وقدمه لهذا الأمر الجليل، فرقى (١) المنبر بالأهبة السوداء العباسية، وخطب خطبة بديعة بليغة، هى:
[٢٩٢] ﴿" فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ "﴾ (٢).
" الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين " (٣).
﴿" الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ (٤)﴾ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ " (٥).
﴿" وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً (٤)﴾ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً " (٦).
" الحمد لله الذى أنزل على عبده الكتاب (٤) ولم يجعل له عوجا، قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا، ماكثين فيه أبدا، وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا " (٧).
стр. 562
﴿" قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى آللهُ خَيْرٌ أَمّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ ".
" الحمد لله الذى له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور " (٢).
﴿" الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً "﴾ (٣).
الحمد لله معز الإسلام بنصره ومذل الشرك بقهره، ومصرف الأمور بأمره ومديم النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذى قدر الأيام دولا بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض على عباده من ظله، وأظهر دينه على الدين كله، القاهر فوق عباده فلا يمانع، والظاهر على خليقته فلا ينازع، والآمر بما يشاء فلا يراجع؛ والحاكم بما يريد فلا يدافع.
أحمده على إظفاره وإظهاره، وإعزازه لأوليائه ونصره لأنصاره، وتطهير بيته المقدس من أدناس الشرك وأوضاره، حمد من استشعر الحمد باطن سره وظاهر جهاده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، شهادة من طهر بالتوحيد قلبه، وأرضى به ربه.
стр. 563
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دافع الشرك، وداحض الإفك، الذى أسرى بعبده ليلا (١) من المسجد الحرام إلى هذا المسجد الأقصى، وعرّج به منه إلى السموات العلى، إلى سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، ما زاغ البصر وما طغى.
صلى الله عليه وعلى خليفته أبى بكر الصديق، السابق إلى الإيمان؛ وعلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان؛ وعلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان ذى النورين جامع القرآن؛ وعلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب، مزلزل الشرك ومكسر الأوثان؛ وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
أيها الناس: أبشروا برضوان الله الذى هو الغاية القصوى، والدرجة العليا، لما يسّره الله على أيديكم [٢٩٣] من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة، وردها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدى المشركين قريبا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذى أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه، بعد أن امتد عليها رواقه (٢) واستقر فيها رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بنى عليه، وإنه أسس بالتقوى من خلفه ومن بين يديه، وهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعراج نبيكم محمد ﵉، وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومقر الرسل، ومهبط الوحى، ومنزل تنزل الأمر والنهى، وهو في أرض المحشر، وصعيد المنشر (٣)، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين،
стр. 564
وهو المسجد الذى صلى فيه رسول الله ﷺ بالملائكة المقربين، وهو البلد الذى بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلى مريم وروحه عيسى، الذى شرّفه الله برسالته، وكرّمه بنبوته (١)، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته (١)، فقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ﴾ (٢) وقال:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ (٣).
وهو أول القبلتين، وثانى المسجدين، وثالث الحرمين، لا تشد الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه، ولولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مجار، ولا يباريكم في شرفها مبار (٤)، فطوبى لكم من جيش ظهرت على أيديكم المعجزات النبوية، والوقعات البدرية، والعزمات الصديقية، والفتوح (٥) العمرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات (٦) الخالدية.
فجزاكم الله عن محمد نبيه أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مهجكم في مقارعة الأعداء، وتقبل منا ومنكم ما تقربتم به إليه من مهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهى دار السعداء، فاقدروا - رحمكم الله - هذه النعمة [٢٩٤]
стр. 565
حقّ قدرها، وقوموا لله بواجب شكرها، فله النعمة (١) عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذى فتحت له أبواب السماء، وتبلجت بأنواره وجوه الظلماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرّبه عينا (٢) الأنبياء والمرسلون، فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذى يفتح عليه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذى يقوم بسيوفهم بعد فترة من الرسل (٣) أعلام الإيمان، فيوشك أن تكون التهانى به بين أهل الخضراء أكثر (٤) من التهانى به بين أهل الغبراء.
أليس هو البيت الذى ذكره الله في كتابه، ونصّ عليه في خطابه؟ فقال تعالى: ﴿" سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى "﴾ (٥)
أليس هو البيت الذى عظمته الملوك، وأثنت عليه الرسل، وتليت فيه الكتب الأربعة من إلهكم ؟
أليس هو البيت الذى أمسك الله فيه الشمس على يوشع لأجله أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقرب؟
أليس هو البيت الذى أمر الله [تعالى] موسى أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب عليهم من أجله، وألقاهم في التيه عقوبة العصيان؟
стр. 566
فاحمدوا لله الذى أمضى عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل وقد فضلهم (١) على العالمين، ووفقكم لما خذل عنه أمم ممن كان قبلكم من الأمم الماضية، وجمع كلمتكم وكانت شتى، وأغناكم بما أمضته كان وقد عن سوف وحتى
فلينهكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودا لأهويتكم جنده، وشكر لكم الملائكة المنزلون على ما أهديتم إلى هذا البيت من طيب التوحيد، ونشر التقديس والتحميد (٢)، وما أمطتم فيه عن طرقهم من أذى الشرك والتثليث، والاعتقاد الفاسد الخبيث، فهو (٣) الآن يستغفر (٤) لكم أملاك السموات، ويصلى (٤) عليكم الصلوات المباركات.
فاحفظوا - رحمكم الله - هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم بتقوى الله التي من تمسك بها سلم، ومن اعتصم بعروتها نجا وعصم، واحذروا من اتباع [٢٩٥] الهوى، ومواقف (٥) الردى، ورجوع القهقرى، والنكول عن العدى، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقى من الغصة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا أنفسكم عباد الله في رضاه إذ (٦) جعلكم من عباده (٧)، وإياكم أن
стр. 567
يستذلكم الشيطان، وأن يتداخلكم الطغيان، فيخيل إليكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وبخيولكم الجياد، وبجلادكم في موضع الجلاد، والله ما النصر إلا من عند الله، [إن الله عزيز حكيم] (١).
واحذروا - عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل، والمنح الجزيل، وخصكم بهذا النصر المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين، أن تقترفوا كثيرا من مناهيه، وأن تأتوا عظيما من معاصيه، فتكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، والذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين، والجهاد الجهاد، فهو أفضل عباداتكم وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم، جدوا (٢) في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء، وتطهير بقية الأرض التي أغضبت الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام بالثارات الإسلامية والملة المحمدية.
الله أكبر، فتح الله ونصر، وغلب الله وقهر، وأذل الله من كفر.
واعلموا - رحمكم الله - أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، ومهمة فأخرجوا إليها هممكم وأبرزوها، وسيروا (٣) إليها سرايا عزماتكم وجهزوها، فالأمور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول وهم مثلكم أو دون، فكيف وقد أضحى في قبالة الواحد منهم منكم عشرون، وقد قال تعالى: ﴿" إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ "﴾ (٤)
стр. 568
أعاننا الله وإياكم على اتباع أوامره والازدجار بزواجره، وأيدنا معشر المسلمين بنصر من عنده، ﴿" إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ، وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ "﴾ (١).
ثم أتم الخطبة الأولى وجلس.
ثم قام وخطب الثانية كما جرت العادة:
[٢٩٦] ثم دعا للخليفة الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين، ثم قال:
" اللهم وأدم سلطان عبدك الخاضع لهيبتك، الشاكر لنعمتك، المعترف بموهبتك، سيفك القاطع، وشهابك اللامع، والمحامى عن دينك الدافع، والذابّ عن حرمك [وحرم رسولك] (٢) الممانع، السيد الأجل (٣) الملك الناصر جامع كلمة الإيمان، وقامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، مطهر البيت المقدس، أبى المظفر يوسف [صلاح الدين] بن أيوب، محيى دولة أمير المؤمنين.
