← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الشرع المطهر جماعة من الغواة الغلاة، الدعاة إلى النار، الحاملين لأثقالهم وأثقال من أضلوه من الفجار، وشنقوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على الجذوع المواجهة لدورهم، ووقع التتبع لأتباعهم، وشرد طائفة الاسماعيلية ونفوا، ونودى أن يرحل طائفة كافة الأجناد وحاشية القصر، وراجل (١) السودان إلى أقصى الصعيد، وأما من في القصر فقد وقعت الحوطة عليهم، ورأى المملوك إخراجهم من القصر فإنهم مهما بقوا (٢) فيه بقيت مادة لا تنحسم الأطماع عنها، فإنه قبلة (٣) للضلالة منصوبة، وبيعة للبدع محجوجة (٤)». «ومما يطرف به المولى أن ثغر الإسكندرية على عموم مذهب السنة فيه، اطلع البحث أن فيه داعية خبيثا أمره، محتقرا شخصه، عظيما كفره، يسمى قديدا القفّاص، وأن المذكور مع خموله في الديار المصرية قد فشت في الشام (٥) دعوته، وطبقت عقول أهل مصر فتنته، وأن أرباب المعايش فيها يحملون إليه جزءا من كسبهم، والنساء يبعثن إليه شطرا [وافيا (٦)] من أموالهن، ووجدت في منزله بالإسكندرية عند القبض عليه والهجوم إليه، كتب مجردة (٧)، فيها خلع العذار، وصريح الكفر الذى ما عنه اندفاع واعتذار [١٤٩] [ورقاع (٨)]

стр. 282

يخاطب فيها بما تقشعر منه الجلود؛ وكان (١) يدعى النسب إلى أهل القصر، وأنه خرج منه طفلا صغيرا، ونشأ على الضلالة كبيرا (١)؛ وبالجملة فقد كفى الإسلام أمره، وحاق به مكره، وصرعه كفره». ذكر شىء من خبر عمارة وشعره كان عمارة بن على اليمنى من الشعراء الفحول المجيدين، ولم يكن شيعيا، وإنما كان فقيها على مذهب الإمام الشافعى ﵀ وقتله وفاؤه وحسن عهده لمن أحسن إليه، وقد ذكر مباينته لمذهب القوم من قصيدة [يقول (٢)]: أفاعيلهم في الجود أفعال سنّة ... وإن خالفونى في اعتقاد التشيّع وذكر هو عن نفسه في كتاب صنفه (٣): أنه أقام بزبيد ثلاث سنين، يقرأ عليه (٤) مذهب الشافعى، قال: «ولى في الفرايض مصنف يقرأ باليمن»؛ وذكر أنه قدم مكة بعد ذلك في سنة تسع وأربعين وخمسمائة، قال: «وفى موسم هذه السنة توفى أمير الحرمين الشريف هاشم بن قليتة (٥)، وولى ولده القاسم بن هاشم، وألزمنى السفارة عنه والرسالة منه إلى الديار المصرية، فقدمتها في شهر ربيع الأول

стр. 283

سنة خمسين وخمسمائة، والخليفة بها يومئذ الفائز بن الظافر، والوزير له الملك الصالح طلائع بن رزّيك، فلما حضرت للسلام عليهما في قاعة الذهب (١) من قصر الخليفة أنشدتهما [قصيدة أولها (٢)]: الحمد للعيس بعد العزم والهمم ... حمدا يقوم بما أولت من النّعم لا أجحد الحقّ، عندى للركاب يد ... تمنت الّلجم فيها رتبة الخطم قرّبن بعد مزار العزّ من نظرى ... حتى رأيت إمام العصر من أمم ورحن من كعبة البطحاء والحرم (٣) ... وفدا إلى كعبة المعروف والكرم (٤) فهل درى (٥) البيت أنى بعد فرقته (٦) ... ما سرت عن (٧) حرم إلا إلى حرم حيث الخلافة مضروب (٨) سرادقها ... بين النقيضين من عفو (٩) ومن نقم وللإمامة أنوار مقدسة ... تجلو البغيضين من ظلم ومن ظلم

стр. 284

[١٥٠] وللنبوة آيات تنصّ (١) لنا ... على الخفيّين (٢) من حكم ومن حكم وللمكارم أعلام تعلّمنا ... مدح الجزيلين من بأس ومن كرم وللعلى ألسن تثنى محامدها ... على الحميدين من فعل ومن شيم وراية الشرف البذّاخ ترفعها ... يد الرفيعين من مجد ومن همم أقسمت بالفائز المعصوم معتقدا ... فوز النجاة، وأجر البرّ في القسم لقد حمى الدين والدنيا وأهلهما ... وزيره الصالح الفرّاج للغمم اللابس الفخر لم تنسج غلائله ... إلا يد الصّنعين (٣) السيف والقلم وجوده أوجد الأيام ما اقترحت ... وجوده أعدم الشاكين للعدم قد ملّكته العوالى رقّ مملكة ... تعير أنف الثّريّا عزّة (٤) الشّمم أرى مقاما (٥) عظيم الشأن أو همنى ... في يقظتى أنّها من جملة الحلم يوم من العمر لم يخطر على أملى ... ولا ترقّت إليه رغبة الهمم ليت الكواكب تدنو لى فأنظمها ... عقود مدح، فما أرضى لكم كلمى ترى الوزارة فيه وهى باذلة ... عند الخلافة نصحا غير متّهم عواطف علّمتنا (٦) أن بينهما ... قرابة من جميل الرأى لا الرحم

стр. 285

خليفة ووزير مدّ عدلهما ... ظلاّ على مفرق الإسلام والأمم زيادة النيل نقص عند فيضهما ... فما عسى تتعاطى منّة الدّيم قال: «وعهدى بالملك الصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مرارا، والأستاذون والأمراء (١) يذهبون (٢) في الاستحسان كل مذهب، ثم أفيضت علىّ الخلع من ثياب الخلافة مذهّبة، ودفع إلىّ الصالح خمسمائة دينار، وإذا بعض الأستاذين (٣) قد خرج من عند السيدة بنت الإمام الحافظ بخمسمائة دينار أخرى، وحمل المال معى إلى منزلى، وأطلقت لى من دار الضيافة (٤) رسوم لم تطلق لأحد قبلى، وتهادتنى أمراء الدولة [١٥١] إلى منازلهم للولائم، واستحضرنى الصالح للمجالسة، ونظمنى في سلك [أهل (٥)] المؤانسة، وانثالت علىّ صلاته، وغمرنى برّه، ووجدت بحضرته من أعيان أهل الأدب: الشيخ الجليل أبا المعالى بن الحباب (٦)، والموفّق

стр. 286

أبا الحجاج يوسف بن الخلال [صاحب ديوان الإنشاء (١)]، والمهذب أبا محمد الحسن (٢) بن الزبير، وما من هذه الحلبة [أحد (٣)] إلا ويضرب في الفضائل النفسانية والرئاسة الإنسانية (٤) بأوفر نصيب، وما زلت أحذو على طرائقهم حتى نظمونى (٥) في سلك فرائدهم.

