← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ذكر الحرب بين عسكر السلطان الملك الناصر والسلطان عز الدين قلج أرسلان السلجوقى صاحب قونية وسبب هذه الحرب أن نور الدين ﵀ كان قد أخذ حصن رعبان (١) من السلطان قلج أرسلان بن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان قطلمش ابن أرسلان بيغو (٢) بن سلجوق - صاحب قونية -. وفى هذه السنة - أعنى سنة خمس وسبعين وخمسمائة - كان الحصن بيد الأمير شمس الدين بن المقدّم، وهو في خدمة السلطان الملك الناصر - كما ذكرنا -، فطمع قلج أرسلان في تملك الحصن، ليكون الملك الصالح صاحب حلب بينه وبين السلطان، فأرسل عسكرا لحصره، فيقال إن العسكر الذى أرسله عشرون (٣) ألف فارس، فتوجه إلى الحصن الملك المظفر تقى الدين - صاحب حماة - في ألف فارس، فواقعهم فهزمهم، وأصلح تلك الولاية وعاد إلى خدمة عمه السلطان، ولم يزل الملك المظفر (٣) ﵀ يدل بهذه النصرة، وأنه هزم بألف فارس عشرين (٤) ألفا.

стр. 422

ذكر تخريب حصن بيت الأحزان لما كسر السلطان الفرنج بمرج عيون عاد إلى بانياس، وتجهز إلى المضى إلى الحصن وتخريبه، فسار إليه في ربيع الأول من هذه السنة، وأحاط به وبث العساكر في بلاد الفرنج [٢١١] للغارة، واحتاج إلى نصب ستائر لأجل المنجنيقات، فركب السلطان إلى ضياع صفد - وهى للداويّة -، فأمر بقطع كرومها وحمل أخشابها، فأخذ كلما احتاج إليه ورجع، وجمع من الزّرجون (١) والأخشاب شيئا كثيرا ليجعل متارس (٢) للمجانيق، فقال له جاولى الأسدى - وهو مقدّم الأمراء الأسدية -:

стр. 423

الرأى أنا نجرّبهم بالزحف أول مرة، فننظر الحال معهم، فإن حصل الغرض وإلا فنصب المجانيق ما يفوت ". فأمر فنودى في المعسكر بالزحف إليه، والجد في قتاله، فزحفو إليه، واشتد القتال، وعظم الأمر، فصعد إنسان من العامة بقميص خلق في باشورة (١) الحصن، وقاتل على السور من أعلاه، ويتبعه غيره من أضرابة، ولحق بهم الجند، فملكوا الباشورة، فصعد الفرنج حينئذ منها إلى أسوار الحصن يحمون نفوسهم وحصنهم إلى أن يأتيهم المدد، وكان الفرنج قد جمعوا بطبرية، وألح المسلمون في قتال الحصن خوفا من وصول الفرنج إليهم وإزاحتهم عنه، وأدركهم الليل (٢) وباتوا طول الليل يحرسون، وخافوا أن تفتح الفرنج الأبواب، ويغيروا عليهم على غرة، وإذا الفرنج قد أوقدوا خلف كل باب نارا ليأمنوا من المسلمين، فاطمأنوا المسلمون، وقالوا: " ما بقى إلا ثقب البرج ". فلما أصبحوا فرق السلطان جوانب البرج على الأمراء، فأخذ عز الدين فرخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب الجانب القبلى، وأخذ السلطان الجانب الشمالى، وأخذ ابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه بقربه [نقبا] (٣)، وكذلك الملك المظفر تقى الدين، وكل كبير في الدولة أخذ قسما، وكان البرج محكم البناء، فصعب نقبه، فعمقوا (٤) النقب بعد الجهد، وأشعلوا النيران فيه، وانتظرا سقوط السور، فلم يسقط لعرضه، فإنه كان عرضه تسعة أذرع بالنجارى.

стр. 424

وذكر العماد الكاتب (١): أن النقب كان طوله ثلاثين ذراعا (٢) في عرض ثلاثة أذرع، وكان عرضه تسعة أذرع - كما ذكرناه - فأمر السلطان بإطفاء النار بعد يومين ليتم نقبه، وقال: " من جاء بقربة ماء فله دينار ". فجاء الناس بالقرب، وصبوا الماء على النار حتى أطفأوها، ثم عاد النقابون فنقبوا وخرقوا السور، [٢١٢] وألقوا فيه النار، فسقط يوم الخميس لست بقين من ربيع الأول، ملك المسلمون الحصن، وأسروا كل من فيه، وأطلقوا من كان فيه من أسرى المسلمين. وكان الفرنج قد جمعوا وراء السور الواقع حطبا، فلما وقع دخلت الرياح فردت النار عليهم، فأحرقت بيوتهم وطائفة منهم، فاجتمعوا إلى الجانب البعيد من النار، وطلبوا الأمان، فلما خمدت النار دخل المسلمون واستولوا عليهم قتلا وأسرا، وغنموا مائة ألف قطعة من الحديد من أنواع الأسلحة، وشيئا من الأقوات وغيرها، وجئ بالأسارى إلى السلطان، فمن كان مرتدا أو راميا ضربت (٣) عنقه، وأكثر الأسارى قتله في الطريق المطوّعة (٤) وكان عدة الأسرى نحو سبعمائة، وخلص من أسرى المسلمين أكثر من مائة مسلم، وسير باقى الأسرى إلى دمشق. وأقام السلطان في منزلته حتى هدم الحصن إلى الأساس، وطمّ جب ماء معين كان حفرته الفرنج في وسطه، ورمى فيه القتلى، وكان عند السلطان ﵀ رسول القومص، فشاهد البلية في أهل ملته، وكان السلطان قد بذل لهم في هدمه ستين ألف دينار فلم يفعلوا، فزادهم حتى بلغ مائة ألف فأبوا، وكانت مدة المقام على الحصن أيام فتحه وبعدها أربعة عشر يوما.

стр. 425

ثم سار السلطان إلى أعمال طبرية وصور وبيروت فأغار عليها، وأرجف قلوبهم، ثم رجع إلى دمشق، ومرض [جماعة من ذلك الوباء] (١) بسبب شدة الحرونتن جيف القتلى، وطوّل [السلطان] (٢) المقام عليه لأجل هدمه، فتوفى أكثر من عشرة أمراء. وهنأ السلطان الملك الناصر ﵀ جماعة من الشعراء بهذا الفتح الجليل، منهم بهاء الدين أبو الحسن على بن محمد بن رستم بن الساعاتى (٣) الخراسانى بقصيدة أولها: بجدك أعطاف القنا تتعطّف ... وطرف الأعادى دون مجدك يطرف

стр. 426

شهاب هدى في ظلمة الشرك (١) ثاقب ... وسيف هدى في طاعة (٢) الله مرهف وقفت على حصن المخاض وإنّه ... لموقف حقّ ما (٣) يوازيه موقف ومنها: وما رفعت (٤) أعلامك الصّفر (٥) ساعة ... إلى أن غدت أكبادها السود ترجف [٢١٣] كبا من أعاليه صليب وبيعة ... وساد به (٦) دين حنيف ومصحف أتسكن أوطان النبيين عصبة ... تمين لدى أيمانها حين (٧) تحلف نصحتكم، والنّصح في الدين واجب: ... ذروا بيت يعقوب، فقد جاء يوسف ثم أوردت البشائر إلى سائر الأمصار بما سناه الله سبحانه من هذا الفتح، وورد إلى الديوان العزيز النبوى كتاب بالإنشاء الفاضلى منه: " فصل في ذكر الحصن: وقد عرض حائطه إلى أن زاد على عشرة أذرع، وقطعت له عظام الحجارة، وكل فص منها من سبعة أذرع إلى ما فوقها وما دونها،

