← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

يفضّون بنيان المقانب في الوغى ... بلبّات آساد مشائل جزّع ولكنه من لا ينافى ويتقى ... ببذل فداء أو بأطراف شرّع لقد كنت لى حصنا حصينا من العدى ... إليه التفاتى في الخطوب ومفزعى وعارض جود منه أستنزل الندى ... فأسقى بغيث من عطاياه ممرع فأضحى ومن حر المكارم مشربى ... وأمسى وفى رفض المواهب مرتعى (١) سأبكيه أيام الحياة وإن أمت ... بكته عظامى في قرارة مضجعى وأشكره شكر الثرى لسمائه ... بدر من اللفظ البديع المرصّع (٢) وما كلف بالشىء مثل مكلّف ... ولا داعيات الطبع مثل التطبع وما كلّ من يولى جميلا بشاكر ... وما كل من يدعى خطيبا بمصقع هو المرء أدنانى وأبعد غايتى ... ووسّع لى ذرعى وطوّل أذرعى فتى بدأ الاحسان حيا وميتا ... بفرط اصطناع لا بفرط تصنع بإسداء معروف وإلغاء منكر ... وتسكين مسلوب الجنان (٣) مروّع وتسليمه تاج الخلافة بعده ... إلى خير مودوع وأوثق مودع هوى قمر العلياء من برج سعده ... فاطلع شمس المجد من خير مطلع بفرع نمى من دوحة ظاهرية ... نمى عرفها عن طيبها المتضوع بمستعصم (٤) بالله منتصر له ... بحزم التأنى لا بحزم التسرع أقام منار العدل بعد إعوجاجه ... وشيد واهى الدين بعد التضعضع بإقدام منصور وعزمة قادر ... وسيرة مهدى وإخبات طيع

стр. 1927

به رجعت شمس (١) المكارم والعلى ... كما رجعت شمس النهار ليوشع (٢) ففرق شمل المال بعد اجتماعه ... وجمّع أشتات العلاء الموزع سأشكر للأيام حيلة برها ... لأبلال قلب بالرذية موجع باقبالها تزهى بأكرم مودع ... وإن يك قد ولّت بخير مودّع ولائى لكم يا آل أحمد صادق ... إذا مان مذّاق ونمق مدّع وإنى لشيعى المحبة فيكم ... وإن لم يشن دينى غلو التشيع فلى من نداكم خفض عيش مرفه ... ولى في ذراكم عز قدر مرفّع (٣) ذكر خلافة الامام المستعصم بالله أمير المؤمنين ﵀ فاتفق رأى أرباب الدولة (٤) بعد موت المستنصر بالله، على تقليد الخلافة ولده المستعصم بالله أبا أحمد عبد الله، واستبد بتدبير الخلافة أرباب دولته. وكان المستعصم متدينا متمسكا بمذهب السنة والجماعة، على ما كان عليه أبوه المستنصر وجده الظاهر ﵏ أجمعين. وحسّن له أصحابه جمع الأموال

стр. 1928

والاقتصار على بعض من ببغداد من الجند وقطع الباقين، ومسالمة التتر. وحمل القطيعة إليهم لينكفوا عنه، وقالوا له: «هذه الطائفة قد ملكوا معظم بلاد الإسلام ولم يقف أحد من الملوك قدّامهم، فالحزم مهاداتهم ومهادنتهم، وأن يحمل إليهم في كل سنة من المال ما يرضيهم ليكفوا وينكفوا». فأذعن لذلك، وقطع أكثر من عنده من العساكر. فأدى ذلك إلى ما سنذكره.

стр. 1929

ودخلت سنة إحدى وأربعين وستمائة (*) والسلطان الملك الصالح أيوب بالديار المصرية، وابن عمه (١) الملك الناصر داود، وعمه الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، والملك المنصور صاحب حمص، والحلبيون متفقون على عداوته، وليس معه من أصحاب الأطراف إلا الملك المظفر صاحب حماه، وهو مريض بالفالج كما تقدم ذكره (٢). وفى هذه السنة سير الملك المظفر صاحب حماه القاضى [٤٢ ب] شهاب الدين أبا اسحاق ابراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم رسولا إلى الخليفة المستعصم بالله، مهنئا له بالخلافة، ومعزيا بأبيه المستنصر بالله. ونفذ معه ثيابا طلسا برسم القبر، وألف دينار برسم الصدقة عنه، ومعه أيضا رسالة إلى الملك السعيد نجم الدين غازى ابن الملك المنصور أرتق صاحب ماردين، ورسالة إلى السلطان الملك الناصر صاحب حلب، ورسالة إلى بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل. وتقدم إلى الملك المظفر بالمسير معه، فسافرنا من حماه مستهل المحرم. ومضينا إلى حلب، فأقمنا بها أياما، ثم مضينا إلى حران، ومنها إلى دنيسر. وبلغنا ونحن فيما بين رأس عين ودنيسر حركة التتر وقصدهم بلاد الروم. ثم صعدنا إلى ماردين وأقمنا بها يوما واحدا وقد قويت الأخبار بحركة التتر. ثم سرنا إلى نصيبين

стр. 1930

ووجدنا الخوارزمية، وهى بأيديهم مقيمين بها، وهم يظهرون طاعة السلطان الملك الصالح نجم الدين صاحب مصر. ثم وصلنا إلى الموصل ونزلنا بخانقاة على الشط، ووجدنا بالموصل محيى الدين بن الجوزى رسول الخليفة، وهو يريد التوجه إلى بلاد الروم رسولا إلى السلطان غياث الدين كيخسرو. وكان بدر الدين في تلك الأيام داخلا في طاعة التتر وهو منتم إليهم، ويهاديهم ويراسلهم. وكان بينه وبين الملك السعيد صاحب ماردين تنافر، فأخذ القاضى شهاب الدين في الإصلاح بينهما وذلك بتقدّم من مخدومه الملك المظفر إليه بذلك. ثم توجهنا إلى بغداد في دجلة في ركوة (١) أعطانا إياها بدر الدين، وسارت الدواب في البر. وحين وصلنا تكريت طولع الديوان ببطاقة حمام بوصولنا. ووصلنا إلى المزرفة (٢)، فنزلنا بها حتى جاءنا من جهة الديوان من وصلنا معه على الظهر إلى بغداد، فغدو بنا إلى بغداد. وأمرنا بالنزول في جامع السلطان، حتى خرج الموكب [٤٣ ا] لتلقينا. ودخلنا بغداد، فنزلنا بقراح (٣) القاضى. وكان النائب في الوزارة بها رجلا يقال له نصير الدين، وهو شيخ فان مقعد، فأدى القاضى شهاب الدين الرسالة.