стр. 287

قال [عمارة]: وأنشدت الصالح وهو بالقبو (١) من دار الوزارة قصيدة منها [أقول (٢)]. دعوا كلّ برق شمتم غير بارق ... يلوح على الفسطاط صادق بشره وزوروا المقام (٣) الصالحىّ فكلّ من ... على الأرض ينسى (٤) ذكره عند ذكره ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنى ... فتجنوا (٥) على مجد الزمان وفخره ولكن سلوا منه العلى (٤) تظفروا بها ... فكل امرء يرجى (٦) على قدر قدره قال: ولما جلس شاور في دار الذهب قام الشعراء والخطباء ولفيف الناس إلا الأقل شاكون (٧) من بنى رزيك، وضرغام نائب الباب، ويحيى بن الخياط (٨) اسفهسلار (٩)، فأنشدته: زالت ليالى بنى رزّيك وانصرمت ... والحمد والذمّ فيها غير منصرم كأنّ صالحهم يوما وعادلهم ... في صدر ذا الدّست لم يقعد ولم يقم كنا نظنّ - وبعض الظنّ مأثمة - ... بأن ذلك جمع غير منهزم فمذ وقعت وقوع النّسر (١٠) خانهم ... من كان مجتمعا في ذلك الرّخم

стр. 288

ولم يكونوا عدوّا ذلّ جانبه (١) ... وإنما غرقوا في سيلك العرم وما قصدت بتعظيمى عداك (٢) سوى ... تعظيم شأنك، فاعذرنى ولا تلم ولو شكرت لياليهم محافظة ... لعهدها لم يكن بالعهد من قدم ولو فتحت فمى يوما بذمهم ... لم يرض فضلك إلا أن يسدّ فمى والله يأمر (٣) بالإحسان عارفة ... منه، وينهى عن الفحشاء في الكلم [١٥٢] قال: فشكرنى شاور وأبناؤه على الوفاء لبنى رزيك. ذكر ورود الرسالة النورية إلى صلاح الدين كنا قد ذكرنا (٤) أن نور الدين ﵀ سيّر موفق الدين خالد بن القيسرانى إلى صلاح الدين في معنى الحمل إلى الشام ورفع (٥) أوراق بالأعمال المصرية، ولما وصل (٦) إلى صلاح الدين، وأنهى (٧) إليه رسالة نور الدين أطلعه [صلاح الدين] (٨) على أحوال البلد، وقال (٩): «هؤلاء الأجناد، فأعرضهم وأثبت

стр. 289

أخبازهم، وما يضبط مثل هذا الإقليم العظيم إلا بالمال العظيم، ثم أنت تعرف مصر وعظماءها، وأنهم معتادون النعمة الواسعة، وقد تصرفوا في أماكن لا يمكن انتزاعها منهم، ولا يسمحون بأن ينقص من ارتفاعها»؛ ثم أخذ [صلاح الدين] (١) في جمع مال يرفعه [إلى نور الدين] (١)، وحصل لخالد من الأموال ما لم يكن في خلده. ثم اتفقت وفاة نور الدين ﵀ فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة الملك العادل نور الدين ابن زنكى بن آق سنقر - رحمه الله تعالى - كنا ذكرنا أن نور الدين كان قد عزم على التجهز للدخول إلى الديار المصرية لأخذها من صلاح الدين، فإنه رأى منه فتورا في قصد الفرنج من ناحيته، (٢) وكان يعلم (٢) أنه إنما يمتنع صلاح الدين من الغزو للخوف منه والاجتماع به، وأنه يؤثر

стр. 290

كون الفرنج (١) في الطريق ليمتنع بهم على نور الدين، فأرسل نور الدين إلى الموصل وبلاد الجزيرة وديار بكر وغيرها يطلب العساكر للغزاة، وكان عزمه أن يترك (٢) العساكر مع ابن أخيه سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى - صاحب الموصل والشام (٣) -، ويسير هو بعسكره إلى مصر، فعاقه القدر المحتوم عن قصده. ولما كان يوم عيد الفطر من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة - أمر نور الدين ﵀ بتطهير ولده الملك الصالح إسماعيل، فاحتفل لهذا الأمر، وزينت دمشق أياما، وهنّاه كاتبه عماد الدين الأصفهانى بقصيدة أولها: عيدان: فطر وطهر ... فتح قريب ونصر كلاهما لك فيه ... حقا هنا (٤) وأجر [١٥٣] نجل على الطّهر نام ... زكاله منك نجر (٥) محمود الملك العاد ... ل الكريم الأغرّ وبابنه (٦) الملك الصا ... لح العيون (٧) تقرّ مولى به اشتدّ للديـ ... ـن والشريعة أزر نور تجلّى (٨) عيانا ... ما دونه اليوم ستر

стр. 291

أضحت مساعيك غرا ... كما أياديك غزر (١) وكلّ قصدك رشد ... وكلّ فعلك برّ وإنّ حبّك دين ... وإن بغضك كفر لنا بيمناك يمن ... كما بيسراك يسر وللموالين نفع ... وللمعادين ضرّ [ومنها يقول] (٢): تملّ تطهير (٣) ملك ... له الملوك تخرّ (٤) وكيف يعمل للطا ... هر المطهّر طهر يزهى سرير وتاج ... به ودست وصدر هذا الطهور ظهور (٥) ... على الزمان وأمر وذا الختان (٦) ختام ... بمسكه طاب نشر رزقت عمرا طويلا ... ما طال للدّهر عمر وفى يوم العيد - وهو في يوم الأحد - ركب نور الدين على الرسم المعتاد إلى الميدان الأخضر الشمالى بدمشق لطعن (٧) الحلق، ورمى القبق (٨)، وأمر فضربت

стр. 292

له خيمة في الميدان القبلى الأخضر، وأمر بوضع المنبر، وخطب القاضى شمس الدين ابن الفراش (١) - قاضى العسكر - بعد أن صلى به؛ ثم مدّ السماط العام، وأنهب على عادة الترك، وعاد [نور الدين] إلى القلعة، ومدّ خوانه الخاص. وفى غد هذا اليوم - وهو يوم الاثنين [١٥٤] ثانى شوال - ركب في خواصه وأصحابه، ودخل الميدان والأمير همام الدين مودود (٢) - وهو من أكبر أمرائه - يسايره، فقال لنور الدين: «هل نكون هنا في مثل هذا اليوم في العام القابل؟». فقال نور الدين: «قل هل نكون هنا بعد شهر؟ فإن السنة بعيدة» فجرى على منطقهما (٣) ما جرى به القدر السابق، فإن نور الدين لم يصل إلى آخر الشهر، وهمام الدين لم يصل إلى آخر العام.

