← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عظيمة من المراكب مقلعة للفرنج من بلد لهم يقال له بوليه، يحتوى على ألفين (١) وخمسمائة من رجال القوم وأبطالهم وأتباعهم على قصد زيارة القدس، فألقتهم الريح على ثغر دمياط، فغرق شطرهم وأسر الباقون، وكان عدة من أسر ألفا وستمائة وتسعين نفسا (٢). ولما وصل السلطان إلى عقبة أيلة فإنه سمع باجتماع الفرنج في الكرك لقصد قطع الطريق، فاحترز بحفظ الأطراف، (٣) وانحاز (٤) بحمى، ثم عقبة شنار (٥) ثم القريتين (٣)، وأغار على طرف بلاد العدو، ثم تجرد السلطان في شجعان أصحابه، وسار على سمت الكرك [٢٣٢] إلى الحسى (٦)، وأمرّ أخاه تاج الملوك بورى على الناس، وأمره أن يسير بهم يمنة، ثم اجتمعوا بالسلطان بالأزرق بعد أسبوع. وكان الفرنج لما سمعوا بمسير السلطان، وأن معه خلقا من التجار، اجتمعوا بالكرك، للقرب من طريقهم، لعلهم ينتهزون فرصة من القافلة، فخرج الملك المنصور عز الدين فرخشاه ابن أخى السلطان من دمشق، واغتنم خلو ديارهم، وأغاز على طبرية وعكا، وفتح دبورية (٧)، وجاء إلى حبيس جلدك بالسواد، وهو

стр. 457

شقيف يشرف على بلاد المسلمين، ففتحه وأسكنه المسلمين، فبقى عينا على الفرنج بعد ما كان لهم، ورجع بالأسرى والغنائم، ومعه ألف أسير وعشرون ألف رأس من النعم، ووصل إلى السلطان البشرى بذلك وهو في الطريق، [ففرح بهذا الفتح] (١) -. ثم وصل السلطان دمشق لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وسبعين -. ثم خرج السلطان وأغار على طبرية وبيسان، والتحم بينهم القتال تحت حصن كوكب، واستشهد جماعة من المسلمين، وكان النصر لأهل الإسلام، ثم رجع السلطان مظفرا (٢). ذكر مسير السلطان إلى البلاد الشرقية ثم عزم السلطان على المسير [إلى البلاد الشرقية و] (١) إلى حلب، فبلغه أن المواصلة كاتبوا الفرنج ورغبوهم في قصد الثغور الإسلامية ليشغلوا السلطان عن قصدهم، فتوجه السلطان [صلاح الدين ﵀] (١) إلى بعلبك وخيّم بالبقاع، وكان قد واعد (٣) أسطول مصر [أن] (١) يتجهز إلى بلاد الساحل، فبلغه الخبر أنه وصل إلى بيروت، فبادره السلطان بعسكره جريدة، فلما وصل رأى أن أمر بيروت يطول، وكان قد سبى الأسطول منها (٤) وسلب، فأغار

стр. 458

السلطان على تلك البلاد ورجع، وأعاد ابن أخيه عز الدين فرخشاه إلى دمشق ورحل [السلطان] إلى بعلبك، ومنها إلى حمص، ثم إلى حماة، واستصحب معه ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين صاحبها، فلما قرب من حلب وصل إلى خدمته مظفر الدين [٢٣٣] كوكبورى بن زين الدين على كوجك، وكان بيده حرّان، فأشار على السلطان بعبور الفرات، (١) وكان سبب قصد مظفر الدين خدمة السلطان استيحاشه من مجاهد الدين قايماز (١) وعز الدين مسعود - صاحب الموصل -، فالتجأ إلى السلطان وأطمعه في البلاد. وكان نزول السلطان على حلب ثامن [عشر] (٢) جمادى الأولى من السنة، وأقام منازلا لها ثلاثة أيام، ثم رحل يطلب الفرات، فوصلها وخيّم عليها من غربى البيرة، ومد الجسر، وكانت البيرة لشهاب الدين الأرتقى، فمات وملكها بعده ولده، وصار في طاعة عز الدين - صاحب الموصل - فقصدها في السنة الماضية قطب الدين ايلغازى (٣) بن نجم الدين ألبى بن حسام الدين تمرتاش بن ايلغازى (٣) بن أرتق - صاحب ماردين - بعد أن استأذن صاحب الموصل، وهو ابن عمته؛ وقصدها وأخذها منه، فأذن له في ذلك، فسار في عسكره إلى سميساط، وهى له، فنزل بها، وسيّر العسكر إلى البيرة، فحصرها، فلم يظفر منها بطائل، فأرسل صاحبها إلى السلطان - وقد خرج من مصر - يستنجده على ابن عمته (٤)، وطلب منه أن يكون في خدمته كما كان أبوه في خدمة نور الدين، فأجابه إلى ذلك، فأرسل رسولا إلى صاحب ماردين يشفع فيه، ويطلب منه أن يرحل عسكره عنه، فلم يقبل شفاعته.

стр. 459

واشتغل السلطان بما ذكرناه من الفرنج، فلما رأى قطب الدين طول مقام عسكره على حصار البيرة ولم يبلغوا منها غرضا، أمرهم بالرحيل عنها وعاد إلى ماردين، فسار صاحبها إلى خدمة السلطان، فكان معه حتى عبر الفرات. ولما نزل السلطان على البيرة كاتب ملوك الأطراف: «من جاء مستسلما سلمت بلاده، على أن يكون من أجناد السلطان وأتباعه ومساعديه على جهاد الكفرة». فجاء رسول نور الدين بن قرا [٢٣٤] أرسلان بن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - بالإذعان. ذكر استيلاء السلطان على البلاد الجزيرية (١) ثم رحل السلطان من البيرة فنازل الرّها، وفيها الأمير فخر الدين مسعود بن الزعفرانى [صاحب حماة أولا] (٢)، فسلمها إلى السلطان، فأقطعها لمظفر الدين بن زين الدين مضافة إلى حرّان [ومضى ابن الزعفرانى إلى الموصل فأقام بها] (٢)، ثم وصل السلطان إلى حرّان فرتبها، وانفصل منها إلى الرقّة، وصاحبها الأمير قطب الدين ينال بن حسان (٣) - صاحب منبج -، فأذعن للسلطان، فسلم البلد إليه، وأصلحها السلطان، ثم رحل إلى مشهد الرمان، ثم إلى عربان، وتسلمها أيضا، ثم استولى على الخابور، ففتح رأس عين

стр. 460

ودورين وماكسين والشمسانّية (١) والفدين (٢) والمجدل والحصين، ثم قطع نهر الخابور على قنطرة تنينير (٣)، ونازل نصيبين، فامتنعت القلعة عليه أياما، ثم استسلم من فيها، فملكها، وولاها حسام الدين أبا الهيجاء السمين، وولى الخابور جمال الدين خوشترين (٤). وأقام السلطان بنصيبين ليصلح أمورها، فأتاه الخبر أن الفرنج قد قصدوا بلد دمشق، ونهبوا القرى ووصلوا إلى داريا، وأرادوا تخريب جامعها، فأرسل النائب بدمشق إليهم جماعة من النصارى، يقول لهم: «إذا خربتم جامع داريا جددنا عمارته، ونخرب كل بيعة لكم في بلادنا، ولا نمكن أحدا من عمارتها»، فتركوه، ولما وصل الخبر بذلك إلى السلطان، أشار عليه بعض أصحابه بالعود، فقال السلطان: «يخربون قرى ونملك عوضها بلادا، ثم نعود فنعمرها، ونقوى على قصد بلادهم»، ولم يرجع وعزم على منازلة الموصل. ذكر منازلة السلطان الملك الناصر الموصل لما ملك (٥) السلطان نصيبين جمع الأمراء الأكابر واستشارهم: أي البلاد يبدأ بها، بالموصل أم بسنجار أم بالجزيرة؟ فاختلفت آراؤهم، فقال مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك:

