← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ينضم بعضهم إلى بعض يحمى راجلهم فارسهم، ولم يخرجوا للمصاف، ولم يزالوا سائرين حتى أتوا عين جالوت، فنزلوا عليها، وهم ألف وخمسمائة رمح، ومثلهم تركبلى (١)

стр. 492

وخمسة عشر ألف راجل، فنزلوا وخندقوا عليهم (١)، ونزل (٢) السلطان حولهم، والحرخ (٣) تعمل فيهم ليخرجوا إلى المصاف، وهم لا يخرجون

стр. 493

خوفا من المسلمين، فانتزح السلطان عنهم ليرحلوا، فيضرب معهم المصاف، فرحلوا نحو الطور سابع عشر جمادى الآخرة، فنزل تحت الخيل مترقبا رحيلهم، فرحل الفرنج راجعين على أعقابهم، فرحل نحوهم وجرى من رمى النشاب واستنهاضهم للمصاف أمور عظيمة، فلم يخرجوا، ولم يزل السلطان ﵀ حولهم حتى نزلوا الفولة راجعين إلى بلادهم، فعاد السلطان وقد نال منهم قتلا وأسرا وخرّب كفر بلا (١)، وبيسان، وزرعين وقرى عدة، ونزل الفوّار، وأعطى الناس دستورا، فسار من آثر المسير، وسار هو إلى دمشق، فوصلها يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة. ذكر منازلة السلطان الكرك ثم سار السلطان إلى الكرك في رجب من هذه السنة - أعنى سنة تسع وسبعين وخمسمائة - وحاز (٢) في طريقه قبل الوصول إليها غنائم؛ وخيّم على الربة (٣) ثم وصل الكرك فحاصره ورماه بالمجانيق صباحا ومساء، وتناوب عليه الأمراء حتى خرج شهر رجب وما حصل على مطلوب، لكنه أكثر النكاية في العدو بأخذ أموالهم وتخريب ديارهم، ووصله الخبر أن الفرنج قد اجتمعوا بالواله على قصد المسلمين وتخليص الكرك، ورأى السلطان أن أمر الكرك يطول، فعوّل على الرحيل إلى دمشق.

стр. 494

ذكر استنابة السلطان الملك الناصر لابن أخيه الملك المظفر تقى الدين بمصر وتمليك أخيه الملك العادل حلب لما ملك السلطان [صلاح الدين] (١) حلب كاتبه أخوه الملك العادل (٢) - وهو ينوب عنه بمصر - يطلبها منه مع أعمالها، [٢٥٢] ويدع الديار المصرية، فكتب إليه السلطان يأمره أن يوافيه بالكرك، فإنه سائر إلى فتحه. وأشار القاضى الفاضل على السلطان أن يستنيب بالديار المصرية - موضع الملك العادل - الملك المظفر تقى الدين، فاستصحبه السلطان معه إلى (٣) الكرك، ووصل الملك العادل إلى السلطان وهو بالكرك، فجهز [السلطان] (٤) الملك المظفر إلى مصر نائبا، وقوى عضده بصحبة القاضى الفاضل، وأنعم على الملك المظفر بالأعمال الفيومية وسائر نواحيها بجميع جهاتها وجواليها (٥)، وزاده القايات (٦) وبوش وأبقى عليه بالشام حماة وجميع أعمالها.

стр. 495

وسار السلطان إلى دمشق وصحبته أخوه الملك العادل، فوصل إلى دمشق لست بقين من شعبان من هذه السنة، وأعطى أخاه الملك العادل حلب ثانى شهر رمضان، فسار إليها، وصعد قلعتها يوم الجمعة لثمان بقين من رمضان وبها الملك الظاهر غازى، وسيف الدين باركوج (١) وكان الملك الظاهر ﵀ من أحب الأولاد للسلطان، لما خصّ به من الشهامة والفطنة والعقل وحسن السمت والشغف بالملك، وكان أبر الناس بوالده وأطوعهم له، فلما دخل عمه الملك العادل إلى حلب خرج هو وسيف الدين باركوج (١) سائرين إلى خدمة السلطان، فدخلا دمشق يوم الاثنين ثامن عشر شوال، فأقام [في] (٢) خدمة والده لا يظهر له إلا الطاعة والانقياد مع انكسار في باطنه لا يخفى عن نظر والده. ذكر قبض عز الدين - صاحب الموصل - على نائبه مجاهد الدين قايماز (٣) كان التدبير بالموصل مفوضا إلى مجاهد الدين قايماز (٣)، وكان إليه أمر إربل وبلادها، وفيها زين الدين يوسف بن زين الدين على كوجك بن بكتكين، وهو صغير السن لا حكم له، وتحت حكمه أيضا معز الدين سنجرشاه بن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى، وهو أيضا صبى، والحكم والنواب لمجاهد الدين قايماز، وبيده أيضا شهرزور وأعمالها، ونوابه فيها، ودقوقا ونائبه فيها، وقلعة عقر الحميدية ونائبه فيها، فأشار عز الدين محمود زلقندار،

стр. 496

وشرف الدين أحمد بن أبى الخير المعروف والده بصاحب الغرّاف (١) - وهما من أكابر الأمراء - على عز الدين بالقبض عليه (٢) [٢٥٣] وفعلا في ذلك خلاف المصلحة، فإن الأمور كانت به منتظمة، والبلاد التي ذكرناها كلها في الطاعة، فلما أراد القبض عليه لم يقدم على ذلك لقوة مجاهد الدين، فأظهر أنه مريض، وانقطع عن الركوب عدة أيام، فدخل عليه مجاهد الدين [قيماز] (٣) وحده، وكان خصيا لا يمتنع من الدخول على النساء، فلما دخل قبض عليه، وركب لوقته إلى القلعة، واحتوى على الأموال التي لمجاهد الدين [قيماز] (٣) وخزائنه، وولى زلقندار قلعة الموصل، وجعل ابن صاحب الغرّاف (٤) أمير حاجب، وحكّمهما في دولته، ولم يحصل لعز الدين من البلاد التي بيد مجاهد [الدين قيماز] (٣) سوى شهرزور والعقر، فأما زين الدين يوسف فامتنع بإربل، وامتنع أيضا معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى - صاحب الجزيرة - وراسلا السلطان بالطاعة له والركوب (٥) في خدمته [فأجابهما إلى ذلك] (٣) وأرسل الإمام الناصر لدين الله إلى دقوقا فحصرها وأخذها.

