فعظم ذلك على الفرنج، فحشدوا وحشروا (١)، حتى النساء خرجن للمقاتلة، ومن لم يستطع الخروج استأجر من خرج عوضه، أو يعطيهم مالا على قدر حاله، فاجتمع لهم من الرجال والأموال مالا يقع عليه الإحصاء، ولما عظمت جموعهم وتكاملوا صمموا على قصد عكا ومحاصرتها، وساروا إليها نحو النواقير، وبعضهم نزل باسكندرونة (٢) وجرى بينهم وبين رجالة المسلمين مناوشة، وقتل من المسلمين نفر يسير، وأقاموا هناك.
ولما بلغ السلطان حركتهم إلى تلك الجهة عظم عليه، ولم ير المسارعة خوفا من أن يكون قصدهم ترحيله عن الشقيف لا قصد المكان، فأقام مستكشفا للحال إلى يوم الأحد ثانى عشر رجب، فوصل قاصد يخبر أن الفرنج في بقية ذلك اليوم رحلوا ونزلوا عين بصّه (٣) ووصل أوائلهم إلى الزيب (٤)، فعظم ذلك عليه، وكتب إلى سائر الأطراف بالمسير إليه، وعزم على قصد الفرنج.
ذكر القبض على صاحب الشقيف وفتح الشقيف
وقد ذكرنا خداع أرناط - صاحب الشقيف - ومكره ومدافعته، وأن السلطان وكل به من حيث لم يشعر، وقد ذكرنا تحول السلطان بعسكره إلى قرب الحصن، ولما قربت مدة الهدنة، وبقى منها يومان تضرع [أرناط] (٥)
стр. 632
وأبدى ضرورة وملقا، فقيل له لابد وأن تسلم ولا تحوج إلى المقابحة؛ فطلب قسيسا ذكره ليحمله رسالة إلى أهل الشقيف ليسلموه فأحضروه عنده، فسارّه بما لم يعلموه، فمضى ذلك القسيس إلى الشقيف، فأظهروا العصيان، وقالوا:
" يبقى مكانه "، فحينئذ تحقق غدره، وبطل الرجاء منه فقيّد وحبس، ثم استحضر في سادس رجب وتهدد وتوعد (١)، فلم يفد ذلك، فسيّره السلطان إلى دمشق بعد رحيله إلى عكا، وحبس بها.
ورتّب السلطان عدة من الأمراء على محاصرة الشقيف صيفا وشتاء [٣٣٧] فتسلموه بعد سنة بحكم السلم، وأطلق صاحبه وعفا عنه.
ذكر رحيل السلطان إلى عكا ومنازلة الفرنج المنازلين لها
ثم رحل السلطان إلى عكا يوم الاثنين ثالث عشر رجب على طريق طبرية إذ لم يكن طريق يسع العساكر إلا هو، وسيّر جماعة على طريق تبنين يتشرفون العدو ويواصلون بأخباره.
ولما كان غد يوم الرحيل - وهو يوم الثلاثاء - سيّر صاحب الشقيف إلى دمشق بعد الإهانة الشديدة، واشتد حنقه عليه، بسبب تضييع ثلاثة أشهر عليه وعلى عسكره لم يعملوا فيها شيئا.
وسار (٢) السلطان جريدة (٣) من المنية (٣) حتى اجتمع ببقية العسكر الذى كان أنفذه على طريق تبنين بمرج صفورية؛ فإنه كان واعدهم إليه، وتقدم إلى
стр. 633
الثقل أن يلحقه إلى مرج صفورية، ولم ينزل حتى شارف العدو من الخروبة وأنفذ بعض العسكر؛ فدخل عكا على غرة من العدو وتقوية لمن فيها؛ ولم يزل يبعث إليها بعثا بعد بعث حتى حصل فيها خلق كثير.
وذكر عماد الدين الكاتب: أن العدو لما قصدوا عكا كان من رأيه مسايرتهم في الطريق ليمنعهم من النزول، فإنهم إذا نزلوا صعب إزالتهم وأتعب قتالهم، فخالفه أمراؤه في ذلك، وقالوا: " بل نمضى على أسهل (١) الطرق "، فسار الثقل من الليل على طريق الملاحة، وجب يوسف، والمنية.
ووصل الثقل عصر يوم الثلاثاء رابع عشر رجب كفركنا (٢) والسلطان نازل بها، ونزل يوم الأربعاء (٢) منتصف رجب على جبل الخروبة، ونزل الفرنج على عكا من البحر إلى البحر يحيطونها، وضرب الملك خيمة على تل المصلبة (٣)، ورابطت مراكبهم بشاطئ البحر، ثم عبأ السلطان أطلابه، وسار من الخروبة إلى تل كيسان في أوائل مرج عكا، فنزل عليه، وأمر الناس أن ينزلوا على التعبئة وكان آخر الميسرة على طرف النهر الحلو، وآخر الميمنة مقابل تل العياضية، واختلط العسكر الإسلامى بالعدو، وأخذوا عليهم الطرق من الجوانب، وصار السلطان محاصرا للفرنج، والفرنج محاصرين لعكا، وتلاحقت العساكر الإسلامية واجتمعت، وترتب اليزك الدائم، وحصر العدو في خيامه [٣٣٨] بحيث لا يخرج منهم أحد إلا ويجرح أو يقتل، وكانت عدة خيالتهم ألفين (٤) ورجالتهم ثلاثين ألفا.
стр. 634
قال القاضى بهاء الدين:
" ما رأيت من نقّصهم عن ذلك، ورأيت من حزرهم بزيادة على ذلك، ومددهم من البحر متصل غير منقطع، وجرى بينهم وبين اليزك مقاتلات عظيمة متواترة، والمسلمون يتهافتون على قتالهم، والسلطان يمنعهم من ذلك إلى وقته (١)، وعساكر المسلمين وملوكهم وأمراؤهم تتواصل من الأمصار، ووصل من حماة الملك المظفر تقى (٢) الدين عمر، ووصل من الشرق مظفر الدين بن زين الدين على كوجك، وتوفى في تلك الأيام حسام الدين سنقر الخلاطى وكان شجاعا دينا ".
ذكر الوقعة الأولى التي تيسّر للمسلمين بها دخول البلد
ولما استفحل أمر العدو وحصروا البلد من جميع جهاتها بحيث تعذر على المسلمين دخول البلد والخروج منه ضاق صدر السلطان بذلك، وسمت همته إلى فتح الطريق إلى عكا، لتستمر السابلة، وترد إليها الميرة والنجدة، فباكر الفرنج القتال مستهل شعبان من هذه السنة، فلم ينل منهم ما يريد، وبات الناس على تعبئة.