стр. 461

«لا ينبغى أن تبدأ بغير الموصل، لأنها في أيدينا لا مانع لها، [٢٣٥] فإن عز الدين ومجاهد الدين متى سمعا بمسيرنا تركاها وسارا عنها إلى بعض القلاع الجبلية». ووافقه على ذلك ناصر الدين محمد بن شيركوه، وكان قد بذل للسلطان مالا كثيرا ليقطعه الموصل إذا ملكها، فأجابه إلى ذلك، فأشار بهذا الرأى لهواه، فسار السلطان إلى الموصل، وكان عز الدين صاحبها ونائبه مجاهد الدين [قايماز] (١) قد جمعا بالموصل العساكر الكثيرة ما بين فارس وراجل، وأظهرا من السلاح وآلات الحصار ما حارت له الأبصار، وكانت طريق السلطان على أعمال ما بين النهرين، ثم أعمال البقعة (٢)، ثم سار (٣) إلى دجلة، فوردت خيله - في أشهر متقاربة - نيل مصر والفرات والدجلة؛ ثم صمم على قصد الموصل، فلما قرب منها انفرد هو ومظفر الدين بن زين الدين، وابن عمه ناصر الدين محمد بن شيركوه، ونفر من أعيان دولته، وقربوا من البلد، فلما رآه وحققه رأى ما هاله وملأ صدره وصدور أصحابه، فإنه رأى بلدا عظيما، ورأى الأسوار قد ملئت بالرجال، وليس فيها (٤) شرّافة (٥) إلا وعليها رجل مقاتل، سوى من عليه من عامة البلد المتفرجين، فلما رأى ذلك علم أنه لا يقدر على أخذه، فقال لناصر الدين:

стр. 462

" إذا رجعنا إلى العسكر فاحمل ما بذلت من المال، فنحن معك على (١) القول ". فقال. ناصر الدين: " قد رجعت عما بذلت من المال ". فقال له ولمظفر الدين: " غررتمانى وأطمعتمانى في غير مطمع، ولو قصدت غيره قبله كان أسهل أخذا بالاسم والهيبة التي حصلت لنا [في قلوب الناس] (٢)، ومتى نازلناه (٣) وعدنا عنه ولم نأخذه ينكسر ناموسنا، ويفل حدنا وشوكتنا ". ثم رجع إلى معسكره [وبات تلك الليلة] (٢) وضجّ البلد، ودار العسكر حول السور، وعيّن لكل مقدم مقاما، ونزل هو وراء البلد، ونزل الملك المظفر تقى الدين - صاحب حماة - من شرقيه، ونزل تاج الملوك بورى بن أيوب عند الباب العمادى (٤)، ونزل نور الدين - صاحب حصن كيفا - بباب الجسر. وكان نزول السلطان على الموصل [٢٣٦] يوم الخميس حادى عشر رجب من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة - ثم نشب القتال بين الفريقين، ولم يمكن عز الدين [صاحب الموصل] (٢) ومجاهد الدين أحدا (٥) من الخروج، بل لزموا القتال على الأسوار، وخرج يوما بعض العامة إلى العسكر، فنالوا منه. ثم إن الملك المظفر أشار على عمه السلطان بنصب منجنيق، فقال: " مثل هذا البلد لا ينصب عليه منجنيق (٦)، ومتى نصبناه أخذوه، ولو خرّبنا برجا (٧) أو بدنة من يقدر على الدخول إلى هذا البلد وفيه هذا الخلق الكثير؟ "

стр. 463

فألح عليه، وقال: " نجربهم به ". فنصب منجنيقا (١)، فنصبوا عليه من (٢) البلد تسعة (٣) منجنيقات، وخرج جماعة من العامة فأخذوه، وجرى عنده قتال كثير، وأخذ بعض العامة مداسا (٤) فيه مسامير كثيرة، ورمى به أميرا يقال له: جاولى الأسدى، مقدّم الأسدية وكبيرهم، فأصاب صدره، فوجد لذلك ألما شديدا، فأخذ المداس وعاد إلى السلطان، وقال: " قاتلنا أهل الموصل بحماقات ما رأينا بعد مثلها ". وألقى المداس، وحلف أنه لا يعود يقاتل أنفة، حيث ضرب بالمداس. ذكر رحيل السلطان من الموصل ثم إن السلطان رحل من قرب البلد، ونزل متأخرا خوفا من البيات (٥) فإنه كان لا يأمن ذلك (٦)، فإن (٧) مجاهد الدين أخرج في بعض الليالى جماعة من باب السر الذى للقلعة ومعهم المشاعل، فكان أحدهم يخرج من الباب، وينزل

стр. 464

إلى دجلة مما يلى عين الكبريت (١)، ويطفى المشعل ويعود، فرأى العسكر (٢) ذلك، فلم يشكوا في الكبسة، فحملهم ذلك على الرحيل والتأخير، ليتعذر البيات على أهل الموصل. وكان عز الدين - صاحب الموصل - قد سيّر القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ رسولا إلى الديوان العزيز قبل نزول السلطان [على الموصل] (٣) بأيام قلائل، قال: " فسرت مسرعا إلى دجلة، وأتيت بغداد في يومين وساعتين من اليوم الثالث مستنجدا بهم، فلم يحصل منهم سوى الإنفاذ إلى صدر الدين شيخ الشيوخ، - وكان في صحبة [٢٣٧] السلطان [صلاح الدين] (٣) - يأمرونه بالحديث معه [في الصلح] " (٣). وسيّر عز الدين إلى بهلوان بن ايلذكر - صاحب همذان - رسولا يستنجده، فلم يحصل من جانبه سوى تشرط كان الدخول تحته أخطر من حرب السلطان. ودخل صدر الدين [شيخ الشيوخ] (٣) رسول الخليفة الإمام الناصر لدين الله، وبشير الخادم بين السلطان وصاحب الموصل، وتحدثوا في الصلح، فطلب عز الدين إعادة البلاد التي أخذت منهم، فأجاب السلطان إلى ذلك بشرط أن يسلموا إليه حلب، فامتنع عز الدين من ذلك، ثم نزل السلطان عن ذلك إلى تسليم البلاد إليهم، بشرط أن يتركوا إنجاد صاحب حلب (٤) عليه، فامتنع عز الدين، وقال: " هو أخى، وله [معى] (٥) العهود والمواثيق، ولا يسعنى نكثها ".