стр. 497

ذكر ورود رسل الديوان العزيز (١) إلى السلطان في الصلح بينه وبين صاحب الموصل وأرسل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى إلى الإمام الناصر لدين الله يسأل منه إنفاذ شيخ الشيوخ صدر الدين رسولا وشفيعا إلى السلطان ليسيّره إليه، ويسيّر شهاب الدين بشير (٢) الخادم، [ففعل ذلك] (٣)، فلما وصلا إلى الموصل أرسل عز الدين معهما القاضى محيى الدين أبا حامد بن القاضى كمال الدين ابن الشهرزورى، وسافر (٤) في صحبتهما القاضى بهاء الدين بن شدّاد، فخرج السلطان إلى لقاء رسل الخليفة، فأنزل شيخ الشيوخ (٥) بالرباط على المنيبع، والقاضى محيى الدين في جوسق بستان الخلخال (٦) [ومعه القاضى بهاء الدين] (٧)، وشهاب الدين بشير بجوسق الميدان، فأقاموا أياما يراجعون في فصل أمر الصلح فلم يتفق، وحصل من القاضى محيى الدين ترفع في أداء الرسالة، وغلظ (٨) في الكلام، فألان له السلطان، وقال:

стр. 498

" إنما (١) أقضى حاجته على ما أراد، ولكن قد سبق منى يمين لأولئك السلاطين، وأنا استثنيهم (٢) وأردهم إلى اختيارهم لى أوله " - يعنى صاحب إربل وصاحب الجزيرة - فامتنع محيى الدين، وقال: " لابد من ذكرهما في النسخة ". وأراد أن تكون الصداقة لمخدومه [٢٥٤] عز الدين دون سائر [ذوى] (٣) الممالك، وأشار في كلامه إلى أن لهم (٤) من ينصرهم من جهة البهلوان بن ايلدكز ملك العجم، فعظ ذلك على السلطان، وكان ذلك محركا له إلى أن يعود إلى الموصل. ورجعت الرسل من غير ظفر بطائل، وكان رجوعهم يوم الخميس سابع ذى الحجة من هذه السنة. وأقام السلطان بدمشق، والرسل ترد إليه من الجوانب، فوصله رسول معز الدين سنجر شاه صاحب الجزيرة، واستحلفه (٥) لنفسه وانتمى إليه، ورسل إربل [أيضا] وحلف لهم؛ ووصل إلى السلطان أخوه الملك العادل سيف الدين صاحب حلب يوم الاثنين رابع (٦) ذى الحجة، (٧) فأقام عنده (٧)، وعيّد وعاد إلى حلب.

стр. 499

ودخلت سنة ثمانين وخمسمائة والسلطان ﵀ بدمشق، وقد انصرم البرد [وطار البرد] (١) وطاب الزمان، وأرسل إلى [ملوك] الأطراف يطلب العساكر، فجاءه ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين عمر من الديار المصرية (٢) بالعساكر المصرية (٢) وصحبته القاضى الفاضل، وجاءه أخوه الملك العادل من حلب بعسكره، وجاءته العساكر المشرقية، وجاء نور الدين [بن قرا أرسلان] صاحب الحصن وآمد، واجتمعت العساكر برأس الماء، فأشفق السلطان على نور الدين - صاحب الحصن - من اقتحام المشاق، فأقامه برأس الماء إلى حين العود، وأمر الملك العادل بالإقامة معه. ذكر منازلة السلطان الكرك ثم سار السلطان (٣) إلى الكرك ونازلها ونزل بواديها، وذلك لأربع عشرة ليلة مضت من جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة ثمانين وخمسمائة -، ونصب عليها تسعة مجانيق صفا قدام الباب، فهدمت السور المقابل لها، ولم يبق مانع إلا الخندق الواسع العميق، وهو من الأودية الهائلة، ولم يكن من الحيلة إلا هدمه وردمه بكل ممكن، فعدّ ذلك من الأمور الصعاب، فأمر السلطان بضرب اللبن وجمع الأخشاب وبناء الحيطان المقابلة من الربض إلى الخندق وتسقيفها وتلفيق ستائرها (٤) فتمت (٥) دروبا واسعة لا يزحم فيها

стр. 500

الجانى الذاهب، واجتمع رجال العسكر على نقل ما يرمى في الخندق، فهان [٢٥٥] طم الخندق بالدبابات (١) التي قدمت، ونقب الأسراب وإحكامها، فوجد الناس إلى الخندق طريقا واسعا مهيعا، فهم يزدحمون (٢) آمنين من الجراح والناس تحت (٣) الفلعة على شفير الخندق لا يستشعرون حذرا ولا يخافون وقع الحجارة والسهام، وامتلأ الخندق حتى أن أسيرا مقيدا رمى بنفسه من السور ونجا بعد ما توالى من الفرنج رمى الحجارة عليه. ولما رأى الفرنج الذين بالكرك ما قد دهمهم من السلطان، وخافوا أن يملكه، كاتبوا ملوكهم وفرسانهم يستنجدونهم ويعرفونهم عجزهم وضعفهم عن حفظ الحصن، فسارت الفرنج في حدهم وحديدهم، ونزلوا بالواله، وهى مواضع صعبة ضيقة المسالك، فسار السلطان حتى نزل البلقاء على قرية يقال لها حسبان، ثم رحل منها إلى ماء عين، والفرنج مقيمون بالواله، فأقام أياما (٤) ينتظر خروجهم من المكان الذين هم به ليتمكن منهم، فلم يبرحوا منه خوفا على أنفسهم فلما رأى ذلك رحل عنهم عدة فراسخ، وجعل بإزائهم من يعلمه بمسيرهم، فساروا ليلا إلى الكرك، فلما علم السلطان ذلك علم أنه لا يتمكن منهم حينئذ ولا يبلغ غرضه. ذكر إحراق نابلس وتخريبها كان رحيل الفرنج إلى الكرك لأربع بقين من جمادى الآخرة، فلما قصدوا الكرك عزم السلطان على قصد الساحل لخلوه من العساكر، فسار إلى نابلس

стр. 501

ونهب كل ما على طريقه من البلاد، ولما وصل إلى نابلس أحرقها ونهبها وقتل من فيها وأسر وسبا فأكثر، ثم سار عنها إلى سبسطية (١) - وبها مسجد زكريا ﵇ وبها كنيسة - وفيها جماعة من أسرى المسلمين فاستنقذهم، ورحل إلى جينين (٢) فنهبها وخربها، وعاد إلى دمشق؛ ونهب ما على طريقه وخربه، وبثّ السرايا يمينا وشمالا ينهبون ويخربون. ومن كتاب لعماد الدين الكاتب يصف فيه صورة حصار الكرك: " فصل: ولولا الخندق المانع من الإرادة، وأنه ليس من الخنادق المعتادة (٣)، بل هو واد من الأودية، واسع الأفنية، لسهل المشرع؛ وهجم الموضع، فلم يبق إلا تدبير طم الخندق؛ والأخذ بعد ذلك من العدو بالمخنق، فعملنا دبابات قدمناها، وبنينا (٤) إلى شفير الخندق ثلاثة أسراب [٢٥٦] باللبن سقّفناها وأحكمناها؛ فصارت منها إلى طرف الخندق طرق آمنة، وشرع الناس في طم الخندق منها ونفوسهم مطمئنة، وقلوبهم ساكنة، وكان الشروع فيه يوم الخميس سابع جمادى الأولى، وقد تسنى طمّه، وتهيأ (٥) ردمه، وتسارع الناس إليه، وازدحموا عليه، ولم يبق صغير ولا كبير إلا وهو مستبشر بالعمل، منتظر لبشرى نجح الأمل، قد تحاشدوا (٦) حتى ازدحموا على تلك القلعة نهارا

