← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

ذكر مقدم السلطان إلى دمشق ولما رتّب السلطان الأمور على كوكب رحل إلى دمشق مستهل ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة أربع وثمانين وخمسمائة - وكان طريقه شرقى بحيره طبرية، وتجنّب عقبة فيق لاستصعاب رقيها، ولما قارب دمشق تلقاه الناس وفرحوا بقدومه، لأنهم كانو متعطشين إلى رؤيته، فإنه كانت عيبته عنها هذه الدفعة سنة وشهرين وخمسة أيام، كسر فيها الكفر ونصر فيها الإسلام، وفتح بيت المقدس، وكان دخوله دمشق سادس ربيع الأول. [٣١٤] ولما استقر بها قراره أمر بإنشاء الكتب لاستدعاء الأجناد من الجهات للجهاد، وابتدأ بالجلوس في دار العدل، وبحضرته الفقهاء والعلماء وأهل الدين. وكان قد ولى بدمشق بدر الدين مودودا المعروف بالشحنة - وهو أخو عز الدين فرخشاه لأمه - ثم فوّض إليه ولاية الديوان؛ وكان مع الصفى بن القابض، وكان الصفى قد بنى للسلطان دارا بالقلعة مطلة على الشرفين، وأنفق عليها أموالا جليلة، وبالغ في حسنها، وظن أنها تقع من السلطان بموقع، فلما رآها السلطان ما أعارها طرفه ولا استحسنها، وكانت من جملة ذنوب الصفى التي أوجبت عزله عن الديوان، وقال: " ما يصنع بالدار من يتوقع الموت؟ وما خلق العبد إلا للعبادة والسعى في تحصيل السعادة الأبدية، وما جئنا إلى دمشق بنية الإقامة " ﵀ وقدس روحه - وكذا فلتكن الملوك. ولم يكن سعيه إلا في الجهاد وتحصيل مجد، ولم يكن يرغب [فيما كان يرغب] غيره من الملوك من الملذات الخسيسة، لذات البطن والفرج، ولم يكن من رأيه التوزع والسكون وإضاعة الحرم، بل الحذر والتشمير والحزم والعزم الصادق فيما يحصل به المجد في الدنيا، والحمد في الأخرى

стр. 597

ذكر رحيل السلطان من دمشق إلى الغزاة ولما عزم السلطان على الخروج للغزاة بدأ بزيارة القاضى الفاضل، وكان بجوسق ابن الفراش بالشرف الأعلى في بستانه، فاستضاء برأيه فيما يريد أن يفعله، وكان لا يأتى أمرا إلا من بابه، وأقام عنده إلى الظهر ثم ودعه ورحل، وكانت مدة مقامه بدمشق خمسة أيام، فسلك على عين الجر والدلهمية والبقاع، وأتى بعلبك، وخيّم بمرج عدّوسه، ثم رحل على سمت اللبوة. ثم أتى الدّراعة، ووصله الخبر بوصول عماد الدين زنكى بن مودود صاحب سنجار في جموعه وجنوده، ونزوله على بحيرة قدس من عمل حمص، فسار إليه، واجتمعا، ونزل السلطان وعماد الدين بالبحيرة، وعمل عماد الدين على البحيرة للسلطان دعوة، وعمل له السلطان دعوة، واجتمعا في الركوب والجلوس، وتأكد بينهما التصافى والمودة. وأرسل السلطان إلى ابن أخيه الملك المظفر - صاحب حماة -، وولده الملك الظاهر [٣١٥]- صاحب حلب - فأمرهما بأن يجتمعا وينزلا بتيزين (١) قبالة أنطاكية لحفظ ذلك الجانب، ففعلا. وأقام السلطان بالبحيرة إلى آخر ربيع الأول، ثم رحل في أول ربيع الآخر، وخيّم على تل قبالة حصن الأكراد، وشنّ الغارة على نواحى الحصن، وصافيتا، والعزيمة، وتلك الحصون، وفتح حصن يحمور، ولم تزل الإغارات والغنائم وهم في تلك المنزلة إلى آخر ربيع الآخر.

стр. 598

ووصل إلى السلطان وهو في تلك المنزلة قاضى جبلة منصور بن نبيل، وجماعة معه، فأشار على السلطان بقصد جبلة، وتكفل له بفتحها، وفتح اللاذقية، وتلك الحصون الشمالية والمعاقل، وكانت تلك البلاد قد سلمها إليه ابرنس أنطاكية، وعوّل عليه فيها، وقال للسلطان: " إن الاشتغال بطرابلس مع حصانتها ومنعتها يذهب الزمان، والمسلمون بجبلة راغبون في التسليم، منتظرون للسلطان أن يخلصهم من الفرنج ". فأصغى إلى قوله. ذكر فتح أنطرطوس ثم سار السلطان من منزلته تلك ذلك اليوم - يوم الجمعة رابع جمادى الأولى - على تعبية لقاء العدو؛ ورتّب الأطلاب، وسارت الميمنة ومقدمها عماد الدين زنكى، والقلب في الوسط، والميسرة في الآخرة، ومقدمها مظفر الدين بن زين الدين، والثقل في وسط العسكر، حتى أتى المنزل، فبات تلك الليلة في بلد العدو، ثم رحل صبيحة السبت ونزل على العزيمة، فلم يعرض لها، ولكن أقام عليها بقية يومه، ورحل يوم الأحد، فوصل إلى انطرطوس، فوقف قبالتها ينظر إليها، وكان عزمه الاجتياز إلى جبلة، فاستهان بأمرها، فسير من ردّ الميمنة، وأمرها بالنزول على البحر من الجانب الآخر، فما استتم نصب الخيم حتى صعد الناس السور وغنم العسكر جميع ما فيها، وخرج الناس ومعهم الأسرى والأموال، وترك الغلمان نصب الخيم، واشتغلوا بالكسب، ووفى بقوله ﵀ فإنه كان قد عرض عليه الغدا، فقال: " نتغدى بانطرطوس إن شاء الله ".

стр. 599

قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀: " فعاد إلى خيمته فرحا مسرورا، وحضرنا عنده للهناء بما جرى، ومد الطعام، وحضر الناس، وأكلوا على عاداتهم، ورتّب على البرجين الباقيين الحصار، فسلم أحدهما إلى مظفر الدين، فما زال [٣١٦] يحاصره حتى أخربه، وأخذ من كان فيه، وأمر السلطان باخراب سور البلد، وقسّمه على الأمراء. وكان البرج الآخر حصينا منيعا مبنيا بالحجر النحيت، وقد اجتمع من كان فيها من الخيّالة فيه، وخندقه فيه الماء، وفيه جروخ (١) كثيرة تجرح الناس على بعد، فرأى السلطان تأخير أمره، والاشتغال بما هو أيسر منه، واشتد في خراب السور حتى أتى عليه، وخرب البيعة، وهى بيعة عظيمة يحجونها من سائر البلاد، وأمر بوضع النار في البلد، وأحرق جميعه، والأصوات مرتفعة بالتهليل، وأقام يخرّب البلد إلى رابع عشر جمادى الأول. ثم سار يريد جبلة، فالتقاه ولده الملك الظاهر في أثناء الطريق، ومعه العسكر التي كانت بتيزين (٢)، ونزل السلطان على مرقية، وقد أخلاها سكانها، فخيّم بها، وكانت الطريق إلى جبلة على الساحل ضيقة المسلك، وهناك حصن للاسبتار يقال له المرقب، مأهول معمور، ولا طريق إلا تحته. وكان ملك صقلية لما بلغه ماتم على الفرنج بالشام جهّز أسطولا يشتمل على ستين قطعة، وقدم عليها رجلا يقال له المرعريط، فوصل وما ضرّ ولا نفع، فإن فرنج الساحل لم يرفعوا به رأسا، وضجروا منه، فإنه كان في عشرة آلاف رجل، ويحتاجون إلى ميرة وكلف كثيرة، فصار إلى مدينة صور، ثم رجع إلى طرابلس، وتردد أشهرا في البحر، فلما سمع بعبور عسكر المسلمين على الساحل

стр. 600

إلى جبلة جاء بالشوانى، ووضعها على موازاة الطريق، وفيها الرماة، فأمر السلطان بنقل الجفاتى (١) إلى هناك وتصفيفها، وتكثير ستائرها، وأجلس الرماة من ورائها، فما زال الأمر كذلك، والرماة ترمى، والمسلمون سالكون المضيق إلى أن عبرت الأثقال والأحمال، وخلص المسلمون من تلك المثقة، ووصلوا إلى مدينة يقال لها بلنياس، وقد انجلى عنها أهلها، فخيّم السلطان عليها، ثم أصبح على الرحيل، فاعترضه نهر عميق ما فيه طريق، وهو مطرد من الجبل إلى البحر، وعليه قنطرة واحدة، فتنكبها السلطان بالجحفل، ومضى يمينا إلى الجبل، وأبعد حتى عبر فوق رأس العين، وأحاطت العساكر بالنهر من جانبيه، (٣١٧) وتزاحمت الأثقال على القنطرة، فما خلصوا تلك الليلة إلى آخرها، ونزل السلطان قبل وصول الأثقال إلى بلده، وهى بليدة من غربى النهر على شاطئ البحر، وقد أخلاها أهلها. ذكر فتح جبلة وأصبح السلطان يوم الجمعة لاثنتى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى نازلا على جبلة، وكان قاضيها قد سبق إليها، واتفق مع من فيها من المسلمين على التسليم، فما وصل المسلمون إليها إلا وقد رفعت على سورها الأعلام السلطانية،