стр. 1931

ورجعنا بعد أن أقمنا شهرين. فلما وصلنا إلى الموصل اجتمعنا بصاحبها بدر الدين [لؤلؤ (١)]، فأخبرنا بأن التتر استظهروا على المسلمين ببلاد الروم وكسروهم، وأن غياث الدين صاحب البلاد انهزم إلى بعض المعاقل. فتوجهنا إلى نصيبين واجتمعنا بالأمير حسام الدين بركة خان، مقدم الخوارزمية وتحدثنا معه في معنى القيام بنصرة السلطان الملك الصالح نجم الدين، والمضى بالخوارزمية إلى خدمته ومعاضدته على أعدائه. فوعد بركة خان بذلك، وكان حديثه لنا بواسطة ترجمان بيننا وبينه. وعدنا إلى حماه فدخلناها في إحدى الجمادتين من هذه السنة. وسمعنا عند وصولنا إلى حلب ما جرى على المسلمين ببلاد الروم، ووجدنا خلقا من الجافلين من تلك البلاد. واضطرب الشام لذلك اضطرابا كثيرا، ووجدنا بحلب القاضى أفضل الدين الخونجى، وكان قاضيا ببلاد الروم، وهو على عزم المضى إلى الديار المصرية. ونظمت وأنا بحلب أبياتا، ذكرت فيها المنازل بين بغداد وحماة، وهى: طواها سراها حين طال سفارها ... وانحلها تهجيرها وابتكارها وأتبعها جذب البرى وأذابها اش ... تياق إلى أرض بعيد مزارها وما باعث الأشواق نحو بلادها ... سوى أهلها لا شيخها وعوارها إذا لاح برق من حماة وأرضها ... تضاعف بلواها وزاد أوارها وتعرض عن ماء الفرات ودجلة ... إذا ذكر العاصى ويبدو انكسارها ولما أبيحت عزمة العود بعد ما ... تطاول من شوق اليها انتظارها تزحلق عن دار السلام طوالبا ... بنا أرض وأنّا والأنين شعارها

стр. 1932

وفى أرض تكريت أنيخت ضحى ... وقد نفى النوم عنها وجدها وادّكارها وجاءت إلى المستعصمية وانثنت ... إلى العقر والأشواق تضرم نارها وفى الموصل الجدباء قيل لها ابشرى ... بأن ليالى البعد آن انحسارها وشامت بروقا في نصيبين أو مضت ... فاسعر نيران الغرام استعارها وأمست بنا في ماردين ووجدها ... يزيد وينمو إذ يقل اصطبارها وأمت صباحا رأس عين حثيثة ... إلى أن علا شمس النهار اصفرارها وجاءت بنا جلاّب حران سرّعا ... وأمسى إلى شط الفرات ابتدارها وفى حلب الشهباء أضحى مقرها ... وطىّ الفيافى سؤلها واختيارها عساها إذا ما فارقت حلبا بنا ... تقر بقنسرين منها قرارها وتأتى إلى أرض المعرة والمنى ... تبشرها أن قد تدانت ديارها وتصبح في أوطانها مستقرة ... وقد زال عنها بؤسها وضرارها وسمعنا في حلب وقوع الصلح بين السلطان الملك الصالح نجم الدين، وعمه الملك الصالح عماد الدين، والملك المنصور صاحب حمص على إقامة الخطبة لصاحب مصر والسكة، واتفاقهم على الملك الناصر داود على ما سنذكره. ذكر دخول التتر بلاد الروم وكسرهم غياث الدين وعسكره قد ذكرنا تحرك التتر في السنة الماضية، وقصدهم جهة بلاد الروم (١). فلما تحقق السلطان غياث الدين ذلك، أخذ في جمع العساكر والأجناد للقائهم. وسيّر شمس الدين الأصفهانى نائبه، فأصلح كما ذكرنا بين عسكر السلطان الملك الناصر

стр. 1933

صاحب حلب، وبين الخوارزمية والملك المظفر شهاب الدين غازى صاحب ميافارقين والملك السعيد صاحب ماردين. ولما أصلح بينهم وعاد مع العساكر إلى حلب [٤٤ ا]، أخذ من حلب عسكرا مقدمه ناصح الدين الفارسى أبو المعالى. ولما قدم عسكر حلب إلى الروم، أكرمهم السلطان غياث الدين وأحسن إليهم، وخلع عليهم وضمهم إلى عسكره. ولما دخلت هذه السنة، أعنى سنة إحدى واربعين وستمائة، جاءت التتر بجموعها إلى بلاد الروم، وضربوا مع غياث الدين مصافا عظيما، فكانت الهزيمة أولا على التتر ثم تراجعوا، وحملوا على عسكر المسلمين فهزموهم هزيمة عظيمة (١). فقتلوا منهم وأسروا خلقا. وتشتتت العساكر يمينا وشمالا، ونهبت التتر من الأموال ما لا يحصى. وهرب غياث الدين إلى بعض المعاقل فاحتمى به. وثارت التركمان في البلاد ينهبون ويعيثون. ورجع ناصح الدين الفارسى بمن معه من عسكر حلب في أسوأ حال. ثم استولت التتر على آمد وخلاط وبلادهما. ذكر وقوع الإتفاق بين السلطان الملك الصالح نجم الدين وبين عمه الملك الصالح وصاحب حمص ووقعت في هذه السنة المراسلة بين السلطان الملك الصالح نجم الدين وعمه

стр. 1934

الملك الصالح وصاحب حمص. وتقرر الاتفاق بينهم على أن تكون دمشق للملك الصالح إسماعيل وبلادها. ويقيم هو والحلبيون وصاحب حمص الخطبة والسكة للملك الصالح صاحب مصر، ويخرج ولده الملك المغيث ومن عنده من أصحابه في الاعتقال، ويسيرهم إليه، وتكون بعض بلاد الملك الناصر داود للملك الصالح اسماعيل، وبعضها لصاحب مصر. ويخرج البلاد كلها من يده. وكان الرسول من جهة الملك الصالح إسماعيل، جلال الدين الخلاطى. وقدم من مصر الخطيب أصيل الدين الإسعردى (١) إمام الملك الصالح رسولا من الملك الصالح نجم الدين [فخطب للسلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب (٢)] بجامع دمشق. ثم مضى إلى حمص وخطب له بها [أيضا (٣)]. وبعث الملك الصالح [٤٤ ب] إسماعيل عسكرا إلى عجلون فحاصروها، وكانت للملك الناصر داود وأقطعها - لما خرج من مصر - لسيف الدين بن قلج. ثم تقدم الملك الصالح إسماعيل بالافراج عن الأمير حسام الدين أبى على بن محمد بن أبى على الهذبانى. وكان كما قدمنا ذكره (٤) معتقلا في جب ببعلبك، مضيقا عليه فيه. وكان الجب مظلما لا يفرق فيه بين الليل والنهار. وكنا قد ذكرنا (٥) أنه لما قبض عليه الملك الصالح إسماعيل، عقب اعتقال مخدومه الملك الصالح نجم الدين بالكرك، حبسه بقلعة دمشق في حبس الخيالة وقيده.