стр. 502

كازدحامهم (١) في المصلى يوم العيد، وليلا كحضورهم في جامع دمشق ليلة النصف السعيد، وهم بحمد الله من الجراح سالمون، وبنصر الله موقنون عالمون، وإن أبطأ العدو عن النجدة فالنصر سريع، والحصن ومن فيه صديع، وقد خرقت الحجارة حجابه وقطعت بهم أسبابه، وناولته من الأجل كتابه، وحسرت لثام سوره، وحلّت نقابه، فأناف الأبراج مجذوعة، وثنايا الشرفات مقلوعة، ورؤوس الأبدان مجزوزة، وحروف العوامل مهموزة، وبطون السقوف مبقورة (٢)، وأعضاء الأساقف معقورة، ووجوه الجدر (٣) مسلوخة، وجلود البواشير (٤) مبشورة (٥) والنصر أشهر من نار على علم، والحرب أقوم من ساق على قدم». ومدح القاضى السعيد بن سناء الملك (٦) السلطان بقصيدة يهنبه بها بعد انصرافه عن الكرك وفتح نابلس، وأولها: وصفتك واللاجى يعاند بالعذل، ... فكنت أبا ذر، وكان أبا جهل له شاهدا زور من النّهى والنهى ... عليك، ومن عينيك لى شاهدا عدل ومنها: ومن عرف الأيام مثلى فإنه ... يعيش بلا حبّ (٧)، ومحيا بل خلّ ومن كان في هذا الورى مثل يوسف ... ومن أين هذا المثل؟ كان بلا مثل

стр. 503

تخرّ (١) له الأملاك ذلاّ وإنما ... يعزّ إذا خرّت لديه من الذل أعاديه من غلمانه في بلادهم ... يصرفهم بين الولاية والعزل وأنفسهم عارية منه عندهم ... متى ما أراد استرجعتها يد القتل إذا راسل الأعداء يوما فإنما (٢) ... كتائبه كالكتب، والخيل كالرسل [٢٥٧] له صارم يشفى به الدين صدره ... وينجز وعد النصر منه بلا مطل تغيب (٣) عنا سيفه (٤) بنجيعة، ... فما تملا سيفه حلية (٥) الصّقل ومنها: وما خالفتك الجرد قطّ، وإنها ... لتلحق من عاديته وهى في الشكل وأرجلها لو قطعت كسرت بمن ... عليها لهم، والصلّ يسعى بلا رجل جنا أهل تلك القلعة الشرّ إذ رأوا ... هواديها كالباسقات من النخل غدا بعلها الإبرنس يلعن عرسه ... بها، وهى لا تنفكّ من لعنة البعل وقد رجمتها المنجنيقات إذ زنت ... هناك بشيخ كافر جاهل رذل (٦) وصبحت أخرى صبحتك بأهلها ... ومسّتك إذ مشيت وهى بلا أهل فنابلس لما أقمت بربعها ... أقامت لهم حقّ الضيافة والنزل أحسوا بطلّ للخريف، فجاءهم ... ربيع من النيل المسدد بالوبل

стр. 504

ولم أر أرضا جادها الغيث قبلها، ... وتصبح تشكو بعده غلّة المحل وما شرقوا بالماء والرنق إذ رأوا ... جيوشك، لكن بالفوارس والرجل ولم يبق إلا من سبا الجيش منهم، ... وإن كان يسبى (١) الجيش بالحدق النجل عذارى أسارى كبّلت بشعورها، ... فجرحها في الساق (٢) والمعصم العبل وقد شغلت عن أهلها بأسارها، ... وأنت بحمد الله في أشغل الشغل يكبّر فيها الله بالجامع الذى ... جمعت به بين الفريضة والنفل وصلّيت فيها جمعة وجماعة، ... يناديك الإسلام: يا جامع الشّمل وعدت بفضل الله للخلق سالما، ... وأىّ زمان لم تعد فيه بالفضل ولما وصل السلطان إلى دمشق وجد بها رسل الخليفة الإمام الناصر لدين الله - أمير المؤمنين - وهما: الشيخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل بن أبى سعيد أحمد، وبشير الخادم، وكانا قد وصلا إلى دمشق والسلطان محاصر الكرك، فمرضا بدمشق، ومات جماعة من أصحابهما، وكان الشيخ نازلا بالمنيبع [٢٥٨] وكان السلطان يعوده في كل يوم؛ وكان قدومهما في معنى تقرير الصلح بين السلطان وبين عز الدين مسعود - صاحب الموصل -، فلم يتقرر أمر، فاستأذنوا في العود إلى بغداد قبل الشتاء، فأذن لهم فعادوا، فمات بشير الخادم بالسخنة، ومات صدر الدين (٣) بالرحبة، وكان صالحا زاهدا، فدفن بمشهد

стр. 505

البوق (١) ولم يستعمل في مرضه هذا دواء توكلا على الله تعالى، وكان مولده سنة ثمان وخمسمائة. ثم خرج السلطان من دمشق في شعبان من هذه السنة، وخيم على سعسع، وأمر ابن أخيه الملك المظفر أن يرجع بالعسكر إلى مصر، فسار في منتصف الشهر ثم رجع السلطان إلى دمشق فصام بها شهر رمضان، ورجع كل عسكر إلى بلده. وكانت رسل الخليفة لما قدموا على السلطان أفاضوا عليه الخلع، فلبسها وألبس أخاه الملك العادل وابن عمه ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه خلعا جاءت لهم، ثم خلع السلطان خلعة الخليفة على نور الدين قرا أرسلان - صاحب الحصن -، وأعطاه دستورا، فسار إلى بلاده. وفى هذه السنة - أعنى سنة ثمانين وخمسمائة - كتب السلطان لزين الدين يوسف بن زين الدين على كوجك منشورا بإربل وما يجرى معها من البلاد والقلاع، وذلك لما انفرد زين الدين عن صاحب الموصل واعتزى إلى السلطان، ومن جملة المنشور: " أن الله لما مكّن لنا في الأرض، ووفّقنا في إعزاز الحق وإظهاره لأداء الفرض، رأينا أن نقدّم فرض الجهاد في سبيل الله فنوضح سبيله، ونقبل على إعلاء الدين وننصر قبيله، وندعو أولياء الله من بلاد الإسلام إلى غزو أعدائه، ونجمع كلمتهم في رفع كلمته العليا [في أرضه] (٢) على استنزال نصره (٣) من سمائه، فمن ساعدنا على أداء هذه الفريضة، واقتناء [هذه] (٢) الفضيلة،

стр. 506

يحظى من عوارفنا الجزيلة بحسن الصنيعة ونجح الوسيلة، ومن أخلد إلى الأرض واتبع هواه، وأعرض عن حق دينه بالإقبال على باطل دنياه، فإن تاب (١) ورجع قبلناه، وإن أصرّ على غوايته أزلنا يده وعزلناه ". وعيّن له في المنشور إربل وقلعتها وأعمالها جميع ما قطعه الزاب الكبير: شهرزور (٢) وأعمالها، معايش (٣) بنى قفجاق، ومعايش بيت القرابلى، الدست والزرزارية. [٢٥٩] ووصلت رسل زين الدين إلى السلطان تخبره أن عسكر الموصل وعسكر قزل - صاحب العجم - نازلوا إربل مع مجاهد الدين قايماز، وأنهم نهبوا وأحرقوا، وأنه نصر عليهم وكسرهم، فكان ذلك مما حرّك السلطان على التوجه إلى الموصل لحصارها. ذكر مسير السلطان إلى البلاد الشرقية ثم سار السلطان من دمشق وتقدم إلى العساكر فتبعته، وسار على طريق المغار ويبوس (٤) البقاع وبعلبك، ثم ساروا إلى حمص ثم إلى حماة، وأقام القاضى الفاضل بدمشق، وأقام السلطان بحماة إلى أن خرجت السنة.

