← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وما حملتم (١) قرى الأضياف من سعة ال ... أطباق إلا على الأكتاف والعجل وما خصصتم ببرّ أهل ملّتكم (٢) ... حتى عممتم به الأقصى من الملل كانت رواتبكم للوافدين، (٣) وللضي ... ـف المقيم، وللطارى من الرسل ثم الطّراز بتنّيس الذى عظمت (٤) ... منه الصلات لأهل الأرض والدّول وللجوامع من أحباسكم (٥) نعم ... لمن تصدّر في علم وفى عمل وربّما عادت الدنيا، فمعقلها (٦) ... منكم، وأضحت بكم محلولة العقل والله لا فاز يوم الحشر مبغضكم، ... ولا نجا من عذاب النّار غير ولى ولا سقى الماء من حرّ ومن ظما ... من كفّ خير البرايا خاتم الرّسل [ولا رأى جنّة الله التي خلقت ... من خان عهد الإمام العاضد بن على (٧)] أئمّتى، وهداتى، والذخيرة لى، ... إذا ارتهنت بما قدّمت من عمل تالله لم أوفهم (٨) في المدح حقّهم ... لأنّ فضلهم كالوابل الهطل ولو تضاعفت الأقوال واستبقت ... ما كنت فيهم بحمد الله بالخجل (٩) باب النّجاة فهم، دنيا وآخرة ... وحبّهم فهو أصل الدّين والعمل

стр. 247

نور الهدى، ومصابيح الدّجى ومح ... لّ الغيث إن ونت الأنواء في المحل أئمّة خلقوا نورا، فنورهم ... من نور خالص نور الله لم يغل والله لا زلت عن حبّى لهم أبدا ... ما أخّر الله لى في مدّة الأجل [عمارة قالها المسكين وهو على ... خوف من القتل، لا خوف من الزلل (١)] ولما وردت البشائر على الملك العادل نور الدين ﵀ بالخطبة بمصر للإمام المستضىء بنور الله أمير المؤمنين سرّ بذلك، وكتب إلى سائر الأطراف بالبشارة، وندب القاضى شهاب الدين أبا المعالى المطهّر بن الشيخ شرف الدين ابن أبى عصرون بهذه البشارة إلى الديوان العزيز؛ وأمر كاتبه عماد الدين الأصفهانى بإنشاء بشارة تقرأ في سائر البلاد الإسلامية، وبشارة أخرى خاصة [١٣١] تقرأ بحضرة الإمام في مدينة السلام. ونظم عماد الدين قصيدة مشتملة على ذكر الخطبة للدولة العباسية، ويمدح فيها الإمام المستضىء بنور الله: قد خطبنا للمستضىء بمصر ... نائب المصطفى إمام العصر وخذلنا لنصرة العضد الع ... اضد (٢) والقاصر الذى بالقصر واتبعنا بها شعار بنى العبّ ... اس، فاستبشرت وجوه النّصر وتركنا الدعىّ يدعو (٣) ثبورا ... وهو بالذلّ تحت حجر وحصر (٤) وتباهت منابر الدين بالخطـ ... ـبة للهاشمىّ في أرض مصر

стр. 248

ولدينا تضاعفت نعم الل ... ـه، وجلّت عن كلّ عدّ وحصر واغتدى الدين ثابت الرّكن في مص ... ـر محوط الحمى، مصون الثّغر واستنارت عزائم الملك العا ... دل نور الدين الكريم الأغرّ فبنو الأصفر القوامص (١) منه ... في وجوه - من المخافة - صفر عرف الحقّ أهل مصر، وكانوا ... قبله بين منكر ومقرّ هو فتح بكر، ودون البرايا ... خصّنا الله بافتتاح البكر وحصلنا بالحمد والأجر والنّصـ ... ـر وطيب الثّنا وحسن الذّكر ونشرنا أعلامنا السّود، قهرا ... للعدى الزّرق، بالمنايا الحمر واستعدنا من أدعياء حقوقا ... تدّعى بينهم لزيد وعمرو والذى يدّعى الإمامة بالقا ... هرة انحطّ في حضيض القهر خانه الدّهر في مناه، ولا يطـ ... ـمع ذو اللّب في وفاء الدهر ما يقام الإمام إلا بحقّ ... ما تحاز (٢) الحسناء إلا بمهر خلفاء الهدى، سراة بنى العبّ ... اس، والطّيّبون أهل الطّهر بهم الدين ظافر مستقيم ... ظاهر قوّة، قوىّ الظّهر [١٣٢] كشموس الضحى، كمثل بدور ال ... ـتّمّ، كالسّحب، كالنّجوم الزّهر قد بلغنا بالصّبر كلّ مراد، ... وبلوغ المراد عقبى الصّبر ليس مثرى الرجال من يملك الما ... ل، ولكنّما أخو اللّبّ مثرى

стр. 249

ولهذا لم ينتفع صاحب القص ... ر وقد شارف الدثور بدثر دام نصر الهدى بملك بنى العبّ ... اس حتى يقوم يوم الحشر ولما وصلت البشارة إلى الديوان العزيز النبوى قوبلت بالإكرام والإعظام والإنعام التام؛ وكان وصول البشارة بذلك يوم السبت لثمان بقين من المحرم من هذه السنة - أعنى سنة سبع وستين وخمسمائة -، فجلس الوزير عضد الدولة ابن رئيس الرؤساء في الديوان، واستحضر أرباب المناصب والدولة والخواص والأمراء وأشار إلى كاتب الإنشاء أبى الفرج ابن الأنبارى (١)، بقراءة مكتوب الملك العادل نور الدين، ثم ثنّى بمكتوب برز بخط الخليفة المستضىء بنور الله، يتضمن الشكر لله على ما أباحه من عودة الحق إلى مستقره. وكان مبدأ انقطاع الخطبة العباسية بها سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، وعادت الخطبة العباسية بها سنة سبع وستين وخمسمائة، فكان مدة انقطاع الخطبة العباسية بمصر نحو من مائتى سنة وتسع (٢) سنين. ووصل إلى الشام جواب البشارة مع عماد الدين صندل (٣) المقتفوى، وهو إذ ذاك أستاذ الدار العزيزة، ولم يرد من بغداد رسول مثله في جلالته وعظمة قدره؛ وورد صحبته التشريف الشريف لنور الدين مكملا بالأهبة (٤) السود والحلل الموشية، والطوق الذهب الثقيل، واللواء (٥) الجليل؛ وحضر الرسول عند نور الدين، وحضر أكابر الدولة والخواص، وكان يوما مشهودا؛ وقرأ موفق الدين خالد