стр. 601

وتحصّن الفرنج بحصنها، فما زال بهم قاضى جبلة يخوفهم ويرغبهم حتى استنزلهم منها بشرط أن يأخذ منهم رهنا إلى أن يردوا من أنطاكية رهائن جبلة من المسلمين، فأخذ منهم جماعة من رؤوسهم ومقدميهم، فبقوا عنده حتى أعاد الابرنس صاحب أنطاكية الرهائن التي عنده، فحينئذ أطلقوا. وكان تسلم جبلة يوم السبت تاسع عشر جمادى الأولى، وأقام السلطان عليها إلى الثالث والعشرين منه. ذكر فتح بكسرائيل وفى الجبل على سمت طريق حماة حصن حصين يعرف ببكسرائيل، وكان أهل الحصن استعادوه من الفرنج منذ سنين، فسلموه إلى السلطان، ونزلوا مقدمو الجبل إلى خدمته سامعين مطيعين. ثم سلم السلطان جبلة إلى الأمير سابق الدين [عثمان] بن الداية - صاحب شيزر -، واحترم قاضى جبلة، وأحسن إليه وحبس عليه أملاكا، وصرّفه في أملاك آبائه، وحكّمه في القضاء وفوّضه إليه. ذكر فتح اللاذقية ثم رحل السلطان إلى اللاذقية يوم الأربعاء لسبع بقين من جمادى الأول، فبات بالقرب منها وصبّحها يوم الخميس، وقد امتنع الفرنج بقلاعها، وهى ثلاث متلاصقات على طول البلد، فاشتد القتال، وعظم الزحف إلى آخر النهار، فتسلم السلطان البلد دون القلاع، وغنم الناس منه غنيمة عظيمة، فإنه كان بلد التجار، وفرّق بين الناس الليل، وأصبح يوم الجمعة مقاتلا، وأخذ النقوب من شمال

стр. 602

القلاع، وتمكن منها النقب حتى بلغ طوله ستين (١) ذراعا، وعرضه أربعة أذرع، واشتد الزحف عليه، حتى صعد الناس الجبل، وقاربوا السور، وتواصل القتال [٣١٨] حتى صاروا يتحاذفون بالحجارة، فحينئذ استغاثوا بالأمان، فاستدعوا بقاضى جبلة، فدخل إليهم، وقرّر لهم قاعدة الأيمان، فأجيبوا إليه، وعادوا الناس عنهم إلى خيامهم وقد أخذ منهم التعب. ولما كان صبيحة السبت دخل إليهم قاضى جبلة، واستقر الحال معهم على أن يطلقوا بنفوسهم وذراريهم ونسائهم وأموالهم، خلا الغلال والذخائر وآلات السلاح والدواب، وأطلق لهم دواب يركبونها إلى مأمنهم، ورفع العلم السلطانى على السور في يوم السبت؛ فأقام السلطان عليها يوم الأحد سابع عشر من جمادى الأولى. ومن جملة كتاب كتبه السلطان إلى أخيه سيف الدين طغتكين بن أيوب - صاحب اليمن -: " وهذه اللاذقية مدينة واسعة، وخطة جامعة، معاقلها لا ترام، وأعلاقها لا تستام، وهى أحسن بلاد الساحل وأحصنها، وأزيدها أعمالا وضياعا وأزينها، وما في البحر مثل ميناها، ولا للمراكب (٢) الواردة إليها مثل مرساها، وهى جنة كان يسكنها أهل الجحيم، وطالما مكثت بالكفر دار بؤس فعادت بالإسلام دار نعيم ". وكانت شوانى صقلية قد قابلت في البحر اللاذقية، طلبا (٣) لا متناعها، فلما فتحت وقف السلطان على شاطئ البحر بعساكره، فطلب مقدم تلك الشوانى

стр. 603

أمانا ليصعد ويجتمع به، فصعد وخدم السلطان، وعفّر وجهه على الأرض بين يديه، وقال له: " أنت سلطان عظيم قد شاع في الأرض عدلك، واشتهر فضلك وإحسانك، فلو مننت على هذه الطائفة الساحلية الخائفة لملكت قيادها، ولو أعدت عليها ما أخذته من البلاد صاروا لك عبيدا وأطاعوك، وإلا جاءك من وراء البحر في عدد الموج أفواجا فوجا بعد فوج، وسار إليك ملوك النصرانية من سائر الممالك، وأمر هؤلاء القوم أهون عليك من غيرهم، فاعطف عليهم واصفح ". فقال له السلطان: " قد أمرنا الله بالجهاد لأعداء الدين، وافترضه علينا، فنحن قائمون في طاعته بأداء ما افترض علينا من الجهاد، وهو الذى يقدرنا على فتح البلاد، ولو اجتمع علينا أهل الأرض لتوكلنا على الله تعالى ". فصلّب الفرنجى على وجهه وعاد إلى مركبه. ذكر فتح صهيون ورحل السلطان من اللاذقية (٣١٩) قاصدا صهيون بعد أن سلمها إلى ابن أخيه الملك الظفر تقى الدين، فنزل على صهيون يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى، فاستدار العسكر بها من جميع نواحيها بكرة الأربعاء، ونصب عليها المناجيق، وهى قلعة حصينة منيعة شاهقة في الهواء، وهى في طرف جبل، وخنادقها أودية هائلة واسعة عميقة، وليس لها خندق محفور إلا من جانب واحد طوله ستون ذراعا، وهو نقر في حجر، ولها ثلاثة أسوار: سوران دون ربضها، وسور دون القلة (١) مع سور القلة.

стр. 604

وأنزل السلطان ولده الملك الظاهر على المكان الضيق من الوادى، فنصب منجنيقا مقابل قرنه من السور، وكان صائب الحجر، ولم يزل يضربها حتى هدم من السور قطعة عظيمة، وكان معه جماعة من الرجالة الحلبيين، وهم في الشجاعة بالمنزلة المشهورة، ودام رمى النشّاب (١) والجرخ (٢) والزنبورك (٣) والزّيار (٤)، فخرج أكثر أهل الحصن وهم يظهرون التجلد. ولما كان بكرة الجمعة ثانى جمادى الآخرة عزم السلطان على الزحف، وركب وتقدم، وتواتر ضرب المنجنيقات، وارتفعت الأصوات، وعظم الضجيج بالتكبير والتهليل، فتعلق المسلمون بقرنه من ذلك الجبل، وقد أغفل الفرنج إحكامها، فتسلقوا منها بين الصخور حتى التحقوا بالسور الأول، فقاتلوهم عليه حتى ملكوه، وملكو بقية أسوار الربض وهجموا.

стр. 605

قال القاضى بهاء الدين بن شداد: " فلقد كنت أشاهد الناس وهم يأخذون القدور وقد استوى فيها الطعام، فيأكلونها وهم يقاتلون القلعة، وانضم من كان في الربض إلى القلعه بما أمكنهم أن يحملوه من أموالهم، ونهب الباقى، ثم استدار المسلمون حول أسوار القلعة، فلما عاينوا الهلاك استغاثوا وطلبوا الأمان، فأمنهم السلطان، على أن يسلموا بأموالهم وأنفسهم، وقرّر عليهم قطيعة القدس، فسلمت القلعة. ثم سلّم السلطان صهيون بجميع أموالها وسائر ما حوته من ذخائر وأموال إلى الأمير ناصر الدين منكورس بن خمارتكين - صاحب بوقبيس - فأحكم البلد وحصّنه وحفظه. وكان ناصر الدين له همة عالية، ومعروف [٣٢٠] كثير وسياسة تامة، وصدقات كثيرة دارة، وأوقف وقوفا جليلة، ولم يزل مشكور السيرة، مرضى الطريقة، مقصدا وملاذا لمن قصده من أهل الفضل والدين إلى أن توفى وهو مالك صهيون، وتولى بعده ولده مظفر الدين عثمان، ثم توفى مظفر الدين عثمان ابن منكورس بن خمارتكين، فملكها بعده ولده سيف الدين محمد، فلم يزل مالكا لها إلى أن توفى سنة إحدى وسبعين وستمائة (١)، وولّى بها السلطان الملك الظاهر ركن الدين نوابه، فكان مدة ملك آل خمارتكين لها نحو سبع وثمانين سنة. وكان مظفر الدين عثمان سالكا طريقة والده في العدل والإحسان، والصدقة وحسن السيرة، وكان جده ناصح الدين خمارتكين ﵀ أميرا جليل القدر، واستشهد بيد الباطنية، وهو في خدمة السلطان، وقد ذكرنا ذلك.