اللهم عمّ بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفى جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه.
اللهم أبق للإسلام مهجته، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته.
اللهم فكما فتحت على يديه البيت المقدس، بعد أن ظنت [به] الظنون، وابتلى المؤمنون، فافتح على يديه دانى الأرض وقواصيها، وملكه صياصى الكفر
стр. 569
وتوصيها؟؟؟، فلا تلقى؟؟؟ منهم كتيبه إلا مرفها ولا جماعة؟؟؟ ولا فرقها؟؟؟ (١)، (٢) ولا طائفة بعد طائفة (٣) إلا ألحفها؟؟؟ بمن؟؟؟ سبقها.
اللهم اشكر عن محمد ﷺ سعيه، وأنفد في المشارق والمغارب أمره ونهيه، وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها وأرجاء الممالك وأكنافها.
اللهم ذلل به معاطس (٤) الكفار، وأرغم به أنوف الفجار، وانشر ذوائب ملكه على الأمصار، واثبت سرايا جنوده في سبيل الأقطار.
اللهم ثبت الملك فيه وفى عقبه إلى يوم الدين، واحفظه في بنيه وبنى أبيه الملوك الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقص باعزاز أوليائه وأوليائهم.
اللهم فكما أجريت على يده في الإسلام (٥) هذه الحسنة التي تبقى على الأيام، وتتخلد على مرور الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدى الذى لا ينفد في دار المتقين، وأجب دعوته ودعاءه في قوله: ﴿" رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ، وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ، وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ [٢٩٧] فِي عِبادِكَ الصّالِحِينَ "﴾ (٦).
ثم دعا بما جرت به العادة، ونزل وصلى بالناس صلاة الجمعة.
стр. 570
ولما قضيت الصلاة نصب سرير الوعظ [وتقدم السلطان صلاح الدين إلى زين الدين الواعظ] (١)، فجلس وذكر الفتح، وفضائل الأرض المقدسة، والصخرة وما ورد فيها من الأخبار والآثار، فجلب بعبارته العبرات، وشار (٢) العسل بمعسول الإشارات.
ثم خطب محيى الدين بالبيت المقدس بعد هذه الخطبة ثلاث خطب كلها من إنشائه.
ذكر نقل المنبر
الذى أنشأه نور الدين ﵀ إلى البيت المقدس
لما فتح السلطان القدس أمر بعمارة المحراب الغربى (٣) القديم وترخيمه، ووضع منبر رسمى ليقام عليه الفرض، واحتيج بعد ذلك إلى منبر حسن فائق لائق بذلك المكان، وكان نور الدين محمود ﵀ قد أنشأ منبرا برسم الأقصى قبل فتح القدس بنيف وعشرين سنة، لأنه ﵀ كانت أطماعه متعلقة بفتح القدس، وأمانيه لم تزل تحدث به، وكان بحلب رجل نجار يقال له " الأخترينى " من ضيعة تعرف بأخترين، لم يكن له نظير في صناعته، فأمره نور الدين بعمل منبر لبيت المقدس، فقال له: " اجتهد أن تأتى به على أحسن نعت يمكن، وأحكمه "، فجمع الصناع، وبالغ في إتقانه وصنعته، وأتمه في سنتين، ثم اتفق أن جامع حلب في الأيام النورية أحرق واحتيج
стр. 571
إلى منبر، فنصب ذلك المنبر، وتولى ذلك النجار عمل محراب حلب مشابها للمنبر في الرسم، ومن رأى الآن محراب حلب، شاهد (١) فيه مثال المنبر المقدسى.
فلما منّ (٢) الله سبحانه على السلطان الملك الناصر بفتح بيت المقدس تقدم بحمل المنبر من حلب، فحمل ونصب بالمسجد الأقصى، وهو الآن منصوب.
ثم أمر صلاح الدين فعمل لجامع حلب منبر شبه المحراب والمنبر الذى في القدس، فكان كما أراد (٣).
ذكر ما أزاله السلطان [صلاح الدين]
من آثار الشرك بالبيت المقدس
وكان الفرنج قد بنوا على الصخرة المقدسة كنيسة، وستروها بالأبنية، وغيّروا أوضاعها، وملؤوها بالصور، وندبوا في ترخيمها أشباه الخنازير، ونصبوا عليها مذبحا، وعينوا بها مواضع للرهبان، ومحط الإنجيل، وأفردوا فيها لموضع القدم قبة صغيرة مذهبة بأعمدة الرخام؛ فأمر السلطان بمحو تلك الآثار كلها، وأزال عن الصخرة تلك الأبنية، فأبرزها للعيون، ولم يكن يظهر منها قبل الفتح إلا قطعة منها، وكان الفرنج قد قطعوا [٢٩٨] منها قطعا وحملوا منها إلى قسطنطينية (٤)، ونقلوا منها إلى جزيرة صقلية، وقيل كانوا يبيعونها بوزنها ذهبا، وقيل إن بعض ملوكهم تقدم بستر الصخرة إشفاقا عليها من القطع، فتولى إصلاحها والقيام بأمرها الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى، وأدار عليها شبابيك من حديد.
стр. 572
وأحضر الملك المظفر تقى الدين ﵀[إلى] (١) قبة الصخرة أحمالا من ماء الورد وتولى بيده كنس ساحاتها وعراصها، ثم غسلها بالماء مرارا حتى تطهرت، ثم أفاض عليها ماء الورد، ثم طهّر حيطانها، وغسل جدرانها، ثم بخرها (٢) بمجامر الطيب، وفرق مالا كثيرا على الفقراء.
وجاء الملك الأفضل ﵀ ببسط نفيسه (٣)، ففرشها فيها.
ورتب السلطان في الجامع الأقصى من يقوم بوظائف الخطبة والإمامة، ورتب في قبة الصخرة إماما حسنا، ووقف عليها (٤) دارا وأرضا وبستانا، وحمل إليها وإلى المحراب والمسجد الأقصى مصاحف وختمات وربعات منصوبة على الكراسى، ورتب القومة والمؤذنين، وجدّد بهما شعار الدين.
ثم عين كنيسة صندحنّه (٥) مدرسة للفقهاء الشافعية، ووقف عليها وقوفا جليلة، وعيّن دار البطرك (٦) رباطا للفقراء
وكان لأمراء (٧) الأفرنج ومقدمبهم مقابر مجاورة للصخرة وباب الرحمة [و] (٨) قباب معمورة فأزالها ومحا آثارها.
стр. 573
وأمر باغلاق كنيسة قمامة، وحرم على النصارى زيارتها. وشاور أصحابه فيما يعتمده في أمرها، فمنهم من أشار بهدمها وتعفية آثارها، وقالوا:
«[إذا] (١) هدمت القبة ونبشت المقبرة، وحرثت (٢) أرضها وعفت، انحسمت (٢) عن قصدها مواد أطماع الكفار، ومهما بقيت كانت الزيارة مستمرة»؛ وقال أكثر الجماعة: «لا فائدة في هدمها، فإن متعبدهم موضع الصليب والمقبرة لا ما نشاهد من البناء، فلو نسفت أرضها في السماء لما انقطع عنها قصد أهل دين النصرانية؛ ولمّا فتح أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - البيت المقدس في صدر الإسلام أقرهم على هذا المكان ولم يأمر بهدمه»، فأعرض السلطان عن هدمها؛ ثم تقرر بعد ذلك على من يدخلها منهم قطيعة يؤديها.