стр. 1935

ولما وردت الأخبار بخروج الملك الصالح [نجم الدين أيوب (١)] من الاعتقال وتملكه الديار المصرية، نقله الملك الصالح [اسماعيل (٢)] إلى قلعة بعلبك، وجعله في ذلك الجب المظلم. وكان ينزل إليه في كل يوم بقليل خبز وبقل. وضيق عليه تضييقا عظيما. فحكى لى (٣) ﵀ قال: «كنت أحسب في نفسى أنه ربما أمنع الطعام والشراب لأموت، فكنت أدّخر من الخبز والبقل المرتب في كل يوم شيئا قليلا، وكذلك من الماء الذى ينزل إلىّ كنت أجمعه في جرة طلبتها، فاجتمع عندى من ذلك شىء كثير، ثم أنه طين على الجب، ومنعت من الطعام والشراب فارتفقت بذلك الذى جمعته مدة إلى أن فتح الجب، وأنزل الىّ ما كان يجرى علىّ أولا إلى أن فرج الله سبحانه عنى». ولما جرى ما ذكرناه، أخرج. ولما أخرج من الجب حمل إلى دمشق وترك في برج كان الملك المغيث معتقلا فيه. وأفرج عن الملك المغيث وأذن له في الركوب، فصار يركب ويعود إلى القلعة. ثم أذن للأمير حسام الدين في الانتقال من القلعة، وأن يتجهز للمسير إلى الديار المصرية. فخرج من البرج الذى كان فيه ومضى إلى مدرسة عز الدين أيبك المعظمى، التي على الشرق. وأطلق له ما كان أخذ منه وغلمانه، وكانوا قد احتيط عليهم في مدة اعتقاله. وخلع عليه، وأطلق له مال. وأفرج [٤٥ ا] عن جماعة من أصحاب الملك الصالح نجم الدين، كانوا في الاعتقال، منهم مجير الدين بن أبى زكرى.

стр. 1936

ثم توجه من جهة الملك المنصور صاحب حمص، القاضى عماد الدين ابن القطب الذى كان قاضيا في حماة، وقد ذكرناه، رسولا في تحليف الملك الصالح نجم الدين، وتقرير قواعد الصلح. وكان لما تقررت هذه القاعدة بين الملك الصالح نجم الدين وعمه، سيّر الملك الصالح نجم الدين ابن برغش إلى الملك الناصر صاحب حلب في معنى الصلح، فسير الملك الناصر الأمير ناصح الدين الفارسى رسولا إلى الملك الصالح أيضا لتحليفه وتقرير الصلح. وكان بمصر كما ذكرنا (١) جلال الدين الخلاطى، فتوجه عماد الدين رسول صاحب حمص، وناصح الدين رسول حلب ليتفق هذان مع جلال الدين على تحليف الملك الصالح كل منهم يحلّف لصاحبه. وسير مع هؤلاء الأمير حسام الدين ابن أبى على، وممن أطلق معه من المعتقلين من أصحاب الملك الصالح نجم الدين. وأخّر تسيير الملك المغيث إلى أبيه إلى أن يقع الأيمان من الملك الصالح نجم الدين. ثم يرد من جهته من يحلّف الملك الصالح إسماعيل، والملك المنصور صاحب حمص، والملك الناصر صاحب حلب. فخرج هؤلاء كلهم. وركب الملك الصالح إسماعيل ومعه الملك المغيث لوداعهم. ولما ودّعاهم رجع الملك الصالح إلى قلعة دمشق ومعه الملك المغيث، ومضى المذكورون إلى ديار مصر. فما وصلوا إلى مصر إلا وقد انقضت القاعدة وانفسخ الصلح، كما سنذكره.

стр. 1937

ذكر انتقاض الصلح بين السلطان الملك الصالح [نجم الدين ايوب] (١) وبين عمه الملك الصالح [عماد الدين إسماعيل (٢)] وصاحب حمص وكان سبب انتقاض الصلح بينهم على ما حكى لى جلال الدين الخلاطى (٣)، قال: «كنت بمصر رسولا من جهة مخدومى الملك الصالح عماد الدين، وقد [٤٥ ب] تقررت القواعد ولم يبق إلا الأيمان. فورد علىّ كتاب من مخدومى الملك الصالح وفى طيه كتاب من الملك الصالح نجم الدين إلى الخوارزمية، يحثهم على الحركة، ويذكر لهم أنه إنما أظهر الصلح مع عمه ليخلص ابنه الملك المغيث من يده، وأنه باق على عداوة عمه، ولا بد له من قصده وأخذ دمشق منه». قال جلال الدين: «فمضيت بهذا الكتاب إلى الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ، وأوقفته على هذا الكتاب، وما أبدى في جواب ذلك عذرا يسوغ قبوله (٤)». وردّ الملك الصالح إسماعيل الملك المغيث إلى الاعتقال، وأبطل الخطبة للملك الصالح نجم الدين. ورجع الأمر إلى ما كان عليه من الاختلاف. وبعث إلى العسكر الذين كانوا محاصرين لعجلون، فأمرهم بالرجوع إلى دمشق. وراسل الملك الناصر

стр. 1938

داود، واتفق معه على حرب الملك الصالح نجم الدين. وكذلك رجع الحلبيون وصاحب حمص عن الملك الصالح نجم الدين. وصارت كلمة الكل واحدة. ورجع ناصح الدين الفارسى رسول الملك الناصر صاحب حلب. واعتقل الملك الصالح نجم الدين جلال الدين الخلاطى. ومنع القاضى عماد الدين بن القطب عن الرجوع إلى صاحبه، فبقى في مصر إلى أن ولى قضاءها، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر اتفاق الملك الصالح صاحب دمشق والملك المنصور صاحب حمص والملك الناصر داود مع الفرنج وتسليم القدس وطبرية وعسقلان إليهم ولما اجتمعت كلمة هؤلاء على حرب الملك الصالح نجم الدين ومباينته، وعلموا مكاتبته إلى الخوارزمية، وأنهم لا بد وأن يطرقوا البلاد ويجتمعوا مع عساكر الديار المصرية على حربهم، وعلموا أنهم لا طاقة لهم به، صالحوا الفرنج واتفقوا معهم على تسليم البيت المقدس إليهم، على أن يكون الحرم بما فيه [٤٦ ا] من المزارات لهم، وعلى تسليم طبرية وعسقلان وكوكب إليهم، وأن يأذنوا لهم في عمارتها. فتسلم الفرنج ذلك كله وعمروا قلعتى طبريه وعسقلان وحصنوهما. وأخذ بيت الأسبتار كوكب وعزموا على عمارتها. ودخل الفرنج القدس، وتسلموا الصخرة المقدسة والأقصى وما في الحرم الشريف من المزارات (١). وضمنوا للفرنج - على ما اشتهر - أنهم إذا ملكوا الديار المصرية أن يكون لهم بها نصيب. وجمع الفرنج الفارس والراجل وحشدوا (٢).

