ذكر استيلاء الملك الناصر على عزاز
وقفز الملاحدة عليه (١)
ثم سار السلطان إلى أعزاز فحاصرها ثمانية وثلاثين يوما، وضيّق على من بها ونصب عليها المجانيق (٢)، وقتل عليها كثير من عسكره.
ولما كانت ليلة الأحد حادى عشر ذى القعدة قفزت الملاحدة على السلطان، وكانت للأمير جاولى الأسدى خيمة قريبة من المجانيق، وكان السلطان يحضر فيها كل يوم لمشاهدة الآلات، ويحرض الرجال على الحرب، فحضر تلك الليلة والباطنية في زى الأجناد وقوف بين يديه، إذ قفز واحد منهم فضرب رأسه بسكينة، فلولا المغفر (٣) الزرد كان تحت القلنسوة لقتله، فأمسك السلطان يد الباطنى بيديه، ولم يقدر على منعه من الضرب بالكلية (٤)، فبقى يضربه في عنقه ضربا ضعيفا، وعلى السلطان كزاغند، (٥) فكانت الضربات تقع في زيق الكزاغند
стр. 387
فتقطعه والزرد [١٩١] يمنعها من الوصول إلى رقبته، وأدرك السلطان مملوكه سيف الدين بازكوج (١) فأمسك السكين بكفه، فجرحه الباطنى فلم يطلقها من يده إلى أن قتل الباطنى وبضع وقطع، وجاء آخر فاعترضه الأمير داود بن منكلان [الكردى] فمنعه، وجرحه الباطنى في جنبه فمات، وقتل الباطنى، وجاء آخر فعانقه الأمير على بن أبى الفوارس وضمه من تحت إبطيه، وبقيت يد الباطنى من ورائه لا يتمكن من الضرب، ونادى [علىّ]:
" اقتلونى معه فقد قتلنى وأذهب قوتى ".
فطعنه ناصر الدين بن أسد الدين شيركوه فقتله، وخرج آخر من الخيمة منهزما، فثار عليه أهل سوق العسكر فقطعوه.
وركب السلطان إلى خيمته، وقد ارتاع لهذه الحادثة، ودمه سايل على خده، وطوق كزاغنده مبلول، واحتجب عن الناس، واحتاط، وضرب حول سرادقه على مثال خشب الخركاه (٢) تأزيرا، وجلس في بيت خشب، واحترس من الجند فمن أنكره أبعده، ومن عرفه أقره.
ولازم حصار عزاز ثمانية وثلاثين يوما، وكان كل يوم أشد قتالا مما قبله وكثرت النقوب بها، فأذعن من بها، وتسلم القلعة حادى عشر ذى الحجة.
стр. 388
ذكر منازلة السلطان الملك الناصر لحلب ووقوع الصلح بينه وبين الحلبيين
ثم رحل السلطان من عزاز، ونزل على حلب في منتصف ذى الحجة، وكان سعد الدين كمشتكين قد خرج إلى حصن حارم، فحيل بينه وبين العود إلى حلب، ثم تضرع في الدخول إليهم واحتال، فتم له ما أراد بالسؤال.
ودخلت سنة اثنين وسبعين وخمسمائة والسلطان محاصر حلب، فراسلوه وتذللوا له ولاذوا بعفوه وصلحه، فأجابهم إلى الصلح، وأبقى للملك الصالح حلب وأعمالها وأخرجوا إليه ابنة صغيرة لنور الدين ﵀ فرقّ لها وأكرمها وأطلق لها شيئا كثيرا، وقال لها: " ما تريدين "؟ فقالت: " أريد قلعة عزاز " - وكانوا قد علّموها - فسلمها إليهم، ثم حلف لهم وحلفوا له، ودخل في الصلح المواصلة وأهل ديار بكر، وكتب في نسخة اليمين:
" إنه إذا غدر واحد منهم وخرج عن مقتضى اليمين كان الباقون يدا واحدة عليه ".
ذكر بعض المتجددات لسيف الدين غازى بالموصل
[١٩٢] وفى ربيع الآخر من سنة إحدى وسبعين وخمسمائة استوزر سيف الدين غازى بن قطب الدين مودود بن زنكى جلال الدين (١) الوزير، فظهرت منه كفاية ومعرفة بأمور الدواوين وفضيلة تامة، وكان عمره لما ولى الوزارة
стр. 389
خمسا وعشرين سنة، ثم قبض عليه في شعبان سنة ثلاث وسبعين، فشفع فيه كمال الدين بن بلسان (١) - وزير صاحب آمد -، وكان مزوّجا لبنته، فأطلق، وسار إليه، وبقى بآمد مدة يسيرة مريضا، ثم توجه إلى دنيسر، وتوفى بها، سنة أربع وسبعين، وحمل إلى الموصل ودفن بها، ثم حمل منها في موسم الحاج إلى المدينة فدفن عند والده ﵀
وفى ذى الحجة سنة إحدى وسبعين استناب سيف الدين غازى بقلعة الموصل مجاهد الدين قايماز، ورد إليه جميع الأمور، وكانت بيده إربل وأعمالها، على سبيل الأتابكية لزين الدين يوسف بن الأمير زين الدين على كوجك وهو صغير وكان زين الدين على كوجك لما توفى ملك ولده مظفر (٢) الدين [أبو سعيد] كوكبورى، ثم جرى ما اقتضى نقل الأمر إلى أخيه زين الدين يوسف، فلم يزل الأمر لزين الدين يوسف إلى أن توفى، ورجع ملك إربل لمظفر الدين أخيه - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى -
ذكر منازلة الملك الناصر مصياف وبلد الباطنية (٣)
لما صالح السلطان الحلبيين قصد بلد الباطنية ليقابلهم على ما فعلوه من الوثوب عليه، وكان رحيله من حلب يوم الجمعة عاشر المحرم سنة اثنين وسبعين وخمسمائة فنازل حصنهم مصياف، ونصب عليه المجانيق الكبار، وأوسعهم قتلا وأسرا،
стр. 390
وساق أبقارهم وخرّب ديارهم، فثفع في القوم خاله شهاب الدين محمود بن تكش - صاحب حماة - وكانوا قد راسلوه في ذلك - لأنهم جيرانه -، فرحل عنهم وقد انتقم منهم.
وكان الفرنج قد غاروا على البقاع، فخرج إليهم الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك المعروف بابن المقدّم، وكان ببعلبك قد أقطعه السلطان إياها، فقتل منهم وأسر أكثر من مائتى أسير، وأحضرهم عند السلطان وهو محاصر مصياف [١٩٣] ثم وصل السلطان إلى حماة وقد استكمل الظفر.
