← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

ثم أخذ حلب من أخيه وأعطاها للملك الظاهر، وأخرج تقى الدين من ملك مصر، وأعطاها للملك العزيز، وجعل معه الملك العادل؛ ثم أعطى الملك العادل البلاد الشرقية، ونقله عن مصر على ما سنذكره، وأراد الاحتراز بجهده عن أن تخرج البلاد من يد أولاده، فلم ينفعه ذلك بعد وفاته لما أراد الله خلافه. وتوفى في هذه السنة البهلوان بن ايلدكز، وملك بعده أخوه قراأرسلان. وفى هذه السنة عصى معين [الدين] بن معين الدين بقلعة الراوندان، وكان السلطان قد أعطاه [٢٧١] إياها، فنازله علم الدين سليمان بن جندر في عسكر حلب، فتسلموها منه، ونزل إلى خدمة السلطان. ذكر انتماء القومص صاحب طرابلس إلى خدمة السلطان (١) وكان السبب في ذلك أن الفرنج كان لهم ملك مجذوم، وكان له أخت [ولم يكن له ولد] (٢)، فأوصى بالملك [لها، وكان لها ولد صغير، وأوصى أن أن يكون لولدها ايضا إذا كبر] (٣)، فلما هلك تزوج القومص بأخت الملك، وربى ولدها المعهود له بالملك، وهو طفل صغير، فمات الصغير، فانتقل (٤) الملك إلى

стр. 527

أمه، ثم إنها [بعد موت ابنها] (١) مدّت عينها إلى بعض المقدمين من الغرب وتزوجته، وهجرت القومص، وفوضت الملك إلى ذلك المقدم، فطلب من القومص حساب البلاد، فوقع الخلاف بينهم بسبب ذلك، فالتجأ القومص إلى ظل السلطان، فقبله وقواه وشد عضده باطلاق من كان في الأسر من أصحابه، فقويت منا صحته للمسلمين، وباين (٢) أهل ملته، وبث السرايا في بلادهم، فخافوه (٣) وحذروا مكره. ذكر ما اعتمده الابرنس صاحب الكرك من الغدر بالمسلمين كان الابرنس أرناط صاحب الكرك كثير الغدر والخبث، وكان قد هادن السلطان وسالمه، فأمنت الطريق بين مصر والشام، وتواصلت القفول، حتى كان يمكّن الذاهب والجائى، ثم إنه لاحت له فرصة في الغدر فغدر بقافلة عظيمة فيها نعم جليلة، فأخذها بأسرها، وكان معهم جماعة من الأجناد فأسرهم وحملهم إلى الكرك، وأخذ خيلهم وعدتهم، فأرسل إليه السلطان وقبّح فعله، فأسامه (٤) إطلاقهم فامتنع، وأصرّ على عصيانه، فنذر السلطان دمه، وأعطى الله عهدا إن ظفر به أن يستبيح مهجته.

стр. 528

ذكر مسير السلطان الملك الناصر من دمشق إلى الجهاد (١) وأقام السلطان بدمشق بقية سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وأرسل إلى سائر الأطراف يطلب العساكر، فجاءته من كل فج، وبرز من دمشق يوم السبت مستهل المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وهى السنة الغراء التي طهّر الله فيها الأرض المقدسة من نجاسة الشرك بعد أن مكثت [٢٧٢] مرتهنة في أيدى الكفار نيفا وتسعين (٢) سنة. ولما وصل السلطان إلى رأس الماء أمر ولده الملك الأفضل نور الدين بالإقامة هناك في بعض العساكر، لتجتمع عنده الأمداد والنجد، ثم سار السلطان إلى بصرى، وخيّم على قصر السلامة، وأقام مرتقبا الحاج خوفا عليهم من غدر عدو الله الابرنس، ولما وصل الحاج في صفر، وخلا سر السلطان من شغلهم سار إلى الكرك ونازلها وقطع ما حولها من الشجر، وأفسد زرعها وكرومها، ثم سار إلى الشوبك وفعل به مثل ذلك. ثم وصلت العساكر المصرية، فتلقاها بالقريتين، وأمرهم بالانبثاث في أراضى الكرك والشوبك، وأقام على ذلك شهرين، والملك الأفضل مقيم برأس الماء، وقد اجتمعت عنده الحجافل والجموع. وكانت العساكر الحلبية تأخرت بسبب اشتغالها بالفرنج بأرض أنطاكية وبلاد ابن لاون، وكان قد مات وأوصى لابن أخيه لاون.

стр. 529

فكتب السلطان إلى الملك المظفر تقى الدين - وهو بحماة - يأمره بالدخول إلى بلاد العدو وإخماد ثائرته، فوصل الملك المظفر إلى حلب، ونزل في دار العفيف بن زريق، وانتقل إلى دار طمان، وخرج في تاسع صفر من حلب بعسكر حلب إلى حارم ليعلم العدو أن هذا الجانب غير مهمل وقدم مظفر الدين [كوكبرى] بن زين الدين - صاحب حرّان - في العساكر الشرقية. ثم قدم عسكر حلب مع بدر الدين دلدرم بن ياروق، [صاحب تل باشر] (١) فأنهض الملك الأفضل سريّة إلى بلاد العدو، والمقدم على عسكر دمشق صارم الدين قايماز النجمى، فصبّحوا صفوريّة، فأتاهم الفرنج والتقوهم، فقتلوا من الافرنج (٢) وأسروا (٣)، وهلك (٤) مقدم الاسبتار، وحصل في الأسر جماعة من فرسانهم، وأفلت مقدم الداويّة، وعاد المسلمون سالمين غانمين، وكانت هذه الغارة مقدمة الفتوح. وجاءت هذه البشرى إلى السلطان وهو بعد بنواحى الكرك والشوبك، فسار إلى عشترا وخيّم بها، واجتمعت عنده العساكر الإسلامية، وقد غصّ بها الفضاء، وعرض العسكر فكان في اثنى عشر ألف مقاتل، ثم رتب العسكر أطلابا (٥)، وسار يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من ربيع الآخر من السنة،

стр. 530

فأناخ ليلة السبت على خسفين، وكان قد تقدم إلى ابن أخيه تقى الدين بمصالحة العدو [٢٧٣] الذى في ناحية بلد حلب، فصالحهم وتوجه إلى حماة قاصدا خدمة السلطان، ومعه عسكر الموصل، ومقدمهم فخر الدين مسعود بن الزعفرانى، وعسكر ماردين، فلحقوا السلطان بعشترا؛ ثم رحل السلطان من خسفين إلى الأردن، فنزل بثغر الأقحوان، فأقام هناك خمسة أيام، وقد عيّن مواقف الأمراء وشعارهم، وأحاطت عساكره ببحيرة طبرية عند قرية تعرف بالضبّرة (١). ذكر فتح طبرية ثم رحل من هناك، ونزل غرب طبرية على سفح (٢) الجبل لتعبية الحرب، منتظرا أن الفرنج إذا بلغهم ذلك قصدوه، فلم يتحركوا من منزلتهم، فنزل جريدة على طبرية، وترك الأطلاب بحالها قبالة وجه العدو، وزحف إلى طبرية ففتحها في ساعة من نهار، وامتدت الأيدى إليها بالنهب والأسر والحريق والقتل، وامتنعت عليه القلعة وحدها. ذكر وقعة حطّين وهذه الوقعة كانت مفتاح الفتوح الإسلامية، وبها تيسّر فتح بيت المقدس، وكان من حديثها أن الفرنج - لعنهم الله - لما تحققوا باجتماع كلمة المسلمين،