стр. 1939

وبعث الملك الصالح [إسماعيل (١)] عسكرا إلى غزه، فنزلوا بها، وعزموا على قصد الديار المصرية. ومضى الملك المنصور بنفسه إلى عكا، واجتمع بالفرنج وقرر معهم أن يمضوا معه لحرب الملك الصالح، فأجابوه إلى ذلك. وسافرت (٢) في أواخر هذه السنة إلى الديار المصرية. ودخلت البيت المقدس، ورأيت الرهبان والقسوس على الصخرة المقدسة. وعليها قنانى الخمر برسم القربان. ودخلت الجامع الأقصى، وفيه جرس معلق. وأبطل بالحرم الشريف الأذان والإقامة، وأعلن فيه بالكفر. وقدم الملك الناصر داود القدس في ذلك اليوم الذى زرت فيه القدس، ونزل غربى القدس، فلم أجتمع به خيفة أن يصدنى عن الوصول إلى الديار المصرية. ووصلت إلى غزة فوجدت بها بعض عسكر الملك الصالح إسماعيل نازلين بها. ولما وصلت العباسة (٣)، وجدت بها بعض عسكر مصر. وكل من الفريقين على عزم قصد صاحبه. ووجدت دهليز السلطان الملك الصالح نجم الدين مضروبا

стр. 1940

على بركة الجب (١) والعساكر متحركة للخروج إلى الشام. وكان دخولى إلى القاهرة في المحرم من هذه السنة. واجتمعت بالأمير حسام الدين بن أبى على. وكان السلطان الملك الصالح قد أنزله في الدار المعروفة بدار الملك (٢) على شاطئ نيل مصر في مدينة مصر، وهى دار عظيمة من آدر خلفاء مصر ليكون قريبا منه، فإن السلطان كان نازلا في قصوره بقلعة الجزيرة، وهى القلعة التي أنشأها بالجزيرة (٣). وكان [٤٧ ا] عنده في أعظم المنازل، وأعطاه خبزا (٤) جليلا، فأحسن إلىّ وأنزلنى في داره التي بالقاهرة. وهى دار جليلة بدرب الديلم (٥)، وأدرنى إنعامه وإحسانه، ﵀ ورضى عنه.

стр. 1941

وفى هذه السنة ولّى الملك الصالح قضاء مصر وما معها من الوجه القبلى القاضى أفضل الدين الخونجى (١). وكان في هذا العزل نواب الشيخ عز الدين بن عبد السلام أبقاهم السلطان بعد عزله إلى أن ولى القاضى أفضل الدين. والقاهرة وما معها - كما ذكرنا (٢) - ولاية الحكم فيها للقاضى بدر الدين المعروف بقاضى سنجار، ومكانته عند السلطان مكينة، لما كان أسلفه في خدمته في الشرق.

стр. 1942

ودخلت سنة اثنتين وأربعين وستمائة (*) والعساكر متجهزة من الجانبين، والملك الصالح نجم الدين قد كاتب الخوارزمية يطلب منهم القدوم لنصرته وهو منتظر وصولهم ليلقى بهم عمه وابن عمه الملك الناصر وصاحب حمص، والملك الصالح إسماعيل قد جهز العساكر ليسيرها مع الملك المنصور ليلقى بهم عساكر مصر وقد اعتضدا بالفرنج، والملك الناصر داود بالقدس مع عسكره معاد لابن عمه الملك الصالح نجم الدين. ذكر وصول الخوارزمية إلى غزة واستنقاذهم القدس من الفرنج وما فعلوه في طريقهم ولما وردت كتب الملك الصالح نجم الدين إلى الخوارزمية، يحثهم على القدوم إلى البلاد المصرية لنصرته على عمه، ساروا من الشرق في أوائل هذه السنة وقطعوا الفرات. ومقدموهم حسام الدين بركة خان (١)، وخان بردى، وصارو خان (٢)، وكشلو خان وجمعهم يومئذ يزيد على عشرة آلاف فارس. وانضم إليهم جماعة من الأمراء القيمرية (٣)، منهم الأمير ناصر الدين، وضياء الدين، وجماعة كثيرة من أصحابهم وأتباعهم، فأجفل الناس بين أيديهم وما مروا بموضع إلا ونهبوه وعاثوا فيه (٤).

стр. 1943

ولما سمع ذلك الذين بغزة من عسكر الملك الصالح [٤٧ ا] إسماعيل فارقوها راجعين إلى دمشق. ورحل الملك الناصر داود إلى الكرك فاعتصم به، وهربت الفرنج الذين كانوا بالقدس بعد استيلائهم عليه. وهجمت الخوارزمية القدس، وبذلوا السيف فيمن كان فيه من النصارى. ولم يبقوا على أحد منهم، وسبوا ذراريهم ونساءهم. ودخلوا كنيستهم المعروفة بقمامة، فهدموا المقبرة التي تعتقد النصارى أنها مقبرة المسيح ﵇، ونبشوا قبور النصارى وقبور ملوك الفرنج التي بالقمامة، وأحرقوا عظام الموتى، ثم وصلوا إلى غزه فنزلوا بها. ووردت رسلهم إلى السلطان الملك الصالح يخبرونه بقدومهم لنصرته، ويطلبون منه تسبير العساكر اليهم ليحاربوا عمه الملك الصالح والملك المنصور صاحب حمص، ويأخذوا بلادهما له. فخلع الملك الصالح على رسلهم، وبعث الخلع والتحف للمقدمين منهم، واهتم في إنفاذ العساكر اليهم. ذكر كسرة الملك المنصور صاحب حمص وعسكر دمشق والكرك والفرنج على غزة ولما قدمت الخوارزمية إلى غزة بعث الملك الصالح عسكرا إلى غزة. وقدّم عليهم الأمير ركن الدين بيبرس، وكان من أجلّ مماليكه وأخصهم به. وهو الذى ذكرنا أنه (١) كان معتقلا معه بالكرك. ثم تقدم الملك الصالح إلى الأمير حسام الدين أبى على بن محمد بن أبى على الهذبانى في أن يمضى بطائفة أخرى من العسكر ليكون مركزا (٢) بنابلس. وكان حسام الدين لما وصل إلى الديار المصرية أقطعه الملك الصالح الخبز الذى كان بيد أسد الدين جغريل الكاملى، وهو أحد الأمراء

стр. 1944

الذين قبض عليهم الملك الصالح، وأنزله بدار الملك (١) بمصر، ليكون قريبا منه، ويصل إلى خدمته في أكثر الأوقات لمنادمته ومجالسته والاستضاءة برأيه. وتجهزت عساكر الملك الصالح من دمشق، وتقدم عليها الملك المنصور ابراهيم صاحب [٤٧ ب] حمص، فإنه كانت له حروب مع الخوارزمية في الشرق كما ذكرنا (٢)، وانتصر عليهم مرتين، وكان شهما مقداما. فرجا الملك الصالح إسماعيل أنه على يده يكون كسر الخوارزمية في هذه المرة ومن معهم من العساكر المصرية. فرحل الملك المنصور بعسكره وعسكر دمشق. وقد ذكرنا دخوله إلى عكا واجتماعه بالفرنج (٣) وطلبه المساعدة والمعاضدة وأن يحاربوا معه عسكر مصر. ووعدهم، على ما قيل والله أعلم، أن يكون لهم جزء من الديار المصرية. فوافقوا على ذلك. واستعدوا وحشدوا وخرجوا معهم بالفارس والراجل. ثم بعث إلى الملك الناصر داود ليحضر معهم، ولم يحضر بنفسه، وبعث عسكرا (٤). واجتمع هؤلاء كلهم، وقصدوا الخوارزمية ومن معهم من عسكر مصر. ووقع المصاف بين الفريقين بظاهر غزة، فكسر الملك المنصور ومن معه كسرة عظيمة. وأخذت الفرنج سيوف المسلمين فأفنوهم قتلا وسبيا، ولم يفلت