стр. 293

ثم شرع نور الدين باللعب بالكرة مع خواصه، فاعترضه برتقش - أمير آخر - وقال له: «باش»، فحصل عنده غيظ على خلاف عاداته في الكرم والحلم، فزجره وزيره، ثم ساق ودخل القلعة، ولم يخرج منها إلا ميتا، وأصابته (١) علة الخوانيق، فبقى أسبوعا في منزله مشغولا بالنازلة التي نزلت به، والناس مشغولون بزينة الختان والفرح، والبلد مزين لطهور الملك الصالح، فما انتهت الأفراح إلا بحلول المصيبة به ﵀. وأشار عليه الأطباء بالفصد فامتنع، وكان مهيبا فما روجع؛ وحكى الطبيب جمال الدين الرحبى (٢) الدمشقى قال: «استدعانى نور الدين في مرضه الذى توفى فيه مع غيرى من الأطباء، فدخلنا عليه وهو في بيت صغير بقلعة دمشق، وقد تمكنت الخوانيق به وقارب الهلاك، فلا يكاد يسمع صوته، فقلت له: كان ينبغى أن لا يؤخر إحضارنا إلى أن يشتد بك المرض إلى هذا الحد؛ فالآن ينبغى أن تنتقل إلى مكان فسيح فله أثر في هذا المرض، وشرعنا في علاجه فلم ينفع فيه الدواء، وعظم الداء، ومات عن قريب». قال عماد الدين الكاتب (٣): «كان لنور الدين ﵀ صفّة (٤)

стр. 294

في الدار التي على النهر الداخل إلى القلعة من الشمال، وكان جلوسه على تلك الصّفّة في أكثر (١) الأوقات، فلما جاءت سنة الزلزلة بنى بإزاء تلك الصّفّة بيتا من الأخشاب، وهو يبيت فيه [١٥٥] ويصبح، ويخلو بعبادته، فدفن في ذلك البيت الذى اتخذه حمى من الحمام»؛ وكانت وفاته يوم الأربعاء حادى عشر شوال من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة -. وكان صلاح الدين قد استشعر بقصد نور الدين له، فحكى عنه القاضى بهاء الدين ابن شداد - قاضى حلب ﵀ قال: «كان يبلغنا عن نور الدين أنه ربما قصدنا بالديار المصرية، وكانت جماعة أصحابنا يشيرون بأن (٢) نكاشف ونخالف ونشق عصاه ونلقى عسكره بمصاف نرده (٢) إذا تحقق قصده، وكنت أنا وحدى أخالفهم وأقول: لا يجوز أن يقال شىء من ذلك، ولم يزل النزاع بيننا حتى ورد الخبر بوفاته ﵀». قلت: ودفن نور الدين ﵀ بالقلعة مدة، ثم نقل إلى مدرسته التي أنشأها بدمشق، ودفن بها (٣)، وقبره بها معروف يزار. صفته وسيرته ﵀ - كان أسمر طويل [القلعة (٤)] ليس له لحية إلا في حنكه (٥)، وكان واسع الجبهة، حسن الصورة، حلو العينين.

стр. 295

وكان مولده سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فكان عمره قريبا من ثمان وخمسين سنة. وأما سيرته ﵀ في عدله وزهده (١)، وخوفه من الله تعالى، وجهاده لعدو الدين، وصدقاته ومعروفه وإحسانه، وابتغائه لثواب الله تعالى ولدار الآخرة، فهو أشهر من أن يذكر، فإنى لا أعلم ملكا بعد الخلفاء الراشدين اجتمع فيه من الصفات الجميلة مثل ما اجتمع فيه ﵀؛ ولنذكر ما نقل إلينا من أخباره مما يستدل به على ما ذكرناه، وإن كان قد بلغ في الوضوح والشهرة إلى حد التواتر. وأما زهده فالمشهور عنه أنه كان يأكل ولا يلبس ولا يتصرف إلا فيما يخصه من ملك كان قد اشتراه من سهمه من الغنيمة، ومن الأموال المرصدة لصالح المسلمين، يحضر الفقهاء ويستفتيهم في أخذ ما يحلّ له من ذلك، فيأخذ ما يفتونه بحله، ولا يتعداه إلى غيره، ولم يلبس حريرا ولا ذهبا ولا فضة، ومنع من شرب الخمر في جميع بلاده، ومن إدخالها إلى بلد ما، وكان يحدّ (٢) [١٥٦] شاربها الحد الشرعى، وكل الناس عنده فيه سواء. وحدّث شخص كان رضيع الخاتون ابنة معين الدين أنر زوجة نور الدين - وكان وزيرها -، قال: «(٣) كان نور الدين إذا جاء إليها يجلس في المكان المختص به، وتقوم في خدمته لا تتقدم إليه إلا أن يأذن في أخذ ثيابه عنه، ثم تعتزل عنه إلى المكان الذى يختصّ بها، وينفرد هو، تارة يطالع رقاع أصحاب الأشغال، أو مطالعة

стр. 296

كتاب أتاه ويجيب عنه، ويصلى ويطيل الصلاة، وله أوراد في النهار، فإذا جاء الليل وصلى العشاء ونام يستيقظ نصف الليل، ويقوم إلى الوضوء والصلاة إلى بكرة، فيظهر للركوب ويشتغل بمهام الدولة؛ قال: فإنها قلّت عليها النفقة، ولم يكفها ما كان قرره لها، فأرسلتنى إليه أطلب منه زيادة في وظيفتها، فلما قلت له تنكّر واحمر وجهه ثم إنه قال: من أين أعطيها، أما يكفيها مالها (١)؟ والله لا أخوض نار جهنم في هواها، وإن كانت تظن أن الذى بيدى من الأموال هو لى فبئس الظن، إنما هى أموال المسلمين مرصدة لمصالحهم، ومعدة لفتق إن كان من عدو الإسلام؛ وأنا خازن (٢) عليها فلا أخونهم فيها، ثم قال: لى بمدينة حمص ثلاثة (٣) دكاكين ملكا (٤) قد وهبتها إياها، فلتأخذها؛ وكان يحصل منها قدر قليل». وكان (٥) له صديق بالجزيرة من الصالحين، وكان نور الدين يكاتبه ويراسله ويرجع إلى قوله، فبلغه أن نور الدين يدمن اللعب بالكرة، فكتب إليه يقول له: «ما كنت أظنك تلهو وتلعب وتعذّب الخيل لغير فائدة دينية»! فكتب إليه نور الدين بخط يده يقول له: «والله ما حملنى على اللعب بالكرة اللهو والبطر، إنما نحن في ثغر، والعدو قريب منا، وبينما نحن جلوس إذ يقع صوت فنركب في الطلب، ولا يمكننا أيضا ملازمة الجهاد ليلا ونهارا، شتاء وصيفا، إذ لا بد من الراحة للجند، ومتى تركنا الخيل على مرابطها صارت جماما لا قدرة لها على إدمان