стр. 250

ابن محمد بن صغير القيسرانى (١) كتاب الديوان، ثم لبس نور الدين الفرجيّة (٢)، وتقلد بالسيفين (٣)، ووضع في عنقه الطوق (٤)، وخرج راكبا من داخل القلعة واللواء الأسود منشور على رأسه، وقدّم له مركوبان، أحدهما ركبه، والآخر كان جنيبا [١٣٣] بين يديه، محلى بحليته، وجمع له بين تقليدى السيفين الإشعار بتقليده الاقليمين: الشام والديار المصرية، وخرج إلى ظاهر دمشق، ونثر عليه الذهب، وانتهى في تسييره إلى الميدان الأخضر، ثم عاد إلى القلعة. وكان صحبة الرسول تشريف للملك الناصر صلاح الدين جليل كثير، لكنه دون تشريف نور الدين؛ فسيّره نور الدين ﵀ إليه، وسيّر أيضا خلعا من عنده برسم الأمراء من أصحابه.

стр. 251

ولما وصل التشريف الخليفتى إلى مصر لبسه الملك الناصر صلاح الدين ﵀ وركب به، وذلك في الحادى والعشرين من رجب من السنة المذكورة، وهى أول خلعة عباسية دخلت مصر بعد انقراض دولة العلوية؛ ووصل أيضا إلى مصر أعلام ورايات سود، وأهب عباسية للخطباء بسائر الأعمال المصرية، ففرّقها صلاح الدين على الجوامع والمساجد والقضاة والعلماء، واستقر قدم بنى أيوب بمصر، واستثبت الملك لهم، ففى ذلك يقول عرقلة الدمشقى: أصبح الملك بعد آل علىّ ... مشرقا بالملوك من آل شاذى وغدا الشّرق يحسد الغرب للقو ... م، ومصر تزهو على بغداذ ما حووها إلا بعزم وحزم ... وصليل الفولاذ في الفولاذ لا كفرعون والعزيز، ومن كا ... ن بها كالخطيب والأستاذ وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع وستين وخمسمائة - خرجت من مصر مراكب، إلى الشام فأخذ الفرنج في اللاذقيّة منها مركبين مملوءتين من الأمتعة (١) والتجار، وغدروا بالمسلمين، وكانوا قد هادنوا نور الدين ﵀ ونكثوا، ولما بلغ ذلك نور الدين راسلهم في إعادة المركبين فغالطوه، واحتجوا بأن المركبين كان قد دخلهما ماء البحر (٢) لكسر فيهما (٢)، وكانت العادة جارية بأخذ كل مركب يدخله الماء، وكذبوا في ذلك، فلم يقبل مغالطتهم، وجمع العسكر من الشام والموصل والجزيرة؛ ووصل ابن أخيه سيف الدين غازى بن مودود إلى خدمته، ثم بثّ السرايا نحو أنطاكية وطرابلس، وحصر هو [١٣٤] حصن عرقا، وأخرب ربضه، وأرسل طائفة من العسكر إلى حصن صافيتا وعزيمة، فأخذوهما

стр. 252

عنوة، [وقتل كل من فيهما وسبى (١)]، وخرّب، وغنم المسلمون غنائم كثيرة، وعادوا إليه وهو بعرقة. وسار [نور الدين] بالعساكر نحو طرابلس فراسله الفرنج وبذلوا له إعادة (٢) ما أخذوه من المركبين، وطلبوا تجديد الهدنة، فأجابهم إلى ذلك، [وردت المركبان بما فيهما إليه ولم ينفد منها شىء (٣)]. ذكر ابتداء الوحشة بين نور الدين وصلاح الدين - رحمهما الله تعالى - وفى هذه السنة أرسل نور الدين إلى صلاح الدين يأمره بجمع العساكر المصرية والمصير بها إلى بلاد الفرنج، والنزول بها على الكرك ومحاصرته، ويجتمعا هناك على حرب الفرنج والاستيلاء على بلادهم، فبرز صلاح الدين من القاهرة في العشرين من المحرم من [هذه (٣)] السنة، وكتب إلى نور الدين أن رحيله لا يتأخر، وكان نور الدين قد جمع العساكر وتجهز (٤)، فأقام ينتظر ورود (٥) الخبر من صلاح الدين ورحيله ليرحل هو؛ فلما أتاه (٥) الخبر بذلك رحل من دمشق عازما على قصد الكرك، فوصل إليه، وأقام ينتظر صلاح الدين، فأتاه كتابه يعتذر فيه عن الوصول باختلال أحوال البلاد (٦)، وأنه يخلف عليها من البعد عنها، فعاد إليها، فلم يقبل نور الدين عذره ورجع.

стр. 253

قلت: هكذا ذكر بعضه المؤرخين، ولم يذكر غيره أن نور الدين نازل الكرك في هذه السنة، بل كلهم ذكر أن نور الدين كاتب صلاح الدين بالمسير إلى الكرك، فخرج متوجها إليها، ثم عاد، وكان السبب في عود صلاح الدين أن أصحابه وخواصه خوّفوه من الاجتماع بنور الدين (١). ولما لم يمتثل صلاح الدين أمر نور الدين عظم ذلك عليه، وعزم على الدخول إلى الديار المصرية وإخراج صلاح الدين عنها، فبلغ الخبر إلى صلاح الدين فجمع أهله وفيهم والده نجم الدين أيوب، وخاله شهاب الدين الحارمى ومعهم سائر الأمراء، وأعلمهم بما قد عزم عليه نور الدين في قصده وأخذ مصر منه، واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشىء، فقام ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه [١٣٥] بن نجم الدين أيوب، وقال: «إذا جاء قاتلناه وصددناه عن البلاد»، ووافقه غيره من أهله، فشتمهم نجم الدين أيوب، وأنكر ذلك عليهم غاية الإنكار، وقال لصلاح الدين: «أنا أبوك وهذا شهاب الدين خالك، أتظن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا؟» فقال: «لا»، فقال: «والله لو رأيت أنا وهذا خالك نور الدين لم يمكننا إلا أن نترجل إليه، ولو أمرنا بضرب عنقك بالسيف لفعلنا، فإذا كنا نحن هكذا فكيف يكون غيرنا؟ وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر على الثبات على سرجه، ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه، وهذه البلاد له، وقد أقامك فيها، فإن أراد عزلك عزلك (٢)، وأى حاجة له إلى المجىء؟ يأمر بكتاب مع نجّاب حتى تقصد خدمته، ويولى بلاده من يريد»، وقال للجماعة كلهم: «قوموا عنا فنحن

