← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

[ونوابه (١)]. وأمر بحملهم مقيدين [في محاير (٢)] على الجمال، [وسير بهم أسارى إلى الديار المصرية. واستقبح الناس هذه الفعلة من الملك الكامل، ولم يجر له ولا لأحد من أهل بيته عادة بمثلها، وإنما حمله على ذلك أنه كان ممتلئا غيظا على علاء الدين. ذكر عود السلطان الملك الكامل إلى دمشق واستقراره بها إلى آخر السنة ولما قضى السلطان الملك الكامل غرضه من استرداد البلاد التي استولى عليها علاء الدين سلطان الروم، عاد إلى دمشق وأقام بها عند أخيه السلطان الملك الأشرف إلى أن خرجت هذه السنة (٣).] ذكر قدوم الملك الناصر من بغداد إلى دمشق مع رسول الخليفة ثم مسيره إلى الكرك (٤) ثم إن الخليفة المستنصر بالله خلع على الملك الناصر داود بن الملك المعظم خلعة سنية عمامة سوداء وفرجية (٥) سوداء مذهبة، وخلع على أصحابه ومماليكه

стр. 1717

خلعا سنية (١) وأعطاه ما لا جليلا [لتسفيرهم (٢)]. وبعث في خدمته رسولا [مشربشا (٣)] من أكبر خواصه إلى السلطان الملك الكامل يشفع إليه في إخلاص نيته له (٤)، [وإبقاء بلاده عليه، وجريه على عادته في الاحسان إليه والتعطف عليه (٥)]. فوصل الملك الناصر إلى دمشق ومعه رسول الخليفة، [والسلطان الملك الكامل بها عند أخيه الملك الأشرف. فخرج السلطان الملك الكامل والملك الأشرف إلى لقائه وتلقاه إلى القصير (٦)] (٧). وأقبل [الملك الكامل] (٨) على الملك الناصر إقبالا كثيرا، وقبل شفاعة الخليفة فيه. ونزل الملك الناصر بالقابون (٩) بقصره الذى ورثه من أبيه الملك المعظم، وكان قبل ذلك للملك المظفر تقى الدين عمر [بن شاهنشاه بن أيوب (١٠)] فاشتراه الملك المعظم من ورثة تقى الدين. [وأقام الملك الناصر بدمشق أياما يركب كل يوم إلى خدمة عمه الملك الكامل، وربما دخل إلى داره المعروفة بدار عز الدين أسامة (١١)].

стр. 1718

وسافرت أنا من حماه (١) لأهنئ الملك الناصر بقدومه فاجتمعت به وهو داخل من قصره إلى [خدمة] عمه (٢) الملك الكامل. ولازمت خدمته إلى أن سافر إلى الكرك فسافرت معه، وأقمت عنده [بالكرك (٣)] إلى أن دخلت سنة أربع وثلاثين [وستمائه (٤)]. ثم سافرت من خدمته ورجعت إلى حماه. [وكان ﵀ يؤثر كثيرا مقامى عنده، لكنى آثرت المقام بالوطن (٥)]. وكان قدوم الملك الناصر إلى دمشق [في شوّال (٦)] من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثلاثين وستمائة - ومعه الأعلام السود رنك (٧) الخليفة، وجعل رنكه كله أسود إنتماء إلى الخليفة. وكان الخليفة قد لقبه (٨) «الولى المهاجر» مضافا إلى لقبه. [وأمر الملك الناصر خطباء بلاده أن يذكروا في الدعاء له اللقب الذى شرفه الخليفة به (٩)]. ولما سافر إلى الكرك سافر رسول الخليفة معه إلى الكرك ليلبسه الخلعة، ويتأكد

стр. 1719

بذلك أمره، وتنحسم مادة الطمع فيه (١). ولما وصل إلى الكرك ضربت له خيمة في الوادى الذى هو غربى الكرك، مدّ فيها سماطا حضره الأكابر من الأجناد والمعممين وغيرهم (٢). وحضره الملك الناصر [داود (٣)] وعليه خلعة الخليفة، وضربت البشائر [بالكرك (٤)] سرورا بذلك. ثم خلع على رسول الخليفة (٥) [وأعطاه شيئا كثيرا (٦)]، ورجع إلى بغداد. وأقام الملك الناصر بالكرك مطمئنا آمنا لا نتسابه (٧) إلى الخليفة.

стр. 1720

ودخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل وأخوه الملك الأشرف مقيمان بدمشق، [والملك الناصر داود بالكرك وقد أمن بانتمائه إلى الخليفة المستنصر بالله، والسلطان الملك المظفر بحماة محاربا للفرنج وعسكره معه نازلا ببعر تورين في مقابلة العدو.] (١). ذكر رجوع الملك الكامل إلى الديار المصرية (٢) وفى أوائل هذه السنة سافر الملك الكامل ﵀ إلى الديار المصرية [١٩٤ ا] وكان قد أقام بها شهورا بعد رجوعه من الشرق واسترجاعه الرها وحران من نواب السلطان علاء الدين كيقباذ صاحب بلاد الروم. ذكر وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد بن الملك الظاهر صاحب حلب ﵀ (٣) وفى أوائل (٤) هذه السنة غضب السلطان الملك العزيز صاحب حلب ﵀ على وزيره زين الدين بن حرب. [وكنا ذكرنا (٥) توليته له الوزارة بعد

стр. 1721

خطابته (١) قلعة حلب، وأنه نال عنده مرتبة عالية، وحصّل أموالا جمة (٢)]. ولما عزله [وألزمه داره بقلعة حلب (٣)] رد الوزارة إلى القاضى [الأكرم جمال الدين أبا الحسن بن يوسف القفطى (٤)]. وخرج الملك العزيز ﵀ في أواخر (٥) صفر [من هذه السنة (٦)] إلى البيرة (٧) ثم توجه إلى حارم (٨)، وكان يؤثر التنزه بها كثيرا، وله بها جوسق [نزه (٩)] تحته نهر جار إلى جانبه بستان، ثم حضر الملقة (١٠) لرمى البندق. واغتسل بماء بارد، فحمّ ودخل إلى حلب والتقاه الناس وهو موعوك، ودامت به الحمى وقوى مرضه،

