← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من أيديهم، فكاتبوا افرنج صقلية [والأندلس] (١) وغيرهم، واستمدوهم واستنصروهم لدين النصرانية، وأمدوهم بالأموال والرجال والسلاح، واعتدوا للنزول على دمياط، فوصل إلى دمياط الفرنج والروم من داخل البحر، واستصحبوا معهم المنجنيقات (٢) والدّبابات (٣) وآلات الحصار وغير ذلك، واشتد أمر الفرنج بالشام لما قدم فرنج

стр. 212

الغرب إلى دمياط، فسرقوا حصن عكار من المسلمين، وأسروا صاحبها، وكان مملوكا لنور الدين يقال له خطلخ (١) الجمدار؛ وكان وصول الفرنج إلى دمياط في صفر سنة خمس وستين وخمسمائة. وكان سبق إلى دمياط الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ابن أخى السلطان، وكذا شهاب الدين خاله، فدخلا دمياط، وتابع إليهما صلاح الدين الأمداد والنجد في البحر، وأمدهما بالسلاح والمال والذخائر، واتصل على دمياط حصار الفرنج وضايقوها، وتابع صلاح الدين رسله إلى الملك العادل نور الدين ﵀ يشكو إليه ما هو فيه من المخاوف، وأنه إن تخلف عن دمياط ملكها الفرنج، وإن سار إليها خلفه المصريون في مخلفيه ومخلفى عسكره بالسوء، وخرجوا عن طاعته، وصار الفرنج أمامه والمصريون خلفه، فجهز إليه نور الدين العساكر أرسالا، كلما تجهزت طائفة أرسلها، فسارت إليه يتلو بعضها بعضا. ثم سار نور الدين فيمن عنده من العساكر ودخل بلاد الفرنج، [١١٢] فنهبها وأغار عليها واستباحها، لتتحرك الفرنج إلى حفظ البلاد الشامية ويشتغلوا عن دمياط؛ وذكر أنه بلغ من اهتمام نور الدين بأمر المسلمين حين نزل الفرنج على دمياط أنه قرئ

стр. 213

بين يديه جزء من حديث كان له به رواية، فجاءه في جملة تلك الأحاديث حديث مسلسل بالتبسم، فطلب منه بعض طلبة الحديث أن يتبسم ليتم السلسلة على ما عرف من عادة أهل الحديث، فغضب من ذلك، وقال: «إنى لأستحى من الله تعالى أن يرانى مبتسما والمسلمون محاصرون بالفرنج». وذكر أن إماما لنور الدين رأى ليلة رحل الفرنج عن دمياط في منامه النبى ﷺ وقال له: «أعلم نور الدين أن الفرنج رحلوا عن دمياط في هذه الليلة»، قال: فقلت: «يا رسول الله لا يصدقنى، فاذكر لى علامة يعرفها»، [قال]: فقل له «بعلامة ما سجدت على تل حارم، وقلت: يا رب انصر دينك (١)، ولا تنصر محمودا؛ من محمود الكلب حتى ينصر؟!» قال: «فانتبهت، ونزلت إلى المسجد، وكان من عادة نور الدين أن ينزل إليه بغلس، ولا يزال يركع فيه حتى يصلى الصبح»، قال: «فتعرضت له، فسألنى عن أمرى، فأخبرته بالمنام، وذكرت له العلامة كلها، إلا أننى لم أذكر لفظ الكلب»؛ فقال نور الدين: «اذكر العلامة كلها» وألحّ علىّ، فقلتها، فبكى، وصدّق الرؤيا. وأرخت تلك الليلة، فجاء الخبر برحيل الفرنج بعد ذلك في تلك الليلة». ولما رأى الافرنج تتابع الأمداد إلى دمياط من القاهرة والشام، ودخول نور الدين إلى بلادهم ونهبها وإخرابها (٢) رجعوا خائبين؛ وكان مدة مقامهم

стр. 214

على دمياط خمسين يوما، وكان رحيلهم لتسع بقين من ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وأنفق صلاح الدين في هذه النوبة أموالا عظيمة، وذكر عنه أنه قال: «ما رأيت أكرم من العاضد، أرسل إلىّ مدة مقام الفرنج على دمياط ألف ألف دينار مصرية سوى الثياب وغيرها»؛ وسيّرت الكتب إلى الشام بالبشارة برحيل الفرنج، فكتب نور الدين إلى العاضد صاحب مصر يهنئه برحيل الفرنج عن دمياط، وكان قد ورد عليه كتاب [١١٣] من العاضد يستقيل فيه من الأتراك خوفا منهم، ويطلب الاقتصار على صلاح الدين وخواصه وألزامه؛ فكتب إليه (١) نور الدين بمدح (١) الأتراك، ويعلمه أنه ما أرسلهم واعتمد عليهم إلا لعلمه بأن قنطاريّات (٢) الفرنج ليس لها إلا سهام الأتراك، وأن الفرنج لا يخافون إلا منهم، ولولاهم لزاد طمعهم في الديار المصرية، ولعل الله ييسّر بهم فتح بيت المقدس. ومما مدح به الملك الناصر صلاح الدين بعد رحيل الفرنج ما كتب إليه به عماد الدين الكاتب ﵀ من قصيدة (٣) مخلصها: كأنّ قلبى وحبّ مالكه ... مصر وفيها المليك يوسفها

стр. 215

هذا بسلب الفؤاد يظلمنى، ... وهو بقتل الأعداء ينصفها الملك الناصر الذى أبدا ... بعزّ سلطانه يشرّفها قام بأحوالها، فدبّرها ... حسنا، وأثقالها يخفّفها بعدله والصّلاح يعمرها، ... وبالندى والجميل يكنفها من دنس الغادرين يرحضها، ... ومن خباث العدى ينظّفها وإنّه في السّماح حاتمها، ... وإنّه في الوقار أحنفها يوسف مصر التي (١) ملاحمها ... جاءت بأوصافه تعرّفها كتب التواريخ لا يزيّنها ... - إلا بأوصافه - مصنّفها وحطت (٢) دمياط إذ أحاط بها ... من برجوم (٣) البلاء يقذفها لاقت غواة الفرنج خيبتها ... فزاد - من حسرة - تأسّفها أوردت قلب (٤) القلوب أرشية ... من القنا للدماء تنزفها (٥) ولّيتها سفكها فعاملها ... عاملها (٦) والسّنان مشرفها (٧) يمضى لك الله في قتالهم ... عزيمة للجهاد ترهقها