стр. 427

وعدتها تزيد على عشرين ألف حجر، لا يستقر (١) الحجر في مكانه، ولا يستقل في بنيانه، إلا بأربعة دنانير فما فوقها، وفيما (٢) بين الحائطين حشو من الحجارة الصم، المرغم بها أنوف الجبال الشم، وقد جعلت سقيته بالكاس الذى إذا أحاطت قبضته بالحجر مازجه بمثل جسمه، وصاحبه بأوثق وأصلب من جرمه، وأوعز إلى خصمه من الحديد بألا يتعرض لهدمه ". فصل: " وبات الناس في ليلة الجمعة مطيفين بالحصن والنيران به مطيفة وعليه مشتملة، وعذبات ألسنتها على تاجه مهدلة ومسدلة، ومن خلفه مسبلة، ونارهم قد أطفأها الله بتلك النار الواقدة، ومنعتهم قد أذهبها الله بتلك الأبرجة الساجدة، وبنفسج الظلماء قد استحال جلنارا، والشفق قد عمّ الليلة فلم يختص آصالا (٣) ولا أسحارا، ونفحاتها حميمية وقودها الناس والحجارة، والبلاء ينادى بلسان مصابها: إياك أعنى واسمعى يا جارة؛ فولجت النار موالج يضيق بها (٤) الفكر، ويعجز عنها الإبر، ونقلت البناء من العين إلى الأثر، وقال الكفر: إنها لإحدى الكبر، وخولف المثل " إن السعادة لتلحظ الحجر "، وأغنى ضوؤها لسان كل إمّعة أن يسأل هذا وهذا: ما الخبر؟ وقذفت بالشرر كالجمالات الصفر، وزفرت يغيظ تعفر له خدود الجبال الصعر، وتلحقها بالكثب العفر، وبات الليل والنهار يثله، وكلما [٢١٤] أغمده الخمود جعل الوقود يسله، إلى أن بدا الصباح كأنه منها يمتار الأنوار، وانشق الشرق ومن عصفرها صبغ الأزار، فحينئذ تقدم الخادم فاقتلع الأحجار بيده من أسها، ومحا حروف البنيان من طرسها، وتبعه الجيش ورفاقه، وكافة من اشتمل عليه نطاقه ".

стр. 428

ذكر استيلاء عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب ﵀ على بعلبك وفى هذه السنة أنعم السلطان الملك الناصر ببعلبك وأعمالها على ابن أخيه الملك المنصور عز الدين فرخشاه بن أيوب، فلم يزل مالكها إلى أن مات في حياة السلطان، فأنعم بها بعده على ولده الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فرخشاه، فلم يزل مالكها إلى أن أخذها منه الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل ﵏ سنة سبع وعشرين وستمائة، - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى -، واستمر الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب بالديار المصرية، وأنعم عليه السلطان باسكندرية، ثم توفى بمصر - على ما سنذكره -. وفى هذه السنة أغار عز الدين فرخشاه - صاحب بعلبك - على صفد ثامن عشر ذى القعدة، وكان قد جمع لهم من رجال بانياس وما حولها، ورجع سالما غانما. ذكر وفاة المستضئ بنور الله بن المستنجد وبعض سيرته كنا قد ذكرنا تقلد الإمام المستضئ بنور الله أبى (١) محمد الحسن بن المستنجد بالله أبى المظفر يوسف بن المقتفى لأمر الله أبى عبد الله محمد بن المستظهر بالله. وأنه لما ولى الخلافه استوزر عضد الدين محمد بن عبد (٢) الله بن المظفر بن رئيس الرؤساء،

стр. 429

وأنه تقدم عنده قايماز غلام أبيه، وأقطعه الحلة، وأقطع أردن وتتامش نسيبى قايماز واسطا، وطوّق الخليفة قايماز بطوق ذهب، وسماه ملك العرب؛ وسوّره بسوارين من ذهب، وحمل إلى هؤلاء الثلاثة من الأموال ما زاد على أمانيهم وآمالهم. وفى سنة سبع وستين وخمسمائة حصل خلف بين الوزير عضد الدولة وقايماز؛ وسعى كل منهما بصاحبه [٢١٥] وطلب قايماز من الخليفة عزل الوزير، فلم يسعه مخالفته، لقوة تمكنه من الدولة، فعزل الخليفة وزيره، فلم يكتف قايماز بذلك واشتد طمعه، وأطمع المماليك والعوام في نهب دار الوزير، فنهبت، ومزقت أمواله كل ممزق، وهتك حريمه، فغضب الخليفة المستضئ لذلك، وأنكر هذا الفعل على قايماز، وشدد عليه في إعادة ما نهب من دار الوزير، وبعث الخليفة إلى الوزير نجاحا الخادم رسولا، ليسكن منه، ووعده بإعادة ما كان له من الإنعام والقرب والمعروف، ولم تزل الرسالة إليه متواترة بما يقوى قلبه ويبسط أمله. وأطلع على ذلك قايماز، فغضب وأظهر الخلاف والعصيان؛ هو ونسيباه ومن أطاعه، فلم ير الخليفة في تلك الحال مشاققته، وأرخى له في زمامه، وأرسل إليه يرضيه بأنه يخرج الوزير من داره إلى الحريم، وأرسل إلى الأمراء الذين مع قايماز (١) في الباطن بما يغير قلوبهم عن طاعة قايماز، وأحس قايماز بذلك، فركب مع جماعة من لفيفه مظهرا للغدر والمكر، وقصدوا دار الخلافة على قصد المحاربة، فأمر الخليفة عند ذلك بأن ينادى: " من أراد النهب فعليه بدار قايماز ". فمضت العامة إلى دار قايماز فانتهبوها، وتفلل عنه أكثر من كان معه، ومشى على وجهه حائرا في أمره، ينكت الأرض ببنان التحير، ويغيم السماء بأنفاس التحسر. وكانت هذه الواقعة لثلاث عشرة مضت من ذى القعدة سنة سبعين وخمسمائة، فاستدعى الوزير عضد الدين عند ذلك إلى دار الخلافة بأستاذ الدار

стр. 430

صندل المقتفوى، وعلى يده من الملابس ما يليق به، وحمل على فرس من خيل الخلافة، وحضر الدار، فأكرم غاية الإكرام، ثم مضى إلى منزله، واستقر في ولايته. ثم بعد أربعين يوما ورد الخبر بوفاة قايماز، ثم اضطربت بعد ذلك أحوال الوزير عضد الدين، بسبب ظلم ولده للرغية، وانحلت منزلته عند الخليفة، فالتمس من الخليفة أن يفسح له في الحج، فأذن له، فتوجه إلى بيت الله الحرام، فوثبت عليه نفر من الباطنية فقتلوه بظاهر قطفتا (١)، ونسب قتله إلى وضع عن ظهير الدين أبى بكر منصور بن العطار صاحب المخزن، وكان متمكنا من الخليفة. ولما [٢١٦] قتل الوزير عضد الدين بن رئيس الرؤساء تمكن ظهير الدين ابن العطار (٢) من الدولة تمكنا عظما، وفوض إليه الخليفة المستضئ نيابة الوزارة، واستولى على الأمور جميعا. ولما كانت هذه السنة - أعنى سنة خمس وسبعين وخمسمائة - عرض للخليفة المستضئ مرض شديد، فأغلق ظهير الدين بن العطار أبواب الدار التي للخليفة وحمل السلاح، وأرهج البلد، وأخذ جماعة بغير جناية فصلبهم تجاه داره بباب النوبى (٣)، وجرت منه أسباب تنفر منها الطباع، وتمجها الأسماع،