стр. 1722

فاستحلف الناس لولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وأرسل الصاحب كمال الدين بن العديم إلى أخيه (١) الملك الصالح صلاح الدين أحمد بن الملك الظاهر صاحب عين تاب فاستحلفه لنفسه ولابنه الملك الناصر بعده (٢). ثم توفى ﵀ في شهر (٣) ربيع الأول من هذه السنة. وعظمت المحنة (٤) بموته، وكان عمره ثلاثا (٥) وعشرين سنة وشهورا فإن مولده كان في سنة عشر وستمائة. ذكر سيرته ﵀ كان [الملك العزيز] (٦) ﵀ ملكا عادلا رحوما مشفقا على رعيته متوددا إليهم، مائلا إلى أهل الدين والخير. ويكفيه من المناقب الحسنة (٧) ما حكيناه عنه (٨) من رده كمال الدين بن العجمى لما طلب القضاء بحلب، وبذل جملة كثيرة يقدمها في الحال وشيئا مقررا يحمله كل (٩) سنة من الأوقاف والشروط وغيرها، وأنه لم يصغ إلى ذلك ولم يلتفت إليه، ورأى أن ذلك يكون ذريعة إلى الجور في الأحكام والعدول عن القوانين الشرعية، وأن من يقدم (١٠) على أن يبذل في القضاء [١٩٤ ب] هذه الجملة

стр. 1723

[لا يكون مأمونا على الأموال والفروج (١)]. فأبت سجيته الكريمة ودينه الوافر (٢) أن يجيب إلى ذلك (٣)، وأقر الحق في نصابه، وعدل إلى النائب في الحكم عن القاضى بهاء الدين [ابن شداد] (٤) [الذى هو القاضى زين الدين بن الأستاذ ﵀ (٥)] [ثقة بالقاضى بهاء الدين أنه إنما اختاره لديانته وعلمه ونزاهته، فقلده الحكم وولاه (٦)]. ولم يلتفت إلى قول من أشار عليه من أصحابه بخلاف ذلك لعلمه إنهم إنما أشاروا بما أشاروا به لما يأخذونه من كمال الدين من السحت وهو الذى حملهم على بيع دينهم بالقليل التافه. وكان من رأيه ورأى والده وولده من بعده ﵏ أجمعين - أن أي أمير مات أقرّ ولده موضعه، وإن كان صغيرا يرتب (٧) معه من يقوم بتثقيفه (٨) وتأديبه والخدمة نيابة عنه إلى أن يكبر الصغير ويتأهل للخدمة. وكذلك كان رأيهم في المدرسين وأرباب المناصب. وإنما تلقوا هذه الخلة الجميلة من جدهم (٩) السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵏ أجمعين.

стр. 1724

ذكر تمليك الملك الناصر صلاح الدين أبى المظفر يوسف حلب بعد ابيه الملك العزيز رحمهما الله (١) ولما توفى الملك العزيز ﵀ تقرر في الملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين [أبو المظفر يوسف (٢)]. وقد كنا ذكرنا مولده (٣) في سنة سبع وعشرين وستمائة، وأنه ولد للملك العزيز في تلك السنة ولدان آخران هما الملك العادل والملك الظاهر وماتا في تلك السنة (٤). وكانت أم الملك الناصر [جارية (٥)] تركية أولدها الملك العزيز الملك الناصر [وأخيه (٦)] الملك الظاهر. ولم يخلف الملك العزيز ذكرا غيرهما. وأولدها أيضا بنتا واحدة تزوجها الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر داود [صاحب الكرك (٧)]، ومات عنها بعد أن أولدها ولدا ذكرا. وخلف الملك العزيز بنتين (٨) أخريين إحداهما أمها فاطمة خاتون بنت (٩) السلطان الملك الكامل وتسمى (١٠) عائشة خاتون تزوجها مولانا السلطان الملك المنصور بن الملك

стр. 1725

المظفر [قدس الله روحه (١)] وأولدها [ولده مولانا السلطان مالك الرق الملك (٢)] المظفر تقى الدين محمود [أخلد الله سلطانه (٣)]؛ والأخرى أمها أم ولد [تسمى غازية خاتون (٤) عقد عقدها بحلب على السلطان غياث الدين كيخسرو ابن كيقباذ فمات ولم تحمل اليه (٥)، وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى. ثم تزوجها (٦)] الملك السعيد بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل وماتت عنده. فهؤلاء أولاد الملك العزيز ﵀ الذين عاشوا بعده إبنان وثلاث بنات. وكان عمر الملك الناصر بن الملك العزيز لما ولى الملك بعد أبيه نحو سبع سنين. وقام بتدبير مملكته (٧) الأميران شمس الدين لؤلؤ الأمينى وعز الدين عمر بن محلّى، ووزير الدولة القاضى جمال الدين القفطى (٨)، وجمال الدولة إقبال الخاتونى يحضر بينهم (٩) في المشورة، فإذا اتفق رأيهم على شىء دخل جمال الدولة إقبال إلى الصاحبة (١٠) ضيفة خاتون بنت السلطان الملك العادل، وعرفها ما اتفق رأى الجماعة عليه [فتأذن لهم في فعله، والعلامات على التواقيع والمكاتبات إليها (١١)]. فكانت الأمور كلها منوطة (١٢) بها.

стр. 1726

ولما تقررت [هذه] (١) القواعد [كما ذكرنا] (٢) توجه القاضى زين الدين ابن الأستاذ (٣) ﵀ وبدر الدين بدر بن أبى الهيجاء رسولين إلى السلطان الملك الكامل، واستصحبا معهما كزاغند (٤) الملك العزيز ﵀ وزرديته وخوذته ومركوبه. فلما وصلا إلى مصر وأديا (٥) الرسالة وأحضرا ما معهما، أظهر [الملك الكامل (٦)] الألم والحزن لموته، وقصر في إكرامهما وعطائهما، وحلف للملك الناصر على الوجه الذى اقترح عليه. وخاطب الرسولين بما يشير به (٧) من تقدمة الملك الصالح بن الملك الظاهر صاحب عين تاب على العسكر، وأن يقوم بتربية (٨) ابن أخيه الملك الناصر. ولما رجع الرسولان إلى حلب وأنهيا إلى الصاحبة ذلك لم تره صوابا، وكذلك الجماعة القائمون بترتيب أمر الدولة.