стр. 297

السير في الطلب، ولا معرفة لها بسرعة الانعطاف في الكر والفر في المعركة، فنحن نركبها ونروّضها بهذا اللعب، فيذهب عنها جمامها، وتتعود [١٥٧] سرعة الانعطاف والطاعة لراكبها في الحرب، فهذا والله هو الذى يبعثنى على اللعب بالكرة». وحمل إليه من مصر عمامة من القصب الرفيع مذهبة، فلم يحضرها عنده، فوصفت له، فلم يلتفت إليها، وبينما هم معه في حديثها إذ قد جاءه رجل صوفى، فأمر بها له، فقيل له: «إنها لا تصلح لهذا الرجل، ولو أعطى غيرها كان أنفع له (١)»، فقال: أعطوها له، فإنى أرجو أن أعوض عنها في الآخرة»، فسلمت إليه، فسار بها إلى بغداد، فأباعها بستمائة دينار مصرية (٢)، أو سبعمائة دينار (٣). وأما (٤) عدله فذكر أنه كان بدمشق يلعب بالكرة فرأى إنسانا يحدّث آخر ويشير بيده (٥) إليه، فأرسل إليه وسأله عن حاله، فقال: «لى مع الملك العادل حكومة، هذا غلام القاضى ليحضره إلى مجلس الحكم يحاكمنى على الملك الفلانى»،

стр. 298

فعاد إليه، ولم يتجاسر يعرّفه ما قال ذلك الرجل، وكتمه ذلك الأمر، فلم يقبل منه [نور الدين] غير الحق، فذكر له قوله، فألقى الجوكان (١) من يده، وخرج من الميدان، وسار إلى القاضى، وهو إذ ذاك كمال الدين بن الشهرزورى، وأرسل [نور الدين] إلى القاضى يقول له: «إنى قد جئت محاكما، فاسلك معى مثل ما تسلكه مع غيرى»، فلما حضر ساوى خصمه وحاكمه، فلم يثبت عليه حق، وثبت الملك لنور الدين، فقال نور الدين حينئذ للقاضى ولمن معه: «هل ثبت له عندى حق؟». فقالوا: «لا»، قال: «اشهدوا أنى قد أوهبته هذا الملك الذى حاكمنى عليه، وهو له دونى، وقد كنت أعلم أنه لاحق له عندى، وإنما حضرت معه لئلا يظن أنى ظلمته، فحين ظهر أن الحق لى وهبته له». وذكر (٢) أنه دخل يوما إلى خزانة بيت المال، فرأى فيها مالا أنكره، فسأل عنه، فقيل: إن القاضى كمال الدين أرسله، وهو من جهة كذا، فقال: «إن هذا المال ليس لنا ولا لبيت المال في هذه الجهة شىء»، وأمر بردّه وإعادته إلى كمال الدين ليردّه إلى صاحبه، فأرسله متولى الخزانة إلى كمال الدين، فردّه إلى الخزانة، وقال: «إذا سألك الملك العادل عنه فقل (٣) له عنى إنه له»، فدخل نور الدين إلى الخزانة مرة أخرى، فرآه، فأنكره على النّواب (٤)، وقال: «ألم أقل

стр. 299

لكم إن المال [١٥٨] يعاد إلى أصحابه؟ فذكروا له قول كمال الدين، فرده إليه، وقال للرسول: «قل لكمال الدين: أنت تقدر على حمل هذا، وأما أنا فرقبتى رقيقة لا أطيق حمله والمخاصمة عليه بين يدى الله تعالى؛ يعاد، قولا واحدا». فأعاده (١). ونور الدين ﵀ أول من بنى دار الكشف، وسماها دار العدل، وكان سبب بنائها أنه لما طال مقامه بدمشق، وأقام [بها] (٢) أمراؤه - وفيهم أسد الدين شيركوه بن شاذى، وكان قد عظم شأنه حتى صار كأنه شريك له في الملك -، فاقتنوا الأملاك، وأكثروا، وتعدى كل واحد منهم على من يجاوره في قرية أو غيرها، فكثرت الشكاوى إلى القاضى كمال الدين، فأنصف بعضهم من بعض، ولم يقدم (٣) على الإنصاف من أسد الدين شيركوه، فأنهى الحال إلى نور الدين، فأمر حينئذ ببناء دار العدل، فلما سمع أسد الدين بذلك أحضر نوابه جميعهم، وقال: «اعلموا أن نور الدين ما أمر ببناء هذه الدار إلا بسببى وحدى، وإلا من هو الذى يمتنع على كمال الدين؟ والله لئن أحضرت إلى دار العدل بسبب أحدكم لا صلبنّه؛ فامضوا إلى من كان بينكم وبينه منازعة في ملك (٤)، فانصلوا الحال معه وأرضوه بأى شىء أمكن، ولو أتى ذلك على جميع ما أملك»، فقالوا له: «إن الناس إذا علموا بهذا اشتطوا في الطلب»، فقال: «خروج أملاكى عن يدى أسهل علىّ من أن برانى نور الدين بعين أنى ظالم، ويساوى بينى وبين آحاد العامة في الحكومة»، فخرج أصحابه من عنده وفعلوا ما أمرهم، وأرضوا خصمائهم، وأشهدوا عليهم.

стр. 300

فلما فرغت دار العدل جلس نور الدين فيها لفصل [الحكومات و] (١) الخصومات، وكان يجلس في الأسبوع يومين (٢) وعند القاضى والفقهاء، وبقى كذلك مدة فلم يحضر أحد يشكو من أسد الدين، (٣) فقال نور الدين لكمال الدين: «مالى لا أرى أحدا يشكو من شيركوه؟» فعرّفه الحال (٣)، فسجد شكرا لله تعالى، وقال: «الحمد لله الذى جعل أصحابنا ينصفون من أنفسهم قبل حضورهم عندنا». وحكى (٤) معين الدين محمد بن أحمد بن خالد بن محمد بن القيسرانى، قال: «انكسر على ضامن (٥) دار الزكاة [١٥٩] مال جم، وكان الضامن المذكور يعرف بابن شمام (٦) المحالى، فحبس، فباع ما كان يملكه من عقار بما مبلغه ثمانية آلاف دينار صورية (٧)، وحمله إلى الخزانة، وبقى في الحبس مطالبا بما بقى عليه.