стр. 531

وجاءهم مالا يعهد لهم مثله اجتمعوا وانتحوا، وكان القومص قد باينهم - كما ذكرنا -، فدخل عليه الملك، ورمى نفسه عليه، فدخل معهم ووافقهم، فصففوا راياتهم بصفورية، وحشدوا وجمعوا جموعهم، وجاءتهم الأمداد من سائر بلادهم الساحلية، وجمعت عبرتهم خمسين ألفا، ورفعوا صليب الصلبوت (١)، وهو قطعة من الخشبة التي يدعون أن المسيح ﵇ صلب عليها. وانتظر السلطان بروزهم للمصاف فلم يبرحوا من صفورية، فقصد طبريّة - كما ذكرنا -، وفتحها، وامتنعت القلعة، وبها زوجة القومص؛ ولما بلغه افتتاح بلده قامت قيامته، وقال للفرنج: " لا قعود لنا بعد اليوم، وإذا أخذت طبرية ذهبت منا البلاد بأسرها ". فوافقوه ورحلوا بجموعهم نحو السلطان ليمنعوه من أخذ قلعة طبرية، ولما بلغ السلطان حركتهم نحوه سر بذلك، لأنه كان مقصوده لقاهم، وإطفاء جمرتهم، إذ علم ﵀ أنه لا يتيسر له أخذ [٢٧٤] البلاد إلا بعد ذلك، فترك على طبريّة من يحفظ قلعتها، ولحق العسكر هو ومن معه، والتقى (٢) العسكران على سطح جبل طبريّة الغربى منها، وحال الليل بين الفئتين، وباتا على مصاف، شاكين في السلاح إلى صبيحة (٣) الجمعة، وهو الرابع والعشرين من ربيع الآخر، فركب العسكران وتصادما، وذلك بأرض تسمى اللوبيا، ولم يزل الحرب بينهم إلى أن حجز الظلام، فبات كل فريق في سلاحه.

стр. 532

وأصبحوا يوم السبت الخامس والعشرين من ربيع الآخر على هيئتهم، وقد حاز المسلمون عنهم ماء البحيرة وراءهم، فلم يبق للفرنج إليه وصول، فاشتد بهم العطش، وفرغ ما معهم من الماء، وأخذتهم سهام المسلمين، وكثر فيهم الجراح، وقوى الحر، وسلبهم العطش القرار، وصاروا كلما حملوا ليتيسر لهم ورود الماء (١) صدّوا وردّوا، واستولى عليهم الأسر والقتل، فأووا إلى جبل حطّين ليعصمهم (٢) من البلاء بعد أن انهزم منهم طائفة، وتبعهم طائفة من المسلمين، فلم ينج منهم أحد. وهرب القومص - لعنه الله - فلم ينجه إلا الهزيمة بحشاشة نفسه متوجها نحو صور (٣)، وتبعه جماعة من المسلمين، ولم يدركوه، وكفى الله المسلمين كيده. وأحاط المسلمون بالباقين الذين اجتمعوا (٤) بجبل حطّين، وهى قرية عندها قبر شعيب النبى ﵇، وضايقوهم، وأشعلوا حولهم النيران في حلفاء كانت هناك، فارتفع لهبها، واجتمع عليهم حر الهاجرة وحر النار وحر العطش وألم الجراح، وحطوا خيامهم على ظهر التل، فعاجلهم المسلمون عن ضربها، واشتد الطعن والضرب، ودارت عليهم دائرة السوء، وعلموا أنه لا ينجيهم من الموت إلا الإقدام عليه، فحملوا على المسلمين حملات متداركة كادوا يزيلون المسلمين - على كثرتهم - عن مواضعهم، فثبّت الله أقدام المؤمنين ونصرهم، ولم يحمل العدو حملة إلا وقتل منهم وأسر جماعة، فوهنوا

стр. 533

وهنا عظيما، ولم يمكنهم نصب خيمة إلا خيمة ملكهم لا غير (١)؛ وملك المسلمون صليبهم الأعظم الذى يسمونه صليب الصلبوت (٢)، فأيقنوا بعده بالبوار، واشتجر فيهم القتل والأسر، وبقى الملك [٢٧٥] على التل في مائة وخمسين فارسا. لحكى ابن الأثير عن من حكى له عن الملك الأفضل نور الدين على ﵀ قال: " كنت إلى جانب أبى في ذلك المصاف، وهو أول مصاف شاهدته، فلما صار ملك الفرنج على التل في تلك الجماعة حملوا حملة منكرة على من بازائهم من المسلمين حتى ألحقوهم بوالدى، قال: فنظرت إليه وقد علته كآبة، واربدّ لونه، وأمسك بلحيته، فتقدم وهو يصيح: " كذب الشيطان "؛ فعاد المسلمون على الفرنج، فرجعوا (٣) فصعدوا على التل، فلما رأيت الفرنج قد عادوا والمسلمون يتبعونهم، صحت من فرحى: " هزمناهم، هزمناهم "؛ فعاد الفرنج فحملوا حملة ثانية مثل الأولى، حتى ألحقوا المسلمين بوالدى، وفعل هو مثل ما فعل أولا (٤)، وعطف المسلمون عليهم، فألحقوهم بالتل، فصحت أنا: " هزمناهم، [هزمناهم] " (٥)، فالتفت إلىّ والدى فقال: اسكت، ما نهزمهم حتى: تسقط تلك الخيمة - يعنى خيمة الملك -؛ فهو يقول لى [ذلك] (٦)، وإذا الخيمة قد سقطت، فنزل السلطان، فسجد شكرا لله تعالى، وبكى من [شدة] (٦) فرحه ".

стр. 534

وكان سبب سقوطها أن الفرنج لما حملوا تلك الحملة [الثانية] (١) ازدادوا عطشا، وكانوا يرجون الخلاص في تلك الحملات مما هم فيه، فلما لم يجدوا إلى الخلاص طريقا نزلوا عن دوابهم، وجلسوا على الأرض، فصعد (٢) المسلمون إليهم، وألقوا خيمة الملك، وأسروهم كلهم. قال القاضى بهاء الدين بن شداد: " ولقد حكى لى من أثق به أنه لقى بحوران شخصا واحدا ومعه طنب خيمة، وفيه نيف وثلاثون (٣) أسيرا يجرهم وحده لخذلان (٤) وقع عليهم، وكان من جملة من وقع في الأسر: الملك كى (٥)، وابرنس الكرك أرناط (٦)، و [أخو] (٧) الملك جفرى، وأوك (٨) صاحب جبيل، وهنفرى بن هنفرى (٩)، وابن صاحب اسكندرونة (١٠)، وصاحب مرقيّة (١١) [وأسر من نجا من القتل من الداويّة