стр. 507

وفى هذه السنة توفى قطب الدين إيلغازى بن نجم الدين ألبى بن حسام الدين نمرتاش بن إيلغازى بن أرتق، وملك بعده ولده حسام الدين [يولق أرسلان] (١) فقام بتدبير أمره نظام الدين ألبقش مملوك والده. ودخلت سنة إحدى وثمانين وخمسمائة والسلطان بحماة، ثم سار منها إلى حلب، فالتقاه أخوه الملك العادل صاحبها، واجتمعت العساكر بها، ثم سار السلطان منها في صفر، وقطع الفرات، وأقام العسكر ثلاثة أيام للعبور، ثم وصل حرّان - وصاحبها مظفر الدين كوكبورى بن زين الدين على كوجك - وكان قد التقاه بالبيرة، وكان يراسل السلطان في كل وقت، ويشير عليه بقصد الموصل، ويقوى طمعه في ذلك، حتى أنه بذل له خمسين ألف دينار، وأن يقوم بكل ما يحتاج إليه من النفقات والغرامات، فلما وصل السلطان إلى حرّان لم يف له بما بذل من المال، فأنكر ذلك وارتاب به، وظن أن ميله إلى أصحاب الموصل، ووشت الأعداء به، وذكروا أن نيته قد تغيرت، فحلف للسلطان أنه لم يتغير وأن ما التزمه الرسول لم يكن بأمره، فقبض السلطان عليه ليتبين أمره، وشاور فيه أصحابه، فأشار بعضهم باتلافه، وبعضهم باستبقائه، فعفا (٢) السلطان عنه على أن يسلم إليه قلعتى الرّها وحرّان، ففعل ذلك وهو مسرور ببقاء نفسه، ثم رضى عنه بعد ذلك، وأعيدت له القلعتان في آخر السنة لما حقق براءته. ثم رحل السلطان من حرّان في ثانى ربيع الأول من السنة إلى رأس عين، ووصل في ذلك اليوم رسول الملك قلج أرسلان بن مسعود - صاحب بلاد الروم - يخبره أن ملوك الشرق [٢٦٠] بأسرهم قد اتفقت كلمتهم على قصده

стр. 508

إن لم يعد عن الموصل وماردين، وأنهم على عزم ضرب المصاف معه إن أصر على ذلك، فرحل السلطان إلى دنيسر، فوصلها ثامن ربيع الأول عماد الدين قرا أرسلان، ومعه عسكر أخيه نور الدين - صاحب آمد والحصن - فالتقاهم السلطان واحترمهما وأكرمهما، ثم رحل طالبا (١) الموصل فوصل إلى نصيبين، وجاءه معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى بن مودود ابن زنكى - صاحب الجزيرة - فأكرمه السلطان، ثم سار من أقرب الطرق من دجلة، وتنكّب طريق الدولعية، فنزل على بلد آخر ربيع الأول، ثم توجه إلى الموصل، وخيّم على الإسماعيليات. وقدم عليه زين الدين يوسف - صاحب إربل - فأرسل السلطان - وهو على بلد قبل نزوله الإسماعيليات - القاضى ضياء الدين أبا الفضائل القسم ابن يحيى بن عبد الله بن الشهرزورى إلى الخليفة بما عزم عليه من حصر الموصل، وذكر أن أهلها يخطبون لسلطان العجم، وينقشون السكة باسمه، وأنهم يراسلون الفرنج، ويغرونهم على قصد بلاد المسلمين، وأنه لم يأت لأجل الازدياد في الملك ولا لقلع البيت القديم وقطع أصله، وإنما مقصوده ردهم إلى طاعة الخليفة ونصرة الإسلام، وردّهم عما اعتادوه من الظلم واستحلال المحارم، وقطعهم عن مواصلة العجم، وإلزامهم بما يجب عليهم من حفظ الجار وصلة الرحم؛ فهذا صاحب الجزيرة وهو ابن أخى صاحب الموصل عز الدين ولى عهد أبيه لم يرع فيه ذمة أخيه، وأبعده عما يستحقه بالإرث، وقطع رحمه وأخافه، ولو تمكن منه لأهلكه، ولولا خوفه منه لما أفضى [إلى] (٢) هذا المقام،

стр. 509

وما اختار البعيد على القريب، وصاحب إربل جارهم، وأبوه زين الدين هو بيتهم، وشيّد أمرهم، وهو يشكو جوارهم في حقه وظلمهم له؛ وذكر أيضا الذى حفظ خوف صاحب الحديثة وصاحب تكريت منهم. ذكر منازلة السلطان الموصل وهى المنازلة الثانية ولما خيّم السلطان بالإسماعيليات شرع في إقطاع البلاد للجند، وسيّر الأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب الهكّارى ومعه الأمراء من عشيرته إلى بلد الهكّارية، وأرسل جماعة من الأمراء الحميدية إلى العقر وأعمالها لافتتاح قلاعها، وأمر بنصب الجسر، [٢٦١] وعبر مظفر الدين بن زين الدين وغيره من الأمراء، وخيّموا بالجانب الغربى. وكان الحر إذ ذاك شديدا، فأمر السلطان بالكفّ عن القتال إلى أن يطيب الزمان، وتقدم بتحويل دجلة، وكان ماؤها قد قل، وذكر من له خبرة ونظر في علم الهندسة أنه يمكن سدها وسكرها ونقلها وتحويلها إلى دجلة نينوى، ويعطش أهل الموصل (١) إذا انقطع الماء عنها، فلا يبقى إلا تسليمها، وكان أهل الموصل يعبرون إلى الجانب الشرقى فيقاتلون العسكر ثم يعودون.

стр. 510

وبلغ عز الدين صاحب الموصل أن نائبه بالقلعة زلقندار يكاتب السلطان، فمنعه من الصعود إلى القلعة، وعاد إلى الاقتداء برأى مجاهد الدين والصدور عن رأيه، وأقام السلطان بالموصل إلى آخر ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة - ذكر رحيل السلطان عن الموصل وورد على السلطان الخبر بوفاة شاه أرمن (١) بن سكمان صاحب أخلاط في العشرين من ربيع الآخر، وكان موته في التاسع منه، ولم يخلف ولدا ذكرا ولا ذا قرابة. وورد كتب أهل بدليس وغيرها إلى السلطان يخطبونه لها، وهم خائفون من العجم أن يملكوها. وكان المقيم بالملك بعد شاه أرمن (١) مملوكه سيف الدين بكتمر، وكان قد ورد على السلطان رسولا من سيده وهو بسنجار، فلما مات سيده شاه أرمن (١)، وملك البلاد وأحبه الناس لحسن سيرته، فسار نحوه البهلوان أتابك شمس الدين محمد بن ايلدكز صاحب العجم، فلما قرب منه خافه، فسير إلى خدمة السلطان من يقرر معه تسليم أخلاط إليه واندراجه في سلكه، وكاتب السلطان في ذلك أيضا الوزير بأخلاط، وهو مجد الدين ابن الموفق بن رشيق، وأظهر للسلطان المودة والمناصحة وهو على خلاف ذلك، فطمع السلطان في ملك أخلاط والاستيلاء عليها، ورحل من الموصل في آخر شهر ربيع الآخر، وقدّم في مقدمته ابن عمه