اجتماع السلطان
بأخيه الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب
كنا قد ذكرنا مسير الملك المعظم شمس الدولة فخر الدين توران شاه بن أيوب إلى بلاد اليمن، وفى سنة إحدى وسبعين فارق اليمن بعد أن استناب بها، وقصد خدمة أخيه السلطان الملك الناصر، فوصل إلى دمشق في ذى الحجة، ثم رحل عنها متوجها إلى السلطان فاجتمع به بمدينة حماة، فتعانقا في المخيم في الميدان، وسر السلطان بلقياه سرورا شديدا، وكان عند مفارقته اليمن قد كتب إلى السلطان كتابا ضمنه أبياتا من شعر ابن المنجم (١) المصرى أولها:
الشوق أولع بالقلوب واوجع، ... فعلام أدفع منه ما لا يدفع
ومنها:
وحملت من وجد الأحبّة مفردا ... ما ليس يحمله الأحبّة أجمع
لا يستقرّ بى الهوى في موضع ... إلا تقاضانى الترحّل موضع
стр. 391
وإلى صلاح الدين أشكو إنّنى ... من بعده مضنى الجوانج موجع
جزعا لبعد الدار عنه، ولم أكن ... - لولا هواه - لبعد دار اجزع
فلا ركبنّ إليه متن عزائمى، ... ويخبّ بى ركب الغرام ويوضع
حتى أشاهد منه أسعد طلعة ... من أفقها صبح السعادة يطلع
فكتب إليه السلطان كتابا ضمنه قصيدة لعماد الدين الكاتب منها:
مولاى شمس الدولة الملك الذى ... شمس السيادة من سناه تطلع
مالى سواك من الحوادث ملجأ، ... مالى سواك من النوائب مفزع
ولأنت فخر الدين فخرى في العلا ... وملاذ آمالى وركنى الأمنع
وبغير قربك كلما أرجوه من ... درك المنى متعذر متمنع
النصر إن أقبلت نحوى مقبل، ... واليمن إن أسرعت نحوى مسرع
ثم سار السلطان إلى دمشق فدخلها سابع عشر صفر، وملّكها لأخيه الملك المعظم [١٩٤] شمس الدولة، وعزم على العود إلى الديار المصرية.
وفى المحرم من هذه السنة - أعنى سنة اثنين وسبعين وخمسمائة - توفى القاضى كمال الدين الشهرزورى (١)، وعمره ثمانون سنة، وكان في الأيام النورية إليه قضاء القضاة والتحكم في الدولة، وكان السلطان الملك الناصر متولى الشحنكية (٢) بدمشق أيام نور الدين، فكان كمال الدين يعكس مقاصده،
стр. 392
ويكسر أغراضه، ويعترض عليه في أموره، لتوخى كمال الدين الأحكام الشرعية؛ فلما صار الملك الناصر إلى ما صار إليه من الملك وافتتح دمشق صار كمال الدين أحد قضاة بلاده؛ ولم يؤاخذه على ما صدر منه في حقه، بل أكرمه واحترمه واستشاره وعظمه، وكان ابن أخيه ضياء الدين بن تاج الدين الشهرزورى قد قصد خدمة السلطان بالديار المصرية في أول ملكه، فأقطعه وأحسن إليه، ثم وصل معه إلى الشام، واستمر في صحبته، فلما اشتد بعمه كمال الدين المرض أراد أن يبقى القضاء في بيته، فوصى بالقضاء لابن أخيه ضياء الدين علما منه أن السلطان يمضى ذلك لأجل قدم هجرته عنده، ثم توفى والسلطان محاصر حلب وجلس ابن أخيه ضياء الدين في القضاء.
وكان الشيخ شرف الدين أبو سعد عبد الله بن أبى عصرون (١) قد هاجر من حلب إلى السلطان، وأنزله عنده بدمشق، وهو رئيس أصحاب الإمام الشافعى - رحمة الله عليه - في وقته؛ والمقيم بالفتوى في زمانه فآثر السلطان أن يفوض القضاء إليه، وكره عزل ضياء الدين بن الشهرزورى، فأفضى بسره إلى القاضى الفاضل، وكان الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى (٢) يتعصب للشيخ شرف الدين لأنه شيخه، فاستشعر ضياء الدين - لما بلغه ذلك - من العزل، وأشير عليه بالاستعفاء، ففعل، فأعفى، وأبقيت عليه الوكالة الشرعية عن السلطان في بيع الأملاك.
ولما استعفى ضياء الدين من القضاء لم يبق في منصب القضاء إلا فقيه يعرف بالأوحد داود، كان ينوب عن كمال الدين، فأمره السلطان بالاستمرار، وكان السلطان مائلا إلى بيت زكى الدين [١٩٥] فأمر الشيخ شرف الدين باستنابة
стр. 393
القاضى محيى الدين أبى المعالى محمد بن زكى الدين والأوحد داود، وكتب لهما بالقضاء توقيع سلطانى، فكانا في حكم المستقلين، وإن كانا في الظاهر نائبين عن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون.
ولم يزل شرف الدين متوليا للقضاء من سنة اثنين وسبعين إلى أن عاد السلطان من مصر، فتكلم الناس في ذهاب نور بصره، وأن من يكون أعمى لا يصلح للقضاء، وفى المسألة وجهان، واختار شرف الدين وجه الجواز وكأنه الأظهر إذ لا يمتنع أن يعتمد على تعريف عدلين بمن يحضر من الخصوم كما في المترجمين بالنسبة إلى القاضى الأصم، فأشار القاضى الفاضل (١) على السلطان أن يفوض القضاء إلى ولده محيى الدين أبى حامد محمد بن شرف الدين، ويكون هو الحاكم في الحقيقة، ويظهر أنه نائب عن أبيه، بحيث لا يظهر للناس صرفه عن القضاء، ففعل السلطان ذلك، واستمر هذا الأمر إلى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فصرف عن القضاء، واستقل به القاضى محيى الدين بن زكى الدين إلى آخر أيام السلطان الملك الناصر ﵀.
وفى أواخر صفر من هذه السنة - أعنى سنة أثنتبن وسبعين وخمسمائة - تزوج السلطان بعصمة الدين الخاتون بنت الأمير معين الدين أنر التي كانت زوجة نور الدين - رحمه الله تعالى -.
стр. 394
ذكر مسير الملك الناصر صلاح الدين ﵀ إلى الديار المصرية
ثم أزمع السلطان العود إلى الديار المصرية بعد أن قرر بدمشق أخاه الملك المعظم، فتقدمه الأمراء من أصحابه، والملوك من أهل بيته، وخرج من دمشق في يوم الجمعة لأربع بقين من ربيع الأول، والتقاه أخوه ونائبه الملك العادل.
ولما استقر السلطان بداره بالقاهرة أمر ببناء السور (١) الدائر على مصر والقاهرة والقلعة التي على جبل المقطم، ودوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع وذراعان بذراع العمل، وهو الذراع الهاشمى، وذلك بما فيه من ساحل القاهرة والقلعة بالجبل، من ذلك: ما بين قلعة المقسم (٢) التي على
стр. 395
شاطئ النيل وبين البرج بالكوم الأحمر (١) بساحل مصر [١٩٦] عشرة آلاف وخمسمائة، وما بين القلعة بالمقسم وحائط قلعة الجبل (٢) بمسجد سعد الدولة (٣) ثمانية (٤) آلاف وثلاثمائة واثنان وتسعون ذراعا، ومن جانب حائط القلعة من جهة مسجد سعد الدولة إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع وداير القلعة [بالجبل] (٥) بمسجد سعد الدولة ثلاثة آلاف ومائتان وعشرة أذرع، وذلك طول قوسه في أبراجه وأبدانه، ومن النيل إلى النيل على التحقيق والتعديل، (٦) وذلك بتولى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، فشرع في بناء القلعة وقطع الخندق (٧) وتعميقه وحفر واديه وتضييق طريقه، وهناك مساجد يعرف أحدها بمسجد سعد الدولة، فاشتملت القلعة عليها، ودخلت في الجملة، وحفر في رأس الجبل
стр. 396
بئرا (١) ينزل فيه بالدرجة المنحوتة من الجبل إلى الماء المعين، ولم يتأت هذا بتمامه إلا بعد موت السلطان، فإنه توفى وقد بقى من السور مواضع.