فلما كان الغد باكرهم القتال، واستدار عليهم من سائر جهاتهم، فقاتلهم من بكرة إلى الظهر، وصبر الفريقان صبرا تاما حاوله من رآه، فلما كان وقت الظهر حمل الملك المظفر حملة منكرة من الميمنة على من يليه منهم، فأزالهم عن مواقفهم، يركب بعضهم بعضا، لا يلوى أخ على أخيه، فالتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم، واحتموا بهم، وأخلوا جانب البحر الشمالى (٣)، شمال عكا،
стр. 635
ولم يكن لهم هناك خيام، لكن عسكرهم كان قد امتد جريدة شمال عكا إلى البحر، ولما انكسر العدو في ذلك الجانب تبعهم المسلمون، وهجموا خلفهم إلى أول خيامهم، ووقف اليزك الإسلامى مانعا أن يخرج من عسكرهم خارج أو يدخل إليه داخل، وانفتح الطريق إلى عكا من باب القلعة المسماة بقلعة الملك إلى باب بهاء الدين قراقوش الذى جددّه، وصار الطريق مهيعا يمر فيه السوقى ومعه الحوائج ويمر به الرجل الواحد والمرأة، واليزك بين الطريق وبين العدو.
ودخل السلطان ذلك (١) اليوم إلى عكا، ورقى إلى السور [٣٣٩] ونظر إلى عسكر العدو، وتراجع الناس عن القتال بعد صلاة الظهر لسقى الدواب وأخذ الراحة، ولم يعودوا للقتال، وأصبحوا يوم الأحد ثالث شعبان فرأى بعض الأمراء تأخير القتال إلى أن يدخل الراجل كله إلى عكا، ويخرجوا مع العسكر المقيم بها من أبواب البلد على العدو ومن ورائه، وتركب العساكر من خارج من سائر الجوانب، ويحملوا حملة الرجل الواحد.
ذكر الوقعة الثانية
ولما كان يوم الجمعة ثامن شعبان خرج الفرنج من مخيمهم بفارسهم وراجلهم، والراجل حولهم كالسور يتلو بعضهم بعض، حتى قاربوا خيام اليزك، فصاح السلطان بالعساكر الإسلامية، فركبوا بأجمعهم، وحملوا حملة الرجل الواحد، فعاد العدو ناكصا على عقبيه، والسيف يعمل فيهم، فالسالم جريح والعاطب طريح، حتى لحقوا بخيامهم، وانكفوا عن القتال أياما، واستمر فتح طريق عكا والمسلمون يترددون إليها.
стр. 636
فلما كان الحادى عشر من شعبان رأى السلطان توسيع الدائرة عليهم لعلهم يخرجون إلى مصارعهم، فنقل الثقل إلى تل العياضية، وهو تل قبالة تل المصلبيين مشرف على العدو وعكا؛ وتوفى في هذه المنزلة حسام الدين طمان، وكان من شجعان المسلمين، ودفن في سطح التل.
ذكر وقعة العرب
ثم بلغ السلطان أن جمعا من الفرنج يخرجون للاحتطاب والاحتشاش من طرف النهر مما ينبت عليه، فكمن لهم جماعة من العرب فهجموا عليهم، وقتلوا منهم خلقا عظيما، وأسروا جماعة، وأحضروا رؤوسا عدة بين يديه، وذلك لإحدى عشرة ليلة بقيت من شعبان.
وفى عشية هذا اليوم وقع بين الفرنج وبين أهل البلد حرب عظيم، قتل فيها جمع عظيم من الطائفتين، وطال الأمربين الفئتين، فلم يخل يوم من جرح وقتل وسبى ونهب، وأنس المسلمون بالفرنج بطول المدة بحيث كانوا يتركون القتال ويتحدّثون، وربما غنّى (١) بعضهم لبعض، ثم يعاودون القتال بعد ساعة، وكانوا ربما خرّجوا صبيانهم وقاتلوا صبيان المسلمين، وأصرعوهم وصارعوهم (٢)، وأسر بعضهم بعضا.
ذكر الوقعة العظمى بمرج عكا
ولما كان يوم الأربعاء لتسع بقين من شعبان من هذه السنة خرج الفرنج بفارسهم وراجلهم، وتحركوا حركة لم يتحركوا قبل ذلك مثلها، واصطفوا ميمنة [٣٤٠] وميسرة، وفى القلب الملك، وبين يديه الإنجيل محمول مستور
стр. 637
بثوب أطلس مغطى، وأربعة أنفس يمسكون أطرافه، وهم يسيرون بين يدى الملك، وامتدت الميمنة مقابلة ميسرة المسلمين من أولها إلى آخرها، والميسرة في مقابلة الميمنة، وملكوا رؤوس التلال، وكان طرف ميمنتهم إلى النهر، وميسرتهم إلى البحر، ونادى الجاووش (١): " يا للإسلام وعساكر الموحدين "، فركب الناس وباعوا أنفسهم بالجنة، وامتدت الميمنة إلى البحر، كل قوم يركبون ويصطفون بين يدى خيمهم، والميسرة إلى النهر كذلك.
وكان السلطان في القلب، وفى الميمنة ولده الملك الأفضل نور الدين، ثم ولده الملك الظافر خضر - وهو المعروف بالمشمر -، ثم عسكر الموصل، ومقدمهم ظهير الدين بن البلتكرى (٢)، ثم عسكر ديار بكر ومقدمهم قطب الدين بن نور الدين صاحب الحصن وآمد، ثم حسام الدين لاجين بن أخت السلطان [صاحب] (٣) نابلس، ثم صارم الدين قايماز النجمى، وجموع عظيمة متصلون بطرف الميمنة، وكان في طرفها الملك المظفر تقى الدين بعسكره، وهو (٤) مطل على البحر.
стр. 638
وأما الميسرة فكان مما بلى القلب الأمير سيف الدين على بن أحمد المثطوب (١) - ملك الأكراد ومقدمهم - والأمير مجلى، وجماعة من المهرانية والهكّارية، ومجاهد الدين برتقش مقدم عسكر سنجار، وجماعة من المماليك، ثم مظفر الدين ابن زين الدين بعسكره، وأواخر الميسرة كبار الأسدية، مثل: سيف الدين يازكوج (٢) ورسلان بغا.
وفى مقدمة القلب الفقيه ضياء الدين عيسى وجمعه.
والسلطان يطوف بنفسه على الأطلاب، ويحثهم على القتال، ويدعوهم إلى النزال، ويرغبهم فيما عند الله من الأجر والثواب الجزيل لمن جاهد في سبيل الله وقام بنصرة دينه.