стр. 511

ناصر الدين محمد بن شير كوه، ومظفر الدين بن زين الدين، وأمرهما أن يسيرا إلى أخلاط من أقرب الطرق، وسير السلطان إلى سيف الدين الفقيه ضياء الدين عيسى، والأمير غرس الدين قلج لتقرير القاعدة وتحريرها، فوصلت الرسل إليها والبهلوان قد قارب البلاد جدا، فراسله [٢٦٢] سيف الدين وخوّفه من السلطان، وأشعر بأنه إن قصده سلّم البلاد إلى السلطان. وراسل الأمير مجد الدين ناصر الدين محمد أن يقيم على قرن، فهو أشد للارهاب، وإنما فعل ذلك خديعة، وإنما كان مقصود سيف الدين والوزير دفع كل واحد من السلطان والبهلوان بالآخر ليتم غرضهما، ولا يمكن كل واحد منهما من البلاد، ثم أحال الوزير الأمر على البهلوان، وقال لرسول السلطان: " إن البهلوان جاء ليتملك، ولو استعجلتم لسهل الأمر ". واصطلح سيف الدين والبهلوان، وأقره البهلوان على البلاد، وجرت مراسلة بين البهلوان والسلطان، وانفصل الأمر. وفى رابع عشر ربيع الأول من هذه السنة توفى نور الدين محمد بن قرا أرسلان - صاحب آمد والحصن - وولى بعده ولده قطب الدين سكمان بن محمد، واستمر على طاعة السلطان. ذكر استيلاء السلطان على ميّا فارقين وكانت لصاحب ماردين، فوصلها السلطان في جمادى الأولى من هذه السنة، وبها من أمراء صاحب ماردين أسد الدين برتقش، فحاصره السلطان وقاتله، ثم رأى أن أمر القتال يطول فراسل أسد الدين ورغبّه في الموادعة والتسليم.

стр. 512

وكان بالبلد الخاتون ابنة فخر الدين قرا آرسلان أخت نور الدين الدارج، وهى زوجة ابن عمها قطب الدين إيلغازى بن ألبى صاحب ماردين الذى توفى، فأحال أسد الدين الأمر إليها، فراسلها السلطان ورغبها، وضمن لها ما تطلبه، وأن يصاهر إليها، ولم يزل بها وبأسد الدين إلى أن أجابا، فقرّر لها السلطان كل ما كان باسمها وباسم خدامها، وطلبت حصن الهتاّخ (١) لتكون هى وأولادها به، فأجيبت؛ وزوّج السلطان ابنه معز الدين إسحق (٢) إحدى بناتها، وتسلم السلطان ميّا فارقين. وجاء قطب الدين سكمان بن نور الدين - صاحب آمد - إلى خدمة السلطان، فأكرمه وأعاده إلى بلده ومعه وزيره قوام الدين أبو عبد الله محمد بن سماقة، وقتل غيلة في رمضان من السنة. ذكر منازلة السلطان الموصل وهى المنازلة الثالثة ثم رحل السلطان وولّى بتلك الديار مملوكه حسام الدين سنقر الخلاطى، فنزل على دجلة بكفر زمار بقرب الموصل في شعبان من السنة، وعزم أن يشتى في ذلك المكان، فخرج [٢٦٣] إليه من الموصل أتابكيات وفيهن ابنة الملك العادل نور الدين ﵀ يشفعن إليه في الكف عن الموصل والرحيل عنها،

стр. 513

فأنزلهن وأكرمهن، وأحضر أصحابه واستشارهم فيما يفعل، فأشار أكثرهم بإجابتهن إلى ما طلبن، فقال له الفقيه ضياء الدين عيسى وعلى بن أحمد المشطوب: " مثل الموصل لا تترك لامرأة، فإن عز الدين ما أنفذهن إلا وقد عجز عن حفظ البلد ". فوافق ذلك هواه، وقال لهن: " قد قبلت شفاعتكن، لكن لابد أن نعمل ما تقتضيه المصلحة ". واعتذر إليهن، فرجعن خائبات متلومات. ذكر مرض السلطان ورحيله عن الموصل ثم دخل شهر رمضان وبدأ بالسلطان مرض أزعجه وأقلقه، فندم على ردّ النساء الأتابكيات وعدم قبول شفاعتهن، فسيّر إلى عماد الدين زنكى بن مودود - صاحب سنجار - وأذن له في الدخول بينه وبين عز الدين - صاحب الموصل - في الصلح، فدخل رسوله، وهو وزيره شمس الدين بن عبد الكافى، وشمس الدين قاضى العسكر من جانب السلطان إلى الموصل. وكان من قبل قد سبق القول أن السلطان يتسلم بلاد شهرزور وقلاعها وحصونها وضياعها، وكذلك ما وراء الزابين من البوازيج والرستاق، وبلد القرابلية وبنى قفجان، فدخل الرسولان إلى الموصل لأجل العهد على هذا الملتزم، ورحل السلطان في سلخ شهر رمضان وهو في شدة من المرض، ووصل إلى حرّان. قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀: " كان عز الدين - صاحب الموصل - قد سيّر إلى الخليفة يستنجد به، فلم يصل منه زبدة، وسيّر إلى العجم فلم يحصل منهم زبدة، فلما وصلت من

стр. 514

بغداد وأديت جواب الرسالة أيس من النجدة، فلما بلغهم مرض السلطان رأوا ذلك فرصة، وعلموا برقة قلبه وسرعة انقياده في ذلك الوقت، فندبونى لهذا الأمر، وبهاء الدين الربيب (١) وفوّض إلى أمر النسخة ". ذكر انتظام الصلح بين المواصلة والسلطان قال بهاء الدين: " فسرنا حتى أتينا العسكر - يعنى بحرّان -[٢٦٤]، والناس كلهم آيسون من السلطان، وكان وصولنا في أوائل ذى الحجة، فاحترمنا احتراما عظيما، وجلس لنا، وكان ذلك أول جلوسه من مرضه، وحلف يوم عرفة، وأخذنا منه بين النهرين، أخذها من سنجر شاه وأعطاها المواصلة، وحلفته يمينا تامة، وحلفت أخاه الملك العادل، وسرت عنه وهو بحران وقد تماثل، واستمر الصلح، وصلح الأمر ". وخطب في جميع بلاد الموصل للسلطان، وقطعت خطبة السلاطين السلجوقية بها، وخطب له في ديار بكر وجميع البلاد الأرتقية، وضربت السكة باسمه. وكان المرض لما اشتد بالسلطان وصل إليه أخوه الملك العادل ومعه الأطباء، وقام يضبط الأمور، والجلوس في كل يوم في النوبتية (٢) الذى للسلطان، وإقامة وظيفة السماط.

стр. 515

وكان الملك العزيز عماد الدين عثمان حاضرا مع أبيه، فحلفّ السلطان الناس لأولاده، وجعل لكل منهم نصيبا معلوما، وجعل أخاه الملك العادل وصيّا على الجميع، وأكثر السلطان في مرضه من الصدقات، وكتب بذلك إلى الشام والديار المصرية، فلم يبق في سائر ممالكه من الفقراء والمساكين إلا من وصل إليه نصيب من رفده وبره وصدقته. وذكر عماد الدين الكاتب قال: " أمرنى أن أكتب إلى نائبه بدمشق صفى الدين بن القابض بأن يتصدق بخمسة آلاف دينار صورية (١)، فقال: ما عندى غير دنانير مصرية، فقال: يتصدق بها مصرية ". ولما امتد زمان مرضه أمر ببناء دار عند سرادقه وحمام، فبنيت في أربعة أو خمسة أيام، واستحضر من دمشق ولديه الصغيرين: الملك المعظم توران شاه، وملكشاه (٢)، وأمهما، فأسكنهما في تلك الدار مدة مقامه وسماها: " دار العافية ". ولما تم الصلح بينه وبين المواصلة أهدى لعز الدين هدايا عظيمة، ولوالدته، ولزوجته، ولابنة نور الدين، وقوّم ما سيره إليهم بما يوفى على عشرة آلاف دينار سوى الخيل والملبوس والطيب والأشياء المستطرفة.