стр. 535

ومقدمها، ومن الاسبتارية معظمها، ومن البارونية من أخطأه البوار، فأصابه وساءه الإسار] (١) قال عماد الدين الكاتب: " فمن شاهد القتلى ذلك اليوم قال ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال ما هناك قتيل ". ومذ ملك الفرنج البلاد الساحلية واستولوا عليها لم يقع للمسلمين معهم يوم كيوم حطّين، فرحم الله الملك الناصر صلاح الدين وقدّس روحه، فلم يؤيد الإسلام بعد الصحابة - رضى الله عنهم - برجل مثله ومثل [٢٧٦] نور الدين محمود بن زنكى - رحمة الله عليهما -، فهما جددا الإسلام بعد دروسه، وشيّدا بنيان التوحيد بعد طموسه، ثم أيّد الله الإسلام بعدهما بالملك الظاهر ركن الدين، (٢) وكان أمره أعجب إذ جاء بعد أن استولى التتر على معظم البلاد الإسلامية، وأيس (٣) الناس أن لا انتعاش للملة، فبدّد شمل التتار، وحفظ البلاد الإسلامية (٣)، وملك من الفرنج أكثر الحصون الساحلية ولم ينج في الكسرة (٤) من ألوف الفرنج إلا أحاد، وامتلأت الأرض بالأسرى والقتلى، ثم أمر السلطان فضرب له دهليز (٥) سرادقه، فنزل وصلى لله تعالى فيه صلاة الشكر على هذه النعمة، التي درج الملوك قبله على تمنى مثلها وماتوا بحسرتها،

стр. 536

وأحضر ملوك الفرنجية ومقدميهم، وأجلس الملك كى (١) إلى جانبه، وأجلس البرنس إلى جانب الملك وفى نفسه وفاء نذره بقتله، جزاء له على غدره ومكره، فقرعه السلطان وأذكره ذنبه، وقال له: " كم تحلف وتنكث؟ " فقال الترجمان عنه: " إنه [يقول] (٢) قد جرت بذلك عادة الملوك ". وآنس السلطان الملك (٣) وحادثه، وأمر له بجلاّب (٤) مثلوج فشربه، وكان قد بلغ منه العطش مبلغا عظيما، ولما روى ناول الابرنس ارناط القدح، فشربه، فقال السلطان للملك: " لم آذن لك في سقيه الماء حتى لا يوجب ذلك أمانا له "؛ ثم أمر السلطان بمسيرهم إلى موضع عيّن لنزولهم، وركب السلطان، ولم ينزل (٥) إلى أن ضرب السرادق الذى له وركزت أعلامه، ثم عاد إلى سرادقه. ذكر مقتل ابرنس أرناط صاحب الكرك واستحضر السلطان الملوك، ولم يبق عنده أحد سوى الخدم، فأقعد الملك وجماعته في الدهليز، واستحضر البرنس خاصة، وواقفه على قوله، وكان - لعنه الله - لما غدر بالقافلة الموجهة [من] (٦) الديار لمصرية [إلى الشام] (٦) قال: " قولوا لمحمدكم يخلصكم ".

стр. 537

فقال له السلطان ﵀: " ها أنا أنتصر لمحمد ﷺ ". ثم عرض عليه الإسلام، فلم يفعل، فسلّ النّمجاه (١) [من وسطه] (٢) وضربه بها فحل كتفه، وأتم عليه من حضر من الخدم، وعجّل الله بروحه إلى النار، فسحب وأخرج من الخيمة، [٢٧٧] فلما رآه الملك، وقد أخرج على تلك الصورة لم يشك أنه يثنى به، فخاف وارتاع، واستحضره السلطان وطيّب قلبه، وقال: " لم تجر عادة الملوك أن يقتلوا الملوك، وأما هذا فتجاوز حدّه، فجرى عليه ما جرى ". ثم جمع السلطان الأسارى المعروفين إلى الناصح الغيدى (٣) ليحملهم إلى قلعة دمشق، فتسلمهم أصحاب الناصح، وأمرهم أن يأخذوا خط الصفى بن القابض في دمشق بوصولهم، ويحتاط عليهم، [ففعل ذلك] (٢) ذكر فتح قلعة طبريّة (٤) وبات الناس (٤) ليلة الأحد لأربع بقين من ربيع الآخر على أتم سرور، ترتفع أصواتهم بالحمد والشكر لله تعالى والتكبير حتى طلع الصبح من يوم الأحد، فتوجه السلطان إلى طبرية، وخيم بها، وراسل التومصية صاحبتها، فأجابت إلى التسليم، وطلبت الأمان لها ولمن معها، فأمنوا وسلمت الحصن، [بما فيه] (٢) وخرجت

стр. 538

بما لها إلى طرابلس - بلد زوجها القومص -، وذكر أن (١) القومص بعد وصوله عرضت له ذات الجنب، فكانت بها منيته. وولى السلطان طبرية لصارم الدين قايماز النجمى، وكانت طبرية في عهد الفرنج تقاسم على نصف مغل بلاد الصلت والبلقاء وجبل عوف والسواد والجولان إلى بلد حوران، فصفت هذه كلها بأخذ طبرية للمسلمين. ذكر مقتل الداوية والاسبتارية ثم رأى السلطان أن عين المصلحة تطهير الأرض من هذين الجنسين النجسين، فأمر باحضار كل داوى واسبتارى ليمضى فيهم حكم السيف، وجعل لكل من يأتيه (٢) بأسير منهما خمسين دينارا، فأتى في الحال بمائتين (٣) منهم، فأمر بضرب رقابهم، وكان بحضرته جماعة من أهل الدين والفقه والتصوف، فسأل كل واحد منهم أن يقتل واحدا (٤)، فأذن في ذلك، فكل واحد منهم سلّ سيفه وقصد أن يقتل منهم قتيلا، والسلطان جالس والناس بين يديه صفوف، فمن الجماعة من خارت (٥) قوته، فامتنع وعذر، ومنهم من لم يؤثر ضربه، فضحك منه، وناب غيره منابه، ومنهم من ظهرت نجابته، وفرت ضربته.

стр. 539

ثم سيّر السلطان الملك - إلى دمشق، وأخاه، وهنفرى، وصاحب جبيل، ومقدم [٢٧٨] الداويّة، وجميع الأكابر، وفرّق بقية السبى بين الناس، فتصرفوا فيه، وبيع في جميع البلاد الإسلامية. وكتب السلطان إلى نائبه بدمشق الصفىّ بن القابض أن يضرب عنق كل من يجد من الداويّة والاسبتارية، فامتثل أمره، وما ضرب عنق أحد منهم حتى عرض عليه الإسلام أولا وامتنعوا، إلا أحاد منهم أسلموا وحسن إسلامهم (١). وحكى العماد الكاتب قال: " ما زلت أبحث عن سبب نذر السلطان إراقة دم البرنس حتى حدثنى الأمير عبد العزيز بن شدّاد بن تميم بن المعز (٢) بن باديس الصنهاجى أن القاضى الفاضل حدثه: أن السلطان لما عاد إلى دمشق من حرّان (٣) بعد المرضة التي مرضها بالشرق، وخيف عليه منها، وهو في عناء من سقمه، قال: فقيل له: إن الله تعالى أيقظك ولن يعيذك من السوء سواه، فانذر لله أنك إذا أبللت من هذا المرض أنك تقوم بكل ما افترضه الله عليك، ولا تقاتل أحدا من المسلمين، وتكون في جهاد [أعداء] (٤) الله مجتهدا، وأنك إذا انتصرت على الكفار