ولم يزل القوم يتقدمون والمسلمون يقدمون حتى مضت أربع ساعات من النهار، وعند ذلك تحركت ميسرة العدو على ميمنة المسلمين، فأخرج لهم الملك المظفر الجاليش، وجرى بينهم قلبات (٣) كثيرة، وتكاثروا على الملك المظفر، وكان طرف الميمنة على البحر، فتراجع عنهم قليلا إطماعا لهم لعلهم يبعدون عن أصحابهم، فينال منهم غرضا، فلما رآه السلطان قد تأخر أمدّه بأطلاب [٣٤١] عدة من القلب حتى قوى جانبه، وتراجعت ميسرة العدو، واجتمعت على تل مشرف على البحر.
ولما رأى الذين في مقابلة القلب [ضعف القلب (٤)] ومن خرج منه من الأطلاب داخلهم الطمع، وتحركوا نحو ميمنة القلب، وحملوا حملة رجل واحد بفارسهم
стр. 639
وراجلهم، وجاءت الحملة على الديار بكربة، وكان بهم غرة عن الحرب (١)، فانهزموا هزبمة قبيحة، وسرى الأمر حتى انهزم معظم الميمنة.
واتبع العدو المنهزمين (٢) إلى العياضية، فإنهم استداروا حول التل، وصعد العدو إلى خيم السلطان، وجالوا حولها جولة، ثم رأوا انقطاع أصحابهم عنهم، فاتحدروا عن التل، وأما الميسرة [فقد] ثبتت إذ لم تصادفها الحملة.
وطاف السلطان على الأطلاب ينهضهم ويعدهم الوعود الجميلة، ويحثهم على الجهاد، وينادى بالإسلام، ولم يبق معه إلا خمسة أنفس، وهو يطوف ويتخرق الصفوف، وأوى إلى تحت التل الذى عليه الخيام، وأما المنهزمون فإنه بلغت هزيمتهم إلى الأقحوانة قاطع جسر طبرية ومنهم من تم إلى دمشق.
قال عماد الدين الكاتب:
" كنت في جماعة من أهل الفضل، ونحن على بغال بغير أهبة (٣) قتال، فرأينا العسكر موليا، والمنهزم عما تركه من خيامه ورحله متخليا، فوصلنا إلى طبريه فيمن وصل، ووجدنا ساكنها قد أجفل، فسقنا إلى جسر الصنبرة، ونزلنا على شرقيه، وكل منا ذاهل عن شبعه وريّه، ومن المنهزمين من بلغ عقبة فيق [وهو غير مفيق] (٤)، ومنهم من وصل إلى دمشق وهو غير معرج على طريق ".
وأما المتبعون للمنهزمين فإنهم تبعوهم إلى العياضية، فلما رأوهم قد صعدوا الجبل رجعوا عنهم، وجاءوا عائدين إلى عسكرهم، فلقيهم جماعة من الغلمان
стр. 640
والخربندية (١) والساسة (٢) منهزمين على بغال الحمل، فقتلوا منهم جماعة، وقتل منهم جماعة، فإن أهل السوق كان أكثرهم يحمل السلاح.
وكان السلطان واقفا تحت التل ومعه نفر يسير، وهو يجمع الناس ليعود على الحملة على العدو، فلما رأى الفرنج الذين كانوا صعدوا إلى خيم السلطان منحدرين من التل أراد لقاءهم فأمر [٣٤٢] أصحابه بالصبر إلى أن ولوا ظهورهم، وأسرعوا يطلبون أصحابهم، فصاح السلطان في الناس، فحملوا عليهم، وطرحوا منهم جماعة، واشتد الطمع فيهم، وتكاثر الناس (٣) وراءهم، حتى لحقوا أصحابهم، والطرد وراءهم، فلما رآهم أصحابهم منهزمين والمسلمون وراءهم في عدد كثير، ظنوا أن من حمل منهم قد قتل، وأنه (٤) إنما نجا هذا النفر فقط (٤)، وأن الهزيمة قد عادت عليهم، فاشتدوا في الهرب والهزيمة، ثم تحركت الميسرة من المسلمين على العدو.
وعاد الملك المظفر بجمعه من الميمنة، وتناخت (٥) الرجال، وتراجع الناس من كل جانب، وكثر القتل والجرح في الفرنج إلى أن اتصل المنهزمون السالمون إلى عسكر العدو، فهجم المسلمون عليهم في الخيام، فخرج منهم أطلاب كانوا قد أعدوها خشية من هذا الأمر مستريحة، فردوا المسلمين، وكان التعب قد أخذ من الناس (٦)، والخوف والعرق قد ألجمهم، فتراجع الناس (٦) عنهم بعد صلاة العصر يخوضون في القتلى ودمائهم فرحين مسرورين.
стр. 641
وعاد السلطان وجلس أصحابه في خدمته يتذاكرون من فقد منهم، فكان مقدار من فقد منهم من الغلمان المجهولين (١) مائة وخمسين.
واستشهد في ذلك اليوم ظهير الدين أخو الفقيه ضياء الدين عيسى.
قال القاضى بهاء الدين:
" ولقد رأيت الفقيه عيسى وهو جالس يضحك والناس يعزونه، وهو ينكر عليهم، وهو يقول: هذا يوم الهنا لا يوم العزا ".
واستشهد في ذلك اليوم الأمير مجلى بن مروان، والحاجب خليل الهكّارى.
وأما قتلى العدو فحزرنا قتلاهم سبعة آلاف نفس.
قال القاضى:
" ولقد رأيتهم وقد حملوا إلى شاطئ النهر ليلقوا (٢) فيه، فحزرتهم بدون (٣) سبعة آلاف ".
وكانت الهزيمة لما وقعت على المسلمين أولا، ورأى الغلمان خلو الخيام، وظنوا أن الكسرة تتم، وأن العدو لابد أن يستأصل الخيم، ووضع الغلمان أيديهم ونهبوا جميع ما كان فيها، وذهب من الناس أموال عظيمة، وكان ذلك أعظم من الكسرة، فلما عاد السلطان إلى المخيم، ورأى ما قد تم على الناس من نهب الأموال والهزيمة سارع في الكتب والرسل في رد المنهزمين، وتتبع من شذّ (٤) من العسكر، وتتابعت الرسل في هذا [٣٤٣] المعنى حتى بلغت عقبة فيق وردوهم
стр. 642
وأخبروهم بالكسرة للمسلمين (١)، فعادوا، وأمر بجمع الأقمشة [من أكف الغلمان، وجمع الأقمشة] (٢) في خيمته حتى جلالات الخيل والمخالى، وهو جالس وأصحابه حوله، وهو يتقدم إلى كل من عرف شيئا وحلف عليه يسلّم إليه.
وشذت من عساكر الإسلام خلق كثير بسبب الهزيمة، فإنه ما رجع منهم إلا رجل معروف خاف على نفسه، والباقون ذهبوا في حال سبيلهم.