стр. 254

مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد»، وتفرقوا على هذا الحال، وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر، ولما خلا نجم الدين بابنه صلاح الدين قال له: «أنت جاهل قليل المعرفة، تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على ما في نفسك، فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه من البلاد جعلك من أهم أموره وأولاها بالقصد، ولو قصدك لم تر معك من هذا العسكر أحدا، وكانوا يسلمونك إليه، وأما الآن بعد هذا المجلس سيكتبون إليه ويعرفونه قولى، فتكتب إليه وترسل في هذا المعنى، وتقول: «أي حاجة إلى قصدى؟ نجّاب يأخذنى بحبل يضعه (١) في عنقى»، فهو إذا سمع هذا عدل عن قصدك (٢) واشتغل بما هو أهم عنده، والأيام تندرج، والله كل يوم في شأن»؛ فعلم صلاح الدين صحة ما أشار به والده [ففعل ما أمره به (٣)]، فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده، واندرجت الأيام - كما قال نجم الدين (٤) - وكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 255

ذكر منازلة السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ الكرك والشوبك وفى سنة ثمان وستين وخمسمائة خرج صلاح الدين ﵀ في النصف من شوال قاصدا الغزاة، ومعه ما هو [١٣٦] برسم الهدية إلى نور الدين، وهو: الفيل والحمارة العتّابيّة (١) وذخائر وأمتعة من القصر مستحسنة، وآلات مثمنة، وقطع بلّور (٢) ويشم (٣)، وأوان لا يتصور وجود مثلها، وثلاث قطع بلخش (٤) أكبرها نيف وثلاثون مثقالا، والثانية ثمانية عشر، والأخرى دونها، ومعها لؤلؤ نفيس، وستون ألف دينار، وغرائب من المصنوعات، وطيب وعطر، وغير ذلك؛ فوصل (٥) إلى بلاد الكرك والشوبك، فنازلهما ونازل غيرهما من الحصون، فأخرب عماراتها، وشنّ الغارات على أعمالها.

стр. 256

ذكر وصول الهدية المصرية إلى نور الدين وسيّر الهدية إلى نور الدين، وكتب إليه بالإنشاء الفاضل: «سبب هذه الخدمة إلى مولانا السلطان الملك العادل أعز الله سلطانه، ومدّ أبدا إحسانه، ومكّن بالنصر إمكانه، وشيّد بالتأييد أركانه، ونصر أنصاره وأعان أعوانه: علم المملوك بما يؤثره المولى بأن يقصد الكفار بما يقص (١) أجنحتهم، ويفّل (٢) أسلحتهم، ويقطع موادهم، ويخرب بلادهم؛ وأكبر الأسباب المعينة على ما يرومه من هذه المصلحة أن لا يبقى في بلادهم أحد من العربان، وأن ينتقلوا من ذل الكفر إلى عز الإيمان، ومما اجتهد فيه عامة (٣) الاجتهاد، وعدّه من أفضل (٤) أسباب الجهاد، ترحيل كثير من أنفارهم، والحرص في تبديل دارهم، إلى أن صار (٥) العدو اليوم إذا نهض لا يجد بين يديه دليلا، ولا يستطيع حيلة ولا يهتدى سبيلا (٦).

стр. 257

ولما وصلت الهدية والرسول إلى نور الدين استقلّ الهدية واستنزرها، ولم تقع منه بموقع، ولكنه أظهر شكر صلاح الدين، ووصف فضيلته، وقال: «ما كان بنا حاجة إلى هذا المال، وهو يعلم أنا ما أنفقنا الذهب في ملك مصر وبنا فقر إلى هذا الذهب، وما لهذا المحمول في مقابلة ما جدنا به مقدار، [وتمثل بقول أبى تمام (١)]: لم ينفق الذهب المربى بكثرته ... على الحصا وبه فقر إلى الذّهب لكنه يعلم أن ثغور الشام مفتقرة إلى وفور العدد من الجند، وقد عمّ البلاء بالفرنج، فينبغى أن تقع المساعدة والمعاونة بالأمداد»، ثم أخذ يفكر فيما يفعله من هذا المهم. [١٣٧] قال عماد الدين الكاتب في البرق: «وصلت الحمارة، وكثرت لها النظّارة، والفيل وصل إلينا [في سنة تسع وستين (٢)] ونحن بحلب في الميدان الأخضر، فأهداه نور الدين إلى ابن أخيه سيف الدين غازى بن مودود - صاحب الموصل - مع شىء من الثياب والعود والعنبر، فسيّره سيف الدين إلى الخليفة مع تحف وهدايا (٣)؛ وسيّر نور الدين الحمارة العتّابيّة إلى الخليفة مع هدايا وتحف سنية (٤)». وفى هذه السنة أغار العدو على الجولان (٥) ونزلوا سمسكين (٦)، وبلغ ذلك

стр. 258

نور الدين وهو نازل بالكسوة فرحل إليهم بعساكره، فرحلوا إلى الفوار (١)، ثم إلى الشلالة (٢)، ونزل نور الدين عشترا، وبعث عسكرا إلى أعمال طبرية، فأغارت عليها، ولما عادت لحقتها الفرنج عند المخاضة، فوقفت المقاتلة في مقابلتهم إلى أن عبرت السريّة (٣) ونجت، ثم رحل نور الدين من عشترا، ونزل بظاهر زرا، وامتدحه عماد الدين بقصيدة أولها: رفعت (٤) بنصرك راية الإيمان ... وبدت لعصرك آية الإحسان يا غالب (٥) الغلب الملوك وصائد ال ... ـصيد الليوث وفارس الفرسان يا سالب التيجان من أربابها ... حزت الفخار على ذوى التيجان [ومنها يقول (٦)]: كم وقعة لك في الفرنج، حديثها ... قد سار في الآفاق والبلدان قمصت (٧) قومصهم رداء من ردى ... وضربت رأس برنسهم بسنان وملكت رقّ ملوكهم وتركتهم ... بالذلّ في الأقياد والأشجان (٨) وجعلت في أعناقهم أغلالهم ... وسحبتهم هونا على الأذقان (٩)

стр. 259

وعلى غناء المشرفيّة في الطلى ... والهام رقص عوامل (١) المرّان وكأنّ بين النّقع لمع حديدها ... نار تألّق في خلال دخان في مأزق ورد الوريد مكفل (٢) ... فيه برى الصّارم الظمآن (٢) ومنها: غطى (٥) العجاح به نجوم سمائه ... لتنوب عنه أنجم الخرصان أنت الذى دون الملوك وجدته ... ملآن من عرف ومن أيمان (٣) [١٣٨] في بأس عمرو، في بسالة حيدر، ... في نطق قسّ، (٤) في تقى (٥) سلمان سير لو ان الوحى ينزل أنزلت ... في شأنها سور من القرآن فاسلم طويل العمر ممتدّ المدى (٦) ... صافى الحياة مخلّد السّلطان (٧) ذكر غزوة النوبة وفى جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وستين وخمسمائة - غزا الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه بن أيوب - أخو السلطان -

стр. 260

بلاد النوبة (١)، وفتح حصنا لهم يدعى إبريم، وسبى وغنم، فوجدها بلادا قليلة الجدوى، فجمع السبى وعاد به إلى أسوان، وفرّق الغنائم في أصحابه.