стр. 465

ووصل رسل قرا أرسلان - صاحب أذربيجان -، ورسل شاه أرمن (١) صاحب أخلاط - في المعنى (٢)، ولم ينتظم أمر ولاتم صلح. ثم رأى السلطان أنه لا ينال من الموصل غرضا، فرحل قاصدا سنجار، وقدّم أمامه ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر - صاحب حماة -. ذكر منازلة السلطان سنجار وتملكه لها ولما توجه السلطان إلى سنجار وجد في طريقه عسكرا من الموصل سائرا إليها، فأحاط بهم، وأخذ خيلهم وعددهم وردهم إلى الموصل رجّالة، ووصل إلى سنجار ومعه رسل دار الخلافة، وكان بسنجار شرف الدين أمير أميران هندوا ابن مودود ابن زنكى (٣) نائبا بها عن أخيه عز الدين، فواصل السلطان سنجار، وضايقها، وألح في قتالها، ونصب عليها المنجنيق، فهدم ثلمة من سور القلعة، [فأخذها] (٤) ووكّل بها من يحفظها. ودخل شهر رمضان فكفّ السلطان عن القتال، ثم بلغه أن الموكلين بحفظ تلك الثلمة نيام، فأرسل إليهم من أوثقهم وحملهم إليه، وكان فيهم جماعة من المقدمين والأعيان؛ فلما أصبح شرف الدين [هندوا] (٤) أذعن وسلم [القلعة وسنجار إلى السلطان] (٤) ورحل بأهله وماله إلى الموصل، ودخل السلطان

стр. 466

إلى سنجار وإلى القلعة، ورتبها وأمر بعمارتها، وولاّها الأمير سعد الدين مسعود ابن معين [الدين] (١) أنر. وذكر ابن الأثير أن جماعة من الأكراد الذين [كانوا] (١) بها كاتبوا السلطان وأشاروا عليه بقصد بعض النواحى، فقصدها، فسلموا تلك الناحية إليه، فملك الباشورة (٢)، فضعف إذ ذاك قلب صاحبها، فسلمها بالأمان. ثم رحل السلطان [٢٣٨] إلى نصيبين، فأقام بها لقوة البرد، وودع رسل الخليفة [ومضوا] (١)، وشكا أهل نصيبين من حسام الدين أبى الهيجا السمين، فعزله واستصحبه معه إلى دارا، وبها الأمير صمصام الدين بهرام الأرتقى، فتلقى السلطان أحسن ملتقى (٣) فأكرمه، ثم سار السلطان إلى حرّان، وأقام بها للاستراحة، وعاد كل إلى بلده، وعاد الملك المظفر تقى الدين إلى حماة. ذكر وفاة الملك المنصور عز الدين فرخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب صاحب بعلبك، واستيلاء ولده الملك الأمجد بهرام شاه عليها وفى جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة - توفى عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب، ووصل خبره بذلك إلى السلطان، فأمّر ولده الملك الأمجد بهرام شاه على بعلبك وأعمالها، وأستناب بدمشق مكان عز الدين شمس الدين محمد بن المقدّم.

стр. 467

ذكر سيرته ﵀ - كان عز الدين فرخشاه ﵀ فاضلا أديبا، كريما، كثير العطايا والبذل، محبا للفضلاء، متكثرا بهم، حسن السيرة، وكان قد احتضن الشيخ الإمام تاج الدين أبا اليمن الكندى (١) ﵀ إمام عصره وفريد وقته في الأدب، فاستفاد منه، واقتبس من علومه؛ وللشيخ تاج الدين هذا في عز الدين ﵀ قصيدة أولها: هل أنت راحم عبرة وتولّه ... ومجير صبّ عند مأمنه دهى؟ هيهات يرحم قاتل مقتوله! ... وسنانه في القلب غير منهنه من بلّ من داء الغرام؟ فإننى ... مذ حلّ بى مرض الهوى لم أنقه إنى بليت بحب أغيد ساحر ... بلحاظه، رخص البنان بزهره أبغى شفاء تدلّهى من دلّه، ... ومتى يرقّ مدلّل لمدلّه؟! يا مفردا بالحسن إنّك منته ... فيه، كما أنا بالصبابة منتهى قد لام فيك معاشر، أفأنتهى ... باللوم عن حبّ الحياة، وأنت هى؟ أبكى لديه، فإن أحسّ بلوعة ... وتشهق أومى بطرف مقهقه (٢)

стр. 468

[٢٣٩] أنا من محاسنه وحالى عنده ... حيران بين تفكّه وتفكّه (١) ضدّان قد جمعا بلفظ واحد ... لى في هواه بمعنيين موجه ومنها: أنا عبد من شهد الزمان بعجزه ... عن أن يجىء له بند مشبه عبد لعز الدين ذى الشرف الذى ... ذل الملوك لعزه (٢)، فرخنشه طابت موارده فغصّ فناؤه ... وشدا الحداة بذكره في المهمه يفديك كلّ مملّك متتابه ... أبدا بألسنة الرعاع ممدّه لا يفقه النجوى إذا حدّثته ... واذا بدا (٣) بحديثه لم يفقه قلت: مولد الشيخ تاج الدين الكندى ﵀ سنة عشرين وخمسمائة، وروى عن أبى منصور الجواليقى وغيره، وتوفى بدمشق سنة ثلاث عشرة وستمائة، ومات وعمره ثلاث وتسعون سنة. ولم تزل بعلبك بيد الملك الأمجد بهرام شاه بن فروخشاه بن شاهنشاه بن أيوب إلى أن أخذها منه الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب - على ما سنذكره إن شاء الله -. وملك بعلبك بعد الملك الأشرف أخوه الملك الصالح إسماعيل، ثم ملكها ابن أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك العادل، ثم ابنه الملك المعظم

стр. 469

توران شاه، ثم ملكها الملك الناصر صلاح الدين بن الملك العزيز (١) - صاحب حلب -، ثم ملكها التتر، ثم صارت بعده للملك المظفر قطز، ثم ملكها بعده الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، ثم صارت بعده لمولانا الأعظم الملك المنصور سيف الدين قلاوون (٢) رحمة الله على سائر ملوك الإسلام أجمعين وعلى سائر المسلمين. ذكر نصرة المسلمين على الفرنج ببحر القلزم (٣) لما صعب على البرنس أرناط - صاحب الكرك - ما توالى عليه من نكاية المسلمين المقيمين بحصن أيلة - وهى في وسط البحر لا سبيل للفرنج إليها - أفكر في وجه يتأتى له به فتحها، فبنى سفنا، ونقل أخشابها على الجمال إلى الساحل، ثم ركّب المراكب وشحنها بالرجال وآلات القتال، وأوقف منها مركبين على جزيرة القلعة (٤)، تمنع أهلها استقاء الماء، ومضى الباقون في مراكب إلى عيذاب [٢٤٠]، فقطعوا طريق التجارة، وشرعوا في القتل والأسر والنهب، ثم توجهوا إلى أرض الحجاز، فعظم البلاء، وأعضل الداء، وأشرف أهل المدينة النبوية منهم على خطر عظيم.