стр. 216

ذكر وصول الملك الأفضل نجم الدين أيوب بن شاذى والد السلطان إلى مصر [١١٤] ثم أرسل السلطان الملك الناصر صلاح الدين إلى الملك العادل نور الدين ﵀ يطلب أن يرسل إليه والده نجم الدين أيوب، فجهّزه نور الدين وسيّر معه عسكرا، واجتمع معهم من التجار خلق كثير، وانضاف إليهم من كان له مع صلاح الدين أنس وصحبة، ثم خاف نور الدين عليهم من الفرنج، فسار إلى الكرك في عساكره، فحصره وضيّق عليه، ونصب عليه المجانيق ليشغل الفرنج عنهم، فأتاه الخبر أن الفرنج قد جمعوا وحشدوا وساروا إليه، فسار نور الدين نحوهم، فرجعوا عنه القهقرى، وسلك نور الدين وسط بلادهم يحرق وينهب ما على طريقه من القرى؛ إلى أن وصل إلى عشترا (١)، فخيّم بها وأقام ينتظر حركة الفرنج ليلقاهم، فلم يبرحوا مكانهم، وأقام هو حتى أتاه خبر الزلزلة العظيمة التي وقعت في هذه السنة، فرحل. وهذه الزلزلة (٢) هى المعروفة بزلزلة حلب التي هدت أكثر منازلها، وكانت عظيمة جدا، وكان تأثيرها في حلب وبلادها نظير تأثير الزلزلة التي كانت بحماة سنة اثنين وخمسين وخمسمائة - التي قدمنا ذكرها - ووصل الملك الأفضل نجم الدين أيوب ﵀ إلى القاهرة في الرابع والعشرين من رجب من هذه السنة - أعنى سنة خمس وستين وخمسمائة -، وخرج العاضد - صاحب القصر - لاستقباله، وبالغ في احترامه والإقبال عليه.

стр. 217

واتفق لأيوب مع ولده صلاح الدين يوسف شبيه ما اتفق ليعقوب مع ابنه يوسف ﵉ حين قدم على ولده، ووجده متملكا للديار المصرية، وقال: ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ (١)﴾». وذكر أنه لما خرج ولده الملك الناصر صلاح الدين والخليفة العاضد إلى لقائه، واجتمعا به قرأ بعض المقرئين: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ (٢)﴾» - الآية - ولما اجتمع صلاح الدين بأبيه سلك معه من الأدب ما جرت به عادته، وفوّض إليه الأمر كله، فأبى ذلك عليه أبوه وقال له: «يا ولدى ما اختارك الله لهذا الأمر إلا وأنت كفؤله، فلا ينبغى أن تغير مواقع السعادة» [١١٥] فحكّمه في الخزائن بأسرها، وأنزله اللؤلؤة (٣) المطلة على خليج القاهرة، فأنشده يوما ابن أبى حصينة (٤) وغضّ من خلفاء مصر:

стр. 218

يا مالك الأرض لا أرضى له طرفا ... منها، وما كان فيها لم يكن طرفا قد عجّل الله هذى الدار تسكنها، ... وقد أعدّ لك الجنّات والغرفا تشرّفت بك عمّن كان يسكنها ... فالبس بها العزّ، ولتلبس بك الشّرفا كانوا بها صدفا، والدار لؤلؤة، ... وأنت لؤلؤة صارت لها صدفا فرد عليه عمارة (١) بن على اليمنى الشاعر، وكان يتعصب لخلفاء مصر، لاصطناعهم إياه وإحسانهم إليه، فقال: أثمت (٢) يا من هجا السادات والخلفا ... وقلت ما قلته في ثلبهم سخفا جعلتهم صدفا حلّوا بلؤلؤة ... والعرف: ما زال سكنى (٣) اللؤلؤ الصّدفا وإنما هى دار، حلّ جوهرهم ... فيها، (٤) وشفّ فأسناها الدى وصفا فقال: لؤلؤة! عجبا ببهجتها، ... وكونها حوت (٥) الأشراف والشّرفا فهى بسكّانها (٦) الآيات إذ سكنوا ... فيها، ومن قبلها قد أسكنوا الصّحفا والجوهر الفرد نور، ليس يعرفه ... - من البريّة - إلا كلّ من عرفا لولا تجسّمه فيهم (٧) لكان على ... ضعف البصائر للأبصار مختطفا فالكلب - يا كلب - أسنى منك مكرمة، (٨) ... لأنّ فيه حفاظا دائما ووفا

стр. 219

وفى هذه السنة - أعنى سنة خمس وستين وخمسمائة - سار الأمير شهاب الدين محمد بن إلياس ابن إيلغازى بن أرتق - وكانت له البيرة - في عسكره، - وهم مائتا (١) فارس - إلى خدمة الملك العادل نور الدين محمود ﵀، وهو نازل بعشترا؛ فلما وصل إلى اللبوة من أعمال بعلبك، وكان قد ركب متصيّدا، فصادف ثلاثمائة فارس من الفرنج قد ساروا للإغارة على بلاد الإسلام، فوقع بعضهم على بعض، واقتتلوا، وصبر الفريقان، وكثر القتل فيهم، فانهزم الفرنج، واستولى عليهم القتل والأسر، فلم يسلم منهم من يعتد به؛ ثم سار شهاب الدين بالأسرى ورؤوس القتلى إلى نور الدين، فركب هو وعسكره إلى لقائه، واستعرض الأسرى ورؤوس [١١٦] القتلى، فرأى فيها رأس مقدّم الاسبتارية (٢)، صاحب حصن الأكراد، وكان معظما عند الفرنج. ذكر وفاة قطب الدين مودود بن زنكى صاحب الموصل وفى ذى الحجة من هذه السنة توفى قطب الدين مودود بن زنكى بن آق سنقر - صاحب الموصل - وكان مرضه حادا، ولما اشتد مرضه أوصى بالملك بعده لولده عماد الدين زنكى بن مودود، فلم يتم أمره، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 220

ذكر سيرته ﵀ - كان من أحسن الملوك سيرة، وأعفهم عن أموال الرعية، محسنا إليهم، كثير الإنعام عليهم، محببا عند الصغير والكبير منهم، وكان سريع الانفعال للخير، بطيئا عن الشر، جم المناقب، قليل المعابث؛ وجرت واقعة عجيبة ينبغى أن نتعظ بها، حدّث الشيخ عز الدين بن الأثير عن والده، قال: «كنت أتولى جزيرة ابن عمر لقطب الدين كما علمتم، فلما كان قبل موته بيسير، أتانى كتاب من الديوان (١) بالموصل، يأمرون بمساحة جميع بساتين العقيمة، وهى قرية تحاذى الجزيرة وبينهما دجلة، ولها بساتين كثيرة، بعضها يمسح فيؤخذ منه عن كل جريب (٢) شىء معلوم، وبعضها عليه خراج، وبعضها مطلق من الجميع، وكان لى فيها ملك»، فكتبت أقول: «إن المصلحة أن لا يغيّر على الناس شئ، وما أقول لأجل ملكى، فإننى أنا أمسح ملكى، وإنما أريد أن يدوم الدعاء من الناس لهذه الدولة»؛ فجاءنى كتاب النائب يقول: «لا بد من المساحة»؛ قال: فأظهرت الأمر، وكان بها قوم صالحون، لى بهم أنس، وبيننا وبينهم مودة، فجاءنى الناس كلهم، وأولئك معهم؛ يطلبون المراجعة، فأعلمتهم أننى راجعت، وما أجبت إلى ذلك؛ فجاءنى منهم رجلان أعرف صلاحهما، وطلبا منى معاودة المخاطبة ثانيا؛ ففعلت،