стр. 261

ذكر وفاة الملك الأفضل نجم الدين أيوب بن شاذى والد الملوك (١) ﵀ وفى يوم الاثنين الثامن عشر من ذى الحجة من هذه السنة ركب الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى - والد الملك الناصر صلاح الدين ﵀ بالقاهرة، فشبّ به فرسه وتقنطر به، فحمل عن فرسه، وعاش ثمانية أيام ثم توفى يوم الثلثاء لثلاث بقين من ذى الحجة من السنة؛ وكان ولده صلاح الدين إذ ذاك غائبا في بلاد الكرك والشوبك على ما ذكرناه، فبلغه وفاة والده قبل وصوله إلى الديار المصرية، فاشتد حزنه، وتأسف حيث لم يحضر وفاته، وكان [نجم الدين] مولعا باللعب بالكرة وشدة الركض، فكان كل من رآه على هذه الصفة يقضى أنه لا يموت إلا [من وقوعه (٢)] عن ظهر الفرس. ذكر سيرته ﵀ (٣) - كان رحيما جوادا، كثير البذل، حسن النية، جميل الطوية، وله صدقات ومعروف كثير، واتفقت له سعادة عظيمة، وما مات حتى رأى في ذريته ما أحب من الملك لهم والسلطان، ثم عظم ملكهم بعده وانتشر صيتهم، ولم يملك أحد في عصرهم مثل ما ملكوا؛ ولما توفى دفن إلى جانب أخيه أسد الدين شيركوه في بيت بالدار السلطانية، ثم نقلا بعد سنتين إلى مدرسة بنيت لهما [بالمدينة (٤)]

стр. 262

بازاء حجرة النبى ﷺ وسعدا بجوار النبى ﵇ فتم لهما بذلك سعادة الآخرة مضافة إلى ما نالاه [١٣٩] من سعادة الدنيا. ولما (١) حججت سنة تسع وأربعين وستمائة وقدمت المدينة - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - رأيت قبريهما بهذه المدرسة. ورثى (٢) عمارة بن على اليمنى - الشاعر - نجم الدين أيوب بقصيدة أولها (٢): هى الصدمة الأولى فمن بان صبره ... على هول ملقاها تضاعف أجره ولا بدّ من موت وفوت وفرقة ... ووجد بماء العين يوقد جمره وما يتسلّى من يموت حبيبه ... بشىء، ولا يخلو من الهمّ فكره ولكنّه جرح يعزّ اندماله ... وكسر زجاج لا يؤمّل جبره أذمّ صباح الأربعاء فإنّه ... تبسّم عن ثغر المنيّة فجره أصاب الهدى في نجمه بمصيبة ... تداعى سماك الجوّ فيه ونسره وأفقر أهل الأرض من باذل الغنى ... إذا قنط (٣) المحتاج واشتدّ فقره عدمنا أبا الإسلام والملك والندى ... وفارقنا فرد الزمان ووتره فلا تعذلونا واعذرونا، فمن بكى ... على فقد أيوب فقد بان عذره رعى (٤) الله نجما تعرف الشمس أنه ... أبوها ونور البدر منها وزهره وأبقى (٤) المقام الناصرىّ فإنه ... لدولتكم كنز الرجاء وذخره

стр. 263

أفاض على الأيام أحسن سيرة ... يموت بها جور الزمان وغدره إذا كانت البلوى من الله فليكن ... من الحزم حمد الله فيها وشكره (١) ذكر المراسلة بين نور الدين وصلاح الدين - رحمهما الله تعالى (٢) - كان نور الدين ﵀ من حين ملكت الديار المصرية يؤثر أن يقرر له حمل يحمل إليه منها يستعين به على كلف الجهاد، والأيام تماطله، وهو ينتظر من صلاح الدين ﵀ أن يبتديه ذلك من تلقاء نفسه، ويفعل في ذلك ما يؤثره ويريده، فلما حمل صلاح الدين ما تقدم ذكره استقله ولم يعجبه، فتقدم حينئذ نور الدين إلى موفق الدين خالد بن القيسرانى متولى ديوان الاستيفاء (٣) أن يمضى إلى الديار المصرية، ويتقاضى صلاح الدين، ويعمل أوراقا بارتفاع الأعمال المصرية، ولا يترك في النفس حزازة (٤) من [١٤٠] أمرها؛ ثم سار الملك نور الدين إلى بعلبك ثم إلى حمص ثم إلى حلب.

стр. 264

ذكر قصد نور الدين ﵀ بلاد قليج أرسلان ثم سار نور الدين إلى مملكة السلطان عز الدين قليج أرسلان بن مسعود ابن قليج أرسلان بن سليمان [بن (١)] قطلمش السلجوقى - صاحب قونية - عازما على حربه وأخذ البلاد منه، وسبب ذلك أن ذا النون بن الدانشمند (٢) - صاحب ملطية - قصده عز الدين، وأخذ بلاده منه، فسار ابن الدانشمند صاحب ملطية إلى نور الدين مستجيرا به، وملتجئا إليه، فأكرم [نور الدين (١)] نزله، وأحسن إليه، وحمل إليه ما يليق أن يحمل إلى الملوك، وراسل (٣) قليج أرسلان يشفع في إعادة بلاد ذى النون إليه، فلم يجبه إلى ذلك، فسار نور الدين وابتدأ بكيسون (٤) ونهبه، ومرعش (٥) ومرزبان فملكها وما بينها، وكان ملكه لمرعش في ذى القعدة من هذه السنة (٥)؛ ثم سيّر طائفة من عسكره إلى سيواس فملكوها. فراسل قليج أرسلان نور الدين واستعطفه، فوقع الصلح بينهما، وشرط