قلت: ولهم في هذا المكان ضلالة تقع في كل سنة في اليوم الذى يليه يوم فصحهم، وهو أنه يزعمون أن نورا ينزل من السماء، ولقد كذبوا [٢٩٩] وافتروا، وإنما هو تدليس وتلبيس من بتركهم، يغرّ به ضعفاء العقول ويستدرجهم به إلى ضلالتهم وغيهم (٣)، ولقد حضرت في زمن الصبى يوم سبت النور هذه الكنيسة مرارا على سبيل التفرج، فكنت أجدهم يعكفون على القبة الصغيرة التي فيها القبر، والنصارى مجتمعون (٤) بها يرفعون صلبانهم ويقرأن إنجيلهم، ويضجون، والديوان (٥) - الذى للمسلمين على باب الكنيسة - والموالى يأخذون من كل رجل القطيعة المقررة، وذلك في أيام الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل - رحمهما الله - فإذا كان وقت الظهر أو بعده دخل البترك القبة، وأخرج شمعة
стр. 574
موقدة زعم أنه أوقدها من القنديل الذى اشتعل بالنور المنزّل [من السماء] (١)، فيأتيه النصارى بشمعهم فيقدونه من تلك الشمعة، فيمتلىء المكان بالشمع الموقدة، ويظهر على النصارى من الفرح والاستبشار مالا مزيد عليه، جهلا وضلالة، وظنا فاسدا أنه نور أنزل عليهم، وإنما هو نار محرقة افتعلها عدو الله البترك على سبيل المخرقة والإيهام، وهؤلاء القوم دون سائر الطوائف أكثر أمورهم مبنية على ذلك (٢).
ولقد (٣) حدثنى القاضى فخر القضاة ابن بصاقة ﵀ ونحن بالكرك، وهو من أهل الفضل والمعرفة والتقدم في الدول، قال:
«كنت صبيا صغير السن، وقد حضر البترك الذى كان [مقيما] (١) بقمامة عند والدى، فسمعت والدى يقول له: إن السلطان قد عزم على كشف قضية هذا النور الذى تدعون أنه ينزل عليكم [من السماء] (١)، فقال له البترك: إن النور كان ينزل في قديم الزمان ثم انقطع، فنحن اليوم نفعله لإقامة الناموس وحفظا لحرمة دين النصرانية، وليس من المصلحة أن تتعرضوا لهذا، وكشف سره، فإنه يفوّت (٤) عليكم أموالا جزيلة، وليس لكم في بطلان ذلك منفعة».
قلت (٥): وكان الواجب على ولاة الأمر أن لا يلتفتوا إلى ما يحصل من هذا السحت، وأن يهتكوا ستر هؤلاء القوم فيما يدلسون به على الأمم، وأن يرفعوا القناع عن هذا التدليس الموقع (٦) في عمايات الضلال الداعية إلى أنواع الكفر والجهالات.
стр. 575
ولما افتتح القدس [٣٠٠] مدح السلطان ﵀ الشريف النسّابة محمد بن أسعد (١) بن على بن معمر الحسينى المعروف بالجوّانى المصرى نقيب الأشراف بالديار المصرية بقصيدة منها:
أترى مناما ما بعينى أبصر؟ ... القدس يفتح والفرنجة تكسر!!
وقمامة قمّت من الرجس الذى ... بزواله وزوالها يتطهّر
ومليكهم في القيد مصفود، ولم ... ير قبل ذاك لهم مليك يؤسر (٢)
قد جاء نصر الله والفتح الذى ... وعد الرسول، فسبّحوا واستغفروا
فتح الشام وطهّر القدس الذى ... هو في القيامة للأنام المحشر
من كان هذا فتحه لمحمد ... ماذا يقال له، وماذا يذكر؟
يا يوسف الصديق أنت لفتحها ... فاروقها عمر الإمام الأطهر
ولأنت عثمان الشريعة بعده، ... ولأنت في نصر النبوة حيدر
стр. 576
وقال بهاء الدين أبو الحسن على بن محمد الساعاتى (١).
أعيّا (٢) وقد عاينتم الآية العظمى؟ ... لأية حال تدخر النثر والنّظما
وقد ساغ (٣) فتح القدس في كل منطق، ... وشاع إلى أن (٤) أسمع الأسل الصّمّا
فليت فتى الخطّاب شاهد فتحها ... فيشهد أنّ السيف (٥) من يوسف أصمى
حبا مكّة الحسّنى وثنّى بيثرب، ... وأسمع (٦) ذيّاك الضّريح وما ضمّا
وما كان إلا الداء أعيا دواؤه، ... وغير الحسام العضب لا يحسن (٧) الحسما
وأصبح ثغر الدين (٨) جذلان باسما ... وألسنة الأغماد توسعه لثما
سلوا الساحل المخشى عن سطواته، ... فما كان إلا ساحلا صادف (٩) اليما
وقال القاضى السعيد أبو القاسم هبة الله بن سناء الملك (١٠) يمدح السلطان الملك الناصر ويهنئه بالفتوح، ويذكر وقعة حطين، وقتل البرنس، من قصيدة أولها:
لست أدرى بأىّ فتح تهنّا؟ ... يا منيل الإسلام ما قد تمنّا
стр. 577
[٣٠١] أنهنيّك إذ تملّكت (١) شاما؟ ... أم نهنيّك إذ تملّكت عدنا؟
قد ملكت الجنان قصرا فقصرا، ... إذ فتحت (٢) الشآم حصنا فحصنا
ومنها:
قمت في ظلمة الكريهة كالبدر ... سناء، والبدر يطلع وهنا
لم تقف قطّ في (٣) المعارك إلا ... كنت يا يوسف كيوسف حسنا
تجتنى النصر من ظباك (٤) كانّ العـ ... ـضب قد صحفوه (٥) أو صار غصنا
قصدوا نحوك الأعادى ... فردّ الله ما أمّلوه عنك وعنّا
حملوا كالجبال عظما، ولكن ... جعلتها حملات خيلك عهنا
جمعوا كيدهم وجاءوك أركانا، ... فمن هدّ فارسا هد ركنا
لم تلاق الجيوش منهم ... ولكنك لاقيتهم جبالا (٦) ومدنا
كلّ من يجعل الحديد له ثوبا ... وتاجا (٧) وطيلسانا وردنا
خانهم ذلك السلاح، فلا ... الرمح تثنا ولا المهند ظنا
وتولّت تلك الخيول ولم ... يثنى عليها بأنها ليس تثنا
стр. 578
واستحالت شقاشق الكفر ضمنا ... حين عادت الشجاعة جبنا
وتصيّدتهم بحلقة صيد يجمع ... الليث والغزال الأغنا
وجرت منهم الدماء بحارا، ... فجرت فرقها الجزائر سفنا
صنعت فيهم وليمة عرس ... رقّص المشرفىّ فيها وغنىّ
وحوى الأسر كلّ ملك يظن ... الدهر يفنى وملكه ليس يفنى
والمليك العظيم فيهم ... أسير يتثنا في أدهم يتثنا
يحسب النوم يقظة، ويظن الشخص ... طودا، ويبصر الشمس دجنا
كم تمنّى اللقاء حتى رآه، ... قتمنى لو أنه ما تمنّا
ظنّ ظنا، وكنت أصدق في الله ... يقينا، وكان أكذب ظنّا
[٣٠٢] رق من رحمة له القيد ... والغل عليه، فكلما أنّ أنا
واللعين الابرنس أصبح مذبوحا ... بيمين لم يعدم الدين يمنا
أنت ذكيته فوفيت نذرا ... كنت قدمته فجوزيت حسنا
وتهادت عرائس المدن نخلا، ... وثمار الآمال منهن تجنا
لا يخصّ الشام منك التهانى، ... كلّ صقع وكل قطر يهنّى
قد ملكت البلاد شرقا وغربا، ... وحويت الآفاق سهلا وحزنا
وتفرّدت بالذى هو أسما، ... وتوحّدت بالذى هو أسنا
واغتدى الوصف في علاك حسيرا ... أىّ لفظ يقال أو أىّ معنى؟
ورأينا الاله قال أطيعوه ... سمعنا لربنا وأطعنا
وقال الملك المظفر تقى الدين أبو الفتح عمر بن شاهنشاه بن أيوب - قدس الله روحه - يهنىء عمه السلطان الملك الناصر ﵀ بفتح القدس بقصيدة مطلعها يقول فيها:
دع مهجة المشتاق مع أهوائها ... بالائمى ما أنت من نصحائها
стр. 579
ومنها:
جاءتك أرض القدس تطلب ناكحا ... يا كفؤها، ما العذر من عذرائها
زفّت إليك عروس خدر تجتلى ... ما بين أعبدها وبين إمائها
إيه صلاح الدين، خذها (١) غادة ... بكرا، ملوك الأرض من رفقائها
كم طالب لجمالها قد ردّه ... عن نيلها أن ليس من أكفائها
وكان الملك المظفر ﵀ فاضلا متأدبا حسن الشعر، وكان أخوه عز الدين فرخشاه كذلك.