стр. 221

فأصروا على المساحة، فعرفتهما الحال، قال: «فما مضى إلا عدة أيام وإذا قد جاءنى الرجلان، فلما رأيتهما ظننت أنهما يطلبان المعاودة، فعجبت منهما، وأخذت أعتذر إليهما، فقالا: ما جئنا إليك في هذا، وإنما جئنا نعرفك أن حاجتنا قد قضيت»؛ قال: «فظننت أنهما قد أرسلا إلى المحصل من يشفع لهما»؛ قلت: «من الذى خاطب في هذا [١١٧] بالموصل؟» فقالا: «إن حاجتنا قد قضيت من السماء، ولكافة أهل العقيمة»، فظننت أن هذا مما حدثا به نفوسهما، ثم قاما عنى، فلم يمض غير عشرة أيام، وإذا قد جاء كتاب من الموصل، يأمرون فيه بإطلاق المحبسين والمساحة والمكوس، ويأمرون بالصدقة». ويقال إن قطب الدين - يعنى السلطان - مريض على حال شديدة، ثم بعد يومين أو ثلاثة جاءنا الكتاب بوفاته، فعجبت من قولهما، واعتقدته كرامة لهما، قال: فصار والدى بعد ذلك يكثر إكرامهما واحترامهما ويزورهما». ذكر استيلاء سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى على الموصل كان النائب بالموصل والقيّم بأمور الدولة بعد زين الدين على كوجك فخر الدين عبد المسيح، وكان خادما لقطب الدين، وكان يكره عماد الدين لأنه (١) كان طوع عمه (١) نور الدين، لكثرة مقامه عنده، ولأنه كان زوج ابنته؛ وكان نور الدين يبغض فخر الدين عبد المسيح؛ واتفق فخر الدين والخاتون (٢) ابنة حسام الدين تمرتاش [بن] إيلغازى - والدة سيف الدين - على صرف الملك عن عماد الدين

стр. 222

إليه، فأجلس في الملك سيف الدين بن غازى بن قطب الدين مودود، ورحل عماد الدين زنكى بن مودود إلى عمه نور الدين مستنصرا به؛ وكان عمر قطب الدين لما توفى قريبا من أربعين سنة، ومدة ملكه إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر ونصفا. وفى هذه السنة توفى الأمير مجد الدين بن الداية، وهو رضيع نور الدين، وكان أعظم الأمراء منزلة عنده، وكان له من الإقطاع حارم، وقلعة جعبر، فردّ ما كان إليه إلى أخيه شمس الدين بن الداية. ذكر استيلاء الملك العادل نور الدين ﵀ على الموصل، وإقرار ابن أخيه سيف الدين عليها ولما بلغ نور الدين ﵀ وفاة أخيه قطب الدين بالموصل، واستيلاء عبد المسيح واستبداده بالأمور أنف من ذلك وعظم عليه، وكان شديد البغض لعبد المسيح - كما ذكرنا - فقصد الرّقة، في سنة ست وستين وخمسمائة، فتسلمها على عوض أعطاه النائب بها. وحكى عماد الدين الكاتب ﵀ قال: «استدعانى نور الدين - ونحن بظاهر الرّقة -، وقال لى: قد أنست بك، وأمنت إليك، وأنا غير مختار للفرقة، لكن المهم [١١٨] الذى عرض لا يبلغ الغرض فيه غيرك، فتمضى إلى الديوان العزيز جريدة، وتنهى إليه أنى قصدت بيتى وبيت والدى، فأنا كبيره ووارثه، وتأخذ لى منه إذنا في ذلك، وأنا ممتثل لما يرد علىّ منه؛ وأمر الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه أن يسيّرنى إلى الرحبة في رجال من عنده،

стр. 223

وسرت منها إلى البرية غربى الفرات بخفير من بنى خفاجة، فوصلت، وقضيت الحاجة، ورجعت من عند الخليفة المستنجد بالله - وهو يحاصر سنجار -. ولما ملك نور الدين الرّقة سار إلى الخابور فملكه جميعه، ثم ملك نصيبين، وأقام بها بجميع العساكر، فأتاه نور الدين محمود بن قرا أرسلان الأرتقى - صاحب الحصن -، واجتمعت عليه العساكر؛ ثم سار إلى سنجار فحاصرها، ونصب عليها المجانيق، وكان بها عسكر كثير من الموصل، فكاتبه عامة الأمراء الذين بالموصل يحثونه على السرعة إليهم ليسلموا البلد إليه؛ وأشاروا بترك سنجار، فلم يقبل منهم، وأقام حتى ملك سنجار وسلمها إلى ابن أخيه عماد الدين زنكى بن مودود؛ ثم سار إلى الموصل فأنى إلى بلد، وعبر دجلة من مخاضة عندها إلى الجانب الشرقى، ثم سار حتى وصل شرقى الموصل على حصن نينوى، ودجلة بينه وبين الموصل؛ وبوصوله - أعنى وصول نور الدين - سقط من سور الموصل بدنة كبيرة. وكان فخر الدين عبد المسيح قد سيّره عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود إلى أتابك إيلدكز - صاحب بلاد الجبل وأذربيجان -، وأراد يستنجدوه، فأرسل إيلدكز رسولا إلى نور الدين ينهاه عن قصد الموصل، ويقول له: إن هذه البلاد للسلطان، ولا سبيل لك عليها، فلم يلتفت نور الدين إلى رسالته، وكان بسنجار، فسار إلى الموصل، وقال للرسول: «قل لصاحبك أنا أرفق ببنى أخى منك، فلا تدخل نفسك بيننا، وعند الفراغ من إصلاحهم يكون الحديث معك على باب همذان، فإنك قد ملكت نصف بلاد الإسلام، وأهملت الثغور، حتى غلب الكرج (١) عليها،

стр. 224

وبليت أنا بأشجع الناس - الفرنج -، وأخذت بلادهم، وأسرت ملوكهم، فلا يجوز لى أن أتركك على ما أنت عليه، فإنه يجب علينا الحفظ لما أهملت من بلاد الإسلام، وإزالة الظلم [١١٩] عن المسلمين». وعاد الرسول بهذا الجواب. ثم إن الأمراء الذين بالموصل كاتبوا نور الدين وأعلموه عزمهم على الوثوب بعبد المسيح وتسليم البلد إليه، ولما علم عبد المسيح بذلك راسله في تسليم البلد إليه وتقريره على سيف الدين، ويطلب الأمان وإقطاعا يكون له، فأجابه إلى ذلك، وقال: «لا سبيل إلى لقائك بالموصل؛ بل تكون عندى بالشام، فإنى لم آت لآخذ البلاد من أولادى. وإنما جئت لأخلص الناس منك، وأتولى أنا تربية أولادى»؛ واستقرت القاعدة على ذلك؛ وتسلم نور الدين الموصل، ودخلها لثلاث عشرة ليلة مضت من جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة ست وستين وخمسمائة -، ونزل في القلعة، وولّى بالقلعة سعد الدين كمشتكين، وأبقى بالموصل سيف الدين غازى بن مودود، واسم الملك له، وقسّم تركة قطب الدين بين أولاده بمقتضى الفريضة. ذكر وفاة الخليفة المستنجد بالله (١) أبى المظفر يوسف بن المقتفى وسيرته كنا ذكرنا وفاة المقتفى لأمر الله في سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ومصير الخلافة إلى ولده المستنجد بالله أبى المظفر يوسف، وأنه أقام بوزارته عون الدين