стр. 1727

ثم بعد مدة سير السلطان الملك الكامل خلعة للملك الناصر بغير مركوب، وسير عدة خلع لأمراء الدولة، وسير مع رسول آخر خلعة للملك الصالح بن الملك الظاهر صاحب عين تاب على أن يمضى بالخلعة (١) إليه إلى عين تاب [١٩٥ ب] فاستشعرت الصاحبة وأرباب الدولة من ذلك. وحصل عند الصاحبة وحشة [عظيمة (٢)] من أخيها الملك الكامل بسبب ذلك؛ فاتفق رأى الجماعة على أن لبس الملك الناصر خلعة الملك الكامل، ولم يخلع على أحد من الأمراء شيء مما سير إليهم، وردوا الرسول الوارد إلى الملك الصالح بخلعته، ولم يمكنوه من الوصول إليه. واستحكمت الوحشة في قلوبهم من الملك الكامل (٣). ذكر اتفاق الملوك على مباينة الملك الكامل قد ذكرنا استيحاش الملوك من الملك الكامل لما قصد بلاد الروم. (٤) ولما كانت هذه السنة وجرى ما ذكرناه من موت الملك العزيز [صاحب حلب] (٥) وما جرى من الملك الكامل من إشارته بتقديم الملك الصالح بن الملك الظاهر على عسكر حلب، وإنفاذ الخلع إلى الأمراء بها، واستيحاش [الصاحبة] (٦) والدة الملك العزيز [وأرباب الدولة (٧)] من ذلك، راسل السلطان الملك الأشرف أخته الصاحبة بحلب [والجماعة (٨)] على أن تكون كلمتهم واحدة على الملك الكامل، وأنهم يتفقون على منعه من

стр. 1728

النزول إلى الشام، وأن يقتصر على الديار المصرية، وعلى أن يكاتبوا السلطان علاء الدين [كيقباذ] (١) صاحب الروم ليكون معهم على ذلك. وكان المؤكد لهذا الأمر عند الملك الأشرف والمحسّن له أن يباين أخاه الملك الكامل بعد ما كان بينهما من الاتفاق العظيم، أنه تتابعت عليه من أخيه الملك الكامل أفعال كثيرة أوجبت ضيق صدره، وكان يغض على نفسه (٢) ويحتملها؛ من ذلك أنه أخذ منه بلاده الشرقية حين أعطاه مدينة دمشق (٣)، وأخذ من مضافات (٤) دمشق مواضع متعددة. [واتفق مع ذلك ما ذكرنا (٥) من استيلاء علاء الدين سلطان الروم على بلاد خلاط منه وهى مملكة عظيمة تقارب مملكة مصر (٦)]. فضاق ما بيد الملك الأشرف جدا (٧). وكان الملك الكامل ينزل

стр. 1729

في كل سنة إلى دمشق في عبوره إلى الشرق ورجوعه منه فيقيم بدمشق مدة ويحتاج الملك الأشرف في ضيافته وضيافة أصحابه إلى جملة كثيرة. وقبض أيضا [١٩٦ ا] الملك الكامل على أملاك الملك الأشرف التي بحران والرقة والرها وسروج ورأس عين وعلى جميع أملاكه التي ملكها بتلك البلاد. وفتح [الملك الكامل (١)] آمد وهو في صحبته ولها بلاد كثيرة وهى مملكة واسعة، فلم يطلق له منها شيئا، وخذله في انتزاع سلطان الروم [بعض ممالك (٢)] خلاط منه فلم ينصره عليه ولم يعاضده. فلهذا وأشباهه مضافا إلى ما كان بلغه وقت دخول الدربند [ببلاد الروم] (٣) عنه من انتزاع الشام من الجماعة [ملوك البيت الأيوبى (٤)] وتعويضهم ما يملكه (٥) من بلاد الروم قوى عزمه على منابذته والممالأة عليه. وكان الملك المجاهد أسد الدين شير كوه - صاحب حمص - من أشد الجماعة موافقة على ذلك وقياما فيه، لكن الملك المظفر - صاحب حماة - كان مائلا إلى خاله الملك الكامل لأنه الذى ملّكه حماة [بعد انتزاعها من أخيه الملك الناصر (٦)] وصاهره [وأذن له بعد ذلك في انتزاع بعرين منه] (٧). فاتفق (٨) الملك الأشرف والملك المجاهد والحلبيون على أن يستميلوه (٩) إليهم إذ لا يتم غرضهم بخروجه عنهم، وأنه إن لم يوافقهم حاربوه. فتوسط الملك المجاهد [صاحب حمص (١٠)] بينه وبين

стр. 1730

الملك الأشرف، ولم يزل به إلى أن أجاب إلى الاتفاق معهم خوفا منهم على بلاده، وهو في الباطن مع الملك الكامل. فألزمه الملك المجاهد أن يمضى إلى دمشق ويجتمع بالملك الأشرف ويحلف له. فأجاب الملك المظفر إلى ذلك، وسار إلى دمشق، واجتمع بالملك الأشرف وحلف له، ثم رجع إلى حماة. وانتظمت كلمة الكل على ذلك. وبينما هم يبرمون (١) هذه القاعدة، [وقد سيروا رسلا إلى علاء الدين ليحلف لهم وتصير كلمتهم واحدة (٢)] إذ وقع من الاتفاق موت السلطان علاء الدين في أول شوال (٣) من هذه السنة، وقام ولده غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ في الملك مقامه (٤). [وكان الرسول من جهة الملك الأشرف القاضى شمس الدين الخويى (٥) قاضى دمشق، ﵀، ومن جهة الملك المظفر صاحب حماة الشيخ شرف الدين عبد العزيز محمد الأنصارى؛ ومن الحلبيين الصاحب كمال الدين عمر بن أبى جرادة المعروف بابن العديم. ومات علاء الدين قبل اجتماعهم فاجتمعوا بالسلطان غياث الدين [١٩٦ ب] كيخسرو بن علاء الدين كيقباذ، فأدوا الرسالة إليه واستحلفوه على القاعدة التي وقع الاتفاق عليها. وكان تحليف كمال الدين له في ذى القعدة من هذه السنة] (٦).

стр. 1731

ذكر مسير الملك الناصر داود بن الملك المعظم إلى الديار المصرية واتفاقه مع عمه السلطان الملك الكامل (١) ولما جرى ما ذكرناه، أرسل الملك الأشرف إلى [ابن أخيه (٢)] الملك الناصر [داود (٣)] يدعوه إلى موافقته وأن ينتظم في سلكه كما فعل صاحب حمص وصاحب حماة والحلبيون [وسلطان الروم (٤)]، وأن يحلف (٥) على ذلك، وشرط له أن [الملك الناصر] (٦) يكون ولى عهده ويزوجه ابنته؛ ولم يكن للملك الأشرف ولد غيرها. وعند ورود رسوله إليه بذلك ورد على الملك الناصر من الملك الكامل القاضى الأشرف بن القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى (٧) يدعوه إلى موافقته ويقول [له (٨)]: «أنت تعلم غدر الملك الأشرف، وأنه لما مات أبوك الملك المعظم التجأت إليه وأعرضت عن جانبى، فأدى ذلك إلى أن غدر بك ومالأ عليك، وأخذ دمشق منك، ولو كنت التجأت إلىّ لم يذهب منك من ملك أبيك شىء.