стр. 265

[نور الدين عليه (١)] أن ينجده بعساكر إلى الغزاة، ففعل (٢)، وسلّمت سيواس إلى ذى النون (٢)، وبقى [ذو النون] في خدمة نور الدين إلى أن مات نور الدين، فحينئذ عاد قليج أرسلان إلى البلاد فملكها، وهى مع ولده إلى اليوم. والمرتب اليوم بالبلاد وله اسم السلطنة صبى صغير (٣)، هو ابن ركن الدين ابن غياث الدين كيخسرو بن علا الدين كيقباذ بن كيخسرو بن قليج أرسلان المذكور، وكان التتر الملاعين قد استولوا على البلاد، وأبقوا بها ركن الدين والد هذا الصبى، وهرب أخوه عز الدين كيكاوس بن كيخسرو إلى ملك الروم صاحب قسطنطينية وهو عنده إلى اليوم، واستولى على ركن الدين معين الدين [سليمان] البرواناه (٤)، ثم قتل معين الدين ركن الدين، وقام بأتابكية ولده الصبى المذكور، وخطب له بالبلاد، وملك (٥) البلاد في الحقيقة التتر، والبرواناه نائبهم بها (٥).

стр. 266

ذكر الواقعة الكائنة بين مقدم الأرمن والروم كان مليح بن لاون مقدم الأرمن قد التجأ إلى نور الدين، وصار في طاعته، وكانت الدروب وأذنة ومصيصة [وطرسوس (١)] يحميها ملك الروم صاحب قسطنطينية (٢) [١٤١] ويضبطها بجنده، فاستولى عليها مليح بن لاوون، وكسر الروم، وقتل منهم وأسر، وساق لنور الدين من مقدمى الروم ثلاثين أسيرا، فسيّرهم نور الدين إلى الخليفة المستضىء بنور الله، وكتب إليه كتابا، من جملته: و «قسطنطينية (٢) والقدس يجريان إلى أمد الفتوح في مضمار المنافسة، وكلاهما في وحشة (٣) ليل الظلام المدلهم على انتظار صياح المؤانسة، والله تعالى بكرمه يدنى قطاف الفتحين لأهل الإسلام، ويوفق الخادم لحيازة مراضى الإمام». [وفى آخره (٤)]: (فصل في فتح بلاد النوبة والمغرب): «ومن جملة حسنات هذه الأيام الزاهرة ما تيسر في هذه النوبة، من افتتاح بعض بلاد النوبة، والوصول إلى مواضع منها لم تطرقها سنابك الخيل الإسلامية في العصور الخالية، وكذلك استولى عساكر مصر أيضا على برقة وحصونها، وتحكموا في محكم معاقلها ومصونها، حتى بلغوا إلى حدود المغرب، فظفروا من السؤل بعنقاء مغرب».

стр. 267

ذكر دخول قراقوش التقوى بلاد المغرب (١) وفى هذه السنة مضى قراقوش - غلام الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه ابن أيوب - إلى المغرب في طائفة من الترك، وانضم إليه جماعة من العرب، واستولى على أطرابلس الغرب وكثير من بلاد إفريقية، وانضم إلى قراقوش مسعود بن زمام - وهو من أعيان الغرب (٢) به هناك - وكان خارجا عن طاعة عبد المؤمن بن على - خليفة المغرب - وأولاده، فاتفقا، وكثر جمعهما، وحكم قراقوش على تلك البلاد، وصار معه عسكر كثير، وجرت (٣) بينهم وبين المغاربة حروب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها (٣)، وقد ذكرتها مفصلة في التاريخ الكبير (٤).

стр. 268

ذكر دخول الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه ابن أيوب اليمن وتملكه لها (١) وفى سنة تسع وستين وخمسمائة سيّر الملك الناصر صلاح الدين أخاه الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه بن أيوب إلى بلاد اليمن ليتملكها؛ وكان السبب في ذلك أنه كان صلاح الدين هو وأهله من حين ملكوا مصر خائفين من نور الدين أن يدخل مصر فيأخذها منهم، فشرعوا في تحصيل مملكة يقصدونها ويملكونها، وتكون لهم عدة، فإن أخرجهم نور الدين [١٤٢] من مصر ساروا إليها وأقاموا بها، فاقتضى رأى صلاح الدين أن يسيّر أخاه إلى النوبة ليملكها، فسار إليها ولم تعجبه كما ذكرنا، فلما عاد إلى مصر اقتضى رأيه أن يسيّره إلى اليمن (٢)،

стр. 269

وكان بها خارجى يقال له عبد النبى، واسمه فيما ذكر أبو الحسن عمارة: «على بن مهدى (١)»، [و] قد ملك زبيد، وقطع الخطبة العباسية، وخطب لنفسه، فاستأذن صلاح الدين نور الدين في أن يسيّر عسكرا إلى اليمن ويفتتحها، فأذن له في ذلك. وكان بمصر عمارة بن على اليمنى - المقدم ذكره - فحسّن للملك المعظم قصد اليمن، ووصف بلادها له، وعظّمها في عينه، فزاده ذلك رغبة فيها، فشرع يتجهز ويعدّ (٢) الروايا والسلاح، وغير ذلك من الآلات، وجنّد الأجناد، وجمع وحشد، وكان لعمارة مدائح في الملك المعظم، فمما امتدحه به، وحرّضه فيه على ملك اليمن قصيدته التي أولها: العلم مذ كان محتاج (٣) إلى العلم ... وشفرة السيف تستغنى عن القلم

стр. 270

ومنها: ترى مسامع فخر الدين تسمع ما ... أملاه خاطر أفكارى على قلمى؟ فإن أصبت فلى حظّ المصيب، وإن ... أخطأت قصدك فاعذرنى ولا تلم كم (١) تترك البيض في الأجفان ظامئة ... إلى الموارد في الأعناق والقمم (٢) (٢) ومقلة الجدّ نحو العزم شاخصة ... فاترك قعودك عن إدراكها وقم فعمّك الملك المنصور سوّمها ... من العراق إلى مصر بلا سأم أمامك الفتح من شام ومن يمن ... فلا تردّ رؤس الخيل بالّلجم فاخلق لنفسك ملكا لا تضاف به ... إلى سواك، وأور (٣) النار في العلم وانه المشيرين إن لجّت نصيحتهم ... أو لا فانعم على العميان بالصمم واعزم (٤) وصمّم فقد طالت وقد شمخت (٥) ... قضيّة لفظتها ألسن الأمم طال التردّد في إبرام منتقض ... في (٦) هذه الحال أو في نقض منبرم ومنها: فربّ أمر يخاف الناس غايته ... والأمر أهون فيه من يد لفم