стр. 225

أبا (١) المظفر يحيى بن هبيرة (٢) - وزير والده -، وكان عنده معظما كما كان عند والده، ثم بعد ذلك جرت مشاحنة بين الوزير عون الدين وأستاذ الدار عضد الدين محمد بن عبد الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء، واشتد الأمر بينهما (٣)؛ وكان عضد الدين هذا متمكنا عند الخليفة المستنجد بالله، فبقى عون الدين مداريا له مستوحشا منه [وطلب الإقالة من الخليفة فأقاله، ولزم بيته (٤)]، إلى أن توفى الوزير عون الدين ليلة الأحد ثالث عشر جمادى الأول سنة ستين وخمسمائة. وكان من أعيان الوزراء، وكان إقطاعه في ديوان الخلافة (٥) في كل سنة ما يقارب مائة ألف دينار، ومات وعليه ديون جمة، ولم يدخر ملكا ولا دينارا ولا درهما؛ وكان ابتاع دارا من (٦) صدقة بباب العامة، فقيل له: باسم من تكتبه؟ فقال: باسم الوكلاء - أجلهم الله تعالى - يعنى وكلاء الخليفة؛ فقيل له في ذلك، فقال: «إن كنت في الوزارة فهذه الدار لى وغيرها، وإذا عزلت عنها فأرجو أن أمكّن من الإقامة ببعض المساجد». وكانت مدة وزارته للخليفتين المقتفى والمستنجد، ست (٧) عشرة سنة (٨).

стр. 226

ثم توفى الخليفة المستنجد [١٢٠] بالله يوم الجمعة سابع ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة ست وستين وخمسمائة - فكانت خلافته إحدى عشرة سنة، وشهرا، وأحد عشر يوما، وكان يقظا (١) شهما عادلا حسن السيرة، وله شعر حسن، ذكرنا بعضه، ومما أنشده وزيره عون الدين بن هبيرة له [من قصيدة يقول (٢)]: كن عدوا مبرزا صفحته ... أو فسالمنى إذا لم تك قرنى في اشتباه الناس ود بينهم ... ومناوأة إليها سوء ضغن كم عدو زلّ (٣) من ظهر أبى ... وصديق أمّه ما ولدتنى ذكر البيعة بالخلافة للمستضىء بنور الله ابن المستنجد بالله ولما توفى المستنجد بالله بويع بالخلافة ولده الإمام المستضىء بنور الله أبو محمد الحسن بن المستنجد [بالله (٤)] بن المقتفى [لأمر الله (٤)] بن المستظهر في عصر اليوم الذى توفى فيه أبوه - وهو يوم الجمعة سابع ربيع الآخر - البيعة الخاصة، وعمره إذ ذاك تسع (٥) وعشرون سنة وثمانية أشهر وثمانية أيام، لأن مولده في ثالث عشر شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة؛ وبويع يوم السبت غد هذا اليوم البيعة العامة،

стр. 227

وأخذ له البيعة على الناس وزيره (١) عضد الدين بن رئيس الرؤساء، وأقطعه (٢) المستضىء ما كان يجرى في إقطاع ابن هبيرة، وأقطع قايماز - مملوك والده (٢) - الحلة وأعمالها، (٢) وأقطع تتامش وأخاه أردن - نسيبى قايماز (٣) - واسطا وقوشان؛ وطوّق (٤) قايماز ولقّبه ملك العرب، وسوّره (٤)؛ ولم يكتف لهم بذلك حتى حمل إليهم من الأموال ما زاد على أمانيهم وآمالهم (٢). وبعث إلى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى خلعة - وكان بظاهر الموصل - فلبسها، ثم بعد دخوله الموصل خلعها على ابن أخيه سيف الدين. وأطلق نور الدين المكوس بالموصل كلها، وكذلك فعل في سائر ما فتحه من البلاد؛ وأمر بإنشاء الجامع النورى بالموصل؛ وأقطع جزيرة ابن عمر لابن أخيه سيف الدين غازى، وكان مدة مقام نور الدين بالموصل سبعة عشر يوما، ثم رحل إلى الشام، وفى صحبته فخر الدين عبد المسيح، فغير اسمه نور الدين، وسمّاه عبد الله. ووصل [١٢١] [نور الدين] إلى حلب في شعبان، وزوّج سيف الدين غازى ابنته، وفوّض القضاء بسنجار ونصيبين والخابور إلى الشيخ شرف الدين عبد الله ابن أبى عصرون، فولى بها نوابه؛ ثم رحل نور الدين إلى دمشق وصام بها شهر رمضان من هذه السنة؛ ثم خرج بعد العيد إلى المخيم ثم سار إلى عشترا.

стр. 228

وقد ذكر عماد الدين [الكاتب] في البرق أن السرية (١) التي خرجت (٢) لصاحب البيرة باللبوة كانت في هذه السنة بعد نزول نور الدين عشترا، وروى ابن الاثير أنها كانت في السنة الماضية، وكان هذا هو الأقرب. والله أعلم بالصواب. ذكر الأحداث الكائنة بمصر في هذه السنة - أعنى سنة ست وستين وخمسمائة - وفى هذه السنة حرر (٣) صلاح الدين دارا كانت للمعونة (٤) بمصر مدرسة للشافعية، ولم يكن بمصر للشافعية ولا لغيرهم مدرسة، لأن الدولة كانت إسماعيلية،

стр. 229

ولم يكن لهم ميل إلى شىء من هذه المذاهب؛ ثم بنى ﵀ دار الغزل (١) مدرسة للمالكية. وفوّض القضاء بالديار المصرية إلى قاضى القضاة صدر الدين عبد الملك بن درباس الهذبانى (٢) الشافعى، فجعل صدر الدين القضاة في سائر الديار المصرية شافعية، فاشتهر مذهب الشافعية (٢) واندرس مذهب الإسماعيلية بالكلية، وانمحى أثره، ولم يبق أحد من أهل البلاد يمكنه التظاهر به. خروج الملك الناصر صلاح الدين إلى الغزاة ثم خرج صلاح الدين إلى جهاد الفرنج، وأغار على الرملة وعسقلان، وهجم ربض غزة، ثم عاد إلى القاهرة، ثم وصله الخبر بخروج قافلة من دمشق فيها أهله، فأشفق عليها (٣) وخاف عليهم من الفرنج، فخرج في النصف من ربيع الأول، [فالتقى بالقافلة، وخفرهم إلى مصر بما معهم سالمين، ثم رد على عقبه (٤)].