стр. 540

تتقرب إلى الله تعالى بإراقة دم البرنس والقومص بعد الظفر بهما، فأعطى (١) يده على هذا النذر؛ فلما أظفره الله بالا برنس وفى (١) بما عاهد عليه، وأراق دمه، وأما القومص فإنه هرب فلاقاه حمامه، وكفى الله تعالى المسلمين شرهما (٢) ". ولما فتحت طبرية قال بهاء الدين أبو الحسن على بن الساعاتى يمدح السلطان ﵀: جلت عزماتك الفتح المبينا ... فقد قرّت عيون المؤمنينا (٣) رددت أخيذة الإسلام لما ... غدا صرف القضاء بها ضمينا فهان بها (٤) الصليب، وكان قدما ... يعزّ على العوالى (٥) أن يهونا يقاتل (٦) كلّ ذى ملك رياء، ... وأنت تقاتل الأعداء دينا غدت في وجنة الأيام خالا، ... وفى جيد العلى عقدا ثمينا فيا لله كم سرّت قلوبا؟ ... ويا لله كم أبكت عيونا؟ وما طبريّة إلا هدىّ (٧) ... ترفّع من أكفّ اللامسينا [٢٧٩] حصان الذيل (٨) لم تقذف بسوء، ... فسل عنها الليالى والسنينا فضضت ختامها قسرا، ومن ذا ... يصدّ الليث أن يلج العرينا؟

стр. 541

لقد أنكحتها الصّمّ (١) العوالى، ... فكان نتاجها الحرب الزّبونا هناك ندى (٢) أهلّ الأرض طرّا ... سواك، ومعقل أعيا القرونا (٣) قست حتى رأت كفؤا فلانت، ... وغاية كلّ قاس أن يلينا قضيت فريضة الإسلام منها، ... وصدّقت الأمانى والظّنونا تهزّ (٤) معاطف القدس ابتهاجا، ... وترضى عنك مكة والحجونا فلو أنّ الجهاد يطيق نطقا ... لنادتك: ادخلوها آمنينا جعلت صباح آهلها (٥) ظلاما، ... وأبدلت الزئير بها أنينا تخال حماة حوزتها نساء ... يخوضون الحديد مقنّعينا لبيضك في جماجمهم غناء ... لذيذ (٦) علم الطّير الحنينا تميل إلى المثقّفة العوالى ... فهل أضحت (٧) رماحا (٨) أم (٩) غصونا يكاد النقع يذهلها، فلولا ... بروق القاضيات (١٠) لما هدينا فكم حازت قدود قناك منها ... قدودا كالقنا لونا ولينا

стр. 542

وغيد (١) كالجآذر آنسات ... كغيد نداك أبكارا وعونا ولما باكرتها (٢) منك نعمى ... بنان تفضح الغيث الهتونا أعدت (٣) بها الليالى وهى بيض، ... وقد كانت بها الأيام جونا فليس بعادم مرعى خصيبا ... أخو سغب، (٤) ولا ماء معينا فلا عدم الشآم وساكنوه ... ظبى تشفى (٥) بها الداء الدفينا سهاد جفونها في كل فيح (٦) ... سهاد يمنح الغمض الجفونا فألمم بالسواحل فهى صور ... إليك، وألحق الهام المتونا [٢٨٠] فقلب القدس مسرور، ولولا ... سطاك، لكان مكتئبا حزينا أدرت على الفرنج - وقد تلاقت ... جموعهم عليك - رحى طحونا ففى بيسان ذاقوا منك بؤسا، ... وفى صفد لقوك (٧) مصفّدينا لقد جاءتهم الأحداث جمعا، ... كأنّ صروفها كانت كمينا وخانهم الزمان ولا ملام، ... فلست بمبغض زمنا (٨) خؤونا لقد جرّدت عزما ناصريّا ... يحدّث عن سناه طور سينا فكنت كيوسف الصدّيق حقّا ... له هوت الكواكب ساجدينا لقد أتعبت من طلب المعالى، ... وحاول أن يسوس المسلمينا وإن تك آخرا (٩) - وخلاك ذمّ -، ... فإنّ محمدا في الآخرينا

стр. 543

ذكر فتح عكا ثم رحل السلطان إلى عكا فوصلها يوم الأربعاء سلخ ربيع الآخر من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - وخيّم بقربها وراء التل، ولما طلع الصبح من يوم الخميس مستهل جمادى الأولى ركب في عساكره، ووقف بازاء التل (١) مصمما على الزحف والقتال، وبينما هو يرتاد موضعا للنزال إذ خرج كثير من أهلها يتضرعون ويطلبون الأمان، فأمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وخيّرهم بين الإقامة والظعن، فاختاروا الرحيل خوفا من المسلمين، وساروا عنها متفرقين، وحملوا ما أمكنهم حمله من أموالهم وتركوا الباقى على حالها، ودخل المسلمون يوم الجمعة ثانى جمادى الأولى البلد، واستولوا على ما فيه من الأموال والذخائر، واستنقذوا (٢) من كان بها من أسرى المسلمين، وكانوا أربعة [آلاف] (٣) أنفس. وحضر القاضى الفاضل كنيستها العظمى، فرتّب فيها المنبر والقبلة، وأقيمت الجمعة، وهى أول جمعة أقيمت في الساحل بعد يوم الكسرة، وسلّم السلطان البلد إلى ولده الملك الأفضل نور الدين، وأعطى جميع ما فيه مما كان للداويّة (٤) من إقطاع وضياع للفقيه ضياء الدين عيسى الهكّارى.

стр. 544

ذكر فتح مجدليابة (١) [٢٨١] وأقام السلطان مخيما على النل بباب عكا، وكتب إلى أخيه الملك العادل بمصر يبشره بما فتح الله تعالى على يديه، ويأمره بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة الديار المصرية فيمن بقى عنده من العساكر في محاصرة ما يليه منها، فسار إلى حصن مجدليابة، فحصره وفتحه وغنم ما فيه، وورد كتابه بذلك إلى السلطان، فكان فتحا عظيما. ذكر فتح عدة حصون حول عكا وفى مدة مقام السلطان بعكا فرّق عسكره إلى الناصرة، وقيسارية، وحيفا، وصفوريّة، ومعليا، والشقيف، والفولة، والطور، وغيرها من البلاد المجاورة لعكا، فملكوها ونهبوا ما فيها، وسبوا نساءها وأطفالها، وقدموا من ذلك بما سد الفضاء، وسيّر السلطان ابن أخيه الملك المظفر تقى الدين فنزل على تبنين ليقطع الميرة عنها وعن صور، وسيّر ابن اخته (٢) حسام الدين بن لاجين إلى نابلس. ذكر فتح نابلس فأتى حسام الدين سبسطية، وفيها قبر زكريا ﵇، فأخذها من أيدى الكفار، ووصل إلى نابلس، فدخلها وحصر قلعتها، واستنزل من بها

стр. 545

بالأمان، وتسلّم القلعة، وأقام أهل البلد - وكانوا مسلمين - تحت الذمة، فأقرّهم على أموالهم وأملاكهم. وكتب السلطان في تلك الأيام إلى الخليفة الإمام الناصر لدين الله - أمير المؤمنين - كتابا بالإنشاء العمادى، أوله: ﴿" وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ (١)﴾، الحمد لله على ما أنجز من هذا الوعد، وعلى نصرته لهذا الدين الحنيف من قبل ومن بعد، وجعل من بعد عسر يسرا، وقد أحدث الله بعد ذلك أمرا، وهوّن الأمر الذى ما كان الإسلام يستطيع عليه صبرا، وخوطب الدين بقوله: ولقد مننا عليك مرة أخرى، فالأولى في عصر النبى والصحابة، والأخرى هذه التي عتق بها من ذل الكآبة، وهو قد أصبح حرّا ريّان الكبد الحرّا، والزمان كهيئته استدار، والكفر قد ردّما كان عنده من المستعار، فالحمد لله الذى أعاد الإسلام جديدا ثوبه، مبيضا نصره، مخضرا نصله، متسعا فضله، مجتمعا شمله. والخادم يشرح من نبأ هذا الفتح العظيم والنصر [٢٨٢] الكريم ما يشرح صدور المؤمنين، ويمنح الحبور لكافة المسلمين، ويورد البشرى بما أنعم الله به من يوم الخميس الثالث والعشرين من ربيع الآخر إلى يوم الخميس سلخه، وتلك سبع ليال وثمانية أيام حسوما، سخرها الله على الكفار، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية، وإذا رأيت ثمّ رأيت البلاد على عروشها خاوية (٢)، ورأيتها إلى الإسلام ضاحكة وكانت من الكفر باكية: فيوم الخميس الأول فتحت طبرية.