стр. 271

هذا ابن تومرت قد كانت بدايته ... - كما يقول الورى - لحما على وضم [١٤٣] والغيث وهو كما قد قيل أوّله ... قطر، ومنه خراب السّدّ بالعرم والبدر يبدو هلالا ثم يكشف بال ... أنوار ما سترته شملة الظّلم تنمو قوى الشىء بالتدريج إن رزقت ... لظى (١) ويقوى شرار الزّند (٢) بالضّرم حاسب ضميرك عن رأى (٣) أتاك وقل ... نصيحة وردت من غير متّهم أقسمت ما أنت ممن جلّ همّته ... ما راق من نعم أو رقّ من نغم وإنما أنت مرجوّ لواحدة ... بنى بها الدهر مجدا غير منهدم كأنّنى بالليالى وهى هاتفة ... مذ صمّ سمع رجال دونها وعمى وبالعلى كلّما لاقتك (٤) قائلة ... أهلا بمنشر آمالى من الرّمم ثم سار الملك المعظم شمس الدولة من مصر مستهل رجب من هذه السنة فوصل إلى مكة (٥) - حرسها الله تعالى - ومنها إلى زبيد، فلما قرب منها قال عبد النبى

стр. 272

لأهل زبيد: «كأنكم بهؤلاء وقد حمى عليهم الحرّ فهلكوا، وما هم إلا أكلة رأس (١)»؛ فخرج إليهم بعسكره، فقاتلهم الملك المعظم ومن معه، فلم يثبت أهل زبيد وانهزموا، ووصل المصريون إلى سور زبيد فلم يجدوا من يمنعهم، فنصبوا السلالم، وصعدوا السور، فملكوا البلد عنوة، ونهبوه وأكثروا النهب، وأخذوا عبد النبى أسيرا وزوجته المدعوة بالحرة (٢)، وكانت امرأة صالحة

стр. 273

كثيرة الصدقة، وكانت إذا حجت وجد عندها فقراء (١) الحاج صدقة دارة ومعروفا كثيرا ولما أسر الملك المعظم عبد النبى بن محمد سلّمه إلى الأمير سيف الدولة مبارك ابن كامل بن منقذ (٢)، وأمره أن يستخرج منه الأموال، فأعطاه منها شيئا كثيرا؛ ثم إنه دلهم على قبر كان قد صنعه لوالده، وبنى عليه بنية عظيمة، وله هناك دنائن كثيرة، وأعلمهم بها، فاستخرجت الأموال من هناك، وكانت جليلة المقدار؛ وداتهم [زوجته (٣)] الحرة على ودائع لها، فأخذ منها مال كثير؛ ولما ملكت زبيد أقيمت بها [١٤٤] الخطبة العباسية. ثم سار العسكر إلى عدن، وهى على البحر ولها مرسى عظيم، وهى فرضة الهند والزنج والحبشة وعمان وكرمان وكيش وفارس وغير ذلك، وهى منيعة جدا من جانب البحر والبر، وكان المتغلب عليها رجل يقال له ياسر، ولو (٤) امتنع بها لم يقدروا على أخذها (٤)، لكنه لحينه خرج إلى العسكر، فباشر قتالهم، فانهزم، وسبقه بعض عسكر الملك المعظم فدخلوا البلد قبل أهله، وملكوه، وأخذوا صاحبه ياسر أسيرا، وأرادوا نهب البلد فمنعهم الملك المعظم، وقال: «ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها وننتفع بدخلها». ولما دخلوا عدن كان معهم عبد النبى [صاحب زبيد (٥)] مأسورا، فقال:

стр. 274

«سبحان الله! قد كنت أعلمت أنى أدخل عدن في موكب عظيم، فأنا أنتظر ذلك وأسرّ به، ولم أكن أعلم أننى أدخلها على هذه الحالة». ولما فرغ الملك المعظم من أمر عدن عاد إلى زبيد، وحصر ما في الجبل من الحصون، فملك قلعة تعز، وهى من أحصن القلاع، وبها تكون خزائن صاحب (١) زبيد، وملك الجبل وغيرها من المعاقل والحصون (٢)، واستناب بعدن الأمير عز الدين عثمان (٣) بن الزنجبيلى، وبزبيد سيف الدولة مبارك بن منقذ، وهلك عبد النبى [وياسر (٤)] في أسره، وجعل [الملك المعظم] في كل قلعة نائبا من أصحابه، وأحسن إلى أهل البلاد، وعدل فيهم، فعمرت البلاد وأمنت، [وأما الحرة زوجة عبد النبى فبلغه كثرة صدقتها وخيرها، فأحسن إليها وأطلقها، وأقطعها إقطاعا يقوم بأودها وأود من معها (٥)]. ذكر عزم جماعة من المصريين على إقامة الدعوة المصرية وما آل اليه أمرهم وفى هذه السنة أراد جماعة من شيعة القصر الوثوب بمصر وإقامة الدعوة العلوية، وردها إلى ما كانت عليه؛ وكان منهم عمارة بن على اليمنى، وعبد الصمد الكاتب،

стр. 275

والقاضى العويرس، وداعى الدعاة ابن عبد القوى، وغيرهم من جند المصريين ورجالتهم السودان، وحاشية القصر، ووافقهم على ذلك جماعة من أمراء صلاح الدين وجنده، فاطلعوا على أسرارهم؛ وعينّوا [١٤٥] الخليفة والوزير، وتقاسموا الدور والأملاك، واتفق رأيهم على استدعاء الفرنج من صقلية والشام إلى مصر، وبذلوا لهم شيئا (١) من المال والبلاد، وكان مقصودهم وما انطوت عليه نيتهم الرديّة أن الفرنج إذا قصدوا البلاد وخرج إليهم صلاح الدين بنفسه ثاروا هم بالقاهرة ومصر، وأعادوا الدعوة العلوية، وعاد من معه من العسكر الذين وافقوهم عليه، فلا يبقى لهم مقام مقابل الفرنج، وإن كان صلاح الدين يقيم ويرسل العساكر إليهم، ثاروا به، وأخذوه أخذا باليد، لعدم الناصر له والمساعد، وقال لهم عمارة: «أنا قد أبعدت (٢) أخاه إلى اليمن خوفا أن يسد مسده (٣)، وتجتمع الكلمة عليه بعده»؛ فأرسلوا إلى الفرنج بصقلية والشام، وتقررت القواعد بينهم، ولم يبق إلا إتمام أمرهم، فكان ما قدرّه الله من فضيحتهم وانتهاك سر نيتهم (٤)، - لما أراده الله تعالى من سعادة صلاح الدين وظهور أمره -، أن الفقيه الواعظ زين الدين على بن نجا (٥) أدخلوه معهم في سرّهم، فداخلهم وأظهر لهم أنه على رأيهم، فاطلع على جميع أمورهم، وجاء إلى صلاح الدين وأظهره على جميع أمورهم، وكشفها له، وطلب

