← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

الكامل منه، وأخذ جلال الدين أخلاط وقتل كل من بها وخربت. ثم لما كسر جلال الدين عادت أخلاط إلى الملك الأشرف خرابا، فخرج سلطان الروم علاء الدين كيقباذ وأخذها واحتوى عليها فلم ينجده الملك الكامل. وهذا وأشباهه هو الذى حمله على التغير على أخيه الملك الكامل. ولما مات دفن في تربة بنيت له ينفذ شباكها إلى الكلاسة يجامع دمشق. ورتب عليها (١) من يقرأ القرآن [عليه (٢)] ليلا ونهارا، ﵀ ورضى عنه. ولم يخلف [من الأولاد (٣)] إلا بنتا واحدة تزوجها [بعده ابن أخيه (٤)] الملك الجواد مظفر الدين يونس بن مودود بن الملك العادل. ثم لما ملك دمشق عمها الملك الصالح الكرّة (٥) الثانية فسخ نكاحها من الملك الجواد بأن (٦) أثبت عند الحاكم بدمشق أنه حلف بطلاقها في أمر أنه لا يفعله وفعله، وزوجها (٧) لابنه الملك المنصور [نور الدين محمود (٨)] وهى معه إلى الآن (٩). [وكان مولده ﵀ سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بمصر، وتوفى نهار يوم الخميس أربع مضين من المحرم من هذه السنة - أعنى سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان في خدمته جماعة من الأماثل وأهل الفضل منهم شيخنا

стр. 1752

في العلوم الرياضية علم الدين قيصر بن أبى القاسم بن عبد الغنى، وكان عظيما في العلوم الرياضية. وعمّر له مواضع حسنة منها الجوسق المعروف بطيحة (١) في مدينة رأس عين في غاية الحسن على شكل مثمن وبإزائه نهر يتصل ببلاد الخابور (٢)]. ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين اسماعيل بعد وفاة السلطان الملك الأشرف ابن الملك العادل على دمشق كنا قد ذكرنا (٣) أنه لما اتفق الملك الأشرف مع الملك المجاهد صاحب حمص، وراسل الملك الناصر صاحب الكرك والسلطان الملك المظفر صاحب حماة والحلبيين وسلطان الروم على مباينة السلطان الملك الكامل، وكاتب الملك الأشرف في رسالته إلى ابن أخيه الملك الناصر يدعوه إلى الوصول إليه، والاتفاق معه، والتزم أنه يجعله ولى عهده بدمشق ويزوجه ابنته - كما تقدم ذكره - وأنه أبى ذلك وانحاز إلى عمه الملك الكامل ومضى إليه إلى مصر. وكان هذا من الأمور التي اقتضاها من سوء حظه، فإنه كان مع وفور [فضله (٤)] وعقله ناقص الحظ قليل جدا، انحاز في أول مرة إلى الملك الأشرف وترك الملك الكامل فكان ذلك سببا لخروج دمشق ومعظم بلادها من يده. وانحاز ثانيا إلى الملك الكامل،

стр. 1753

وترك الملك الأشرف وهو مريض مشرف على الموت، وقد وعده بولاية عهده وتزويج ابنته فكان ذلك سببا لحرمانه مملكة دمشق وبعض بلاد الشرق مضافا إلى ما في يده. ولو حصلت له دمشق مع قوته بالحصون التي بيده وموافقة الحلبيين وصاحب حمص، كان تعذر على الملك الكامل إزالة ذلك من يده، لكن إذا أراد الله تعالى شيئا هيأ أسبابه. ولما (١) امتنع الملك الناصر [داود (٢)] من القدوم إلى الملك الأشرف وتوجه إلى مصر، ولى الملك الأشرف ولاية عهده لأخيه الملك الصالح [عماد الدين اسماعيل (٣)] ولم يكن بيده غير بصرى من أيام أبيه الملك العادل. ولما (٤) توفى الملك الأشرف ركب الملك الصالح بالسناجق السلطانية واستولى على دمشق وبعلبك وما لدمشق من الأعمال إلى عقبة فيق. وسير ابنه الملك المنصور نور الدين محمود إلى الشرق ليتسلم - من نواب الملك الأشرف - سنجار ونصيبين والخابور (٥). وأرسل إلى الملك المجاهد أسد الدين شيركوه صاحب حمص، والملك المظفر صاحب حماة والحلبيين ليحلفوا (٦) له ويتفقوا معه على القاعدة المتقررة التي كانت بينهم وبين الملك الأشرف.

стр. 1754

فأما صاحب حمص والحلبيون فإنهم أجابوا إلى ذلك وحلفوا له. وأما الملك المظفر فإنه امتنع من ذلك وأظهر الانحياز إلى خاله السلطان الملك الكامل، وأرسل إلى الملك المجاهد صاحب حمص: «أنى لا أجيب إلا بشرط أن تعطينى سلمية وقلعة شميميش (١)» لما يعلم أنه لا يجيب إلى ذلك. وجعل ذلك ذريعة إلى موافقة خاله الملك الكامل. ثم سير الشيخ أبا سالم ابن القاضى كمال الدين مظفر بن الثقفى - وهو من أعيان فقهاء حماة وأكابر أهلها - رسولا إلى السلطان الملك الكامل يعلمه أنه لم يزل مملوكه ومنتميا إليه، وإنما كان وافق الملك الأشرف اضطرارا وخوفا على بلده من الملك الأشرف والحلبيين وصاحب حمص وسلطان الروم غياث الدين. ولما وصل رسول الملك المظفر صاحب حماة إلى الديار المصرية أكرمه [السلطان الملك الكامل (٢)] غاية الإكرام. وقبل الملك الكامل عذر الملك المظفر، ووعده أن يضيف إليه سلمية، ويأخذها له من صاحب حمص هى وقلعتها، وحلف له على ذلك. ورجع رسول الملك المظفر من عند الملك الكامل مكرما. وسير الحلبيون الصاحب كمال الدين بن العديم (٣) رسولا ومعه علاء الدين طيبغا متولى حلب الظاهرى إلى السلطان الملك المظفر والملك المجاهد لتوفيق الأمر بينهما. فأبى كل واحد منهما أن يجيب صاحبه إلى ما يريد. وقال السلطان الملك المظفر:

стр. 1755

«لا أجيب إلا بأن أعطى سلمية وقلعتها شميميش (١)» التي حددها. فقال الملك المجاهد: «هذه يمين الملك المظفر لى، وقد حلف لى على كل ما بيدى (٢)». وأبى أن يجيبه إلى ذلك. فقال الملك المظفر: «لا أجيب إلا بهذا الشرط». فقال كمال الدين له: «أن هذا الذى تجادله فيه نقض العهد الذى قد تقرر بين الجماعة». فقال الملك المظفر: «هو قد نقض عهدى، واستفسد (٣) جماعة من عسكرى، ولا بد لى من قصده، فإذا نزل الملك الكامل على حمص نزلت معه عليها، وفعلت ما يصل إليه جهدى. وأما حلب فإنى أبذل مالى ونفسى دون الوصول إلى قرية من قراها (٤)، ولا أرجع عن اليمين التي حلفت [بها (٥)] للستر العالى وللسلطان الملك الناصر». فقال له كمال الدين [بن العديم (٦)]: «المولى (٧) يعلم ماجرى بيننا وبين صاحب حمص من الأيمان، وما نقض معنا (٨) عهدا، [وإذا قصده إلى حمص قاصد تعين إنجاده ونصرته (٩)]، وإذا وصل عسكر من حلب لنجدته، كيف (١٠) يفعل المولى؟» فقال: «أنا أفاتله، ومن قاتلنى قاتلته».

стр. 1756

فحكى الصاحب كمال الدين قال: «كتبت بما جرى كتابا إلى حلب، فجاء الأمر إلينا بالتوجه إلى حلب، فسرنا في الحال من غير توديع، حتى وصلنا إلى العبادى (١) ليلة الإثنين مستهل جمادى الأولى، من سنة خمس (٢) وثلاثين وستمائة، فلحقنا المهمندار (٣) من حماة بالخلع والتسفير، فلم نقبل منها شيئا وسرنا إلى حلب (٤)». ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى دمشق واستيلائه عليها وتعويضه الملك الصالح عنها بعلبك ولما بلغ السلطان الملك الكامل وفاة أخيه الملك الأشرف، سار إلى دمشق في عساكر مصر، ومعه الملك الناصر داود بن الملك المعظم، وهو لا يشك أن الملك الكامل إذا ملك دمشق يسلمها إليه لما كان قد تقرر بينه وبينه (٥).

стр. 1757

وكان بقلعة عجلون نائب الملك الأشرف، فكاتبه الملك الناصر داود في تسليمها إليه على مال شرطه له، فسلّمها إليه فتسلمها نوابه. ولم ينكر الملك الكامل ذلك وأقره عليها. ولما قرب الملك الكامل إلى دمشق دخل (١) إليها الأمير عز الدين أيبك المعظمى صاحب صرخد معاضدا للملك الصالح، وجاءت إلى دمشق نجدة حمص ونجدة حلب مقدمها ناصح الدين الفارسى. ووصل الملك الكامل ومعه الملك الناصر ونازلوا دمشق. وكان الملك الصالح قد استعد للحصار وهيأ أسبابه، فضايق الملك الكامل دمشق، وزحف إليها الملك الناصر داود من جهة العقيبة وباب توما، ووصل إلى قرب الأسوار، وكاد يملك البلد في ذلك اليوم. فلم يعجب الملك الكامل ذلك، وسيّر إليه من ردّه عن الزحف فرجع. وخرج الغد من يوم الزحف الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بالحراقة والنفاطين فأحرق العقيبة وما فيها من الخانات والأسواق والدور حتى جعلها قاعا صفصفا (٢). وبعث الملك المجاهد أسد الدين [صاحب حمص (٣)] جماعة من الرجّالة يزيدون على خمسين رجلا نجدة لدمشق، فظفر بهم السلطان الملك الكامل فأمر بشنقهم جميعهم فشنقوا بين البساتين، ولم تكن هذه عادته وإنما كان محرجا (٤) على صاحب حمص.

стр. 1758

وفى مدة الحصار على دمشق سيّر الملك الكامل إلى السلطان الملك المظفر توقيّعا بسلمية، فتسلمها الملك المظفر وبعث نوابه إليها. وكان الحصار على دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة في قوة الشتاء والبرد. ولما اشتد الحصار على الملك الصالح أذعن بتسليم دمشق إلى أخيه الملك الكامل، على أن يعوض عن دمشق بعلبك والبقاع مضافا إلى بصرى والسّواد (١)، فأجابه الملك الكامل إلى ذلك. وكان المتوسط بينهما في تقرير قواعد الصلح الصاحب محيى الدين أبا المظفر يوسف بن الشيخ جمال الدين أبا الفرج بن الجوزى رسول الخليفة الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين. وكان قد ورد من الخليفة رسولا إلى الملوك ليوفق الأمر بينهم، ويزيل ما وقع من الاختلاف. ولما تقرر ذلك، وحلف الملك الكامل لأخيه الملك الصالح، سلم الملك الصالح إلى أخيه الملك الكامل دمشق، وتوجه إلى بعلبك وتسلمها. ودخل السلطان الملك الكامل إلى قلعة دمشق وبين يديه ابن أخيه الملك الناصر بن الملك المعظم. واستقر الملك الكامل بقلعة دمشق لأحد عشر ليلة بقيت من جمادى الأولى (٢). ونزل الملك الناصر داود بداره المعروفة بدار شامة داخل البلد. ثم تقدم السلطان الملك الكامل إلى العسكر بالمسير إلى حمص لمنازلتها، فبرزت العساكر وتقدم السلطان الملك الكامل إلى السلطان الملك المظفر صاحب حماة

стр. 1759

بالتقدم إلى جهة حمص. فرحل في عسكر حماة ونزل على الرستن (١) مهتما بمنازلة حمص مع السلطان الملك الكامل. وأسقط عند ذلك في يد الملك المجاهد، وخاف من الملك الكامل، وبعث يتضرع إلى الملك الكامل ويخضع له، فلم يلتفت إليه وأصر على قصده. فبعث نساءه إلى الملك الكامل يشفعن فيه، وبذل جملة عظيمة من المال فلم يلتفت إليه. ذكر استيلاء السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل على سنجار ونصيبين والخابور (٢) وذكرنا أن الملك الصالح عماد الدين اسماعيل المالك لدمشق سير ولده الملك المنصور نور الدين محمود إلى الشرق، فتسلم ما كان بيد الملك الأشرف وهو سنجار ونصيبين والخابور (٣). فلما نازل الملك الكامل دمشق، سيّر إلى ولده الملك الصالح يأمره بقصد سنجار فقصدها ونازلها فسلّمها إليه ابن عمه الملك المنصور بالأمان فتسلمها الملك الصالح نجم الدين وما معها من البلاد (٤). ذكر وفاة السلطان الملك الكامل [ابن الملك العادل (٥)] ﵀ ولما (٦) ملك السلطان الملك الكامل دمشق لم يلبث في قلعتها (٧) إلا مدة يسيرة (٨)