стр. 230

ذكر فتح قلعة أيلة وكانت بأيلة (١) قلعة في البحر قد حصّنها الكفار من الفرنج، فعمّر لها مراكب، وحملها إلى ساحل أيلة على الجمال، وركبها الصناع هناك، وشحنها بالمقاتلة، وزحف إلى القلعة، ففتحت في العشر الأول من ربيع الآخر، واستباح أهلها قتلا وأسرا، وملأها (٢) بالعدد والعدد واجتمع (٣) بأهله عليها، ثم سار بهم إلى القاهرة (٣) فدخلها في السادس والعشرين من جمادى الأولى. ثم سار في [١٢٢] الثالث والعشرين من شعبان إلى الإسكندرية (٤) ليشاهدها ويرتب قواعدها، وأمر بعمارة أسوارها وأبراجها. وفى النصف من شعبان في هذه السنة اشترى الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه (٥) بن أيوب بن أخى صلاح الدين منازل العز (٦) وجعلها مدرسة للشافعية، ووقف عليها وقوفا جليلة.

стр. 231

ذكر إقامة الدعوة العباسية بمصر وانقراض الدولة العلوية بها كان الملك العادل نور الدين ﵀ لما تحقق ضعف الدولة المصرية، وأنه لم يبق لهم منعة كتب إلى صلاح الدين يأمره أن يقطع خطبة العاضد ويخطب للخليفة من بنى العباس، فاعتذر (١) صلاح الدين بن أيوب بالخوف من وثوب أهل مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى العلوية (١)، فلم يصغ نور الدين إلى قوله، وأرسل إليه يلزمه ذلك إلزاما لا فسحة فيه؛ ثم اتفق مرض العاضد، فاستشار صلاح الدين الأمراء في قطع الخطبة له، وكيف يكون الابتداء بالخطبة العباسية، فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها، ومنهم من خاف من الإقدام على ذلك؛ إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال [أمر (٢)] نور الدين؛ وكان قد رحل إلى ديار مصر رجل أعجمى يعرف بالأمير العالم (٣)، فلما رأى ما بهم من الإحجام، قال: «أنا أبتدى بها».

стр. 232

فلما كان يوم الجمعة (١) من المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للخليفة الإمام المستضىء بنور الله، فلم ينكر [ذلك (٢)] أحد عليه، فلما كانت الجمعة الآتية أمر صلاح الدين بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد، وإقامة الخطبة للمستضىء بنور الله، ففعلوا ذلك، فلم يتحرك مخالف لذلك ولا منكر له، وانتظم الأمر، وكوتب الخطباء في ذلك في سائر الإقليم فخطبوا؛ وكان العاضد قد اشتد مرضه، فلم يعلمه أهله وأصحابه بذلك، وقالوا: «إن سلم فهو يعلم، فلا ينبغى أن ننغص عليه هذه الأيام التي قد بقيت من أجله (٣)». ذكر وفاة العاضد ثم توفى العاضد [١٢٣] في يوم عاشوراء من السنة، وهو آخر خلفاء مصر، وانقضت مدتهم، ولكل شىء آخر، فسبحان المتفرد بالأزلية والأبدية. وذكر ابن الأثير أنه لما شتد مرض العاضد أرسل إلى صلاح الدين يستدعيه ليوصيه، فظن أن ذلك خديعة، فلم يمض إليه، فلما توفى علم صدقه، فندم على تخلفه عنه.

стр. 233

وأما مؤلف كتاب الروضتين (١) فإنه حكى في كتابه أنه اجتمع بالأمير أبى الفتوح ابن العاضد وهو محبوس مقيّد سنة ثمان وعشرين وستمائة، فأخبره أبو الفتوح أن أباه في مرضه استدعى صلاح الدين فحضر، قال: «وأحضرنا - يعنى أولاده - ونحن صغار، فأوصاه بنا، فالتزم إكرامنا واحترامنا»؛ ولما توفى العاضد جلس الملك الناصر للعزاء وأظهر البكاء والحزن عليه. ومشى في جنازته إلى قبره؛ ثم تسلم القصر بما فيه من الخزائن [والذخائر (٢)]، والدفاتر والدواوين. وكان لمّا جرى لمؤتمن الخلافة ما جرى وقتل، وكّل صلاح الدين بالقصر الأمير بهاء الدين قراقوش (٣) الأسدى، وجعله زمام القصر مقام مؤتمن الخلافة فترتب في القصر فما كان يدخل إلى القصر شىء ولا يخرج منه شىء إلا بمرأى منه ومسمع، فضاق خناق (٤) أهل القصر بسببه؛ فلما مات العاضد احتيط على أهله وأولاده في موضع خارج القصر في مكان أفرد لهم (٥)، وقرّر لهم شيئا برسم الكسوة والنفقة

стр. 234

وما يحتاجون إليه، وجمع الباقين من عمومتهم وعترتهم (١) في القصر في إيوان، واحترز عليهم في ذلك المكان، وأبعد عنهم النساء لئلا يتناسلوا، ثم عرض من بالقصر من الجوارى والعبيد والعدد والآلات والذخائر النفيسة، فأطلق من ثبتت حريته، ووهب الباقى من الرقيق، وأخلى الدور، وأغلق القصور، وأخذ ما صلح له ولأهله ولأمرائه وخواص مماليكه وأصحابه من نفائس الذخائر والملابس؛ ومن جملة ذلك: الدّرّة اليتيمة، والياقوتة الغالية القيمة، والمصنوعات العنبرية، والأوانى الفضية، والصوانى الصينية، والمنسوجات المغربية (٢)، [١٢٤] والممزوجات (٣) الذهبية، وغير ذلك مما لا يقع عليه الاحصاء؛ وأسرف في العطاء والبذل، وأطلق البيع بعد ذلك فيما دون ذلك، واستمر البيع مدة عشر سنين. وكانت خزانة الكتب (٤) لهم تزيد على مائة ألف وعشرين ألف مجلدة، وفيها النفائس من الكتب التي لا يكاد يوجد مثلها، ومنها ما هو مكتوب بالخطوط المنسوبة التي لا توجد في خزانة أحد من الملوك، فحمل من الكتب إلى الشام ثمانية أحمال، وترك الباقى فبيع بعضه، وأطلق البعض لمن يختص به. وتملّك صلاح الدين الأملاك التي لهم، وضربت الألواح على رباعهم ودورهم،

стр. 235

ثم ملك بعضها خاصته وأمراؤه، وبعضها أذن ببيعه، وتعفّت آثارهم بالكلية، إن في ذلك لموعظة وذكرى لأولى الألباب، [كما قال بعضهم (١)]: إذا امتحن الدنيا لبيب تكشّفت ... له عن عدوّ في ثياب صديق وكان جميع من ولى الخلافة منهم بمصر أحد عشر خليفة (٢)، وولى منهم بالمغرب ثلاثة، فكانت عدتهم أربعة عشر خليفة (٢)، عدة خلفاء بنى أمية بالمشرق. وقد تكلم الناس في أنسابهم فأكثروا وأطالوا، فمن مصحح ومبطل، والله أعلم بغيبه؛ وقد ذكرت ما قيل في ذلك في التاريخ الكبير (٣)، إلا أن الذى اعتقدته وحققته من تواريخ كثيرة أن القوم أدعياء لاحظ لهم في النسب الهاشمى، فمن المؤرخين من قال إن جدهم يهودى (٤)، ومنهم من قال إنه من الفرس؛ والنسابون