стр. 470

ووصل الخبر إلى مصر، وبها نائب السلطان - وهو أخوه الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب - فأمر الحاجب حسام الدين لؤلؤ يعمّر في بحر القلزم مراكب بالرجال البحرية، وسار إلى أيلة، فظفر بالمركب الفرنجى عندها، فأحرقه وأسر من فيه، ثم سار إلى عيذاب (١)، ودل على مراكب الفرنج، فتبعها، فوقع بها بعد أيام، وأوقع بها، وأطلق المأسورين من التجار، وردّ عليهم ما أخذ منهم، ثم صعد البر، فوجد هناك عربانا نازلين، فركب خيلهم، وسار وراء المنهزمين من الفرنج، فحصرهم في شعب لا ماء فيه، فأسرهم جميعهم، وكان ذلك في الأشهر الحرم، فساق منهم أسيرين إلى منى لينحروا بها كما ينحر الهدى، عقوبة لهم على قصد حرم الله وحرم رسوله؛ وعاد إلى القاهرة ومعه الأسرى (٢).

стр. 471

وكتب الملك العادل إلى أخيه السلطان يعرفه ذلك، فورد عليه كتاب السلطان يأمره بضرب رقابهم، بحيث لا يبقى منهم أحد يخبر عن ذلك البحر وطريقه، ففعل ذلك وكفى الله الحرمين الشريفين شر عدو الدين؛ وكتب القاضى الفاضل عن السلطان بالبشارة منه: " فصل: كان الفرنج قد ركبوا من الأمر نكرا، وافتضوا من البحر بكرا، وعمّروا مراكب بحرية، شحنوها بالمقاتلة والأسلحة والأزواد، وضربوا بها سواحل اليمن والحجاز وأثخنوا وأوغلوا في البلاد، [واشتدت مخافة أهل تلك الجوانب، بل أهل القبلة لما أومض إليهم من خلل العواقب] (١) وما ظن المسلمون إلا أنها الساعة، وقد نشر مطوى (٢) أشراطها، والدنيا وقد طوى منشور بساطها، وانفطر (٣) غضب الله لفناء بيته المحرم، ومقام خليله الأكرم، وتراث أنبيائه (٤) الأقدم، وضريح نبيه الأعظم ﷺ

стр. 472

ورجوا أن تشحذ البصائر آية [كآية] (١) هذا البيت إذ قصده أصحاب الفيل، ووكلوا إلى الله الأمر وكان حسبهم ونعم الوكيل، وكان للفرنج مقصدان: أحدهما قلعة أيلة التي هى على فوهة بحر الحجاز [و] (١) مداخله، والأخرى الخوض في هذا البحر الذى تجاوره بلادهم [من] (١) سواحله، وانقسموا (٢) فرقتين، وسلكوا الطريقين؛ [٢٤١] فأما الفريق الذى قصد قلعة أيلة فإنه قدر أن يمنع أهلها [من] (١)، مورد الماء الذى به قوام الحياة، ويقابلهم بنار العطش المشبوب الشباه، وأما الفريق القاصد سواحل الحجاز واليمن فقدر أن يمنع طريق الحاج عن حجه، ويحول بينه وبين ثجه، [ويأخذ تجار اليمن، وأكارم عدن] (١)، ويلم بسواحل الحجاز، فيستبيح - والعياذ بالله - المحارم، ويهيج جزيرة العرب بعظيمة دونها العظائم ". " وكان الأخ سيف الدين بمصر قد عمّر مراكب، وفرقها على الفرقتين (٣) وأمرها بأن تطوى وراءهم الشقتين فأما السائرة إلى قلعة أيلة فمنها انقضت على مرابطى منع الماء انقضاض الجوارح على بنات الماء، فقذفتها قذف شهب السماء مسترقى سمع الظلماء، [فأخذت مراكب العدو برمتها، وقتلت أكثر مقاتلتها، إلا من تعلق بهضبة وما كاد، أو دخل في شعب وما عاد، فإن العربان اقتصوا آثارهم، والتزموا إحضارهم، فلم ينج منهم إلا من ينهى عن المعاودة، ومن قد علم أن أمر الساعة واحدة] (١) ". " وأما السائرة إلى بحر الحجاز فتمادت في الساحل الحجازى إلى غابر (٤) إلى سواحل الحوراء، [فأخذت تجارا وأخافت رفاقا، ودلها على غوارب البلاد من الأعراب من هو أشد كفرا ونفاقا] (١)، فهناك وقع عليها أصحابنا، وأخذت

стр. 473

المراكب بأسرها، وفرّ فرنجها (١) بعد إسلام المراكب، فسلكوا في طريق الجبال مهاوى المهالك، ومعاطن المعاطب؛ وركب أصحابنا وراءهم خيل العرب فشلوهم شلا، واقتنصوهم أسرا وقتلا، وما زالوا يتبعونهم خمسة أيام خيلا ورجلا، نهارا وليلا، حتى لم يتركوا منهم مخبرا، ولم يبقوا لهم أثرا، وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا، وقيد منهم إلى مصر مائة وسبعون (٢) أسيرا [وسيّر هذا الكتاب إلى الديوان العزيز ببغداد (٣)] ". ومن كتاب آخر: «فصل: ومن جملة (٤) البشائر الواصلة من مصر عود الأسطول مرة ثانية كاسرا كاسبا، غانما غالبا، بعد نكايته في أهل الجزائر، وإخراب ما وجده (٥) فيها من الأعمال (٦) والعمائر، وفى جملة ما ظفر به في طريقه بطسة من مراكب الفرنج تحمل أخشابا منجورة إلى عكا، ومعها نجارون ليبنوا (٧) بها شوانى، فأسر النجارون ومن معهم، وهم نيف وسبعون، وأما الأخشاب فقد انتفع بها المجاهدون، وكفى شرها المؤمنون؛ وللخادم في المغرب عسكر (٨) قد بلغت أقصى إفريقية فتوحه (٨)، وعاود به شخص الدين في تلك البلاد روحه» (٩)

стр. 474

وفى هذه السنة - أعنى سنة ثمان وسبعين (١) وخمسمائة - أنعم السلطان بأعمال قلعة الهيثم على نور الدين محمد (٢) بن قرا أرسلان صاحب الحصن (٣)، وكانت جارية في عمل [٢٤٢] الموصل، فلما تسلمها سلمها إليه؛ وكان نور الدين [محمود بن زنكى]﵀ حين توجه إلى الموصل في أوائل سنة ست وستين عند وفاة أخيه قطب الدين [مودود] وعد ابن قرا أرسلان بقلعة الهيثم، ثم سلمها إليه دون أعمالها، تحلة ليمينه ووفاء بوعده؛ ولما جاء نور الدين بن قرا أرسلان لمساعدة السلطان [صلاح الدين] في هذه السنة خصه عاجلا بها، ثم وهبه قلعته الجديدة، [وهى قريبة من نصيبين] (٤) ووعده بفتح آمد له. ذكر اتفاق (٥) صاحب أخلاط وصاحب ماردين وصاحب الموصل على حرب السلطان ﵀ وترددت رسل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى - صاحب الموصل - إلى شاه أرمن (٦) سكمان ظهير الدين - صاحب أخلاط - يستنجده ويستنصره على السلطان، فأرسل شاه أرمن (٦) ظهير الدين إلى السلطان عدة رسل في الشفاعة