стр. 431

فعند ذلك أمر الخليفة بالبيعة لولده وولى عهده الناصر لدين الله أبى العباس أحمد، وذلك يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة مضت من شوال من هذه السنة. وتوفى الخليفة في هذا اليوم؛ وكان ﵀ ديّنا حسن السيرة جميل الطويّة، محبا للعدل، كارها للظلم، لين الجانب؛ وذكر بعض جلسائه: أنه كان يوما بحضرته، فعرضت عليه مطالعة لظهير الدين بن العطار، وكانت قد لاحت أمارات التغير عليه والالتفات عنه، فأنشد الخليفة: وإذا كرهت بأن تجاهل في الذى ... يأتى فلا تعمل برأى الجاهل وكانت مدة خلافته تسع سنين ويسيرا. ذكر البيعة بالخلافة للإمام الناصر لدين الله أبى العباس أحمد وفى التاريخ المذكور بويع بالخلافة للإمام الناصر أبى العباس أحمد بن المستضئ ابن المستنجد بن المقتفى؛ وكان مولده سنة اثنين وخمسين وخمسمائة، في أيام جد أبيه المقتفى، وكان عمره يوم البيعة له ثلاثا وعشرين سنة وشهرا، وخطب له ببغداد، ونثرت الدنانير على المنابر، ومدحه أمين الدولة أبو الفتح بن عبيد الله سبط [ابن] التعاويذى (١)، وهو من فحول شعراء العراق بقصيدة أولها: طاف يسعى بها على الجلاّس ... كفضيب الأراكة الميّاس

стр. 432

بدر تمّ غازلت من لحظه ... ليلة نادمته غزال كناس ذلّلته لى المدام، فأضحى ... ليّن العطف بعد طول شماس [٢١٧] لا يبت ذلك الحبيب بما بتّ ... أعانى في حبّه وأقاسى قلقى من وشاحه، وبقلبى ... ما بخلخاله من الوسواس ورأى الغانيات شيبى فأعرض ... ن وقلن: الشباب خير لباس كيف لا يفضل السواد وقد أض ... حى شعارا على بنى العباس أمناء الله والكرام، وأهل الج ... ود والعلم (١) والتقى والباس ولقد زينت الخلافة منهم ... بإمام الهدى أبى العباس ملك، جلّ قدسه عن مثال، ... وتعالت آلاؤه عن قياس يا لها ببعة أجدّت من الإس ... لام بالى رسومه الأدراس (٢) وإلى الله أمرها، فله المنّ ... ة فيها عليه، لا للناس وتولى أخذ البيعة له ذو الرياستين محمد بن أبى الفضل بن الصاحب أستاذ الدار، ونائب الوزارة ظهير الدين بن العطار، ثم بعد ثلاثة عشر يوما برز أمر الخليفة بالقبض على ابن العطار، لما كان صدر عنه في أيام أبيه من الظلم للرعية والحيف عليهم، فقبض عليه، وضرب بالعصى إلى أن مات، وأخرج تابوته من باب النوبى، فثار عليه العوام (٣)، وألقوه عن رأس الحمالين، وكسروا تابوته، ومزقوا أكفانه، وربطوا في إحدى رجليه حبلا، وسحبوه في الأسواق، وقطعوا خنصره وأذنه، فدفنته أخته ليلا خلسة من الناس.

стр. 433

واستدعى الخليفة الناصر لدين الله فخر الدين بن المطلب، وطلب منه أن يلى الوزارة، فامتنع واعتذر، فطلب منه أن يشير بمن يصلح، فأشار بأن يستناب في الوزارة سليمان بن حارس، فولى نيابة الوزارة، وخلع عليه، ولقب بحسام الدين، فأقام مديدة يسيرة، ثم عزل. وولى نيابة الوزارة جلال الدين أبو المظفر محمد بن النجارى، وكان فقيها فاضلا في المذهب والخلاف. وبسط الإمام الناصر لدين (١) الله العدل، وأمر بالنداء في الناس به، وأمر بكسر الملاهى، وإراقة الخمور، وإقامة الحدود، ومنع من التظاهر [٢١٨] بشرب الخمر والمنكرات، وإزالة المكوس المضروبة على التجار الورادين إلى بغداد، فعمرت البلاد، وكثرت الأرزاق. وكان الناصر عظيم الهيبة، عالى الهمة، وافر العقل، حسن السياسة، متيقظا، لا يفوته أمر مما يجرى في بلاده وغيرها من بلاد الإسلام. وكان له أصحاب أخبار يطالعونه بما يحدث وما يرونه (٢) من الأمور في كل صقع، فخافه الناس خوفا شديدا، وهابوه، وكان الإنسان في العراق لا يجسر أن يجرى في بيته وخلوته ما يخاف الإنكار عليه منه، حتى كان يتوهم من أهل بيته وأخص الناس به أن ينقل خبره إلى الخليفة. وفتح في أيامه فتوحات كثيرة، واتسع ملكه جدا، واستولى على خوزستان والجبل، وفتح كثيرا من بلاد العجم، وقامت للدولة العباسية في أيامه حثمة لم يكن مثلها موجودا إلا في الزمن القديم قبل استيلاء الملوك على العراق.

стр. 434

ولما اشتدت دولة الناصر بالله واستبت أمره بعث رسله إلى الآفاق مبشرين بخلافته مهنئين بإنالته. وكان السلطان لملك الناصر صلاح الدين قد أرسل ضياء الدين بن الشهرزورى رسولا إلى الإمام المستضئ بنور الله، فاتفقت وفاة المستضئ، ومصير الخلافة إلى الناصر لدين الله - وهو ببغداد - فحضر الديوان، وبايع، وكاتب السلطان بالخبر، فبادر إلى الخطبة في جميع بلاده. ومضى صدر الدين شيخ الشيوخ عبد الرحيم بن إسماعيل من بغداد رسولا إلى بهلوان بن ايلدكز (١) صاحب العجم، وألزمه الخطبة بهمذان وأصفهان، ثم لما رجع شيخ الشيوخ جاء إلى السلطان الملك الناصر، فأخذه السلطان معه إلى مصر، وركب البحر منها، وحج - كما سنذكره إن شاء الله تعالى - ذكر وفاة سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى صاحب الموصل وفى ثالث صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة توفى سيف الدين غازى بن مودود ابن زنكى صاحب الموصل، وكان مرضه السل، وطال به، ثم أدركه في آخره سرسام (٢)، وكان عمره لما مات نحو ثلاثين سنة، وكانت مدة ملكه عشر سنين ونحو ثلاثة أشهر.

стр. 435

ذكر صفته وسيرته كان حسن الصورة، تام القامة، أبيض اللون، وكان عاقلا عفيفا، شديد الغيرة، [٢١٩] لا يدخل دوره غير الخدم الصغار، فإذا كبر أحدهم منعه، وكان يكره سفك الدماء وأخذ الأموال، وكان بخيلا جبانا، وكان عنده سكون ووقار، وقلة التفات إذا ركب وإذا جلس. ذكر استيلاء عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى على الموصل كان لما اشتد المرض بسيف الدين غازى أراد أن يعهد بالملك لولده معز الدين سنجر شاه بن غازى، وكان عمره يومئذ اثنتى عشرة سنة، فخاف على الدولة من الملك الناصر، وامتنع [أخوه] (١) عز الدين مسعود من الإذعان لذلك والإجابة إليه، فأشار مجاهد الدين قايماز وأكابر الدولة بأن يجعل الملك في عز الدين، لما هو عليه من كبر السن والشجاعة والعقل، وأن يعطى ابن سيف الدين بعض البلاد، ويكون مرجعهما إلى عز الدين عمهما، ومتولى الأمر مجاهد الدين قايماز، ففعل ذلك، وعهد بالملك لأخيه عز الدين مسعود، وأعطى جزيرة ابن عمر وبلادها لولده معز الدين سنجر شاه، وقلعة [عقر] (٢) الحميدية لولده ناصر الدين كسك (٣).