стр. 546

ويوم الجمعة والسبت نوزل الفرنج فكسروا الكسرة التي ما لهم بعدها قائمة، وأخذ الله أعداءه بأيدى أوليائه، أخذ القرى وهى ظالمة. وفى يوم الخميس الثانى سلخ الشهر فتحت عكا بالأمان، ورفعت أعلام الإيمان، وهى أم البلاد، وأخت إرم ذات العماد. وقد أصدر هذه المطالعة وصليب الصلبوت مأسور، وقلب ملك الكفر الأسير بجيشه المكسور مكسور، والحديد الكافر الذى كان في يد الكفر يضرب وجه الإسلام قد صار حديدا مسلما يعوق خطوات الكفر عن الإقدام، وأنصار الصليب وكباره (١) وكل من العمودية عمدته والدير داره قد أحاطت به يد القبضة، وغلق رهنه فلا يقبل فيه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، وطبرية قد رفعت أعلام الإسلام عليها، ونكصت من عكاملّة (٢) الكفر على عقبيها، وعمرت إلى أن شهدت يوم الإسلام وهو خير يوميها. وقد صارت البيع مساجد يعمرها من آمن بالله واليوم الآخر، وصارت المذابح مواقف لخطباء المنابر (٣)، واهتزت أرضها لموقف المسلم فيها وطالما ارتجت لموقف الكافر. فأما القتلى والأسرى فإنها تزيد على ثلاثين ألفا (٤). وأما فرسان الداويّة والاسبتارية فقد أمضى حكم الله فيهم، وقطعتهم سيوف نار الجحيم، ودخل الداخل منهم إلى الشقاء المقيم، وقتل الابرنس كافر الكفار، ونشيدة (٥) النار من يده في الإسلام كما كانت يد الكليم.

стр. 547

والمعاقل التي فتحت: طبريّة، عكا، الناصرة، صفورية، قيسارية، [٢٨٣]، نابلس، حيفا، معليا، الفولة، الطور، الشقيف، وقلاع بين هذه كثيرة. الملك المظفر تقى الدين - ظفره الله - مضايق لصور و (١) حصن تبنين (١)، والأخ الملك العادل سيف الدين - نصره الله - قد كوتب بالوصول فيمن عنده من العساكر، وينزل في طريقه على غزة وعسقلان، ويجهز مراكب الأسطول المنصور إلى عكا. وما يتأخر النهوض إلى القدس، وهذا أوان فتحه، ولقد دام عليه ليل الظلام، وقد آن أن يسفر فيه الهدى عن صبحه ". ذكر فتح تبنين وصيدا وبيروت وجبيل قد ذكرنا منازلة (٢) الملك المظفر تقى الدين عمر بتبنين، ولما ضايقها ولم يمكنه فتحها كتب إلى عمه السلطان يستدعيه ليتولاها بنفسه، فرحل السلطان من عكا ثامن جمادى الأولى من هذه السنة، ووصل إليها في حادى عشره، فحصرها وضايقها وزحف إليها وهى قلعة منيعة على رأس جبل، فلما اشتد عليهم الحصر راسلوا السلطان يطلبون منه الأمان (٣)، واستمهلوه خمسة أيام لينزلوا بأموالهم، فأمهلوا (٤)، وبذلوا رهائن من مقدميهم، وتقربوا بإطلاق الأسارى من المسلمين

стр. 548

وهم يزيدون على مائة (١) رجل، فكساهم السلطان وسيرهم إلى أهلهم، ولما أخلى الفرنج البلد سيرهم السلطان إلى مأمنهم، ومعهم جماعة من العسكر، فأوصلوهم إلى صور، وتسلمها السلطان يوم الأحد لاثتى عشرة [ليلة] (٢) بقيت من جمادى الأولى، وكان شرط عليهم تسليم العدد والدواب والخزائن [ففعلوا ذلك] (٢). ولما فرغ من تبنين سار إلى صيدا، واجتاز في طريقه بصرفند، فأخذها بغير قتال، ثم سار إلى صيدا، فلما علم صاحبها مسيره إليها، سار عنها وتركها فارغة من غير ممانع ولا مدافع، وجاءت رسل صاحبها بمفاتيحها إلى السلطان، وطلعت أعلامه الصفر (٣) على سورها (٤)، وكان تسلمه لها لتسع بقين من جمادى الأولى. ثم سار السلطان إلى بيروت، فوصلها من الغد، فضايقها وحاصرها ثمانية أيام، ثم طلبوا الأمان وأمنهم، وتسلمها يوم الخميس التاسع والعشرين من جمادى الأولى. وذكر ابن الأثير: أن السلطان لما نازلها اغتر أهلها [٢٨٤] بحصانة البلد وقوته، فمانعوا وقاتلوا، وزحف المسلمون إليها مرة بعد أخرى، وبينما الفرنج على السور يقاتلون إذ سمعوا من البلد جلبة عظيمة، وغلبة زائدة، فأتاهم من خبرهم أن البلد قد دخله المسلمون من الناحية الأخرى قهرا وغلبة، فأرسلوا يسألون ما الخبر،

стр. 549

وإذا ليس له صحة، وأرادوا تسكين من به، فلم يمكنهم ذلك لكثرة من اجتمع فيه من السواد، فلما خافوا على أنفسهم من الاختلاف راسلوا في طلب الأمان على أموالهم وأنفسهم، فأجيبوا [إلى ذلك] (١). وكان صاحب جبيل من جملة الأسرى الذين سيروا إلى دمشق مع ملكهم، فتحدث مع نائب السلطان بدمشق في تسليم جبيل على شرط إطلاقه، فعرف السلطان ذلك،، فأحضر إليه مقيدا تحت الاستظهار، والعسكر (٢) إذ ذاك على بيروت (٢)، فسلم حصنه، وأطلق أسرى المسلمين الذين به، وأطلقه السلطان كما شرط له، [وتسلمت بيروت بالأمان] (٣) فانتظمت هذه البلاد كلها للمسلمين، وخلص من بها من الأسر. وذكر عماد الدين الأصفهانى ﵀: أنه خلص في هذه السنة من الأسرى (٤) أكثر من عشرين (٥) ألف أسير، ووقع في الأسر من الكفار مائة ألف أسير. ذكر خروج المركيس إلى صور لما انهزم القومص صاحب طرابلس من الوقعة - كما ذكرنا - سار أولا إلى مدينة صور، وهى من أقوى بلاد الساحل وأشدها حصانة، فلما ملك