стр. 301

قال [معين الدين] (١): وكان جدى خالد بن محمد قريب المنزلة من نور الدين إلى الغاية، وإليه استيفاء دوواينه بأسرها، وكتابة الإنشاء، وإمرة مجلسه (٢)، وهو المشير والوزير، والأمور كلها عائدة إليه، فاتفق أنه حضر بين يدى نور الدين ﵀ يوما بدمشق، وقال: يا مولانا، رأيت البارحة في نومى كأن المولى قد نزع ثيابه ودفعها إلىّ، وقال: اغسلها، فأخذتها وغسلتها، قال: فأطرق (٣) طويلا، ولم يرفع رأسه إلىّ، فندمت على ما قلت، وخفت أن يكون قد تطيّر منى، وتوهم من منامى، فخرجت من بين يديه وأنا كئيب ضيّق الصدر؛ فبقيت بعد ذلك ثمانية أيام لا يطلبنى ولا يسأل عنى، فساء [عند ذلك] (٤) ظنى، وفرح من كان يحسدنى، وظن العدو أنه قد ظفر بى؛ فدخل على نور الدين رجل من خواصه يعرف بالشيخ إسماعيل المكبس (٥)، وكان نور الدين يحبه ويقربه كثيرا، فقال: يا مولانا، قد حضر من زاد في دار الزكاة خمسة آلاف دينار في السنة، فانتهره، وقال: قد أصبحت على سجادتى بعد أداء فريضتى أذكر الله تعالى، واستفتحت أنت النهار تبشرنى بزيادة مكس؛ فوجم الشيخ إسماعيل وبقى ساكنا، ثم قال: اطلبوا لى خالدا، قال: فحضرت لديه (٦)، فالتفت إلىّ متبسما، وقال لى: قد تفسّر منامك؛ فقلت بخير إن شاء الله، فقال [هو خير (٧)] لا تظن تركى لك وعدم استحضارى إياك في هذه الأيام لموجدة عليك أو لوهم حصل عندى من منامك، بل كنت مفكرا في المنام حتى فتح الله علىّ بتأويله، اعلم أن غسل

стр. 302

الثياب غسل أوساخ الذنوب، ولا ذنب أوسخ (١) من تناول أموال المكوس، فلا تترك من يومنا هذا في بلد من بلادى مكسا ولا درهما تعلم أنه يؤخذ بغير حق إلا أسقطته، واكتب بذلك تواقيع تكون مخلدة في البلاد المذكورة، والتفت إلى الشيخ إسماعيل وقال له: مر أطاق ابن شمام المحالى من محبسه، ومر (٢) بإعادة كل ما أخذ منه إليه واسترجاع أملاكه، [ففعل ذلك (٣)] ولما عرف ابن شمام المحالى بذلك [١٦٠] اقترح بأن يجعل الذهب الذى أخذ منه في أطباق ويزفّ بالطبول والبوقات والمغنيين في الأسواق، ليعلم الناس كلهم ذلك، وقيل ذلك لنور الدين فأجابه إلى ملتمسه، وأن يخلع عليه؛ فلبس الخلعة، وزفّ المال بين يديه على ما اقترح. قال معين الدين: وكتب جدى خالد بذلك تواقيع، وجهزها إلى البلاد، ونسختها كلها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «الحمد لله فاتح أبواب الخيرات بعد إغلاقها، وناهج سبل النجاة لطلاّبها وطرّاقها، وفارج الكربات بعد ارتاجها (٤) وإطباقها، الذى منح أولياءه التوفيق وأوضح لهم دليله، ونصر أهل الحق وأعان قبيله، نحمده على جزيل مواهبه وجليل رغائبه، وبالغ هدايته وسابغ وقايته، ونسأله أن يصلى على سيدنا محمد الذى أوضح الطرايق، وفرج المضايق، وأنجب (٥) المحجة، وأوجب الحجة، وخفّف الله ببعثه كل إصر، وجعل أمته خير أمة وعصره خير عصر، وعلى آله الأكرمين ما أسفر بدر وأنار فجر.

стр. 303

وبعد، فقد اتضح على الأفهام، وصح عند الخاص والعام، ما نغاديه ونراوحه، ونماسيه ونصابحه، ونشتغل به عامة أوقاتنا، ونعمل فيه رويتنا وأفكارنا، ونستنقذ بالاهتمام به ساعاتنا ولحظاتنا من الاجتهاد في إحياء سنة حسنة (١)، يكون لنا أجرها وأجر من عمل بها، وإماتة سنة سيئة نخلص من عظيم وزرها ووخيم خزيها، وإزالة مظلمة مظلمة وطّد الجور أساسها، ومحو سيرة مؤلمة أبرم الحيف أمر اسمها، ليعم الرعايا لباس (٢) الفضل والامتنان، ويفيض على البرايا سجال العدل والإحسان، ليصبحوا من حياض الأمن دارعين (٣)، وفى رياض الدعة وادعين، لا يجدون للنعم عندهم تبديلا ولا تغييرا، ولا يرون لصافى شربهم تصريدا ولا تكديرا ولا يظلمون نقيرا، فما يسفر صبح، ولا يعتكر جنح، إلا ولله علينا نعمة لا نستطيع الإحاطة بشكرها، ولا نطيق قدرها لحق قدرها، فيما يوفقنا له من فعل الخيرات، ويلهمنا إياه من إزالة المنكرات، ويهدينا إليه من الأعمال الصالحات، وينقذنا به من الموارد المهلكات، ويوضحه لنا من الطريق إلى رضاه (٤)، ويبعثنا (٥) به على الجد في عبادته [١٦١] وتقاه، فالحمد لله الذى هدانا لهذا وما كنا لنهتدى لولا أن هدانا الله. وقد علمتم معاشر الرعايا - وفقكم الله ورعاكم - ما كان مرتبا من المظالم المجحفة بأحوالكم، والمكوس المستولية على شطر أموالكم، والرسوم المضيّقة عليكم في أرزاقكم، والمؤن التي (٦) تساهمكم في منافع أملاككم، واستمرار ذلك عليكم