стр. 1760

حتى مرض واشتد مرضه. وكان [سبب (١)] مرضه على ما حكى لى [الرشيد أبو حليقة (٢)] طبيبه، أنه أصابه [زكام فدخل الحمام في ابتدائه، فصب ماء شديد الحرارة على رأسه، وعمل ذلك اتباعا لقول محمد بن زكريا الرازى في كتاب سماه «طب ساعة (٣)» ذكر فيه أن من أصابه زكام فصبّ على رأسه ماء شديد الحرارة انحلّ زكامه لوقته. وهذا وأمثاله مما يوجد في الكتب لا ينبغى أن يعمل به على الطبيعة. قال: فانصب من دماغه مادة مادة إلى فم معدته فتورمت، وعرضت له حمىّ شديدة. وأراد القىء فنهاه الأطباء عنه، وقالوا: «إن فعل هذا هلك في الوقت»، فخالفهم وتقيأ فهلك لوقته. وحكى لى رضى الدين بن الحكيم موفق الدين إبراهيم - الذى كنا قدمنا ذكره في خبر وفاة الملك الأشرف (٤) - قال: أن الملك الكامل عرضت له خوانيق (٥) وأنها انقطعت (٦) وتقيأ دما كثيرا ومدة (٧)، وأراد القىء فشاور الأطباء، فمنهم من أشار به. فقال له الحكيم موفق الدين إبراهيم المذكور لا يفعل، وأنكر على من أشار بالقىء، فخالفه وتقيا، فانصبت بقية من المادة إلى قصبة الرئة وسدتها، فمات ﵀ (٨)].

стр. 1761

وكانت وفاته لسبع بقين من [شهر (١)] رجب من هذه السنة - أعنى سنة خمس وثلاثين وستمائة (٢). وكان بين موته وموت أخيه الملك الأشرف [رحمهما الله (٣)] نحو ستة أشهر. وكانت مدة ملكه [لمصر (٤)] من حين مات أبوه [الملك العادل واستقل بالملك عشرين سنة وكسرا. وناب عن أبيه بالديار المصرية قريبا من عشرين سنة، فحكم في ملك الديار المصرية قريبا من أربعين سنة نائبا ومستقلا (٥)]. وأشبه حاله في ذلك حال معاويه بن أبى سفيان (٦) فإنه ولى الشام [نائبا عن عمر وعثمان ومحار بالعلى، رضى الله عنهم، نحو عشرين سنة. ثم ولى مستقلا نحو عشرين سنة [٢ ا] أخرى، فولى الشام أميرا وخليفة أربعين سنة (٧)]. [وكانت مدة ملك الملك الكامل لدمشق شهرين إلا يومين (٨). ومن الأمور المستظرفة أن محيى الدين بن الجوزى ﵀ كان يتردد في هذه السنة والتي قبلها إلى الملوك للإصلاح بينهم. فاتفق في هذه المدة أنه مات سلطان الروم والسلطان الملك الكامل والأشرف فقال بعض الشعراء وأظنه ابن المسجف (٩) يخاطب الخليفة المستنصر بالله:

стр. 1762

يا إمام الهدى أبا جعفر ال ... منصور يا من له الفخار الأثيل (١) ماجرى من رسولك الآن محيى الد ... دين في هذه البلاد (٢) قليل جاء والأرض بالسلاطين تزهى ... وغدا والديار منهم طلول أقفر الروم والشام ومصرا ... أفهذا مغسل (٣) أم رسول؟ (٤)] ذكر سيرة ﵀ [تعالى (٥)] كان [الملك الكامل (٦)] ملكا جليلا، حازما مهيبا، [سديد الآراء (٧)]، حسن التدبير لممالكه (٨)، عفيفا عن سفك الدماء، [حليما (٩)]. [وبلغنى عن حلمه أن رجلا من شعراء مصر كان بمنزلة من الأدب تعرض لهجوه (١٠) مرارا، وهو يغضى عنه (١١) ولا يعاقبه، فبلغ من لآمة ذلك الشاعر حين رأى أن السلطان لا يقابله على فعله (١٢) أن قال:

стр. 1763

وما تركهم للقتل حلما وإنما ... يرون بقاء المرء في عصرهم أشقى فبلغ الملك الكامل ذلك فلم يلتفت إلى قوله، ومع هذا الحلم] (١)] [العظيم، كان عظيم الهيبة. وبلغ من هيبته أن الرمل الذى بين العريش وديار مصر كان يمر به الإنسان وحده ومعه الذهب الكثير، أو الجماعة اليسيرة ومعهم الأحمال من القماش فلا يخافون سارقا ولا قاطع طريق] (٢). ولقد سرق في الرمل مرة بساط، فأحضر العرب الذين يخفرون الطريق، فقال: «أريد البساط بعينه وأريد سارقه، وإلا أذهبت (٣) نفوسكم، ونهبت أموالكم»، فبذلوا له عوضه شيئا كثيرا، فأبى أن يقبل شيئا من ذلك، وأصر على مطالبتهم بالمأخوذ بعينه فأحضروه له. [٢ ب] وكان يباشر الأمور بنفسه، واستوزر في أول ملكه وزير أبيه الصاحب صفى الدين بن شكر (٤)، ثم لما مات صفى الدين لم يستوزر بعده أحدا (٥). وكان (٦) في أول زيادة النيل يخرج بنفسه وينظر في الجسور وإصلاحها، ويرتب على كل جسر من الأمراء من يتولاه، ويجمع الرجال لإصلاحه وعمله، ثم يشرف على الجسور بنفسه، فأى جسر منها اضطرب بتفريط من يتولاه عاقب المتولى له أشد العقوبة. فعمرت في أيامه ديار مصر عمارة كثيرة (٧).