стр. 516

ذكر وفاة الملك القاهر ناصر الدين محمد (١) بن أسد الدين شيركوه صاحب حمص [٢٦٥] وكان ناصر الدين محمد بن أسد الدين شير كوه في صحبة السلطان وهو مريض بحرّان، فلما أشند مرضه توجه إلى إقطاعه، وكانت له حمص والرحبة وتدمر وسلمية، فلما اجتاز بحلب أحضر جماعة من أحداثها، ووعدهم وأعطاهم مالا، ولما وصل إلى حمص أرسل جماعة من الدمشقيين وواعدهم على تسليم البلد إليه إذا مات السلطان، وأقام بحمص ينتظر موته ليسير إلى دمشق فيملكها، فعوفى السلطان، وبلغ ناصر الدين الخبر، فلم يمض غير قليل حتى مات ناصر الدين ليلة عيد الأضحى من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة - وذلك أنه شرب خمرا وأكثر منه، فأصبح ميتا. استيلاء الملك المجاهد شير كوه بن محمد بن شير كوه بن شاذى على حمص فأقطع السلطان ما كان لناصر الدين لولده الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، وعمره يومئذ اثنتا عشرة سنة، فلم يزل مالكا لحمص وبلادها إلى أن توفى بها في سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكانت مدة ملكه نحوا من ست وخمسين سنة، وملك بعده ولده الملك المنصور إبراهيم، وتوفى بدمشق سنة أربع وأربعين وستمائة، فملك بعده ولده الملك الأشرف موسى بن إبراهيم، فأخذت منه في سنة ست وأربعين وستمائة، وملكها الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك

стр. 517

العزيز محمد بن الملك الظاهر غازى - صاحب حلب -، فلم يزل مالكا لها إلى أن وطئت التتر البلاد وملكوها سنة ثمان وخمسين وستمائة، فأعادوا حمص إلى الملك الأشرف موسى بن الملك المنصور، ثم لما رجعت البلاد إلى المسلمين أقرّه عليها الملك الظاهر ركن الدين، ثم توفى الملك الأشرف في سنة اثنتين وستين وستمائة (١)، وهو آخر من ملك حمص منهم. وكتب السلطان إلى الملك المجاهد يعزيه بأبيه: " قد علمنا المصاب بوالده ﵀، وعظّم أجرنا وأجره فيه، وإن كان مضى لسبيله فولدنا أسد الدين - أحياه الله - نعم الخلف الصالح، وإن انتقل والده إلى دار البقاء، فهو في مكانه المستقر من المجد والعلاء، والبلاد والمعاقل باقية عليه، مسلمة إليه، مقررة في يديه، وما مضى من والده ﵀[٢٦٦] إلا عينه، وولدنا قرة العيون، وبه استقر السكون، والحمد لله الذى جبر به كسر المصاب، وألبسنا وأياه ثوب الثواب، فليشرح ولدنا صدره، ولا يشغل سره، ويعرف خواصه وأصحابه وولاته ونوابه بحمص والرحبة وغيرهما أنهم باقون على عادتهم ". وكان المندوب إليه في هذه الرسالة القاضى نجم الدين أبا البركات عبد الرحمن بن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون، وهو الذى تولى الحكم بحماة، وتوفى بها. وخلّف ناصر الدين أموالا جزيلة وذخائر كثيرة، [و] قسّم السلطان الميراث لما قدم حمص، وكان تحت ناصر الدين ست الشام المعروفة بالحسامية زوجة ناصر الدين، فصرف إليها ثمنها، وقسم الباقى بين أسد الدين وأخوته، على مقتضى الشريعة المطهرة.

стр. 518

وذكر عماد الدين: أن المخلف كانت تنيف قيمته على ألف ألف دينار، وأن السلطان ما أعاره طرفه، بل تركه على أهل التركة. وذكر غير العماد: أن السلطان أخذ ما جلت قيمته، وأبقى الباقى؛ وأن السلطان سأل الملك المجاهد أسد الدين: " إلى أين بلغت من القرآن "؟ فقال: " إلى قوله تعالى: ﴿" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً "﴾ (١) فعجب السلطان والحاضرون من فرط ذكائه مع صغر سنه. ودخلت سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، ففى أولها دخل السلطان إلى الشام، ووصل إلى حلب في العشر الأوسط من المحرم. ذكر وصول السلطان الملك الناصر ﵀ إلى دمشق ثم رحل السلطان ﵀ إلى دمشق من حلب، وصحبته أخوه الملك العادل، فوصل إلى حماة وبها ناصر الدين منكورس بن ناصح الدين خمار تكين - صاحب بوقبيس - نائبا عن الملك المظفر تقى الدين عمر.

стр. 519

ثم رحل إلى حمص فقرر أمورها، ورتّب بها الملك المجاهد أسد الدين شير كوه، وكتب له منشورا بحمص وتدمر والرحبة ووادى بنى حصين [والرحبة وزلبيا] (١)؛ وأمر بإسقاط المكوس (٢)، ورتّب في ولاية القلعة (٣) الحاجب بدر الدين إبراهيم بن شروة الهكّارى، ثم نقله إلى حلب، ورتب بحمص مع أسد الدين أميرا من الأسدية يعرف بأرسلان بوغا، ولم يزل معه إلى أن ترعرع الملك المجاهد واستقل بالأمر. ثم سار السلطان إلى دمشق فدخلها في ثانى ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة اثنين وثمانين وخمسمائة -. [٢٦٧] ذكر قدوم الملك الأفضل نور الدين علىّ ابن السلطان على أبيه بدمشق كان الملك الأفضل بالديار المصرية ومعه ابن عمه الملك المظفر تقى الدين نائبا عن السلطان بالبلاد، فوقعت بينهما منافرة بسبب أن الملك المظفر ربما كان ينقم على واحد ما، فيثقل عليه الملك الأفضل ويمنعه من إيقاع مكروه به، فكتب إلى السلطان يشكو منه، وكان في نفس السلطان نقل الملك العزيز إلى مصر وتفويض ملكها إليه، فكتب إلى ولده الملك الأفضل يتشوّقه ويستدعيه بجميع أهله وجماعته ووالدته وحشمهم وأصحابه، فخرج بهم متوجها إلى الشام، فوصل

стр. 520

دمشق يوم الاثنين لسبع بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، وخرج السلطان لاستقباله، وأنزله في القلعة في دار رضوان، وكتب إلى الملك المظفر أنه قد استقل أمره وزال عذره (١)، ففرح بذلك، وخفى عنه أنه كان في ذمة ولد السلطان وعصمته. ذكر استيلاء الملك الظاهر غياث الدين ابن السلطان الملك الناصر على حلب وهو الاستيلاء الثانى لما قدم السلطان دمشق كان بها من أولاده الملك الظاهر، وكان قد تزوج ابنة عمه الملك العادل ﵀ وليست هى بأم الملك العزيز محمد، وإنما هى أخرى توفيت عنده، ثم تزوج أختها أمّ الملك العزيز، فزار عمّه الملك العادل، فقال له: " قد نزلت عن حلب لك، وأنا أقنع من أخى بإقطاع أين كان، وألزم الخدمة، ولا أفارق السلطان، فاطلبها من أبيك ". ثم جاء الملك العادل إلى السلطان وقال: " هذه حلب مع رغبتى فيها أرى أن أحد أولادك بها أحق، وهذا ولدنا الملك الظاهر أحب أننى أوثره بها ". فوقع الاتفاق بينه وبين السلطان على ذلك.