стр. 236

من الفاطميين قد أطنبوا في ذلك وذكروه في كتبهم، وكتب الشريف المرتضى (١) الموسوى نقيب العلويين وأخوه الرضى (٢) خطهما بالقدح في نسبهم، وأنهم ليسوا من ولد على بن أبى طالب - رضوان الله عليهم -، وشهد بذلك أيضا جماعة من أكابر العلويين (٣)، ومما يشهد بذلك أن القوم كانوا لا يوصلون نسبهم، بل ينسبون أنفسهم إلى عبيد الله المهدى، ثم يقولون: «ابن الأئمة المستورين»؛ ولو كان نسبهم صحيحا لصرّحوا كما صرّح بنو العباس بنسبهم، وأى حاجة بهم إلى الغمغمة؛ وغاية ما يقولون إن الثلاثة المستورين كانوا يسترون أنفسهم خوفا من بنى العباس، فهم لما ملكوا وقهروا وزال عنهم الخوف كان ينبغى [١٢٥] أن يصرحوا بأسماء أولئك ولا يكتموهم، إذ قد زالت العلة المقتضية للكتم، ولقد حكى أن رجلا رمى ورقة إلى بعض خلائفهم (٤) وهرب فلم يعرف، وكان في الورقة:

стр. 237

[إنا سمعنا نسبا منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع] (١) إن كنت فيما تدّعى صادقا ... فاكشف لنا عن جدك السابع (٢) [وإن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع] (١) أو فذر (٣) الأنساب مستورة ... وادخل بنا في النسب الواسع فإنّ أنساب بنى هاشم ... يقل (٤) فيها طمع الطامع ولقد صدق كاتب هذه الورقة، فإنا نجد الأشراف من بنى هاشم والعباس (٥) يصلون أنسابهم ويصرحون بها، وهؤلاء يكتمونها، فللكتمان علة لا محالة، وما أظن إلا أن غرضهم أنهم متى صرّحوا بالنسب بان زيفهم عند النقاد، فهذا ما يتعلق بنسبهم. و [أما (٦)] مذاهبهم، فدعوتهم باطنية إسماعيلية، وعنهم انتشر دعاة الملاحدة الباطنية في الآفاق، وهذه المقالة معروفة في كتب المقالات والأصول، فلا معنى لإبداعها كتب التاريخ. ورأى القوم في الإمامة بعد النبى ﷺ لعلى بن أبى طالب - رضوان الله عليه - ثم للحسن بن على، ثم للحسين، ثم لعلى - بن الحسين -

стр. 238

زين العابدين، ثم لابنه محمد الباقر، - وفارقوا في ذلك الزيدية، الذاهبين إلى إمامة زيد -، ثم لابن محمد جعفر الصادق بن محمد، ثم لابنه إسماعيل بن جعفر -، وفارقوا بذلك الإمامية الاثنى عشرية القائلين بإمامة موسى بن جعفر، وغيرهم من أصناف الإمامية -، ثم لابن إسماعيل محمد بن إسماعيل، ثم أنهم اعتقدوا أن الإمامة صارت بعد محمد بن إسماعيل في ثلاثة يسمونهم أئمة ستر، ولا يبوحون بأسمائهم، ولا ينطقون بذكرهم، والثلاثة من ولد محمد بن إسماعيل؛ وقد اختلف في أسمائهم اختلافا كثيرا ثم إنهم قالوا: صارت بعد ذلك للمهدى عبيد الله (١) الظاهر بسجلماسة (٢) من بلاد إفريقية، وقالوا إن بينه وبين محمد بن إسماعيل ثلاثة أباءهم أئمة الستر، لم يظهروا أمرهم خوفا من أعدائهم بنى العباس، ثم قالوا: إن الامامة صارت بعد ذلك لابنه القائم بأمر الله [١٢٦] أبى القسم محمد، ثم لابن القائم المنصور بالله إسماعيل؛ وتوفى المهدى وهذان بالمغرب، ثم صارت لابن المنصور المعز لدين الله أبى تميم معدّ (٣)، وهو أول من ملك الديار المصرية منهم، دخلها غلامه جوهر في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وشرع في بناء القاهرة وقصور الخلافة بها. ثم قدم المعز من الغرب واستقر بقصره في القاهرة في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة، ثم صارت بعده لابنه العزيز بالله أبى المنصور نزار بن معدّ، ثم لابنه الحاكم بأمر الله أبى على المنصور، ثم لابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبى الحسن على، ثم لابنه المستنصر بالله أبى تميم معدّ بن الظاهر بن الحاكم؛ وطالت مدة خلافته حتى بلغت ستين سنة، ولم يل الخلافة أحد هذه المدة؛ وهؤلاء كلهم على عمود النسب

стр. 239

ثم اختلفت الباطنية من هنا وافترقوا، (١) وسبب افتراقهم (١) أن أحد الدعاة المسمى الحسن الصباح (٢) قدم على المستنصر بالله بمصر، وطلب أن يكون داعيا له ببلاد العجم، فأجابه إلى ذلك، فسأله عن الإمام بعده، فذكر أنه قال: إنه ولده نزار؛ ولم يكن للمستعلى (٣) إذ ذاك ولد، فمضى الحسن الصباح (٢) إلى بلاد العجم فدعا للمستنصر وبعده لولده نزار، وبث دعوة الباطنية هناك، فلما توفى المستنصر كانت الدعوة ببلاد العجم لنزار بن المستنصر وتسمى هذه الفرقة من الباطنية «النزارية»، ودعوتهم ببلاد الآلموت (٤) بالعجم، وببلاد الشام بمصياف (٥)

стр. 240

وقلاعها لنزار بن المستنصر (١) وولده، وإمامهم الذى يعتقدون إمامته يقولون إنه من ولد نزار بن المستنصر (١)، والله أعلم بذلك ولم يزل هؤلاء الذين ينتسبون إلى نزار ببلاد العجم إلى أن انتهى الأمر إلى آخرهم، وهو ركن الدين خورشاه (٢) بن علاء الدين محمد بن الحسن، فحاصره هلاووا (٣) ملك التتار (١) - خذلهم الله تعالى - سنة خمس وخمسين وستمائة، ثم ظفر به هلاووا (١) فقتله، وقتل من معه من الباطنية الملاحدة، وبقيت لهم حصون بالشام، ففتحها السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس ملك الإسلام والمسلمين، وطهر البلاد منهم كما طهرها من سائر الشرك، وكان نزار [١٢٧] الذى تنسب إليه النزارية ظهر بعد أبيه بالاسكندرية، فقبض عليه وقتل. وأما الباطنية المصريون فخالفوا هؤلاء في الإمام بعد المستنصر، فقالوا: صارت الإمامة بعده للمستعلى بالله أبى القاسم محمد، ثم لابن المستعلى الآمر بأحكام الله أبى على المنصور، ثم لابن عمه الحافظ لدين الله أبى الميمون عبد المجيد بن أبى القاسم أحمد بن المستنصر، ثم لابن الحافظ الظافر بالله إسماعيل، ثم لابن الظافر الفائز بنصر الله عيسى، ثم لابن عمه العاضد لدين الله أبى محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ.