стр. 304

إلى أن فوّض الله إلينا تدبير أموالكم (١)، واسترعانا على كبيركم وصغيركم، فأمرنا بإزالة ذلك عنكم أولا فأولا، ولم نبتغ في إقراره على وجوهه شبهة ولا تأولا (٢)، وقد كان بقى من رسوم الظلم ومعالم الجور في سائر الأعمال بولايتنا ما أمرنا بإزالته الآن، وأضفنا ذلك إلى ما كنا أسقطناه أولا (٣)، رأفة بكم ولطفا، وتخففا عليكم وعطفا، الآن خفّف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا؛ وسنذكر ما أزلناه من المظالم والمكوس أولا وآخرا (٣) من سائر أعمال ولايتنا - عمّرها الله - في هذا السجل من الديوان». قال: ثم كتب بقلم دقيق ما صورته: «ذكر ما أطلق من الرسوم والمؤن والمكوس والضرائب في سائر أعمال الولاية المحروسة - عمّرها الله - شاميها وجزيرتها في تواريخ متقدمة (٣) وفى تاريخ هذا السجل؛ ورسم إطلاق ذلك كله، وتعفية آثاره، وإخماد ناره. ومبلغ ما يحصل من ذلك كل سنة: خمسمائة ألف وستة وثمانون ألفا وأربعمائة وسبعون دينارا نقدا، الشام، فمن ذلك: دمشق - بتواريخ متقدمة [ما هى في هذا الإطلاق (٤)]: مائتا ألف، وعشرون ألفا، وخمسمائة وثلاثة وثمانون دينارا. دمشق - في تاريخ هذا الكتاب -: خمسون ألفا، وسبعمائة وثلاثون دينارا.

стр. 305

تدمر: (١) خمسمائة دينار. صرخد: سبعمائة وخمسون دينارا. القريتان (٢) والسخنة: خمسمائة دينار. بانياس: ألف ومائتا دينار. بعلبك وأعمالها: ستة آلاف وتسعمائة (٣) وعشرون دينارا. حمص وأعمالها: ستة وعشرون ألفا وأربعمائة وعشرون دينارا. حماة وأعمالها: ستة وعشرون ألفا، واثنان وتسعون (٤) دينارا. حلب وأعمالها: ستة وتسعون ألفا، ومائة (٥) وستة وثمانون دينارا (٦). سرمين (٧): ألفان، وثلاثمائة وستون دينارا (٦). معرّة النعمان: سبعة آلاف دينار. [١٦٢] كفرطاب (٨): ألفا دينار.

стр. 306

عزاز (١): ستة آلاف، وخمسمائة دينار. تل باشر (٢): ألف وخمسمائة دينار. عين تاب: تسعة وثمانون دينار. بالس (٣): أربعة آلاف دينار. منبج (٤) وأعمالها: ثمانية عشر ألفا، وخمسمائة وستة وستون دينارا (٥). بزاعة (٦) والباب: ثلاثة آلاف دينار. قلعة نجم (٧): ثلاثمائة دينار. قلعة جعبر (٨): سبعة آلاف، وستمائة وستة وتسعون (٩) دينارا. الرقّة: ستة وعشرون ألفا، وسبعمائة وثلاثة وستون دينارا. الرّها: ثمانية آلاف، وخمسمائة دينار.

стр. 307

حرّان: ستة عشر (١) ألف، وستمائة واحد وسبعون دينارا. سنجار (٢): سبعة آلاف، وثمانية دنانير. الموصل وأعمالها: ثمانية وثلاثون ألفا، ومائة وستة وأربعون (٣) دينارا. نصيبين: عشرة آلاف، وأربعمائة وستة (٤) وثمانون دينارا. عربان (٥): خمسة آلاف وسبعمائة دينار. بطنان (٦) - من أعمال الخابور (٧) -: مائتان وخمسون دينارا. تبنين (٨) والارسل (٩): سبعمائة وخمسون دينارا. السمسمانية (٩) - من أعمال الخابور -: ألف دينار.

стр. 308

قرقيسياء (١): ألفا دينار. السكير (٢): مائتا دينار. ماكسين (٣): خمسة آلاف دينار. المجدل (٤): ثلاثة آلاف وخمسة دنانير. الحصين (٥) - بالخابور -: ستمائة وخمسة وثلاثون دينارا. الجحشيّة (٦) - بالخابور -: مائة (٧) دينار. المحولية (٨) - بالخابور -: مائة وثلاثة وستون دينارا. الرّحبة (٩): ستة عشر ألفا، وسبعمائة (١٠) وأربعون دينارا. [وغير ذلك ما عينّاه خوفا من الإطالة (١١)]».

стр. 309

ثم كتب بعد ذلك بالقلم الجافى: «تحقيقا للحق، وتمحيقا للباطل، ونشرا للعدل، وتقديما للصلاح الشامل، وإيثارا للثواب الآجل على الحطام العاجل، وتأميلا لحسن الخلف من الله الكافى الكامل، وتخليصا للذمة من درك المظالم، وتنزيها للنفس من درن المآثم، واستعفاء من تحمل الأوزار، واستغناء بما أولاه الله من سابغ المدرار (١)، وشكرا لما أولاه من الفضل الجسيم والمنح العميم، وهداية إلى الصراط المستقيم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. فاعلموا رعاكم الله ما أمرناه، واسكنوا إلى ما قرّرناه، واشكروا الله على ما سهّله وسنّاه، وأجز له من فضله وأسناه، [١٦٣] وأيقنوا أن ذلك [الإنعام] (٢) العام مستمر على الدهور، وباق إلى يوم النشور، «و ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (٣)﴾»، وسبيل كل واقف على هذا المثال من الولاة والنواب والأصحاب والأعمال (٤) والعمال - أعزّهم الله - حذف ذلك كله، وتعفيّة رسومه، ومحو آثاره، ودحض أوزاره، وإزالة أوضاره، وصون جمال الدولة عن شين عاره، وإطلاقه على الإطلاق من غير تبديل يحل عقده، ولا فسخ يكدر ورده، ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥)﴾». والتوقيع الأعلى: «حجّة لمضمونه ومقتضاه، وليمتثل الأمر فيه إن شاء الله.