стр. 1732

والآن فقد بلغنى أنه وعدك أنه يجعلك ولى عهده [في دمشق، وأنت تعلم عدم وفائه (١)]، وأنا التزم لك إن وافقتنى أن أخرج معك بعساكرى وانتزع دمشق منه وأسلمها إليك ناجزا، وترجع إليك مملكة والدك كلها». ولما ورد على الملك الناصر رسالة عميه الملك الأشرف والملك الكامل بما أرسلا به إليه حار في أمره فاستشار (٢) والدته فيما يفعل [ولمن يوافق منهما (٣)]، فأشارت عليه [بأن يكون موافقا للملك الكامل ويمضى إلى خدمته لئلا يجرى عليه ماجرى في المرة الأولى. فصمم عزمه على ذلك ورحل إلى الديار المصرية صحبة القاضى الأشرف. فسير القاضى الأشرف يعلم الملك الكامل ذلك، فسر بذلك وأمر بترتيب الإقامات الكثيرة له، واحتفل به التقاه أحسن ملتقى، وزينت القاهرة له (٤)]. وأنزله بدار الوزارة ثم خلع عليه خلع (٥) السلطنة، وأركبه بالسناجق السلطانية، وأمر الأمراء ومن عنده من الملوك أن يحملوا الغاشية (٦) [١٩٧ ا] بين يديه [بالنوبة (٧)]. وأول من حمل الغاشية بين يديه الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن الملك الكامل، ولى عهد أبيه، ثم حملها ابن عمه الملك الجواد مظفر الدين

стр. 1733

يونس بن مودود بن الملك العادل [بن أيوب] (١)، ثم حملها الأمراء على مراتبهم واحدا (٢) بعد واحد إلى أن صعد إلى القلعة. ثم أمر الملك الكامل بتجديد عقده على [ابنة (٣) عمه] عاشورا خاتون [بنت السلطان الملك الكامل (٤)] فجدد العقد. [وبلغنى أنه كتب الملك الناصر لما جرى ذلك إلى نائبه بالكرك يخبره بإحسان الملك الكامل إليه. وتمثل في الكتاب ببيت من أبيات أبى الطيب المتنبى وهو] (٥): سيعلم قوم خالفونى وشرّقوا ... وغرّبت أنى قد أصبت وخابوا (٦) وأرسل الملك الأشرف والموافقون له رسلا إلى الملك الكامل يقولون له (٧): «إنا قد اتفقت كلمتنا، ونطلب منك إنك لا تعود تخرج من مصر ولا تنزل إلى الشام، وتحلف لنا على ذلك». فلما سمع رسالتهم (٨) قال لهم: [«أنتم قد اتفقتم، فما تطلبون من يمينى؟ احلفوا لى أنتم أيضا أن لا تقصدوا بلادى، ولا تتعرضوا لشىء مما في يدى، وأنا أوافقكم على ما تطلبون (٩)»]. ثم اتفق أنه

стр. 1734

عرض للملك الأشرف مرض ولحقه ذرب (١)، فكان لا يستقر الطعام في معدته، وطال مرضه واتصل إلى أن خرجت هذه السنة [وهى سنة أربع وثلاثين وستمائة (٢)]. ذكر (٣) المتجددات في هذه السنة أن شهاب الدين [يوسف بن عز الدين مسعود بن سابق الدين عثمان (٤)] الذى كان صاحب شيزر اتفق هو وكمال الدين بن العجمى (٥) على أن سيّرا رجلا من جهتهما يقال له عز الدين بن الأطفانى (٦) إلى الملك الأشرف يطمعانه في ملك حلب. ووعدا (٧) من أنفسهما أنهما يساعدانه بأموالهما (٨). [وأوهمه الكمال بن العجمى أن أقاربه وجماعة كثيرة من الحلبيين يبايعونه ويوافقونه على ذلك. وأوهمه شهاب الدين صاحب شيزر أن معظم الأمراء بحلب يوافقونه عليه (٩)]. واشترط كمال الدين على الملك الأشرف أن يوليه قضاء حلب إذا أخذها (١٠) فمضى رسولهما

стр. 1735

عز الدين المذكور إلى الملك الأشرف بدمشق [واجتمع بفلك الدين المسيرى، وكان متقدما في الدولتين الكاملية والأشرفية (١)]، وذكر له الأمر الذى جاء بسببه. [فذكر فلك الدين ذلك للملك الأشرف فأنكره (٢)] ولم يجب إليه، وأجاب بأنه لا يمكن أن يبدو (٣) منى غدر (٤) ولا قبيح في حق أحد من ذرية الملك الظاهر (٥). واتصل هذا الخبر (٦) بالصاحبة [إبنة السلطان الملك العادل (٧)] والمقدمين بحلب، فسيروا من وقف للرسول في طريقه. فلما رجع الرسول [إلى حلب] (٨) قبض عليه وأصعد (٩) إلى القلعة، وسئل عن الحديث، فأخبرهم به على فصّه (١٠) فحبس، وحلقت لحيته (١١)، وسيّر [به (١٢)] إلى دربساك، فاعتقل بها. وأحضر كمال الدين بن العجمى

стр. 1736

وشهاب الدين صاحب شيزر فاعتقلا (١) بالقلعة، وأخذت أموال شهاب الدين جميعها، [فيقال أنها كانت أربعين عجلة محملة ذهب وفضة (٢)]. ولم يتعرضوا (٣) لأموال كمال الدين بن العجمى تطييبا لقلوب أهله. وهذا الحديث كان في جمادى الأولى من هذه السنة، فداما في الاعتقال (٤) إلى أن مات الملك الكامل ثم أطلقا (٥). ومن المتجددات (٦) في هذه السنة أن أميرا من أمراء التركمان يقال له قنغر جمع جمعا [كثيرا (٧)] من التركمان بعد وفاة الملك العزيز، وعاث (٨) في البلاد وأطراف حلب من ناحية قورس (٩)، ونهب ضياعا متعددة، وكان يغار (١٠) ويدخل إلى بلد (١١) الروم، فخرج إليه عسكر حلب فكسرهم ونهبهم. فتخوف (١٢) المقدمون بحلب أن يكون ذلك بأمر سلطان الروم؛ فسيروا إليه رسولا في معناه. فأنكر ذلك وأمره برد ما أخذه (١٣) من بلد حلب. فردّ بعضه، وانكف عن العيث والفساد (١٤).