стр. 241

ثم لما توفى العاضد وزالت دولتهم قالت دعاتهم: إن الإمامة بعده لابنه داوود ابن العاضد، ولقبوه «الحامد لله (١)»؛ ثم توفى داوود هذا في أيام الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب في الحبس، ثم قالوا إنها صارت بعده لابنه سليمان (١) ابن داوود بن العاضد، وكان هذا سليمان قد أدخلت أمه إلى داوود في الحبس سرا فوطئها داوود فحبلت بسليمان، ثم حملت الجارية إلى الصعيد فولدت سليمان، وترعرع (٢) وخفى أمره من الدولة الأيوبية عند بعض الدعاة، فأعلم السلطان به، وأظنه (٣) الملك الكامل بن الملك العادل، فظفر به وحبسه بقلعة الجبل (٤)، وسافرت إلى مصر سنة إحدى وأربعين وستمائة، وكان سليمان هذا حيا، وسمعت أن دعوة الإسماعيلية المصريين له، ولهم فيه اعتقاد عظيم، ورأيت من اجتمع به (٥) وتحدث معه، فسألته عنه، فأخبر (٥) أنه في غاية الجهل والغباوة؛ ثم توفى هذا سليمان بن داوود ابن العاضد بقلعة الجبل في شهر شوال سنة خمس وأربعين وستمائة في أيام السلطان الملك الصالح بن الكامل ﵀ ولم يخلف ولدا ذكرا فيما نعلمه، وسمعت

стр. 242

بعض من ينتمى إلى مذهبهم يدعى أن له ولدا ذكرا قد أخفى أمره حسب ما كان يخفى سليمان والده، والله أعلم بحقيقة ذلك. وبقى منهم رجلان محبوسان بقلعة الجبل بالقاهرة المحروسة، شيخان، جدهما (١) العاضد، [١٢٨] وكان أحدهما واسمه القاسم قد بلغه أنى صنفت تاريخا (٢) للسلطان الملك الصالح، وذكرت فيه أخبار هؤلاء القوم وما قاله النسّابون فيهم، وأن بعضهم قال إن أصلهم من اليهود، فطلعت يوما إلى القلعة المحروسة، ودخلت على باب الحبس والقاسم بن ابن العاضد هذا قاعد على بابه، فسأل عنى، فعرّف بى، فاستدعانى، فأتيته، فقال: «أنت ذكرت أن نسبنا يرجع إلى اليهود؟» فخجلت منه، وما أمكننى له إلا الاعتراف بذلك، وأحلت الأمر على أقوال المؤرخين [فسكت (٣)]. وبالجملة فمذاهب القوم رديئة مخالفة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه السلف الصالح، واعتقادهم في الإلهيات ينزع إلى رأى المتفلسفة، وإنما سموا باطنية، لأنهم ينزلون القرآن على معان موافقة لرأيهم، ويصرفونه عن ظاهره، ولهم في هذا الباب حديث كثير وخبط طويل، وقد انتدب جماعة من أعيان العلماء للرد عليهم، منهم: الشيخ أبو حامد الغزالى ﵀

стр. 243

فإنه رد عليهم في كتاب له سمّاه: «المستظهرى (١)»، حكى فيه صورة مذهبهم، وبالغ في الرد عليهم والنقض لأقاويلهم. وكان عمارة بن على اليمنى شديد التعصب لهم، لأنه قدم عليهم من اليمن فأحسنوا إليه وخوّلوه، فرعى ذلك ووفى لهم، والإنسان - كما قيل - صنيعة الإحسان، ولم يكن على مذهبهم، وإنما كان شافعيا سنيا، فلما زال أمرهم رثاهم بأحسن (٢) الشعر، وذبّ عنهم باللسان إذ لم يمكنه الذبّ عنهم باليد؛ ثم لما تحرك جماعة في عود الأمر إليهم، كان من جملة المساعدين على ذلك، شكرا لهم على إحسانهم إليه، فأدّى به ذلك إلى أن شنق - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى -، فمن جمله قوله فيهم يرثيهم بقصيدة (٣)، ذكرتها بجملتها لفرط حسنها وهى: رميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل ... وجيده بعد حسن الحلى بالعطل سعيت في منهج الرّأى العثور فإن ... قدرت من عثرات الدّهر (٤) فاستقل

стр. 244

جدعت مارنك الأقنى، فأنفك لا ... ينفكّ ما بين أمر (١) الشين والخجل [١٢٩] هدمت قاعدة المعروف عن عجل ... سقيت مهلا (٢)، أما تمشى على مهل؟ لهفى ولهف بنى الآمال قاطبة ... على فجيعتها (٣) في أكرم الدّول قدمت مصر فأولتنى خلائفها ... من المكارم ما أربى على أملى (٤) قوم عرفت بهم كسب الألوف، ومن ... كمالها أنها جاءت ولم أسل وكنت من وزراء الدّست حيث سما (٥) ... رأس الحصان بهاديه على الكفل ونلت من عظماء الجيش تكرمة ... وخلّة حرست من عارض الخلل يا عاذلى في هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصّرت في عذلى بالله زر ساحة القصرين وابك معى ... عليهما (٦)، لا على صفّين والجمل وقل لأهليهما: والله ما التحمت ... فيكم جروحى، ولا قرحى بمندمل ماذا ترى كانت الإفرنج فاعلة ... في نسل [آل] (٧) أمير المؤمنين على؟ [هل كان في الأمر شىء غير قسمة ما ... ملكتمو بين حكم السّبى والنّفل (٨)]؟

стр. 245

وقد حصلتم عليها واسم جدّكم ... محمد، وأبوكم خير منتعل (١) مررت بالقصر، والأركان خالية ... من الوفود، وكانت قبلة القبل فملت عنها بوجه (٢)، خوف منتقد ... من الأعادى، ووجه الودّ لم يمل أسبلت من أسفى دمعى غداة خلت ... رحابكم، وغدت مهجورة السّبل أبكى على مأثرات (٣) من مكارمكم، ... حال الزمان عليها، وهى لم تحل دار الضّيافة كانت أنس وافدكم ... واليوم أوحش من رسم ومن طلل وفطرة الصّوم إن أصغت (٤) مكارمكم ... تشكو من الدّهر حيفا غير محتمل وكسوة الناس في الفصلين قد درست (٥)، ... ورثّ منها جديد عنهم (٦) وبلى وموسم كان في يوم (٧) الخليج لكم ... يأتى تجمّلكم فيه على الجمل وأوّل العام والعيدين (٨) كم لكم ... فيهنّ من وبل جود ليس بالوشل والأرض تهتزّ في يوم الغدير كما (٩) ... بهتزّ ما بين قصريكم من الأسل [١٣٠] والخيل تعرض في وشى وفى شية (١٠) ... مثل العرائس في حلى وفى حلل

