← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وذكر عماد الدين الكاتب أن مفارقة سعد الدين لسيف الدين كانت برضى سيف الدين، وأنه استأذنه في الوصول إلى الشام، فأذن له فيه، ولم يكن إذ ذاك علم سيف الدين بوفاة عمه، وإنما علم سيف الدين مرضه وكتمه، [١٧٢] فلما فارق سعد الدين سيف الدين، وسار مرحلتين، بلغته وفاة عمه نور الدين، فاعتمد السير مجدا، ونجا بماله، وندم سيف الدين على الرضا برحيله وسفره، وفرح بوفاة عمه نور الدين، وأظهر الفسق، وأمر بإعادة المكوس، وتظاهر بالمنكرات (١). ذكر مسير الملك الصالح إلى حلب (٢) ولما (٣) أشار سعد الدين على الأمراء بوصول الملك الصالح إلى حلب أجابوه إلى ذلك، وكان شمس الدين بن الداية - كما ذكرنا - بحلب، وله شيزر إقطاعا من نور الدين، وعنده أخوه سابق الدين عثمان، وإقطاعه تل باشر وقلعة جعبر؛ وبدر الدين حسن، وإقطاعه عين تاب وعزاز وغيرهما؛ وهؤلاء [أولاد الداية] (٤) كانوا أكبر أمراء نور الدين؛ وكان أخوهم مجد الدين أبو بكر رضيع نور الدين، وربى معه ولزمه وتبعه إلى أن ملك الشام، وكان محكّما في أيامه، وتوفى أيام نور الدين - كما ذكرنا -. وكان هؤلاء - لقربهم من نور الدين وعلو منزلتهم على غيرهم - لا يشكون أنهم هم الذين يقومون بتربية الملك الصالح، ويكون أمره إليهم، فكاتب

стр. 352

شمس الدين جماعة الأمراء [بدمشق] (١) بأن يصل الملك الصالح إلى حلب، فامتنعوا أولا، ثم وصل سعد الدين إلى دمشق - كما ذكرنا -، وأنفذ (٢) شمس الدين أخاه سابق الدين عثمان في المعنى، واتفق الحال على توجيه الملك الصالح إلى حلب، فسار إليها، ومعه سعد الدين، والعدل شهاب الدين أبو صالح بن العجمى، وإسماعيل الخازن. ذكر القبض على أولاد الداية ولما وصلوا إلى حلب قبض على الأمير شمس الدين وأخوته واعتقلوهم، وثار أبو الفضل بن الخشاب - مقدم الشيعة (٣) [بحلب]- (٤)، فقبضوا عليه وضربوا عنقه، واستبد سعد الدين بالأمور، وقام بأتابكية الملك الصالح، وأقام الأمير شمس الدين محمد بن المقدم بدمشق، وإليه تقدمة العساكر بها؛ وجمال الدين ريحان بالقلعة؛ والشّحن (٥) من قبله؛ ومدبر الدولة القاضى كمال الدين ابن الشهرزورى. وكان مسير الملك الصالح من دمشق [إلى حلب] (٤) لسبع بقين من ذى الحجة [١٧٣] من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين وخمسمائة -.

стр. 353

ولما بلغ الملك النصر صلاح الدين مسير الملك الصالح إلى حلب، واستبداد سعد الدين بتدبير أموره، وقبضه على أولاد الداية، عظم ذلك عليه وأنكره، وجعله من أكبر الحجج على قصد الشام، وأظهر أنه يريد بذلك تربية الملك الصالح والقيام بأموره، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. وراسل سعد الدين سيف الدين وصالحه على ما أخذه من البلاد الجزيرية، فحينئذ استشعر شمس الدين بن المقدم ومن معه من الأمراء، وكاتبوا الملك الناصر صلاح الدين واستدعوه ليملكوه البلاد. ذكر منازلة الفرنج للاسكندرية وعودهم عنها وفى يوم الأحد لأربع بقين من ذى الحجة سنة تسع وستين وخمسمائة وصل أسطول (١) الفرنج بصقلية، وذلك قبل الظهر من يوم الأحد المذكور، ولم يزل متواصلا متكاملا إلى وقت العصر، وذكر (٢) أن السبب في إرسال هذا الأسطول

стр. 354

من صقلية ما كنا ذكرنا من مكاتبة المصريين لصاحب صقلية (١) وغيرهم من الفرنج ليقصدوا الديار المصرية، فسيّر صاحب صقلية هذا الأسطول، ولم يعلم أن صلاح الدين قبض على الذين كاتبوه، ولما وصل هذا الأسطول وكان وصوله بغتة فحمى (٢) أهل الثغر البر عليهم، ثم أشير عليهم أن يقربوا من السور ففعلوا، فأمكن الأسطول النزول، فاستنزلوا خيلهم من الطرايد (٣) وراجلهم

стр. 355

من المراكب» وكانت خيلهم ألفا وخمسمائة رأس، وكانت عدتهم ثلاثين ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل، وكان عدد الطرايد ستا وثلاثين طريدة تحمل الخيل، وكان معهم مائتا شينى (١) في كل شينى مائة وخمسون راجلا، وكان عدة السفن التي تحمل آلات الخرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن وكان عدة المراكب [الحمّالة] (٢) برسم حمل الأزواد والرجال أربعين مركبا،

стр. 356

وفيها من الرجال المنفرقة وغلمان الخيّالة وصنّاع المراكب وأبراج الزحف ودباباته (١) ما يتمم خمسين ألف راجل. ولما تكامل الفرنج نازلين على البر مما بلى البحر والمنارة (٢) حملوا على المسلمين حملة أوصلتهم إلى السور (٢) وفقد من أهل [١٧٤] الإسكندرية في وقت الحملة ما يناهز سبعمائة نفس (٣)، وجذفت (٤) مراكب الفرنج داخلة إلى الميناء وكان به مراكب مقاتلة ومراكب مسافرة، فسبقهم المسلمون إليها فخسفوها وغرّقوها، وغلبوهم على أخذها، وأحرقوا ما أحرق (٥) منها، واتصل القتال إلى المساء (٦)، وضرب الفرنج خيامهم بالبر وعدتها ثلاثمائة خيمة، ولما أصبحوا زاحفوا وضايقوا وحاصروا، ونصبوا ست (٧) دبابات بكباشها (٨)، وثلاثة مجانيق كبار المقادير تضرب بحجارة سود استصحبوها من صقلية، وتعجّب المسلمون من شدة أثرها وعظم حجرها، وأما الدبابات فانها تشبه الأبراج في جفاء (٩) أخشابها وارتفاعها واتساعها وكثرة المقاتلة فيها، وزحفوا [بها] (١٠) إلى أن قاربوا السور ولجوّا في القتال عامة النهار.