стр. 1945

منهم إلا الشارد (١) النادر، وأسر من عسكر دمشق وعسكر الكرك جماعة مقدمون وغيرهم، ونهبت جميع أثقال الدمشقيين. وحكى عن الملك المنصور أنه قال (٢): «والله لقد حضرت الحرب ذلك اليوم، وأوقع الله تعالى في قلبى إنا لا ننتصر لا نتصارنا بالكفار على المسلمين». ومضى الملك المنصور ومن بقى معه من عسكره وعسكر دمشق في أسوأ حال. ودخل دمشق وهو لا يصدق بالنجاة. وانتصرت العساكر المصرية نصرة عظيمة. ووردت البشائر بذلك إلى مصر، فزين البلدان القاهرة ومصر، والقلعتان قلعة الجبل، وقلعة الجزيرة - وكان بناؤها قد تم - زينة لم يزين قبل ذلك مثلها. وضربت البشائر أياما متوالية. ووصل الخبر إلى الأمير حسام الدين بن أبى على بهذه الكسرة، وهو في الرمل، فأسرع السير ووصل بمن معه إلى غزة وقد انفصل أمر الوقعة. ووصل إلى مصر أسارى الفرنج راكبين الجمال والمقدمون منهم على خيولهم، ومعهم جماعة من الأمراء [٤٨ ا] والأعيان من المسلمين الذين كانوا معهم أسارى، منهم جماعة من أصحاب الملك الناصر داود وجماعة من عسكر دمشق. وكان يوم دخولهم القاهرة يوما مشهودا.

стр. 1946

ذكر منازلة عسقلان والفرنج الذين بها كنا ذكرنا (١) أن طبرية وعسقلان سلمتا إلى الفرنج، وأنهم بنوا قلعتهما وحصنوهما. ولما وقعت هذه الواقعة أرسل السلطان الملك الصالح نجم الدين إلى الأمير ركن الدين بيبرس، والأمير حسام الدين بن أبى على يأمرهما بمنازلة عسقلان وانتزاعها من يد الفرنج، فتقدم ركن الدين وحسام الدين بمن معهما من عسكر مصر إلى عسقلان ونازلوها وضايقوها. وتابعوا الزحف عليها، فأصابت حسام الدين جراحة عليها. وواتروا الرمى إليها بالجروخ والزنبورك (٢)، فامتنعت عليهم لحصانتها. ثم ورد أمر السلطان إلى حسام الدين بالمضى إلى نابلس والمقام بها (٣)، فسار إليها وأقام بها. وحصل نواب السلطان الملك الصالح بغزة والسواحل وبيت المقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار، ولم يبق بيد الملك الناصر إلا الكرك والبلقاء والصلت وعجلون، وهى بيد سيف الدين بن قليج.

стр. 1947

ذكر خروج الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ في العساكر المصرية إلى الشام ومنازلته دمشق ثم تقدم السلطان الملك الصالح إلى وزيره الصاحب معين الدين أبى محمد الحسن بن شيخ الشيوخ صدر الدين بن حمويه بالتقدم على العساكر المصرية والمسير بهم إلى الشام. وبعث معه الدهليز السلطانى، وحكّمه في الجيوش، وأقامه مقام نفسه (١)، وأنفذ أمره في الخزائن والأموال والبلاد، فرحل الصاحب معين الدين في عساكر مصر من القاهرة، ووصل إلى غزة وانضافت إليه الخوارزمية ومن بغزة من العساكر المصرية. ورحل إلى بيسان، فنزل بها وأقام بها مدة يرتب الأمور. ثم رحل إلى دمشق [ص ٤٨ ب] فنازلها، وبها الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، والملك المنصور ابراهيم صاحب حمص وخرجت هذه السنة وهو منازل لها. وسير الملك الصالح إسماعيل وزيره أمين الدولة إلى بغداد مستشفعا بالخليفة المستعصم بالله (٢)، ومتوسلا إليه ليصلح بينه وبين ابن أخيه السلطان الملك الصالح. ثم رجع من بغداد ولم يتحصل من رسالته على طائل. وكان القاضى رفيع الدين قاضى دمشق قد فسد ما بينه وبين أمين الدولة في سنة إحدى وأربعين. وكان أمين الدولة يشتغل عليه بعلم الطب وغيره. وهو الذى قدّم رفيع الدين وولاه قضاء دمشق. وكان رفيع الدين قد سار في القضاء سيرة

стр. 1948

ردية جدا، وتقرب إلى الملك الصالح [اسماعيل (١)] ووزيره أمين الدولة بظلم الرعية والحكم بالجور. فكفاه الله تعالى وعاقبه على سوء فعله. فاتفق أنه رفع إلى الملك الصالح [اسماعيل (٢)] مطالعة يسعى فيها عنده على أمين الدولة. فأوقف الملك الصالح أمين الدولة على مطالعته، فأنهى أمين الدولة إلى الملك الصالح ما يعتمده الرفيع (٣) من الظلم والعسف والجور في الأحكام، وأشياء أخر قبيحة يعتمدها في نفسه، فعزله الملك الصالح عن القضاء واعتقله. ثم لم يزل أمين الدولة يسعى في هلاكه حتى أمر بأن يحمل إلى بعض النواحى، فرمى به من شاهق، فهلك. وهذه عاقبة الظلم والجور. ثم عوقب أمين الدولة بما نذكره في حوادث سنة ثمان وأربعين وستمائة. ذكر وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماه ﵀ (٤) وفى هذه السنة - توفى الملك المظفر تقى الدين محمود بن الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهان شاه بن أيوب صاحب حماة، وذلك يوم السبت لثمان مضين من جمادى الأولى من هذه السنة، أعنى سنة اثنتين وأربعين وستمائة. وكان مدة ملكه [٤٩ ا] خمس عشرة سنة وسبعة أشهر وعشرة أيام،

стр. 1949

وكان من هذه المدة مريضا بالفالج نحو سنتين وتسعة أشهر وأياما. ولم يكن موته بالفالج وإنما عرضت له حمى حادة أياما، فكانت وفاته بها. وكان عمره نحو ثلاث وأربعين سنة، لأن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائه. ولم يخلف من الذكور غير مولانا السلطان الملك المنصور، قدس الله روحه، وأخيه الملك الأفضل نور الدين أبى الحسن على. ذكر سيرته ﵀ كان ﵀ شهما شجاعا إلى الغاية القصوى، لم أعرف من أهل بيته من كان أفرس منه وأشجع. وكان قويا أيّدا (١)، يحمل لقا (٢) من الحديد ويضعه على كتفه وقت ركوبه، لا يقدر غيره على حمله لثقله. وحضر حروبا كثيرة أبان فيها عن شجاعته وفروسيته. وكان فطنا ذكيا لوذعيا سريع الإدراك، قوى الفراسة. وكان مع هيبته المفرطة حسن المجاورة طيّب المفاكهة، جميل العشرة لأصحابه وخواصه. وكان له ميل إلى من عنده فضل ومعرفة. ورد إليه الشيخ علم الدين قيصر بن أبى القاسم المهندس الفاضل في العلوم الرياضية (٣)، فأحسن إليه وقربه وولاه تدريس المدرسة الحنفية النورية بحماة (٤). وبنى له أبراجا لسور حماه في غاية الحسن، وطاحونا في الجانب الأسفل وعليها برج عظيم حفظ به تلك الناحية.

