولى عليها علاء الدين سلطان الروم، عاد إلى دمشق وأقام بها عند أخيه السلطان الملك الأشرف إلى أن خرجت هذه السنة (٣).] ذكر قدوم الملك الناصر من بغداد إلى دمشق مع رسول الخليفة ثم مسيره إلى الكرك (٤) ثم إن الخليفة المستنصر بالله خلع على الملك الناصر داود بن الملك المعظم خلعة سنية عمامة سوداء وفرجية (٥) سوداء مذهبة، وخلع على أصحابه ومماليكه

стр. 1717

خلعا سنية (١) وأعطاه ما لا جليلا [لتسفيرهم (٢)]. وبعث في خدمته رسولا [مشربشا (٣)] من أكبر خواصه إلى السلطان الملك الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته له (٤)، [وإبقاء بلاده عليه، وجريه على عادته في الاحسان إليه والتعطف عليه (٥)]. فوصل الملك الناصر إلى دمشق ومعه رسول الخليفة، [والسلطان الملك الكامل بها عند أخيه الملك الأشرف. فخرج السلطان الملك الكامل والملك الأشرف إلى لقائه وتلقاه إلى القصير (٦)] (٧). وأقبل [الملك الكامل] (٨) على الملك الناصر إقبالا كثيرا، وقبل شفاعة الخليفة فيه. ونزل الملك الناصر بالقابون (٩) بقصره الذى ورثه من أبيه الملك المعظم، وكان قبل ذلك للملك المظفر تقى الدين عمر [بن شاهنشاه بن أيوب (١٠)] فاشتراه الملك المعظم من ورثة تقى الدين. [وأقام الملك الناصر بدمشق أياما يركب كل يوم إلى خدمة عمه الملك الكامل، وربما دخل إلى داره المعروفة بدار عز الدين أسامة (١١)].

стр. 1718

وسافرت أنا من حماه (١) لأهنئ الملك الناصر بقدومه فاجتمعت به وهو داخل من قصره إلى [خدمة] عمه (٢) الملك الكامل. ولازمت خدمته إلى أن سافر إلى الكرك فسافرت معه، وأقمت عنده [بالكرك (٣)] إلى أن دخلت سنة أربع وثلاثين [وستمائه (٤)]. ثم سافرت من خدمته ورجعت إلى حماه. [وكان ﵀ يؤثر كثيرا مقامى عنده، لكنى آثرت المقام بالوطن (٥)]. وكان قدوم الملك الناصر إلى دمشق [في شوّال (٦)] من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة - ومعه الأعلام السود رنك (٧) الخليفة، وجعل رنكه كله أسود إنتماء إلى الخليفة. وكان الخليفة قد لقبه (٨) «الولى المهاجر» مضافا إلى لقبه. [وأمر الملك الناصر خطباء بلاده أن يذكروا في الدعاء له اللقب الذى شرفه الخليفة به (٩)]. ولما سافر إلى الكرك سافر رسول الخليفة معه إلى الكرك ليلبسه الخلعة، ويتأكد

стр. 1719

بذلك أمره، وتنحسم مادة الطمع فيه (١). ولما وصل إلى الكرك ضربت له خيمة في الوادى الذى هو غربى الكرك، مدّ فيها سماطا حضره الأكابر من الأجناد والمعممين وغيرهم (٢). وحضره الملك الناصر [داود (٣)] وعليه خلعة الخليفة، وضربت البشائر [بالكرك (٤)] سرورا بذلك. ثم خلع على رسول الخليفة (٥) [وأعطاه شيئا كثيرا (٦)]، ورجع إلى بغداد. وأقام الملك الناصر بالكرك مطمئنا آمنا لا نتسابه (٧) إلى الخليفة.

стр. 1720

ودخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل وأخوه الملك الأشرف مقيمان بدمشق، [والملك الناصر داود بالكرك وقد أمن بانتمائه إلى الخليفة المستنصر بالله، والسلطان الملك المظفر بحماة محاربا للفرنج وعسكره معه نازلا ببعر تورين في مقابلة العدو.] (١). ذكر رجوع الملك الكامل إلى الديار المصرية (٢) وفى أوائل هذه السنة سافر الملك الكامل ﵀ إلى الديار المصرية [١٩٤ ا] وكان قد أقام بها شهورا بعد رجوعه من الشرق واسترجاعه الرها وحران من نواب السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب بلاد الروم. ذكر وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر صاحب حلب ﵀ (٣) وفى أوائل (٤) هذه السنة غضب السلطان الملك العزيز صاحب حلب ﵀ على وزيره زين الدين بن حرب. [وكنا ذكرنا (٥) توليته له الوزارة بعد
следующие страницы →