стр. 357

وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ نازلا بعسكره على فاقوس، فلما وصل (١) إليه الخبر يوم الثلاثاء ثالث نزول العدو على جناح طائر، استنهض (٢) العسكر إلى الثغرين (٣): الاسكندرية ودمياط، احترازا عليهما واحتياطا، واستمر القتال، وقدمت الدبابات، وضربت المنجنيقات، وزاحمت السور إلى أن صارت منه بمقدار أماج [البحر، وأهاج الدور] (٤) وصبر أهل البلدة، ولم يكن عندهم من العسكر إلا قليل. ورأى الفرنج من شجاعة أهل الإسكندرية وحسن سلاحهم ما راعهم، وتواصلت الأمداد إليهم. وفى اليوم الثالث (٥) فتح المسلمون باب البلد، وخرجوا على غفلة، وركب من كان هناك من الأمراء؛ وخرجوا من الأبواب وكثر الصياح من كل جانب؛ وتكاثروا على الفرنج، فأحرقوا الدبابات المنصوبة، وصدقوا عندها القتال؛ وأنزل الله سبحانه نصره على المسلمين، واتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء - وهو رابع يوم نزولهم - وقد فشل الفرنج وفتر قتالهم (٦)، واحترقت آلات قتالهم، واستمر القتل فيهم؛ ودخل المسلمون إلى البلد لقضاء فريضة الصلاة، وهم على نية المباكرة؛ والعدو على نية الهرب، ثم كبسوهم المسلمون بغتة عند قرب اختلاط الظلام، فهاجموهم [١٧٥] في خيامهم، فتسلموها بما فيها وقتلوا من الرجالة ما لا يحصى.

стр. 358

ولم يسلم من الخيالة إلا من نزع عنه لباسه ورمى نفسه في البحر، وأخذ الباقون أخذا باليد، واقتحم المسلمون البحر على بعض المراكب فخسفوها وأغرقوها؛ وولت بقية المراكب هاربة، وصار العدو - لعنه الله - بين قتيل وأسير وغريق؛ واحتمى ثلاثمائة فارس في رأس جبل (١)، وأخذت خيولهم، ثم قتلوا وأسروا وأخذ المسلمون من الآلات والمتاع والأسلحة ما لا يملك مثله، وأقلع الأسطول عن الثغر يوم الخميس مستهل المحرم سنة سبعين وخمسمائة. ذكر خروج الكنز (٢) بالصعيد ومقتله (٣) هذا الكنز هو رجل من مقدمى المصريين، كان قد انتزح إلى أسوان وأقام بها، فلم يزل يدبر أمره، ويجمع السودان عليه، وأوهمهم أنه يملك البلاد،

стр. 359

ويعيد الدولة المصرية كما كانت، فاجتمع إليه ممن يرى رأى الاسماعيلية ويهوّن (١) عود الأمر إلى أهل القصر خلق عظيم وجمع كثير من السودان، ولما كثر جمعه (٢) قصد قوص وأعمالها، فجرّد إليه السلطان الملك الناصر ﵀ جمعا كثيرا من العسكر، وقدّم عليهم أخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فسار بهم الملك العادل حتى أتى القوم، وكان الكنز قد فتك بأخ لحسام الدين أبى الهيجاء السمين وبمن (٣) هناك من المنقطعين، ولما قصده الملك العادل بمن معه من العسكر تداركوا بطود، وبها أصحاب الكنز، فاجتمعت عليهم، فنازلوها ثم ملكوها، وأبادوا أهلها بالسيف، ثم صاففوا (٤) الكنز ومن معه، فكسر وقتل وأبيد أصحابه قتلا وأسرا، وانطفت جمرة المصريين ولم تقم لهم بعدها قائمة (٥). ذكر مسير الملك الناصر صلاح الدين إلى الشام وتملك دمشق قد ذكرنا إنكار السلطان الملك الناصر ﵀ ما اعتمده الجماعة مع الملك الصالح من القبض على الأمير شمس الدين على بن الداية وأخوته،

стр. 360

وتفريطهم في البلاد، ويذلهم القطيعة للفرنج من غير أن يبدوا (١) عذرا في جهادهم، وقال: «أنا أحق بتربية الملك الصالح رعاية (٢) لعهد والده، [١٧٦] ولو استمرت ولاية هؤلاء القوم تفرقت الكلمة وطمعت الكفار في البلاد». ثم كاتب الأمير شمس الدين بن المقدم برسالة منها: " إنا لا نؤثر للإسلام وأهله إلا ما جمع (٣) شملهم وألّف (٣) كلمتهم، وللبيت (٤) الأتابكى - أعلاه الله - إلا ما حفظ أصله وفرعه، أو دفع ضره وجلب نفعه، فالوفاء إنما يكون بعد الوفاة، والمحبة إنما يظهر أثرها عند تكاثر أطماع (٥) العداة، وبالجملة أنا في واد والظانون بنا ظن السوء في واد، ولنا من الصلاح مراد، ولمن يبعدنا عنه مراد " (٦) ثم عزم السلطان على المسارعة إلى تلافى الأمر، فاعترضه أمران: وصول أسطول صقلية (٧) إلى الاسكندرية، والثانى نوبة الكنز (٧) المقدم ذكره، فلما كفى الله شرهما توجه إلى دمشق، فخرج إلى البركة (٨) في مستهل صفر من هذه

стр. 361

السنة - أعنى سنة سبعين وخمسمائة - وقد وردت عليه رسل شمس الدين محمد بن المقدّم، وشمس الدين صديق بن جاولى صاحب بصرى، يستحثونه على سرعة الحركة. ثم سار ثالث عشر ربيع الأول على صدر (١) وأيلة في سبعمائة فارس، ولما قارب بصرى (٢) خرج صاحبها صديق بن جاولى إلى لقائه، فلما رأى قلة من معه قال للقاضى الفاضل: " ما أرى معكم عسكرا، وهذا بلد عظيم لا يقصد بهذا العسكر، ولو منعكم من به ساعة من النهار أخذكم أهل السواد، فإن كان معكم مال سهل الأمر ". فقال: " معنا مال كثير يكون خمسين ألف دينار ". فضرب صاحب بصرى على رأسه وقال: " هلكتم وأهلكتمونا ". وجميع ما كان معهم عشرة آلاف دينار. ثم رحل السلطان من بصرى لست بقين من ربيع الأول، فلقيه ابن عمه الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شاذى، والأمير سعد الدين بن معين الدين أنر يوم السبت لثلاث بقين من الشهر، ونزل يوم الأحد بحسر الخشب وتوافت إليه الأجناد والعساكر الدمشقية، والوجوه والأكابر. ولما كان يوم الاثنين التاسع والعشرين من ربيع الأول ركب [السلطان] (٣) وساق إلى [٧٧١] دمشق، فاعترضه دون الدخول جماعة من الرجال يريدون بزعمهم دفعه، فهزمهم عساكره، ووصل (٤) إلى البلد، ولم يغلق في وجهه

стр. 362

باب، بل كأن البلد لم يزل (١) له، فدخل دمشق وخرقها، ووصل إلى دار أبيه المعروفة بدار العقيقى، وامتنع جمال الدين ريحان بالقلعة، وأمر [السلطان] (٢) فنودى في دمشق بإطابة النفوس وإزالة المكوس، وأظهر أنه ما جاء (٣) إلا لتربية الملك الصالح ولد نور الدين، وأن الملك له، وهو نائبه ومدبر دولته، وأبقى الخطبة والسكة باسمه، وراسل جمال الدين متولى القلعة، واستماله وبذل له كلما يطلبه، فأجاب جمال الدين إلى تسليم القلعة، فتسلمها السلطان على عوض أعطاه [إياه] (٢)، وأنزل بالقلعة أخاه ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، واستثبت (٤) أمر السلطان بدمشق (٥)، وجاء (٦) إلى خدمته القاضى كمال الدين بن الشهرزورى، فوفّاه حقه من الإكرام (٧)، ونفذت الكتب إلى الديار المصرية بما سناه (٨) الله تعالى له من هذا الفتح.