стр. 436

فلما توفى سيف الدين استقرت القاعدة على ذلك، وانتظمت الأمور، وقام بتدبير الأمور كلها مجاهد الدين قايماز، وورد رسوله إلى السلطان الملك الناصر - وهو الشيخ الفقيه فخر الدين أبو شجاع بن الدهان البغدادى - يطلب من السلطان أن يكون معه كما كان مع أخيه من إبقاء سروج والرّها والرقّة وحرّان والخابور ونصيبن في يده، فلم يجب السلطان إلى ذلك، إذ هى له بتوقيع الخليفة، وإنما جعلها في يد سيف الدين غازى بالشفاعة، بشرط أن يقوى السلطان بالعساكر. ولما مات سيف الدين كتب السلطان إلى الإمام الناصر لدين الله يعلمه بذلك، وأن هذه البلاد لم يزل ارتفاعها بصدد تقوية ثغور [٢٢٠] الإسلام بالشام، وسأل أن يفوضها الخليفة إليه، وكان الكتاب في ذلك من السلطان إلى الشيخ صدر الدين عبد الرحيم شيخ الشيوخ بانشاء عمادى فيه: " فصل: قد عرف اختصاصنا من الطاعة والعبودية، للدار العزيزة النبوية، بما لم يختص به أحد، وامتدت اليد منا في إقامة الدعوة الهادية بمصر واليمن والمغرب بما لم تمتد إليه يد، وأزلنا من الأقاليم الثلاثة ثلاثة أدعياء، وخلفناهم (١) للردى، حيث دعوا بلسان الغواية خلفا، ولا خفاء أن مصر، إقليم عظيم وبلد كريم، بقيت مائتين وخمسين سنة مضيمة، وعانت كل هضيمة، وعاينت كل عظيمة، حتى أنقذها الله بنا من عبيد بنى عبيد، وأطلقها بمطلقات (٢) أعنتنا إليها من عناء كل قيد، وفيها شيعة القوم، وهم غير مأمونى الشر إلى اليوم، وطوائف أقاليم الروم والفرنج [من البر والبحر] (٣) بها مطيفة، فمن حقها أن يتوافر عسكرها، فلو حصل - والعياذ بالله - بها فتق لأعضل رتقه، واتسع على الراقع خرقه، واحتجنا لحفظ بلاد الشام وثغور الإسلام إلى استصحاب العسكر المصرى إليها، وله مدة خمس

стр. 437

سنين في بيكارها (١) [منتقما من كفارها] (٢) متحملا لمشاقها على غلاء أسعارها، وإنما أحوج إلى ذلك أن بلاد هذا الثغر قد اقتطعت عنه، وعساكرها أخذت منه، " فوصل في رجب رسل الديوان: صدر الدين شيخ الشيوخ [أبو القاسم عبد الرحمن] (٢)، وشهاب الدين بشير الخاص بالتفويض والتقليد والتشريف (٣)، فتلقاهم السلطان، وترجّل لهم، فنزل الرسل وسلموا عليه عن أمير المؤمنين، فقبل الأرض، ثم ركبوا ودخلوا المدينة، وكان السلطان قد عزم على قصد الديار المصرية، وسلوك طريق أيلة والبرية فحسن للشيخ صدر الدين مصاحبته، ورغبه في زيارة قبر الشافعى - رحمة الله عليه -، فقال: " قد عزمت في هذه السنة على الحج، فأصل معكم إلى القاهرة، بشرط إقامة يومين [٢٢١] ولا أدخلها، وإنما أسكن بالتربة الشافعية، وأسير منها إلى بحر عيذاب، لعلى أدرك صوم رمضان بمكة " (٤). فالتزم له ذلك، وأعاد أصحابه إلى بغداد ليأتوه من طريقها إلى الحجاز، ورجع شهاب الدين بشير في جواب رسالته، ومعه القاضى ضياء الدين بن الشهر زورى، وكتب السلطان إلى الديوان كتابا، وفيه: " قد توجه الخادم إلى الديار المصرية لتجديد النظر فيها، ثم يستخير الله في الحج وأدائه، ويعود إلى مجاهدة أعدائه ".

стр. 438

ذكر وفاة الملك المعظم شمس الدين (١) توران شاه بن أيوب وفى هذه السنة في المحرم (٢) توفى الملك المعظم شمس الدولة توران شاه بن أيوب - وهو أخو السلطان الأكبر - بثغر الأسكندرية (٣)، ووصل الخبر بذلك إلى السلطان أخيه، فحزن عليه حزنا شديدا، وجعل يكثر من إنشاد أبيات المراثى، وكان أكثر أبيات الحماسة من حفظه. ذكر مسبير السلطان لحرب قلج أرسلان صاحب قونية كان السبب في ذلك أن نور الدين محمد بن قرا أرسلان بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - كان قد تزوج بابنة السلطان عز الدين قلج أرسلان بن مسعود السلجوقى، وبقيت عنده مدة ثم أحب مغنية، فتزوجها ومال إليها، وحكمت في بلاده وخزائنه، وأعرض عن ابنة قلج أرسلان، فبلغ أباها ذلك، فعزم على قصد نور الدين - صاحب الحصن - وأخذ بلاده، واستجار نور الدين بالسلطان، وسأله كف يد قلج أرسلان عنه، فأرسل السلطان إلى قلج أرسلان في المعنى، فأعاد الجواب:

стр. 439

" أننى كنت قد سلمت إلى نور الدين عدة حصون [من بلادى] (١) تجاور بلاده لما تزوج ابنتى، فحيث آل الأمر معه إلى ما يعلمه (٢)، فأنا أريد أن يعيد على ما أخذ منى ". وترددت الرسل بينهما، فلم يستقر حال. فهادن السلطان [صلاح الدين] (١) الفرنج، وسارت عساكره، وكان [٢٢٢] الملك الصالح بن نور الدين بحلب، فتركها ذات اليسار، وسار على (٣) تل باشر إلى رعبان، فأتاه بها نور الدين - صاحب الحصن - فأقام عنده، فلما سمع قلج بقربه منه، أرسل إليه أكبر أمير عنده، يقول له: " إن هذا الرجل فعل مع ابنتى كذا وكذا، ولابد من قصد بلاده، وتعريفه محل نفسه ". فلما وصل الرسول، واجتمع بالسلطان، وأدى إليه الرسالة، غضب السلطان واستشاط، وقال للرسول: " قل لصاحبك: والله الذى لا إله إلا هولئن لم يرجع لأسيرنّ إلى ملطية، وبينى وبينها يومان، ولا أنزل عن فرسى إلا في البلد، ثم أقصد جميع بلاده وآخذها منه ". فرأى الرسول أمرا (٤) شديدا، فقام من عنده، وقد رأى العساكر وما هو فيه من القوة والتجمل، وكثرة السلاح والدواب وغير ذلك، وليس عندهم ما يقاربه، فعلم أنه إن قصدهم أخذ بلادهم، فأرسل إليه من الغد يطلب أن يجتمع به، فأحضره، فقال له: " أريد أن أقول شيئا من عندى، ليست رسالة من صاحبى، وأحب أن تنصفنى " فقال: " قل ".