стр. 1737

وبذل سلطان الروم من نفسه الموافقة والنصرة للسلطان الملك الناصر [بن الملك العزيز (١)]، ومنع من يقصده أو يتعرض لبلاده بأذى أو فساد. فسير إليه من حلب تقدمة سنية على يد [الأمير (٢)] شرف الدين أمير جاندار (٣)، فأكرم الرسول إكراما كثيرا، وسير إليه [القاضى العلامة (٤)] أوحد الدين الدوينى [﵀، وكان إمام وقته في علم الخلاف (٥)] فاستحلفه للسلطان الملك الناصر في الذب عن بلاده ودفع (٦) من يقصدها [بأذى (٧)]. ذكر الوقعة بين عسكر السلطان الملك الناصر صاحب حلب والفرنج (٨) كانت (٩) بغراس من جملة فتوح السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب ﵀[١٩٨ ا] وقد تقدم ذكر ذلك (١٠)، ثم هدمت كما ذكرنا

стр. 1738

فاستولى عليها الداوية وعمروها، فخرجوا في هذه السنة بعد موت الملك العزيز وأغاروا على العمق، واستاقوا أغناما للتركمان ومواشى كثيرة لهم ولغيرهم (١). فسير إليهم من حلب الملك المعظم [فخر الدين (٢)] تورنشاه بن صلاح الدين (٣) مقدما على عسكر حلب، فنازل بهم بغراس وحصرها مدة، حتى تهدم (٤) مواضع من سورها بالمنجنيق (٥)، وفقد (٦) ما كان عند أهلها من الذخائر، وأشرفت على الأخذ، فشفع فيهم الأبرنس - صاحب أنطاكية (٧) - بعد أن كان مغاضبا لهم، فرأى الملك المعظم (٨) والعسكر المصلحة في إجابته إلى ذلك، وعقدوا الهدنة مع الداوية على بغراس، فرحلوا عنها، ولو أقاموا [عليها (٩)] يومين آخرين لملكوها. ثم سار العسكر عن بغراس بعد أن خربوا بلدها خرابا شنيعا ونزلوا بالقرب من دربساك، فجمعت الداوية جمعا كثيرا واستنجدوا بصاحب جبيل وغيره من الفرنج، وجمعوا راجلا كثيرا، وساروا من جهة حجر شغلان (١٠) إلى دربساك، ليكبسوا ربض دربساك على غرة من أهله، ولينالوا غرضا منه (١١). وفطن بهم

стр. 1739

من بالربض من الأجناد واستعدوا لهم. ونزل لمساعدتهم جماعة من أجناد القلعة. ووصل إليهم الفرنج فقاتلوهم قتالا شديدا، وحموا الربض منهم. وبلغ الخبر العسكر الإسلامى النازل قريبا منهم، ومقدمهم الملك المعظم [ابن صلاح الدين (١)]، فركبوا وساقوا إليهم، وقد تعبت الفرنج، وكلّت خيولهم، فوقع المسلمون عليهم وبذلوا فيهم السيف فانهزم الفرنج هزيمة شنيعة، وقتل منهم خلق [كثير (٢)]. واستولى المسلمون على فارسهم وراجلهم، وكان فيهم جماعة من المقدمين. واختبى (٣) جماعة [منهم] (٤) من الخيالة والرجالة خلف الأشجار في الجبل، فأخذوا ولم ينج منهم إلا القليل. وكان هذا الفتح من الفتوح الجليلة المشهورة. [ورجع العسكر الحلبى مظفرا منصورا، ودخل العسكر إلى حلب ورؤس الفرنج محمولة على الرماح، والأسرى معهم. وكان يوم دخولهم يوما مشهودا. ثم حبست الأسارى في القلعة، وأنزلوا بعد ذلك إلى الخندق (٥)]. ذكر استخدام الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل [بن الملك العادل (٦)] - صاحب البلاد الشرقية - للخوارزمية [١٩٨ ب] كنا ذكرنا في حوادث سنة تسع وعشرين وستمائة (٧) أن السلطان

стр. 1740

[الملك الكامل (١)] [لما سار من الديار المصرية إلى الشرق لفتح آمد (٢)]، تقدم إلى ولده الملك الصالح بالمضى إلى الشرق [ليكون نائبه بها وولى عهده في مملكتها (٣)]. وأنه سار إلى الشرق بجماعته وأهله وأولاده. وأنه ترتب في الشرق نائبا عن أبيه ومعه الطواشى شمس الدين صواب العادلى، والملك الصالح عنده لا يتصرف في شىء من الممالك، وإنما هو في صورة النائب عن أبيه في الملك والمعهود إليه بالسلطنة [بعده] (٤). ثم توفى شمس الدين صواب (٥) فسلم السلطان الملك الكامل إلى الملك الصالح حصن كيفا وما فيه من الذخائر والمال، وجعل له الحكم في (٦) البلاد. فصار [الملك الصالح (٧)] يحكم في آمد وبلادها وحران والرقة والرها وسروج ورأس عين وما يتبع ذلك من البلاد. وكنا ذكرنا (٨) هلاك السلطان جلال الدين [بن علاء الدين (٩)] خوارزم شاه بعد كبس التتر (١٠) له بالقرب من آمد، وأن عساكره تفرقت وتشتتت (١١)، ثم اجتمعوا وقصدوا جهة بلاد الروم فاستخدمهم السلطان علاء الدين [كيقباذ ابن كيخسرو بن قلج أرسلان السلجوقى (١٢)] وتقوى بهم. وكانت عدتهم تزيد على

стр. 1741

اثنى عشر ألف فارس، ولهم جماعة من المقدمين منهم حسام الدين بركة خان وكشلو خان [وبردى خان (١)] وسارو خان وفرخان فأقاموا في خدمة علاء الدين إلى أن توفى، وملك والده غياث الدين كيخسرو فقبض على بركة خان (٢) وكان أكبر المقدمين فيهم، فهربت الخوارزمية من الروم ونهبوا ما في طريقهم من بلاد الروم وما قدروا عليه (٣). وعبروا الفرات، فاستمالهم السلطان الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٤)]، وكتب إلى والده الملك الكامل يستأذنه في استخدامهم [عنده (٥)] فأذن له في ذلك، فاستخدمهم وأقطعهم مواضع بالجزيرة (٦)، وتقوى بهم. [ثم خلص مقدمهم بركة خان من يد غياث الدين كيخسرو ملك الروم (٧)]. [وبركة خان (٨) مقدمهم والمرجوع إليه في أمورهم (٩)].