وأخذ السلطان في جمع الأموال المنهوبة، وأعادها إلى أصحابها، وأقام المنادية في المعسكر، وقرن النداء بالوعيد والتهديد، وهو يتولى تفرقتها بنفسه، واجتمع من الأقمشة في خيمته شئ كثير حتى أن الجالس في أحد الطرفين لا يرى الجالس في الطرف الآخر، فردّ كل شئ على مستحقه، فلم يعدم إلا القليل.
قال عماد الدين الكاتب:
" العجب أن الذين ثبتوا منا في الوقعة لم يبلغوا ألفا، فردوا مائة ألف، وكان الواحد يقول: قتلت من الفرنج ثلاثين وأربعين ".
ولما عاد السلطان إلى مضاربه أمر بمواراة الشهداء، وكان من جملتهم:
الشيخ جمال الدين أبو على الحسين بن الشيخ أبى محمد عبد الله بن الحسين بن رواحة ابن إبراهيم بن عبد الله بن رواحة بن عبيد بن محمد بن عبد الله بن رواحة الأنصارى الخزرجى الحموى (٣)، وهذه النسبة نقلتها من نسخة بخط الشيخ جمال الدين هذا،
стр. 643
وكان رجلا عالما فاضلا شاعرا زاهدا، سافر من حماة بلده إلى الديار المصرية، ومدح العاضد والصالح رزيّك، وأحسنا إليه إحسانا كثيرا، وسافر في البحر فأسره الفرنج ثم منّ الله تعالى بإطلاقه، وحج إلى بيت الله تعالى، وزار قبر النبى ﷺ وامتدحه بقصيدة أولها:
دع العيس في طىّ الفلا تبلغ المدى، ... فقد ألهمت أنّ المسير إلى هدى
لقد غنيت بالقصد عن جاذب السّرى (١) ... كما شغلت بالشوق عن سائق الحدا
سرت فرأت طيب المعرّس في السّرى، ... وعدت ظما التأويب في الخمس موردا
أعدّ لها في قبضها بأناملى ... يدا، كلما ألقت إلى يثرب يدا
[٣٤٤] ولم أر في الأيام يوما مباركا ... علىّ، كيوم زرت فيه محمدا
وأنّ رسول الله أكرم شافع ... لوفد، وأولى أن يزار ويقصدا
وهى طويلة جدا. وناداه ﷺ يودعه بهذين البيتين:
يا خاتم الرسل سل الله لى ... خاتمة محمودة العاقبه
ولا تردنّ (٢) يدى - بعد ما ... مددتها مستشفعا - خائبه
فذكر أنه نام فرأى النبى ﷺ وهو يقول له: " قبلت يابن رواحة "، فقبل الله شفاعة رسوله فيه، وقبضه شهيدا إليه بمرج عكا، وشارك (٣)
стр. 644
جده عبد الله بن رواحة الأنصارى - رضى الله عنه - في فضيلتيه (١) اللتين هما:
مدح الرسول ﷺ ، والشهادة؛ مات ذاك شهيدا بمؤته في غزو الروم، ومات هذا شهيدا بالمرج.
وذكر عماد الدين الكاتب بأنه كان قد أنعم السلطان عليه بمزرعة في حلب (٢)، قال:
" وكتبت توقيعه، وأراد الله تعويقه، وحملت توقيعه تلك الليلة إلى السلطان ليعلّم فيه فما علّم، وراجعته في معناه فسكت وما تكلّم، وكان ساعة الوقعة راكبا معنا، ثم قال: " وقوفنا يطول "، ومضى إلى خيمته فتودع، فلما علم باندفاعنا (٢) ساق وراءنا، فقطع عمره قبل أن يقطع الوادى، وكان قال لنا لما أصبح:
رأيت كأن رجلا يحلق رأسى في المنام، فقلنا له: هذا من أضغاث الأحلام فنقله الله بعد ساعة إلى دار السلام. ﵀ ".
ومن الشهداء: إسماعيل الصوفى الأرموى المكبّس، وشيخ من الطشت دارية (٣)، وغلام في الخزانة أمين، وآخرون صودفوا فدفنوا عند التل.
وانتعش الفرنج - لعنهم الله - بعد هذه الوقعة، وجاءتهم في البحر مراكب أخلفت من عدم منهم؛ وكان السلطان قد نقل جيف القتلى إلى النهر لما اشتد نتنها، ليشرب الفرنج من صديدها.
стр. 645
ذكر انتقال السلطان والعسكر إلى الخروبة (١)
ولما انقضى أمر الوقعة وسكنت ثائرتها أمر السلطان بالانتقال إلى الخروبة، فانتقل في رابع (٢) شهر رمضان من السنة، وأمر أهل عكا بإغلاق أبوابها، ووجد بذلك الفرج، فشرعوا في حفر الخندق على معسكرهم [٣٤٥] حوالى عكا (٣) من البحر إلى البحر، وأخرجوا ما كان في مراكبهم من آلات الحصار، وعّمقوا الخندق عليهم، وأداروا حولهم سورا مستورا (٤) بالستائر (٥)، ورتبوا عليه الرجال، وتركوا له أبوابا يظهرون منها إذا أرادوا الخروج، فانقطعت طريق المسلمين إلى عكا بالكلية.
стр. 646
وما كان انتقال السلطان من منزلته صوابا، فإنه لو أقام لما تمكن العدو، لكن كان أمر الله قدرا مقدورا، وكان السبب في تأخر السلطان أنه استحضر الأمراء وأرباب المشورة (١).
قال القاضى بهاء الدين ابن شداد ﵀:
«كنت من جملتهم، فقال السلطان: «بسم الله، والحمد لله، والصلاة على رسول الله: اعلموا أن هذا عدو الله وعدونا قد نزل في بلدنا، ووطئ أرض الإسلام، وقد لاحت لوائح النصر عليهم إن شاء الله تعالى، وقد بقى [العدو] (٢) في هذا الجمع اليسير، ولابد من الاهتمام بقلعه، والله قد أوجب علينا ذلك، وأنتم تعلمون أن هذه عساكرنا ليس وراءها نجدة ننتظرها سوى الملك العادل، وهو واصل، وهذا العدو وإن بقى وطال أمره إلى أن ينفتح البحر جاءه مدد عظيم، والرأى كل الرأى عندى مناجزته، فليخبرنا كل منكم ما عنده في ذلك ".