стр. 606

ذكر فتح عدة حصون ثم تسلم يوم السبت ثالث جمادى الآخرة قلعة العيد، ويوم الأحد رابع الشهر قلعة الجماهريين، ويوم الاثنين خامس جمادى الآخرة حصن بلاطنس، وندب إلى كل حصن من تسلمه، وكانت هذه الحصون متعلقة بصهيون. ذكر فتح الشّغر وبكاس ثم رحل السلطان حتى أتى بكاس، وهى قلعة حصينة على جانب النهر العاصى المعروف بالارنليط، ولها نهر يخرج من تحتها، وكان نزول السلطان على جانب العاصى يوم الثلاثاء سادس جمادى الآخرة، وصعد السلطان إلى القلعة وأحدق بها من كل جانب، وقاتلها أشد قتال بالمنجنيقات والزحف، ثم تسلمها يوم الجمعة تاسع جمادى الآخرة، وأسر من فيها بعد قتل من قتل منهم، وغنم جميع ما كان فيها، وكان لها قليعة تسمى الشغر قريبة منها يجاز إليها بجسر، وهى في عاية المنعة ليس إليها طريق، فسلطت عليها المنجنيقات من الجوانب الأربع، فطلبوا الأمان، وذلك يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الآخرة، وسألوا أن يؤخروا ثلاثة أيام لأجل استئذان من بأنطاكية، ثم سلمت، وصعد العلم السلطانى على سورها يوم الجمعة سادس عشر الشهر، ثم عاد السلطان إلى مخيمه. ذكر فتح سرمانية ولما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة [٣٢١] بقيت من جمادى الآخرة سيّر السلطان ولده الملك الظاهر - صاحب حلب - إلى قلعة تسمى سرمانية، فقاتلها قتالا شديدا، وضايقها مضايقة عظيمة، ثم تسلمها يوم الجمعة لسبع بقين من الشهر، بعد قطيعة قررّها وقبضها، ولما أخرجهم منها هدمها وسواها إلى الأرض.

стр. 607

ومن عجيب الاتفاق أن هذه ست قلاع ومدن فتحت في ست جمع، وهى علامة قبول دعاء خطباء المسلمين وسعادة السلطان، حيث يسّر الفتوح في اليوم الذى تضاعف فيه الحسنات، ولم يتفق مثل هذا في تاريخ؛ وهى: جبلة، واللاذقية، وصهيون، وبكاس، والشغر، وسرمانية. ثم أنعم السلطان بالشغر وبكاس على الأمير غرس الدين قلج، وكان هذا قلج قد تسلم كفرديين - وهو معقل حصن الأرمن -، وكان هذا أميرا جليل القدر، وخلّف أولادا أكابر ثلاثة، وهم: شمس الدين، وسيف الدين، وعماد الدين؛ وكان شمس الدين أكبرهم، وله ميل إلى الفضيلة، وكذلك أخوه. ثم أخذ منهم الملك الظاهر بعد موت السلطان الحصون، وأقطعهم أخبازا كثيرة بحلب، ثم فارق سيف الدين وأخوه عماد الدين حلب، وذلك بعد وفاة الملك الظاهر ووفاة أخيهما شمس الدين، وخدما الملك الكامل بن الملك العادل، ثم تقلبت بهما الأحوال، فقتل عماد الدين بالشرق، وأما سيف الدين فخدم الملك الناصر داوود بن الملك المعظم عيسى، فأقطعه عجلون، ثم سلمها بعد ذلك سيف الدين إلى الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، وتوفى سيف الدين بدمشق، وكانت له مشاركة في علوم وفضيلة وثاقب رأى عند ملوك بنى أيوب. ذكر فتح حصن برزية ثم سار السلطان جريدة إلى حصن برزية، وهو في غاية المنعة والقوة على سن جبل شاهق يضرب به المثل في جميع بلاد الفرنج والمسلمين، تحيط به أودية من سائر جوانبه، وذرع علو القلعة فكان خمسمائة ذراع ونيفا وسبعين ذراعا، ثم جرد عزمه على حصاره بعد رؤيته، فاستدعى الثقل، ونزل تحت جبل الحصن، ولما كان بكرة يوم الأحد لخمس بقين من جمادى الآخرة صعد السلطان جريدة مع

стр. 608

المقاتلة [٣٢٢] والمنجنيقات (١) وآلات الحصار إلى الجبل، وأحدق بالقلعة من سائر جوانبها، وضرب أسوارها بالمنجنيقات المتواترة ليلا ونهارا. ولما كان يوم الثلاثاء لثلاث بقين من جمادى الآخرة رتّب السلطان العسكر ثلاثة أقسام، ورتّب كل قسم يقاتل شطرا [من النهار، ثم يستريح ويتسلم القتال الشطر الأخر] (٢) بحيث لا يفتر القتال أصلا. وكانت النوبة الأولى لعماد الدين زنكى - صاحب سنجار - فقاتل قتالا شديد حتى استوفى نوبته وكلّ أصحابه. ثم تسلم النوبة الثانية السلطان بنفسه وخواصه، وكان الزمان حرا شديدا، فاشتد الكرب على الناس، والسلطان في سلاحه يطوف عليهم ويحرضهم، وابن أخيه الملك المظفر كذلك، فقاتلوهم إلى قريب الظهر، ثم تعبوا ورجعوا، فلما رآهم السلطان قد عادوا تقدم اليهم وبيده جماق (٣) فردّهم، وصاح في القسم الثالث وهم ينتظرون نوبتهم، فوثبوا ملبين، وساعدوا إخوانهم وزحفوا، فجاء الفرنج ما لا قبل لهم به. وكان أصحاب عماد الدين قد استراحوا، فقاموا حينئذ، وتناصرت أنصار الله، واشتد الأمر، وبلغت القلوب الحناجر، فاشتد تعب الفرنج ونصبهم، وظهر عجزهم وضعفهم عن حمل السلاح، وخالطوهم المسلمون، فعاد الفرنج يدخلون الحصن، فدخل المسلمون معهم، وكانت طائفة قليلة في الخيام شرقى الحصن، فرأوا الفرنج قد أهملوا ذلك المكان، فصعدوا إلى الحصن من تلك الجهة، فلم يمنعهم مانع، والتقوا مع المسلمين الداخلين والتقوا مع الفرنج، فملكوا الحصن

стр. 609

عنوة وقهرا، ودخل الفرنج القلة التي للحصن، وأحاط بها المسلمون، وأرادوا نقبها، وكان الفرنج قد رفعوا من عندهم من أسرى المسلمين إلى سطح القلة، وأرجلهم في القيود والخشب [المثقوب] (١)، فلما سمعوا تكبير المسلمين في نواحى الحصن والقلعة كبروا في سطح القلة، فظن الفرنج أن المسلمين قد صعدوا إلى سطح القلة، فألقوا بأيديهم إلى الأسر، وملكها المسلمون عنوة، ونهبوا ما فيها، وأسروا وسبوا، وأمت خالية لا ديّار بها، وألقى المسلمون النار في بيوتهم فاحترقت، وولى السلطان حصن برزية للأمير عز الدين إبراهيم بن الأمير شمس الدين بن المقدّم - وهو صاحب حصن أفامية - وبين الحصنين بحيرة تحجز بينهما. وكانت زوجة البرنس [٢٢٣] صاحب أنطاكية تهادى السلطان وتناصحه، وتطالعه على أسرار الفرنج، وكان السلطان يكرمها لذلك، ويهدى إليها أنفس الهدايا، وكانت أختها صاحبة برزية فسبيت يوم الفتح، فما زال السلطان يطلبها حتى أحضروها، وأحضروا زوجها، وابنة له، وجماعة من أصحابها، وصهرها، فأنعم عليهم السلطان بما لهم، وسيرهم إلى أنطاكية إكراما لامرأة البرنس، فشكرته على ذلك، ودامت مودتها له. ذكر فتح دربساك (٢) ثم سار السلطان حتى أتى إلى جسر الحديد، وأقام عليه ثلاثة أيام، ثم سار إلى دربساك (٢) فنازلها يوم الجمعة ثامن رجب من هذه السنة، وهى قلعة منيعة من معاقل الداوية، قريبة من أنطاكية، ونصب عليها المنجنيقات، وتابع الرمى بالحجارة، فهدمت من سورها شيئا يسيرا، فلم يبال من فيها بذلك،