стр. 1950

وكان يقترح عليه أمورا علمية وآلات رياضية، فعمل له كرة من الخشب رسم فيها جميع الكواكب المرصودة في السماء، وعملت هذه الكرة بالقلعة، وكنت أساعد (١) الشيخ علم الدين على تحريرها. وكان السلطان الملك المظفر ﵀ يحضرنا ونحن نرسمها، ويسألنا عن المواضع الدقيقة فيها، فنخبره، فيدرك ما نقول لصحة إدراكه وقوة ذهنه. وحصل لى منه ﵀ حظ كثير، واعتناء عظيم، وذلك قبيل موته بسنة أو نحوها. وكان كل وقت يسأل الشيخ [٤٩ ب] علم الدين: «أي شىء وصلت إليه من كتاب المجسطى (٢) والعلوم الرياضية؟». وإذا حضرت معه باسطنى وتحدث معى كثيرا، وسألنى عن الذى حققته من هذه الفنون، وهو منشرح لذلك مسرور به، وكنت مؤملا بلوغ الآمال كلها منه. ولما عرض له ما عرض من ذلك المرض، حصل عندى من الألم ما لا مزيد عليه. ففارقت حماه وانتقلت إلى الديار المصرية. وكان ﵀ ناقص الحظ، لم يزل مع جيرانه في حروب دائمة وعناء متصل إلى أن عرض من المرض له ما عرض. وكان يرجو ظهور الملك الصالح وقوته لينتقم به من أعدائه، فحين ظهر أمر الملك الصالح عرض له من المرض ما عرض، وأعقب ذلك موته.

стр. 1951

ذكر استيلاء مولانا السلطان المنصور ناصر الدين أبى المعالى محمد بن الملك المظفر على مملكة والده - قدس الله روحه - وخلد ملك ولده مولانا ومالك رقنا السلطان الملك المظفر تقى الدين بالخلف الصالح عن آبائه الأكرمين ولما توفى الملك المظفر ﵀ تقلد الملك بعده ولده السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد، وعمره يومئذ عشر سنين وشهر واحد وثلاثة عشر يوما. وقام بتدبير ملكه الأمير سيف الدين طغريل أستاذ دار والده، والمشير في الدولة شرف الدين عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن الأنصارى (١)، والطواشى شجاع الدين مرشد المنصورى، والوزير بهاء الدين بن تاج الدين. والجميع يرجعون إلى ما تأمر به الصاحبة غازية خاتون بنت السلطان الملك الكامل، والدة السلطان الملك المنصور - قدس الله روحها. وورد الخبر بموت الملك المظفر، إلى الديار المصرية فحزن لموته السلطان الملك الصالح، وجلس له في العزاء. ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازى والملك المغيث بن السلطان الملك الصالح وورد الخبر بوفاة الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك العادل صاحب ميافارقين، ﵀. وجلس له في العزاء بالقاهرة بالجامع الأزهر. وولى الملك

стр. 1952

بميافارقين الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك المظفر شهاب الدين. ولم يزل مالكا لها إلى أن ملكها التتر بعد أن طال حصارهم لها. وصبر صبرا عظيما، وجاهد في الله جهادا لم يجاهد أحد من الملوك مثله ﵀، ثم ملكها التتر وقتلوه شهيدا، ﵀ ورضى عنه (١). وورد الخبر على السلطان الملك الصالح بموت ولده الملك المغيث فتح الدين عمر بقلعة دمشق وهو معتقل في برج من أبراجها، فاشتد جزع الملك الصالح عليه، وحنق على عمه الملك الصالح حنقا شديدا واتهمه بقتله، وجد في حربه (٢). ولما توفى الملك المظفر صاحب حماه، سير القاضى شهاب الدين ابراهيم ابن عبد الله بن عبد المنعم بن أبى الدم قاضى حماه (٣) إلى بغداد رسولا إلى الخليفة المستعصم بالله مخبرا بوفاة الملك المظفر، ومعه زرديته وسيفه ولامة حربه. فلما وصل إلى المعرة مرض بالدوسنطار يا فعاد إلى حماه، فمات بها يوم وصوله إليها.

стр. 1953

فولى قضاء حماه بعده محيى الدين أبو يعلى حمزه بن محمد بن القاضى أمين الدين أبى القاسم. وأرسل إلى بغداد الشيخ تاج الدين أحمد بن محمد بن نصير الله. ثم سير من حماه الخطيب زين الدين أبو البركات عبد الرحمن بن موهوب إلى مصر رسولا إلى السلطان الملك الصالح ومعه سيف الملك المظفر، وتقدمة للملك الصالح، وذلك لتسع مضين من شوال من هذه السنة. فتوجه في البرية شرقى دمشق وذلك قبل نزول الصاحب معين الدين بن الشيخ، والعساكر المصرية عليها. واجتمع بالصاحب معين الدين وهو نازل بالعساكر الصالحية على بيسان. ولما وصل الخطيب زين الدين إلى القاهرة أكرمه الملك الصالح، وقبل ما وصل معه من التقدمة، ووعد ابن أخيه السلطان الملك المنصور أعز الله نصره بكل جميل. وكانت المعرة بيد الحلبيين، وسلميه بيد الملك المنصور صاحب حمص، وليس مضافا إلى حماه إلا بعرين فقط.

стр. 1954

ودخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة (*) والسلطان الملك الصالح نجم الدين بالديار المصرية، وعساكره مع الصاحب معين الدين بن شيخ الشيوخ، وقد استولوا على أعمال الملك الناصر داود، ولم يبق بيده غير الكرك وأعمالها والصلت وعجلون، والملك الصالح عماد الدين محصور بدمشق ومعه الملك المنصور صاحب حمص. ذكر استيلاء السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق وهو استيلاؤه الثانى عليها ولما نازل الصاحب معين الدين دمشق وضايقها (١)، لم يكن للملك الصالح إسماعيل والملك المنصور إلا طلب الأمان وتسليم دمشق إلى الملك الصالح نجم الدين لأنهما علما أنه لا طاقة لهما بعساكر مصر لكثرتها، وقلة من عندهم من العسكر، مع فناء ما بقلعة دمشق من الذخائر. وتخلى عنهم الحلبيون، وليس معهم مدد، فراسلوا الصاحب معين الدين، فتسلم الملك، ورحل الملك الصالح [إسماعيل] (٢) إلى بعلبك، ورحل الملك المنصور إلى حمص. ودخل الصاحب معين الدين البلد وتسلمه.