стр. 363

ولما سمع المدبرون للملك الصالح (١) إسماعيل بن نور الدين ﵀ (١) بملك الملك الناصر دمشق سقط في أيديهم، وأيقنوا بذهاب البلاد، فراسلوا سيف الدين غازى بن [قطب الدين] (٢) مودود بن زنكى صاحب الموصل وأرسلوا إلى السلطان الملك الناصر الأمير قطب الدين ينال (٣) بن حسّان - صاحب منهج - برسالة فيها غلظ وتعنيف، وقال للسلطان فيما قاله: «هذه السيوف التي (٤) ملكتك مصر - وأشار إلى سيفه - تردّك، وعما تصديت له تصدّك»، فحلم عنه السلطان وتغافل، وذكر أنه إنما وصل لترتيب الأمور وتربية الملك الصالح، وإخراج الأمراء أولاد الداية من الاعتقال، فقال له قطب الدين: «أنت تريد الملك لنفسك، وليس مقصودك غير ذلك، والمصلحة أنك ترجع من حيث جئت، ولا تطمع فيما ليس لك فيه مطمع»، فأظهر له السلطان التبسم، ولم يقابله إلا باللين والرفق (٥).

стр. 364

ذكر استيلاء الملك الناصر على حماة ومدينة حمص ثم إن السلطان الملك الناصر [صلاح الدين] (١) استخلف بدمشق أخاه سيف الإسلام [طغتكين]، وسار إلى حمص مستهل جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة سبعين وخمسمائة - وكانت حمص، وحماة، وقلعة بارين، وسلمية، وتل خالد، والرّها، إقطاعا للأمير فخر الدين [مسعود] (١) بن الزعفرانى، ولم تكن قلعتا حمص وحماة له، وإنما كان فيهما دزداران (٢) من قبل نور الدين وكان المرتب بقلعة حماة عز الدين جرديك (٣) - مملوك نور الدين - فلم يمكن فخر الدين بن الزعفرانى المقام بمدينتى حمص وحماة، لسوء سيرته في الرعية، ففارقهما، فلما نزل السلطان [صلاح الدين] (١) على حمص، وذلك حادى عشر جمادى الأولى، تسلم المدينة، وامتنعت القلعة، فترك بمدينة حمص من يحفظها، ومنع من بالقلعة من التصرف، وأن لا يصعد (٤) إليهم ميرة. ثم سار إلى حماة، فملك المدينة مستهل جمادى الآخرة من السنة، وراسل الأمير عز الدين جرديك في تسليم القلعة إليه، فامتنع عليه، فأرسل إليه يعرفه ما هو عليه من طاعة الملك الصالح، وإنما يريد حفظ البلاد عليه، فاستحلفه جرديك

стр. 365

على ذلك، فحلف، وسيّره السلطان رسولا إلى حلب، يدعوهم إلى اجتماع الكلمة في طاعة الملك الصالح، وفى إطلاق الأمير شمس الدين على بن الداية وأخوته من السجن، فسار إليهم جرديك إلى حلب، واستخلف بقلعة حماة أخاه (١)، ولما وصل جرديك إلى حلب قبض عليه سعد الدين كمشتكين، فلما علم أخوه بذلك سلّم القلعة إلى السلطان الملك الناصر ﵀ ذكر منازلة السلطان الملك الناصر حلب ورحيله عنها ثم مضى السلطان إلى حلب، وحاصرها لثلاث مضين (٢) من جمادى الآخرة، فقاتله أهلها أشد قتال، وركب الملك الصالح - وهو صبى عمره اثنتا (٣) عشرة سنة - وجمع أهل البلد، وقال لهم: " قد عرفتم إحسان أبى إليكم، ومحبته لكم، وسيرته فيكم، وأنا يتيمكم (٤)، وقد خان (٥) هذا الظالم الجاحد إحسان والدى إليه، يأخذ بلادى، ولا يراقب الله [والخلق (٦)] ". وقال من هذا الكلام كثيرا، وبكى وأبكى الناس، فبذلوا له الأموال والأنفس، واتفقوا على القتال دونه، والمنع عن بلاده، وجدّوا في القتال، فكانوا يخرجون يقاتلون عند جبل جوشن، (١٧٩) فلم يقدر السلطان على القرب من البلد.

стр. 366

ذكر استنجاد الحلبيين بالملاحدة وقتلهم ناصح الدين خمارتكين وأرسل سعد الدين كمشتكين إلى سنان (١) صاحب الإسماعيلية بمصيات (٢) وقلاعها (٣). وبذل له أموالا كثيرة ليقتل السلطان، فأرسلوا جماعة منهم إلى عسكره، فعرفهم الأمير ناصح الدين خمار تكين -[صاحب بوقبيس وهو جد مظفر الدين] (٤) صاحب صهيون - وكان مثاغرا (٥) لهم، فقال لهم: " لأى شىء جئتم، وكيف تجاسرتم على الوصول؟ " فجرحوه جراحات مثخنة مات منها ﵀، وجاء من يدفع عنه فأثخنوه [أيضا جراحات] (٦)، وعدا أحدهم ليهجم على السلطان [صلاح الدين] (٦) وقد شهر سكينا، فشمله طغرل أمير جاندار بالسيف فقتله، وما قتل الباقون حتى قتلوا عدة [من الأجناد] (٦). ثم كاتب الحلبيون صاحب طرابلس، وكان في أسر نور الدين ﵀ وفد كان أسره (٧) على حارم، وبقى في الأسر أكثر من عشر سنين، ثم فدا نفسه بمائة ألف وخمسين ألف دينار، وفكاك ألف أسير، فتوجه بالفرنج إلى حمص، فلما سمع السلطان بذلك رحل عن حصار حلب، وذلك مستهل رجب من هذه السنة - أعنى سنة سبعين وخمسمائة -

стр. 367

ذكر مراسلة السلطان للديوان العزيز ثم أرسل السلطان الخطيب شمس الدين بن أبى المضاء (١) رسولا إلى الخليفة الإمام المستضىء بنور الله بن المستنجد برسالة فاضلية (٢)، تشتمل على تعداد ما للسلطان عليه من الآثار الجميلة، والقيام بخدمة الدولة العباسية، من جهاد (٣) العدو في أيام نور الدين ثم فتح مصر واليمن وبلاد جمة من أطراف المغرب، وإقامة الخطبة العباسية بها، وأنه لم تخل سنة من غزو الفرنج برا وبحرا، و (٤) مركبا وظهرا (٤)، وفتح معاقل لهم من جملتها قلعة كانت بثغر أيلة قد بناها العدو في بحر الهند المسلوك منه إلى الحرمين واليمن، [وغزا ساحل الحرم] (٥)، فسبى منه خلقا، وخرق الكفر في ذلك الجانب خرقا، ففتحت هذه القلعة، وصارت معقلا لجهاد المسلمين وموئلا للمسافرين (٦)، وفيه: فصل في ذكر أهل مصر:

стр. 368

" ووصلنا البلاد وبها أجناد عددهم كثير، وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السر فيهم أنفذ من العزيمة في الجهر، وبها راجل من السودان يزيد على مائة ألف رجل (١)، كلهم أغتام أعجام، إن هم إلا كالأنعام (١٨٠) لا يعرفون ربا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا ما يتوجهون إليه من ركنه [وامتثال أمره] (٢)، وبها عسكر من الأرمن باقون على النصرانية (٣)، موضوعة عنهم الجزية، ولهم شوكة وشكة، [وحمة] (٢) وحمية، لهم حواش لقصرهم من بين داع تتلطف في الضلال مداخله، وتصيب العقول (٤) مخاتله، ومن كتّاب تفعل أقلامهم فعل الأسل، وخدام يجمعون إلى سواد الوجوه سواد النحل، ودولة قد كبر عليها (٥) الصغير ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع من خطرات (٦) الضمير، فكيف

стр. 369

بخطوات التدبير، هذا إلى استباحة للمحارم (١) ظاهرة، وتعطيل للفرائض على عادة [جارية] (٢) جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله بالتنزيل، وكفر يسمى بغير اسمه، وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه، فما زلنا نسحتهم سحت المبارد للشفار، ونتحيفهم تحيف الليالى (٣) والنهار، يعجائب (٤) تدبير لا تحتملها المساطير، وغرائب تقدير (٥) لا تحملها الأساطير (٦)، فشرعنا في تلك الطوائف من الأجناد والسودان والأرمن، فأخرجناهم من القاهرة (٦)، حتى بقى القصر ومن به من خدم وذرية قد تفرقت شيعه، وتمزقت بدعه، وأخفيت دعوته، وخفتت ضلالته، فهناك تمت لنا إقامة الكلمة والجهر بالخطبة، والرفع للواء الأعظم الأسود، وعجل الله للطاغية الأكبر بفنائه، وبرأنا من عهدة يمين كان إثم حنثها (٧) أيسر من إثم إبقائه، إلا أنه عوجل لفرط روعته، ووافق هلاك شخصه هلاك دولته ". فصل (٦): " وكان باليمن ما علم من [أمر] (٨) ابن مهدى الضال الملحد، المبتدع المتمرد (٩)، وله آثار في الإسلام وثأر طالبه النبى ﵊، لأنه سبا الشرائف الصالحات، وباعهن بالثمن البخس، واستباح منهن كل

стр. 370

ما لا تقر عليه نفس، ودان ببدعة صعبة، ودعا إلى قبر أبيه وسماه كعبة، وأخذ أموال الرعايا [المعصومة] (١) وأجاحها، وأحل الفروج المحرمة وأباحها. فصل: ولنا بالمغرب أثر أغرب، (٢) قد ملكنا مما تجاور منه بلادنا بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرنا [إليها] عسكرا بعد عسكر، رجع بنصر بعد نصر، من مشاهيرها: برقة، قفصة، قسطيلية، توزر؛ كل هذه تقام فيها الخطبة لمولانا المستضىء بنور الله، سلام الله عليه ". (١٨١) ثم ذكر تشتت بلاد الشام بعد وفاة نور الدين، وطمع العدو فيها لاختلاف الآراء، (٢) " وأن كل قلعة قد حصل فيها صاحب، وكل جانب قد طمح إليه طالب، وساءت السيرة، وخبثت السريرة ". فصل: " (٢) وعرفنا أن البيت المقدس إن لم تتيسر الأسباب لفتحه، وأمر الكفر إن لم نجرد العزم لقلعه، وإلا نبتت عروقه، واتسعت على المسلمين (٣) خروقه، وكانت الحجة لله قائمة، وهمم القادرين بالقعود آثمة، وإنا لا نتمكن بمصر منه مع بعد المسافة، وانقطاع العمارة، وكلال الدواب التي بها على الجهاد قوة، وإذا جاوزناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة، واليد قادرة، والبلاد قريبة، والغزوة ممكنة، والميرة متسعة، والخيل مستريحة، والعساكر كثيرة [الجموع] (١). (٢) وإذا شد رأينا حسن الرأى ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله، ويد كل مسلم (٤) تحت برده، واستنقذنا أسيرا من المسجد الأقصى، الذى أسرى الله إليه بعبده "

стр. 371

ثم ذكر فيه: " أنه قدم الشام لإصلاح الأمور، وحفظ الثغور، وخدمة ابن نور الدين وكفالته، وتخليصه من قوم يأكلون الدنيا باسمه، ويبالغون في ظلمه " (١) ثم طلب من الخليفة المستضئ بنور الله تقليدا جامعا بمصر، والمغرب، واليمن والشام، وكل ما تشتمل عليه الولاية النورية، وكلما يفتحه الله تعالى للدولة العباسية بسيوفه وسيوف عساكره، ولمن يقيمه من أخ أو ولد من بعده، تقليدا يتضمن للنعمة تخليدا، وللدعوة تجديدا " (١) ذكر استيلاء السلطان الملك الناصر على قلعتى حمص وبعلبك قد ذكرنا مكاتبة الحلبيين للقومص (٢) صاحب طرابلس، وقصده حمص، ولما وصل إليها نازلها، (٣) وذلك سابع رجب، وبلغ السلطان ذلك (٣) فرحل عن حلب، ووصل إلى حماة ثامن رجب بعد نزول الفرنج على حمص بيوم واحد، ثم رحل إلى الرستن، فلما بلغ الفرنج قربه رحلوا عن حمص، ووصل إليها السلطان، وحصرها وضايقها، فملكها لتسع بقين من شعبان، ثم سار منها إلى بعلبك، وبها خادم اسمه يمن، فحصرها السلطان، فأرسل يمن بطلب الأمان

стр. 372

له ولمن معه، فأمنهم السلطان، وتسلم القلعة لأربع مصين من شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة سبعين وخمسمائة -[١٨٢] وامتدحه عماد الدين الكاتب، وكان قد اتصل بخدمته وهو نازل على حمص من قصيدة أولها: بفتوح عصرك يفخر الإسلام، ... وبنور نصرك تشرق الأيام وبفتح قلعة بعلبك تهذبت ... هذى الممالك، واستقرّ الشام وبكى الحسود دما، وثغر الثغر - من ... فرح بنصرك - للهدى بسّام فتح تسنّى في الصيام كأننا ... - شكرا لما منح الإله - صيام من ذا يرى في الصوم عيد سعادة ... حلّت لنا، والفطر فيه حرام أسدى صلاح الدين والدنيا يدا ... بنوالها سوق الرخاء (١) تقام فتملّ فتحك، وافتح القدس (٢) الذى ... بحصوله لفتوحك الإتمام دم للعلى حتى يدوم نظامها، ... واسلم، يعزّ بنصرك الإسلام ذكر منازلة سيف الدين غازى أخاه عماد الدين زنكى بن مودود بسنجار (٣) كان السلطان قد كاتب عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى - صاحب سنجار - وأطمعه في الملك (٤) لأنه كبير البيت، فمال إلى السلطان وصار من جهته، ولما ملك السلطان دمشق وحمص وحماة وبعلبك كتب الحلبيون إلى سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى - صاحب الموصل - يستنجدونه