ومن جملة شعر الملك المظفر ﵀:
يعاتبنى قوم يعزّ عليهم ... مسيرى، ما هذا السرى في السباسب
فقلت لهم: كفّوا، فما وكفت لكم ... جفون (٢) ولا ذقتم فراق الحبايب
ومن شعره:
إنى لأكتم لوعتى وأظنّه ... يوم التفرّق بالمدامع فاضحى
[٣٠٣] لا تجمحوا في هجركم، فلربما ... خشى العثار على الحصان الجامح
ومن شعره:
أأحبابنا إنّ الوشاة إليكم ... سعت، لا سعت أقدام من كان واشيا
يرومون بتّ الحبل بينى وبينكم ... فلا بلغوا مما أرادوا الأمانيا
стр. 580
ومن شعره:
كلّ يوم يسعى إلى الملك قوم ... في ازدياد وعمرهم في انتقاص
شرك هذه الأمانى، فيا ... لله كم واقع بغير خلاص (١)
ومن شعره:
إن كنت واحد ذا الجمال ... فإننى في الحزن واحده
كلّ يبوح بحبّه، ... وأنا كتوم الحبّ جاحده
ومن شعره يخاطب عمه الملك السلطان الناصر صلاح الدين - رحمه الله تعالى -
أصلاح دين الله أمرك طاعة، ... فمر الزمان بما تشاء فيفعلا
فكأنما الدنيا ببهجة حسنها ... تحلا على إذا رأيتك مقبلا
قلت: كان السلطان ﵀ يحب الملك المظفر تقى الدين أكثر من محبته لسائر أهله لما كان خص الملك تقى الدين [به] من الشهامة والنجابة والإقدام العظيم، الذى لم يكن لأحد مثله من بنى أيوب، ولفرط طاعته لعمه صلاح الدين وانقياده إليه، ولأنه كان ألصقهم به قرابة، لأن والده الملك المظفر ركن الدين شاهنشاه ﵀ كان أخا الملك الناصر لأمه وأبيه؛ والملك العادل، وتاج الملوك، وسيف الإسلام، كانوا أخوته لأبيه فقط.
وقيل ركن الدين شاهنشاه قتل شهيدا على باب دمشق لما حاصرها الفرنج، ولم يدرك الدولة الأيوبية، وقد ذكرنا ذلك.
وكتب السلطان إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين وإلى ساير ملوك الأطراف يبشرهم بهذا الفتح العظيم، فمن جملته كتاب فاضلى إلى الديوان العزيز:
стр. 581
" تقلص ظل الكفر المبسوط، وصدق الله أهل دينه فلما وقع الشرط وقع المشروط، واسترد المسلمون تراثا كان عنهم آبقا، وظفروا يقظة بما لم يصدقوا أنهم يظفرون به طيفا على النائم طارقا "
ومنه [٣٠٤] فصل في وصف نقب السور:
" فأخلى السور من الستارة (١)، والحرب من النظّارة، وأمكن النّقاب أن يسفر للحرب النقاب، وأن يعيد الحجر إلى سيرته من التراب، فتقدّم إلى الصخر فمضغ سرده بأنياب معوله، وحلّ عقده بضربة الإحراق الدالّ على لطافة أنمله، وأسمع الصخرة الشريفة حنينه واستغاثته إلى أن كادت ترقّ لمقتله، وتبرّأ بعض الحجارة من بعض، وأخذ الخراب عليها موثقا فلن تبرح الأرض ".
فصل:
" واستقرت على الأعلا أقدامهم، وخفقت على الأقصى أعلامهم، وتلاقت على الصخرة قبلهم، وشفيت بها - وإن كانت صخرة - كما يشفى الماء غللهم، وملك الإسلام خطة كان عهده بها دمنة سكان، فخدمها الكفر إلى أن صارت روضة جنان، لا جرم أن الله أخرجهم منها وأهبطهم، وأرضى أهل الحق وأسخطهم.
وأوعز الخادم بردّ الأقصى إلى عهده المعهود، وأقام له من الائمة من يوفيه ورده المورود، وأقيمت الخطبة فيه يوم الجمعة رابع شعبان فكادت السموات (٢) للنجوم يتفطرن، والكواكب منها للطرب ينتثرن، ورفعت إلى الله كلمة التوحيد وكانت طريقها مسدودة، وطهّرت قبور الأنبياء وكانت بالنجاسات مكدودة،
стр. 582
وأقيمت الخمس وكان التثليث يقعدها، وجهرت الألسنة (١) بالله أكبر وكان سحر الكفر يعقدها، وجهر باسم أمير المؤمنين في وطنه الأشرف من المنبر، فرحّب به ترحيب من برّ بمن برّ (٢)، وخفق علماه في حفافيه (٣)، فلو طار سرورا لطار بجناحيه.
وكان الخادم لا يسعى سعيه إلا لهذه [المنقبة] (٤) العظمى، ولا يقاسى تلك البؤسى إلا رجاء هذه النعمى، ولا يحارب من يستظلمه إلا لتكون الكلمة مجموعة فتكون كلمة الله هى العليا، وليفوز بجوهر الآخرة لا بالعرض الأدنا من الدنيا، وكانت الألسنة ربما صلقته فانضج قلوبها بالاحتقار (٥)، وكانت الخواطر ربما غلت عليه مراجلها فأطفأها بالاحتمال والاصطبار، ومن طلب خطيرا خاطر (٦)، ومن رام صفقة رائجة جاسر (٧)، ومن سما لأن تجلى غمرة غامر ".
ومنه فصل في وصف يوم حطّين:
" وكان [٣٠٥] اليوم مشهودا، والملائكة شهودا، وكان الصليب (٨) صارخا وكان الإسلام مولودا، وأسر الملك وبيده أوثق وثائقه، وأكّد وصلته بالدين وعلائقه، وهو صليب الصلبوت، وقائد أهل الجبروت، مادهموا قط بأمر إلا وقام بين دهمائهم يحرّضهم، يبسط لهم باعه، وكان مد اليدين في هذه الدفعة وداعه، لا جرم أنه تهافت على ناره فراشهم، وتجتمع في ظل ظلامه خشاشهم،
стр. 583
ويقاتلون تحت ذلك الصليب أصلب قتال وأصدقه، ويرونه ميثاقا يبنون عليه أشدّ عقد وأوثقه، ويعدونه سورا لا تحفر الخيل خندقه (١)، و (٢) بعد الكسرة مر الخادم على البلاد فطواها بما نشر عليها من الراية السوداء صبغا، البيضاء صنعا، الخافقة هى وقلوب أعدائها، العالية هى وعزائم أوليائها ".