стр. 1764

وأخرج من زكوات الأموال سهم الفقراء والمساكين (١)، وأخرجها في مصارفها بأن رتب عليها جامكيات الفقهاء (٢) والصلحاء والفقراء. وكان محبا للعلماء ومجالستهم وسماع مناظراتهم. وكانت عنده (٣) مسائل غريبة من الفقه والنحو، إذا حضر الفقهاء والنحاة سألهم عنها وامتحن بها علومهم؛ فمن أجاب منهم الجواب الصحيح حظى عنده وقرّبه. وفى بعض أسفاره إلى دمشق استحضر بها جماعة من العلماء؛ وكان فيهم الشيخ زين الدين بن معطى (٤) النحوى المغربى ﵀ وكان إماما في علم العربية

стр. 1765

لا يجارى فيه، إلا أنه كان فقيرا ناقص (١) الحظ، يقعد مع الشهود (٢) تحت الساعات (٣) يورّق ويشهد. وبلغ من السن مبلغا كثيرا، وهو فقير ليس له ما يقوم بكفايته. فسألهم الملك الكامل عن قولهم «زيد ذهب به» هل يجوز في «زيد» النصب؟. فقالوا كلهم: «لا يجوز إلا الرفع». واعتمدوا كلهم على قول الزمخشرى (٤) صاحب المفصّل «زيد ذهب به ليس فيه إلا الرفع». فقال زين الدين ﵀ «يجوز فيه النصب على أن يكون المرتفع (٥) ب «ذهب (٦)» المصدر الذى دل عليه ذهب وهو الذهاب؛ وعلى هذا فموضع الجار والمجرور الذى هو «به» النصب، فيجئ من باب: زيد مررت به، إذ يجوز في «زيد» النصب، فكذلك ها هنا (٧). فاستحسن الملك الكامل جوابه، وأمره بالسفر إلى مصر فسافر إليها. وقرر (٨) له [الملك الكامل (٩)] معلوما جيدا يقوم بكفايته، وحسنت أحواله، إلا أنه لم تطل مدته وتوفى بعد

стр. 1766

مدة يسيرة. فرأى الملك [الكامل (١)] جنازته [من القلعة (٢)] وليس [٣ ا] معها إلا نفر يسير، [فسأل عنها فقيل إنها جنازة زين الدين بن معطى] (٣)، فغضب على الفقهاء الذين بمصر والقاهرة حيث لم يشيعوا جنازته. [وأراد أن يقطع جماعة منهم، فشفع فيهم عنده فتركهم] (٤). ووفد إلى الملك الكامل جماعة من أهل العلم، فأكرمهم وقرر لهم الجامكيات [وأحسن إليهم (٥)]، فممن وفد إليه الشيخ تاج الدين الأرموى، إمام وقته في الأصولين والمعقولات، وأقام عنده مدة مكرما. ووفد إليه الإمام أفضل الدين الخونجى (٦)، وكان فاضلا في المنطق والمعقولات والطب، وأما ذهنه ففى غاية (٧) التوقد والإدراك، فاستحضره (٨) الملك الكامل فسأله (٩) عن مسألتين في الطب، فاتفق أنه أخطأ فيهما

стр. 1767

فانحط عنده قليلا. سأله عن الخيار كيف ينبغى أن يؤكل؟. وسأله لم إذا (١) أكل الحلو مع غيره يتقيأ الحلو بعد ما أكل معه (٢)، وإن أكل الحلو أولا؟. فأجاب عن الأولى بأن الخيار أفضل ما أكل مع قشره، وأخطأ في ذلك لأن قشره في غاية الغلظ، فأفضل ما يؤكل (٣) أن يقشر ويقطع ويؤكل بالخل. وإنما غلّط أفضل الدين [الخونجى (٤)] قول أبى على بن سينا في القانون أن الخيار ينبغى أن يؤكل مع قشره، وهذا خطأ من أبى على، وقد غلّطه فيه سائر الأطباء. وأجاب عن الثانية بجواب غير مرض (٥) ولم أحفظه. [والجواب الحق (٦)]؛ أن الطبيعة لملاءمتها الحلو تشح به، فلهذا يتقيأ أخيرا. ولما أجاب أفضل الدين الملك الكامل بما أجابه به دخل الحكيم الرشيد بن أبى حليقة (٧) على الملك الكامل فسأله عن هاتين المسئلتين فأجاب بالجواب (٨) الصحيح. فقال الملك الكامل: «فقل لمولاى الذى قال كذا وكذا» تهكما به. وخجل (٩) أفضل الدين. وليس هذا (١٠) إنصافا من الملك الكامل، فإنه ليس الغلط في مسئلة أو مسائل قليلة مما يقضى بعدم الفضيلة، فإنه ليس يمكن الإحاطة بجميع المسائل.

стр. 1768

ثم إن الملك الكامل قرر لأفضل الدين جامكية جيدة، وأقام مكرما عنده، وبعثه رسولا إلى سلطان الروم. ولما عاد من الرسالة اتفق موت [السلطان (١)] الملك الكامل، فرجع أفضل الدين إلى بلاد الروم وأقام، ثم تولى القضاء. [٣ ب] واتفق وقوع الكسرة على سلطان الروم غياث الدين كيخسرو من التتر، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (٢). واضطربت البلاد بسبب التتر، فسافر أفضل الدين إلى الديار المصرية فولاه الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٣)] القضاء بمصر وتدريس المدرسة الصالحية المنسوبة إليه بالقاهرة (٤)، وعظم شأنه، وسيذكر ذلك في موضعه. وكان الملك الكامل [﵀ (٥)] مغرما بسماع الأحاديث النبوية، شديد العناية بحملة الحديث النبوى. وممن وفد إليه من علماء المحدثين الإمام مجد الدين أبو الخطاب عمر بن دحيه (٦)، فتقدم عنده [وأكرمه (٧)] [ولازمه (٨)] وبنى له دار

стр. 1769

الحديث (١) بين القصرين في الجانب الغربى، وجعله شيخها، ووقف (٢) عليها وقفا جليلا. وكان يصعد إليه إلى القلعة في غالب الأوقات ويستفيد منه. وكان في أمهات مجد الدين هذا [امرأة] (٣) شريفة علوية، فكان يكتب في إجازاته وسماعاته [كذلك. وكان (٤) يكتب] ذو الحسبين والنسبين ابن دحية والحسين (٥). وكان في مجد الدين جرأة [وحدة كثيرة (٦)]. حضر يوما مع الملك الكامل مجلس وعظ فأنشد الواعظ: تزود من الماء النقاخ (٧) فلن (٨) ترى ... بوادى الغضا (٩) ماء نقاخا (١٠) ولا بردا فصحف الواعظ وقال النقاح بالحاء المهملة، فصاح مجد الدين «أخطأت - لعنك الله - النقاخ بالخاء».

стр. 1770

وكان الملك الكامل ﵀ يبيت عنده جماعة من الفضلاء في بعض الليالى يأنس بهم مثل الشيخ جمال الدين اليمنى النحوى، والفقيه عبد الظاهر، والأمير صلاح الدين بن شعبان الإربلى (١)، وكان متأدبا له شعر حسن. وكانت تنصب لهم تخوت إلى جانب تخته ينامون عليها ويسامرونه (٢) ويجارونه في العلوم والآداب (٣). والصلاح الإربلى المذكور، هو أحمد بن [عبد] (٤) السيد بن شعبان من بيت كبير بإربل، وكان أحد حجاب مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين صاحب إربل، فتغير عليه واعتقله مدة ثم أفرج عنه، فقصد الشام واتصل بخدمة الملك المغيث فتح الدين عمر بن السلطان الملك العادل، وكان قد عرفه [٤ أ] لما كان بإربل عند عمته ربيعة خاتون بنت أيوب، وحسنت حاله عنده. ولما توفى الملك المغيث انتقل الصلاح إلى الديار المصرية، واتصل بخدمة السلطان الملك الكامل. وعظمت منزلته عنده، ووصل إلى ما لم يصل إليه غيره. واختص به في خلواته وأمره. وكان صلاح الدين ذا فضيلة تامة ومشاركات حسنة. وذكر أنه كان يحفظ في الفقه «الخلاصة (٥)» للغزالى ﵀.