стр. 373

عليه، وطلبوا منه أن يعبر الفرات ليقصدوا السلطان، فجمع سيف الدين عساكره، وكاتب أخاه عماد الدين زنكى، وأمره أن ينزل إليه من سنجار بعساكره، ليجتمعا على حرب السلطان الملك الناصر، فامتنع من ذلك، فجّهز أخوه سيف الدين أخاه عز الدين مسعود بن مودود في عسكر كبير هو معظم عسكره إلى الشام، وجعل المقدم على العسكر مع أخيه الأمير عز الدين محمود المعروف بزلفندار (١)، وجعله المدبر للأمر، وسار سيف الدين بنفسه إلى سنجار، وحصرها في شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة سبعين وخمسمائة -، وجدّ في قتالها، فامتنع بها أخوه عماد الدين، وأحسن حفظها والذبّ عنها، فبينما هو [كذلك] (٢) إذ أتاه الخبر [١٨٣] بانهزام عسكره الذى مع أخيه عز الدين - كما سنذكره -، فصالح حينئذ أخاه ورحل عائدا إلى الموصل. ذكر كسرة المواصلة بقرون حماة لما تسلم الملك الناصر ﵀ بعلبك عاد إلى حمص، ووصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكى بعساكر الموصل إلى حلب، ومعه عز الدين [محمود الملقب] (٣) بزلفندار (٤)، ثم جاءوا إلى حماة فحصروها، وراسلوا السلطان في الصلح، فقدم السلطان في خف (٥) من أصحابه، فجاءه

стр. 374

الأمير سعد الدين كمشتكين والعدل شهاب الدين أبو صالح بن العجمى وغيرهما، وتفاوضوا في معنى الصلح، فأجابهم السلطان إلى أن يرد عليهم الحصول التي أخذها، وأن يقنع بدمشق نائبا عن الملك الصالح منتميا (١) إليه، والخطبة والسكة له، وأن يرد عليهم كلما أخذ من الخزانة، فلما رأوه مجيبا لكل ما يلتمس منه وقلة عسكره اشتطوا عليه وطمعوا، وطلبوا الرحبة وأعمالها، فقال: " هى لابن عمى نصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه، ولا سبيل إلى الإضرار به ". فنفروا وأصبحوا على الرحيل إلى جانب العاصى قريبا من شيزر، وجمعوا العساكر وأظهروا عزمهم على المصاف، فعبّر السلطان إلى سفح قرون حماة خيامه، ووصل إليه جماعة من العسكر المصرى ومعهم عشرة من المقدمين، منهم أبناء أخيه: الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب، وعز الدين فرخ شاه بن شاهان شاه بن أيوب، وغيرهم؛ ثم كانت الوقعة بين الفريقين تاسع عشر شهر رمضان من السنة، فلم يثبت عسكر الموصل، وانهزموا لا يلوى أحد على أحد، وثبت عز الدين مسعود بعد انهزام أصحابه، فلما رأى السلطان ثباته قال: " إما أن هذا أشجع الناس، وإما أنه لا يعرف الحرب، " وأمر أصحابه بالحملة عليه، فحملوا فأزالوه عن موقفه، وتمت الهزيمة عليهم، وتبعهم السلطان وعسكره، حتى جاوز معسكرهم (٢)، وغنم كل ما معهم، وأسر جماعة منهم، ثم منّ عليهم وأطلقهم، وعادوا منهزمين إلى حلب، وتبعهم السلطان بنية المحاصرة لحلب والمنازلة لها، وقطع حينئذ خطبة الملك الصالح ابن نور الدين، وأزال اسمه عن السكة في بلاده.

стр. 375

وفى هذه الوقعة يقول عماد الدين الكاتب من قصيدة يمدح بها الملك المظفر تقى الدين ﵀: [١٨٤] لاتفن من فرق الفراق الأدمعا، ... فهى الشهود على الغرام المدّعى قلب أصابته العيون، ولم يزل ... - من مسّها - بالهاجسات (١) مروّعا ومن التّجبّر أننى أبصرته ... في ظعنهم، وسألت عنه الأربعا (٢) أصبحت إذ شيعتهم لثلاثة: ... صبرى، وغمضى، والفؤاد مشيّعا أو ما اتقيتم (٣) حين رعتم سربه ... فيه (٤) تقّى الدين ذاك الأروعا عمر بن شاهنشاه من هو عامر (٥) ... أركان ملك الشام حين تضعضعا خضع العدو وذلّ بعد تعزّز ... لكم، وحق عدوكم أن يخضعا لما عصى الأعداء بالعاصى جرى ... بدمائهم طوعا (٦) سيولا دفّعا ذكر وقوع الصلح ثم جاءت الرسل من الحلبيين إلى السلطان يطلبون منه الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشام، ولهم ما بأيديهم منها، فأجابهم إلى ذلك، واستزاد منهم المعرّة وكفر طاب، وانتظم الصلح، ووقعت الأيمان، ورحل عن حلب في العشر الأول من شوال من السنة.

стр. 376

ووصل إلى حماة فوافته الرسل من جهة الامام المستضئ بنور الله أمير المؤمنين. بالتشريفات السلطانية، والتقليد بما أراد من الولايات، وأفاضوا الخلع على السلطان وأقار به، وخصّ ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بمزيد تفضيل على أقارب السلطان، رعاية لحق (١) والده أسد الدين - رحمه الله تعالى -: ذكر استيلاء الملك الناصر على بارين وكان صاحبها الأمير فخر الدين (٢) مسعود بن على الزعفرانى من عهد نور الدين (٣)، وكان من أكابر الأمراء النورية، فلما رأى قوة السلطان نزل منها واتصل بخدمته، وظن أنه يكرمه ويشاركه في ملكه، ولا ينفرد عنه بأمر، كما كان عند نور الدين، فلم ير منه شيئا من ذلك، ففارقه (٤) ولم يكن بقى له من إقطاعه النورى غير بارين، ونائبه بها (٤)، فلما انتظم الصلح بين السلطان والحلبيين، وقدم حماة - كما ذكرنا - سار منها إلى بارين وحاصرها، ونصب عليها المجانيق، فسلمت إليه بالأمان، فلما ملكها عاد إلى حماة، وأقطعها لخاله [١٨٥] شهاب الدين محمود بن تكش الحارمى، وكان تملّك بارين في العشر الأخير من شوال من هذه السنة.