стр. 475

إليه بالكفّ عن الموصل وما يتعلق بعز الدين، فلم يجبه إلى ذلك وغالطه، فأرسل إليه مملوكه سيف [الدين] (١) بكتمر، فأتاه وهو يحاصر سنجار يطلب منه أن يتركها، وقال له إن رحل عنها وإلا تهدده بقصده ومحاربته، فأبلغه بكتمر الشفاعة، فسوّف في الجواب رجاء أن يفتحها، فلما رأى بكتمر ذلك أبلغه الرسالة الثانية بالتهديد وفارقه (٢) غضبان، ولم يقبل منه خلعة ولا صلة، وأخبر صاحبه الخبر، وخوّفه عاقبة الإهمال والتوانى عنه، فسار ظهير الدين من أخلاط وكان مخيما بظاهرها، وسار إلى ماردين وصاحبها ابن أخيه وهو قطب الدين إيلغازى (٣) بن ألبى بن تمرتاش بن إيلغازى بن ارتق، وقطب الدين ابن خال عز الدين صاحب الموصل وحموه (٤)، وحضر مع ظهير الدين دولة شاه - صاحب بدليس وأرزن -، وسار عز الدين - صاحب الموصل - في عسكره جريدة من الأثقال، واجتمعت عساكرهم على حرزم (٥)، وهى ضيعة من أعمال ماردين. وكان السلطان قد ملك سنجار، وعاد منها إلى حران، وتفرقت عساكره كما ذكرناه، فلما سمع اجتماعهم (٦) أرسل إلى ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين - صاحب حماة - يستدعيه، فوصل إليه مسرعا، وأشار عليه بالرحيل إليهم، وحذره آخرون، فكان هوى (٧) السلطان في الموصل، فرحل إلى رأس عين

стр. 476

فلما سمعوا برحيله تفرقوا [٢٤٣] فعاد شاه أرمن إلى أخلاط، واعتذر: " بأنى أجمع العساكر وأعود "، ورجع عز الدين إلى الموصل، وأقام قطب الدين بماردين، وسار السلطان ﵀ فنزل حرزم، وهى منزلتهم التي كانوا عليها عدة أيام. ذكر منازلة السلطان آمد وفتحها ثم سار السلطان إلى آمد، فنزل عليها يوم الأربعاء لثلاث (١) بقين من ذى الحجة من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة - بعد أن استأذن الخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين في ذلك، فأذن له، وكان صاحبها إذ ذاك محمود بن ايكلدى (٢)، وهو شيخ كبير كان الملك له بها من جهة السلاطين السلجوقية ولم يكن له من الملك إلا مجرد الاسم، وكان المتغلب على الأمر ومدبر الدولة مؤيد الدين أبا على بن نيسان، فتوفى وتولى ولده مسعود الأمر، ومحمود [ابن ايكلدى] (٣) محكوم عليه في قبضته، يطعمه ويسقيه ويظهر أنه غلامه، وليس له معه حكم أصلا، فإذا جاء رسول يحضره عنده، ويسند ما يدبره إلى تدبيره، ويظهر أن الملك لمحمود وإنما هو نائبه ويتصرف تحت أمره ونهيه، ونصب السلطان المجانيق على آمد وضايقها.

стр. 477

ودخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة وهو على حصار آمد، وأساء مسعود ابن أبى على بن نيسان المتغلب عليها السيرة، ولم يعط الناس من الذخائر شيئا، ولا فزق فيهم دينارا ولا قوتا، وقال: " قاتلوا عن نفوسكم "، فقالوا (١): " ليس العدو بكافر حتى نقاتل عن نفوسنا "، فلم يفعل شيئا، وقاتلهم السلطان وزحف إليها وهى في غاية الحصانة والمنعة، وسورها يضرب به المثل، وابن نيسان على حاله في الشح، وتصرفه تصرف من أدبرت عنه السعادة، فلما رأوا الناس ذلك تهاونوا في القتال وأجنحوا إلى السلامة. وكانت أيام بنى نيسان قد طالت ونقلت على أهل البلد لسوء صنيعهم وتضييقهم [عليهم] (٢) في مكاسبهم، والناس كارهون لهم محبون لا نقراض دولتهم، وأمر السلطان أن يكتب على السهام إلى أهل البلد ويعدهم الخير والإحسان إذا أطاعوه، ويتهددهم إن قاتلوه، فزادهم ذلك تقاعدا وتخاذلا، وأحبوا ملكه (٣)، وتركوا [٢٤٤] القتال، ووصل النقابون إلى السور فنقبوه وعلقوه، فلما رأى الجند وأهل البلد ذلك طمعوا في ابن نيسان، واستطالوا في الطلب، فحين صارت الحال إلى ذلك أخرج مسعود بن نيسان نساءه إلى القاضى الفاضل يسأله أن يأخذ له الأمان لأهله وماله، وأن يؤخر ثلاثة أيام، حتى ينقل ما له بالبلد من الأموال والذخائر، فسعى له الفاضل في ذلك، فأجابه السلطان إليه، وتسلم السلطان البلد في العشر الأول من المحرم سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وأخرج ابن نيسان خيامه إلى ظاهر البلد، وكان التقرير أن ابن نيسان يحمل في ثلاثة أيام ما قدر عليه من المال والأثاث، وأعانه السلطان على نقل الأموال بالدواب والرجال، ورام ابن نيسان نقل جميع ماله في تلك الأيام، فتعذر عليه

стр. 478

لزوال حكمه عن أصحابه واطراحهم أمره ونهيه، فحمل البعض على الدواب التي أعانه السلطان بها، وأسرق البعض، وانقضت الأيام الثلاث قبل الفراغ من الباقى، ومنع عما بقى، وكانت أبراج المدينة مملوءة من أنواع الذخائر فتركها بحالها، ولو كان ساعده التوفيق لأخرج بعضها في الحصار، وحفظ سائر نعمه وأمواله، وإذا أراد الله تعالى أمرا هيأ أسبابه. [ولما تسلم السلطان آمد أحضر بين يديه محمود بن ايكلدى الذى كان في الظاهر صاحب البلد، فرآه شيخا كبيرا فأكرمه وأحسن إليه وأمر نور الدين بالإحسان إليه (١) وأن يقيم عليه ما يكفيه، له ولأصحابه، ففعل ذلك، ولم يزل عند نور الدين مكرما حتى مات ﵀] (٢) ذكر تسليم السلطان آمد لنور الدين صاحب حصن كيفا ولما تسلم السلطان آمد أنعم [بها] (٣) على نور الدين محمد بن قرا أرسلان ابن سقمان بن أرتق - صاحب حصن كيفا - لأنه كان وعده بها، فأنجز وعده، وقد كان أبوه عانى (٤) أخذها مرارا، فأعجزه ذلك، وقيل للسلطان قبل تسليمه آمد إلى نور الدين: " إن هذه المدينة فيها من الذخائر ما يزيد على ألف ألف دينار، فلو أخذت ذلك وأعطيته جندك وأصحابك، وسلمت إليه البلد فارغا لكان راضيا، لأنه لا يطمع في غيره ". فامتنع من ذلك، وقال: " ما كنت لأعطيه الأصل وأبخل بالفرع ".