стр. 246

وما حملتم (١) قرى الأضياف من سعة ال ... أطباق إلا على الأكتاف والعجل وما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم (٢) ... حتى عممتم به الأقصى من الملل كانت رواتبكم للوافدين، (٣) وللضي ... ـف المقيم، وللطارى من الرسل ثم الطّراز بتنّيس الذى عظمت (٤) ... منه الصلات لأهل الأرض والدّول وللجوامع من أحباسكم (٥) نعم ... لمن تصدّر في علم وفى عمل وربّما عادت الدنيا، فمعقلها (٦) ... منكم، وأضحت بكم محلولة العقل والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم، ... ولا نجا من عذاب النّار غير ولى ولا سقى الماء من حرّ ومن ظما ... من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل [ولا رأى جنّة الله التي خلقت ... من خان عهد الإمام العاضد بن على (٧)] أئمّتى، وهداتى، والذخيرة لى، ... إذا ارتهنت بما قدّمت من عمل تالله لم أوفهم (٨) في المدح حقّهم ... لأنّ فضلهم كالوابل الهطل ولو تضاعفت الأقوال واستبقت ... ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل (٩) باب النّجاة فهم، دنيا وآخرة ... وحبّهم فهو أصل الدّين والعمل

стр. 247

نور الهدى، ومصابيح الدّجى ومح ... لّ الغيث إن ونت الأنواء في المحل أئمّة خلقوا نورا، فنورهم ... من نور خالص نور الله لم يغل والله لا زلت عن حبّى لهم أبدا ... ما أخّر الله لى في مدّة الأجل [عمارة قالها المسكين وهو على ... خوف من القتل، لا خوف من الزلل (١)] ولما وردت البشائر على الملك العادل نور الدين ﵀ بالخطبة بمصر للإمام المستضىء بنور الله أمير المؤمنين سرّ بذلك، وكتب إلى سائر الأطراف بالبشارة، وندب القاضى شهاب الدين أبا المعالى المطهّر بن الشيخ شرف الدين ابن أبى عصرون بهذه البشارة إلى الديوان العزيز؛ وأمر كاتبه عماد الدين الأصفهانى بإنشاء بشارة تقرأ في سائر البلاد الإسلامية، وبشارة أخرى خاصة [١٣١] تقرأ بحضرة الإمام في مدينة السلام. ونظم عماد الدين قصيدة مشتملة على ذكر الخطبة للدولة العباسية، ويمدح فيها الإمام المستضىء بنور الله: قد خطبنا للمستضىء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصرة العضد الع ... اضد (٢) والقاصر الذى بالقصر واتبعنا بها شعار بنى العبّ ... اس، فاستبشرت وجوه النّصر وتركنا الدعىّ يدعو (٣) ثبورا ... وهو بالذلّ تحت حجر وحصر (٤) وتباهت منابر الدين بالخطـ ... ـبة للهاشمىّ في أرض مصر

стр. 248

ولدينا تضاعفت نعم الل ... ـه، وجلّت عن كلّ عدّ وحصر واغتدى الدين ثابت الرّكن في مص ... ـر محوط الحمى، مصون الثّغر واستنارت عزائم الملك العا ... دل نور الدين الكريم الأغرّ فبنو الأصفر القوامص (١) منه ... في وجوه - من المخافة - صفر عرف الحقّ أهل مصر، وكانوا ... قبله بين منكر ومقرّ هو فتح بكر، ودون البرايا ... خصّنا الله بافتتاح البكر وحصلنا بالحمد والأجر والنّصـ ... ـر وطيب الثّنا وحسن الذّكر ونشرنا أعلامنا السّود، قهرا ... للعدى الزّرق، بالمنايا الحمر واستعدنا من أدعياء حقوقا ... تدّعى بينهم لزيد وعمرو والذى يدّعى الإمامة بالقا ... هرة انحطّ في حضيض القهر خانه الدّهر في مناه، ولا يطـ ... ـمع ذو اللّب في وفاء الدهر ما يقام الإمام إلا بحقّ ... ما تحاز (٢) الحسناء إلا بمهر خلفاء الهدى، سراة بنى العبّ ... اس، والطّيّبون أهل الطّهر بهم الدين ظافر مستقيم ... ظاهر قوّة، قوىّ الظّهر [١٣٢] كشموس الضحى، كمثل بدور ال ... ـتّمّ، كالسّحب، كالنّجوم الزّهر قد بلغنا بالصّبر كلّ مراد، ... وبلوغ المراد عقبى الصّبر ليس مثرى الرجال من يملك الما ... ل، ولكنّما أخو اللّبّ مثرى

стр. 249

ولهذا لم ينتفع صاحب القص ... ر وقد شارف الدثور بدثر دام نصر الهدى بملك بنى العبّ ... اس حتى يقوم يوم الحشر ولما وصلت البشارة إلى الديوان العزيز النبوى قوبلت بالإكرام والإعظام والإنعام التام؛ وكان وصول البشارة بذلك يوم السبت لثمان بقين من المحرم من هذه السنة - أعنى سنة سبع وستين وخمسمائة -، فجلس الوزير عضد الدولة ابن رئيس الرؤساء في الديوان، واستحضر أرباب المناصب والدولة والخواص والأمراء وأشار إلى كاتب الإنشاء أبى الفرج ابن الأنبارى (١)، بقراءة مكتوب الملك العادل نور الدين، ثم ثنّى بمكتوب برز بخط الخليفة المستضىء بنور الله، يتضمن الشكر لله على ما أباحه من عودة الحق إلى مستقره. وكان مبدأ انقطاع الخطبة العباسية بها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وعادت الخطبة العباسية بها سنة سبع وستين وخمسمائة، فكان مدة انقطاع الخطبة العباسية بمصر نحو من مائتى سنة وتسع (٢) سنين. ووصل إلى الشام جواب البشارة مع عماد الدين صندل (٣) المقتفوى، وهو إذ ذاك أستاذ الدار العزيزة، ولم يرد من بغداد رسول مثله في جلالته وعظمة قدره؛ وورد صحبته التشريف الشريف لنور الدين مكملا بالأهبة (٤) السود والحلل الموشية، والطوق الذهب الثقيل، واللواء (٥) الجليل؛ وحضر الرسول عند نور الدين، وحضر أكابر الدولة والخواص، وكان يوما مشهودا؛ وقرأ موفق الدين خالد

стр. 250

ابن محمد بن صغير القيسرانى (١) كتاب الديوان، ثم لبس نور الدين الفرجيّة (٢)، وتقلد بالسيفين (٣)، ووضع في عنقه الطوق (٤)، وخرج راكبا من داخل القلعة واللواء الأسود منشور على رأسه، وقدّم له مركوبان، أحدهما ركبه، والآخر كان جنيبا [١٣٣] بين يديه، محلى بحليته، وجمع له بين تقليدى السيفين الإشعار بتقليده الاقليمين: الشام والديار المصرية، وخرج إلى ظاهر دمشق، ونثر عليه الذهب، وانتهى في تسييره إلى الميدان الأخضر، ثم عاد إلى القلعة. وكان صحبة الرسول تشريف للملك الناصر صلاح الدين جليل كثير، لكنه دون تشريف نور الدين؛ فسيّره نور الدين ﵀ إليه، وسيّر أيضا خلعا من عنده برسم الأمراء من أصحابه.
следующие страницы →