стр. 610

فزحف إليها بعساكره، وكشف الرجال عن سورها، وتقدم النقابون فنقبوا برجا وعلقوه، فسقط واتسع المكان لمن يريد أن يدخل من المقاتلة، واستمروا يومهم ذلك على الزحف من الغد، وحمى الفرنج موضع النقب بالرجال المقاتلة، ووقف في الثغرة رجال يحمونها عن من يصعد فيها. قال القاضى بهاء الدين: " ولقد شاهدتهم وكلما قتل منهم رجل قام غيره مقامه، وهم قيام عوض الجدار مكشوفين " واشتد الأمر فطلبوا الأمان، فأومنوا على أن يخرجوا بثياب أبدانهم، ويدعوا كل ما في الحصن من خيل وعدة وأثاث وقماش وذهب وفضة، واستمهلوا ثلاثة أيام ليراجعوا أهل أنطاكية، فأمهلوا حتى أخرجوا، وتسلم الحصن يوم الجمعة لثمان بقين من رجب. ذكر فتح بغراس ثم سار السلطان عن دربساك إلى قلعة بغراس بعد أن اختلف أصحابه في حصرها، فمنهم من أشار به، ومنهم من نهى عنه، فقال: " هو حصن، وقلعته منيعة بالقرب من أنطاكية، ويحتاج أن يكون أكثر العسكر يزكا في مقابلتها، وحينئذ يفشل المقاتلون على بغراص ويتعذر الوصول إليها، فاستخار السلطان الله تعالى، وسار إليها، [٣٢٤] وجعل أكثر العسكر في مقابلة أنطاكية يزكا يغيرون على أعمالها، وكانوا حذرين خوفا إن غفلوا لقربهم منها (كذا) وبقى السلطان في بعض أصحابه يقاتل القلعة، ونصب عليها المنجنيقات، فلم تؤثر فيها شيئا لعلوها وارتفاعها، فغلب على الظن تعذر فتحها، وتأخر ملكها وشق على المسلمين قلة الماء عندهم، فبينما الناس على هذه الحال وإذا بباب القلعة قد فتح، وخرج منها إنسان يطلب الأمان ليحضر، فأذن له في الحضور، فحضر وطلب الأمان لمن في الحصن حتى يسلموه بما فيه على قاعدة دربساك فأجيبوا إلى ذلك.

стр. 611

وعاد الرسول، وأخذوا الأعلام السلطانية، فرفعت على الأسوار، ونزل من فيها، وتسلم السلطان القلعة بما فيها من الرجال والسلاح والأموال، وأمر السلطان بتخريب الحصن فخرّب، وكان في ذلك مضرة عظيمة على المسلمين، فإن ابن ليون - صاحب الأرمن - أخرج إليه من ولايته بعد ذلك، فجدّد عمارته، وأتقنه، وجعل فيه جماعة من عسكره يغيرون به على البلاد، ووقع الضرر بسببه. وكان فتح بغراص في ثانى شعبان. قال عماد الدين الكاتب: " وهذان الحصنان دربساك وبغراص كانا لأنطاكية جناحين، ولطاغية الكفر سلاحين، فتم للسلطان فتح هذه الحصون المذكورة مع أبراج ومغارات وشقفانات (١) كثيرة حتى خلص ذلك الإقليم، وتم (٢) الفتح العظيم، وعادت الكنائس مساجد، والبيع معابد، والصوامع جوامع، والمذابح لعبدة الصلبان (٣) مصارع ". ذكر الهدنة مع الأبرنس صاحب أنطاكية ولما فتح السلطان بغراص عاد إلى مخيمه الأكبر وأثقاله، وراسله الابرنس في طلب الصلح، فصالحه لشدة ضجر العسكر، وقوة قلق عماد الدين - صاحب سنجار - في طلب الدستور، واشترط على الابرنس إطلاق جميع أسارى المسلمين

стр. 612

الذين عندهم [وكانوا ألف أسير فأطلقوا] (١)، وكانت مدة الصلح ثمانية أشهر، أولها [أول] تشرين الأول، وآخرها آخر أيار، وودع السلطان عماد الدين - صاحب سنجار - والعساكر [٣٢٥] الشرقية. ثم سار السلطان إلى حلب، وقد خرج كل من بها لتلقيه، مستبشرين بإقباله ونصره، وصعد إلى قلعتها، وأقام بها أياما، ووجد ولده الملك الظاهر قد سار في أهلها أحسن سيرة [ففرح بذلك] (١) ثم سار السلطان إلى معرة النعمان، وقصد زيارة الشيخ الزاهد أبى زكريا المغربى، بدير النقيرة، وزار قبر عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - ثم سار إلى حماة، فصعد مع صاحبها ابن أخيه الملك المظفر إلى قلعتها، ومع السلطان أمير المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - وهو السيد الشريف عز الدين أبو فليتة القاسم بن مهنا؛ وكان مصاحبا للسلطان في جميع فتوحاته، وكان السلطان لا يفارقه، [وكان له فيه اعتقاد عظيم، لأجل جده وليمن طلعته] (٢)؛ ووجد السلطان ابن أخيه الملك المظفر قد عمّر قلعة حماة وحصّنها، وعمّر خنادقها، وكانت ذات تل مسطح، فأصبحت من القلاع العظام المشهورة، فسر السلطان لما رأى من حصانتها، وقام الملك المظفر بوظائف خدمة عمه.

стр. 613

ذكر قدوم السلطان ﵀ إلى دمشق (١) ثم رحل السلطان من حماة قاصدا دمشق، فلم يقم بحمص، وجاء إلى بعلبك على طريق الزراعة واللبوة، ووصل إلى دمشق قبل دخول شهر رمضان، فأقام بها إلى أن دخل شهر رمضان، فأشير عليه أن يريح عسكره، فقال ﵀: " إن القدر غير مأمون، والعمر لا يعلم كم بقى منه، وللفرص أوقات تنتهز، وقد بقيت مع الكفر هذه الحصون، ولابد من المبادرة إلى أخذها، لا سيما صفد وكوكب، فإنهما للداويّة والاسبتارية في وسط البلاد، فنخرح ونشتو (٢) عندهما لنفتحهما ". ذكر فتح الكرك والشّوبك قد ذكرنا أن الأمير سعد الدين كمشبا (٣) الأسدى رتبه السلطان على منازلة الكرك، فلازم حصاره هذه المدة الطويلة حتى فمنيت أزواد الفرنج وذخائرهم، وأكلوا دوابهم، وصبروا حتى لم يبق للصبر مجال، وكان الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب مقيما بتبنين في جملة من العسكر، قد أقامه السلطان هناك عند توجهه إلى البلاد الشمالية، فراسل الفرنج [٣٢٦] الذين بالكرك الملك العادل يبذلون تسليم القلعة إليه، ويطلبون الأمان، وترددت بينهم في ذلك رسائل، وآخر الأمر أنه أجابهم، وأرسل إلى صهره سعد الدين كمشبا في المعنى، فتسلم القلعة،

стр. 614

وتسلم أيضا ما يقاربها من الحصون، كالشوبك وهرمز والوعر (١) وسلع؛ وفرغ القلب من تلك الناحية وأمن من في ذلك الصقع، كأهل القدس وغيرهم، فإنهم كانوا وجلين من مجاورتهم، مشفقين من شرهم. وكان هذا الفتح في أثناء شهر رمضان من هذه السنة - سنة أربع وثمانين وخمسمائة - ووردت البشرى بذلك إلى السلطان. ذكر فتح صفد (٢) ثم سار السلطان من دمشق منتصف شهر رمضان إلى قلعة صفد، فحصرها ونصب عليها المنجنيقات، وأدام الرمى إليها ليلا ونهارا بالحجارة والسهام، وكان أهلها قد قاربت ذخائرهم الفناء، لأن عسكر السلطان كان محاصرا لهم قبل ذلك، فلما رأوا قوة القتال، وأنهم قد أشرفوا على الهلاك لقلة الأقوات، طلبوا الأمان فأمنهم وتسلمها منهم، وخرجوا إلى صور وكفى الله المسلمين شرها، فإنها كانت في وسط البلاد الإسلامية؛ وكان فتح صفد رابع عشر شهر شوال. ذكر فتح كوكب ولما كان السلطان على منازلة صفد قال الفرنج الذين بصور: " إن فتح المسلمون (٣) قلعة صفد لم يبق كوكب، وحينئذ ينقطع طمعنا من هذه البلاد ".