стр. 1955

وجاء كتاب السلطان الملك الصالح [نجم الدين أيوب (١)] إليه بأن لا يؤمن عمه الملك الصالح [إسماعيل (٢)] ويقبض عليه ويرسله إليه، ففات الأمر فيه. ووقع الإنكار من الملك الصالح نجم الدين على معين الدين في تنفس خناق عمه وتمكينه من ذهابه سالما بحشاشة (٣) نفسه، فإنه كان لا يرى إلا إعدامه حنقا عليه بسبب إتهامه بقتل ولده، ولما بدا منه في حقه. وأقام معين الدين نائبا بدمشق عن الملك [٥١ ا] الصالح. وورد على حسام الدين بن أبى على وهو بنابلس كتاب من الملك الصالح [نجم الدين أيوب (٤)] يأمره بالتوجه إلى دمشق متوليا لها، فمضى إلى دمشق فدخلها وأقام بها. ومرض الصاحب معين الدين بدمشق، وتوفى بها بعد دخول حسام الدين بأيام. وقرر الملك الصالح بقلعة دمشق الطواشى شهاب (٥) الدين رشيد الكبير. ذكر خروج الخوارزمية عن طاعة السلطان الملك الصالح نجم الدين كانت الخوارزمية لما كسروا مع عسكر مصر صاحب حمص ومن معه من العسكر الشامى والفرنج، وانتصر بهم الملك الصالح على أعدائه، صار لهم عليه بذلك إذلال كثير، سيما وقد تقدم لهم كسرهم لبدر الدين (٦) صاحب الموصل لما نازل

стр. 1956

الملك الصالح وهو محصور بسنجار، فاعتقدوا أنهم لما فعلوا ما فعلوا معه في هاتين المرتين أنهم قد استحقوا أن يقاسمهم البلاد، ويمكنهم من الاستيلاء على أكثرها، وأنه يكون لهم أخباز عظيمة بالديار المصرية. فلما لم يحصلوا منه على ذلك ولم يمكنهم من الوصول إليه إلى مصر، وخرج معين الدين في عساكر مصر، وتحكم في البلاد، ولم يعطهم منها شيئا، نفرت نياتهم وفسدت، واتفقت كلمتهم على الخروج عليه. وكان بغزة الأمير ركن الدين بيبرس الصالحى وهو أكبر أمرائه، وهو الذى كان معتقلا معه بالكرك، ومعه بغزة عسكر، فكاتبته الخوارزمية في أن يتفقوا معه، ويكون هم وهويدا واحدة، ويزوجوه إمرأة منهم. فأصغى إليهم فيما قيل، وعزم على الخروج عن الطاعة. واستمالوا الملك الناصر داود بن الملك المعظم إليهم فمال اليهم، واتفق معهم، ونزل اليهم واجتمع بهم وتزوج منهم، إلا انه رجع إلى الكرك ولم يقم معهم. وكان الأمير حسام الدين أبو على بن محمد بن أبى على بدمشق واليا بها، من قبل الملك الصالح، كما قدمنا ذكره فبقى هو بها، والطواشى شهاب [٥١ ب] الدين رشيد الكبير في القلعة واليا الحل والعقد بها، ويجتمعان كل يوم ويتفقان على مصالح الدولة. ولما جرى ما ذكرنا من اتفاق الملك الناصر [داود صاحب الكرك (١)] مع الخوارزمية، بعث الملك الناصر ولاته إلى نابلس والقدس والخليل وبيت جبريل والأغوار، واستولى على ذلك كله.

стр. 1957

وكنا ذكرنا أن الملك الصالح عماد الدين كان ذهب إلى بعلبك لما سلّم دمشق إلى معين الدين بن الشيخ. فلما جرى من الخوارزمية ما ذكرناه، راسلوا الملك الصالح إسماعيل وحلفوا له، فقدم إليهم وصاروا معه، واتفقت كلمة الجميع على محاربة السلطان الملك الصالح نجم الدين. ذكر وصول التقليد والتشريف من الخليفة المستعصم بالله إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب ولما بلغ السلطان الملك الصالح خروج الخوارزمية عن طاعته، وما نقل عن ركن الدين بيبرس من ميله إليهم، استدعاه وكان بغزة، فقدم عليه فاعتقله بقلعة الجبل، وكان آخر العهد. وخرج السلطان الملك الصالح ﵀ من القاهرة في العساكر، فخيم بالعباسة وأقام بها. وكان قد أرسل إلى الديوان العزيز القاضى عز الدين ابن عبد العزيز بن القاضى نجم الدين أبى البركات عبد الرحمن بن أبى عصرون يلتمس التقليد بالديار المصرية والشام والشرق، والتشريف الأمامى. ولما وصل إلى بغداد سيّر معه رسول كبير من الديوان وعلى يده التشريف والطوق والمركوب (١).

стр. 1958

ولما وصلا إلى بيت المقدس توفى القاضى عز الدين ﵀ ودفن بالقدس. وقدم الرسول بما معه إلى السلطان الملك الصالح نجم الدين وهو مخيم بالعباسة. وكان السلطان قد أفرج عن الأمير فخر الدين بن شيخ الشيوخ فحضر إلى العسكر، وقد كان مأمورا بلزوم منزله كما (١) ذكرناه، فخلع عليه وأمّره وقدّمه وأحسن إليه إحسانا كثيرا، ولم يبق من أولاد شيخ الشيوخ غيره. وقدم الرسول [٥٢ ا] ومعه دواة الصاحب معين الدين وخلعه، فأعطاه الملك الصالح لأخيه فخر الدين. وحضر الرسول في الدهليز السلطانى، وكنت (٢) يومئذ حاضرا فقرئ التقليد على الناس. ثم لبس السلطان التشريف الأسود المذهب، والعمامة، والجبة، والطوق الذهب. وركب المركوب الذى قدم له بالحلية الذهب، وكان يوما مشهودا. ذكر منازلة الخوارزمية والملك الصالح عماد الدين اسماعيل دمشق ومضايقتها ولما اتفقت الخوارزمية والملك الصالح عماد الدين، نازلوا دمشق، وبقلعة دمشق شهاب الدين رشيد، وبالمدينة الأمير حسام الدين أبو على بن محمد بن أبى على، وليس فيها من العسكر طائل. فقام حسام الدين في حفظها أحسن قيام، وضبط أبوابها وأسوارها بالرجالة والمقاتله، وباشرها بنفسه ليلا ونهارا. وضايقها الخوارزمية وقطعوا عنها المواد. واشتد بها الغلاء اشتدادا لم يعهد في الأعمار مثله،

стр. 1959

حتى أنه بلغ سعر الغرارة من القمح (١) ألف درهم وستمائة درهم (٢). وهذا سعر لم يسمع بنظيره في عصر من الأعصار، في بلد من البلاد. وهلك عالم من أهل دمشق بالجوع والوباء. ومن أعجب ما سمعت أن إنسانا كانت له دار تساوى عشرة آلاف درهم، عرضها للبيع فلم تزد على ألف وخمسمائة درهم، فاشترى بها غرارة واحدة من القمح، [فقامت عليه غرارة واحدة من القمح (٣)] بعشرة آلاف درهم (٤). ومات شخص (٥) في الحبس فأكل لحمه أهل الحبس. وكان يباع حب الخرنوب بالميزان ويشترى [به] (٦)، ويتقوت به. [أخبرنى بهذا كله الأمير حسام الدين بن أبى على ﵀] (٧). ولما جرى ما ذكرنا (٨) اتفق الحلبيون والملك المنصور [إبراهيم (٩)] صاحب حمص مع السلطان الملك الصالح نجم الدين [أيوب (١٠)] على حرب الخوارزمية وطردهم من