وكتب السلطان إلى أخيه سيف الدين ظهير الدين طغتكين بن أيوب صاحب اليمن يبشره بالفتح بإنشاء عمادى، من جملته:
" وهو فتح بيت المقدس الذى غلق نيفا وتسعين سنة مع الكفر رهنه، وطال في أسره سجنه، واستحكم وهنه، وقوى مكره وضعف ركنه، وزاد حسنه وزال حزنه، وأجدبت من الهدى أرضه وأخلف مزنه، وواصله خوفه وفارقه أمنه، واشتغل خاطر الإسلام بسببه وساء ظنه، وذكر فيه الواحد الأحد الذى تعالى عن الولد، أن المسيح ابنه، وأربع فيه التثليث فعز صليبه وصلبه، وأفرد عنه التوحيد فكاديهى (٣) متنه، ودرج الملوك المتقدمون على تمنى استنقاذه، فأبى الشيطان غير استيلائه واستحواذه، وكان في الغيب الإلهى أن يعاد إلى معاذه، (٤) وطيب أوطانه بقراءة القرآن ورواية الحديث وذكر الدروس، وجليت الصخرة المقدسة جلوة العروس، وزارها شهر رمضان مضيفا لها نهار صومها بالتسبيح، وليل فطرها (٥) بالتراويح ".
стр. 584
ذكر منازلة السلطان ﵀ صور
ولم يزل السلطان مقيما بالقدس إلى الخامس والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة - يرتب إخوته، وينظر في مصالحه، ويفرق الأموال.
فحكى عماد الدين الأصفهانى، قال:
" سمعت الملك [٣٠٦] العادل يقول - وقد جرى ذكر إفراط السلطان في العطاء -: أنا توليت استيفاء قطيعة القدس، فأنفذت إليه ليلة سبعين ألف دينار، فجاءنى رسوله بكرة وقال: يريد اليوم ما يخرجه في الإنفاق، فإن الذى سيّرت إلينا بالأمس قد نفدت، فنفذت إليه ثلاثين ألف دينار أخرى في الحال، فأنفقها ".
ثم وردت على السلطان كتب الأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب - وهو نائب السلطان بصيدا وبيروت - يحرضه على حصار صور، فرحل السلطان عن القدس يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان متوجها إلى عكا، وقد سبقه إليها ولده الملك الأفضل نور الدين، وابن أخيه الملك المظفر تقى الدين؛ وودع السلطان الملك العزيز عماد الدين عثمان، ورده إلى الديار المصرية، وكان آخر عهده به.
وترك الملك العزيز خزانة سلاحه بالقدس كلّها، وكانت كثيرة جدا، وكان من جملة ما شرط على الفرنج أن يتركوا خيلهم وعدتهم فتوفر بذلك عدد البلد.
وتوجه مع السلطان أخوه الملك العادل، فوصلا إلى عكا مستهل شهر رمضان من السنة، فأصلح السلطان من شأنها، ثم رحل منها ونزل على صور يوم الجمعة
стр. 585
تاسع شهر رمضان، وخيّم بازاء السور، بعيدا منه على النهر؛ وصور مدينة حصينة، متوسطة (١) في البحر، وكان المركيس - لعنه الله - قد حفر لها خندقا من البحر إلى البحر، وبنى السور والبواشير وأحكم أمرها واستظهر بالعدد والعدد، واغتنم اشتغال السلطان بفتح البيت المقدس، فأقام السلطان على تلك الحال بالمنزلة ثلاثة عشر يوما، حتى تلاحقت به العساكر، وجاءته العدد والآلات، ورتب المنجنيقات.
ثم حوّل السلطان مضاربه إلى تل قريب من السور يشرف منه، ثم أخذ في محاصرة البلد، ووكّل كلّ واحد من الملوك بجانب يكفيه إياه، منهم: الملك العادل، والملك الأفضل، والملك المظفر؛ فحاصروهم وضايقوهم.
ووصل في تلك الأيام الملك الظاهر غازى - صاحب حلب - بعسكره، فاستظهر السلطان أبوه به، واستدعى الأصطول (٢) المصرى - وكان بعكا - فجاء منه عشرة شوانى (٣)، وكان للفرنج في البحر مراكب وشوانى، وفيها رماة الجرخ (٤)
стр. 586
والزّنبورك (١) يرمون من دنا من البحر، فلما وصل الأسطول الاسلامى استطال عليها وأبعدها، [٣٠٧] فأحاط بهم المسلمون، وقاتلوهم برا وبحرا، فبينماهم في استظهار وظفر إذ ملك الفرنج خمسة من شوانى المسلمين، وأسروا مقدميها ورئيسها عبد السلام المغربى، ومتوليه بدران الفارسى، فألقى جماعة أنفسهم في البحر، فمن ناج وهالك، وذلك أنهم سهروا تلك الليلة بازاء ميناء صور إلى
стр. 587
السحر، ثم غلبهم النوم، فما انتبهوا إلا والفرنج قد ركبتهم، فوهن المسلمون بذلك ووجموا، وتقدم السلطان إلى المراكب الباقية أن تسير إلى بيروت، وخاف عليها لقلتها أن يستولى عليها العدو، فنجا منها شينى رئيس جبيل، والباقون نظروا إلى الفرنج ورائهم فألقوا أنفسهم في الماء، وخرجوا إلى [البر] على وجوههم، فأخذ السلطان الشوانى فنقضها، وعاد إلى مقابلة صور في البر، فكان ذلك الشوانى لجدوى لضيق المجال (كذا).
ذكر الوقعة على باب صور
ولما وقعت واقعة الأسطول طمعت الفرنج وخرجوا منها يوما بعد العصر مستعدين للقتال، فالتقاهم المسلمون، فكانت الدائرة على الفرنج، وأسر مقدم كبير لهم، وظن أنه المركيس، فسلمه السلطان إلى ولده الملك الظاهر ليحفظه، فضرب عنقه، ثم دخل الليل وأصبحوا، وتبين أن المركيس بعد في الحياة.
ذكر رحيل السلطان من صور
ولما طال الحصار على صور ضجر كثير من أمراء المسلمين، لأنهم رأوا ما لم يألفوه من تعسر الفتح عليهم، فأشاروا على السلطان بالرحيل لئلا تفنى الرجال وتقل الأموال، وكان الشتاء قد دخل واشتد البرد، وكان رأى السلطان وجماعة من أتقياء أمرائه، كالفقيه ضياء الدين عيسى، وحسام الدين طمان، وعز الدين
стр. 588
جورديك النورى إلى الثبات إلى الفتح، لئلا يضيع ما تقدم من الأعمال وإنفاق الأموال، وقال السلطان:
" إن السور قد تهدم، وقاربت الأمور النجاز، فاصبروا ولا تعجلوا تفلحوا "
فأظهروا الموافقة وفى أنفسهم ما فيها، ولم يصدقوا القتال، وتعللوا بكثرة الجراح، وقلة العلوفات، فلم يسع السلطان إلا الرحيل فأمر بنقل الأثقال، فحمل بعضها إلى صيدا وبيروت، وأحرق الباقى لئلا يناله العدو، [٣٠٨] فرحل في آخر شوال من السنة، وهو الموافق أول كانون الأول.
وسار الملك المظفر إلى دمشق على طريق هونين، واستصحب معه عساكر الشرق وديار بكر والموصل والجزيرة وسنجار وماردين.
ذكر وصول السلطان إلى عكا ومقامه بها
ورحل السلطان إلى عكا [فوصلها] في ثلاث مراحل، لأنه سلك طريق الناقورة، وهى طريق ضيقة، مطلة على البحر لا يعبر منها إلا جمل بعد جمل، فعبرت الأثقال في أسبوع، وعيّن يوم رحيله من صور أمراء يقيمون عليها إلى أن يعرفوا عبور الثقل، وخيم السلطان عند التل؛ وسار الملك العادل إلى مصر، والملك الظاهر إلى حلب، وبدر الدين دلدرم الياروقى إلى بلاده.