وكان ذلك في ثالث عشر تشرين الثانى من الشهور الثمسية، وهو آخر شعبان، فانفصلت أراؤهم على أن المصلحة تأخر العسكر إلى الخروبة، وأن يبقى العسكر أياما حتى يستجم من حمل السلاح، وترجع نفوسهم إليهم، فقد أخذ منهم التعب، واستولى على نفوسهم الضجر، وتكليفهم أمرا على خلاف ما يحمله القوى لا تؤمن غائلته، والناس لهم خمسون يوما تحت السلاح وفوق الخيل، والخيل قد ضجرت من عرك اللجم، وعند أخذ حظ من الراحة ترجع نفوسها إليها، ويصل الملك العادل، ويشاركنا في الرأى [والعمل] (٣) ونستعيد من شذّ من العساكر، ونجمع الرجالة ليقفوا في مقابلة العدو ".
стр. 647
وكان السلطان قد انحرف مزاجه لحمله على قلبه ومعاناة التعب لحمل السلاح، والفكر في تلك الأيام، فوقع له ما قالوه، ورآه مصلحة، فأقام بالخروبة يصلح مزاجه، ويجمع العسكر إلى عاشر رمضان.
[٣٤٦] وفى يوم الاثنين ثالث رمضان أخذ المسلمون بعكا مركبا للفرنج كان مقلعا إلى صور، محتويا على ثلاثين رجلا، وامرأة واحدة، ورزمة (١) من الحرير، فقوى نشاط أهل البلد، فصاروا يخرجون ويقاتلون ويغنمون.
وفى منتصف شوال قدم من مصر الملك العادل سيف الدين بعساكره.
ذكر وصول الأسطول (٢)
وقدم من مصر خمسون قطعة من الأسطول، مقدمها حسام الدين لؤلؤ، وذلك منتصف ذى العقدة، فجاءت إلى مراكب الفرنج بغتة [فحرقتها] (٣) وسحقتها، وبددت شملها، وظفر المسلمون ببطشتين كبيرتين من بطش العدو بما فيها من الرجال والأموال والغلال (٤)، ونقل السلطان إلى البلد في المراكب جماعة من الأمراء بأجنادهم وعددهم وأزوادهم، واستظهر البلد برجال الأسطول وكانوا عشرة آلاف، وتطرقت رجالة المسلمين إلى العدو، وأذاقوهم القتل والأسر والسرقة (٥)، حتى أن رجالة المسلمين ربما كانوا يختفون في الحشيش في أجراف (٦) الأنهار فإذا صادفوا فارسا ورد الماء فاجأوه بالقتل والأسر.
стр. 648
ذكر مكاتبة السلطان إلى الأطراف في الاستنفار للجهاد
وواصل السلطان كتبه إلى جميع الأقطار يستدعى الناس إلى الجهاد ويحثهم عليه، وسرّح عدنان النّجاب إلى أخيه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين ابن أيوب - صاحب اليمن - يشرح له ما جرى من الحوادث ويطلب منه الإعانة بالمال.
وكاتب مظفر الدين قرا أرسلان - صاحب العجم - يحتج عليه بما افترضه الله تعالى من القيام بنصرة الإسلام، وكان اسم السلطنة بالعجم لابن أخى مظفر الدين هذا لأمه، وهو السلطان ركن الدين طغرل بن محمد بن طغرل بن محمد بن ملكشاه السلجوقى، وهو آخر السلاطين السلجوقية، فورد على السلطان كتابه يتظلم إليه من عمه قرا أرسلان، ويطلب من السلطان إعانته عليه، فاعتذر إليه السلطان بما هو فيه من شغل الجهاد مع الكفار، وأرسل رسولا - في السفارة بينه وبين عمه - جمال الدين أبا الفتح إسماعيل بن محمد بن عبد كويه، وكتب إلى زين الدين [٣٤٧] بن نور الدين - صاحب إربل -، وإلى حسن بن قفجاق ونائبه بشهرزور يأمرهما بالتوفر (١) على خدمته.
وكتب السلطان إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين كتابا منه:
" وقد مضت ثلاثة أشهر [شهر] (٢) بها التثليث وحلّ التوحيد سلاحه، وبسط الكفر جناحه، وقتل من الفرنج وعدم في الوقعات التي روّعت [و] (٢) الروعات التي وقعت أكثر من عشرين ألف مقاتل من فارس وراجل، ورامح
стр. 649
وتارس (١) ونابل، فما أثر ذلك فىّ نقصهم ولا أرث إلا نار حرصهم، وليس هذا العدو بواحد فينجح فيه التدبير ويأتى عليه التدمير، وإنما هو كلّ من وراء البحر، وجميع من في ديار الكفر، فإنه لم يبق لهم مدينة ولا بلدة ولا جزيرة، ولا خطة صغيرة ولا كبيرة إلا جهّزت مراكبها، وأنهضت كتائبها، وتحرك ساكنها، وبرز كامنها، وثار ثائرها، (٢) وسار سائرها (٢)، وطار طائرها، ونقضت خزائنها، وانفضت معادنها، وحملت ذخائرها، وبذلت أخائرها (٣)، ونثلت كنائن كنائسها، واستخرجت دفائن نقائسها، وخرج بصلبانها أساقفها وبطاركها، وغصت بالأفواج فجاجها ومسالكها، وتصلبت للصليب السليب، وتعصبت للمصاب المصيب، ونادوا في نواديهم بأن البلاد بلادهم، وأن إخوانهم بالقدس أبارهم (٤) الإسلام وأبادهم، وأنه من خرج من بيته مهاجرا لحرب الإسلام وهبت له ذنوبه، وذهبت عنه عيوبه، ومن عجز عن السفر سفّر من يقاتل عوضه، أو يعين بماله وعدته قدره، فجاءوا لابسين الحديد بعد أن كانوا لابسين الحداد، وتواصلت منهم الأمداد».
وورد على السلطان من عز الدين مسعود بن مودود - صاحب الموصل - أحمال من النفط الأبيض، ومن التراس والرماح، ومن كل جنس أحكمه وأقومه وأجوده.
قال: وكتب إليه السلطان:
«ووصل السلاح، وتم الإسلام من قروح الكفر الاقتراح، فإن الحرب المتطاولة [٣٤٨] المدد أتت على جميع العدد، ومن العجب أن العدة تفنى وما تفنى العداة؛ وتنمو على الحصاد كأنها النبات؛ فالبحر يمدهم؛ والكفر إلى الردى يردهم».
стр. 650
ذكر من وصل في هذه المدة من مدد العدو (١)
ووصل في البحر (٢) امرأة جليلة المقدار؛ وفى صحبتها (٣) خمسمائة فارس بخيولهم وأتباعهم وغلمانهم، وهى متكفلة بجميع ما يحتاجون إليه من المؤونة، فهم يركبون لركوبها، ويحملون بحملها.