стр. 1742

ودخلت سنة خمس (١) وثلاثين وستمائة (*) والسلطان الملك الكامل [مقيم (٢)] بالديار المصرية وعنده ابن أخيه الملك الناصر داود [بن الملك المعظم (٣)] [نازلا بدار الوزارة (٤)] وقد اشتد أزره به (٥)، والملك الأشرف بدمشق وقد اشتد به المرض جدا (٦) وعهد بالملك بعده إلى أخيه الملك الصالح عماد الدين اسماعيل [بن الملك العادل (٧)] صاحب بصرى، والملك المجاهد [أسد الدين (٨)] بحمص، وبحماة الملك المظفر (٩)، والحكم بحلب للصاحبة (١٠) والدة [١٩٩ ا] الملك العزيز ومن ذكرنا من مقدمى الدولة. وقد اتفقت كلمة الجميع على مباينة الملك الكامل ومنعه من الخروج من الديار المصرية، وقد اتفق معهم على ذلك غياث الدين كيخسرو بن كيقباذ سلطان الروم.

стр. 1743

ذكر وفاة السلطان الملك الأشرف ابن [السلطان (١)] الملك العادل ﵀ (٢) واشتد مرض الملك الأشرف [في أول هذه السنة] (٣)، وأخذت قواه في الضعف والانحلال بسبب ما تواتر [عليه (٤)] من الاستفراع. فحكى لى أنه اشتهى لحم عجل فأحضر إليه وتناول منه مقدارا (٥) لم تف قوته الهاضمة بهضمه، [وكان هذا في آخر مرضه (٦)]، وأسرف (٧) به القيام، ووقع اليأس منه (٨). وكان يتردد إليه من الحكماء جماعة منهم سعد الدين الحكيم الدمشقى (٩) وهو من فضلاء الأطباء، ومنهم موفق الدين إبراهيم (١٠) وكان سامر يا ثم أسلم (١١) وحسن إسلامه، وكان متدينا متقشفا. وكان من حكماء السلطان الملك العادل ﵀ ثم أمره بملازمة ولده الملك المظفر شهاب الدين غازى فأقام عنده بالرها مدة، ثم انتقل إلى دمشق ولازم الملك الأشرف. وكان متقنا لصناعة

стр. 1744

الطب، حسن المعالجة. فذكر أن الملك الأشرف في آخر مرضه - عند ما أيفن (١) الحكماء باليأس منه - أمر بطلب الحكيم موفق الدين إبراهيم هذا، فطلبه الغلمان من (٢) المواضع التي جرت عادته أنه يكون (٣) بها فلم يوجد فيها. وتألم الملك الأشرف لغيبته عنه، ثم إنهم وجدوه بمشهد برزة (٤) الذى فيه مقام إبراهيم ﵇، فأحضروه إلى الملك الأشرف فقال له: «يا حكيم أين كنت؟». فقال: «يا مولانا كنت في مقام إبراهيم ﵇ أدعولك». فقال: «يا حكيم ووصل الحال إلى أنك تدعو لى، وما بقى فىّ رجاء من حيث الطب». [ثم توفى الملك الأشرف بعد يومين من هذا الكلام] (٥) في المحرم من هذه السنة، [وهى سنة خمس وثلاثين وستمائة (٦)]. وكان عمره قريبا من ستين سنة، وكانت مدة ملكه لدمشق (٧) ثمان سنين وشهورا. ذكر سيرته رحمه (٨) الله كان ﵀ ملكا جوادا مفرط السخاء، يطلق الأموال الجليلة

стр. 1745

حتى قيل أنه كان يصل إليه الحمل [الذى (١)] فيه المال المستكثر فيطلقه لأحد (٢) الحاضرين عنده [١٩٩ ب]. ولم نسمع أن أحدا من الملوك والعظماء بعد آل برمك فعل فعله في التوسع في العطاء والكرم. ونقل عنه مع ذلك من حسن الخلق (٣) وجميل العشرة لأصحابه ما لم ينقل مثله عن أحد من الملوك المتقدمين. فحكى لى بعض من كان يصحبه قال: أهدى إليه يوما خيار في أول باكورته وأنا عنده، فوضعه (٤) بين يديه وشرع في تقشيره واحدة بعد واحدة. وكلما قشر واحدة أكلها حتى أتى على ذلك الخيار الذى أهدى اليه، وكان [عدده قليلا (٥)]. [ثم أمر لمن أتاه بذلك الخيار بخمسمائة درهم فأخذها وانصرف (٦)]. قال: فعجبنا من كونه لم يؤثر أحدا من الحاضرين بشىء منه (٧). وكانت عادته ﵀ أنه إذا أتى بشىء (٨) أكل بعضه وآثر الحاضرين ببقيته. فلما لم يفعل هذا ذلك اليوم، وخالف عادته تعجبنا منه. فلما فرغ منه قال: «هل علمتم ما السبب في أنى لم أعطكم من هذا الخيار شيئا؟».

стр. 1746

فقلنا: «لا». فقال: «والله ما قشرت [منه (١)] واحدة إلا ووجدتها (٢) مرّة، فما أمكننى أن أذكر ذلك، ولا أن أرمى منه واحدة لئلا ينكسر قلب الذى جاء به. فكنت كلما تطعمت بواحدة النزمت أكلها (٣) حتى أتيت على الجميع». وكان ميمون النقيبة، سعيدا إلى الغاية، مظفرا في حروبه ومصافاته (٤)، تأتيه السعادة وتواتيه بما لا يكون في حسابه (٥) ولا حساب أحد من الخلق. ووقعت [له (٦)] من ذلك أشياء خارقة لم يتفق مثلها لغيره؛ منها ما قدمنا ذكره (٧) أنه قدم إلى [خلاط زائرا لأخيه (٨)] الملك الأوحد، عائدا له من مرضه (٩)، فأقام عنده إلى أن أبلّ (١٠) من مرضه ودخل الحمام، فأراد [الأشرف (١١)] أن ينصرف إلى بلاده، فقال له طبيب الملك الأوحد: «أقم الليلة فإن الملك الأوحد ميت لا محالة». فأقام تلك الليلة، واتفق موت (١٢) الملك الأوحد، واستولى على مملكة خلاط جميعها.