стр. 440

قال: " يا مولانا ما هو قبيج بمثلك - وأنت أعظم السلاطين وأكبرهم شأنا - أن يسمع الناس عنك أنك صالحت الفرنج، وتركت الغزو ومصالح المملكة، وأعرضت عنى كل ما فيه صلاح لك ولرعيتك وللمسلمين عامة، وجمعت العساكر من أطراف البلاد البعيدة والقريبة، وسرت وخسرت أنت وعسكرك الأموال العظيمة، لأجل [قحبة] (١) مغنية، ما يكون عذرك عند الله تعالى ثم عند الخليفة وملوك الإسلام والعالم؟ وأحسب أحدا ما يواجهك بهذا، أما تعلمون أن الأمر هكذا؟ وأحسب أن قلج أرسلان مات، وهذه ابنته قد أرسلتنى إليك تستجير بك وتسألك (٢) أن تنصفها من زوجها، فإن فعلت فهو الظن بك، وإن لم تفعل فلا تقوى أمر هذه المغنية؛ أفيحسن بك أن تردها؟ ". فقال: " والله إن الحق بيدك، والأمر لكما تقول، ولكن هذا الرجل دخل علّى وتمسك بى، ويقبح على تركه، ولكن أنت اجتمع به، وأصلحوا الحال بينكم على ما [٢٢٣] تحبون، وأنا أعينك عليه، وأقبّح فعله عنده ". ووعد من نفسه بكل جميل. فاجتمع الرسول بصاحب الحصن، وتردد القول بينهم، واستقر أن صاحب الحصن يخرج المغنية منه بعد سنة، وإن كان لا يفعل فينزل السلطان عن نصرته، فاصطلحوا على ذلك، وعاد السلطان، فلما انقضت السنة أخرج نور الدين المغنية عنه، فتوجهت إلى بغداد [وأقامت بها إلى أن ماتت] (٣) ذكر غزو السلطان الملك الناصر بلاد الأرمن وفى هذه السنة - أعنى سنة ست وسبعين وخمسمائة - دخل السلطان بلاد الأرمن لقمع ملكهم ابن لاون، لأنه كان استمال قوما من التركمان حتى يرعوا

стр. 441

في بلاده، وأمّنهم، ثم غدر بهم وأسرهم، فدخل السلطان بلادهم، وأوغل بها، فخاف ابن لاون، وأحرق السلطان قلعة شامخة حصينة تعرف بالمناقير (١)، وبادر المسلمون إلى إخراج ما فيها من الغلات والآلات، وتقووا بها، وتمموا هدمها إلى الأساس، فخضع ابن لاون وذل، ودخل تحت طاعة السلطان، وأطلق ما بيده من الأسارى، ورجع السلطان مؤيدا مظفرا منصورا، ووصل إلى حماة في أواخر جمادى الآخرة. ومدحه جمال الدين أبو غالب محمد بن سلطان بن الخطاب (٢) المقرىء بقصيدة منها: لقد جمّل الله منك الورى ... بأوفى مليك وفّى هجان تهشّ إلى نغمات السيو ... ف في الهام، لا نغمات القيان أزرت (٣) ابن لاون لأواءه، ... فأضحى به خبرا عن عيان ودان من الذلّ لا يرعوى، ... حذارا من الراعقات اللدان فلا قدم عنده للثبا ... ت، وليس له بسطاكم يدان وأخلى (٤) إليكم مناقيره، (٥) ... وغادر للهدم تلك المبانى وأرسل بالأسراء العنا ... ة يسأل إطلاقه، فهو (٦) عانى

стр. 442

[٢٢٤] رتقت بعزمك والمكرما ... ت فتوقا من الأرتقى (١) الهجان ورعت أبن سلجوق (٢) في ملكه، ... فقعقع من رعبه بالشنان (٣) وذكر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ أن دخول السلطان بلاد الأرمن كان لأن رسل قلج أرسلان بن مسعود - صاحب قونية وملطية - أتوه يلتمسون منه الموافقة، ويستغيثون من أبن لاون (٤) الأرمنى، فدخل إلى بلاد الأرمن لنصرة قلج أرسلان عليه، [ونزل بقره حصار وأخذ عسكر] (٥) حلب في خدمته، لأنه كان اشترط ذلك عليهم في الصلح، فاجتمعوا على النهر الأزرق - بين بهسنا وحصن منصور - وعبر منه إلى النهر (٦) الأسود، [و] طرق (٧) بلاد أبن لاوون، وأخذ منهم حصنا وأخربه، فبذلوا له أسارى، والتمسوا منه الصلح، وعاد عنهم، ثم راسله قلج أرسلان في صلح الشرقيين بأسرهم، واستقر الصلح عاشر جمادى الأولى سنة ست وسبعين وخمسمائة، ودخل في الصلح قلج أرسلان والمواصلة وأهل ديار بكر، وكان ذلك على نهر شيخة (٨)، وهو نهر يرمى إلى الفرات. ثم سار السلطان إلى دمشق.

стр. 443

ذكر مسير (١) السلطان إلى الديار المصرية ثم عزم السلطان على السفر إلى الديار المصرية، واستناب بالشام ابن أخيه عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب - صاحب بعلبك -، ورحل إلى مصر يوم لاثنين ثامن عشر رجب، وفى صحبته صدر الدين شيخ الشيوخ - رسول الديوان العزيز - بنية الحج - كما ذكرناه -، فوصل إلى القاهرة ثالث عشر شعبان من السنة، فخرج إلى استقباله أخوه ونائبه بمصر الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب ﵀، وفارقه [بعد وصوله إلى مصر] (٢) الشيخ صدر الدين شيخ الشيوخ، وتوجه إلى مكة، وركب البحر من عيذاب، فوصلها وجاور بها إلى أن جاء الموسم، فوقف بعرفات وأتم حجه؛ ثم توجه مع الحج العراقى إلى بغداد. ودخلت سنة سبع وسبعين وخمسمائة والسلطان ﵀ بالقاهرة مشتغلا [٢٢٥] بالنظر في مصالح الديار المصرية والمواظبة على سماع الأحاديث النبوية. ذكر غزو عماد الدين فرخشاه الكرك (٣) في هذه السنة - أعنى سنة سبع وسبعين وخمسمائة (٤) - سار عز الدين فرخ شاه إلى أعمال الكرك فنهبها، وسبب ذلك: أن البرنس أرناط صاحب

стр. 444

الكرك - لعنه الله - كان أشد الفرنج عداوة للإسلام، فجمع عسكره وعزم على المسير إلى تيماء، وحدثته نفسه بالمسير إلى مدينة النبى ﷺ ليستولى عليها وعلى تلك النواحى الشريفة، فلما بلغ ذلك عز الدين - وهو بدمشق - سار بالعساكر الدمشقية إلى بلده فنهبه وخرّبه، وعاد إلى طرف بلاد الإسلام، وأقام هناك ليمنع (١) البرنس - لعنه الله - من المسير، فامتنع بسببه من قصده (١)، فلما طال مقام كل واحد منهما في مقابلة الآخر علم البرنس أن المسلمين لا يعودون حتى يتفرق جمعه، ففرّقه، وانقطع طمعه في الحركة، وعاد عز الدين إلى دمشق، وحمى الله الحرمين الشريفين من غائلة الكفار. ذكر المتجددات باليمن بعد مفارقة الملك المعظم لها لما فارق الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ﵀ اليمن استناب بزبيد الأمير سيف الدولة (٢) مبارك بن كامل بن منقذ الكنانى، وبعدن عز الدين

стр. 445

عثمان بن الزنجبيلى (١) وكان هوى سيف الدولة الشام، لأنها وطنه، فأرسل إلى الملك المعظم، [يطلب الإذن بالمجئ إليه، فأذن له، واستناب أخاه حطان، وعاد إلى عند الملك المعظم] (٢) وهو إذ ذاك بمصر؛ ولما توفى الملك المعظم - كما ذكرنا - بقى سيف الدولة في خدمة السلطان بمصر، فقيل إن سيف الدولة أخذ أموال اليمن وادخرها، وسعى (٣) به أعداؤه، فلم يعارضه السلطان. فلما كانت هذه السنة والسلطان بمصر عمل سيف الدولة دعوة كبيرة دعا إليها أعيان الدولة الصلاحية بقرية على شاطئ النيل تسمى العدوية (٤)،