стр. 550

السلطان تبنين وصيدا وبيروت خاف أن يقصد السلطان صور فيأخذها، لأنها فارغة ليس فيها من يقاتل ولا يقوى على حفظها، فسار إلى مدينة طرابلس، وهلك فيها - كما ذكرنا -، وكان - كما قيل -: " راح يبغى نجوة من هلاك فهلك ". وكان المركيس من أكبر طواغيت الكفر، وأغوى شياطينهم، داهية خبيثا، فخرج في هذه السنة من داخل البحر بمال كثير للزيارة (١)، ولم يشعر بما جرى على الفرنج، فأرسى بعكا، وظن أنها لهم، فلم يربها شيئا من عوائد الفرنج عند وصول المراكب من الفرح (٢)، وضرب الأجراس وغير ذلك، فأنكر ما رأى من زى أهل البلد، فوقف ولم يدر ما الخبر، وكانت الريح قد ركدت، فأرسل الملك الأفضل نور الدين - وهو صاحب عكا - بعض أصحابه [٢٨٥] في سفينة يبصر ما هو ومن هو وما يريد، فأتاه القاصد، فسأله المركيس عن الأخبار، فأخبره بكسر الفرنج، وأخذ عكا وغيرها، وأعلمه أن صور بيد الفرنج وعسقلان وغيرها، وحكى الأمر على جليته، فلم يمكنه الحركة لركود الريح، فأخذ في المخادعة، ورد الرسول يطلب الأمان ليدخل البلد بما معه من متاع ومال، فأجيب إلى ذلك، فرده مرارا كل مرة يطلب شيئا لم يطلبه في المرة الأولى، وهو يفعل ذلك انتظارا لهبوب الهواء ليسير به، فبينما هو في مراجعاته إذ هبت الريح، فسار نحو صور. وسير الملك الأفضل الثوانى (٣) في طلبه فلم يدركوه، فأتى صور وقد اجتمع بها من الفرنج خلق كثير، لأن السلطان [كان] كلما فتح مدينة أعطى أهلها الأمان، فساروا كلهم إلى صور وكثر الجمع بها، إلا أنهم ليس لهم رأس

стр. 551

يجمعهم ولا مقدم يقاتل بهم، وكانوا عازمين على مكاتبة السلطان وطلب الأمان منه، وتسليم البلد إليه، فأتاهم المركيس وهم على ذلك العزم، فردهم عنه، وقوّى نفوسهم، وضمن لهم حفظ البلد، وبذل ما معه من الأموال، وشرط عليهم أن تكون المدينة وأعمالها له دون غيره، فأجابوه إلى ذلك، وأخذ أيمانهم عليه، فأقام عندهم ودبر أحوالهم، وشرع في تحصين البلد، وتجديد حفر الخنادق له، وبنى الأسوار وحصنها. ذكر فتح عسقلان وبلادها ولما فرغ السلطان من صيدا سار إلى عسقلان، وكانت عنده أهم من غيرها، (١) لأنها على طريق الديار المصرية، فإذا أخذت أمنت الطريق واتصلت القوافل (١)، فتسلم قبلها في طريقه الرملة، وتبنين، وبيت لحم، والخليل، واجتمع بأخيه الملك العادل سيف الدين ومن معه من العساكر المصرية، ونازل عسقلان يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخر من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة -. وكان السلطان قد أحضر ملك الفرنج ومقدم الداويّة إليه من دمشق، وقال لهما: " إن سلمتما البلاد إلىّ فلكما الأمان "؛ فأرسلا إلى من بعسقلان من الفرنج يأمرونهم بتسليم البلد، فلم يسمعوا أمرهما، وردوا عليهما أقبح رد، وجبهوهما [٢٨٦] بما يسوءهما، فلما رأى السلطان ذلك جد في قتال المدينة، ونصب المنجنيقات عليها، وزحف مرة بعد أخرى، وتقدم النقابون إلى السور، فنالوا من باشورته (٢) شيئا.

стр. 552

هذا وملكهم يكرر المراسلات إليهم بالتسليم، ويشير عليهم، ويعدهم أنه إذا أطلق أضرم البلاد على المسلمين نارا، واستنجد بالفرنج من البحر، وأجلب الخيل والرجل عليهم من أقاصى بلاد الفرنج وأدانيها، وهم لا يجيبون إلى ما يقول، ولا يسمعون ما يشير به، ولما رأوا أنهم لا يزدادون كل يوم إلا ضعفا ووهنا، وإذا قتل الرجل لا يجدون له عوضا، ولا لهم نجدة ينتظرونها، راسلوا ملكهم المأسور في تسليم البلد على شروط اقترحوها، فأجابهم السلطان إليها، وكانوا قتلوا في الحصار الأمير حسام الدين إبراهيم بن حسين المهرانى، فخافوا عند مفارقة البلد أن تقتلهم عشيرته، فاحتاطوا فيما شرطوا لأنفسهم، فأجيبوا إلى ذلك جميعه، وسلموا البلد في سلخ جمادى الآخرة، وكانت مدة مقام الحصار أربعة عشر يوما، وسيرهم السلطان ونساءهم وأولادهم إلى البيت المقدس. ذكر فتح غزة وما معها من الحصون وما برح السلطان مقيما بظاهر عسقلان حتى تسلم حصون الداويّة، وهى: غزة والنطرون، وبيت جبريل. وكانت مدة مقام عسقلان بيد الفرنج خمسا وثلاثين سنة فإن الفرنج ملكوها من المصريين لثلاث بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. ووصل إلى السلطان وهو نازل بظاهر عسقلان ولده الملك العزيز عماد الدين عثمان، فقرت عينه به. وكان السلطان قد استدعى من مصر الأساطيل المنصورة.

стр. 553

وقال العماد: " فجاءت كالفتح بالفلك المواخر، وجاءت كأنها أمواج تلاطم أمواجا، وأفواج تزاحم أفواجا، تدب على البحر عقاربها، وتخب كقطع الليل سحائبها، والحاجب لؤلؤ مقدمها ومقدامها، وضرغام غايتها وهمامها، فطفق يكسر ويكسب، ويسل ويسلب، ويقطع الطريق على سفن العدو ومراكبه، ويقف له في جزاير البحر على مذاهبه ". [٢٧٣] ذكر فتح بيت المقدس وحين خلا سر السلطان من فتح عسقلان وما حولها، ووصل الأسطول، سار متوجها إلى البيت المقدس وبه البترك المعظم (١)، وهو عندهم أعظم شأنا من ملكهم، وبه أيضا بليان (٢) بن بارزان - صاحب الرملة -، ومرتبته عندهم تقارب مرتبة الملك، وبه أيضا من خلص من فرسانهم من حطين [وغيرها] (٣) وقد جمعوا وحشدوا، واجتمع أهل عسقلان ونواحيها إليهم [وهم] (٣) يرون أن الموت أيسر عليهم من أن يملك المسلمون عليهم البيت المقدس، إذ هو بيت معبودهم، ومحل تجسد (٤) ناسوتهم، - كما زعموا - بلاهوتهم، وفيه قمامة التي يدعونها القيامة، ومحل ضلالتهم، وقبلة جهالتهم، وفيها زعموا أن المسيح [﵇] (٣) دفن بعد الصلب، وقام بعد ثلاث (٥)