وذكر العماد الكاتب:
أن في يوم الوقعة قاتل مع الفرنج جماعة من النسوة؛ وأنهن لم يعرفن حتى سلبن ونزع عنهن لأمة (٤) الحرب؛ وأنه سبى منهن عدة، واشترين، وأنه حضر المصاف جماعة من العجائز يحرضن على القتال ويحثثن عليه، ووصل في مركب ثلاثمائة افرنجية مستحسنات، اجتمعن من الجزائر (٥) وسبلن أنفسهن لله بزعمهن، والتزمن أن لا يمنعن من أراد وطأهن من مقاتلة الفرنج، وزعمن أن هذه قربة ما فوقها قربة، لا سيما إذا مكّنّ من اجتمع فيه غربة وعزبة».
стр. 651
وتواصلت الأمداد من البحر إليهم يتلو بعضها بعضا؛ وكان كلما نقض من العدو عدد جاء من داخل البحر أمثاله (١).
وفى هذه السنة توفى الفقيه ضياء الدين عيسى الهكارى ﵀ وذاك في تاسع ذى القعدة بمنزلة الخروبة؛ والأمير عز الدين موسك بن جكر (٢) وهو ابن خال السلطان.
وورد على السلطان من مصر كتاب فاضلى يبشر فيه بمولد الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك العزيز عماد الدين عثمان؛ وهو الذى ملك بعد أبيه - على ما سنذكره إن شاء الله تعالى - وأول الكتاب:
«المملوك يقّبل الأرض بين يدى مولانا الملك الناصر دام رشاده وإرشاده؛ وزاد سعده وإسعاده؛ وكثرت أولياؤه وعبيده وأعداده؛ واشتد بأعضاده فيهم اعتضاده؛ وأنمى الله عدده حتى يقال هذا آدم الملوك وهذه أولاده؛ وينهى أن الله - وله الحمد - رزق الملك العزيز - عز نصره - ولدا مباركا [٣٤٩] عليا؛ ذكرا سويا؛ برّا زكيا، نقيّا تقيا، من ذرية كريمة بعضها من بعض، ومن بيت شريف كادت ولاته تكون ولاة في السماء، ومماليكه تكون ملوكا في الأرض، وكان مقدمه الميمون في ليلة الأحد، وهى من الجمعة أولى العدد، وبه وبآله يعز [الله] (٣) أهل الجمعة ويذل أهل الأحد».
стр. 652
ذكر مسير القاضى بهاء الدين بن شداد
في الرسالة إلى الشرق وإلى الديوان العزيز
وورد كتاب الملك الظاهر - صاحب حلب - إلى أبيه السلطان يخبره أنه صح أن ملك الألمان قد خرج من جهة القسطنطينية في عدة عظيمة، قيل إنهم مائتا ألف، وقيل مائتا ألف وستون ألفا، يريد البلاد الإسلامية، فاشتد على السلطان ذلك وعظم عليه.
قال القاضى بهاء الدين:
" فاستند بنى السلطان بالمضى إلى خليفة الوقت [الإمام الناصر لدين الله] (١) وإعلامه بهذه الحادثة، وأمرنى بالمسير إلى صاحب سنجار، وإلى صاحب الجزيرة وصاحب الموصل، وإربل، واستدعائهم إلى الجهاد بأنفسهم، فسرت (٢) حادى عشر شهر رمضان، ويسّر الله تعالى الوصول إلى الجماعة وإبلاغ الرسالة اليهم، فأجابوا إلى ذلك بنفوسهم، وسيّر صاحب الموصل ابنه علاء الدين بمعظم عسكره، ووعد الديوان بكل جميل، وعدت إليه خامس ربيع الأول سنة ست وثمانين وخمسمائة، وسبقت العساكر، وأخبرته باجابتهم وتأهبهم للسير، فسّر بذلك ".
وذكر عماد الدين:
" أن السلطان كان قد سيّر القاضى ضياء الدين بن الشهرزورى رسولا إلى بغداد، وأن القاضى بهاء الدين لما وصل إلى حلب متوجها إلى بغداد
стр. 653
صادف القاضى ضياء الدين قد عاد من الرسالة، فقال ضياء الدين: " انى قد بلغت المراد، فما هذا الرسول الرايح؟ " ووصل إلى العسكر السلطانى وهو مغتاظ، وتغيّر على السلطان، و (١) نسب إنفاذ القاضى بهاء الدين إلىّ، (١) ثم اجتمع بالسلطان وعرفه فراغ الشغل وبلوغ المقصود، وقرّر معه أمرا، ثم عاد على النجب إلى بغداد وصادف القاضى بهاء الدين بن شداد (٢) فلم يسفر أمر سفارته عن سداد، وقيل له:
" جواب ما أتيت به مع ضياء الدين، " (٣) نسيّره (٤) ونندبه فيما نتخيّره " (٤).
ودخلت سنة ست وثمانين وخمسمائة:
والسلطان نازل [٣٥٠] بالخروبة على حصار الفرنج المحاصرين لعكا، مرابطا لجهادهم، وعنده أخوه الملك العادل، وولده الملك الأفضل، وابن أخيه الملك المظفر تقى الدين - صاحب حماة - وكانت العساكر الغربية قد انصرفت إلى بلادها لهجوم الشتاء، وتوالى الأنواء والأنداء.
ذكر وقعة الرمل (٥)
واتفق أن السلطان ركب يوما في صفر من هذه السنة للصيد بالبزاة، فطاب له القنص فأبعد، وكانت اليزكية على الرمل في ساحل البحر، فخرج الفرنج وقت العصر في عدد لا يحصى، وتسامع المسلمون بهم فرجعوا إليهم وطردوهم إلى خيامهم، وقاتلوهم قتالا شديدا حتى فنى نشاب المسلمين، وشاع نداؤهم
стр. 654
باستدعائه، فلما علم الفرنج بذلك تجاسروا عليهم، وحملوا على المسلمين حملة منكرة، فردوا بها المسلمين إلى النهر، وثبت جماعة من العادلية في وجه العدو، واستشهد جماعة من الشجعان، وسبب ذلك أنهم صرعوا جماعة من خيّالة العدو ونزلوا لأخذ سلبهم، ومرت بهم حملة الفرنج، وأعجلوا عن الركوب، فاستشهدوا، ثم أظلم الليل، وافترق الجمعان.
ومن جملة من فقد من المسلمين الحاجب أيدغمش المجدى (١)، وكان للسلطان مملوك يقال له " سراسنقر " عثر به جواده، فأخذ بعض الفرنج بشعره، وسلّ آخر سيفا ليضربه به، فوقعت الضربة في يد الذى قبض شعره، فأطلقه، واشتد سراسنقر يعدو وهم خلفه فلم يدركوه، وكان هذا من غريب الاتفاق.
ثم عاد السلطان من صيده فوجد الأمر قد انفصل.