وبعد ذلك كمّله السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل - رحمهما الله -[وأنشأ] العمارات بالقلعة، ربنى الآدر السلطانية، وسكنها، ولم يسكنها أحد قبله من أهل بيته (٢) وإنما كان سكناهم بدار الوزارة (٣)، ثم استمرت السكنى للملوك بالقلعة إلى يومنا هذا.
وأمر السلطان الملك الناصر ببناء المدرسة (٤) التي عند قبر الإمام الشافعى -
стр. 397
رحمه الله - بتولى الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشانى (١) وأمر باتخاذ دار في القصر بيمارستانا (٢) للمرضى، ووقف عليه وعلى المدرسة وقوفا كثيرة.
ثم رحل السلطان، وذلك لثمان بقين من شعبان من هذه السنة، واستصحب ولديه الملك الأفضل نور الدين عليا والملك العزيز عماد الدين عثمان - رحمهما
стр. 398
الله - فوصل إلى ثغر دمياط (١)، وبها سبى كثير جلبه الأسطول، ثم رحل إلى ثغر الإسكندرية (٢) وتردد إلى الشيخ الحافظ أبى طاهر أحمد بن محمد السلفى (٣) ﵀ في كل جمعة ثلاثة أيام: الخميس والجمعة والسبت، وإنما استصحب ولديه في هذه السفرة ليسمعهما الحديث النبوى وتعمهما البركة.
ثم عاد السلطان إلى القاهرة، فصام بها بقية شهر رمضان، ووفّر نهاره بها على نشر العدل وإفاضة [١٩٧] الجود، وسماع حديث النبى ﷺ وإشادة قواعد الشرع المطهر، ومدحه كاتبه عماد الدين بقوله:
فديتك من ظالم منصف ... وناهيك من باخل مسرف (٤)
стр. 399
أيبلغ دهرى قصدى وقد ... قصدت بمصر ذرى يوسف؟
ويوسف مصر - بغير التقى ... وبذل الصنايع - لم يوصف
فسر وافتح القدس، واسفك به ... دما متى تجرها تنظف
وأهد إلى الاسبتار البتّار، ... وهدّ السقوف على الأسقف
وخلّص من الكفر تلك البلا ... ديخلصك رّبك (١) في الموقف
ووصلت رسل سيف الدين غازى بن مودود صاحب الموصل وصاحب ماردين وصاحب الحصن إلى دمشق، واستحلفوا الملك المعظم شمس الدولة [تور انشاه ابن أيوب]، ثم قصدوا مصر، فوقع في الأسر رسول صاحب حصن كيفا وماردين (٢).
ثم خرج السلطان ﵀ من القاهرة إلى مرج فاقوس - من الأعمال الشرقية فخيم به لإرهاب الفرنج، ولازم الركوب للصيد والقنص.
стр. 400
ذكر عصيان صاحب شهرزور على سيف الدين غازى، وعوده إلى الطاعة
وكان بشهرزور شهاب الدين محمد بن بزان في طاعة سيف الدين غازى بن مودود ابن زنكى وفى خدمته، وكان مجاهد الدين قايماز بإربل متوليا أمورها، وقائما بأتابكية زين الدين يوسف بن زين الدين على - كما ذكرنا -، فلما فوض إلى مجاهد الدين النيابة عن سيف الدين غازى، وكان بينه وبين شهاب الدين عداوة، خاف ابن بزان بأن يناله منه أذى، فأظهر الامتناع عن النزول إلى الخدمة، فأرسل إليه الوزير جلال الدين - وزير سيف الدين - كتابا يأمره فيه بمعاودة الطاعة، ويحذره عاقبة المخالفة، فلما وصل إليه الكتاب والرسول بادر إلى حضور الخدمة بالموصل.
ودخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة والسلطان الملك الناصر نازل بمرج فاقوس؛ ثم عاد إلى القاهرة فأقام بها إلى ثالث جمادى الأولى من السنة.
ذكر وقعة الرملة
ثم خرج السلطان الملك الناصر ﵀ من القاهرة على نية الجهاد يوم الجمعة ثالث جمادى [١٩٨] الأولى بعد الصلاة؛ وخيم ببلبيس خامسه ثم تقدم إلى السدير (١) وخيم بالمبرز (٢)؛ ثم نودى أن خذوا زادكم عشرة أيام أخرى للاستظهار.
стр. 401
ثم رحل بعساكره فنزل على عسقلان يوم الأربعاء لليلة بقيت من جمادى الأولى، فسبا وغنم، وجمع هناك من كان معه من الأسرى فضرب أعناقهم، وتفرق العسكر في الأعمال مغيرين (١)، فلما رأوا أن الإفرنج خامدون انبسطوا واسترسلوا، وتوسط السلطان البلاد.
ولما كان يوم الجمعة ثانى جمادى الآخرة استقل السلطان بعساكره راحلا ليقصدوا بعض المعاقل، واعترضه نهر [عليه] (٢) تل الصافية، فازدحمت على العبور أثقال العسكر، فما شعروا بالفرنج إلا وقد أتوهم في أطلابهم (٣) وجموعهم، وجماعة من سرايا المسلمين متفرقون في الضياع للإغارة، وكان مقدم الفرنج البرنس أرناط صاحب الكرك، وكان أسيرا بحلب من أيام نور الدين، ثم أطلقه الحلبيون على ما تقدم ذكره، فجرى على المسلمين خلل ذلك اليوم وانكسروا، فحكى القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ قال:
" حكى السلطان ﵀ صورة الكسرة في ذلك اليوم، وأن المسلمين كانوا قد تعبّوا تعبية الحرب، فلما قارب العدو رأى بعض الجماعة أن تغيّر الميمنة إلى جهة الميسرة، والميسرة إلى جهة القلب، ليكون في حالة [اللقاء] (٤) وراء ظهورهم تل معروف بأرض الرملة، فبينماهم يشتغلون في التعبية، إذ هجم الفرنج، وقدّر الله كسر المسلمين فانكسروا كسرة عظيمة، ولم يكن لهم
стр. 402
حصن قريب يأوون إليه، فطلبوا جهة الديار المصرية، وضلّوا في الطريق، وتبددوا، وأسر منهم جماعة فيهم الفقيه ضياء الدين عيسى، وكان وهنا عظيما جبره الله بوقعة حطّين ".
وأبلى تقى الدين في ذلك اليوم بلاء حسنا، وثبت وقاتل، واستشهد جماعة من أصحابه، وهلك من الفرنج أضعافهم.