стр. 310

وكتب بالمشافهة الكريمة - شرفها الله تعالى - في مستهل شهر الله الأحب، رجب سنة سبع وستين وخمسمائة». قال معين الدين ﵀: «وكل بلد من البلاد المذكورة فصّل في التوقيع جهات ما أطلق من مكوسه (١)، ولكننى اقتصرت على ذكر الجمل طلبا للاختصار». وأما (٢) شجاعته وبسالته: فكان من أقوى الناس بدنا وقلبا ورأيا ومكيدة؛ وذكر أنه لم ير على ظهر فرس أشد منه، كأنما خلق عليه، لا يتحرك ولا يتزلزل، وكان من أحسن الناس لعبا بالكرة، يجرى الفرس ويتناولها بيده في الهواء ويرميها إلى آخر الميدان، وكانت يده لا ترى والجوكان (٣) فيها، بل تكون في كم قبائه (٤)، استهانة باللعب، وكان إذا حضر الحرب أخذ قوسين وتركشين (٥)

стр. 311

يباشر القتال بنفسه، فكان يقول: «طالما تعرّضت للشهادة فلم أدركها»؛ وسمعه الفقيه قطب الدين النيسابورى يقول ذلك، فقال له: «بالله لا تخاطر بنفسك وبالإسلام والمسلمين، فإنك عمادهم، ولئن أصبت والعياذ بالله في معركة، لا يبقى من المسلمين أحد إلا أخذه السيف، وأخذت البلاد والإسلام». فقال له: «يا قطب الدين، ومن محمود حتى يقال له هذا؟ قبلى من حفظ البلاد والإسلام؟ ذلك الله الذى لا إله إلا هو». ومن آرائه الحسنة ما كان يعتمده في أمر أجناده؛ فإنه كان إذا توفى أحدهم وخلّف ولدا ذكرا أقرّ الإقطاع عليه، فإن كان الولد كبيرا استبد بنفسه، وإن كان صغيرا رتّب معه رجلا عاقلا يثق إليه، فيتولى أمره إلى أن يكبر، فكان الأجناد يقولون: [١٦٤] «هذه أملاكنا يرثها الولد عن الوالد، فنحن نقاتل عليها»، وكان ذلك من أعظم الأسباب لصبر الجند في المشاهد والحروب بين يديه؛ وكان أيضا يثبت أسماء أجناد كل أمير في ديوانهم: دوابهم وسلاحهم خوفا من حرص بعض الأمراء وشحه أن يحمله ذلك على أن يقتصر على بعض ما هو مقرر عليه من العدد، وكان يقول: «نحن كل وقت في النفير، فإذا لم يكن أجناد كافة الأمراء كاملى العدد دخل الوهن على الإسلام» (١). (٢) وأما صدقاته ومعروفه وإحسانه فذكر عماد الدين الكاتب، قال: «حسبنا ما تصدق به على الفقراء في شهر فزاد على ثلاثين ألف دينار»؛ وكانت عادته في الصدقة أن يحضر جماعة من أماثل البلد من كل محلة ويسألهم عمن يعرفون في جوارهم

стр. 312

من أهل الحاجة، ثم يصرف إليهم صدقاتهم، وكان برسم نفقته الخاصة (١) في كل شهر من جزية أهل الذمة مبلغ ألفى قرطاس مصرية (٢) في كسوته ونفقته وحوائجه المهمة، حتى أجرة خياطه، وجامكية طباخه، ويستفضل منه ما يتصدق به في آخر الشهر. وأما ما كان يهدى إليه من هدايا الملوك وغيرهم، فإنه كان لا يتصرف في شىء منه لا قليل ولا كثير، بل كان إذا اجتمع منه شىء يصرفه، ويخرجه إلى مجلس القاضى، فيحصل ثمنه (٣)، ويصرف في عمارة المساجد المهجورة؛ وتقدم بإحصاء ما في محال دمشق من المساجد [الخراب] (٤) فأناف على مائة مسجد، فأمر بعمارة ذلك كله، وعيّن له وقوفا، ولما أسقط نور الدين الجهات المحظورة (٥) والمكوس - غير السجن - وقال لكمال الدين القاضى: «انظر أنت في ذلك، فاحمل أمور الناس فيها على الشريعة»؛ ولم يكون نور الدين يحاسب القاضى كمال الدين على شىء من الوقوف، ويقول: «أنا قد قلّدته أن يتصرف فيها بما يجب، ثم ما فضل من مصارفها وشروط واقفيها يصرف في بناء الأسوار وحفظ الثغور». وبنى (٦) ﵀ أسوار بلاده جميعها وقلاعها، فمنها: حلب، وحماة، وحمص، ودمشق، وبارين، وشيزر، ومنبج، وغيرها من القلاع والحصون، وحصّنها

стр. 313

وأحكم بناها، وأخرج عليها الأموال [١٦٥] الجليلة، وبنى المدارس الجليلة للحنفية والشافعية، فمن ذلك: المدرسة النورية (١) بدمشق التي فيها قبره (٢). وكذلك بحلب (٣) ويحمص (٤)، وبحماة (٥) له مدرستان: إحداهما للحنفية، والأخرى للشافعية. وبنى الجوامع في أكثر البلاد. فجامعه بالموصل (٦) في نهاية الحسن والاتقان.

стр. 314

وبنى الجامع (١) الذى على شط العاصى بحماة - وهو جامع حسن - وإلى جانبه بيمارستان (٢) من إنشائه. وبنى بدمشق وحلب بيمارستانين (٣) في غاية الحسن، ووقف عليهما الوقوف الجليلة. وبنى الربط والخانقات للصوفية في جميع البلاد، وأدرّ عليهم الإدرارات الجليلة الكثيرة، وكان يحضر مشايخ الصوفية ويقربهم ويدنيهم ويتواضع لهم. وبنى أيضا الخانات في الطرق، فأمن الناس، وحفظت أموالهم، وباتوا في الشتاء في كن من المطر. وبنى أيضا الأبراج على الطرق بين المسلمين والفرنج، وجعل فيها من يحفظها، ومعهم الطيور الهوادى، فإذا رأوا من العدو أحدا أرسلوا الطيور، فأخذ الناس حذرهم، واحتاطوا لأنفسهم، ولم يبلغ العدو منهم غرضا. وكان ﵀ عنده أهل العلم في محل عظيم، وكان يجمعهم عنده للبحث والنظر، واستقدمهم إليه من البلاد الشاسعة، فمن جملة من قدم عليه: الفقيه قطب الدين الشافعى، فبالغ في إكرامه والاحسان إليه، فحسده بعض الأمراء عنده، فنال منه [يوما عند نور الدين] (٤)، فقال له نور الدين: «يا هذا إن صح ما تقول فله حسنة تغفر له كل زلة تذكرها، وهى العلم والدين، أما أنت وأصحابك، ففيكم أضعاف ما ذكرت، وليست لكم حسنة تغفرها، ولو عقلت (٥) لشغلك عيبك