стр. 377

ذكر استيلاء ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه على حمص (١) وفى هذه السنة - أعنى سنة سبعين وخمسمائة - سلم السلطان حمص إلى ابن عمه الملك القاهر ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شاذى، وهى كانت إقطاعا لوالده أسد الدين في أيام نور الدين - كما ذكرنا - فملكها ناصر الدين محمد، ثم ملكها بعده ولده الملك المجاهد أسد الدين شيركوه إلى سنة سبع وثلاثين وستمائة، ثم ملكها بعده ولده الملك المنصور إبراهيم إلى سنة أربع وأربعين وستمائة، ثم ملكها ولده الملك الأشرف موسى بن إبراهيم بن شيركوه، فأخذت منه سنة ست وأربعين وستمائة. ثم لما ملك التتر الملاعين البلاد الشامية سنة ثمان وخمسين وستمائة أعادوها إلى الملك الأشرف، ودخل في طاعتهم، ثم لما كسر الملك المظفر سيف الدين قطن المعزى صاحب مصر التتر بعين جالوت وملك الشام قرّر الملك الأشرف بها، فبقيت معه إلى أن توفى الملك الأشرف سنة اثنين وستين وستمائة [فملكها الملك الظاهر ركن الدين بيبرس صاحب مصر] (٢) ثم عاد السلطان الملك الناصر ﵀ إلى دمشق، فدخلها في آخر شوال، ثم رحل منها إلى مرج الصفر، فنزل به إلى آخر السنة. ودخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة والسلطان بمرج الصفر، فجاءه رسول الفرنج يطلب الهدنة، فأجابهم السلطان إليها، بعد أن اشترط عليهم أمورا التزموها،

стр. 378

وكان الشام مجدبا، فأذن السلطان للعساكر المصرية في الرحيل إلى بلادهم، وإذا استغلوها (١) رجعوا إليه. ثم رجع السلطان إلى دمشق، وواظب الجلوس في دار العدل، والصيد، ومدحه كاتبه عماد الدين بقصيدة أولها: سواك لسهم (٢) العلى لن (٣) يريشا ... فنسأل ربّ العلى أن تعيشا من الناس بالبرّ صدت الكرا ... م، وبالبأس في البرّ صدت الوحوشا وكم سرت (٤) من مصر نحو العري ... ـش، فهدمت للمشركين العروشا سراياك تبعث قدّامها ... - من الرعب، نحو الأعادى - جيوشا [١٨٦] ويوم حماة تركت العدا ... ة، كما طردت (٥) بالفلا الريح ريشا ذكر اجتماع الحلبيين والمواصلة لحرب السلطان الملك الناصر ثانيا لما انتظم الصلح بين السلطان والحلبيين، وسمع بذلك سيف الدين غازى ابن مودود - صاحب الموصل - عتب على الحلبيين، ووبخهم ونسبهم إلى العجلة في ذلك [وإلى الضعف] (٦)، وسلوك غير طريق الحزم، وحملهم على النقض والنكث، وأنفذ إليهم من أخذ عليهم المواثيق، ثم توجه ذلك الرسول إلى دمشق، ليأخذ لسيف الدين من السلطان عهدا، ويكشف أيضا

стр. 379

ما عنده، فلما خلا به طالبه السلطان بنسخة اليمين (١)، فغلط الرسول وأخرج من كمه يمين الحلبيين لسيف الدين، وناولها له، فتأملها وأخفى (٢) سره، واطلع على ما اتفقوا عليه وردها إليه، وقال: " لعلها قد تبدلت "، فعرف الرسول أنه قد غلط، ولم يمكنه تلافى الفارط منه، وقال السلطان: " كيف حلف الحلبيون لسيف الدين، ومن شرط أيمانهم أنهم لا يعتمدون أمرا إلا بمراجعتهم لنا واستئذانهم؟ "، وتحقق أنهم على نقض العهد. وشاع الخبر عنهم بالخروج في الربيع، فكتب السلطان إلى نائبه بمصر، وهو أخوه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب، يعلمه بذلك، ويأمره أن يأمر العساكر بالاستعداد والخروج في شعبان. وصالح سيف الدين أخاه عماد الدين - كما ذكرنا - وعاد (٣) عن سنجار إلى الموصل، وجمع العساكر وأنفق فيهم الأموال، واستنجد بصاحب الحصن وصاحب ماردين وغيرهما، ثم سار إلى نصيبين في ربيع الأول من هذه السنة، وأقام بها حتى انسلخ الشتاء، ثم سار متوجها إلى حلب، فعبر الفرات من البيرة، وخيّم على الجانب الغربى، وراسل الحلبيين، واستقرت القاعدة أنه يصل إليهم، وذلك بعد (٣) رسول سعد الدين كمشتكين (٣) إليه، ومراجعات كثيرة وقعت بينهم عزم على العود منها مرارا، ثم سار ووصل إلى حلب، فخرج إليه ابن عمه الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين - رحمهما الله - فالتقاه قريب القلعة، واعتنقه وضمه إليه وبكى (٤)، ثم أمره بالعودة إلى القلعة، فعاد إليها، وسار هو حتى نزل بعين المباركة، وأقام بها مدة، وعسكر حلب يخرجون إلى خدمته كل يوم، وصعد إلى القلعة جريدة، وأكل فيها، ونزل.

стр. 380

ذكر الوقعة بتل السلطان ووصلت من مصر العساكر [١٨٧] إلى السلطان الملك الناصر، فسار بهم متوجها إلى حلب، فوصل حماة، ثم رحل منها إلى مرج أبو قبيس، وجاء الخبر أن الحلبيين والمواصلة في عشرين ألف فارس سوى سوادهم، وأنهم موعودون من الفرنج بالنجدة، وأمدادهم متواصلة، ولم يكن اجتمع من عسكر السلطان سوى ستة آلاف فارس، فرتّب السلطان عسكره، وأطلق الحلبيون من في الأسر من ملوك الفرنج، منهم: أرناط (١) برنس صاحب الكرك، وجوسلين (٢) خال الملك؛ وقرروا معهم المساعدة لهم، ورحل سيف الدين بالعساكر إلى تل السلطان. وبلغ السلطان الملك الناصر الخبر وقد عيّد عيد الفطر، فعبر العاصى عند شيزر، ورتّب العسكر، وأعاد الأثقال إلى حماة، ثم سار حتى أتى قرون حماة، فبلغ الحلبيين أنه قد قارب عسكرهم، فأخرجوا اليزك (٣)، ووجهوا من يكشف الأخبار، فوجدوه قد وصل جريدة إلى جباب (٤) التركمان، وتفرق عسكره لسقى خيله، ولو أراد الله نصرتهم لقصدوه في تلك الساعة، لكن صبروا عليه