стр. 276

منه ما لابن كامل (١) الداعى من الدور والعقار وكلما له من الموجود والمذخور، فبذل له صلاح كل ما طلبه، وأمره بمخالطتهم ومواطأتهم (٢) على ما يريدون أن يفعلوه، وتعريفه بالمتجدد من أمورهم أولا فأولا، فصار يعلمه بكل (٣) ما يتجدد لهم، ثم اتفق وصول رسول الفرنج بالساحل إلى صلاح الدين بهدية ورسالة، وهو في الظاهر إليه، وفى الباطن إلى أولئك الجماعة، فكان يرسل إليهم بعض النصارى، وتأتيه رسلهم. وأتى الخبر إلى صلاح الدين من بلاد الفرنج بجلية الحال، فوضع صلاح الدين على الرسول بعض (٤) من يثق إليه من النصارى، فداخله، فأخبره الرسول بالخبر على الحقيقة. وقد ذكر في انكشاف [١٤٦] أمرهم أن عبد الصمد الكاتب كان إذا لقى القاضى الفاضل ﵀ يخدمه ويتقرب إليه، ويبالغ في التواضع له، فلقيه يوما فلم يلتفت إليه، فقال القاضى الفاضل: «ما هذا إلا لسبب»، وخاف أن يكون قد صار له باطن مع (٥) صلاح الدين، فأحضر [زين الدين] على بن نجا الواعظ

стр. 277

وأخبره الحال، وقال: «أريد أن تكشف الأمر لى»، فسعى (١) في كشفه فلم ير له من جانب صلاح الدين شيئا، فعدل إلى الجانب الآخر، فكشف الحال إليه، فحضر عند القاضى الفاضل فأعلمه، فقال له: «تحضر الساعة عند صلاح الدين وتنهى الحال إليه»، فحضر عند صلاح الدين وهو في الجامع، وذكرا الحال، فأخذ الجماعة وقررهم، فأقروا، فحينئذ قبض عليهم، وأمر بصلبهم. وكان عمارة بينه وبين القاضى الفاضل عداوة من أيام العاضد وقبلها، فلما أراد صلاح الدين صلبه قام القاضى الفاضل وخاطب صلاح الدين في إطلاقه، فظن عمارة أنه يحرّض على هلاكه، فقال لصلاح الدين: «يا مولانا، لا تسمع منه في حقى»؛ فغضب القاضى الفاضل وخرج، وقال صلاح الدين لعمارة: إنه كان [والله (٢)] يشفع لك»، فندم. وأخرج عمارة ليصلب، فطلب أن يمرّ به على مجلس القاضى الفاضل، فاجتازوا به عليه، فأغلق بابه، ولم يجتمع به، فقال: عبد الرحيم قد احتجب ... إن الخلاص من العجب ثم صلب هو والجماعة بين القصرين، وذلك يوم السبت لليلتين مضتا من شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة - وأفنى (٣) [صلاح الدين] بعد ذلك من بقى منهم. قال عماد الدين الأصفهانى: «وكان فيهم داعى الدعاة ابن عبد القوى، وكان عارفا بخبايا القصر وكنوزه، فباد (٤) ولم يسمح بإبدائها، وبقيت تلك الدفائن مخزونة،

стр. 278

وتلك الخزائن مدفونة (١)، قد دفن دافنها، وخزن تحت الثرى (١) خازنها، إلى أن يأذن الله تعالى في الوصول إليها، والاطلاع عليها». واحتيط على ولد العاضد وغيرهم (٢) من أهله، وأما الذين نافقوا على صلاح الدين [١٤٧] من جنده فلم يعرض لهم، ولا أعلمهم أنه علم بحالهم، وجمع من أموال الذين قبض عليهم ما يحمل إلى الشام ليستعين به نور الدين ﵀ على الجهاد؛ [وكان شيئا كثيرا من الذهب والفضة وغير ذلك (٣)]. وكان من جملة الذين أمر صلاح الدين بصلبهم قبالة القصر العوريس وكان قاضى

стр. 279

القضاة لهم، فحكى لى (١) القاضى تاج الدين - المعروف بابن بنت الأعز - قاضى القضاة بالديار المصرية ﵀ (٢) - قال: «كان العوريس رأى في منامه كأن المسيح عيسى بن مريم ﵇ أخرج رأسه له من السماء، فقال له العوريس: الصلب حق؟ فقال المسيح ﵇: نعم الصلب حق؛ فقصّ العوريس رؤياه على معبر، فقال المعبر: الذى رأى هذه الرؤيا يصلب، لأن المسيح معصوم، فلا يقول إلا حقا، ولا يمكن كون ذلك راجعا إلى المسيح ﵇، لأن القرآن العظيم قد نصّ بأنه لم يصلب ولم يقتل، فبقى أن يكون ذلك راجعا إلى الرائى، فهو الذى يصلب، فكان الأمر كما قال المعبر». وسيّر صلاح الدين كتابا إلى نور الدين يتضمن ذكر القضية (٣) بخط المرتضى ابن قريش، فاتفق وصول الكتاب إلى دمشق يوم وفاة نور الدين ﵀ فمنه فصل يقول فيه: «لم نزل نتوسم من جند مصر، ومن أهل القصر، بعد ما أزال [الله (٤)] من بدعتهم، ونقض من عرى دولتهم، وخفض من مرفوع كلمتهم، أنهم أعداء وإن قعدت بهم الأيام، وأضداد وإن وقعت عليهم كلمة الإسلام».