وفى خامس (٢) ربيع الأول من هذه السنة تسلم السلطان شقيف أرنون (٣) [بعد أن فنى ما فيه من الزاد] (٣)، وأطلق صاحبه أرناط، فتوجه إلى صور.
ذكر قدوم العساكر إلى خدمة السلطان (٤)
ثم دخل الربيع، وجاءت العساكر والنجد يتلو بعضها بعضا، فوصل الملك المجاهد [٣٥١] أسد الدين شيركوه - صاحب حمص -، وسابق الدين عثمان - صاحب شيزر -، وعز الدين إبراهم بن المقدم - صاحب بعرين وفامية وكفر طاب -، ووصل معهم جموع من أعيان الأجناد وحشود من التركمان والعرب.
стр. 655
ذكر مقدم (١) السلطان إلى تل كيسان
ولما كثرت العساكر عند السلطان رحل من الخروبة إلى تل كيسان يوم الأربعاء لاثنتى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول (٢) من هذه السنة، ورتب الأطلاب، فكان الملك المظفر في آخر الميمنة، والملك العادل في آخر الميسرة، والملك الأفضل في أول ميمنة القلب، وأخوه الملك الظافر في أول الميسرة على الجانب.
ثم وصل الملك الظاهر - صاحب حلب -، وعماد الدين محمود بن بهرام الأرتقى - صاحب دارا -، وغيرهم من الملوك والأمراء.
ثم وصل عماد الدين زنكى بن مودود - صاحب سنجار - وذلك لثمان بقين من ربيع الآخر، فأكرمه السلطان وبالغ في احترامه، وقدم له شيئا كثيرا من اللطف والتحف، وبسط له ثوبا أطلس عند دخوله إليه، وطرحت له طرّاحة مستقلة (٣) إلى جانبه، وضربت خيمته على طرف الميسرة.
ووصل في سابع جمادى الأولى معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى ابن مودود - صاحب الجزيرة -، فأنزله إلى جانب عمه عماد الدين.
ووصل بعده بيومين ابن عمه علاء الدين خرمشاه بن عز الدين مسعود - صاحب الموصل - نائبا عن أبيه، فالتقاه السلطان، واحترمه، وأنزله
стр. 656
عنده في الخيمة، وقدم له تحفا كثيرة، ثم أمر بضرب خيمة له بين ولديه:
الملك الأفضل، والملك الظاهر.
ثم وصل زين الدين يوسف بن زين الدين كوجك - صاحب إربل - فأكرمه السلطان، وأنزله عند أخيه مظفر الدين في الميسرة.
ذكر وصول رسول (١) الخليفة الإمام الناصر لدين الله تعالى
أمير المؤمنين إلى السلطان
[٣٥٢] وهو الشريف فخر الدين نقيب مشهد التبن ببغداد، وكان قدومه سادس عشر ربيع الأول (٢) من هذه السنة، ومعه حملان من النفط، وتوقيع بعشرين ألف دينار تقرض من بعض التجار على الديوان العزيز، وخمسة (٣) من الزرّاقين (٤) المتقنين صناعة الإحراق بالنار، فاعتدّ السلطان بكلما حضر، وشكر عليه الديوان، وردّ التوقيع عليه، وقال:
" كل ما معى من نعمة أمير المؤمنين، ولولا صرف أموال هذه البلاد للجهاد، لكانت محمولة إلى الديوان ".
وأركب الرسول مرارا، وأراه معارك القتال، حتى يشهد بما شاهد، وأقام عند السلطان مدة، ثم استأذن في العود، فعاد.
стр. 657
ذكر نصب الأبراج على عكا وإحراقها
وكان الفرنج قد شرعوا في بناء ثلاثة أبراج عالية عظام، ونقلوا في البحر آلاتها وأخشابها الجافية، وقطع الحديد، وتعبوا فبها سبعة أشهر، وفرغوا منها في ربيع الأول من هذه السنه فعلت كأنها أطواد، ونصبت في ثلاثة مواضع من أقطار البلد، وملئت طبقاتها بالعدد والعدة، وكل برج منها في أركانه أربع اسطوانات عاليات غلاظ، طول كل واحدة خمسون ذراعا لتشرف على ارتفاع سور البلد، وبسطوها على دوائر العجل، ثم كسوها بجلود البقر، وسقوها بالخل والخمر (١) وكانوا يقربونها كل يوم من البلد على حسب ما تيّسر لهم، وكشفوا من جوانبها سور البلد.
ثم شرعوا في طم الخندق، وورد الخبر إلى السلطان بأن العدو قد طمّ بعض الخندق وقد قوى عزمه على منازلة البلد ومضايقته، فكتب السلطان إلى سائر الأطراف يأمر بالحث على وصول العساكر، واشتد خوف المسلمين بسبب الأبراج الخشب فإنها كانت في غاية العظم، فإن كل واحد منها كان يحمل من المقاتلة ما يزيد على خمسمائة فارس [٣٥٣] ويتسع سطحه لأن ينصب عليه منجنيق، ولم يبق إلا ملاصقة الأبراج السور، ووقع الناس من حفظ البلد في تعب عظيم، وأعمل السلطان فكره في إحراق الأبراج وإهلاكها، وجمع الصناع من الزّراقين والنفاطين ووعدهم بالأموال الجزيلة إن أحرقوها، فضاقت في ذلك حيلهم.
ولازم السلطان القتال صباح ومساء وفرّق العساكر فرقتين: فرقة تقاتل، وفرقة تشغل الذين يجرون الأبراج عن جرها، ورميت بكل قارورة نفط فلم يؤثر فيها شىء.
стр. 658
وكان شاب من أهل دمشق يقال له على، ابن عريف النحاسين مولعا بجمع آلات الزرّاقين وتحصيل عقاقيرها [فوعد السلطان صلاح الدين بإحراقها، ففرح بذلك ووعده بكل جميل] (١)، فدخل إلى عكا بعد أن حصل من الأدوية التي يعرفها ما يحتاج إليه، فطبخ الأدوية من النفط في قدور من النحاس حتى صار الجميع كأنه جمرة نار، ورمى إحدى الأبراج، وذلك يوم السبت لليلتين بقيتا من ربيع الأول، وهو يوم وصول الملك الظاهر، فاشتعل البرج من ساعته، وصار كالجبل العظيم من النار طالعة ذوائبها نحو السماء، فاستغاث المسلمون وضجّوا بالتكبير والتهليل، ثم رمى الثانى بالقدر الثانية، والثالث بالثالثة، فأحرق الثلاثة.
وذكر العماد:
أنه رمى الأبراج أولا بقدور نفط خالية من النار، حتى عرف أنه سقاها ورواها، ثم رماها بالقدور المحرقة، فتسلطت النار على طبقات الأبراج، وذكر أنه احترق في البرج الأول سبعون (٢) فارسا بعدتهم، واشتد سرور المسلمين بهذا الفتح.