стр. 1960

البلاد، فخرجت العساكر من حلب، وتقدم عليها الملك المنصور صاحب حمص، واستعد للقاء الخوارزمية. ولما سمعت الخوارزمية باستعداد (١) الملك [٥٢ ب] المنصور وعسكر حلب للقائهم، رحلوا عن دمشق طالبين لقاءهم، وانفرج الخناق (٢) عن دمشق، وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى في حوادث السنة الآتية. وفى هذه السنة تسلم نواب مولانا السلطان الملك المنصور صاحب حماه سلمية، سلمها إليهم السلطان الملك الصالح نجم الدين [أيوب (٣)] وذلك لما فتحت دمشق. وكانت [سلمية (٤)] بيد الملك المنصور صاحب حمص. ولم يبق خارجا عن مملكة جده الملك المنصور إلا المعرة (٥). ذكر قصد التتر بغداد ورجوعهم [عنها] (٦) خائبين وفى هذه السنة أو التي قبلها، قصدت طائفة من التتر بغداد ونهبوا ما في طريقهم اليها، ووصلوا إلى سوق الخيل ظاهر بغداد، واستعدت عساكر الخليفة (٧) المستعصم بالله للقائهم. ولما جن التتر الليل (٨)، وعلموا أنه (٩) لا طاقة لهم بمن في بغداد من العسكر، أوقدوا نيرانا كثيرة لئلا (١٠) يشعر برجوعهم، ثم رحلوا تحت الليل. ولما طلع الصباح

стр. 1961

لم يوجد منهم أحد فتبعتهم عساكر بغداد يقتلون من تخلف منهم، وينهبون. وعادوا إلى بغداد. ولما وصل الخبر بذلك إلى الشام، كتب الملك الناصر داود بن الملك المعظم ﵀ إلى الخليفة [الإمام (١)] المستعصم بالله يهنيه بهذا الفتح. [ونظم قصيدة في التهنئة وهى (٢)]: - كذا فليقم (٣) لله من قام بالأمر ... وجاهد فيه بالردينية (٤) السمر تهن أمير المؤمنين بنصرة ... أتتك من الله القدير على قدر (٥) أهنت جزيل (٦) المال في جلب نصرة ... فأعطاك بالتهوين عزا على الدهر وجدت بنفس لا يجاد بمثلها ... فجوزيت بالنصر المعجل والأجر (٧) لقيت ملوك الترك إذ جاء جمعها ... تجالد دين الله بالكبر والكفر فللت ملوكا ما تسنى لهمة ... ملوكية قصدا لعسكرها المجر (٨)

стр. 1962

وقاتلتهم إذ قاتلوك بعزمة ... كعزم رسول الله في عدوتى (١) بدر وصلت عليهم صولة هاشمية ... أذاقتهم كأسا أمّر من الصبر تركتهم صرعى وأشلاء صيدهم ... توزع بين النون والسيد والنسر (٢) وحق لمن قد قام في نصر دينه ... بصدق يقين أن يؤيد بالنصر رآك ولىّ الأمر كفؤا فزفها ... اليك تهادى حين أغليت في المهر فجاءتك بكرا وانثنت وهى ثيب ... فأحسن بها في الدهر من ثيب بكر فياوقعة أهدت إلى الناس كلهم ... أمانا أعاد اليسر في موضع العسر هنيئا لمن أصلى لواقح حزها ... ليأمن يوم العرض من لهب الحر فياليتنى لو كنت بين صفوفها ... لينبىء في الهيجاء عن خبرى خبرى أصول وخير الناس ينظر جرأتى ... على الصف في الأقدام والكر والفر لألقى بنحرى المشرفية (٣) دونه ... وأحطم صدر السمهرية (٤) في الصدر

стр. 1963

أروح بمحمر الدماء مضرجا (١) ... لأغدو في الفردوس في حلل خضر (٢) وإن يك في العمر المنغص بقية ... أرد متون البيض في قرب حمر رفعت إلى الباب الكريم قصيدة ... تنوب مناب العبد في الحمد والشكر زهت فهى سلك العقد تم بهاؤه ... بما نظمت يمناك من فاخر الدر مدحتك أرجو أن أفوز برتبة ... يزان بها شعرى ويعلو بها (٣) قدرى وإلا فمن جاء الكتاب بمدحه ... لفى غنية منه (٤) عن المدح بالشعر وفى (٥) هذه السنة، توجه من حماه الشيخ تاج الدين أحمد بن محمد بن نصر الله رسولا إلى السلطان الملك الناصر صاحب حلب، ليعقد العقد للسلطان الملك المنصور - قدس الله روحه - على ابنة خالته الصاحبة عصمة الدين عائشة خاتون ابنة الملك العزيز صاحب حلب، ﵀. فقدم إلى حلب وعقد العقد بقلعة حلب على صداق خمسين ألف دينار. وأوجب العقد من جهة الملك الناصر القاضى كمال الدين بن زين الدين بن الأستاذ ﵀ قاضى حلب. وقبل العقد من جهة الملك المنصور الشيخ تاج الدين ﵀.

стр. 1964

ودخلت سنة أربع وأربعين وستمائة (*) والسلطان الملك الصالح [٥٣ ب] نجم الدين [أيوب (١)] مخيم على العباسة بالعساكر المصرية، وقد اتفق الملك المنصور [إبراهيم (٢)] صاحب حمص وعسكر الملك الناصر صاحب حلب على لقاء الخوارزمية ودفعهم عن البلاد. وقدمت (٣) عساكر حلب إلى حمص، واجتمعوا بالملك المنصور (٤). وقد أفرجت الخوارزمية عن دمشق لما علموا ذلك، ومعهم الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وتقدموا إلى جهة الملك المنصور ومن معه من العساكر (٥). ذكر كسرة الخوارزمية وتبدد شملهم ومقتل حسام الدين بركة خان مقدمهم (٦) وفى أول هذه السنة وقع المصاف (٧) بين الملك المنصور صاحب حمص وعسكر

стр. 1965

حلب، [وبين الخوارزمية (١)] على القصب (٢) وهى منزلة قبلى حمص على مرحلة منها، فانهزمت الخوارزمية هزيمة قبيحة تبدد بها شملهم (٣)، وانقطع دابرهم، فلم تقم لهم بعدها قائمة. وقتل مقدمهم حسام الدين بركة خان، قتله مملوك من مماليك الأمير سعد الدين بن الدريوش أحد أمراء حلب [الكبار (٤)]. وكفى الله الناس شرهم، فإن البلاد كانت منهم في بلاء عظيم من النهب والسبى وسفك الدماء، وانتهاك الحرمات. ومضت جماعة منهم إلى التتر، واتصلوا بهم وخدموهم، منهم (٥) كشلو خان [وغيره (٦)]، وجماعة خدموا بمصر، وجماعة خدموا بالشام. وحمل رأس [حسام الدين (٧)] بركة خان إلى حلب فنصب (٨) بباب قلعتها. ووردت البشائر بذلك إلى الديار المصرية، فزينت المدينتان القاهرة ومصر، والقلعتان قلعة الجبل وقلعة الجزيرة. وصلح ما بين الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص، والسلطان الملك الصالح (٩)، وحصل بينهما التصافى والتواد (١٠). وكذلك
следующие страницы →