стр. 315

عن غيرك، وأنا أحتمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم، أفلا تحتمل سيئة هذا إن صحت مع وجود حسنته؟ مع أننى والله لا أصدقك فيما تقول، وإن عدت ذكرته أو غيره بسوء (١) لأوذينك» فكفّ عن أذيته. وبنى بدمشق دارا للحديث (٢)، وأوقف عليها وقوفا كثيرة؛ وهو أول من بنى دارا للحديث فيما سمعنا به. وبنى في كثير من بلاده مكاتب للأيتام، [١٦٦] وأجرى عليهم وعلى معلميهم الجرايات الوافرة. وبنى مساجد كثيرة، ووقف عليها وعلى من يقرأ [بها] (٣) القرآن [وقوفا جليلة] (٤). وحكى ابن الأثير [في تاريخه الكامل] (٤): أنه أحصيت أوقاف نور الدين فكانت في كل شهر تسعة (٥) آلاف دينار صورية، ليس فيها غير ملك صحيح شرعى باطنا وظاهرا، وأنه وقف ما انتقل إليه [من إرث والده] (٦) أو وزن ثمنه، أو ما غلب عليه من بلاد الفرنج وصار سهمه. (٧) وكان مع هذه الفضائل شديد الوقار، عظيم الهيبة، ضابطا لناموس الملك مع أصحابه وأجناده إلى غاية لا مزيد عليها.

стр. 316

وكان إذا جلس لا يجلس أحد إلا بإذن، إلا الأمير نجم الدين أيوب بن شاذى ﵀، وأما من عداه كأسد الدين شيركوه، ومجد الدين بن الداية، وغيرهما، فإنهم كانوا يقفون بين يديه إلى أن يتقدم إليهم بالقعود؛ وكان (١) مجلسه - فيما روى - كصفة مجلس رسول الله ﷺ مجلس حكم وحياء، وهكذا كان مجلسه لا يذكر فيه إلا العلم والدين، وأحوال (٢) الصالحين، والمشورة في أمر الجهاد، وقصد بلاد العدو. ولو أخذنا نعدد ذكر مناقبه (٣) ومآثره لطال الكلام واتسع الشرح، وفيما أوردناه من ذلك كفاية. ولما توفى نور الدين ﵀ رثاه عماد الدين الكاتب بقوله: عجبت من الموت كيف اهتدى (٤) ... إلى ملك في سجايا ملك! وكيف ثوى الفلك المستدير ... في الأرض، والأرض وسط الفلك؟! وبقوله: يا ملكا أيامه لم تزل ... لفضله فاضلة فاخرة غاصت بحور الجود مذ غيّبت ... أنملك القابضة الزاخرة ملكت دنياك وخلّفتها ... وسرت حتى تملك الآخرة

стр. 317

وبقوله من قصيدة: لفقد الملك العا ... دل يبكى الملك والعدل وقد أظلمت الآفاق ... لا شمس ولا ظلّ ولما غاب نور الدين ... عنا أظلم الحفل [١٦٧] وزال الخصب والخير ... وزاد الشرّ والمحل ومات البأس والجود ... وعاش اليأس والبخل وعزّ النقص لما ها ... ن أهل الفضل والفضل وهل ينفق ذو العلم ... إذا ما نفق الجهل وما كان لنور الدين ... لولا تجله (١) مثل

стр. 318

مُفَرِّجُ الكُروبْ فِي أَخْبَار بني أَيُّوب تأليف جمال الدّين مُحَمَّد بن سَالم بن وَاصل الْمُتَوفَّى سنة ٦٩٧ هـ «الْجُزْء الثَّانِي» عصر صَلَاح الدّين (٥٦٩ هـ - ٥٨٩ هـ = ١١٧٤ م - ١١٩٣ م) نشر لأوّل مرّة عَن مخطوطات كمبردج وباريس وإستانبول ضَبطه وحققه وعلق حَوَاشِيه وَقدم لَهُ وَوضع فهارسه الدكتور جمال الدّين الشيال أستاذ التَّارِيخ الإسلامي - جَامِعَة الْإسْكَنْدَريَّة

стр. 319

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الناشر (١) أربع سنوات مضت منذ ظهر الجزء الأول من هذا الكتاب، وقد كنت أقدر أن يظهر هذا الجزء الثانى بعد سنة أو سنتين على أكثر تقدير، لولا أننى شغلت خلال هذه السنوات الأربع بأعمال علمية أخرى كثيرة (١)، ولولا أننى قضيت بعض هذه السنوات في رحلتين إلى المشرق وإلى المغرب، ففى إبريل سنة ١٩٤٤ أرسلتنى جامعة الإسكندرية لأكون ممثلها في مؤتمر الدراسات العربية والإسلامية الذى عقدته ودعت إليه جامعة بشاور بالباكستان، وانتهزت هذه الفرصة النادرة فطوّفت في بلدان الشرق الإسلامى للتعرف على ما بها من آثار الحضارة الإسلامية، فزرت الهند وباكستان وأفغانستان وإيران والعراق وسوريا ولبنان، وكانت زيارة خاطفة سريعة استغرقت شهرين من الزمان لم

стр. 320

أر فيهما إلا العواصم وبعض المدن الكبرى (١) وما بها من مساجد ومعاهد وآثار ومكتبات ومتاحف، ومع هذا فقد أفدت منها فوائد جمة. وفى سنة ١٩٥٥ حصلت على منحة دراسية من مؤسسة روكفلر الأمريكية، ورحلت في سبتمبر من تلك السنة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فقضيت فيها وفى كندا ستة أشهر زرت فيها أهم الجامعات (٢)، وخاصة تلك التي تعنى بدراسات الشرق الأدنى، أو تلك التي تضم مكتباتها مجموعات من المخطوطات العربية، وفى عودتى قضيت شهرا في لندن وباريس لزيارة مكتبة المتحف البريطانى والمكتبة الأهلية، وأشهد أننى أفدت من هذه الرحلة الثانية كذلك فوائد كثيرة. ومع هذا لم تشغلنى هذه الأعمال العلمية أو هذه الرحلات عن ابن واصل ومفرج كروبه، فكنت أعود إليه كلما وجدت سانحة من وقت فراغى، بل لقد اصطحبت تجارب الطباعة لهذا الجزء الثانى معى إلى الولايات المتحدة، وصححت جزءا كبيرا منها اثناء مقامى في جامعتى ييل وبرنستون. وبعد فإنى أسوق هذا الحديث عذرا للأصدقاء الكرام الذين استبطأوا إخراج هذا الجزء الثانى، وظنوا بى الظنون فحسبوا أننى انصرفت عنه أو تكاسلت عن العمل على إتمامه، فلعلهم يرضون، ولعلهم يغذرون.
следующие страницы →