وكان للملك المظفر تقى الدين ولد يقال له شهاب الدين أحمد أول ماطر شاربه، استشهد ذلك اليوم بعد ما قتل فارسا؛ وقد كان له ولد آخر، يقال له سعد الدين شاهنشاه، وهو والد سليمان شاه صاحب اليمن الذى سيأتى ذكره، فوقع شاهنشاه هذا في أسر الفرنج، ذلك أن بعض [مستأمنى الفرنج بدمشق] (١) خدعه، وقال له: " تجئ إلى الملك، وهو يعطيك الملك " وزوّر له كتابا، فسكن إلى صدقه وخرج معه، فلما انفرد به [١٩٩] شدّ وثاقه وحمله إلى الداويّة، وأخذ به منهم مالا، ولم يزل في الأسر إلى أكثر من أربع (٢) سنين حتى استفكه السلطان بمال كثير، وأطلق للداويّة كلّ من كان لهم عنده في الأسر.
قال عماد الدين الكاتب:
" فغلّظ القلب التقوى على ذلك الولد خبر هلاك أخيه في ذلك اليوم ".
وتمت الهزيمة على المسلمين، وحمل بعض الفرنج على السلطان، فقاربه حتى يكاد يصل إليه، فقتل الفرنجى بين يديه، وتكاثر الفرنج عليه، فمضى منهز ما يسير قليلا ويقف ليلحقه العسكر، إلى أن دخل الليل فسلك البرية، ومضى في نفر يسير إلى بصرى، ولقوا في طريقهم مثقة شديدة، وقلّ عليهم القوت والماء
стр. 403
وهلك كثير من دواب العسكر جوعا وعطشا وسرعة سير، وفقد [كثير ممن لم يعرف له خبر] (١).
وفقد الفقيه ضياء الدين عيسى وأخوه الظهير ومن كان في صحبتهم، فضلّ الطريق عنهم (٢)، وكانوا سائرين إلى وراء، فأصبحوا بقرب الأعداء، فأكمنوا في مغارة، وانتظروا من يدلهم على بلاد الإسلام، فوقعوا بمن يزعم أنه يدلهم، فدلّ الفرنج عليهم، وسعى في أسرهم وعطبهم، فأسروا؛ وما خلص الفقيه عيسى إلا بعد سنين (٣) بستين ألف دينار وفكاك جماعة من أسارى الفرنج؛ وبالجملة لم تعظم (٤) هذه الوقعة إلا بسبب ما اتفق للمسلمين من دخول الرمل وعدم الماء والدليل.
وكان ما قدره الله سبحانه من أسباب السلامة أن القاضى الفاضل كان يستظهر باستصحاب جماعة من [الكنانية] (٥) والأدلاء، فلما وقعت الواقعة خرج بدوا به وغلمانه وأصحابه وثقاته (٦)، وبثّ أصحابه في تلك الرمال حتى أخذوا خبر السلطان وقصده، وانتفع السلطان بتلك الأدلاء الذين معه؛ وفرّق الفاضل ما كان معه من الأزواد على المسلمين وعلى المنقطعين، وجمعهم في خدمة السلطان.
وأما العسكر الذين دخلوا بلاد الفرنج للغارة فإن أكثرهم ذهب ما بين قتيل وأسير
стр. 404
وكان وصول السلطان ﵀ إلى القاهرة منتصف جمادى الآخرة وكتب إلى أخيه الملك المعظم توران شاه يصف له الوقعة بخط يده وأوله:
ذكرتك والخطىّ يخطر بيننا ... وقد نهلت منا المثقفّة السّمر
ويقول في كتابه:
" لقد أشرفنا على الهلاك غير مدة، وما نجانا الله تعالى منه إلا لأمر يريده، [٢٥٠] وما ثبتت إلا وفى نفسها أمر ".
وفى هذه الوقعة يقول عماد الدين الكاتب يمدح الملك المظفر تقى الدين من قصيدة:
سقى (١) الله العراق وساكنيه، ... وحيّاه حيا الغيث الهتون
وجيرانا أمنت الجور منهم، ... فما فيهم سوى واف أمين
صفوا، والدهر ذو كدر، وقدما ... وفوا بالعهد في الزمن الخؤون
بنو أيوب زانوا الملك منهم ... بحلية سودد وتقى (٢) ودين
ملوك أصبحوا خير البرايا، ... لخير رعية في خير دين (٣)
أسانيد السيادة عن علاهم ... معنعنة، مصحّحة المتون
بنو أيوب مثل قريش مجدا، ... وأنت لها كأنزعها البطين
أخفت الشرك حتى الذّعر منهم ... يرى (٤) - قبل الولادة - في الجنين
стр. 405
ويوم الرملة المرهوب بأسا ... تركت الشرك منزعج القطين
وكنت لعسكر الإسلام كهفا، ... أوى منه إلى حصن حصين
وقد عرف الفرنج سطاك لّما ... رأوا آثارها عين اليقين (١)
ذكر مقتل
سعد الدين كمشتكين وشهاب الدين أبى صالح بن العجمى
كان السبب في ذلك وقوع المنافسة بين مدبرى الملك الصالح بن نور الدين ﵀، وأن العدل شهاب الدين أبا صالح بن العجمى استولى على التدبير، وكانت تقدمة الجيوش لسعد الدين، وله حصن حارم إقطاعا، إلا أن رفقاءه حسدوا مرتبته، فمالوا إلى أبى صالح، وصارت الأمور كلها بيده، فوقع بينهما وحشة، فقفز جماعة من الباطنية يوم الجمعة على أبى صالح بن العجمى فقتلوه، واستقل سعد الدين بالأمر، فتكلم فيه حساده، وقالوا للملك الصالح:
" ما قتل وزيرك ومشيرك ابن العجمى إلا كمشتكين، فهو الذى حسّن ذلك للإسماعيلية ".
وقالوا له:
" أنت السلطان، [٢٠١] وكيف يكون لغيرك حكم أو أمر؟ "
فما زالوا به حتى قبض عليه، وطالبوه بتسليم قلعة حارم، فكتب إلى نوابه يأمرهم بتسليمها إلى نواب الملك الصالح، فامتنع الذين بها من التسليم، وتحصنوا فيها، فسيّر سعد الدين تحت الاستظهار، ليأمر أصحابه بتسليمها إلى الملك الصالح، وأمرهم بذلك، فامتنعوا، فعذّب سعد الدين، وأصحابه يرونه ولا يرحمونه، فمات في العذاب، وأصرّ أصحابه على العصيان، وذكر أن سعد الدين علق منكوسا ودخّن تحت أنفه حتى مات.
стр. 406
ذكر منازلة الفرنج حماة ورحيلهم عنها
ووصل في هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة - كند كبير من الفرنج إلى الساحل يقال له " اقلندس "، من أكبر طواغيتهم، فاجتمع إليه خلق من الفرنج، وحشدوا، ونازلوا حماة في العشرين من جمادى الأولى، وصاحبها يومئذ شهاب الدين محمود بن تكش الحارمى خال السلطان، وهو مريض، وكان الأمير سيف الدين على بن [أحمد] (١) المشطوب بالقرب من حماة، فدخلها، وقاتل الفرنج، ومنعهم من البلد بعد أن كادوا يهجمونه، وأخرجوا من الدروب، ونصر الله أهل الإسلام؛ ثم رحلوا عن البلد، وكان مدة حصارهم له أربعة أيام.