стр. 615

فاتفق رأيهم على إنفاذ نجدة لها من رجال وسلاح وغير ذلك، فأخرجوا مائتى رجل من شجعان الفرنج وأجلادهم، فساروا في الليل مستخفين، وأقاموا النهار مكمنين، فاتفق أن رجلا من المسلمين الذين كانوا يحاصرون كوكب خرج متصيدا، فلقى رجلا من تلك النجدة، فاستغر به بتلك الأرض، فضربه ليعلمه بحاله وما الذى أقدمه إلى هناك، فأقرّ بالحال ودلّه على أصحابه، فعاد الجندى المسلم إلى صارم الدين قايماز النجمى وهو مقدم ذلك العسكر، فأعلمه بصورة الحال والفرنجى معه، فركب في طائفة من العسكر إلى الموضع الذى قد اختفى فيه الرجال، فكبسهم وأخذهم، وتتبعهم في الشعاب [٣٢٧] والكهوف، فلم ينفلت منهم أحد، وكان معهم مقدمان من فرسان الاسبتارية، فحملوا إلى السلطان وهو على صفد، فأحضرهما ليقتلهما، وكان عادته قتل من ظفر به من هذين البيتين: الداويّة، والاسبتارية لشدة عداوتهم للمسلمين وشجاعتهم (١)، فلما أمر بقتلهما قال له أحدهما: " ما أظن ينالنا سوء وقد نظرنا إلى طلعتك المباركة ووجهك الصبيح ". وكان ﵀ كثير العفو، يؤثر فيه الاستعطاف والاعتذار، فلما سمع كلامه (٢) لم يقتلهما وأمر بهما فسجنا. ولما فرغ السلطان من صفد سار إلى كوكب، فنزل على سطح الجبل، وجرّد العسكر، وأحدق بالقلعة، وضايقها بالكلية، بحيث اتخذ له موضعا يتجاوزه نشاب العدو، وبنى له حائطا من حجر وطين يستتر وراءه، والنشاب يتجاوزه، ولا يقف أحد على باب خيمته إلا أن يكون ملبسا، وكانت الأمطار متواترة، والوحول بحيث تمنع [الماشى والراكب] (٣) إلا بمشقة عظيمة، وعانى [السلطان] (٣)

стр. 616

شدايد وأهوالا من شدة الرياح وتراكم الأمطار، وكون العدو مسلطا عليهم بعلو مكانه، وجرح وقتل خلق كثير. ولم يزل ﵀ راكبا مركب الجد حتى تمكن النقب من سورها، وكان المقام قد طال عليها، وفى آخر الأمر زحف إليها دفعات متناوبة في يوم واحد، فوصل المسلمون إلى باشورة (١) القلعة، ومعهم النقابون والرماة يحمونهم بالنشاب عن يد واحدة والجروخ (٢)، فلم يقدر واحد منهم أن يخرج رأسه من أعلى السور فنقبوا الباشورة، فسقطت، وتقدموا إلى السور الأعلى، فلما رأى الفرنج ذلك طلبوا الأمان، فأمنهم، وتسلم الحصن منتصف ذى القعدة، فسيّرهم إلى صور، فاجتمع بها من شياطين الفرنج وشجعانهم كل صنديد، فاشتدت شوكتهم وحميت جمرتهم، وتابعوا الرسل إلى من بصقلية والأندلس وغيرهما يستغيثون ويستنجدون، والأمداد في كل وقت تأتيهم، وكان ذلك بتفريط السلطان في إطلاق كل من يحضره، حتى عضّ بنانه أسفا وندما حين جرى على المسلمين ما سنذكره إن شاء الله تعالى. ثم ولى السلطان كوكب لصارم الدين قايماز النجمى، ونزل السلطان إلى المخيّم بالغور؛ فرحم الله السلطان الملك الناصر صلاح الدين وشكر سعيه، فما كان أشد ذبه وقيامه بنصرة الدين. ولقد حكى عنه القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ قال: " حضرت مع السلطان حصار صفد ليلة، وقد [٣٢٨] عيّن مواضع خمسة مناجيق، حتى نصب الخمسة، وسلم كل منجنيق إلى قوم، ورسله تتواتر إليه يخبرونه، ويعرفهم كيف يصنعون، حتى أظلنا الصباح وقد فرغت المنجنيقات،

стр. 617

ولم يبق إلا تركيب خنازيرها (١) فيها، فرويت له الخبر المشهور في الصحاح، وبشرته بمقتضاه، وهو قوله ﵇: " عينان لا تمسهما النار: عين [باتت] (٢) تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله ". [فلقد رأيته وقد سر سرورا عظيما] (٣). وكتب السلطان إلى الديوان العزيز كتابا بالإنشاء العمادى مبشرا بفتح الكرك والشوبك وصفد وكوكب، يقول فيه: " وقد خلص [لنا] (٤) جميع مملكة القدس وحدّها في سمت مصر من (٥) العريش، وعلى صوب الحجاز من الكرك والشّوبك، ويشتمل على البلاد الساحلية إلى منتهى أعمال بيروت، ولم يبق من هذه المملكة إلا صور، وفتح أيضا جميع أعمال أنطاكية ومعاقلها التي للفرنج والأرمن، وحدّه (٦) من أقصى أعمال جبلة واللاذقية إلى بلد ابن لاون، وبقيت أنطاكية بمفردها، والقصير من حصونها، ولم يبق من البلاد التي لم تفتح أعمالها ولم تحل عما كانت عليه سوى طرابلس، فإنها لم يفتح منها إلا مدينة جبيل، فقد سحبت عليها المهلة الذيل، ومعاقلها باقية، وليس لها من عذاب الله الواقع واقية، والخادم الآن على التوجه إليها، وعزم النزول عليها، وأنه قد رتب الجانب القبلى والبلد المقدسى، وشحن الثغور من حد

стр. 618

جبيل إلى عسقلان، بالرجال والآلات والعدد، والعدد المتواصل المدد، ورتّب فيها ولده الأفضل عليّا (١) لحمايتها، وحفظ ولايتها، وقلّد ولده العزيز عثمان ولاية مصر ومملكة أقاليمها، لتهذيب أحوالها وتقويمها». ولما نزل السلطان إلى الغور ودّعه القاضى الفاضل، وتوجّه إلى مصر، ثم تحوّل السلطان إلى صحراء بيسان، وأقام بها إلى مستهل ذى الحجة. ذكر ظهور جماعة من الشيعة بمصر وثار في هذه السنة في القاهرة إثنا (٢) عشر رجلا من الشيعة ليلا، ونادوا: «يآل على. يآل على»، وسلكوا الدروب ينادون، ظنا منهم أن رعية البلد يلبون دعوتهم، ويخرجون معهم، فيعيدون دولة أهل القصر، ويخرجون من هو محبوس منهم، ويملكونه البلد، فلم يلتفت أحد [٣٢٩] من الناس إليهم، ولا أعارهم سمعه، فلما رأوا ذلك تفرقوا خائفين. وكوتب السلطان بذلك وهو على محاصرة صفد، وكان على بابه جماعة من وفود المصريين (٣) فأهمه هذا الأمر وأزعجه، وتبرم بمن على بابه منهم، وقال: " إلى متى نتحمل منهم هذا؟ "، وهمّ بطردهم من بابه وردعهم، ودخل عليه القاضى الفاضل فأخبره بذلك، فقال: " يجب عليك أن تشكر الله على هذه النعمة، فقد عرفت بهذا الأمر طاعة رعيتك، أليس لم يلب دعوتهم أحد وأنه لم يكن لهم من يمدهم؟ فطب بذلك نفسا (٤)، وتحقق زيادة منزلتك عند الله تعالى ".

стр. 619

فقال له السلطان: " [كان الملوك قبلى] (١) تخافهم الرعية وتهرب منهم، وتتوقع سطوتهم، ورعيتنا (٢) قد تكاثروا علينا وأضجرونا وملونا، وإذا ركبنا ونزلنا تعاورونا بالقصص " (٣). فقال له القاضى القاضل: " أنت أولى الناس بشكر هذه النعمة، كان بمصر بالأمس صاحب القصر وأشياعه، وخدمه وأتباعه، وأمراؤه وخواصه، وما منهم أحد إلا ويرتع الخلق في رياض إنعامه؛ وكان بالشام والبلاد الشرقية في كل بلد وال وصاحب، له على أهله نعم؛ وفى كل قطر ملك يلوذ أهل ذلك القطر به، وقد أصبحت اليوم سلطان الجميع، وقد ردّ الله سبحانه آمال الكل إليك، وجمع المتفرقين على بابك، فلا يجدون لهم - بعد الله - إلا جودك وكرمك ". فأغرورقت عينا السلطان بالدموع، وشكر الله على إحسانه إليه، وآلى على نفسه ألا يرد قاصدا، ولا يخيب وافدا، فمثل هذا فليكن السلطان، ومثل القاضى الفاضل فليكن الوزير المشير - رحمهما الله وقدّس أرواحهما -