стр. 446

وأرسل أصحابه يتجهزون من البلد، ويشترون ما يحتاجون إليه من الأطعمة وغيرها، فقيل للسلطان: " إن ابن منقذ يريد الهرب [إلى اليمن] (١)، وأصحابه يتزودون له، ومتى دخل [٢٢٦] اليمن أخرجه من طاعتك "، فاعتقله السلطان وحبسه، فبذل للسلطان ثمانين ألف دينار، ولم يظهر فيها بيع متاع ولا استدانة من تجار، وغرم لأخوى السلطان: الملك العادل، وتاج الملوك بورى جملة، فأطلق وعاد إلى منزلته. ثم وقع باليمن خلف بين حطّان بن منقذ - والى زبيد - وعز الدين عثمان ابن الزنجبيلى - والى عدن - لما بلغهما وفاة الملك المعظم، ورام كل واحد منهما أن يغلب (٢) على ما بيده (٣)، وجرت بينهما فتن، واشتد الأمر، وبلغ ذلك السلطان، فخاف أن يطمع أهل اليمن فيها بسبب الاختلاف بين أصحابه، فأرسل إلى اليمن عسكرا وقدّم عليهم قتلغ أبه (٤) - والى مصر - ومعه عدة من الأمراء، فاستولى قتلغ أبه على زبيد، وأزال حطّان عنها، ثم توفى قتلغ أبه، فعاد حطّان إلى إمارته بزبيد وإقطاعه (٥)، وأطاعه الناس لجوده وشجاعته.

стр. 447

ذكر استيلاء سيف الإسلام طغتكين (١) بن أيوب على بلاد اليمن ثم قرر السلطان مع سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب أخيه أن يمضى إلى بلاد اليمن لتنقطع الفتن بها، فسار إليها (٢) في سنة ثمان وسبعين وخمسمائة بعد مسير السلطان [فوصل إلى زبيد فملكها، وأمّن حطّان وطيّب قلبه، فاستأذنه حطّان في المسير] (٣) إلى الشام، فأذن له، فجمع حطّان كلما له من سبد ولبد، وكان قد حصل على أموال عظيمة، ورحل بها، فردّه سيف الإسلام إليه ليودعه، ويركب معه ليشيعه، فلما دخل إليه اعتقله واحتاط على جميع موجوده، ثم نقله إلى بعض الحصون فحبسه به ثم قتله. وحكى عماد الدين الكاتب عن السلطان فيما قبض من حطّان من الأموال، قال: " كان سبعين غلافا من غلف الزرد مملوءة بالذهب، وقوّم المأخوذ منه بألف ألف دينار ". ولما سمع عز الدين بن الزنجبيلى بسيف الإسلام تجهز من عدن إلى الشام، وسار إليه خائفا يترقب، وسيّر معظم أمواله في البحر، فصادفها مراكب فيها

стр. 448

أصحاب سيف الإسلام، فأخذوا كلما لعز الدين، ولم يبق إلا ما صحبه في الطريق [ووصل إلى الشام، وأقام به إلى أن مات] (١) وصفت زبيد وعدن وما معهما من الحصون والبلاد لسيف الإسلام، وقدم عز الدين دمشق، وكان له معروف وبر [٢٢٧] وصدقات بمكة واليمن ودمشق، وإليه تنسب المدرسة والرباط المتقابلان بباب العمرة بمكة، والمدرسة المعروفة به التي هى خارج باب توما (٢)، [وأقام في دمشق إلى أن مات - كما ذكرنا -] (١). ذكر وفاة الملك الصالح إسماعيل بن نور الدين محمود بن زنكى - رحمهما الله - وفى هذه السنة - أعنى سنة سبع وسبعين وخمس مائة - توفى الملك الصالح إسماعيل ابن نور الدين ﵀ وكان مرضه بالقولنج (٣)، وابتدأ (٤) به المرض تاسع رجب، وفى الثالث والعشرين منه أغلقت أبواب قلعة (٥) حلب لشدة مرضه، واستدعى الأمراء واحدا واحدا، واستحلفوا لابن عمه عز الدين مسعود ابن مودود بن زنكى - صاحب الموصل -، وفى الخامس والعشرين منه توفى ﵀ واشتد حزن أهل حلب عليه.

стр. 449

ذكر سيرته (١) ﵀ كان ديّنا صالحا، مجبولا على الخير، ولما اشتد مرضه وصف له الأطباء شرب الخمر، فقال: «لا أفعل حتى استفتى الفقهاء»، وكان عنده الإمام علاء الدين الكاسانى الحنفى - رئيس أصحاب أبى حنيفة بحلب - وكان يعتقد فيه اعتقادا حسنا ويكرمه، فاستفتاه، فأفتاه بجواز شربها للتداوى، فقال له: «يا علاء الدين، إن كان الله سبحانه قد قرّب أجلى أيؤخره شرب الخمر؟»، فقال: «لا والله» فقال: «والله، لا لقيت الله تعالى وقد استعملت ما حرّمه علىّ»، وكان عمره قريبا من عشرين سنة. ذكر استيلاء عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى على حلب لما اشتد المرض بالملك الصالح ﵀ وأيس من نفسه أحضر الأمراء كلهم والأجناد، واستحلفهم لابن عمه عز الدين مسعود، وأمرهم بتسليم مملكته جميعها إليه، فقال له بعضهم: «إن ابن عمك عز الذين له الموصل وغيرها من همذان إلى الفرات، فلو أوصيت بحلب لعباد الدين ابن عمك كان أحسن، (٢)، ثم هو تربية والدك، وزوج أختك، وهو أيضا عديم المثل في العقل والتدبير والخلال والشجاعة التي تفرد بها ".

стр. 450

فقال: " إن هذا لم يغب عنى، ولكن قد علمتم تغلب صلاح الدين على عامة بلاد الشام سوى ما بيدى ومعى، فإن سلمت حلب إلى عماد الدين يعجز عن حفظها منه، فإن ملكها صلاح الدين لا يبقى لأهلنا معه مقام، وإذا سلمتها إلى عز الدين [٢٢٨] أمكنه أن يحفظها لكثرة عساكره وبلاده وأمواله ". فاستحسن الحاضرون قوله وعلموا صحته، وعجبوا من جودة رأيه مع شدة مرضه وصباه. فلما توفى أرسل شاذبخت - دزدار حلب - إلى عز الدين يدعوه إلى حلب ليسلموها إليه، فورد الخبر ونائبه مجاهد الدين قايماز قد سار إلى ماردين لمهم عرض له فلقى القاصدين عندها، فأخبروه الخبر، وسار إلى الفرات، فأرسل إلى عز الدين يعرفّه الحال، ويشير بتعجيل الحركة، وأقام على الفرات ينتظر، فسار عز الدين مجدا، فلما وصل إلى المنزلة التي بها مجاهد الدين [قيماز] (١) أقام معه، وأرسل [إلى حلب] (١) يستحضر الأمراء، فحضروا كلهم عنده، وجددوا اليمين له، فسار حينئذ إلى حلب، ودخلها وملكها. ولما دخل الفرات كان الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب - ابن أخى السلطان - بمنبج - وكانت إقطاعا له مع حماة (٢) وسلمية وغيرها -، فسار عنها هاربا إلى مدينة حماة، وثار أهل حماة، ونادوا بشعار عز الدين مسعود لميل (٣) الناس كان إلى عود الدولة الأتابكية، وكان السلطان اذ ذاك بمصر - كما ذكرنا - فأشار الحلبيون على عز الدين بقصد دمشق، وأطمعوه فيها وفى غيرها من البلاد الشامية، وأعلموه محبة أهلها للبيت الأتابكى، فلم يفعل، وقال: " بيننا يمين ولا نغدر به "، وأقام بحلب مدة يسيرة.