ذكر منازلة الفرنج حارم
ثم ساروا إلى حارم، ونازلوا حصنها، وأقاموا على حصرها مدة أربعة أشهر، ولما سمع السلطان ﵀ بنزول الفرنج على حارم، عزم على التوجه إلى البلاد الشامية، ليدفع عنها العدو، واستناب بالديار المصرية أخاه الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب.
ذكر مسير السلطان ﵀ إلى الشام
ثم رحل السلطان من البركة (٢) بعساكره، ووصل إلى دمشق لست بقين من شوال من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة - وتخلّف
стр. 407
القاضى الفاضل بمصر بنية الحج في السنة القابلة، ووصل منه كتاب إلى السلطان يذكر فيه:
" أن العدو - خذله الله - نهض ووصل إلى صدر؛ وقاتل القلعة [٢٠٢] ولم يتم له أمر، وصرف الله شره، وكفى أمره؛ ووصل من الفرنج مستأمن وذكر أنهم يريدون الغارة على فاقوس، فاستقلوا أنفسهم وعرجوا ".
وذكر:
" أنهم مضوا بنيّة تجديد الحشد، ومعاودة القصد "
وفيه:
" فصل: وأما نوبة العدو في الرملة فقد كانت عثرة، علينا ظاهرها، وعلى العدو باطنها، ولزمنا ما نسى من اسمها، ولزمهم ما بقى من عزمها، لا دليل أدل على القوة من (١) المسير بعد شهرين من تاريخ وقعتها إلى الشام، نخوض بلاد الفرنج بالقوافل الثقيلة والحشود الكثيرة، والحريم المستور، والمال العظيم الموفور "
وولد للسلطان ولد بعد سفره، [هو] الملك الزاهر مجير الدين [أبو سليمان] (٢) داوود، وهو أخو الملك الظاهر غياث الدين غازى لأبيه وأمه؛ فورد كتاب القاضى [الفاضل] (٢) إلى السلطان بتهنئته، و [به] يقول:
" إنه ولد لسبع بقين من ذى القعدة، وهذا الولد المبارك هو الموفى لاثنى عشر ولدا، بل لاثنى عشر نجما متوقدا، فقد زاد الله في أنجمه عن أنجم يوسف ﵇ نجما ورآهم المولى يقظة، ورأى تلك الأنجم حلما، ورآهم
стр. 408
ساجدين له، ورأينا الخلق له سجودا، وهو قادر [سبحانه] (١) أن يزيد جدود المولى إلى أن يراهم آباء وجدودا "
وورد منه أيضا كتاب (٢) في السنة يقول فيه:
" فصل: للمولى أولاد وقد صاروا رجالا، ويجب أن تستجد (٣) للرجال قلاعا كما جعل للسابقين (٤) أعمارا وأعمالا، وقيل: القلاع أنوف، من حلّها شمخ بها ما في الرجال على النساء أمين "
ثم ذكر في الكتاب أبياتا تتضمن السلام على الملك العزيز عماد الدين عثمان ولد السلطان - وكان توجه إلى الشام صحبة أبيه [وهى]:
مملوك مولانا، ومملوك ابنه، ... وأخيه، وابن أخيه، والجيران
طى الكتاب إليه منه إجابة ... لسلام مولانا ابنه عثمان
والله قد ذكر السلام، وأنه ... يجزى بأحسن منه في القرآن
وغريبة قد جئت فيها أولا، ... ومن اقتفاها كان بعدى (٥) الثانى
[٢٠٣] فرسولى السلطان في إرسالها، ... والناس رسلهم إلى السلطان
стр. 409
[ووردت من الفاضل كتب من بعض فصولها] (١):
" فصل: أما سور القاهرة فعلى ما أمر به المولى، شرع فيه وظهر العمل، وطلع البنا، وسلكت به الطريق المؤدية إلى الساحل بالمقسم (٢)، والله يعمر المولى إلى أن يراه نطاقا مستديرا على البلدين، وسورا (٣) بل سوارا يكون به الإسلام محلّى (٤) اليدين، مجلّى (٥) الضدين، والأمير بهاء الدين قراقوش ملازم الاستحثاث بنفسه ورجاله، لازم لما يعنيه بخلاف أمثاله، قليل التثقيل مع حمله لأعباء التدبير وأثقاله.
" فصل: في معنى نقل القضاء عن شرف الدين بن أبى عصرون [لما ذهب بصره] (٦) إلى ولده محى الدين: لن يخلو الأمر عن قسمين، والله يختار للمولى خيرة الأقسام، ولا ينسى له هذا التخرج الذى لا يبلغه ملك من ملوك الإسلام: إما إبقاء الأمر باسم الوالد بحيث يبقى رأيه ومشورته وفتياه وبركته (٧)، ويتولى ولده النيابة، ويشترط عليه (٨) المجازاة لأول زلة، وترك الإقالة لأقل عثرة، فطالما بعث حب المنافسة الراجحة على اكتساب الأخلاف
стр. 410
الصالحة؛ وإما أن يفوّض الأمر إلى الإمام قطب الدين، فهو بقية المشايخ وصدر الأصحاب، ولا يجوز أن يتقدم عليه في بلد إلا من هو أرفع طبقة في العلم منه.
[ومنها في إقامة عذر التأخر عن الجهاد] (١)
فصل: وأما تأسف المولى على أوقات تنقضى عاطلة من الفريضة التي خرج من بيته لأجلها، وتجدد العوائق التي لا يوصل إلى آخر حبلها، فللمولى نية رشده، أو ليس الله بعالم بعبده، وهو سبحانه لا يسأل الفاعل عن تمام فعله، لأنه غير مقدور له، ولكن عن النية لأنها محل تكليف الطاعة، وعن مقدور صاحبها من الفعل بحسب الاستطاعة، وإذا كان المولى [آخذا] (٢) في أسباب الجهاد، وتنظيف (٣) الطرق إلى المراد، وهو في طاعة قد منّ (٤) الله عليه بطول أمدها، وهو منه على أمل في نجح موعدها، والثواب على قدر [٢٠٤] مشقته، وإنما عظم الحج لأجل جهده وبعد شقته، ولو أن المولى فتح الفتوح العظام في أول (٥) الأيام، وفصل القضية بين أهل الشرك وأهل الإسلام، لكانت تكاليف الجهاد قد قضيت، وصحائف البر المكتسبة بالمرابطة والانتظار قد طويت ".