стр. 620

ذكر وصول السلطان إلى القدس وتوجهه بعد ذلك إلى عكا ثم إلى دمشق (١) ثم رحل السلطان من البلاد الغورية مستهل ذى الحجة من هذه السنة - أعنى سنة أربع وثمانين وخمسمائة - وصحبته أخوه الملك العادل سيف الدين، فوصل إلى القدس يوم الجمعة ثامن الشهر، وهو يوم التروية، وصلى الجمعة في قبة الصخرة، وعيّد بها يوم الأحد الأضحى، ثم سار يوم الاثنين إلى عسقلان للنظر في أحوالها؛ وسيّر أخاه الملك العادل إلى الديار المصرية لمعاضدة ولده الملك العزيز [٣٣٠] ومساعدته، وأعطاه الكرك، وأخذ منه عسقلان - وكان وهبها له -. ثم توجه السلطان إلى عكا، فما مرّ على بلد إلا قوّى عدده، وكثّر عدده، ووصل إليها، وأقام بها إلى أن خرجت السنة. ودخلت سنة خمس وثمانين وخمسمائة والسلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ مقيم بعكا ينظر في أمورها ومصالحها، وقد تقدم إلى بهاء الدين قراقوش باتمام العمارة (٢)، وولى حسام الدين بشارة الولاية [بها]، وأقام السلطان بعكا معظم المحرم، ثم سار يريد دمشق، فدخلها في مستهل صفر من السنة. وفى ثانى عشر صفر وصل ضياء الدين عبد الوهاب بن سكينة رسولا من الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين يأمر بالخطبة لوليده وولى عهده عدة (٣) الدنيا والدين

стр. 621

أبى نصر محمد، وهو الذى ولى بعده، ولقب الظاهر بأمر الله؛ فأمر السلطان بإقامة الخطبة له، وسير معه رسوله ضياء الدين أبا (١) القسم بن محيى الدين بن الشهرزورى، وسيرت معه هدايا وتحف، وأسارى من الفرنج بعددهم وتاج ملكهم الأسير، والصليب الذى كان فوق الصخرة، وشئ كثير من الملبوس والطيب. وسار الرسولان إلى بغداد، ودخلت الأسارى من الفرنج على هيئتها يوم قراعها (٢)، راكبة حصنها، في طوارقها (٣) وأدراعها وبيارقها، وقد نكست

стр. 622

أعلامها وبنودها؛ فدفن الصليب (١) تحت عتبة باب النوبى الشريف يتبين منه الشئ القليل، وكان من نحاس قد طلى بذهب، فديس بالأرجل، وبصق الناس عليه.

стр. 623

قلت (١): إن عدة (٢) الدين أبا نصر محمد بن الإمام الناصر لدين الله كان الأكبر من ولد الإمام الناصر، وكان شهما قوى النفس شجاعا مقداما له همة عالية ونفس أبية، وكان أبوه يخافه ويستشعر منه لما يرى من شهامته وقوة نفسه، وكان أيضا أبو نصر محمد مخالفا لأبيه في المذهب، لأن أباه كان شيعيا، وكان أبو نصر سنيا يبغض الروافض، ويميل إلى الحنابلة، وكان أبوه يكرهه أيضا لهذا الأمر، لكنه لم يجد بدا من توليته العهد بعده إذ لم يكن له في ذلك الوقت من يصلح للأمر من بعده من ولده غيره. ثم إن الناصر لدين الله من بعد ذلك [٣٣١] نشأ له ولد أصغر من أبى نصر محمد، وهو أبو الحسن على، فكان منقادا لأبيه جدا، موافقا له في مذهب التشيع، فمال إليه الناصر لدين الله ميلا عظيما، وأعرض عن أبى نصر محمد، وقويت النفرة بينهما، وأدى ذلك إلى خلع الناصر ولده أبا نصر من ولاية العهد، وأمر بإسقاط اسمه من السكة والخطبة، وكتب بذلك إلى سائر الآفاق، وقيّد أبا نصر وحبسه. ثم بعد ذلك توفى أبو الحسن على بن الناصر، فحزن عليه أبوه الناصر حزنا عظيما، وتقدم إلى الشعراء بمرثيته، (٣) وأظهر الملوك في سائر الأطراف شعار الحزن عليه، وجلسوا له في العزاء (٣)، ورثته - كما سنذكره إن شاء الله تعالى - الشعراء، ولم يبق للخليفة غير أبى نصر، فدعته الضرورة إلى إعادة أبى نصر (٤) إلى ولاية عهده،

стр. 624

وكاتب بذلك الملوك، فخطبوا له بولاية العهد ثانيا سنة ثمانى عشرة وستمائة، لكنه لم يرض عنه، ولم يزل محبوسا مقيدا، والخطبة والسكة باسمه إلى أن توفى الناصر، وولى الخلافة بعده، لكنه لم يبق في الخلافة إلا أشهرا ومات. ذكر منازلة السلطان شقيف أرنون (١) ثم خرج السلطان من دمشق يوم الجمعة ثالث ربيع الأول من هذه السنة بعد صلاة الجمعة، فنزل بمرج فلوس، ونزل من الغد وهو يوم السبت بمرج برغوث، وأقام به والعساكر تتابع إلى حادى عشره، ورحل إلى بانياس، ومنها إلى مرج عيون، فخيّم به، وهو قريب من شقيف أرنون، بحيث يركب كل [يوم] فيشارفه ثم يعود، والعساكر تتواصل، وتأتى من كل ناحية، فأقام أياما يشرف كل يوم على الشقيف، فنزل صاحب الشقيف وهو أرناط (٢) - صاحب صيدا - بنفسه إلى السلطان، وكان صاحب دهاء [ومكر] (٣)، وكان من كبار الفرنج وعقلائهم، عارفا بالعربية (٤)، وعنده اطلاع على شئ من التواريخ والأحاديث، فحضر عند السلطان وأكل معه الطعام، ثم خلا به، وذكر أنه مملوكه وتحت طاعته، وأنه يسلم المكان إليه من غير تعب، واشترط أن يعطى موضعا يسكنه بدمشق، فإنه بعد ذلك لا يقدر على مساكنة الفرنج، وإقطاعا بدمشق يقوم به وبأهله، وقال: " إنى أخاف من المركيس أن يعرف ما بينى وبينك، فينال أولادى وأهلى منه أذى، فإنهم عنده، وأريد أن تمهلنى حتى أتوصل إلى تخليصهم من [٣٣٢] عنده، وحينئذ أحضر أنا وهم عندك، ونسلم الحصن إليك، ونكون في خدمتك ".

стр. 625

فظن السلطان صدقه، وإنما كان ذلك مكرا ودفعا للوقت، فأجابه إلى ما سأل، واستقر بينهما الأمر أن يسلم الشقيف في جمادى الآخرة. وأقام السلطان بمرج عيون ينتظر الميعاد، وهو قلق يفكر لقرب انقضاء الهدنة بينه وبين بيرنس (١) بيمند - صاحب أنطاكية -، فتقدم إلى الملك المظفر تقى الدين أن يسير فيمن معه من عساكره ومن يأتى من بلاد الشرق، ويكون مقابل أنطاكية لئلا يغير صاحبها على بلاد الإسلام عند انقضاء الهدنة، وكان أيضا منزعج (٢) الخاطر لما بلغه من اجتماع الفرنج في مدينة صور، وما يتصل بهم من الأمداد من البحر. وكان السلطان لما فتح عسقلان والبيت المقدس قد أطلق ملك الفرنج، فاصطلح هو والمركيس بعد اختلاف كان بينهما، واجتمعوا في خلق لا يحصون، وخرجوا من صور إلى ظاهرها قاصدين استنقاذ البلاد التي أخذت، فكان هذا وما أشبهه يزعج السلطان، وكان يخاف أن يترك الشقيف وراء ظهره، ويتقدم إلى صور وفيها الجموع المتواترة فتنقطع عنه الميرة، فأقام منتظرا انتهاء المدة التي ضربها له أرناط، وأخذ أرناط - صاحب الشقيف - في شراء الأقوات من سوق العسكر، والسلاح وغير ذلك مما يحصن به الحصن، وهو شقيفه، والسلطان يحسن به الظن، وإذا قيل له ما هو فيه من المكرو أن قصده المطاول إلى أن يظهر الفرنج من صور، وحينئذ يبدى صفحته، ويظهر مخالفته، و [هو] لا يقبل فيه. وأقام يتردد إلى خدمة السلطان في كل وقت. قال القاضى بهاء الدين: " وكان يناظرنا في دينه، ونناظره في بطلانه، وكان حسن المحاورة، متأدبا في كلامه، ولما كثر عند السلطان القول فيه رأى السلطان أن يصعد إلى ظهر الجبل ليقرب من المكان، ويمنع من دخول نجدة وميرة، وأظهر أن سبب ذلك حمو الزمان والفرار من وخم المرج، فنزل أرناط وسأل أن يمهل تمام سنة،