стр. 521

والتمس الملك العادل من السلطان بلادا أو نواحى بمصر، فأجيب اليها، وأقطعه البلاد الشرقية بمصر، وتقرر أنه يسير إلى مصر نائبا عنه بها، ويكون الملك العزيز عماد الدين عثمان السلطان بها، ويكون الملك العادل أتابكه ومربيه والكافل له والمقيم [٢٦٨] بتدبير أموره كلها، وكان الملك العادل شديد الحب له، وكان الملك العزيز هو الذى سأل أباه أن يكون الملك العادل معه. فحكى القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ قال: " قال الملك العادل: لما استقرت هذه القاعدة اجتمعت لخدمة الملك العزيز والملك الناصر وجلست بينهما، وقلت للملك العزيز: اعلم يا مولاى أن السلطان قد أمرنى أن أسير في خدمتك إلى مصر، وأنا أعلم أن المفسدين كثير، وغدا فما يخلو ممن يقول عنى ما لا يجوز، ويخوّفك منى، فإن كان لك عزم تسمع فقل لى حتى لا آجى معك، فقال لا أسمع، وكيف يكون ذلك؟ ثم التفتّ، وقلت للملك الظاهر: أنا أعرف أن أخاك ربما سمع فىّ أقوال المفسدين، وأنا فما لى إلا أنت، وقد قنعت منك بمنبج متى ضاق صدرى من جانبه، فقال: مبارك، وذكر كل خير ". ثم إن السلطان سيّر ولده الملك الظاهر إلى حلب، وفى خدمته: حسام الدين بشارة شحنة، و [شجاع الدين] (١) عيسى بن بلاشق (٢) واليا، فوصل الملك الظاهر إلى العين المباركة يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة من هذه السنة - أعنى سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة - وخرج الناس إلى لقائه يوم السبت تاسع جمادى الآخرة، وصعد إلى القلعة ضحوة، وفرح الناس به فرحا شديدا، وعدل في الناس، وأفاض عليهم وابل فضله، واستمر مالكا لها إلى أن توفى بها سنة ثلاث عشرة وستمائة؛ وكان ملكه لها نحوا من إحدى وثلاثين سنة.

стр. 522

وملك بعده ولده الملك العزيز عماد الدين محمد بن الملك الظاهر [إلى أن توفى] (١) في سنة أربع وثلاثين وستمائة. فملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن محمد بن غازى بن يوسف ابن أيوب ولم يزل مالكا إلى أن ملك التتر الملاعين حلب في سنة ثمان وخمسين وستمائة. ثم صار الملك بها بعدهم للملك المظفر قطز، ثم للملك الظاهر ركن الدين. فكانت مدة [٢٦٩] ملك الملك الظاهر بن صلاح الدين وأولاده لها خمسا وسبعين سنة وشهورا. ذكر قدوم الملك المظفر تقى الدين عمر إلى خدمة عمه السلطان بدمشق ولما بلغ الملك المظفر ما استقرت القاعدة عليه من توجه الملك العزيز والملك العادل إلى الديار المصرية شقّ ذلك عليه وغضب؛ وعبر بأصحابه إلى الجيزة مظهرا أنه يمضى إلى بلاد المغرب ويستولى عليها، فإن مملوكه قراقوش (٢) كان قد مضى إلى المغرب واستولى على نواحى منها - كما تقدم ذكره - وكاتب مولاه الملك المظفر يرغبه في تلك البلاد، ويقول إن البلاد سايبة.

стр. 523

فلما تجدد للملك المظفر ما تجدد عزم على قصد تلك البلاد وأخذها بسيفه، ومالت إليه عساكر مصر لبذله وشجاعته، فعبر بعسكره إلى الجيزة، وقدّم مملوكه بوزأبة (١) في المقدمة. ولما بلغ السلطان ذلك كتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فلم يسعه مخالفة عمه، وقبّح عليه جماعة من الأكابر المشاققة، وعرفوه أن عمه السلطان يخرج من يده

стр. 524

في الحال، والله يعلم ما يكون بعد ذلك، فأجاب بالسمع والطاعة، وتوجه إلى دمشق، وتلقاه السلطان، وخيم على المصرى فوق قصر أم حكم، فلما قرب ركب إلى موكبه ورحّب به، وفرح بوصوله فرحا شديدا، وذلك في الثالث والعشرين من شعبان من السنة. ودخل دمشق واستمر على ما كان بيده من البلاد وهى: حماة والمعرّة ومنبج وقلعة نجم، ثم أضاف إليه ميّافارقين وما حولها من البلاد والمعاقل. وكتب إلى مصر باستدعاء رجاله، وأخبرهم بتأخير عزم المغرب، فامتثلوا الأمر، وقدموا سوى زين الدين بوزابة (١)، فإنه مضى إلى المغرب واستولى على مواضع، ثم قصده صاحب المغرب فأسره ثم أطلقه. وفى هذه السنة دخل الملك الظاهر على ابنة عمه الملك العادل التي كان عقد عليها، وذلك في السادس والعشرين من شهر رمضان، ودخل الملك الأفضل نور الدين على زوجته ابنة ناصر الدين محمد [٢٧٠] بن شير كوه أخت الملك المجاهد صاحب حمص، وذلك في شوال من هذه السنة. ذكر مسير الملك العزيز وعمه الملك العادل إلى الديار المصرية ولما تقررت القاعدة على ما ذكرنا سار الملك العزيز وعمه الملك العادل إلى مصر، فدخلا القاهرة في خامس شهر رمضان.

стр. 525

وذكر ابن الأثير: أن السبب في الذى فعله السلطان في هذه السنة من نقل الملك العادل عن حلب وتوليتها ولده الملك الظاهر، ونقل الملك المظفر عن ملك [مصر] (١) وتسيير ولده الملك العزيز إليها، أن السلطان لما مرض وعوفى وسار إلى الشام، سايره يوما علم الدين سليمان بن جندر، فجرى حديث مرضه فقال له سليمان: " بأى رأى كنت تظن أن وصيتك تمضى، وأن أمرك يقبل؟ كأنك تظن أنك كنت تمضى إلى الصيد وترجع فلا يخالفونك! بالله أما تستحى أن يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة؟ ". فقال: " وكيف ذلك؟ " - وهو يضحك - " قال: " إذا أراد الطائر يعمل عشا لفراخه قصد أعالى الشجر ليحمى فراخه، وأنت سلّمت الحصون إلى أهلك وجعلت أولادك على الأرض؛ هذه حلب بيد أخيك، وهذه حماة بيد تقى الدين، وهذه حمص بيد ابن شير كوه، وأحد ابنيك بمصر مع تقى الدين يخرجه أي وقت شاء، وهذا ابنك الآخر مع أخيك في خيمته يفعل به ما أراد ". فقال له: " صدقت، اكتم هذا الأمر ".