стр. 554

من القبر، وصعد إلى السماء، فهم يعتقدون أن بذل الأنفس والأموال والأولاد بعض ما يجب عليهم في حفظه والذبّ عنه، فحصنوه في تلك الأيام بكل ممكن، ونصبوا المنجنيق على السور ليمنعوا ممن يريد النزول عليه والدنو منه. ولما قرب السلطان منه تقدم الأمير جمال الدين شروين بن حسن الزرزارى في جماعة من أصحابه، غير محتاط ولا حذر، فلقيه جماعة من الفرنج قد خرجوا من القدس ليكونوا يزكا (١)، فقتلوه وقتلوا جماعة ممن معه، فأهم المسلمين فقده، وفجعوا بقتله. وسار السلطان في عساكر المسلمين حتى نزل على القدس يوم الأحد خامس عشر رجب، ونزل بالجانب الغربى، وكان مشحونا بالمقاتلة من الخيالة والرجالة، لقد تحاذر [كذا] أهل الخبرة عدة من كان فيه من المقاتلة، بما يزيد على ستين ألفا ما عدا النساء والصبيان. وبقى السلطان خمسة أيام يطوف حول البلد، لينظر من أين يقاتله، لأنه في غاية الحصانة والامتناع، فلم يجد عليه موضع قتال إلا من جهة الشمال نحو [باب عمود أو كنيسة صهيون] (٢)، فانتقل إلى هذه الناحية يوم الجمعة لعشر بقين من رجب، ونصب عليها المنجنيقات، وأصبح العدو وقد فرغ من نصبها، ورمى بها؛ ونصب العدو على سور البلد منجنيقات ورموا بها، وتقاتل الفريقان أشد قتال رآه الناس، وكل [٢٨٨] منهم يراه فرضا واجبا في دينه، لا يحتاج فيه إلى باعث سلطانى، بل كانوا يمنعون فلا يمتنعون ويزجرون فلا ينزجرون. وكانت خيالة (٣) الفرنج يخرجون كل يوم إلى ظاهر البلد فيقاتلون ويبارزون، فيقتل من الفريقين جماعة، فممن استشهد من المسلمين على القدس الأمير

стр. 555

عز الدين عيسى بن شهاب الدين بن مالك العقيلى، الذى كان أبوه صاحب قلعة جعبر، وكان يصطلى القتال بنفسه كل يوم، فلما رأى المسلمون مصرعه عظم عليهم، وحملوا حملة رجل واحد، فأزالوا الفرنج عن مواقفهم، وأدخلوهم بلدهم، ووصل المسلمون إلى الخندق، فجاوزوه والتصقوا بالسور فنقبوه، وزحف الرماة يرمونهم، والمجانيق توالى الرمى، ليكشف العدو عن السور، ليتمكن المسلمون من النقب، فلما نقبوه حشوه [بالأخشاب] (١) ولما رأى الفرنج شدة قتال المسلمين، وتحكم المنجنيقات في السور، وتمكن النقابين من النقب، وأنهم قد أشرفوا على الهلاك، اجتمعوا يتشاورون فيما يأتون ويذرون (٢)، فاتفق رأيهم على طلب الأمان، وتسليم القدس للسلطان، فأرسلوا جماعة من كبرائهم في طلب الأمان وتسليم القدس للسلطان، وامتنع السلطان من إجابتهم للأمان وقال: " لا أفعل إلا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه [من المسلمين] (٣) سنة إحدى وتسعين وأربعمائة من القتل والسبى، وجزاء السيئة بمثلها (٤) ". فلما رجع الرسل خائبين محرومين أرسل باليان بن بارزان يطلب الأمان لنفسه، ليحضر عند السلطان في هذا الأمر وتحريره، فأجيب إلى ذلك، وحضر ورغب في الأمان، وسأل فيه فلم يجبه إلى ذلك، فاستعطفه فلم يعطف عليه، واسترحمه فلم يرحمه، فقال له:

стр. 556

" أيها الملك: اعلم أننا في هذه المدينة في خلق كثير لا يعلمهم (١) إلا الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان ظنا منهم أنك تجيبهم إليه، كما أجبت غيرهم، وهم يكرهون الموت، ويرغبون في الحياة، فإذا رأينا الموت لابد منه فوالله لنقتلن أبناءنا ونساءنا، ونحرق ما نملكه من أموالنا وأمتعتنا، ولا نترككم تغنمون منا دينارا ولا درهما، ولا تأسرون رجلا ولا امرأة، فإذا فرغنا من ذلك كله أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى، وغيرهما من المواضع الشريفة، [٢٨٩] ثم نقتل من عندنا من أسرى المسلمين، وهم خمسة (٢) آلاف أسير، ولا نترك لنا دابة ولا حيوانا إلا قتلناه، ثم خرجنا إليكم، وقاتلنا قتال من يريد أن يحمى دمه ونفسه، وحينئذ لا يقتل الرجل حتى يقتل أمثاله، ونموت عزاء ونظفر كراما (٣) ". فاستشار السلطان أصحابه، فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان، وأن لا يخرجوا وبحملوا على ما لا ندرى عاقبة الأمر فيه، وعن أي شىء ينجلى الأمر، وقالوا: " نحسب أنهم أسارى بأيدينا، فنبيعهم نفوسهم بما يستقر بيننا وبينهم ". فأجاب السلطان إلى بذل الأمان للفرنج، واشترط: أن يزن كل رجل عشرة دنانير، يستوى فيها الغنى والفقير، وتزن المرأة خمسة دنانير، ويزن الطفل من الذكور والإناث دينارين، فمن أدّى ذلك إلى أربعين يوما نجا، ومن انقضت الأربعون يوما ولم يؤد ما عليه فقد صار مملوكا. فبذل الملك باليان بن بارزان عن الفقراء ثلاثين ألف دينار، فأجيب إلى ذلك.

стр. 557

وسلمت المدينة يوم الجمعة لثلاث بقين من رجب من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - وكان ذلك اليوم مشهودا، ورفعت الأعلام الإسلامية على الأسوار، ورتب السلطان على كل باب من أبواب البلد أمينا من الأمراء، ليأخذوا من أهله ما استقر عليهم، فاستعملوا الخيانة، ولم يؤدوا الأمانة، واقتسم الأمناء الأموال، وتفرقت أيدى [سبا] (١)، ولو أديت فيها الأمانة، لملأت الخزائن، فإنه كان فيه ستون ألفا، ما بين فارس وراجل، سوى ما يتبعهم من النساء والولدان والأطفال، وأطلق باليان بن بارزان ثمانية عشر ألف [رجل] (٢)، ووزن عنهم ثلاثين ألف دينار، وبقى بعد هذا كله من لم يكن معه ما يعطى وأخذ أسيرا ستة عشر (٣) ألف آدمى ما بين رجل وامرأة وصبى، وهذا بالضبط اليقين. ثم إن كل واحد من الأمراء وأصحاب الأطراف ادعى أن جماعة من رعية إقطاعه مقيمون بالقدس، فكان يطلقهم ويأخذ منهم القطيعة، كمظفر الدين بن زين الدين، ادعى أن جماعة من أهل الرّها بالقدس، وعدتهم ألف نفس؛ وكذا صاحب البيرة، ادعى أن فيه جماعة من أهل بلده من الأرمن، وعدتهم خمسمائه نفس. وكان جماعة من الأمراء يلبسون الفرنج زىّ الجند [٢٩٠] من المسلمين ويخرجونهم ويأخذون منهم قطيعة قرروها، واستوهب جماعة من السلطان عددا من الفرنج، فوهبهم لهم، فأخذوا قطيعتهم.