стр. 1771

وله نظم حسن ودو بيت بديع (١)، وبه تقدّم عند الملوك. ثم إن الملك الكامل تغير عليه في المحرم سنة ثمان عشرة وستمائة وهو بالمنصورة في مقابلة الفرنج بعد تملكهم دمياط. ولم يزل في الاعتقال مضيقا عليه إلى شهر ربيع الأول (٢) سنة ثلاث وعشرين وستمائة. فكتب الصلاح إلى السلطان الملك الكامل بدو بيت يستعطفه، وهو: ما أمر تجنيك على الصب خفى ... أفنيت زمانى بالأسى والأسف ماذا غضب (٣) بقدر ذنبى ولقد ... بالغت وما أردت إلا تلفى وقيل أنه كتب إليه أيضا: اصنع ما شئت أنت أنت المحبوب ... ما لى ذنب بلى كما قلّت ذنوب هل تسمح بالوصال في ليلتنا ... تجلو (٤) صدأ القلب وتعفو وأتوب فأطلقه من الأعتقال، وعادت منزلته إلى ما كان أولا وأحسن. وكان الملك الكامل قد تغير على بعض إخوته [وهو الملك الفائز سابق الدين ابراهيم بن الملك العادل (٥)] فدخل على الصلاح وسأله أن يصلح أمره مع [أخيه (٦)] الملك الكامل. فكتب إليه الصلاح:

стр. 1772

وشرط صاحب مصر أن يكون كما ... قد كان يوسف في الحسنى لإخوته أسوا فقابلهم بالعفو وافتقروا ... فبرهم وتولاهم برحمته وكان الملك الكامل قد سير الصلاح رسولا إلى الانبرطور - لما كان بعكا سنة ست وعشرين وستمائة - لتقرير القواعد واستحلافه له، فاستحلفه وكتب إلى الملك الكامل: زعم اللعين (١) الانبرور بأنه ... سلم يدوم لنا على أقواله شرب اليمين فإن تعرض ناكثا ... فلنأ كلن (٢) لذاك لحم شماله ومن شعر الصلاح: وإذا رأيت بنيك فاعلم أنهم ... قطعوا إليك مسافة الآجال وصل البنون إلى محل أبيهم ... وتجهز الآباء للترحال (٣) ولما كان الملك الكامل بالقرب من السويداء من بلد آمد - كما قدمنا ذكره في السنة التي كانت فيها وقعة خرتبرت (٤) - مرض الصلاح بالمعسكر الكاملى فنقل إلى الرها، فمات قبل دخولها في منتصف ذى الحجة (٥) سنة إحدى وثلاثين وستمائة، فدفن بظاهرها، ثم نقله ولده من هناك إلى الديار المصرية فدفنه في تربته بالقرافة الصغرى في آخر شعبان سنة سبع وثلاثين وستمائة. ومولده سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة بإربل.

стр. 1773

وكان مجد الدين أبو الخطاب عمر بن دحية مع فرط معرفته بالحديث وحفظه الكثير له، يتهم بالمجازفة في النقل. وبلغ ذلك الملك الكامل - على ما بلغنى - فأمره أن يعلق شيئا على كتاب الشهاب المنسوب إلى القضاعى (١)، فعلّق عليه كتابا طعن على بعض الأحاديث التي فيه وصحح البعض، وتكلم على الأسانيد. ولما وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعده: «قد ضاع منى ذلك الكتاب، فعلّق لى مثله». ففعل، ولم يكن عنده مسودة الكتاب الأول، فجاء في الكتاب الثانى مناقضة لما ذكر في الكتاب الأول؛ فعلم الملك الكامل صحة ما نقل عنه، فنزلت مرتبتة في عينه. وكان ولاه مشيخة دار الحديث الذى بين القصرين - كما قدمنا ذكره (٢) - فعزله عنها في آخر وقته، وولاها لأخيه الحافظ أبى عمرو عثمان بن الحسن بن دحية. وكان أسن من أبى الخطاب، وكان حافظا للغة العربية قيما بها. وكان مولد أبى الخطاب مستهل ذى القعده سنة أربع وأربعين وخمسمائة. وتوفى في الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة. ودفن بسفح (٣) المقطم ﵀.

стр. 1774

وتوفى أخوه أبو عمرو في ثالث عشر جمادى الأولى سنة أربع وثلاثين [٥ ا] وستمائة بالقاهرة، ودفن بسطح المقطم. وكانت له رسائل يستعمل فيها حوشى اللغة (١) وغريبها، من ذلك أنه كتب في أول كتاب إلى الملك الكامل يقبل البوغاء (٢) ويبلطح (٣)، ومن هذا وشبهه مما تمجه الأسماع ولا تقبله الطباع. وقد روى للملك الكامل شعر؛ فمن ذلك: لا أوحشت من مغانى القوم أوطان ... ولا خلا منهم أثل ولا بان وأين ما نزلوا في الحالتين معا ... فإنهم في سويداء القلب سكّان يا غائبين لقد خلّفتم جسدا ... ما فيه إلا صبابات وأشجان يأبين رفقا بأكباد مقرحة ... تشبّ فيها من التفريق نيران جار الفراق على قلبى فأحرقه ... يا للرجال ومن عينى غدران؟ ومن ذلك في معذّر (٤): يا بروحى معذر قام عذرى ... في هواه مراعيا لوشاتى خلب القلب، يخلب الصّدغ منه (٥) ... ورماه في جمرة الوجنات فسويداه حين أحرقها الشع ... ـر تلاشت في صورة الشعرات واكتست بهجة وأضحت غدارا (٦) ... مرسّلا في الجمال بالمعجزات

стр. 1775

ومما روى له من الشعر وهو حسن: إذا تحققتم ما عند عبدكم ... من الغرام فهذا القدر يكفيه أنتم سكنتم بقلبى فهو منزلكم ... وصاحب البيت أدرى بالذى فيه (١) وبالجملة فكانت سوق الفضائل عنده نافقة، ما قصده أحد من أهل الفضل إلا واعتنى به. وكان في خدمته القاضى الشريف شمس الدين الأرموى قاضى العسكر، وكان فاضلا في الفقه والأصولين يبحث بحثا حسنا، وكان يذكر الدرس في المدرسة الناصرية الصلاحية التي بسوق الغزل بمصر (٢). وكان أخص الناس بخدمته أولاد الشيخ صدر الدين بن حمويه (٣) وهم: فخر الدين (٤)، وعماد الدين، ومعين الدين، وكمال الدين. وكان فخر الدين (٥) [٥ - ب] قد خلع العمامة ولبس الشربوش والقباء، ونادم الملك الكامل، وكان فاضلا متأدبا يشارك في كل فن. وكل (٦) من الباقين كان له نصيب من الفضيلة وافر.