[ومنها في ذكر أولاد السلطان] (٦):
стр. 411
" فصل: وقبل الإجابة عن الفصول، فنبشر بما جرت العادة به - لا قطع الله تلك العادة - من سلامة وصحة وعافية شملت موالينا أولاده السادة - أطاب (١) الله الخبر إليهم عن المولى وإلى المولى عنهم، وعجّل لقاه لهم ولقاهم له، فإنه من يلق منهم [بل] (٢) كل منهم ملك دسته برجه، وفارس مهده سرجه، فهم بحمد الله بهجة الدنيا وزينتها، وريحان الحياة وزهرتها، وإن فؤادا وسع فراقهم لواسع، وإن قلبا قنع بأخبارهم لقانع، وإن طرفا نام عن البعد عنهم لهاجع، وإن ملكا ملك تصبره (٣) عنهم لحازم، وإن نعمة الله فيهم لنعمة بها العيش ناعم؛ أما يشتاق جيد المولى أن يتطوّق بدورهم؟ أما تظمأ عينه إلى أن تتروى بنظرهم؟ أما يحنّ قلبه إلى قلبه؟ أما يلتقط هذا الطير الطائر بتقبيلهم ما خرج منهم من حبه؟ وللمولى أبقاه الله أن يقول:
وما مثل هذا الشوق يحمل بعضه ... ولكن قلبى في الهوى بقلوب "
[وفى أخرى] (٤):
" وكل من الموالى السادة، الأمراء الأولاد والقادة، (٥) كلهم جوهر، وكلهم المقدم، وليس فيهم بحمد الله من يؤخر على ما عوّد الله من صحة وسلامة وكفاية ووقاية، ولزوم المستقل منهم لمشهد الكتّاب، ولموقف الآماج، ومخايل الخفر منهم من تحت ليل الصبى أنور دلالة من ضوء السراج، والله تعالى يمد في عمر المولى إلى أن يرى من ظهورهم ما رأى جدّهم ﵀ في أهل بيته
стр. 412
من البطن الرابع فوارس الحرب الرائعة، وملوك الإسلام التي منهم للإسلام أكاسرة وتبابعة، وصغيرهم ما فيهم عند العلا صغير، [٢٠٥] وصغار أبناء الكبار كبار، نجوم الأرض، وذرية بعضها من بعض، والخلف الصالح المحض، وهم في الدنيا والآخرة فرسان القوة والتقى يوم الحرب ويوم العرض ".
" فصل: في ذكر وخم دمشق: عرف المملوك من الكتب الواصلة التياث جسم المولى الأمير عثمان، والحقير (١) مما ينال ذلك الجسم الكريم يوقد (١) في قلوب الأولياء الأمر العظيم، وقليل قذاة العين غير قليل، وماذا تقول في بلد لو صحت الحمية من مائه لكانت من أكبر أسباب صحة المحتمى وشفائه، فإنه ماء يؤكل وبقية المياه تشرب، ويجد وخامته من ينصف ولا يتعصب ".
" فصل: وأما المأمور به في معنى المنكرات الظاهرة وإزالة أسبابها، وغلق أبوابها، وتحصين كل مبتوتة (٢) من عصمه، وتطهير كل موسومة بوصمة، فالله يثيب مولانا ثواب من غضب [ليرضيه بغضبه] (٣)، وحمل الخلق على منهاج شرعه وأدبه ".
ودخلت سنة أربع وسبعين وخمسمائة: ففى العشر الأول من ربيع الآخرة منها أغارت طائفة من الفرنج على بلد حماة، وكان الأمير شهاب الدين محمد بن تكش الحارمى صاحبها قد توفى في حادى عشر جمادى الآخرة من السنة الماضية، وتوفى ولده تكش بن أخت السلطان قبله بثلاثة أيام، فخرج إليهم مقدم عسكر السلطان بحماة الامير ناصر الدين منكورس بن ناصح الدين خمار تكين - صاحب أبو قبيس - فأسر مقدميهم، وقتل بقيتهم، وجاء إلى خدمة السلطان وهو
стр. 413
بظاهر حمص - والأسرى معه - فأمر السلطان بضرب أعناقهم وأن يتولى ذلك من بحضرته من أصحابه، فتقدم إمامه ضياء الدين الطبرى وضرب عنق بعضهم، وفعل كذلك الشيخ سليمان المغربى (١)، والأمير ايطغان بن ياروق؛ ثم استدعى عماد الدين الكاتب وأمره أن يضرب عنق بعضهم، فلم يفعل، وطلب أن يمّلكه السلطان صغيرا منهم فعوّض عنه.
ذكرى عصيان شمس الدين بن المقدّم ببعلبك وما [آل] (٢) إليه أمره
كان السلطان لما فتح بعلبك سلمها إلى الأمير شمس الدين [٢٠٦] بن المقدّم؛ ففى هذه السنة طلبها من السلطان أخوه الملك شمس الدولة توران شاه، لأنها مرباه ومنشؤه، فإنها كانت بيد والده نجم الدين - على ما ذكرنا -، فكان الملك المعظم يختار سكناها ويحبها، فلم يمكن السلطان مخالفته، فأمر شمس الدين بالنزول عنها ويعطيه عنها عوضا يرتضيه، فلم يجب إلى ذلك، وذكّره العهود التي له، وما اعتمده معه من تسليم البلاد إليه، فلم يصغ إليه، ولجّ في أخذها، فامتنع ابن المقدم بها وعصى، فرحل السلطان على طريق (٣) الزراعة إلى بعلبك ونازلها محاصرا من غير قتال، فطال أمرها، ولم يسمح بها صاحبها، ودخل فصل الشتاء، فرحل السلطان عنها إلى دمشق في العشر الآخر من رجب من هذه السنة، أعنى: - سنة أربع وسبعين وخمسمائة -
وتمادى الأمر إلى أن رضى شمس الدين بن المقدم ببارين وكفرطاب، وفى قرى من بلد المعرة، وسلم السلطان بعلبك إلى أخيه الملك المعظم.
стр. 414
ذكر بناء الفرنج بيت الأحزان
ولما كان السلطان مشتغلا بأمر بعلبك انتهز الفرنج الفرصة، وبنوا حصنا على مخاضة بيت الأحزان، وهو بيت يعقوب ﵇، وبينه وبين دمشق مسافة يوم، وبينه وبين صفد وطبرية نصف يوم، فقيل للسلطان:
«إنه متى أحكم بناء هذا الحصن تمكن الوهن من بلاد الإسلام»، فقال: " إذا أتموه نزلنا عليه وهدمناه إلى الأساس ".
ولما انقضى أمر بعلبك، ووصل إلى دمشق، جعل هذا الحصن من همه، وعزم على قصد حصاره، وكان قد وصل من الديوان العزيز رسول، وهو الخادم فاضل، وهو من أكبر الخدام، ففرح به السلطان، واستصحبه معه إلى الغزاة، ووقف على الحصن الذى استجده الفرنج بالمشهد اليعقوبى، وتخطف من حوله جماعة من الفرنج، ثم عاد إلى دمشق.
ذكر وقعة الهنفرى (١)
وتواترت الأخبار بأن الفرنج قد تجمعوا في جمع عظيم، وأنهم عازمون على الخروج على المسلمين على غرّة، فقدّم ابن أخيه عز الدين فرخشاه [٢٠٧] بن شاهنشاه ابن أيوب ﵀ على العساكر، وأمره أن يخرج إلى قتالهم، وأمره أن لا يستعجل بالقتال، بل يتركهم حتى يتوسطوا البلاد، فلم تشعر طلائع عز الدين إلا وقد خالطوهم على غرّة، فوقعت الوقعة، فقتل صاحب الناصرة، وجماعة من مقدميهم، وطلب الملك فقتل حصانه، وجاء الهنفرى - وهو من عظمائهم وشجعانهم - ليحميه، فوقعت فيه جراحات إحداها نشابة وقعت
стр. 415
في مارنه فجدعته، وتعدت إلى فيه ومرت بضرسه فقلعته، وخرجت من تحت فكه، ووقعت أخرى (١) في مشط رجله، فنفذت إلى إخمصه، وأخرى (١) في ركبته، وضرب بلت (٢) في جنبه، فكسر منه ضلعان، وقتلت جماعة من الرجالة والخيالة، ورجعت الفرنج خائبين، ليس فيهم إلا متخن بالجراح، وكل يوم ترد البشرى بموت مقدّم من جراحة أصابته.