ذكر الكبسة على حصن الكوكب
كان السلطان لما سار إلى عسقلان قد جعل على قلعة كوكب من يحصرها، ويحفظ البحر والطريق للمجتازين، لئلا ينزل من به من الفرنج يقطعونه، وقدّم على الجماعة الأمير سيف الدين محمود أخا جاولى الأسدى، وسيّر طائفة أخرى من العسكر إلى قلعة صفد فحصروها، وهى مطلة على مدينة طبرية، وكانت كوكب للاسبتارية، وصفد للداويّة، وقدّم على المنازلين بصفد مسعود الصلتى.
стр. 589
وكان سيف الدين محمود شهما شجاعا يرجع إلى دين وعبادة، فأقام على كوكب إلى آخر شوال، وكان أصحابه يحرسون نوبا مرتبة، فلما كان آخر ليلة من شوال غفل الذين كانت نوبتهم في الحراسة، وكان قد صلى ورده من الليل إلى السحر، وكانت ليلة باردة ذات رعد وبرق وريح ومطر، فلم يشعروا إلا والفرنج قد خالطوهم بالسيوف، ووضعوا السلاح فيهم، فاستشهد سيف الدين وأصحابه، وأخذ الفرنج ما كان عندهم من طعام وسلاح وغيره، وعادوا إلى قلعتهم، فتقووا في ذلك قوة عظيمة، وأتى الخبر بذلك إلى السلطان عند رحيله من صور، فعظم ذلك عليه، مضافا إلى ما ناله من أخذ الشوانى وما فيها، ورحيله من صور.
ثم رتّب على حصار كوكب الأمير صارم الدين قايماز النجمى في جماعة من الأجناد.
ذكر فتح هونين
[٣٠٩] كان السلطان لما فتح تبنين امتنعت عليه هونين، وهى من أحصن القلاع وأمنعها، فلم ير التعريج عليها، ولا الاشتغال بمحاصرتها، بل سيّر إليها جماعة من الأمراء والعسكر، فحصروها، ومنعوا من حمل الميرة إليها، فلما كان السلطان على محاصرة صور أرسل من بها يطلب الأمان فأمّنهم، فسلموا هونين إلى السلطان، ونزلوا منها، فأمّنهم.
وأقام السلطان بظاهر عكا، ينظر في أمورها، ودخلها وسكن قلعتها، وسكن ولده الملك الأفضل ببرج الداويّة، وولى عكا عز الدين جرديك، ووقف دار الاسبتار نصفين: نصفا على الفقهاء، ونصفا على الصوفية، ووقف دار الأسقف بيمارستان، ووقف على ذلك وقوفا جليلة، وفوّض جميع ذلك إلى قاضيها كمال الدين بن الشيخ أبى النجيب.
стр. 590
ذكر قدوم رسل الملك والملوك إلى السلطان بالتهنئة
وورد على السلطان رسل الروم وخراسان والعراق، وكلهم يهنئ السلطان بما خصّه الله تعالى به من فتح بيت المقدس، الذى درج على حسن تمنيه الملوك، وتقاصرت عنه أيديهم وهممهم، ومن جملة الرسل: رسول صاحب العجم، وهو أتابك مظفر الدين قرا أرسلان بن عثمان بن إيلدكز، وهو الذى ملك بعد أخيه البهلوان، وكان في الظاهر إليه الأتابكية، واسم السلطنة للسلطان طغرل بن محمد بن طغرل بن محمد بن ملكشاه، وهو آخر من دعى له بالسلطنة ببلاد العجم من السلجوقية.
ذكر ورود رسول الديوان العزيز إلى السلطان بالعتب
كان السلطان لما كسر الفرنج بحطّين قد ندب للرسالة إلى الديوان العزيز في معنى البشارة شابا بغداديا من الأجناد كان قد هاجر إلى الأبواب السلطانية مسترفدا، وكان ببغداد خاملا كثير الإدبار، مشمرا في دروب بغداد، فتوجه إلى الشام هاربا من الفقر والفاقة وكان يعرف بالرشيد البوشنجى.
فلما سيّره السلطان في الرسالة إلى بغداد قامت القيامة بمراسلته، وأنكر ذلك على السلطان غاية الإنكار، وحقروا الرسول وما وقروه، ونظروه بالعين التي يعرفونه بها، وحبوه بحباء قليل يليق به، فتمسح المذكور [٣١٠] في الكلام، وصدرت منه أمور قبيحة لا تليق، فأنهى إلى المقام النبوى شيئا من مقالاته الردية، وجهالاته، فاشتد العتب بسبب ذلك.
стр. 591
وانضاف إليه أن قوما من أعداء السلطان تطرقوا إلى القول والقدح، وراموا إبعاد السلطان، وإيغال قلب الخليفة عليه، فقالوا: إنه أساء الأدب لإبقاء اسمه بالملك الناصر مضافا للاسم الأشرف الذى هو الإمام الناصر، وأن مقصوده قلب الدولة والاستبدال بها، كما فعل بالمصريين فإنه يدلّ بماله من القوة والعساكر وكثرة الممالك، وقالوا من ذلك ما كثرو أحنق الديوان.
وأفضى ذلك إلى أن أرسلوا إلى السلطان تاج الدين الأصفهانى - أخا عماد الدين الكاتب -، وقالوا: إن أخاه مطلع على الأسرار، وهو منتظم في سلك الأولياء، فعوّلوا عليه في هذه الرسالة، وردوا معه جواب البشارة، وقد كتب له تذكرة بموجبات مقاصد العتب والمخاطبة فيها، وخشنوا في القول وأغلظوا، وكان ابن البوشنجى قد عاد شاكيا من الديوان، ومخبرا بأن أخا العماد واصل بكتب عتب وغضب ولفظ ممض.
ولما قرب تاج الدين من العسكر السلطانى، وكان بعد نازلا على صور، تقدم السلطان إلى الملوك والأمراء بتلقيه، فتلقاه الملك العادل، والملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك المظفر، والأمراء على مراتبهم، ثم ركب السلطان بنفسه وتلقاه، وبالغ في إكرامه واحترامه، وآنسه، وأراه مواضع الحصار، ومصارع الفرنج، ثم نزل وأنزله بالقرب منه، ثم حضر عنده داخل المجلس له ولأخيه عماد الدين قارئ الرسالة، وأحضروا التذكرة فقرأها عماد الدين على السلطان، وكان فيها غلظة وألفاظ مؤلمة، فقال السلطان:
" إن الإمام أجل من أن يأمر بهذه الألفاظ، والأسجاع الغلاظ، وقد أمكن إيداع هذه المعانى في أرق من هذه الكلمات، ومعاذ الله أن يحبط عملى في خدمة الديوان، وأماما نسب الأعداء إلىّ فما عرف عنى إلا الاعتراف بالعارفة ".
ثم ذكر أياديه السابقة في الفتوحات الإسلامية وإقامة الدعوة العباسية [٣١١] بمصر واليمن وإزالة الأدعياء، وإبادة الأعداء، وفتح البيت المقدس.
стр. 592
" وأما النعت الذى أنكر علىّ، فهذا من عهد الإمام المستضئ بنور الله أمير المؤمنين، والآن فكل ما يشرفنى به أمير المؤمنين من السمة فهو اسمى الذى أتشرف [به] وأعرف، وما غرضى إلا استكمال الفتوح لأمير المؤمنين، وقطع دابر الكفار ".
ثم ودّع السلطان تاج الدين، وأودعه من المشافهة كلما في النفس، وظهرت بعد ذلك بالقبول آثار الرضى، ومضى ما مضى، وكان جماعة من الملوك والأمراء قد ونحوا السلطان لما قيل في حقه، وأرادوا أن يغضبوه، كالملك العادل ومظفر الدين بن زين الدين، فما غضب بل احتمل، وتلقى ذلك بصدر رحب.
ذكر الفتنة بعرفة بين أصحاب الخليفة والسلطان
ومقتل شمس الدين المقدم
لما فتح السلطان البيت المقدس طلب الأمير شمس الدين محمد بن عبد الملك - المعروف بابن المقدم - إذنا من السلطان في أن يحج، ويحرم من القدس، ويجمع في سنة بين الجهاد والحج وزيارة الخليل إبراهيم ﵇ وما بالشام من مشاهد الأنبياء وبين زيارة قبر الرسول ﷺ ، فأذن له في ذلك.