стр. 1747

ومن مصافاته التي نصر فيها أنه كسر عسكر الموصل على بوشزه (١)، وكان جمع صاحب الموصل أكثر من جمعه [بكثير (٢)]. وخرج سلطان الروم في جمع عظيم ومعه الملك الأفضل بن صلاح الدين مقدرا في نفسه أنه يملك الشام [والشرق (٣)] جميعه، ويستولى على ممالك بنى أيوب، فقصده الملك الأشرف فانكسر سلطان الروم بمقدمة عسكر الملك الأشرف وبعض الجند، وولى [سلطان الروم] (٤) منهزما لا يلوى على شىء، واستعاد [منه (٥)] الملك الأشرف كل ما اخذ من البلاد. وأعطى الملك الأشرف كل ما (٦) فتحه للملك العزيز [٢٠٠ ا] صاحب حلب لم (٧) يأخذ منه [لنفسه (٨)] شيئا. ولحسن سيرته التجى (٩) إليه صاحب الموصل وصاحب حماة وصاحب حمص وذبّ عن الجميع وحماهم. وكان [﵀ (١٠)] حسن العقيدة، جميل الطوية، يميل إلى أهل الصلاح والدين والعلم، [ويكره الفتن والعصبيّة في المذاهب (١١)]. ووقعت بين الشافعية والحنابلة فتنة بدمشق (١٢) بسبب العقائد، وتعصب الشيخ عز الدين [بن (١٣)] عبد السلام على الحنابلة جدا لميله إلى [مذهب (١٤)] أبى الحسن الأشعرى. وجرى بسبب

стр. 1748

ذلك خطب طويل، [وأوجب فرط العصبية من الشيخ عز الدين أن كتب إلى الملك الأشرف أن باب السلامة - لما حضر الملك الأفضل والملك الظاهر دمشق، والملك العادل محصور بدمشق - فتحه بعض الحنابلة المحاصرين حتى أوجب ذلك هجومهم إلى البلد. وقصد عز الدين بذلك إيذاء الحنابلة وإغراء الملك الأشرف بهم. ولم يكن هذا حسنا من عز الدين ولا أعجب الملك الأشرف بل غاظه عليه، وكتب في جواب ورقته: يا عز الدين الفتنة نائمة فلعن الله مثيرها] (١)، وأما حديث باب السلامة فالأمر فيه كما قال الشاعر: وجرم جرّه سفهاء قوم ... فحل بغير جارمه العذاب (٢) ولما ورد جواب الملك الأشرف بهذا، أقصر عز الدين والجماعة المتعصبون عن الشغب (٣)، وسكنت الفتنة. [ووقفت أنا على خط الملك الأشرف الذى أجاب به عز الدين] (٤). وكانت له ﵀ صدقات دارّة، ومعروف كثير جدا. وبنى بدمشق دار الحديث النبوى ووقف (٥) عليها وقفا جليلا. وذكر الدرس فيها الشيخ

стр. 1749

العلامة تقى الدين بن الصلاح (١) ﵀ إمام وقته في مذهب الشافعى والحديث النبوى. وهدم الملك الأشرف خانا بالعقيبه (٢) يعرف بخان ابن الزنجيلى (٣) كان تباع فيه الخمور ويعلن فيه بارتكاب الفواحش (٤) فطهره من ذلك، وبنى موضعه جامعا تقام فيه الصلوات الخمس، ويصلى (٥) فيه الجمع، وجاء في غاية الحسن [وسماه جامع التوبة (٦)]، ووقف (٧) عليه وقفا جليلا. وأمر بإقامة الجمع في جامع خارج باب الصغير يقال له مسجد الجراحى (٨). وحصلت له [٢٠٠ ب] خاتمة صالحة فإنه كان كما اشتهر عنه مغرى باللهو واللذة واستماع الأغانى والأمور الملهية، وبنى القصور الحسنة النزهة في الشرق

стр. 1750

ودمشق (١) التي لم ير في حسنها ونزاهتها مثلها [في جميع البلاد] (٢). ولما بنى قصره بالنيرب (٣) المعروف بالدهشة والصّفة المعروف بصفة بقراط اللذين من رآهما سبيا عقله وأدهشاه (٤)، [كان يقول: «أنى بعت ممالك المشرق كلها بهذين الموضعين؛ إذ ليس ثمرة الملك إلا الاستمتاع بالملاذ والراحات» (٥)]. فلما وقع ﵀ في مرضه الذى مات به وطالت مدته (٦)، أقبل على الابتهال إلى الله تعالى والاستغفار من ذنوبه وخطياته (٧)، وأكثر من ذكر الله تعالى والالتجاء إليه. ولم يزل هذه حاله إلى أن توفى [إلى رحمة الله تعالى (٨)]، [تائبا من ذنبه مستغفرا لما سلف من ذنوبه (٩)]. وهذه خاتمة حسنة يرجى له بها السعادة في الأخرى مضافا إلى ما كان أعطيه من السعادة في الدنيا. وكان (١٠) قد فسد ما بينه وبين أخيه الملك الكامل في آخر عمره مع ما كان بينهما من التصافى والاتحاد. ولم يكن السبب في ذلك إلا مانمى إليه من عزم الملك الكامل على الانفراد بملك مصر والشام، وأنه لما فتح آمد وبلادها، وهو عمل عظيم ومملكة واسعة، لم يسمح له منه بشىء إلا ما يجعله عوضا على ما بيده من الشام، فاستوحش خاطره من ذلك، وأيضا فإنه كان بيده البلاد الجزيرية أخذها الملك

стр. 1751

الكامل منه، وأخذ جلال الدين أخلاط وقتل كل من بها وخربت. ثم لما كسر جلال الدين عادت أخلاط إلى الملك الأشرف خرابا، فخرج سلطان الروم علاء الدين كيقباذ وأخذها واحتوى عليها فلم ينجده الملك الكامل. وهذا وأشباهه هو الذى حمله على التغير على أخيه الملك الكامل. ولما مات دفن في تربة بنيت له ينفذ شباكها إلى الكلاسة يجامع دمشق. ورتب عليها (١) من يقرأ القرآن [عليه (٢)] ليلا ونهارا، ﵀ ورضى عنه. ولم يخلف [من الأولاد (٣)] إلا بنتا واحدة تزوجها [بعده ابن أخيه (٤)] الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود بن الملك العادل. ثم لما ملك دمشق عمها الملك الصالح الكرّة (٥) الثانية فسخ نكاحها من الملك الجواد بأن (٦) أثبت عند الحاكم بدمشق أنه حلف بطلاقها في أمر أنه لا يفعله وفعله، وزوجها (٧) لابنه الملك المنصور [نور الدين محمود (٨)] وهى معه إلى الآن (٩). [وكان مولده ﵀ سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بمصر، وتوفى نهار يوم الخميس أربع مضين من المحرم من هذه السنة - أعنى سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان في خدمته جماعة من الأماثل وأهل الفضل منهم شيخنا