стр. 1776

وكانت إليهم (١) مشيخة الخانقاة (٢) الناصرية الصلاحية تجاه دار الوزارة المعروفة بخانقاة سعيد السعداء (٣)، وتدريس المدرسة المجاورة لقبر الإمام الشافعى (٤) ﵀، وتدريس المدرسة المجاوره لضريح رأس الحسين ﵇ بالقاهره. وكل واحد من هؤلاء تقدم على الجيوش وباشر الحروب (٥). وكانت أمهم إبنة (٦) شهاب الدين بن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون. وذكر أنها أرضعت الملك الكامل؛ فكل هؤلاء إخوته من الرضاعة؛ فهو سبب تقدمهم عنده. ولم أجد في شىء من التواريخ أن ثلاثة إخوة من الملوك اجتمع لهم من [الشجاعه (٧) و] النجابة والفضائل ما اجتمع في أولاد الملك العادل الثلاثة، [وهم (٨):] الملك الكامل، والملك المعظم، والملك الأشرف. وكان الملك الكامل أخرمهم وأسوسهم، والملك المعظم أشجعهم وأعلمهم، والملك الأشرف أسمحهم وأنداهم كفا، ﵏ أجمعين.

стр. 1777

وكانت أولاد الملك الكامل الذكور ثلاثة: الملك المسعود صلاح الدين يوسف صاحب اليمن، وتوفى في حياة أبيه، وقد ذكرنا أخباره. والملك العادل سيف الدين أبو بكر، وولى الملك بعده. والملك الصالح نجم الدين أيوب، وولى بعد الملك العادل على ما سنذكره. وأكبرهم الملك المسعود وأصغرهم الملك العادل. وكان له عدة بنات. ودفن [الملك الكامل] (١) بالقلعة، ثم نقل إلى تربة بنيت له، لها شباك [لافظ إلى (٢)] جامع دمشق، [وجاءت في غاية الحسن (٣)]. ذكر استيلاء الملك الجواد مظفر الدين يونس ابن مودود بن الملك العادل على دمشق ولما مات [السلطان (٤)] الملك الكامل ﵀ كانت العساكر والأمراء المصرية كلهم بدمشق، [وهم على عزم التحرك إلى جهة حمص وحلب وغيرها (٥)]. وكان أرباب الدوله المشار (٦) إليهم بدمشق يومئذ أولاد شيخ الشيوخ [صدر الدين (٧)] المذكورون والأمير سيف الدين [٦ ا] بن قلج وأخوه (٨) عماد الدين، وكانا من أمراء حلب، ثم بعد موت الملك العزيز اتصلا بخدمة الملك الكامل.

стр. 1778

وكان الملك الناصر داود بن الملك المعظم أيضا بدمشق نازلا في داره المعروفة بدار سامه (١) وهى التي بناها الشيخ نجم الدين (٢) البادرائى (٣) بعد ذلك مدرسة شافعية. وكان الملك الناصر متوقعا من الملك الكامل أن يعطيه دمشق حسب ما كان الاتفاق (٤) بينه وبينه. فلما مات الملك الكامل اتفق رأى أرباب الدولة على تحليف الأجناد للملك العادل سيف الدين [أبى بكر (٥)] بن الملك الكامل، وأن يرتب بدمشق نائبا عنه ابن عمه الملك الجواد بن مودود في السلطنة؛ إذ لا يمكن [أن (٦)] يحفظ دمشق إلا برجل من أهل بيت الملك (٧) يرجى ويخاف. ورأوا أن الملك الناصر إن فوّض هذا الأمر إليه استبد بالملك لنفسه وخيف جانبه (٨)، فأخذوا [عند ذلك (٩)] في ترتيب الملك الجواد نائبا عن ابن عمه الملك العادل.

стр. 1779

ولما علم الملك الناصر [بن الملك المعظم (١)] موت (٢) عمه ظن أن الأمراء يساعدونه [على تمليك دمشق] (٣)، فلم يتم له ما ظنه. وبعث إليه أرباب الدولة يأمرونه بالخروج من دمشق، فركب من داره خارجا إلى قصره بالقابون (٤)، وكان أهل دمشق مائلين إليه جدا. فلما ركب اجتمعوا ودعوا له، وفوّهوا باسمه. [وخرج من دمشق ولا يصدق بالنجاة خوفا أن يقبض عليه، ومضى إلى القابون ونزل به. ثم بلغه أنهم (٥)] على عزم التعرض له فسافر إلى بلاده. وقام الملك الجواد (٦) بالأمر مظهرا أنه نائب (٧) عن الملك العادل ابن عمه. وسافر أكثر العسكر (٨) إلى الديار المصريه، وبقى عنده بعض الأمراء لحفظ البلد؛ منهم الأمير عماد الدين بن شيخ الشيوخ، وعماد (٩) الدين بن قلج، وجمع من العساكر المصرية والمماليك الأشرفيه. وكانوا شوكة قوية، مقدمهم [الأمير (١٠)] عز الدين أيبك [الأسمر (١١)] الأشرفى.