стр. 381

حتى سقى خيله هو وعسكره، واجتمعوا وتعبّوا للقتال، وذلك يوم الأربعاء التاسع من شوال من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة - ثم وصل السلطان إلى تل السلطان العصر، وقد تعب هو وعسكره وعطشوا، فألقوا نفوسهم إلى الأرض ليس بهم حركة، فأشار على سيف الدين جماعة من أصحابه بقتالهم على هذا الحال، فقال بزلفندار: " ما بنا حاجة إلى قتال هذا الخارجى هذه الساعة، غدا بكرة نأخذهم كلهم " فتركوا القتال إلى الغد، فلما أصبحوا يوم الخميس اصطفوا للقتال، وكان في ميمنة (١) سيف الدين مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك - صاحب إربل -، فكسر ميسرة (٢) السلطان، ثم حمل السلطان بنفسه فانكسروا بين يديه، فلم يقف منهم أحد على أحد، فأسر جماعة من أمرائهم الأكابر، منهم فخر الدين عبد المسيح، فمنّ عليهم وأطلقهم، واستولى السلطان على جميع مخيمهم وسرادق (٣) سيف الدين غازى وابن أخيه عز الدين فرخشاه. ثم ركض السلطان وراء سيف الدين فلم يدركه، فعاد وخلع على [بقية] (٤) الأمراء المأسورين، ومنّ عليهم، ونزل في السرادق [١٨٨] السيفى فتسلمه بخزائنه واصطبلاته، ومطابخه (٥)، ففرقها جميعا، ورأى في السرادق طيورا من القمارى والبلابل والهزارات (٦) والببغاء (٧) في الأقفاص، فاستدعى السلطان

стр. 382

مظفر [الدين] (١) الأقرع، - وهو أحد ندماء سيف الدين - (٢)، فقال له: " خذ هذه الأقفاص، واذهب بها إلى سيف الدين، وسلم عليه عنا، وقل له: عد إلى اللعب بهذه الطيور، فهى أسلم لك عاقبة من الحرب ". (٣) ووصل سيف الدين ومن معه [ركضا] (٤) إلى حلب، وترك بها أخاه عز الدين مسعود في جمع من العسكر وعاد إلى الموصل وهو لا يصدق بالنجاة؛ [وكانت هذه الكسرة من الله تعالى بغير حرب ولا قتال]، (٤) ولم يقتل في هذا المصاف مع كثرته إلا رجل واحد. ولما وصل سيف الدين الموصل استشار وزيره جلال الدين، ومجاهد الدين قايماز، في مفارقة الموصل والاعتصام بقلعة عقر الحميدية، فقال له مجاهد الدين: " أرأيت إن ملكت الموصل عليك أتقدر أن تمتنع ببعض أبراج الفصيل؟ " فقال: " لا "، فقال: " برج في الفصيل خير من العقر ". وما زال الملوك منهزمين، ويعاودوا في الحرب، واتفق هو والوزير على شد أزره، وتقوية قلبه [فأقام مكانه، ووصل إليه أخوه عز الدين بمن اجتمع إليه من العسكر المنهزم، وتراجعت بقية العساكر إلى الموصل، والحلبيون إلى بلادهم] (٤) وغلّط ابن الأثير في تاريخه ما ذكره عماد الدين في البرق [الشامى]: وهو أن عسكر سيف الدين في هذه الوقعة كان عشرين ألف فارس. وقال: " عسكر الملك الناصر صلاح الدين لم يكونوا يزيدون على ستة آلاف فارس ".

стр. 383

قال [ابن الأثير]: " إنى وقفت على جريدة العرض وترتيب العسكر في المصاف ميمنة وميسرة وقلبا وجاليشية (١) وغير ذلك، وكان المتولى لذلك والكاتب له أخى مجد الدين أبى السعادات المبارك، قال: " وانما قصد عماد الدين في تاريخه تعظيم صاحبه، وأنه هزم بستة آلاف عشرين ألفا، والحق أحق أن يتبع ". ولما كسر السلطان الملك الناصر المواصلة والحلبيين هنأه عماد الدين بقصيدة منها: فالحمد لله الذى إفضاله ... حلو الجنا، عالى السّنا، وضّاحه عاد العدوّ بظلمة من ظلمه ... في ليل ويل قد خبا مصباحه وجنا عليه جهله بوقوعه ... في قبضة البازى، فهيض (٢) جناحه [١٨٩] حمل السلاح إلى القتال، ومادرى ... أنّ الذى يجنى عليه سلاحه أضحى يريد مواصليه صدوده، ... وغدا يحيد رثاءه مدّاحه إن أفسد الدين العداة (٣) بحنثهم، (٤) ... فالناصر الملك الصلاح صلاحه قد كان عزمك للإله مصمما ... فيهم، فلاح كما رأيت فلاحه فكأننى بالساحل الأقصى، وقد ... ساحت ببحر (٥) دم الفرنجة ساحه

стр. 384

فاعبر إلى القوم الفرات ليشربوا ال ... موت الأجاج، فقد طما طمّاحه (١) لتفكّ من أيديهم رهن الرها ... عجلا، ويدرك ليلها إصباحه وابغوا لحرّان الخلاص، فكم بها ... حرّان قلب نحوكم ملتاحه نجّوا البلاد من البلاء بعدلكم، ... فالظلم باد في الجميع صراحه واستفنحوا ما كان من مستغلق ... منها، فربّكم (٢) له فتّاحه أنتم رجال الدهر، بل فرسانه، ... ولذى (٣) الحلوم الطائشات رجاحه فتّاكه، نساكه، ضرّاره، ... نفّاعه، منّاعه، منّاحه وأبو المظفر يوسف مطعامه، ... مطعانه، مقدامه، جحجاحه وإذا انتدى في محفل فحسبيه، ... وإذا غدا في حجفل فوقاحه ذكر ما فتح السلطان من البلاد بعد الكسرة ثم صار السلطان إلى بزاعة، فتسلمها لثمان بقين من شوال من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة -، ثم فتح منبج، وكان السلطان حنقا على صاحبها قطب الدين بن ينال بن حسان لفظاظته التي قابله بها حين أرسله الحلبيون إليه، فتسلم منه قلعة منبج بما فيها، فقوّم ما كان فيها بستمائة (٤) ألف دينار

стр. 385

من عين ونقد ومصوغ ومنسوج وغلات وغير ذلك، وسامه السلطان أن يخدمه ويرد عليه ماله، فأبى وأنف وكبرت نفسه، ومضى إلى سيف الدين - صاحب الموصل - فأقطعه الّرقة، فبقى فيها إلى أن أخذها السلطان منه في سنة [١٩٠] ثمان وسبعين وخمسمائة. ولما فتح السلطان منبج قال عماد الدين الأصفهانى: نزولك في منبج ... على الظّفر المبهج ونجحك في المرتجى ... وفتحك للمرتج (١) دليل على نجح (٢) ما ... تحاول أو ترتجى أمورك فيما ترو ... م واضحة المنهج وشانيك دامى الشؤ ... ون منك، شقى شجى ومن كان في حصنه ... ومن قبل لم (٣) يخرج يقال له: ليس ذا ... بعشّك، قم فادرج فرأيك يستنزل ال ... ـنجوم من الأبرج فعجّل عبور الفرا ... ت، واسر، وسر، وأدلج وعج نحو تلك البلا ... د، وعن غيرها عرّج فحرّان والرّقتا ... ن تاليتا منبج وحل عن المسلم ... ـين ليلهم المدلج