стр. 1752

في العلوم الرياضية علم الدين قيصر بن أبى القاسم بن عبد الغنى، وكان عظيما في العلوم الرياضية. وعمّر له مواضع حسنة منها الجوسق المعروف بطيحة (١) في مدينة رأس عين في غاية الحسن على شكل مثمن وبإزائه نهر يتصل ببلاد الخابور (٢)]. ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين اسماعيل بعد وفاة السلطان الملك الأشرف ابن الملك العادل على دمشق كنا قد ذكرنا (٣) أنه لما اتفق الملك الأشرف مع الملك المجاهد صاحب حمص، وراسل الملك الناصر صاحب الكرك والسلطان الملك المظفر صاحب حماة والحلبيين وسلطان الروم على مباينة السلطان الملك الكامل، وكاتب الملك الأشرف في رسالته إلى ابن أخيه الملك الناصر يدعوه إلى الوصول إليه، والاتفاق معه، والتزم أنه يجعله ولى عهده بدمشق ويزوجه ابنته - كما تقدم ذكره - وأنه أبى ذلك وانحاز إلى عمه الملك الكامل ومضى إليه إلى مصر. وكان هذا من الأمور التي اقتضاها من سوء حظه، فإنه كان مع وفور [فضله (٤)] وعقله ناقص الحظ قليل جدا، انحاز في أول مرة إلى الملك الأشرف وترك الملك الكامل فكان ذلك سببا لخروج دمشق ومعظم بلادها من يده. وانحاز ثانيا إلى الملك الكامل،

стр. 1753

وترك الملك الأشرف وهو مريض مشرف على الموت، وقد وعده بولاية عهده وتزويج ابنته فكان ذلك سببا لحرمانه مملكة دمشق وبعض بلاد الشرق مضافا إلى ما في يده. ولو حصلت له دمشق مع قوته بالحصون التي بيده وموافقة الحلبيين وصاحب حمص، كان تعذر على الملك الكامل إزالة ذلك من يده، لكن إذا أراد الله تعالى شيئا هيأ أسبابه. ولما (١) امتنع الملك الناصر [داود (٢)] من القدوم إلى الملك الأشرف وتوجه إلى مصر، ولى الملك الأشرف ولاية عهده لأخيه الملك الصالح [عماد الدين اسماعيل (٣)] ولم يكن بيده غير بصرى من أيام أبيه الملك العادل. ولما (٤) توفى الملك الأشرف ركب الملك الصالح بالسناجق السلطانية واستولى على دمشق وبعلبك وما لدمشق من الأعمال إلى عقبة فيق. وسير ابنه الملك المنصور نور الدين محمود إلى الشرق ليتسلم - من نواب الملك الأشرف - سنجار ونصيبين والخابور (٥). وأرسل إلى الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص، والملك المظفر صاحب حماة والحلبيين ليحلفوا (٦) له ويتفقوا معه على القاعدة المتقررة التي كانت بينهم وبين الملك الأشرف.

стр. 1754

فأما صاحب حمص والحلبيون فإنهم أجابوا إلى ذلك وحلفوا له. وأما الملك المظفر فإنه امتنع من ذلك وأظهر الانحياز إلى خاله السلطان الملك الكامل، وأرسل إلى الملك المجاهد صاحب حمص: «أنى لا أجيب إلا بشرط أن تعطينى سلمية وقلعة شميميش (١)» لما يعلم أنه لا يجيب إلى ذلك. وجعل ذلك ذريعة إلى موافقة خاله الملك الكامل. ثم سير الشيخ أبا سالم ابن القاضى كمال الدين مظفر بن الثقفى - وهو من أعيان فقهاء حماة وأكابر أهلها - رسولا إلى السلطان الملك الكامل يعلمه أنه لم يزل مملوكه ومنتميا إليه، وإنما كان وافق الملك الأشرف اضطرارا وخوفا على بلده من الملك الأشرف والحلبيين وصاحب حمص وسلطان الروم غياث الدين. ولما وصل رسول الملك المظفر صاحب حماة إلى الديار المصرية أكرمه [السلطان الملك الكامل (٢)] غاية الإكرام. وقبل الملك الكامل عذر الملك المظفر، ووعده أن يضيف إليه سلمية، ويأخذها له من صاحب حمص هى وقلعتها، وحلف له على ذلك. ورجع رسول الملك المظفر من عند الملك الكامل مكرما. وسير الحلبيون الصاحب كمال الدين بن العديم (٣) رسولا ومعه علاء الدين طيبغا متولى حلب الظاهرى إلى السلطان الملك المظفر والملك المجاهد لتوفيق الأمر بينهما. فأبى كل واحد منهما أن يجيب صاحبه إلى ما يريد. وقال السلطان الملك المظفر:

стр. 1755

«لا أجيب إلا بأن أعطى سلمية وقلعتها شميميش (١)» التي حددها. فقال الملك المجاهد: «هذه يمين الملك المظفر لى، وقد حلف لى على كل ما بيدى (٢)». وأبى أن يجيبه إلى ذلك. فقال الملك المظفر: «لا أجيب إلا بهذا الشرط». فقال كمال الدين له: «أن هذا الذى تجادله فيه نقض العهد الذى قد تقرر بين الجماعة». فقال الملك المظفر: «هو قد نقض عهدى، واستفسد (٣) جماعة من عسكرى، ولا بد لى من قصده، فإذا نزل الملك الكامل على حمص نزلت معه عليها، وفعلت ما يصل إليه جهدى. وأما حلب فإنى أبذل مالى ونفسى دون الوصول إلى قرية من قراها (٤)، ولا أرجع عن اليمين التي حلفت [بها (٥)] للستر العالى وللسلطان الملك الناصر». فقال له كمال الدين [بن العديم (٦)]: «المولى (٧) يعلم ماجرى بيننا وبين صاحب حمص من الأيمان، وما نقض معنا (٨) عهدا، [وإذا قصده إلى حمص قاصد تعين إنجاده ونصرته (٩)]، وإذا وصل عسكر من حلب لنجدته، كيف (١٠) يفعل المولى؟» فقال: «أنا أفاتله، ومن قاتلنى قاتلته».
следующие страницы →