стр. 526

ثم أخذ حلب من أخيه وأعطاها للملك الظاهر، وأخرج تقى الدين من ملك مصر، وأعطاها للملك العزيز، وجعل معه الملك العادل؛ ثم أعطى الملك العادل البلاد الشرقية، ونقله عن مصر على ما سنذكره، وأراد الاحتراز بجهده عن أن تخرج البلاد من يد أولاده، فلم ينفعه ذلك بعد وفاته لما أراد الله خلافه. وتوفى في هذه السنة البهلوان بن ايلدكز، وملك بعده أخوه قراأرسلان. وفى هذه السنة عصى معين [الدين] بن معين الدين بقلعة الراوندان، وكان السلطان قد أعطاه [٢٧١] إياها، فنازله علم الدين سليمان بن جندر في عسكر حلب، فتسلموها منه، ونزل إلى خدمة السلطان. ذكر انتماء القومص صاحب طرابلس إلى خدمة السلطان (١) وكان السبب في ذلك أن الفرنج كان لهم ملك مجذوم، وكان له أخت [ولم يكن له ولد] (٢)، فأوصى بالملك [لها، وكان لها ولد صغير، وأوصى أن أن يكون لولدها ايضا إذا كبر] (٣)، فلما هلك تزوج القومص بأخت الملك، وربى ولدها المعهود له بالملك، وهو طفل صغير، فمات الصغير، فانتقل (٤) الملك إلى

стр. 527

أمه، ثم إنها [بعد موت ابنها] (١) مدّت عينها إلى بعض المقدمين من الغرب وتزوجته، وهجرت القومص، وفوضت الملك إلى ذلك المقدم، فطلب من القومص حساب البلاد، فوقع الخلاف بينهم بسبب ذلك، فالتجأ القومص إلى ظل السلطان، فقبله وقواه وشد عضده باطلاق من كان في الأسر من أصحابه، فقويت منا صحته للمسلمين، وباين (٢) أهل ملته، وبث السرايا في بلادهم، فخافوه (٣) وحذروا مكره. ذكر ما اعتمده الابرنس صاحب الكرك من الغدر بالمسلمين كان الابرنس أرناط صاحب الكرك كثير الغدر والخبث، وكان قد هادن السلطان وسالمه، فأمنت الطريق بين مصر والشام، وتواصلت القفول، حتى كان يمكّن الذاهب والجائى، ثم إنه لاحت له فرصة في الغدر فغدر بقافلة عظيمة فيها نعم جليلة، فأخذها بأسرها، وكان معهم جماعة من الأجناد فأسرهم وحملهم إلى الكرك، وأخذ خيلهم وعدتهم، فأرسل إليه السلطان وقبّح فعله، فأسامه (٤) إطلاقهم فامتنع، وأصرّ على عصيانه، فنذر السلطان دمه، وأعطى الله عهدا إن ظفر به أن يستبيح مهجته.

стр. 528

ذكر مسير السلطان الملك الناصر من دمشق إلى الجهاد (١) وأقام السلطان بدمشق بقية سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وأرسل إلى سائر الأطراف يطلب العساكر، فجاءته من كل فج، وبرز من دمشق يوم السبت مستهل المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهى السنة الغراء التي طهّر الله فيها الأرض المقدسة من نجاسة الشرك بعد أن مكثت [٢٧٢] مرتهنة في أيدى الكفار نيفا وتسعين (٢) سنة. ولما وصل السلطان إلى رأس الماء أمر ولده الملك الأفضل نور الدين بالإقامة هناك في بعض العساكر، لتجتمع عنده الأمداد والنجد، ثم سار السلطان إلى بصرى، وخيّم على قصر السلامة، وأقام مرتقبا الحاج خوفا عليهم من غدر عدو الله الابرنس، ولما وصل الحاج في صفر، وخلا سر السلطان من شغلهم سار إلى الكرك ونازلها وقطع ما حولها من الشجر، وأفسد زرعها وكرومها، ثم سار إلى الشوبك وفعل به مثل ذلك. ثم وصلت العساكر المصرية، فتلقاها بالقريتين، وأمرهم بالانبثاث في أراضى الكرك والشوبك، وأقام على ذلك شهرين، والملك الأفضل مقيم برأس الماء، وقد اجتمعت عنده الحجافل والجموع. وكانت العساكر الحلبية تأخرت بسبب اشتغالها بالفرنج بأرض أنطاكية وبلاد ابن لاون، وكان قد مات وأوصى لابن أخيه لاون.

стр. 529

فكتب السلطان إلى الملك المظفر تقى الدين - وهو بحماة - يأمره بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرته، فوصل الملك المظفر إلى حلب، ونزل في دار العفيف بن زريق، وانتقل إلى دار طمان، وخرج في تاسع صفر من حلب بعسكر حلب إلى حارم ليعلم العدو أن هذا الجانب غير مهمل وقدم مظفر الدين [كوكبرى] بن زين الدين - صاحب حرّان - في العساكر الشرقية. ثم قدم عسكر حلب مع بدر الدين دلدرم بن ياروق، [صاحب تل باشر] (١) فأنهض الملك الأفضل سريّة إلى بلاد العدو، والمقدم على عسكر دمشق صارم الدين قايماز النجمى، فصبّحوا صفوريّة، فأتاهم الفرنج والتقوهم، فقتلوا من الافرنج (٢) وأسروا (٣)، وهلك (٤) مقدم الاسبتار، وحصل في الأسر جماعة من فرسانهم، وأفلت مقدم الداويّة، وعاد المسلمون سالمين غانمين، وكانت هذه الغارة مقدمة الفتوح. وجاءت هذه البشرى إلى السلطان وهو بعد بنواحى الكرك والشوبك، فسار إلى عشترا وخيّم بها، واجتمعت عنده العساكر الإسلامية، وقد غصّ بها الفضاء، وعرض العسكر فكان في اثنى عشر ألف مقاتل، ثم رتب العسكر أطلابا (٥)، وسار يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر من السنة،

стр. 530

فأناخ ليلة السبت على خسفين، وكان قد تقدم إلى ابن أخيه تقى الدين بمصالحة العدو [٢٧٣] الذى في ناحية بلد حلب، فصالحهم وتوجه إلى حماة قاصدا خدمة السلطان، ومعه عسكر الموصل، ومقدمهم فخر الدين مسعود بن الزعفرانى، وعسكر ماردين، فلحقوا السلطان بعشترا؛ ثم رحل السلطان من خسفين إلى الأردن، فنزل بثغر الأقحوان، فأقام هناك خمسة أيام، وقد عيّن مواقف الأمراء وشعارهم، وأحاطت عساكره ببحيرة طبرية عند قرية تعرف بالضبّرة (١). ذكر فتح طبرية ثم رحل من هناك، ونزل غرب طبرية على سفح (٢) الجبل لتعبية الحرب، منتظرا أن الفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه، فلم يتحركوا من منزلتهم، فنزل جريدة على طبرية، وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو، وزحف إلى طبرية ففتحها في ساعة من نهار، وامتدت الأيدى إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل، وامتنعت عليه القلعة وحدها. ذكر وقعة حطّين وهذه الوقعة كانت مفتاح الفتوح الإسلامية، وبها تيسّر فتح بيت المقدس، وكان من حديثها أن الفرنج - لعنهم الله - لما تحققوا باجتماع كلمة المسلمين،
следующие страницы →