стр. 626

فماطله السلطان [وما] (١) آنسه، وقال: " نفكر في ذلك، ونجمع الجماعة ونأخذ رأيهم "؛ ثم وكل به من حيث [٣٣٣] لم يشعر إلى أن كان من أمره ما سنذكره " [إن شاء الله تعالى] (٢). وفى أثناء ربيع الأول وصل الخبر بتسليم الشوبك بالأمان، وقد ذكرناه عند تسليم الكرك. ذكر وقعة اليزك مع الفرنج (٣) قد ذكرنا اجتماع الملك والمركيس بصور واتفاقهما، وتواتر أمداد الفرنج إليهم، وحشدهم وخروجهم إلى ظاهر صور، وكان الملك قبل ذلك لما أطلق - وكان إطلاقه والسلطان منازل حصن الأكراد - قد اشترط عليه ألا يشهر عليه سيفا أبدا، ويكون مملوكه وطليقه، فنكث - لعنه الله -، وجمع الجموع وأتى صور فخيم على بابها، وطلب الدخول إليها، فمنعه المركيس، وجرت بينهما مراجعات كثيرة، وقال له المركيس: " إننى نائب الملوك الذين وراء البحر، وما أذنوا لى في تسليمها إليك ". ثم استقرت القاعدة بينهما على الاتفاق على حرب المسلمين، وعسكروا ظاهر صوركما ذكرنا. ولما كان يوم الاثنين لثلاث عشرة (٤) ليلة بقيت من جمادى الأولى بلغ السلطان من جانب اليزك أن الفرنج قد قطعوا الجسر الفاصل بين أرض صور وأرض صيدا، وهى الأرض التي السلطان عليها، فركب السلطان بنفسه نحو اليزك في شجعان أصحابه، سوى من جعله على الشقيف، فوصل وقد انفصلت

стр. 627

الوقعة، وكان صورتها: أن الفرنج عبر منها جماعة الجسر، فنهض إليهم يزك الإسلام، وكانوا في عدة وقوة، فقاتلوهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وجرحوا أضعاف ما قتلوا، ورموا في النهر جماعة (١) فغرقوا. ولم يقتل من المسلمين إلا مملوك واحد للسلطان يعرف بأيبك الأخرس (٢)، وكان شجاعا فارسا مقداما، فتقنطر به فرسه، فلجأ إلى صخرة، فقاتل بالنشاب حتى فنى نشابه، ثم بالسيف حتى قتل جماعة، ثم تكاثروا عليه فقتلوه، وأسر من الفرنج سبعة من فرسانهم المشهورة، ثم عاد الفرنج إلى مكانهم خائبين. ذكر واقعة الغزاة المطوعة ولما وصل السلطان إلى اليزك وقد فاتته الوقعة أمر فضربت له خيمة صغيرة (٣) وأقام ينتظر عود الفرنج لينتقم منهم، ويأخذ بثأر من قتل (٤) من المسلمين، فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى ركب السلطان ليشرف على [٣٣٤] القوم على عادته، فتبعه خلق عظيم من الرجالة والغزاة المطوعة والسوقة، وحرص على ردهم، فلم يفعلوا، وخاف عليهم، فإن المكان كان حرجا ليس للراجل فيه ملجأ، ثم هجم الرجالة الجسر وناوشوا العدو، وعبر منهم جماعة إليهم، وجرى بينهم قتال شديد، واجتمع عليهم من الفرنج خلق كثير وهم لا يشعرون، وكشفوهم بحيث يعلمون أنه ليس وراءهم كمين، فحمل الفرنج عليهم جملة واحدة، وقاتلوهم، وكان السلطان بعيدا عنهم، ولم يكن معه عسكر،

стр. 628

فإنه لم يخرج للقتال، وإنما قصد كشف حال العدو فقط، ولما بانت له الوقعة وظهر غبارها بعث إليهم من كان معه ليردوهم، فوجدوا الأمر قد فرط، وقد تكاثرت الفرنج حتى خافت منهم السرية التي بعثها السلطان، وظفر العدو بالرجالة ظفرا عظيما، وأسروا جماعة كثيرة، وقتلوا نحو مائة وثمانين نفرا، وقتل من الفرنج أيضا عدة عظيمة، وغرق أيضا منهم عدة، وقتل منهم مقدم الألمانية وكان عندهم عظيما محترما، واستشهد في ذلك اليوم من المسلمين الأمير غازى ابن سعد الدين بن النصار (١)، وكان شابا حسنا شجاعا، فاحتسبه أبوه في سبيل الله ولم تقطر من عينه دمعة عليه. ذكر توجه السلطان إلى عكا وعوده إلى معسكره بمرج عيون (٢) ولما رأى السلطان ما حلّ بالمسلمين في هذه الوقعة النادرة التي لم يصابوا بمثلها قبل ذلك جمع أصحابه وشاورهم وقرر معهم أنه يهجم على الفرنج، ويعبر الجسر ويقاتلهم ويستأصل شأفتهم. وكان الفرنج قد رحلوا من صور ونزلوا قريبا من الجسر، وبين صور وبين الجسر مقدار فرسخ أو أكثر، فلما صمم العزم على ذلك رحل الفرنج عائدين إلى صور ملتجئين إلى سورها، فحينئذ توجه السلطان جريدة إلى عكا ليلحظ ما بنى من سورها، ويحث على الباقى، فمضى إلى تبنين، ثم إلى عكا، فرتب أحوالها، وعاد إلى المعسكر بمرج عيون، منتظرا مهلة صاحب الشقيف.

стр. 629

ذكر وقعة الكمين ولما كان يوم السبت سادس جمادى الآخرة بلغ السلطان أن الفرنج يخرجون من صور للاحتطاب والاحتشاش متبددين (١) ويصلون إلى جبل تبنين، وفى قلبه من رجالة المسلمين وما جرى عليهم أمر عظيم، فرأى أن يقرر كمينا لهم، وبلغه أنه [٣٣٥] يخرج وراءهم (٢) أيضا خيل تحفظهم، فعمل كمينا يصلح للقاء الجميع، ثم أنفذ إلى عسكر تبنين أن يخرجوا في نفر يسير عابرين (٣) على تلك الرجالة، فان تبعهم خيل العدو ينهزموا إلى جهة عينها لهم، وأن يكون ذلك صبيحة الاثنين ثامن جمادى الآخرة، وأرسل إلى عسكر عكا أن يسير حتى يكون وراء عسكر العدو، وحتى إن تحركوا يكونوا في نصرة أصحابهم، وقصد واخيمهم. وركب السلطان في عساكره إلى الجهة التي عينها لهزيمة عسكر تبنين، حتى قطع تبنين ورتب العسكر ثمانية أطلاب، واستخرج من كل طلب عشرين فارسا، وأمرهم أن يتراءوا للعدو حتى يظهروا إليهم ويناوشوهم، وينهزموا بين أيديهم، حتى يصلوا إلى الكمين، ففعلوا ذلك وظهر لهم من الفرنج معظم عسكرهم، يقدمهم الملك، وجرى بينهم وبين [هذه] الفرقة اليسيرة قتال شديد والتزمت السرية (٤) القتال، وأنفت من الانهزام، وحملتهم الحمية على مخالفة السلطان، واتصل الخبر بالسلطان في أواخر الأمر وقد هجم الليل، فبعث بعوثا كثيرة، فعاد الفرنج ناكصين على أعقابهم، وقتل من الفرنج عشرة، ومن

стр. 630

المسلمين ستة: اثنان من الترك، وأربعة من العرب، منهم الأمير زامل (١)، وكان مقدم عشيرته، وسبب قتله أن فرسه تقنطر به، ففداه ابن عمه بفرسه، فتقنطرت به أيضا، وأسر هو وثلاثة من أهله، فلما بصر الفرنج بمدد العسكر قتلوهم لئلا يستنقذوا، وجرح (٢) من الطائفتين ومن خيولهم كثير. ومن نوادر هذه الوقعة أن مملوكا من مماليك السلطان يقال له " أيبك " أثخن بالجراح حتى وقع بين القتلى وجراحاته تشخب دما، وبات ليله أجمع على تلك الحال إلى صبيحة يوم الثلاثاء، فتفقده أصحابه، فلم يجدوه، فعرّفوا السلطان فقده، فأنفذ من يكثف حاله، فوجده بين القتلى، فحملوه إلى [المخيم] (٣) وداووه، وعافاه الله تعالى، وعاد السلطان إلى المخيم عاشر جمادى الآخرة فرحا مسرورا. ذكر مسير الفرنج إلى عكا ومحاصرتهم لها قد ذكرنا حشد الفرنج واجتماعهم بصور، وتواصل الأمداد إليهم من البحر، وكان الرهبان والقسوس من حين ملك المسلمون (٤) بيت المقدس قد لبسوا السواد وأظهروا الحزن [٣٣٦] وأخذهم بطرك القدس، ودخل بهم بلاد الافرنج يطوفها بهم جميعا (٤)، ويستنجدون أهلها، ويحثونهم على استرجاع القدس، وقد صوروا المسيح ﵇ وجعلوا معه صورة رجل عربى يضر به [بعصا] (٣) وقد جعلوا الدماء على صورة المسيح، وقالوا: هذا المسيح يضر به محمد نبى المسلمين وقد جرحه وقتله.