ووردت البطاقة في ذلك اليوم بالبشرى، وخرج السلطان فما وصل إلى الكسوة إلا ورؤوسهم وأسراؤهم قد جئ بهم، ورجع منصورا مظفرا، ومات الهنفرى فذلّ العدو لموته، ثم سار السلطان إلى حصن بيت الأحزان، فأزعجهم وذعرهم، ثم عاد إلى دمشق.
ذكر مسير الملك المعظم
شمس الدولة فخر الدين توران شاه بن أيوب إلى مصر
ثم وجّه السلطان أخاه الملك المعظم شمس الدولة إلى الديار المصرية بمن (٣) ضعف من الأجناد لأنها كانت سنة جدب شديد، فرتب في بعلبك نائبا عنه، وودعه السلطان من مرج الصّفر، وذلك في أواخر ذى القعدة.
ولما ودّعه السلطان أغار على بلاد الفرنج، وقصد حصن بيت الأحزان، ورجع بالأسرى والغنائم، وخيم السلطان بمرج الشعراء، ثم انتقل إلى بانياس وخيّم بتل القاضى، وبلغت الخيم حدود بلاد العدو، وكان يركب كل يوم
стр. 416
بحجة الصيد، وينزل على النهر [٢٠٨] ويجرّد العساكر وقبائل العرب إلى صيدا وبيروت، حتى يحصدوا غلات العدو، وما يبرح مكانه حتى يعودوا بجمالهم وأحمالهم، حتى خفّ زرع الفرنج.
ودخلت سنة خمس وسبعين (١) وخمسمائة، والسلطان مخيم بمنزلته.
ذكر استيلاء الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب ﵀ على مدينة حماة
وكان برنس (٢) أنطاكية قد غدر وأغار على شيزر، وغدر القومص (٣) باطرابلس بجماعة من التركمان بعد الأمان، واقتضى رأى السلطان أن يرتب عمر ابن شاهنشاه بن أيوب بحماة، وأقطعه إياها، ورتّب في خدمته شمس الدين ابن المقدم وسيف الدين بن أحمد المشطوب، فكان في مقابلة صاحب أنطاكية ورتّب ناصر الدين محمد بن شيركوه بحمص في مقابلة القومص.
وكان ترتب الملك المظفر بحماة في سنة أربع وسبعين وخمسمائة، فلم تزل بيده إلى أن توفى وهو محاصر ملازكرد في رمضان في سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فرتب السلطان فيها ولده الملك المنصور ناصر الدين أبا المعالى محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب، فملكها إلى أن توفى بها في ذى القعدة سنة سبع عشرة وستمائة، فملكها من بعده الملك الناصر صلاح الدين قلج أرسلان بن محمد، فحاصره الملك الكامل بن الملك العادل سنة ست وعشرين وستمائة، وأخذها منه، وملّكها
стр. 417
للملك المظفر تقى الدين أبى الفتح محمود بن محمد، ولم يزل مالكها إلى أن توفى بها سنة اثنين وأربعين وستمائة، فملكها بعده ولده مولانا ومالك رقنا السلطان الملك المنصور ناصر الدين أبو المعالى محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب - رحمهم الله تعالى - فقد مضى من مدة ملكه وملك آبائه لها إلى يوم تأليف هذا الكتاب - وهو سنة إحدى وسبعين وستمائة - (١) نحو من سبع وتسعين سنة، ونحن نسأل الله سبحانه أن يديم ملكهم، وملك ذريتهم بها إلى يوم الدين.
ذكر كسرة الفرنج بمرج العيون
أجمع رأى السلطان ومن معه من المسلمين على أن يقتحموا على الفرنج بلادهم ويستوعبوا ما بقى في أيديهم من الغلات في يوم واحد ثم يرجعوا، فرحلوا صوب البقاع ليلة الأحد ثانى [٢٠٩] المحرم سنة خمس وسبعين وخمسمائة.
ولما أصبح السلطان جاءه الخبر أن الفرنج قد خرجت فالتقاهم، فنصر الله المسلمين عليهم، فأسر فرسانهم وشجعانهم، وانهزمت رجالتهم في أول اللقاء، فكان في جملة الأسرى مقدم الداويّة (٢). ومقدم الاسبتارية (٣). وصاحب
стр. 418
الطبرية، وأخوه صاحب جبيل، وابن القومصية، وابن بارزان (١) صاحب الرملة؛ وصاحب جينين (٢)، وقسطلان (٣) يافا، وابن صاحب مرقيّة (٤)، وعدة كثيرة من خيالة القدس وعكا، ومن البارونية (٥)، وغيرهم من المقدمين ما يزيد على مائتين ونيف وسبعين سوى غيرهم، ونقلوا إلى دمشق، فبذل ابن بارزان في نفسه بعد سنة، مائة وخمسين ألف دينار صورية (٦)، وإطلاق ألف أسير من المسلمين.
وكان الفقيه ضياء الدين عيسى (٧) من نوبة الرملة عندهم، قالتزم فكاكه، واستفكت (٨) القومصية ابنها بخمسة وخمسين ألف دينار صورية، وأما مقدم الداويّة - واسمه أود - فإنه هلك في السجن، فطلبت جيفته، فسلمت إليهم،
стр. 419
وأخذ عوضا عنها أسير من المسلمين، وطال أسر الباقين، فمنهم من هلك في الأسر، ومنهم من خرج بقطيعة.
وكانت عدة العدو عشرة آلاف مقاتل، وانهزم ملكهم مجروحا، وكان لعز الدين فرخشاه في هذه الموقعة بلاء حسن، فحكى حسام الدين تميرك بن يونس - وكان مع عز الدين - قال:
" كنا في أقل من ثلاثين فارسا، قد تقدمنا العسكر، فشاهدنا من خيل الفرنج ستمائة فارس، واقفين على جبل، وبيننا وبينهم الماء، فأشار عز الدين أن نعبر النهر إليهم، ففعلنا، ولحقنا عسكر السلطان، فهزمناهم ".
ومن غريب الاتفاق أن في هذا اليوم بعينه ظفر الأسطول المصرى ببطسة (١) كبيرة، فاستولى عليها المسلمون، وعلى أخرى، وعاد إلى الثغر مستصحبا ألف رأس من السبى.
стр. 420
وفى هذه الوقعة يقول أبو على الحسن بن على الجوينى (١) يمدح السلطان:
لك ربّ السماء خير معين، ... وكفيل لما تحبّ (٢) ضمين
فله الحمد، أىّ نصر عزيز ... قد حبانا به، وفتح مبين!