وكان قد اجتمع في تلك السنة من الحجاج بالشام الخلق العظيم من العراق والموصل وبلاد الجزيرة وخلاط وبلاد الروم وغيرها، ليجمعوا بين زيارة القدس أول فتوحه وبين مكة، فجعل شمس الدين بن المقدم أميرا عليهم، وساروا حتى وصلوا عرفات سالمين ووقفوا، فلما كان عشية عرفة تجهز هو وأصحابه ليسيروا فأمر بضرب كوساته التي هى أمارة الرحيل، فضربها أصحابه،
стр. 593
فأرسل إليه أمير الحاج العراقى، وهو محيى الدين طاشتكين ينهاه عن الإفاضة من عرفة قبله، ويأمره بكفّ أصحابه عن ضرب الكوسات، فأرسل إليه: " أنه ليس لى معك تعلق، أنت أمير الحج العراقى، وأنا أمير الحج الشامى، وكل منا يفعل مايراه ويختاره "، وسار ولم يقف ولم يسمع قوله.
فلما رأى طاشتكين إصراره على مخالفته، ركب في أصحابه وأجناده، ومعهم من غوغاء الحاج العراقى وبطاطيهم (١) العالم الكثير، وقصدوا الحاج الشامى مهوّلين عليهم، فلما قربوا منهم خرج الأمر [٣١٢] عن الضبط، وعجزوا عن تلافيه، فهجم طمّاعة العراق على حجاج الشام، وقتلوا منهم جماعة، ونهبت أموالهم، وسبيت (٢) جماعة من نسائهم إلا أنهن رددن عليهم.
و؟؟؟ ح شمس الدين عدة جراحات، وكان يكفّ أصحابه عن القتال، ولو أذن لهم لا نتصف وزاد، ولكنه راقب الله تعالى وحرمة المكان واليوم، فلما أثخن بالجراحات أخذه طاشتكين إلى خيمته ليمرضه، وأنزله عنده، ليستدرك الفائت في حقه، وساروا تلك الليلة من عرفة، فلما كان من الغد توفى شمس الدين بمنى، ودفن بمقبرة المعلى.
ورزق الشهادة بعد الجهاد وفتوح بيت المقدس ﵀.
وارتاع طاشتكين بما اجترمه، وكيف لم يراقب الله في الحرم الشريف، وكيف اعتدى على حجاج بيت الله تعالى وسفك دمائهم بغير حق، فكتب محضرا
стр. 594
على ما اقترحه، وألزم أعيان الحجاج من سائر البلاد بوضع خطوطهم على ما عيّنه، فكتبوا خطوطهم مكرهين، وكان عذره أنه أنكر عليه ضرب الطبل ونهاه فأبى.
فلما انتهت تلك الحالة إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين أنكرها أشد الانكار ونسبها إلى طيش طاشتكين، فانحط قدره عنده بسبب ذلك، ثم نكبه بعد سنتين، وحبسه وأطال سجنه، ثم عفا عنه بعد مدة، وولاّه [حرب] (١) بلاد خوزستان وخراجها، وولى إمارة الحج غيره.
ولما بلغ السلطان استشهاد شمس الدين حزن عليه واحتسبه، وأقرّ ولده الأمير عز الدين مقامه، وأقرّ عليه إقطاعه.
وأقام السلطان بعكا إلى آخر السنة.
ذكر منازلة السلطان حصن كوكب
ولما دخلت سنة أربع وثمانين وخمسمائة خرج السلطان من عكا، ونازل كوكب في العشر الأوسط من المحرم، وحاصرها وصابرها أياما، ولم يتمكن من فتحها لمنعتها وحصانتها، ورآها تحتاج إلى طول مدة ومصابرة، فوكل بها صارم الدين قايماز النجمى، ووكل بصفد طغرل الجاندار، كل واحد منهما في خمسمائة فارس، ووجه إلى الكرك والشوبك سعد الدين كمشبه (٢) الأسدى، وكانت هذه الحصون [٣١٣] الأربعة في غاية الحصانة.
стр. 595
ووصل السلطان - وهو بكوكب - رسول صاحب آمد قطب الدين سكمان ابن نور الدين محمد بن قزل أرسلان الأرتقى، وكان خائفا من السلطان أن يسترجع آمد، لأنها من جملة مواهبه - كما سبق - واستوثق بالوصلة بإحدى بنات الملك العادل، وكان قد وكلّ أخاه السلطان في ذلك لما سار إلى مصر، فلما قدم رسوله تمت الوصلة بينهما.
ووصل أيضا اختيار الدين حسن بن غفراس - مدبر دولة الملك قلج أرسلان صاحب الروم - وكان هذا الرسول مغرى بلبس الحلى والديباج والموشى، وفى يده زنود وخواتيم مرصعة بزينة ثقيلة الجواهر ويواقيت ثمينة ولآلىء نفيسة، وفى يده عمود من ذهب، وعدته مجوهرة، وكان السلطان اذا رآه تبسم تعجبا من قلة عقله، ويقول: " بهذا سافر لينظر الناس ذهبه وجوهره ".
وكان جماعة من أهل الحزم قد أشاروا على السلطان بتخريب عكا وتعفية أثارها حتى يؤمن عود الكفر إليها، ويبنى قلعة القيمون، وكان هذا عين المصلحة، فكاد يجيب إلى ذلك، فقيل له: " هذه مدينة كبيرة، وعماراتها كثيرة، والمصلحة تبقيتها، وأن تعمر وتحصن "؛ فولى عمارتها وتدبير أمورها الأمير بهاء الدين قراقوش، وهو الذى تولى إدارة السور على مصر والقاهرة، فاستدعاه من مصر، وأمره أن يستنيب (١) في تلك العمارة، فقدم عليه وهو بكوكب، ففوّض إليه عمارة عكا، فشرع في تجديد سورها وتعلية أبراجها، وكان لما قدم من مصر قدم معه أساتيذ العمل (٢) وأبقاره وآلاته ودوابه. (٣)
стр. 596
ذكر مقدم السلطان إلى دمشق
ولما رتّب السلطان الأمور على كوكب رحل إلى دمشق مستهل ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة أربع وثمانين وخمسمائة - وكان طريقه شرقى بحيره طبرية، وتجنّب عقبة فيق لاستصعاب رقيها، ولما قارب دمشق تلقاه الناس وفرحوا بقدومه، لأنهم كانو متعطشين إلى رؤيته، فإنه كانت عيبته عنها هذه الدفعة سنة وشهرين وخمسة أيام، كسر فيها الكفر ونصر فيها الإسلام، وفتح بيت المقدس، وكان دخوله دمشق سادس ربيع الأول.
[٣١٤] ولما استقر بها قراره أمر بإنشاء الكتب لاستدعاء الأجناد من الجهات للجهاد، وابتدأ بالجلوس في دار العدل، وبحضرته الفقهاء والعلماء وأهل الدين.
وكان قد ولى بدمشق بدر الدين مودودا المعروف بالشحنة - وهو أخو عز الدين فرخشاه لأمه - ثم فوّض إليه ولاية الديوان؛ وكان مع الصفى بن القابض، وكان الصفى قد بنى للسلطان دارا بالقلعة مطلة على الشرفين، وأنفق عليها أموالا جليلة، وبالغ في حسنها، وظن أنها تقع من السلطان بموقع، فلما رآها السلطان ما أعارها طرفه ولا استحسنها، وكانت من جملة ذنوب الصفى التي أوجبت عزله عن الديوان، وقال:
" ما يصنع بالدار من يتوقع الموت؟ وما خلق العبد إلا للعبادة والسعى في تحصيل السعادة الأبدية، وما جئنا إلى دمشق بنية الإقامة " ﵀ وقدس روحه - وكذا فلتكن الملوك.