стр. 451

ذكر استيلاء عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى على حلب وكان وصول عز الدين إلى حلب وتملكه لها في العشرين من شعبان من هذه السنة، واستولى على الخزائن والذخائر، وتزوج أم الملك الصالح، وأقام بقلعة حلب إلى سادس عشر شوال من هذه السنة، وعلم أنه لا يمكنه حفظ الشام مع الموصل لأجل السلطان [صلاح الدين]، (١) وألّح عليه الأمراء في طلب الزيادات [في إقطاعهم، وفى طلب الأموال]، (١) وأكثروا إدلالهم عليه بسبب اختيارهم إياه (٢). [وكان عنده بخل] (١) فضاق عطنه [منهم]، (١) فرحل من حلب إلى الرّقة وخلفه ولده، ومظفر الدين بن زين الدين بها، ولقيه عماد الدين زنكى بالرّقة على قرار بينهما، واستقر [الأمر بينهما] (١) أن يسلم حلب إلى عماد الدين، ويأخذ عز الدين عنها عوضا سنجار. وذكر ابن الأثير أن عماد الدين أرسل أخاه يلتمس ذلك، وأن عز الدين امتنع عنه، وأن عماد الدين لّج في هذا الأمر، وقال: «إن سلمتم إلىّ حلب (٣) [٢٢٩] وإلا سلمت أنا سنجار إلى صلاح الدين ". فأشار حينئذ الجماعة بتسليمها إليه وكان أكثرهم في ذلك مجاهد الدين قايماز، فاستقر الأمر على ذلك، وحلف كل منهما لصاحبه في الحادى والعشرين من شوال،

стр. 452

وسار من جانب عماد الدين من تسلّم حلب، ومن جانب عز الدين من تسلّم سنجار، وعاد عز الدين إلى الموصل، وتوجه عماد الدين إلى حلب، وكان صعوده قلعتها في ثالث عشر المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، واستقر بها. ذكر المتجددات للسلطان [صلاح الدين] (١) بمصر إلى حين سفره إلى الشام ولما بلغ السلطان وفاة الملك الصالح بن نور الدين تحرك عزمه على التوجه إلى الشام، وندم على النزوح عنه، فكتب إلى ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر - صاحب حماة - يأمره بالتأهب والنهوض، وكاتب سائر نوابه بالشام بذلك، وكتب إلى الديوان العزيز بانشاء عمادى فيه: " فصل: وشاع الخبر بغارة أفرنج أنطاكية على حارم، وأتوا من النهب والسبى بالعظائم، وشاع أيضا أن عسكر حلب أغاروا على الراوندان وهى [في] عملنا؛ ورسلهم عند الفرنج يستنجدونهم؛ (٢) وراسلوا الحشيشية، والمراد من الرسالة غير خاف، والعلم بالمعتاد عنه كاف، وابن أخينا (٣) غائب في أقضى بلاد الفرنج في أول برية الحجاز، فإن طاغية منهم جمع خيله ورجله، وحدثته نفسه الخبيثة بقصد تيماء، وهى دهليز المدينة - على ساكنها السلام - واغتنم كون البرية معشبة مخضرة مخصبة في هذا العام، والعجب أنا نحامى عن قبر النبى - صلوات الله عليه وسلامه - مشتغلين بهمه، والمذكور - يعنى صاحب الموصل -

стр. 453

ينازع في ولاية هى لنا، ليأخذها بيد ظلمه، وكم بين من يحارب الكفر ويحمل إليهم قواصم الآجال (١) وبين من يتخذهم بطانة دون المؤمنين، ويحمل إليهم كرائم الأموال، هذا مع ما نعد في الملّة الحنيفية والدولة الهادية العباسية من آثار لا يعدّ مثلها أولا لأبى مسلم، لأنه أقدم ثم خامر (٢)، ووالى ثم ولى، ولا آخرا لطغرلبك، فإنه نصر ونصب، ثم حجر وحجب، وقد عرف ما فضلنا الله به عليهما في نصر الدولة، وقطع (٣) من كان ينازع الخلافة رداءها، ويطهر المنابر (٤) من رجس الأدعياء، ولم نفعل ما فعلناه [٢٣٠] لأجل الدنيا؛ غير أن التحدث بنعمة الله واجب، والتبجح بالخدمة الشريفة والافتخار بالتوفيق فيها على السجية غالب؛ ولا غنى عن بروز الأوامر الشريفة إلى المذكور بأن يلزم حدّه، ولا يتجاوز حقه، فإن دخول الأيدى المختلفة عن الأعداء المتفقة شاغل، ويحتاج فيه إلى مغرم ينفق فيه العمر بغير طائل، فإن الأعمار تمرمر السحاب، والفرص تمض ومض السراب، وبقاؤنا (٥) في هذه الدار القليلة اللبث القصيرة المكث يؤثر أن نغتنمه في مجاهدة العدو الكافر، الذى صار به البيت المقدس محلا للأرجاس، ومضت عليه دهور وملوك لم يحصلوا من رجاء تطهيره إلا على اليأس، وإن كان القوم قد بذلوا للدار العزيزة بذولا معارة فقد أسلف الخادم خدمات ليست بعوار، (٦) فإنهم لو بذلوا بلادهم كلها ما وفت بفتح مصر التي رحل (٧) بها أسامى الأدعياء الزاكية (٨) أعوادها؛ وأعاد إلى عينها بعد بياض عماها من نور الشعار العباسى

стр. 454

سوادها؛ فان اقتضت الأوامر الشريفة أن يوعز للمذكور بحلب بتقليد، فالأولى أن يقلّد الكل، فلا رغبة فيما لا يؤمن معه شر الشريك؛ ولمالك الأمر الحكم في ممالك المماليك ". وفيه فصل معناه أن حلب من جملة البلاد التي اشتمل عليها تقليد أمير المؤمنين المستضىء بنور الله، وإنما تركها في يد ابن نور الدين لأجل أبيه، والآن فليرجع كل ذى حق إلى حقه ليقتنع برزقه. ذكر سفر (١) السلطان إلى الإسكندرية وعوده وسافر السلطان بعد شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة سبع وسبعين وخمسمائة - إلى الاسكندرية على طريق البحيرة، وخيّم عند السوارى، وشاهد الأسوار التي جددها، وأمر بالاتمام والاهتمام، وقال: «نغتنم (٢) حياة الشيخ أبى طاهر ابن عوف (٣)». فحضر عنده، وسمع عليه موطأ مالك بن أنس - رحمة الله عليه -؛ بروايته عن الطرطوشى (٤) في العشر الأخير من شوال، وتم له ولأولاده [٢٣١] السماع.

стр. 455

ثم عاد إلى القاهرة في ذى القعدة، وشرع في التجهز والاستعداد لسفر الشام، فجمع العساكر، واستكثر من السلاح، فأمر بهاء الدين قراقوش باتمام السور الداير على مصر والقاهرة. ذكر مسير السلطان إلى الشام ثم برز السلطان من القاهرة، وخرج الناس لوداعه، فمن عجيب ما ذكر في الاتفاق أن السلطان بينما هو في سرادقه، والعلماء والفضلاء عنده، وكل منهم ينشد بيتا [أو أبياتا] (١) في الوداع، إذ أخرج أحد مؤدبى أولاده رأسه، وأنشد مظهرا بذلك فضليته: تمتّع من شميم عوار نجد ... فما بعد العشيّة من عرار فخمد نشاط السلطان، وانقبض انبساطه، وجعل الجماعة ينظرون بعضهم لبعض متعجبين من سوء أدب المؤدب، وكأنه نطق بما هو كائن في الغيب، فإن السلطان فارق الديار المصرية هذه النوبة، واشتغل بما سنذكره من الفتوحات والغزوات، وتمادى الحال إلى أن قضيت منيته بدمشق، ولم يعد بعد ذلك إلى الديار المصرية، فكان كما قيل: «الفال موكل بالمنطق». ثم سار السلطان متوجها إلى الشام لخمس مضين من المحرم سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وجعل طريقه على أيلة، وكان قبل سفره قد غدر الفرنج، ونقضوا عهدهم، واستولوا على تجار في البحر وغيرهم، فقدر الله سبحانه بطسة (٢) للمسلمين