стр. 479

ثم عمل نور الدين بآمد دعوة عظيمة، ودعا إليها السلطان وأمراءه، وقدّم له ولأصحابه من (١) التحف والهدايا (١) شيئا كثيرا، واستحلفه السلطان أنه يظهر العدل ويقمع الجور ويكون سامعا مطيعا للسلطان (٢) من معاداة أعدائه، ومصافاة أوليائه (٢)، وأنه متى استمده لقتال [٢٤٥] الفرنج سارع إليه وكانت هذه فعلة جميلة من السلطان، وإن كانت أفعاله وخلاله كلها جميلة، فلله درّه، ما كان أسمحه وأكرمه!! ففى ذلك يقول القاضى السعيد أبو القسم هبة لله ابن جعفر بن سناء الملك (٣) يمدحه من قصيدة: أرض الجزيرة لم تظفر ممالكها (٤) ... بمالك فطن أو سائس درب ممالك لم يدبرها مدبّرها ... إلا برأى خصى أو بعقل صبى

стр. 480

حتى أتاها صلاح الدين فانصلحت ... بعد الفساد، كما صحّت من الوصب واستعمل الجد فيها غير مكترث ... بالجد، حتى كان الجدّ كاللعب (١) وقد حواها فأعطى بعضها هبة، ... فهو الذى يهب الدنيا، ولم يهب يعطى الذى أخذت منه ممالكه، ... وقد يمنّ على المسلوب بالسّلب (١) ثم كتب السلطان إلى الديوان العزيز بالإنشاء الفاضلى في معنى فتح آمد يقول فيه: " فصل: (٢) وهو يتوقع في جواب هذا الفتح أن يمد بجيش هو الكلام، ورماح هى الأقلام، ونصر هو وافد العز (٣)، ورشد (٤) هو فك الحجز (٥)، وليس ذلك لوسائل من دولة أقامها بعد ميل عروشها، ولا دعوة قام فيها بعد ما تصاغرت دونه همم جيوشها، ولكن لأن (٦) هذه الجزيرة الصغيرة [منها تنبعث الجزيرة الكبيرة و] (٧) هى دار الفرقة ومدار الشقة، فلو انتظمت في السلك لانتظم جميع عسكر الإسلام في قتال الشرك، وكان الكفر يلقى يديه (٨) وينقلب على عقبيه، ويغشاه الإسلام من خلفه ومن بين يديه، ويغزى من مصر برا وبحرا، ومن بلاد الشام سرا وجهرا، ومن الجزيرة مدا وجزرا (٩) ".

стр. 481

ثم جاءت رسل ملوك الأطراف إلى السلطان كل منهم يطلب الأمان لصاحبه، وأن يتخذه من جملة أنصاره، منهم صاحب ماردين وغيره، فرد السلطان كل رسول منهم بإجابة مطلوبه. ذكر فتح تل خالد وعين تاب ثم رحل السلطان من آمد (١) وعبر الفرات لقصد حلب وولاياتها، فنازل في طريقه تل خالد وهى من أعمال حلب، فحصرها [٢٤٦] ورماها (٢) بالمنجنيق وطلب أهلها الأمان فأمنهم وتسلمها في المحرم من السنة. ثم سار منها إلى عين تاب، وبها ناصر الدين محمد [بن خمارتكين] (٣) أخو الشيخ إسماعيل خازن نور الدين ﵀ وحاجبه، وكان قد سلمها إليه نور الدين، فبقيت في يده إلى هذه السنة، فلما نازله [صلاح الدين] (٤) راسله وطلب منه أن يقر الحصن بيده، وينزل إلى خدمة السلطان ويكون في طاعته، فأجابه السلطان إلى ذلك، فنزل إلى خدمته، فأقر السلطان عين تاب له إقطاعا. ذكر وقوع أسطول المسلمين على أسطول الفرنج وفى العاشر من المحرم من هذه السنة - أعنى سنة تسع وسبعين وخمسمائة - سار أسطول [المسلمين] (٥) من مصر فلقوا بطسة (٦) فيها ثلاثمائة مقاتل

стр. 482

من الفرنج بالسلاح التام، ومعهم أموال وسلاح يسيرون به إلى فرنج الساحلى، فقاتلهم المسلمون، وصبر الفريقان، وكان الظفر للمسلمين فأخذوا الفرنج أسرى، وقتلوا البعض وأبقوا البعض، وعادوا بهم وبالغنائم إلى مصر. ذكر وقعة بين المسلمين والفرنج بأطراف الشام وفى المحرم من هذه السنة سار جماعة كبيرة من الفرنج إلى نواحى الدارون (١) ينهبون ويغيرون، فخرج إليهم المسلمون على طريق صدر وأيلة، فانتزح الفرنج من بين أيديهم، ونزلوا بماء يقال له العسيلة، فسبقو الفرنج إليه، وأتاهم المسلمون وهم عطاش، فأنشأ الله سحابة عظيمة، فمطروا منها حتى رووا، وكان الزمان قيظا والحر شديدا في برّمهلك، فلما رأوا ذلك قويت نفوسهم، ووثقوا بنصر الله عليهم، وقاتلوا الفرنج فنصرهم الله عليهم، فقتلوهم ولم يسلم منهم إلا الشريد الفريد، وغنم المسلمون ما معهم من سلاح ودواب، وعادوا منصورين. ذكر تخريب قلعة عزاز وكفر لاتا وكان عماد الدين زنكى بن مودود صاحب حلب قد خرّب في السنة الماضية قلعة عزاز في تاسع جمادى الآخرة خوفا من السلطان، وخرّب حصن كفر لاتا وأخذها من بكمش (٢)، فإنه كان قد صار مع السلطان، وقاتل أهل تل باشر فلم يقدر عليها.

стр. 483

ذكر استيلاء السلطان الملك الناصر صلاح الدين على حلب [٢٤٧] ثم سار السلطان إلى حلب فنازلها، وذلك لأربع بقين من المحرم من هذه السنة - أعنى سنة تسع وسبعين وخمسمائة - وكان أول نزوله بالميدان الأخضر، وسيّر المقاتلة يقاتلون ويباسطون عسكر حلب ببانقوسا وباب الجنان غدوة وعشيّة، وفى نزوله جرح أخو السلطان تاج الملوك بورى بن أيوب [فصعب على السلطان ذلك] (١) واستدعى السلطان العساكر من الأطراف، فاجتمع إليه خلق كثير، ولم يجدّ السلطان في القتال رجاء أن يأخذها بدون ذلك، لكن الشباب والجهّال (٢) والأصحاب تقدموا وقاتلوا، والسلطان ينهاهم فلا ينتهون، ثم رحل السلطان من الميدان الأخضر إلى جبل جوشن ونهى (٣) عن القتال، وقال: " نحن هنا نستغل البلاد وما علينا من الحصن (٤) ". وأظهر أنه يريد أن يبنى المساكن بحبل جوشن، ويتديّر (٥) ويقيم، ونفذ رسله [إلى عماد الدين صاحب حلب] (٦).