стр. 558

وكان في القدس بعض نساء ملوك الروم وقد ترهبت وأقامت به، ومعها من الحشم والعبيد والجوارى خلق كثير، ولها من الأموال والجواهر النقيسة شىء عظيم، فطلبت الأمان لنفسها ولمن معها، فأمنها وسيرها. وكذلك خرجت زوجة الملك المأسور [كى] (١) وهى ابنة الملك أمارى، وكانت مقيمة بالقدس مع مالها من الخدم والخول (٢) والجوارى، فاستأذنت السلطان في الاجتماع بزوجها، وكان مقيما في برج نابلس، موكلابه، فأذن لها في ذلك، فتوجهت إليه وأقامت عنده (٣). وأتت أيضا امرأة الابرنس أرناط - صاحب الكرك - الذى قتله السلطان بيده يوم حطّين، فشفعت في ولد لها مأسور، فقال لها السلطان: " إن سلمت الكرك أطلقته "؛ فسارت إلى الكرك، فلم يسمع منها الفرنج الذين فيه، ولم يسلموه، فلم يطلق ولدها، لكنه أطلق مالها ومن يتبعها. وخرج البطرك الكبير الذى للفرنج، ومعه من أموال البيع - منها الصخرة والأقصى وقمامة - مالا يعلمه إلا الله تعالى، وكان له من المال مثل ذلك، فلم يعرض له السلطان، فقيل له: " خذ ما معه لتقوى به المسلمين " فقال: " لا أغدر به "؛ ولم يأخذ منه غير عشرة (٤) دنانير، وسيّر الجميع ومعهم من يحميهم إلى مدينة صور.

стр. 559

وكان على رأس قبة الصخرة صليب كبير (١) من ذهب، فلما دخل المسلمون البلد يوم الجمعة تسلق جماعة منهم إلى أعلا القبة ليقتلعوا الصليب، فحين صعدوا نظر المسلمون إليهم والأفرنج لينظروا ماذا يصنعون، فلما قلعوه وسقط، صاح الناس كلهم صوتا واحدا، من البلد ومن ظاهره، المسلمون والفرنج، أما المسلمون فكبّروا فرحا، وأما الفرنج فصاحوا توجعا وتفجعا، فسمع الناس صيحة كادت الأرض تميد بهم لعظمها وشدتها، ولم يتأت صلاة الجمعة يوم الفتح، وضاق الوقت [٢٩١] لأدائها. وكان المسجد الأقصى - لاسيما (٢) محرابه - مشغولا بالخنازير والخبث، وما أحدثوه من الأبنية؛ فإن الداويّة بنوا غربى الأقصى أبنية ليسكنوها، وعملوا فيها ما يحتاجون إليه من هرى (٣) ومستراح، وغير ذلك، وأدخلوا بعض الأقصى في أبنيتهم، وبنوا في وجه المحراب جدارا، وتركوه هريا للغلة، وقيل اتخذوه مستراحا عنادا للإسلام وبغيا، فأمر السلطان بإزالة ما أحدثوه من البنيان، وكشف الجدار الساتر للمحراب، وتنظيفه وما حوله من الأقذار والنجاسات، ونصب المنبر لإقامة الخطبة الإسلامية، ونقض ما أحدثوه بين (٤) السوارى، وبسط صحن الجامع بالبسط النفيسة بدل الحصر والبوارى، وتعليق القناديل وإقامة شعار الدين.

стр. 560

ذكر أول خطبة خطب بها ببيت المقدس بعد الفتح ولما كان يوم الجمعة التالية لجمعة الفتح، وهو الرابع من شعبان، حضر المسلمون الحرم الشريف، فغصّ بالزحام، فإنه من حين (١) تسامع الناس به في سائر الأطراف، وكسر العدو، والقصد إلى فتح بيت المقدس، توافى الناس من كل صقع، وجاءوا من كل فج، ليفوزوا بالزيارة ويحظوا بالمشاهدة للفتح، فاجتمع من أهل (٢) الإسلام عدد عظيم لا يقع عليهم الإحصاء، فلما أذّن الظهر من يوم هذه الجمعة المباركة حضر السلطان بقبة الصخرة المقدسة وهو في غاية السرور والفرح، إذ جعله الله تعالى في هذا الفتح ثانيا لعمر بن الخطاب - رضى الله عنه - الفاتح الأول وميّزه بهده المنقبة دون سائر الملوك من ملوك الإسلام (٣). وامتلأت عراص المسجد وصحونه بالخلائق، واستعبرت العيون من شدة الفرح، وخشعت الأصوات، ووجلت القلوب، وكان جماعة من الأكابر والعلماء قد رشحوا أنفسهم للخطبة في هذا المسجد المعظم، وأخذوا لذلك أهبته وألّفوا ما يخطبون به، ومنهم من عرض للسلطان يطلب ذلك، ومنهم من صرح، والسلطان ساكت لا يبدى سره، فلما حان وقت الخطبة نصّ على القاضى محيى الدين بن زكى الدين،

стр. 561

وقدمه لهذا الأمر الجليل، فرقى (١) المنبر بالأهبة السوداء العباسية، وخطب خطبة بديعة بليغة، هى: [٢٩٢] ﴿" فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ "﴾ (٢). " الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين " (٣). ﴿" الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ (٤)﴾ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ " (٥). ﴿" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً (٤)﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً " (٦). " الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب (٤) ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " (٧).

стр. 562

﴿" قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ ". " الحمد لله الذى له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور " (٢). ﴿" الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً "﴾ (٣). الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذى قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع؛ والحاكم بما يريد فلا يدافع. أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه.

стр. 563

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دافع الشرك، وداحض الإفك، الذى أسرى بعبده ليلا (١) من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرّج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى. صلى الله عليه وعلى خليفته أبى بكر الصديق، السابق إلى الإيمان؛ وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان؛ وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذى النورين جامع القرآن؛ وعلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب، مزلزل الشرك ومكسر الأوثان؛ وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. أيها الناس: أبشروا برضوان الله الذى هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم [٢٩٣] من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدى المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذى أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه، بعد أن امتد عليها رواقه (٢) واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بنى عليه، وإنه أسس بالتقوى من خلفه ومن بين يديه، وهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد ﵉، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومقر الرسل، ومهبط الوحى، ومنزل تنزل الأمر والنهى، وهو في أرض المحشر، وصعيد المنشر (٣)، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين،

стр. 564

وهو المسجد الذى صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين، وهو البلد الذى بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى، الذى شرّفه الله برسالته، وكرّمه بنبوته (١)، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته (١)، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣). وهو أول القبلتين، وثانى المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار (٤)، فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية، والعزمات الصديقية، والفتوح (٥) العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات (٦) الخالدية. فجزاكم الله عن محمد نبيه أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منا ومنكم ما تقربتم به إليه من مهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهى دار السعداء، فاقدروا - رحمكم الله - هذه النعمة [٢٩٤]

стр. 565

حقّ قدرها، وقوموا لله بواجب شكرها، فله النعمة (١) عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذى فتحت له أبواب السماء، وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرّبه عينا (٢) الأنبياء والمرسلون، فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذى يفتح عليه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذى يقوم بسيوفهم بعد فترة من الرسل (٣) أعلام الإيمان، فيوشك أن تكون التهانى به بين أهل الخضراء أكثر (٤) من التهانى به بين أهل الغبراء. أليس هو البيت الذى ذكره الله في كتابه، ونصّ عليه في خطابه؟ فقال تعالى: ﴿" سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى "﴾ (٥) أليس هو البيت الذى عظمته الملوك، وأثنت عليه الرسل، وتليت فيه الكتب الأربعة من إلهكم ؟ أليس هو البيت الذى أمسك الله فيه الشمس على يوشع لأجله أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب؟ أليس هو البيت الذى أمر الله [تعالى] موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب عليهم من أجله، وألقاهم في التيه عقوبة العصيان؟
следующие страницы →