стр. 456

عظيمة من المراكب مقلعة للفرنج من بلد لهم يقال له بوليه، يحتوى على ألفين (١) وخمسمائة من رجال القوم وأبطالهم وأتباعهم على قصد زيارة القدس، فألقتهم الريح على ثغر دمياط، فغرق شطرهم وأسر الباقون، وكان عدة من أسر ألفا وستمائة وتسعين نفسا (٢). ولما وصل السلطان إلى عقبة أيلة فإنه سمع باجتماع الفرنج في الكرك لقصد قطع الطريق، فاحترز بحفظ الأطراف، (٣) وانحاز (٤) بحمى، ثم عقبة شنار (٥) ثم القريتين (٣)، وأغار على طرف بلاد العدو، ثم تجرد السلطان في شجعان أصحابه، وسار على سمت الكرك [٢٣٢] إلى الحسى (٦)، وأمرّ أخاه تاج الملوك بورى على الناس، وأمره أن يسير بهم يمنة، ثم اجتمعوا بالسلطان بالأزرق بعد أسبوع. وكان الفرنج لما سمعوا بمسير السلطان، وأن معه خلقا من التجار، اجتمعوا بالكرك، للقرب من طريقهم، لعلهم ينتهزون فرصة من القافلة، فخرج الملك المنصور عز الدين فرخشاه ابن أخى السلطان من دمشق، واغتنم خلو ديارهم، وأغاز على طبرية وعكا، وفتح دبورية (٧)، وجاء إلى حبيس جلدك بالسواد، وهو

стр. 457

شقيف يشرف على بلاد المسلمين، ففتحه وأسكنه المسلمين، فبقى عينا على الفرنج بعد ما كان لهم، ورجع بالأسرى والغنائم، ومعه ألف أسير وعشرون ألف رأس من النعم، ووصل إلى السلطان البشرى بذلك وهو في الطريق، [ففرح بهذا الفتح] (١) -. ثم وصل السلطان دمشق لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وسبعين -. ثم خرج السلطان وأغار على طبرية وبيسان، والتحم بينهم القتال تحت حصن كوكب، واستشهد جماعة من المسلمين، وكان النصر لأهل الإسلام، ثم رجع السلطان مظفرا (٢). ذكر مسير السلطان إلى البلاد الشرقية ثم عزم السلطان على المسير [إلى البلاد الشرقية و] (١) إلى حلب، فبلغه أن المواصلة كاتبوا الفرنج ورغبوهم في قصد الثغور الإسلامية ليشغلوا السلطان عن قصدهم، فتوجه السلطان [صلاح الدين ﵀] (١) إلى بعلبك وخيّم بالبقاع، وكان قد واعد (٣) أسطول مصر [أن] (١) يتجهز إلى بلاد الساحل، فبلغه الخبر أنه وصل إلى بيروت، فبادره السلطان بعسكره جريدة، فلما وصل رأى أن أمر بيروت يطول، وكان قد سبى الأسطول منها (٤) وسلب، فأغار

стр. 458

السلطان على تلك البلاد ورجع، وأعاد ابن أخيه عز الدين فرخشاه إلى دمشق ورحل [السلطان] إلى بعلبك، ومنها إلى حمص، ثم إلى حماة، واستصحب معه ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين صاحبها، فلما قرب من حلب وصل إلى خدمته مظفر الدين [٢٣٣] كوكبورى بن زين الدين على كوجك، وكان بيده حرّان، فأشار على السلطان بعبور الفرات، (١) وكان سبب قصد مظفر الدين خدمة السلطان استيحاشه من مجاهد الدين قايماز (١) وعز الدين مسعود - صاحب الموصل -، فالتجأ إلى السلطان وأطمعه في البلاد. وكان نزول السلطان على حلب ثامن [عشر] (٢) جمادى الأولى من السنة، وأقام منازلا لها ثلاثة أيام، ثم رحل يطلب الفرات، فوصلها وخيّم عليها من غربى البيرة، ومد الجسر، وكانت البيرة لشهاب الدين الأرتقى، فمات وملكها بعده ولده، وصار في طاعة عز الدين - صاحب الموصل - فقصدها في السنة الماضية قطب الدين ايلغازى (٣) بن نجم الدين ألبى بن حسام الدين تمرتاش بن ايلغازى (٣) بن أرتق - صاحب ماردين - بعد أن استأذن صاحب الموصل، وهو ابن عمته؛ وقصدها وأخذها منه، فأذن له في ذلك، فسار في عسكره إلى سميساط، وهى له، فنزل بها، وسيّر العسكر إلى البيرة، فحصرها، فلم يظفر منها بطائل، فأرسل صاحبها إلى السلطان - وقد خرج من مصر - يستنجده على ابن عمته (٤)، وطلب منه أن يكون في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، فأرسل رسولا إلى صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب منه أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل شفاعته.

стр. 459

واشتغل السلطان بما ذكرناه من الفرنج، فلما رأى قطب الدين طول مقام عسكره على حصار البيرة ولم يبلغوا منها غرضا، أمرهم بالرحيل عنها وعاد إلى ماردين، فسار صاحبها إلى خدمة السلطان، فكان معه حتى عبر الفرات. ولما نزل السلطان على البيرة كاتب ملوك الأطراف: «من جاء مستسلما سلمت بلاده، على أن يكون من أجناد السلطان وأتباعه ومساعديه على جهاد الكفرة». فجاء رسول نور الدين بن قرا [٢٣٤] أرسلان بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - بالإذعان. ذكر استيلاء السلطان على البلاد الجزيرية (١) ثم رحل السلطان من البيرة فنازل الرّها، وفيها الأمير فخر الدين مسعود بن الزعفرانى [صاحب حماة أولا] (٢)، فسلمها إلى السلطان، فأقطعها لمظفر الدين بن زين الدين مضافة إلى حرّان [ومضى ابن الزعفرانى إلى الموصل فأقام بها] (٢)، ثم وصل السلطان إلى حرّان فرتبها، وانفصل منها إلى الرقّة، وصاحبها الأمير قطب الدين ينال بن حسان (٣) - صاحب منبج -، فأذعن للسلطان، فسلم البلد إليه، وأصلحها السلطان، ثم رحل إلى مشهد الرمان، ثم إلى عربان، وتسلمها أيضا، ثم استولى على الخابور، ففتح رأس عين

стр. 460

ودورين وماكسين والشمسانّية (١) والفدين (٢) والمجدل والحصين، ثم قطع نهر الخابور على قنطرة تنينير (٣)، ونازل نصيبين، فامتنعت القلعة عليه أياما، ثم استسلم من فيها، فملكها، وولاها حسام الدين أبا الهيجاء السمين، وولى الخابور جمال الدين خوشترين (٤). وأقام السلطان بنصيبين ليصلح أمورها، فأتاه الخبر أن الفرنج قد قصدوا بلد دمشق، ونهبوا القرى ووصلوا إلى داريا، وأرادوا تخريب جامعها، فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى، يقول لهم: «إذا خربتم جامع داريا جددنا عمارته، ونخرب كل بيعة لكم في بلادنا، ولا نمكن أحدا من عمارتها»، فتركوه، ولما وصل الخبر بذلك إلى السلطان، أشار عليه بعض أصحابه بالعود، فقال السلطان: «يخربون قرى ونملك عوضها بلادا، ثم نعود فنعمرها، ونقوى على قصد بلادهم»، ولم يرجع وعزم على منازلة الموصل. ذكر منازلة السلطان الملك الناصر الموصل لما ملك (٥) السلطان نصيبين جمع الأمراء الأكابر واستشارهم: أي البلاد يبدأ بها، بالموصل أم بسنجار أم بالجزيرة؟ فاختلفت آراؤهم، فقال مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك:
следующие страницы →