أدرك الثأر حين نازله المغ ... ـوار حيف (٣) الكفار ليث العرين
الهمام الغضنفر الملك النا ... صر مولى الورى صلاح الدين
يا مليكا أضحى الزمان يناجي ... ـه بلفظ المذلّل المسكين
فارقت أهلها الحصون إلى بأ ... سك حتى عوّضتهم بالسجون (٤)
وأراهم ربّ السماء بأسيا ... فك ما لم يجل لهم في ظنون
لك قلب عند اللقاء مكين، ... وله من تقاه ألف كمين
يا مليكا ما زال يلقى الأعادى، ... وهو مستعصما بصدق اليقين (٥)
إنّ هذا الفتح المبين شفاء ... لصدور، وقرة لعيون
هو يوم أضحى كيوم حنين، ... سهّل الله نصره في الحزون
стр. 421
ذكر الحرب بين عسكر السلطان
الملك الناصر والسلطان عز الدين قلج أرسلان السلجوقى
صاحب قونية
وسبب هذه الحرب أن نور الدين ﵀ كان قد أخذ حصن رعبان (١) من السلطان قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان قطلمش ابن أرسلان بيغو (٢) بن سلجوق - صاحب قونية -.
وفى هذه السنة - أعنى سنة خمس وسبعين وخمسمائة - كان الحصن بيد الأمير شمس الدين بن المقدّم، وهو في خدمة السلطان الملك الناصر - كما ذكرنا -، فطمع قلج أرسلان في تملك الحصن، ليكون الملك الصالح صاحب حلب بينه وبين السلطان، فأرسل عسكرا لحصره، فيقال إن العسكر الذى أرسله عشرون (٣) ألف فارس، فتوجه إلى الحصن الملك المظفر تقى الدين - صاحب حماة - في ألف فارس، فواقعهم فهزمهم، وأصلح تلك الولاية وعاد إلى خدمة عمه السلطان، ولم يزل الملك المظفر (٣) ﵀ يدل بهذه النصرة، وأنه هزم بألف فارس عشرين (٤) ألفا.
стр. 422
ذكر تخريب حصن بيت الأحزان
لما كسر السلطان الفرنج بمرج عيون عاد إلى بانياس، وتجهز إلى المضى إلى الحصن وتخريبه، فسار إليه في ربيع الأول من هذه السنة، وأحاط به وبث العساكر في بلاد الفرنج [٢١١] للغارة، واحتاج إلى نصب ستائر لأجل المنجنيقات، فركب السلطان إلى ضياع صفد - وهى للداويّة -، فأمر بقطع كرومها وحمل أخشابها، فأخذ كلما احتاج إليه ورجع، وجمع من الزّرجون (١) والأخشاب شيئا كثيرا ليجعل متارس (٢) للمجانيق، فقال له جاولى الأسدى - وهو مقدّم الأمراء الأسدية -:
стр. 423
الرأى أنا نجرّبهم بالزحف أول مرة، فننظر الحال معهم، فإن حصل الغرض وإلا فنصب المجانيق ما يفوت ".
فأمر فنودى في المعسكر بالزحف إليه، والجد في قتاله، فزحفو إليه، واشتد القتال، وعظم الأمر، فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة (١) الحصن، وقاتل على السور من أعلاه، ويتبعه غيره من أضرابة، ولحق بهم الجند، فملكوا الباشورة، فصعد الفرنج حينئذ منها إلى أسوار الحصن يحمون نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد، وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية، وألح المسلمون في قتال الحصن خوفا من وصول الفرنج إليهم وإزاحتهم عنه، وأدركهم الليل (٢) وباتوا طول الليل يحرسون، وخافوا أن تفتح الفرنج الأبواب، ويغيروا عليهم على غرة، وإذا الفرنج قد أوقدوا خلف كل باب نارا ليأمنوا من المسلمين، فاطمأنوا المسلمون، وقالوا: " ما بقى إلا ثقب البرج ".
فلما أصبحوا فرق السلطان جوانب البرج على الأمراء، فأخذ عز الدين فرخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب الجانب القبلى، وأخذ السلطان الجانب الشمالى، وأخذ ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه بقربه [نقبا] (٣)، وكذلك الملك المظفر تقى الدين، وكل كبير في الدولة أخذ قسما، وكان البرج محكم البناء، فصعب نقبه، فعمقوا (٤) النقب بعد الجهد، وأشعلوا النيران فيه، وانتظرا سقوط السور، فلم يسقط لعرضه، فإنه كان عرضه تسعة أذرع بالنجارى.
стр. 424
وذكر العماد الكاتب (١): أن النقب كان طوله ثلاثين ذراعا (٢) في عرض ثلاثة أذرع، وكان عرضه تسعة أذرع - كما ذكرناه - فأمر السلطان بإطفاء النار بعد يومين ليتم نقبه، وقال:
" من جاء بقربة ماء فله دينار ".
فجاء الناس بالقرب، وصبوا الماء على النار حتى أطفأوها، ثم عاد النقابون فنقبوا وخرقوا السور، [٢١٢] وألقوا فيه النار، فسقط يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول، ملك المسلمون الحصن، وأسروا كل من فيه، وأطلقوا من كان فيه من أسرى المسلمين.
وكان الفرنج قد جمعوا وراء السور الواقع حطبا، فلما وقع دخلت الرياح فردت النار عليهم، فأحرقت بيوتهم وطائفة منهم، فاجتمعوا إلى الجانب البعيد من النار، وطلبوا الأمان، فلما خمدت النار دخل المسلمون واستولوا عليهم قتلا وأسرا، وغنموا مائة ألف قطعة من الحديد من أنواع الأسلحة، وشيئا من الأقوات وغيرها، وجئ بالأسارى إلى السلطان، فمن كان مرتدا أو راميا ضربت (٣) عنقه، وأكثر الأسارى قتله في الطريق المطوّعة (٤) وكان عدة الأسرى نحو سبعمائة، وخلص من أسرى المسلمين أكثر من مائة مسلم، وسير باقى الأسرى إلى دمشق.
وأقام السلطان في منزلته حتى هدم الحصن إلى الأساس، وطمّ جب ماء معين كان حفرته الفرنج في وسطه، ورمى فيه القتلى، وكان عند السلطان ﵀ رسول القومص، فشاهد البلية في أهل ملته، وكان السلطان قد بذل لهم في هدمه ستين ألف دينار فلم يفعلوا، فزادهم حتى بلغ مائة ألف فأبوا، وكانت مدة المقام على الحصن أيام فتحه وبعدها أربعة عشر يوما.
стр. 425
ثم سار السلطان إلى أعمال طبرية وصور وبيروت فأغار عليها، وأرجف قلوبهم، ثم رجع إلى دمشق، ومرض [جماعة من ذلك الوباء] (١) بسبب شدة الحرونتن جيف القتلى، وطوّل [السلطان] (٢) المقام عليه لأجل هدمه، فتوفى أكثر من عشرة أمراء.
وهنأ السلطان الملك الناصر ﵀ جماعة من الشعراء بهذا الفتح الجليل، منهم بهاء الدين أبو الحسن على بن محمد بن رستم بن الساعاتى (٣) الخراسانى بقصيدة أولها:
بجدك أعطاف القنا تتعطّف ... وطرف الأعادى دون مجدك يطرف