стр. 484

وكان مع عماد الدين بحلب عسكر كثير من النورية، وهم مجتهدون في القتال مجدّون فيه، ورأى عماد الدين كثرة الخرج فشحّ بماله، وحضر عنده بعض الأجناد وطلبوا منه شيئا فاعتذر بقلة المال عنده، فقيل له (١): " من يريد يحفظ مثل حلب يخرج الأموال ولو باع نساءه ". فمال حينئذ إلى تسليم حلب وأخذ العوض عنها، فأرسل الأمير حسام الدين طمان الياروقى في سر إلى السلطان على أن يتسلم حلب ويرد على عماد الدين سنجار بلده، فأجابه السلطان إلى ذلك وزاده الخابور ونصيبين والرقة وسروج، واشترط عليه إرسال العساكر في خدمته إلى الغزاة. ولما تم الأمر بين عماد الدين والسلطان في السر أعلم عماد الدين الأمراء بذلك، وأذن لهم في تدبير أنفسهم، فأنفذوا عنهم وعن الرعية عز الدين جورديك وزين الدين بلك، فبقوا عنده إلى الليل، واستحلفوه للعسكر وأهل البلد، فحلف لهم ولعماد الدين، وذلك في سابع عشر صفر من السنة. وخرجت العساكر إلى خدمة السلطان واجتمعوا به في الميدان الأخضر، وخرج إليه مقدمو حلب، فخلع عليهم، وطيّب قلوبهم، وقبّح أهل حلب على عماد الدين بيع حلب بسنجار وهو أبخس الأثمان (٢) [٢٤٨] مع قدرته على حفظ حلب والامتناع بها، حتى أن بعض عامة حلب أخضر إجانة (٣) وفيها ماء، وناداه: " أنت لا تصلح للملك [بل] (٤) تصلح أن تغسل الثياب "، وسمعوه المكروه.

стр. 485

[قال صاحب التاريخ] (١): وبلغنى أن العامة كانوا إذ رأوه صاحوا وقالوا: " يا حمار، يا من باع حلب بسنجار ". وأقام عماد الدين بقلعة حلب يقضى أشغاله وينقل أقمشته وخزائنه إلى يوم الخميس ثالث عشر (٢) صفر (٣). ذكر وفاة تاج الملوك بورى (٤) ابن أيوب أخى السلطان - رحمه الله تعالى - وفى يوم الخميس (٥) هذا توفى تاج الملوك من الجرح الذى أصابه [على حلب] (٦) وحزن عليه السلطان [صلاح الدين حزنا عظيما] (٦)، وجلس في العزاء [ثلاثة أيام] (٦) وكان مولده سنة ست وخمسين وخمسمائة، فكان عمره اثنتين وعشرين سنة وشيئا.

стр. 486

ذكر سيرته (١) كان فاضلا أديبا شاعرا، وله ديوان شعر مشهور، ومن جملته بيتان في ذكر صوم رمضان قالهما على سبيل المداعبة (٢): رمضان، بل مرضان، إلا أنهم ... أخطوا إذا في قولهم وأساؤا مرّضان (٣) فيه تحالفا، فنهاره ... سل، ولكن ليله استسقاء (٤) وفى ذلك اليوم الذى توفى فيه تاج الملوك نزل عماد الدين زنكى [من قلعة حلب] (٥) إلى خدمة السلطان وعزاه وسيّر معه في الميدان الأخضر، وتقررت بينهما القواعد، وأنزله عنده في الخيمة، وقدّم تقدمة سنية وخيلا، وخلع عليه وعلى جماعة من أصحابه [خلعة من ملابسه] (٦)، وسار عماد الدين من يومه إلى سنجار. وأقام السلطان بالمخيم بعد مسير عماد الدين، غير مكترث بأمر حلب، ولا مستعظم لشأنها إلى يوم الاثنين لثلاث بقين من صفر، ثم صعد القلعة في ذلك اليوم، وعمل له حسام الدين طمان دعوة، وكان تخلف لأخذ ما لعماد الدين من قماش وغيره.

стр. 487

وهنأ الشعراء السلطان الملك الناصر صلاح الدين بملك حلب، وممن امتدحه وهنأه بذلك القاضى محى الدين بن زكى الدين بأبيات منها: وفتحكم حلبا بالسيف في صفر ... مبشرا بفتوح القدس في رجب فكان ذلك فألا عجبا، فإن القدس فتحت في رجب؛ ولكن في غير هذه السنة [٢٤٩] على ما سيأتى إن شاء الله تعالى. ومدحه القاضى السعيد بن سناء الملك بقصيدة أولها: بدولة الترك عزّت ملّة (١) العرب، ... وبابن أيوب ذلّت شيعة الصلب وفى زمان ابن أيوب غدت حلب ... من أرض مصر، وعادت مصر من حلب ولابن أيوب دانت كلّ مملكة ... بالصّفح، والصّلح؛ أو بالحرب والحرب مظفّر النصر، مبعوث بهمّته ... إلى العزائم، مدلول على الغلب والدهر بالقدر المحتوم يخدمه، ... والأرض بالخلق، والأفلاك بالشّهب وتجتلى الخلق من راياته همما ... مبيضة النصر من مصفرّة العذب ومنها: أتى إليها يقود الجيش ملتطما، ... فالبيض كالموج، والبيضات كالحبب تبدو الفوارس منها في سوابغها ... بين النقيضين من ماء ومن لهب مستسلمين، ولولا أنهم حفظوا ... عوايد الحرب لاستغنوا عن السلب (٢) جمالهم من مغازيهم إذا فعلوا (٢) ... حمّالة السّبى لا حمّالة الحطب

стр. 488

ومنها: فطاف منها بركن لا يقبّله ... إلا أسنة أطراف القّنا السلب بك العواصم طابت بعد ما خبثت ... بمالكيها، ولولا أنت لم تطب فليت كلّ صباح در شارقه ... فذا ليل (١) فتى الفتيان في حلب ألهى مديحك شعرى عن تغزّله، ... فجاء مقتضبا في إثر (٢) مقتضب فلم أقل فيه: لا (٣) إن الصبابة بى ... يوم الرحيل، ولا إن المليحة بى ذكر فتح حارم كان بقلعة حارم مملوك من المماليك النورية يقال له سرخك (٤) ولاّه بها الملك الصالح إسماعيل، فامتنع من تسليمها إلى السلطان، فقال له: «اطلب من الإقطاع ما أردت»، ووعده الإحسان، فاشتط (٥) في الطلب، وترددت الرسائل بينهما، وراسل الفرنج ليحتمى بهم، فسمع من بها من الأجناد أنه يراسل الافرنج، فخافوا أن يسلمها إليهم، فوثبوا عليه وقبضوه وحبسوه، وأرسلوا [إلى] السلطان يطلبون منه الأمان والإنعام، فأجابهم [٢٥٠] إلى ما طلبوا، وحلف لهم،

стр. 489

ورحل من حلب إليهم لليلتين بقيتا من صفر، فوصلها لليلة بقيت منه، وبات بها ليلتين [بعد تسليمها] (١)، وقرر قواعدها، وولى فيها إبراهيم بن شروه، وعاد إلى حلب، فدخلها ثالث ربيع الأول [وأخذ المملوك النورى المتولى فأطلقه من محبسه، ولم يستخدمه، ووفى للأجناد الذين كانوا بها بما وعدهم، وزادهم] (١)، ثم أعطى العساكر دستورا، فسار كل منهم إلى بلده، وأقام بحلب يقرر قواعدها. وخاف أهل أنطاكية من السلطان، فأرسل صاحبها جماعة من أسرى المسلمين، وانقاد، وسارع إلى اللياذ بعفو السلطان وأمانه [فقبله السلطان] (١). وولى السلطان القضاء بحلب لمحى الدين بن زكى الدين (٢)، واستناب فيها زين الدين [أبا البيان] (٣) نبأ بن الفضل بن سليمان المعروف بابن البانياسى، وكشف السلطان عن حلب المظالم، وأزال المكوس، وولى قلعتها سيف الدين يازكوج، وجعل الملك بحلب لولده الظاهر غياث الدين إيلغازى بن يوسف - رحمهما الله - وكان قد استصحبه من مصر عند وصوله إلى الشام، وأقرّ عين تاب على صاحبها، وأعطى تل خالد وتل باشر للأمير بدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق، وأعطى قلعة عزاز للأمير علم الدين سليمان بن جندر (٤).