стр. 631

فعظم ذلك على الفرنج، فحشدوا وحشروا (١)، حتى النساء خرجن للمقاتلة، ومن لم يستطع الخروج استأجر من خرج عوضه، أو يعطيهم مالا على قدر حاله، فاجتمع لهم من الرجال والأموال مالا يقع عليه الإحصاء، ولما عظمت جموعهم وتكاملوا صمموا على قصد عكا ومحاصرتها، وساروا إليها نحو النواقير، وبعضهم نزل باسكندرونة (٢) وجرى بينهم وبين رجالة المسلمين مناوشة، وقتل من المسلمين نفر يسير، وأقاموا هناك. ولما بلغ السلطان حركتهم إلى تلك الجهة عظم عليه، ولم ير المسارعة خوفا من أن يكون قصدهم ترحيله عن الشقيف لا قصد المكان، فأقام مستكشفا للحال إلى يوم الأحد ثانى عشر رجب، فوصل قاصد يخبر أن الفرنج في بقية ذلك اليوم رحلوا ونزلوا عين بصّه (٣) ووصل أوائلهم إلى الزيب (٤)، فعظم ذلك عليه، وكتب إلى سائر الأطراف بالمسير إليه، وعزم على قصد الفرنج. ذكر القبض على صاحب الشقيف وفتح الشقيف وقد ذكرنا خداع أرناط - صاحب الشقيف - ومكره ومدافعته، وأن السلطان وكل به من حيث لم يشعر، وقد ذكرنا تحول السلطان بعسكره إلى قرب الحصن، ولما قربت مدة الهدنة، وبقى منها يومان تضرع [أرناط] (٥)

стр. 632

وأبدى ضرورة وملقا، فقيل له لابد وأن تسلم ولا تحوج إلى المقابحة؛ فطلب قسيسا ذكره ليحمله رسالة إلى أهل الشقيف ليسلموه فأحضروه عنده، فسارّه بما لم يعلموه، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف، فأظهروا العصيان، وقالوا: " يبقى مكانه "، فحينئذ تحقق غدره، وبطل الرجاء منه فقيّد وحبس، ثم استحضر في سادس رجب وتهدد وتوعد (١)، فلم يفد ذلك، فسيّره السلطان إلى دمشق بعد رحيله إلى عكا، وحبس بها. ورتّب السلطان عدة من الأمراء على محاصرة الشقيف صيفا وشتاء [٣٣٧] فتسلموه بعد سنة بحكم السلم، وأطلق صاحبه وعفا عنه. ذكر رحيل السلطان إلى عكا ومنازلة الفرنج المنازلين لها ثم رحل السلطان إلى عكا يوم الاثنين ثالث عشر رجب على طريق طبرية إذ لم يكن طريق يسع العساكر إلا هو، وسيّر جماعة على طريق تبنين يتشرفون العدو ويواصلون بأخباره. ولما كان غد يوم الرحيل - وهو يوم الثلاثاء - سيّر صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، واشتد حنقه عليه، بسبب تضييع ثلاثة أشهر عليه وعلى عسكره لم يعملوا فيها شيئا. وسار (٢) السلطان جريدة (٣) من المنية (٣) حتى اجتمع ببقية العسكر الذى كان أنفذه على طريق تبنين بمرج صفورية؛ فإنه كان واعدهم إليه، وتقدم إلى

стр. 633

الثقل أن يلحقه إلى مرج صفورية، ولم ينزل حتى شارف العدو من الخروبة وأنفذ بعض العسكر؛ فدخل عكا على غرة من العدو وتقوية لمن فيها؛ ولم يزل يبعث إليها بعثا بعد بعث حتى حصل فيها خلق كثير. وذكر عماد الدين الكاتب: أن العدو لما قصدوا عكا كان من رأيه مسايرتهم في الطريق ليمنعهم من النزول، فإنهم إذا نزلوا صعب إزالتهم وأتعب قتالهم، فخالفه أمراؤه في ذلك، وقالوا: " بل نمضى على أسهل (١) الطرق "، فسار الثقل من الليل على طريق الملاحة، وجب يوسف، والمنية. ووصل الثقل عصر يوم الثلاثاء رابع عشر رجب كفركنا (٢) والسلطان نازل بها، ونزل يوم الأربعاء (٢) منتصف رجب على جبل الخروبة، ونزل الفرنج على عكا من البحر إلى البحر يحيطونها، وضرب الملك خيمة على تل المصلبة (٣)، ورابطت مراكبهم بشاطئ البحر، ثم عبأ السلطان أطلابه، وسار من الخروبة إلى تل كيسان في أوائل مرج عكا، فنزل عليه، وأمر الناس أن ينزلوا على التعبئة وكان آخر الميسرة على طرف النهر الحلو، وآخر الميمنة مقابل تل العياضية، واختلط العسكر الإسلامى بالعدو، وأخذوا عليهم الطرق من الجوانب، وصار السلطان محاصرا للفرنج، والفرنج محاصرين لعكا، وتلاحقت العساكر الإسلامية واجتمعت، وترتب اليزك الدائم، وحصر العدو في خيامه [٣٣٨] بحيث لا يخرج منهم أحد إلا ويجرح أو يقتل، وكانت عدة خيالتهم ألفين (٤) ورجالتهم ثلاثين ألفا.

стр. 634

قال القاضى بهاء الدين: " ما رأيت من نقّصهم عن ذلك، ورأيت من حزرهم بزيادة على ذلك، ومددهم من البحر متصل غير منقطع، وجرى بينهم وبين اليزك مقاتلات عظيمة متواترة، والمسلمون يتهافتون على قتالهم، والسلطان يمنعهم من ذلك إلى وقته (١)، وعساكر المسلمين وملوكهم وأمراؤهم تتواصل من الأمصار، ووصل من حماة الملك المظفر تقى (٢) الدين عمر، ووصل من الشرق مظفر الدين بن زين الدين على كوجك، وتوفى في تلك الأيام حسام الدين سنقر الخلاطى وكان شجاعا دينا ". ذكر الوقعة الأولى التي تيسّر للمسلمين بها دخول البلد ولما استفحل أمر العدو وحصروا البلد من جميع جهاتها بحيث تعذر على المسلمين دخول البلد والخروج منه ضاق صدر السلطان بذلك، وسمت همته إلى فتح الطريق إلى عكا، لتستمر السابلة، وترد إليها الميرة والنجدة، فباكر الفرنج القتال مستهل شعبان من هذه السنة، فلم ينل منهم ما يريد، وبات الناس على تعبئة. فلما كان الغد باكرهم القتال، واستدار عليهم من سائر جهاتهم، فقاتلهم من بكرة إلى الظهر، وصبر الفريقان صبرا تاما حاوله من رآه، فلما كان وقت الظهر حمل الملك المظفر حملة منكرة من الميمنة على من يليه منهم، فأزالهم عن مواقفهم، يركب بعضهم بعضا، لا يلوى أخ على أخيه، فالتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم، واحتموا بهم، وأخلوا جانب البحر الشمالى (٣)، شمال عكا،

стр. 635

ولم يكن لهم هناك خيام، لكن عسكرهم كان قد امتد جريدة شمال عكا إلى البحر، ولما انكسر العدو في ذلك الجانب تبعهم المسلمون، وهجموا خلفهم إلى أول خيامهم، ووقف اليزك الإسلامى مانعا أن يخرج من عسكرهم خارج أو يدخل إليه داخل، وانفتح الطريق إلى عكا من باب القلعة المسماة بقلعة الملك إلى باب بهاء الدين قراقوش الذى جددّه، وصار الطريق مهيعا يمر فيه السوقى ومعه الحوائج ويمر به الرجل الواحد والمرأة، واليزك بين الطريق وبين العدو. ودخل السلطان ذلك (١) اليوم إلى عكا، ورقى إلى السور [٣٣٩] ونظر إلى عسكر العدو، وتراجع الناس عن القتال بعد صلاة الظهر لسقى الدواب وأخذ الراحة، ولم يعودوا للقتال، وأصبحوا يوم الأحد ثالث شعبان فرأى بعض الأمراء تأخير القتال إلى أن يدخل الراجل كله إلى عكا، ويخرجوا مع العسكر المقيم بها من أبواب البلد على العدو ومن ورائه، وتركب العساكر من خارج من سائر الجوانب، ويحملوا حملة الرجل الواحد. ذكر الوقعة الثانية ولما كان يوم الجمعة ثامن شعبان خرج الفرنج من مخيمهم بفارسهم وراجلهم، والراجل حولهم كالسور يتلو بعضهم بعض، حتى قاربوا خيام اليزك، فصاح السلطان بالعساكر الإسلامية، فركبوا بأجمعهم، وحملوا حملة الرجل الواحد، فعاد العدو ناكصا على عقبيه، والسيف يعمل فيهم، فالسالم جريح والعاطب طريح، حتى لحقوا بخيامهم، وانكفوا عن القتال أياما، واستمر فتح طريق عكا والمسلمون يترددون إليها.
следующие страницы →