стр. 1780

ذكر استقلال [السلطان (١)] الملك العادل سيف الدين أبى (٢) بكر ابن الملك الكامل [بملك الديار المصرية (٣)] [٦ ب] ووصلت إلى مصر [أكثر (٤)] العساكر الكاملية وفيهم فخر الدين (٥) ابن شيخ الشيوخ وأخواه كمال الدين ومعين الدين، وسيف الدين بن قلج (٦)، وأكابر الدولة وعظماؤها سوى من تخلف بدمشق مع الملك الجواد. واستقل الملك العادل بملك الديار المصرية (٧)، وأخرج ما في الخزائن من الأموال وبذله، وأكثر [من (٨)] العطاء حتى بدد (٩) في المدة اليسيرة من الأموال الكثيرة ما جمعه أبوه في المدد (١٠) الطويلة (١١). وأقبل على الملاذ واللهو [واللعب (١٢)]. واتخذ لنفسه جماعة يساعدونه على ما هو بصدده من اللعب واللهو. وأبعد أهل الرأى

стр. 1781

والمعرفة، ومن كان أبوه يعتمد عليهم في أموره. وكان ذلك سبب اختلال أموره (١) وزوال ملكه. وجرى عليه ما سنذكره [من الفساد في أمره (٢)] إن شاء الله تعالى. وأما الملك الجواد فإنه شرع في بذل الأموال [أيضا (٣)] بدمشق، وأخرج ما في الخزائن من الأموال والخلع. فخلع على الأمراء والأجناد وأكثر من العطاء ليستميلهم إليه (٤)، وقوى طمعه في ملك دمشق والاستبداد بملكها. وكان يذكر [اسمه (٥)] في الخطبة بعد ابن عمه الملك العادل. وأما الملك الناصر داود فإنه لما مضى إلى بلاده استولى على غزة والسواحل التي كانت بيد [الملك (٦)] الكامل وأضافها إلى ملكه (٧)، واستخدم عسكرا كثيرا، [وأقام (٨)] بغزة. وكاتب ابن عمه الملك العادل يطلب منه أخذ دمشق ليكون نائبا عنه بها. فلم تقع إجابته (٩) إلى ذلك، فأرسل إليه ثانيا يقول له: «إن أباك السلطان الملك الكامل التزم لى أنه يعيد (١٠) إلىّ مملكة والدى، وأنا قد وليت على البلاد الساحلية لأنها من جملتها، فتساعدنى على تسليم دمشق وباقى البلاد، وأكون من قبلك وفى (١١) طاعتك كما كنت مع أبيك». وترددت بينه وبين الملك العادل الرسائل في هذا المعنى.

стр. 1782

ذكر الأمور المتجددة (١) بعد موت (٢) الملك الكامل بحمص وحماة وحلب والشرق أما حمص فإن صاحبها الملك المجاهد [أسد الدين (٣)] كان قد أيقن بالبوار والدمار، وكان [٧ أ] يتوقع وصول الملك الكامل بعساكره [إليه (٤)] يوما بعد يوم (٥). وبينما هو في قلقه وخوفه إذ جاءه الفرج بعد الشدة بغتة، ووردت (٦) عليه بطاقة من دمشق من بعض أصحابه يخبره [فيها (٧)] بموت الملك الكامل. فحكى لى أنه لما وردت عليه البطاقة بذلك كاد يستطير من الفرح والسرور. وكان بنوه بين يديه فلم يطلعهم على الخبر بل قال: «شدوا لى على (٨) خيل الكرة لأنزل إلى الميدان وألعب بالصوالجة». فتعجب أولاده من ذلك إذ لم يكن [من (٩)] عادته اللعب لا سيما وهو في عشر السبعين وهو في تلك الحال (١٠) الصعبة، وأولاده شركاؤه فيها، فقالوا له: «في مثل هذا الوقت الصعب نفعل مثل هذا»؛ فرفع صوته وقال: «مات الملك الكامل». ونهض قائما على قدميه ونزل هو وأولاده إلى الميدان ولعبوا فيه بالصوالجة. وأخذ (١١) في الإغارة على بلد حماة وإخراب ضياعها.

стр. 1783

وأما الملك المظفر صاحب حماة فإنه - كما قدمنا ذكره (١) - كان نازلا بعساكره على (٢) الرستن مترقبا لوصول الملك الكامل لينازل معه حمص، [فلم يفجأه إلا (٣)] خبر موت خاله الملك الكامل، فاشتد لذلك جزعه وحزنه (٤). ودخل (٥) إلى حماة [لوقته (٦)]، وأقام بها العزاء في الجامع الأعلى. وبعث الملك المجاهد [صاحب حمص] (٧) نوابه إلى سلمية فتسلموها وطردوا منها نواب الملك المظفر. وقطع (٨) القناة التي يجىء فيها الماء إلى حماة، فخربت بسبب قطعها بساتين الجروف بحماة (٩) وهى معظم بساتينها، وجفت أشجارها. ثم عزم على قطع النهر العاصى عن حماة، وهو يخرج من سد على بحيرة قدس. وكان يقال أن حمص كانت لها ملكة في قديم الزمان فكانت تقطع العاصى بأن تسد مخرجه من البحيرة، فيذهب العاصى إلى واد يقال له وادى الحيات، فكانت إذا فعلت ذلك حمل أهل حماه وشيزر القطيعة إليها فتطلق النهر لهم. فظن الملك المجاهد أن هذا يتم [له (١٠)] وأنه يخرب بسبب قطعه النهر بقية البساتين، ويتمكن من أخذ حماة بسبب [ذلك و (١١)] أنه ليس [٧ ب] بينها وبين النهر سور يمنع من الدخول

стр. 1784

إليها، فسد المخرج الذى يخرج العاصى منه فانقطع العاصى عن حماة يومين، وبطلت (١) النواعير والطواحين وذهب الماء في الأودية. ثم لما لم يجد له مسلكا (٢) عاد بقوة وهدم البناء الذى بناه صاحب حمص في السد، وعاد [الماء (٣)] إلى مجراه كما كان. ولما أعجزه ذلك أخذ في الإغارة [على بلد حماة (٤)] والإفساد ونهب الضياع. وأما الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٥)] بن الملك الكامل فإنه بعد أخذه سنجار [وبلادها (٦)] سار - كما ذكرنا - إلى الرحبة، وهى للملك المجاهد صاحب حمص فحاصرها بتقدّم أبيه إليه في ذلك. وبينما هو يحاصر الرحبة (٧) إذ ورد عليه الخبر بوفاة أبيه الملك الكامل، فرحل عن الرحبة، وطمعت الخوارزمية فيه (٨). وكانوا - كما قدمنا - قد استخدمهم [الملك الصالح (٩)] ودخلوا في طاعته، فخرجوا عن طاعته لما بلغهم موت الملك الكامل، فخافهم (١٠) الملك الصالح وقصد سنجار فاختفى بها خوفا على نفسه. ثم ظهر، وجرى له [بعد ذلك (١١)] ما سيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 1785

وتحكمت الخوارزمية في البلاد الجزريّه (١)، وبعث الملك الصالح رسولا إلى عمته الصاحبة والدة الملك العزيز [يشفع إليها في الملك المظفر صاحب حماة، فلم يجب سؤاله، فاعتذرت بما بدا منه، فطلب الرسول عن صاحبه الملك الصالح (٢)] الموافقة (٣) والمعاضدة على أن يسفر (٤) في الصلح بينه وبين السلطان غياث الدين [كيخسرو (٥)] سلطان الروم، فأجيب جوابا لم يحصل منه على طائل. وورد إلى حلب رسول [السلطان (٦)] الملك العادل صاحب مصر، يطلب الموافقة بينه وبينهم، على أن يجروا معه على قاعدة أبيه في الصلح وإقامة الخطبة والسكة على ما كان في زمن (٧) الملك الكامل. فلم تجبه الصاحبة إلى شىء من ذلك، ورجع الرسول بغير طائل. وكان المقدّمون بحلب لما ملك [الملك (٨)] الكامل دمشق استشعروا من الملك الكامل وخافوا منه خوفا شديدا. وغلب على ظنونهم أنه لا بد أن يقصدهم. وكان لهم بدمشق عند الملك الصالح إسماعيل نجدة مقدّمها ناصح الدين الفارسى - وقد ذكرنا [٨ ا] ذلك - فلم يتعرض الملك الكامل لتلك النجدة، ورجعوا إلى حلب.