стр. 490

ذكر مسير السلطان من حلب إلى دمشق ثم رحل السلطان من حلب يوم السبت لثمان بقين من ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة تسع وسبعين وخمسمائة - فخرج إلى الوضيحى (١) مبرزا، واستنهض العساكر فخرجوا يتبعونه، ثم وصل لست بقين من الشهر إلى حماة، ثم إلى حمص، ثم إلى بعلبك، ووصل دمشق ثالث جمادى الأولى، فأقام بها متأهبا إلى السابع والعشرين منه، ثم برز إلى جسر الخشب، وتبعته العساكر مبرزة فأقام به تسعة أيام، ثم رحل ثامن جمادى الآخرة حتى أتى الفّوار، وتعبأ للقاء الكفار. ذكر غارة السلطان على الفرنج ثم سار السلطان حتى أتى القصير، فبات به وأصبح على المخاض، وعبر وسار حتى أتى بيسان، وقد أخلاها أهلها، فأطلق المسلمون فيها النيران، ونهبوا ما [كان قد تبقى] (٢) فيها، وكذلك فعل بأبراج (٣) وقلاع وغيرهما، وصادفت مقدمة العسكر خيلا ورجلا للفرنج عابرين من نابلس، ومقدمهم ابن هنفرى، فقتل منهم وأسر، وهرب الباقون [٢٥١] في الجبال. وفى الحادى عشر من جمادى الآخرة بلغ السلطان اجتماع الفرنج بصفوريّة، ورحيلهم إلى الفولة، وكان غرضه المصاف، فلما سمع ذلك تهيأ لقتالهم، وسرى للقائهم، فجرى بينه وبينهم قتال، وقتل من العدو جماعة وجرح جماعة، وهم

стр. 491

ينضم بعضهم إلى بعض يحمى راجلهم فارسهم، ولم يخرجوا للمصاف، ولم يزالوا سائرين حتى أتوا عين جالوت، فنزلوا عليها، وهم ألف وخمسمائة رمح، ومثلهم تركبلى (١)

стр. 492

وخمسة عشر ألف راجل، فنزلوا وخندقوا عليهم (١)، ونزل (٢) السلطان حولهم، والحرخ (٣) تعمل فيهم ليخرجوا إلى المصاف، وهم لا يخرجون

стр. 493

خوفا من المسلمين، فانتزح السلطان عنهم ليرحلوا، فيضرب معهم المصاف، فرحلوا نحو الطور سابع عشر جمادى الآخرة، فنزل تحت الخيل مترقبا رحيلهم، فرحل الفرنج راجعين على أعقابهم، فرحل نحوهم وجرى من رمى النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة، فلم يخرجوا، ولم يزل السلطان ﵀ حولهم حتى نزلوا الفولة راجعين إلى بلادهم، فعاد السلطان وقد نال منهم قتلا وأسرا وخرّب كفر بلا (١)، وبيسان، وزرعين وقرى عدة، ونزل الفوّار، وأعطى الناس دستورا، فسار من آثر المسير، وسار هو إلى دمشق، فوصلها يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة. ذكر منازلة السلطان الكرك ثم سار السلطان إلى الكرك في رجب من هذه السنة - أعنى سنة تسع وسبعين وخمسمائة - وحاز (٢) في طريقه قبل الوصول إليها غنائم؛ وخيّم على الربة (٣) ثم وصل الكرك فحاصره ورماه بالمجانيق صباحا ومساء، وتناوب عليه الأمراء حتى خرج شهر رجب وما حصل على مطلوب، لكنه أكثر النكاية في العدو بأخذ أموالهم وتخريب ديارهم، ووصله الخبر أن الفرنج قد اجتمعوا بالواله على قصد المسلمين وتخليص الكرك، ورأى السلطان أن أمر الكرك يطول، فعوّل على الرحيل إلى دمشق.

стр. 494

ذكر استنابة السلطان الملك الناصر لابن أخيه الملك المظفر تقى الدين بمصر وتمليك أخيه الملك العادل حلب لما ملك السلطان [صلاح الدين] (١) حلب كاتبه أخوه الملك العادل (٢) - وهو ينوب عنه بمصر - يطلبها منه مع أعمالها، [٢٥٢] ويدع الديار المصرية، فكتب إليه السلطان يأمره أن يوافيه بالكرك، فإنه سائر إلى فتحه. وأشار القاضى الفاضل على السلطان أن يستنيب بالديار المصرية - موضع الملك العادل - الملك المظفر تقى الدين، فاستصحبه السلطان معه إلى (٣) الكرك، ووصل الملك العادل إلى السلطان وهو بالكرك، فجهز [السلطان] (٤) الملك المظفر إلى مصر نائبا، وقوى عضده بصحبة القاضى الفاضل، وأنعم على الملك المظفر بالأعمال الفيومية وسائر نواحيها بجميع جهاتها وجواليها (٥)، وزاده القايات (٦) وبوش وأبقى عليه بالشام حماة وجميع أعمالها.

стр. 495

وسار السلطان إلى دمشق وصحبته أخوه الملك العادل، فوصل إلى دمشق لست بقين من شعبان من هذه السنة، وأعطى أخاه الملك العادل حلب ثانى شهر رمضان، فسار إليها، وصعد قلعتها يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان وبها الملك الظاهر غازى، وسيف الدين باركوج (١) وكان الملك الظاهر ﵀ من أحب الأولاد للسلطان، لما خصّ به من الشهامة والفطنة والعقل وحسن السمت والشغف بالملك، وكان أبر الناس بوالده وأطوعهم له، فلما دخل عمه الملك العادل إلى حلب خرج هو وسيف الدين باركوج (١) سائرين إلى خدمة السلطان، فدخلا دمشق يوم الاثنين ثامن عشر شوال، فأقام [في] (٢) خدمة والده لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن نظر والده. ذكر قبض عز الدين - صاحب الموصل - على نائبه مجاهد الدين قايماز (٣) كان التدبير بالموصل مفوضا إلى مجاهد الدين قايماز (٣)، وكان إليه أمر إربل وبلادها، وفيها زين الدين يوسف بن زين الدين على كوجك بن بكتكين، وهو صغير السن لا حكم له، وتحت حكمه أيضا معز الدين سنجرشاه بن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى، وهو أيضا صبى، والحكم والنواب لمجاهد الدين قايماز، وبيده أيضا شهرزور وأعمالها، ونوابه فيها، ودقوقا ونائبه فيها، وقلعة عقر الحميدية ونائبه فيها، فأشار عز الدين محمود زلقندار،
следующие страницы →