ولم يكن سعيه إلا في الجهاد وتحصيل مجد، ولم يكن يرغب [فيما كان يرغب] غيره من الملوك من الملذات الخسيسة، لذات البطن والفرج، ولم يكن من رأيه التوزع والسكون وإضاعة الحرم، بل الحذر والتشمير والحزم والعزم الصادق فيما يحصل به المجد في الدنيا، والحمد في الأخرى
стр. 597
ذكر رحيل السلطان من دمشق إلى الغزاة
ولما عزم السلطان على الخروج للغزاة بدأ بزيارة القاضى الفاضل، وكان بجوسق ابن الفراش بالشرف الأعلى في بستانه، فاستضاء برأيه فيما يريد أن يفعله، وكان لا يأتى أمرا إلا من بابه، وأقام عنده إلى الظهر ثم ودعه ورحل، وكانت مدة مقامه بدمشق خمسة أيام، فسلك على عين الجر والدلهمية والبقاع، وأتى بعلبك، وخيّم بمرج عدّوسه، ثم رحل على سمت اللبوة.
ثم أتى الدّراعة، ووصله الخبر بوصول عماد الدين زنكى بن مودود صاحب سنجار في جموعه وجنوده، ونزوله على بحيرة قدس من عمل حمص، فسار إليه، واجتمعا، ونزل السلطان وعماد الدين بالبحيرة، وعمل عماد الدين على البحيرة للسلطان دعوة، وعمل له السلطان دعوة، واجتمعا في الركوب والجلوس، وتأكد بينهما التصافى والمودة.
وأرسل السلطان إلى ابن أخيه الملك المظفر - صاحب حماة -، وولده الملك الظاهر [٣١٥]- صاحب حلب - فأمرهما بأن يجتمعا وينزلا بتيزين (١) قبالة أنطاكية لحفظ ذلك الجانب، ففعلا.
وأقام السلطان بالبحيرة إلى آخر ربيع الأول، ثم رحل في أول ربيع الآخر، وخيّم على تل قبالة حصن الأكراد، وشنّ الغارة على نواحى الحصن، وصافيتا، والعزيمة، وتلك الحصون، وفتح حصن يحمور، ولم تزل الإغارات والغنائم وهم في تلك المنزلة إلى آخر ربيع الآخر.
стр. 598
ووصل إلى السلطان وهو في تلك المنزلة قاضى جبلة منصور بن نبيل، وجماعة معه، فأشار على السلطان بقصد جبلة، وتكفل له بفتحها، وفتح اللاذقية، وتلك الحصون الشمالية والمعاقل، وكانت تلك البلاد قد سلمها إليه ابرنس أنطاكية، وعوّل عليه فيها، وقال للسلطان:
" إن الاشتغال بطرابلس مع حصانتها ومنعتها يذهب الزمان، والمسلمون بجبلة راغبون في التسليم، منتظرون للسلطان أن يخلصهم من الفرنج ".
فأصغى إلى قوله.
ذكر فتح أنطرطوس
ثم سار السلطان من منزلته تلك ذلك اليوم - يوم الجمعة رابع جمادى الأولى - على تعبية لقاء العدو؛ ورتّب الأطلاب، وسارت الميمنة ومقدمها عماد الدين زنكى، والقلب في الوسط، والميسرة في الآخرة، ومقدمها مظفر الدين بن زين الدين، والثقل في وسط العسكر، حتى أتى المنزل، فبات تلك الليلة في بلد العدو، ثم رحل صبيحة السبت ونزل على العزيمة، فلم يعرض لها، ولكن أقام عليها بقية يومه، ورحل يوم الأحد، فوصل إلى انطرطوس، فوقف قبالتها ينظر إليها، وكان عزمه الاجتياز إلى جبلة، فاستهان بأمرها، فسير من ردّ الميمنة، وأمرها بالنزول على البحر من الجانب الآخر، فما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السور وغنم العسكر جميع ما فيها، وخرج الناس ومعهم الأسرى والأموال، وترك الغلمان نصب الخيم، واشتغلوا بالكسب، ووفى بقوله ﵀ فإنه كان قد عرض عليه الغدا، فقال: " نتغدى بانطرطوس إن شاء الله ".
стр. 599
قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀:
" فعاد إلى خيمته فرحا مسرورا، وحضرنا عنده للهناء بما جرى، ومد الطعام، وحضر الناس، وأكلوا على عاداتهم، ورتّب على البرجين الباقيين الحصار، فسلم أحدهما إلى مظفر الدين، فما زال [٣١٦] يحاصره حتى أخربه، وأخذ من كان فيه، وأمر السلطان باخراب سور البلد، وقسّمه على الأمراء.
وكان البرج الآخر حصينا منيعا مبنيا بالحجر النحيت، وقد اجتمع من كان فيها من الخيّالة فيه، وخندقه فيه الماء، وفيه جروخ (١) كثيرة تجرح الناس على بعد، فرأى السلطان تأخير أمره، والاشتغال بما هو أيسر منه، واشتد في خراب السور حتى أتى عليه، وخرب البيعة، وهى بيعة عظيمة يحجونها من سائر البلاد، وأمر بوضع النار في البلد، وأحرق جميعه، والأصوات مرتفعة بالتهليل، وأقام يخرّب البلد إلى رابع عشر جمادى الأول.
ثم سار يريد جبلة، فالتقاه ولده الملك الظاهر في أثناء الطريق، ومعه العسكر التي كانت بتيزين (٢)، ونزل السلطان على مرقية، وقد أخلاها سكانها، فخيّم بها، وكانت الطريق إلى جبلة على الساحل ضيقة المسلك، وهناك حصن للاسبتار يقال له المرقب، مأهول معمور، ولا طريق إلا تحته.
وكان ملك صقلية لما بلغه ماتم على الفرنج بالشام جهّز أسطولا يشتمل على ستين قطعة، وقدم عليها رجلا يقال له المرعريط، فوصل وما ضرّ ولا نفع، فإن فرنج الساحل لم يرفعوا به رأسا، وضجروا منه، فإنه كان في عشرة آلاف رجل، ويحتاجون إلى ميرة وكلف كثيرة، فصار إلى مدينة صور، ثم رجع إلى طرابلس، وتردد أشهرا في البحر، فلما سمع بعبور عسكر المسلمين على الساحل
стр. 600
إلى جبلة جاء بالشوانى، ووضعها على موازاة الطريق، وفيها الرماة، فأمر السلطان بنقل الجفاتى (١) إلى هناك وتصفيفها، وتكثير ستائرها، وأجلس الرماة من ورائها، فما زال الأمر كذلك، والرماة ترمى، والمسلمون سالكون المضيق إلى أن عبرت الأثقال والأحمال، وخلص المسلمون من تلك المثقة، ووصلوا إلى مدينة يقال لها بلنياس، وقد انجلى عنها أهلها، فخيّم السلطان عليها، ثم أصبح على الرحيل، فاعترضه نهر عميق ما فيه طريق، وهو مطرد من الجبل إلى البحر، وعليه قنطرة واحدة، فتنكبها السلطان بالجحفل، ومضى يمينا إلى الجبل، وأبعد حتى عبر فوق رأس العين، وأحاطت العساكر بالنهر من جانبيه، (٣١٧) وتزاحمت الأثقال على القنطرة، فما خلصوا تلك الليلة إلى آخرها، ونزل السلطان قبل وصول الأثقال إلى بلده، وهى بليدة من غربى النهر على شاطئ البحر، وقد أخلاها أهلها.
ذكر فتح جبلة
وأصبح السلطان يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى نازلا على جبلة، وكان قاضيها قد سبق إليها، واتفق مع من فيها من المسلمين على التسليم، فما وصل المسلمون إليها إلا وقد رفعت على سورها الأعلام السلطانية،