стр. 386

ذكر استيلاء الملك الناصر على عزاز وقفز الملاحدة عليه (١) ثم سار السلطان إلى أعزاز فحاصرها ثمانية وثلاثين يوما، وضيّق على من بها ونصب عليها المجانيق (٢)، وقتل عليها كثير من عسكره. ولما كانت ليلة الأحد حادى عشر ذى القعدة قفزت الملاحدة على السلطان، وكانت للأمير جاولى الأسدى خيمة قريبة من المجانيق، وكان السلطان يحضر فيها كل يوم لمشاهدة الآلات، ويحرض الرجال على الحرب، فحضر تلك الليلة والباطنية في زى الأجناد وقوف بين يديه، إذ قفز واحد منهم فضرب رأسه بسكينة، فلولا المغفر (٣) الزرد كان تحت القلنسوة لقتله، فأمسك السلطان يد الباطنى بيديه، ولم يقدر على منعه من الضرب بالكلية (٤)، فبقى يضربه في عنقه ضربا ضعيفا، وعلى السلطان كزاغند، (٥) فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند

стр. 387

فتقطعه والزرد [١٩١] يمنعها من الوصول إلى رقبته، وأدرك السلطان مملوكه سيف الدين بازكوج (١) فأمسك السكين بكفه، فجرحه الباطنى فلم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطنى وبضع وقطع، وجاء آخر فاعترضه الأمير داود بن منكلان [الكردى] فمنعه، وجرحه الباطنى في جنبه فمات، وقتل الباطنى، وجاء آخر فعانقه الأمير على بن أبى الفوارس وضمه من تحت إبطيه، وبقيت يد الباطنى من ورائه لا يتمكن من الضرب، ونادى [علىّ]: " اقتلونى معه فقد قتلنى وأذهب قوتى ". فطعنه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه فقتله، وخرج آخر من الخيمة منهزما، فثار عليه أهل سوق العسكر فقطعوه. وركب السلطان إلى خيمته، وقد ارتاع لهذه الحادثة، ودمه سايل على خده، وطوق كزاغنده مبلول، واحتجب عن الناس، واحتاط، وضرب حول سرادقه على مثال خشب الخركاه (٢) تأزيرا، وجلس في بيت خشب، واحترس من الجند فمن أنكره أبعده، ومن عرفه أقره. ولازم حصار عزاز ثمانية وثلاثين يوما، وكان كل يوم أشد قتالا مما قبله وكثرت النقوب بها، فأذعن من بها، وتسلم القلعة حادى عشر ذى الحجة.

стр. 388

ذكر منازلة السلطان الملك الناصر لحلب ووقوع الصلح بينه وبين الحلبيين ثم رحل السلطان من عزاز، ونزل على حلب في منتصف ذى الحجة، وكان سعد الدين كمشتكين قد خرج إلى حصن حارم، فحيل بينه وبين العود إلى حلب، ثم تضرع في الدخول إليهم واحتال، فتم له ما أراد بالسؤال. ودخلت سنة اثنين وسبعين وخمسمائة والسلطان محاصر حلب، فراسلوه وتذللوا له ولاذوا بعفوه وصلحه، فأجابهم إلى الصلح، وأبقى للملك الصالح حلب وأعمالها وأخرجوا إليه ابنة صغيرة لنور الدين ﵀ فرقّ لها وأكرمها وأطلق لها شيئا كثيرا، وقال لها: " ما تريدين "؟ فقالت: " أريد قلعة عزاز " - وكانوا قد علّموها - فسلمها إليهم، ثم حلف لهم وحلفوا له، ودخل في الصلح المواصلة وأهل ديار بكر، وكتب في نسخة اليمين: " إنه إذا غدر واحد منهم وخرج عن مقتضى اليمين كان الباقون يدا واحدة عليه ". ذكر بعض المتجددات لسيف الدين غازى بالموصل [١٩٢] وفى ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين وخمسمائة استوزر سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن زنكى جلال الدين (١) الوزير، فظهرت منه كفاية ومعرفة بأمور الدواوين وفضيلة تامة، وكان عمره لما ولى الوزارة

стр. 389

خمسا وعشرين سنة، ثم قبض عليه في شعبان سنة ثلاث وسبعين، فشفع فيه كمال الدين بن بلسان (١) - وزير صاحب آمد -، وكان مزوّجا لبنته، فأطلق، وسار إليه، وبقى بآمد مدة يسيرة مريضا، ثم توجه إلى دنيسر، وتوفى بها، سنة أربع وسبعين، وحمل إلى الموصل ودفن بها، ثم حمل منها في موسم الحاج إلى المدينة فدفن عند والده ﵀ وفى ذى الحجة سنة إحدى وسبعين استناب سيف الدين غازى بقلعة الموصل مجاهد الدين قايماز، ورد إليه جميع الأمور، وكانت بيده إربل وأعمالها، على سبيل الأتابكية لزين الدين يوسف بن الأمير زين الدين على كوجك وهو صغير وكان زين الدين على كوجك لما توفى ملك ولده مظفر (٢) الدين [أبو سعيد] كوكبورى، ثم جرى ما اقتضى نقل الأمر إلى أخيه زين الدين يوسف، فلم يزل الأمر لزين الدين يوسف إلى أن توفى، ورجع ملك إربل لمظفر الدين أخيه - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى - ذكر منازلة الملك الناصر مصياف وبلد الباطنية (٣) لما صالح السلطان الحلبيين قصد بلد الباطنية ليقابلهم على ما فعلوه من الوثوب عليه، وكان رحيله من حلب يوم الجمعة عاشر المحرم سنة اثنين وسبعين وخمسمائة فنازل حصنهم مصياف، ونصب عليه المجانيق الكبار، وأوسعهم قتلا وأسرا،

стр. 390

وساق أبقارهم وخرّب ديارهم، فثفع في القوم خاله شهاب الدين محمود بن تكش - صاحب حماة - وكانوا قد راسلوه في ذلك - لأنهم جيرانه -، فرحل عنهم وقد انتقم منهم. وكان الفرنج قد غاروا على البقاع، فخرج إليهم الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدّم، وكان ببعلبك قد أقطعه السلطان إياها، فقتل منهم وأسر أكثر من مائتى أسير، وأحضرهم عند السلطان وهو محاصر مصياف [١٩٣] ثم وصل السلطان إلى حماة وقد استكمل الظفر. اجتماع السلطان بأخيه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب كنا قد ذكرنا مسير الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه بن أيوب إلى بلاد اليمن، وفى سنة إحدى وسبعين فارق اليمن بعد أن استناب بها، وقصد خدمة أخيه السلطان الملك الناصر، فوصل إلى دمشق في ذى الحجة، ثم رحل عنها متوجها إلى السلطان فاجتمع به بمدينة حماة، فتعانقا في المخيم في الميدان، وسر السلطان بلقياه سرورا شديدا، وكان عند مفارقته اليمن قد كتب إلى السلطان كتابا ضمنه أبياتا من شعر ابن المنجم (١) المصرى أولها: الشوق أولع بالقلوب واوجع، ... فعلام أدفع منه ما لا يدفع ومنها: وحملت من وجد الأحبّة مفردا ... ما ليس يحمله الأحبّة أجمع لا يستقرّ بى الهوى في موضع ... إلا تقاضانى الترحّل موضع
следующие страницы →