стр. 280

ثم ذكر مكاتبتهم للفرنج وتردد رسلهم إليهم (١). فصل: «والمولى عالم أن عادة أوليائه المستفادة من أدبه أن لا يبسطوا عقابا (٢). مؤلما، ولا يعذبوا عذابا محكما، وهؤلاء القوم لا يزيدهم العفو إلا ضراوة ولا الرأفة عليهم إلا قساوة (٣)، فقبضنا على طائفة مفسدة، وجماعة من هذا الجنس متمردة، قد اشتملت على الاعتقادات المارقة، والسراير المنافقة، فكلا أخذ الله [تعالى] بذنبه، فمنهم من أقرّ طائعا [١٤٨] عند إحضاره، ومنهم من أقرّ عند ضربه ولم يقم على إصراره، فانكشفت لنا تقريرات مختلفة في المراد، متفقة في الفساد؛ فمنهم من أقام رجلا من بنى عم العاضد، ومنهم من جعل ذلك لبعض أولاد العاضد، واختلف هؤلاء في تعيين واحد من ولدين له؛ وأما بنو رزيّك وبنو شاور فكل منهم أراد الوزارة لينيهم (٤) من غير أن يكون لهم غرض في تعيين الخليفة». فصل: «وفى أثناء هذه المدة كاتبوا سنانا (٥) صاحب الحشيشية بأن الدعوة واحدة، والكلمة جامعة، وأنه ما بين أهلها خلاف يجب به قعود عن نصره، واستدعوا منه من يقم على الملوك غيلة، ويثب عليه مكيدة وحيلة، فقتل الله بسيف

стр. 281

الشرع المطهر جماعة من الغواة الغلاة، الدعاة إلى النار، الحاملين لأثقالهم وأثقال من أضلوه من الفجار، وشنقوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على الجذوع المواجهة لدورهم، ووقع التتبع لأتباعهم، وشرد طائفة الاسماعيلية ونفوا، ونودى أن يرحل طائفة كافة الأجناد وحاشية القصر، وراجل (١) السودان إلى أقصى الصعيد، وأما من في القصر فقد وقعت الحوطة عليهم، ورأى المملوك إخراجهم من القصر فإنهم مهما بقوا (٢) فيه بقيت مادة لا تنحسم الأطماع عنها، فإنه قبلة (٣) للضلالة منصوبة، وبيعة للبدع محجوجة (٤)». «ومما يطرف به المولى أن ثغر الإسكندرية على عموم مذهب السنة فيه، اطلع البحث أن فيه داعية خبيثا أمره، محتقرا شخصه، عظيما كفره، يسمى قديدا القفّاص، وأن المذكور مع خموله في الديار المصرية قد فشت في الشام (٥) دعوته، وطبقت عقول أهل مصر فتنته، وأن أرباب المعايش فيها يحملون إليه جزءا من كسبهم، والنساء يبعثن إليه شطرا [وافيا (٦)] من أموالهن، ووجدت في منزله بالإسكندرية عند القبض عليه والهجوم إليه، كتب مجردة (٧)، فيها خلع العذار، وصريح الكفر الذى ما عنه اندفاع واعتذار [١٤٩] [ورقاع (٨)]

стр. 282

يخاطب فيها بما تقشعر منه الجلود؛ وكان (١) يدعى النسب إلى أهل القصر، وأنه خرج منه طفلا صغيرا، ونشأ على الضلالة كبيرا (١)؛ وبالجملة فقد كفى الإسلام أمره، وحاق به مكره، وصرعه كفره». ذكر شىء من خبر عمارة وشعره كان عمارة بن على اليمنى من الشعراء الفحول المجيدين، ولم يكن شيعيا، وإنما كان فقيها على مذهب الإمام الشافعى ﵀ وقتله وفاؤه وحسن عهده لمن أحسن إليه، وقد ذكر مباينته لمذهب القوم من قصيدة [يقول (٢)]: أفاعيلهم في الجود أفعال سنّة ... وإن خالفونى في اعتقاد التشيّع وذكر هو عن نفسه في كتاب صنفه (٣): أنه أقام بزبيد ثلاث سنين، يقرأ عليه (٤) مذهب الشافعى، قال: «ولى في الفرايض مصنف يقرأ باليمن»؛ وذكر أنه قدم مكة بعد ذلك في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، قال: «وفى موسم هذه السنة توفى أمير الحرمين الشريف هاشم بن قليتة (٥)، وولى ولده القاسم بن هاشم، وألزمنى السفارة عنه والرسالة منه إلى الديار المصرية، فقدمتها في شهر ربيع الأول

стр. 283

سنة خمسين وخمسمائة، والخليفة بها يومئذ الفائز بن الظافر، والوزير له الملك الصالح طلائع بن رزّيك، فلما حضرت للسلام عليهما في قاعة الذهب (١) من قصر الخليفة أنشدتهما [قصيدة أولها (٢)]: الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النّعم لا أجحد الحقّ، عندى للركاب يد ... تمنت الّلجم فيها رتبة الخطم قرّبن بعد مزار العزّ من نظرى ... حتى رأيت إمام العصر من أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم (٣) ... وفدا إلى كعبة المعروف والكرم (٤) فهل درى (٥) البيت أنى بعد فرقته (٦) ... ما سرت عن (٧) حرم إلا إلى حرم حيث الخلافة مضروب (٨) سرادقها ... بين النقيضين من عفو (٩) ومن نقم وللإمامة أنوار مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم

стр. 284

[١٥٠] وللنبوة آيات تنصّ (١) لنا ... على الخفيّين (٢) من حكم ومن حكم وللمكارم أعلام تعلّمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلى ألسن تثنى محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذّاخ ترفعها ... يد الرفيعين من مجد ومن همم أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا ... فوز النجاة، وأجر البرّ في القسم لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفرّاج للغمم اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصّنعين (٣) السيف والقلم وجوده أوجد الأيام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم قد ملّكته العوالى رقّ مملكة ... تعير أنف الثّريّا عزّة (٤) الشّمم أرى مقاما (٥) عظيم الشأن أو همنى ... في يقظتى أنّها من جملة الحلم يوم من العمر لم يخطر على أملى ... ولا ترقّت إليه رغبة الهمم ليت الكواكب تدنو لى فأنظمها ... عقود مدح، فما أرضى لكم كلمى ترى الوزارة فيه وهى باذلة ... عند الخلافة نصحا غير متّهم عواطف علّمتنا (٦) أن بينهما ... قرابة من جميل الرأى لا الرحم

стр. 285

خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلاّ على مفرق الإسلام والأمم زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى تتعاطى منّة الدّيم قال: «وعهدى بالملك الصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مرارا، والأستاذون والأمراء (١) يذهبون (٢) في الاستحسان كل مذهب، ثم أفيضت علىّ الخلع من ثياب الخلافة مذهّبة، ودفع إلىّ الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين (٣) قد خرج من عند السيدة بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معى إلى منزلى، وأطلقت لى من دار الضيافة (٤) رسوم لم تطلق لأحد قبلى، وتهادتنى أمراء الدولة [١٥١] إلى منازلهم للولائم، واستحضرنى الصالح للمجالسة، ونظمنى في سلك [أهل (٥)] المؤانسة، وانثالت علىّ صلاته، وغمرنى برّه، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب: الشيخ الجليل أبا المعالى بن الحباب (٦)، والموفّق
следующие страницы →