стр. 1786

ثم استدعت الصاحبة الملك المعظم بن صلاح الدين وباقى إخوته وأقاربه، والأمراء (١) على طبقاتهم، فحلفوا للملك الناصر [بن الملك العزيز (٢)] ولجدّته الصاحبة أم الملك العزيز. ثم استحلفت أكابر البلد والرؤساء (٣)، ثم الأجناد والعامه. واستعدت للحصار بالذخائر والأقوات والأحطاب وكل ما يحتاج إليه الحصار. ونقلت حجارة المنجنيق إلى أبواب البلد، واستخدمت جماعة من الخوارزمية وغيرهم. ووصل قنغر (٤) التركمانى فاستخدمته وقدّمته على التركمان. وقفز جماعة من عسكر الملك الكامل فاستخدمتهم، وتابعت الرسل إلى سلطان الروم غياث الدين كيخسرو لطلب النجدة (٥)، فسيّر [إليها (٦)] نجدة من أجود عسكره، وعرض تسيير (٧) غيرها، فاكتفت (٨) بمن سيّره.

стр. 1787

وسير غياث الدين [ملك الروم (١)] رسولا إلى الملك الكامل يخاطبه في الامتناع عن قصد حلب. واتفق (٢) موت الملك الكامل. ولما وصل خبر موته (٣) إلى حلب عمل له بها العزاء، وحضره السلطان الملك الناصر -[﵀ (٤)]- وعمره يومئذ ثمان سنين. ثم تقدمت الصاحبة إلى عسكر حلب بالتوجه إلى بلاد الملك المظفر وقصده، وأن تقع (٥) البدايه بأخذ [قلعة (٦)] المعرّة وبلدها، ثم بعد ذلك التقدم إلى حماة وحصارها. وقدّمت على العساكر الملك المعظم فخر الدين توران شاه بن صلاح الدين. ذكر منازلة عسكر حلب قلعة المعرّة وتملكها والاستيلاء على المعرّة وبلدها فخرجت العساكر وتوجهوا إلى المعرّة واستولوا عليها وأخذوا ما فيها من الحواصل، وحاصروا قلعتها التي بناها الملك المظفر. ووصل إلى حلب رسول الملك المظفر يتلطف الحال فلم يستحضر (٧)، وعاد إلى حماة. ونصب عسكر حلب

стр. 1788

على قلعة المعرّة المجانيق (١)، وواتروا (٢) رميها بالحجارة [مدة يسيرة (٣)] فسلمت إليهم بالأمان فملكوها ورتّبوا أمرها (٤). ذكر منازلة عسكر حلب لحماة وحصارها ولما افتتح [الملك المعظم (٥) و] عسكر حلب المعرة ساروا إلى حماة ونازلوها. وكان الملك المظفر صاحبها قد ابتنى من جهة القبلة سورا من اللبن خارج السور الأصلى (٦)، وجعل فيه بابا سماه باب دمشق. ونهب عسكر حلب ضياع حماة ورساتيقها، واستمر الحصار على حماة إلى آخر السنة [المذكورة (٧)]. ولم تضايق حماة المضايقة الشديدة، ولا نصب عليها منجنيق فإن الصاحبة والدة الملك العزيز لم يكن قصدها إزالة (٨) ملك ابن أخيها الملك المظفر، وإنما أرادت أن تنتقم منه بأخذ المعرّة ومحاصرة حماة [وإشغال سره (٩)]، عقوبة له على ما فعل من انحيازه إلى الملك الكامل ومظاهرته عليها بعد إتفاقه معها، فأمرت العسكر أن ينازلوا البلد ويقطعوا (١٠) المادة عنه، ولا يجدوا (١١) في القتال والزحف.

стр. 1789

ذكر الوصلة بين السلطان الملك الناصر [ابن الملك العزيز (١)] صاحب حلب والسلطان (٢) غياث الدين كيخسرو سلطان الروم وقدم (٣) في هذه السنة - أعنى سنة خمس (٤) وثلاثين وستمائة - رسول السلطان غياث الدين كيخسرو صاحب بلاد الروم (٥) [إلى حلب] (٦)، وطلب (٧) من الخاتون الصاحبة والدة الملك العزيز أن تزوجه بنت السلطان الملك العزيز، وأن يزوج السلطان الملك الناصر أخت غياث الدين. فأجيب [غياث الدين (٨)] إلى ذلك واستقر الأمر عليه. واجتمع الناس في دار السلطنة بالقلعة (٩). وعقد عقد السلطان غياث الدين [ملك الروم (١٠)] على غازية خاتون بنت الملك العزيز. وتولى العقد الصاحب كمال الدين عمر بن أبى جرادة (١١) المعروف بابن العديم على مذهب أبى حنيفة -

стр. 1790

رضى الله عنه (١) - لصغر الزوجة (٢) على صداق مبلغه خمسون الف دينار. وقبل النكاح عن غياث الدين رسوله الوارد من جهته وهو القاضى عز الدين قاضى دوقات (٣). ونثر الذهب عند الفراغ من العقد. ووصل عند ذلك الخبر باستيلاء العسكر على قلعة المعرة، وضربت البشائر للامرين (٤) جميعا. وسير (٥) الصاحب كمال الدين بن العديم رسولا إلى بلاد الروم لعقد الوصلة (٦) وهى عقد الملك الناصر على ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ بن كيخسرو (٧)، وأمها ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وكان أخوها الملك المعظم - صاحب دمشق - زوّجها من علاء الدين كيقباذ؛ فإبنة السلطان علاء الدين هذه هى ابنة خالة (٨) [السلطان (٩)] الملك العزيز [والد الملك الناصر (١٠)].
следующие страницы →