وحمل الزرّاق إلى السلطان [فأعطاه شيئا كثيرا] (٣)، فلم يقبل عطاه وقال:
«هذا عملته لله، فما أريد من سواه جزاء»، [(٣) فأوقف السلطان عليه قرية من خيار قرى دمشق] (٣)، وخرج أهل عكا من البلد، فطفوا النار، وسدوا الثغر، وجاءوا إلى مواضع الأبراج فاستخرجوا حديدها، وما وجدوا من الزرديات والعدد التي سلمت فأخذوها.
стр. 659
ذكر وصول الأسطول (١)
[٣٥٤] ووصل الأسطول، فخرج السلطان إلى لقائه بجميع كتائبه، وجهزت الفرنج أساطيلهم لمقاتلة أسطول المسلمين، فطحن أسطول المسلمين أسطول الفرنج، وأخذ منهم مركبا برجاله وأخذ العدو من أسطول المسلمين مركبا، واشتد القتال بين الفريقين في البحر إلى أن حجز بينهما الليل، فتفرق الأسطولان وقد قتل من الفرنج مقتلة عظيمة.
وذكر عماد الدين:
أنه حرر ما قتل من الفرنج في مدة الحرب فكان أكثر من مائة ألف (٢).
ذكر خروج ملك الألمان
لنصرة الفرنج المنازلين لعكا وما آل إليه أمره
وقد ذكرنا وصول الخبر إلى السلطان في سنة خمس وثمانين بخروج ملك الألمان إلى بلاد الإسلام (٣) فيما يزيد على مائتى ألف مقاتل، وكان الحامل لملك الألمان على هذا الخروج ما بلغه من انكسار الفرنج بحطّين قتلا وأسرا، وأخذ بلادهم وانتزاع البيت المقدس منهم، الذى فيه قمامتهم، ومحل ضلالتهم، فحملته الحميّة لدينه والانتصار لبيت معبوده على أنه جمع وحشد، وسار في أمم لا تدخل تحت
стр. 660
الحصر، فسار مدة شهور حتى وصل قسطنطينية، وهى يومئذ مع الروم، فكتب ملك الروم بها إلى السلطان يخبره بأخبارهم ويقول:
«أنا لا أمكنهم من العبور» (١).
ثم إنه لما لم يقدر على منعهم لم يسعفهم بزاد، فضاقت عليهم الأقوات وقلت، ثم عبروا خليج القسطنطينية وقد اشتدت ضائقتهم، وكثرت جموعهم وجوعهم (٢)، ولما سلكوا (٣) إلى حدود بلاد الإسلام سلكوا في الأودية والآجام، فخطفتهم التركمان، ودخل الشتاء، فتراكمت عليهم الثلوج، فاحتاجوا إلى أكل الدواب، وأحرقوا عددهم لعوز الحطب عندهم، وعدموا العلف، وكانوا مع هذا جاهلين بالبلاد؛ لا يقطعون فرسخا إلا في يومين، وذهبت بركتهم؛ وصاروا كل يوم في نقص من أنفسهم ودوابهم، ودفنوا من عددهم ما عجزوا عن نقله، ثم عرضوا عسكرهم [٣٥٥] بعد أشهر بعد ما نقص من نقص منهم فكانت ستين ألف مدرع.
ولما قربوا من بلاد الملك قلج أرسلان بن مسعود السلجوقى فنهض إليهم ابنه قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان، فوقع بينهم مصاف فكسروه، واندفع عنهم إلى مدينة قونية، فساقوا وراءه، ودخلوها، وأحرقوا أسواقها (٤)، فنفذوا إلى قلج أرسلان:
" إنا لم نصل لأخذ بلادك، وإنما نزلنا لثأر البيت المقدس ".
стр. 661
ونفذوا إليه هدايا، وطلبوا الهدنة منة، فهادنهم، [فبقوا في بلاده مدة، ولم يؤذوا أحدا منها، وتقوّوا بعد ذلك بما أرادوا من بلاده] (١) من العدة والأزواد، وبعث قلج أرسلان وابنه إلى السلطان يعتذران من تمكينهم إياه من العبور، وأنهم غلبوا على ذلك.
ثم طلب ملك الألمان من قلج أرسلان إنفاذ جماعة من الأمراء معهم تمنعهم من لصوص التركمان حتى يصلوا إلى بلاد الأرمن، فنفذ معهم خمسة وعشرين أميرا، وكان ذلك موافقا لغرض قطب الدين، لأنه كان كارها لجماعة من المقدمين، فتقدم إليهم بأن يكونوا في صحبة ملك الألمان، [فساروا معه] (٢) فما قدروا على منع اللصوص والسراق، فغضب عليهم ملك الألمان، وقيدهم بعد أن أخذ كل ما كان معهم، ثم منهم من خلص بعد ذلك، ومنهم من مات في الأسر.
ووصل ملك الألمان إلى بلاد الأرمن، ومقدمهم لافون بن اصطفانه بن لاون، فوصل إلى خدمة ملك الألمان، ودخل في طاعته، وأقام لهم الإقامات والعلوفات، وهداهم الطريق، فنزلوا بطرسوس، وأقاموا بها أياما ليريحوا أنفسهم، فعنّ لملك الألمان أن يسبح في النهر، فسبح فعرض له مرض شديد أداه إلى الموت، وأراح الله المسلمين منه.
وذكر في سبب هلاكه أنه لما عبرت جموعه (٣) النهر ازدحموا والتطم الموج بهم، واقتحموا، فطلب الملك موضعا يعبر فيه وحده، فدخل في مخاضة قوية الجرية فاختطفه سورة الماء إلى شجرة شجت رأسه، فاستخرجوه وهو في آخر رمق، فهلك عن قرب.
стр. 662
[ووصل إلى السلطان] (١) كتاب كاغيلوس الأرمنى - صاحب قلعة الروم - وهو للأرمن بمنزلة الخليفة عندنا، ونسخة كتابه:
" كتاب الداعى المخلص كاغيلوس: مما أطالع به علوم مولانا ومالكنا السلطان الملك الناصر جامع كلمة الإيمان، رافع علم العدل والإحسان، صلاح الدنيا والدين (٢)، سلطان الإسلام والمسلمين، من أمر ملك الألمان وما جرى له عند ظهوره، وذلك أنه أول ما خرج من دياره دخل بلاد الهنكر (٣) غصبا، ثم دخل أرض مقدّم الروم، وفتح البلاد ونهبها، وأحوج ملك الروم إلى أن أطاعه، وأخذ رهائنه: ولده وأخاه، وأربعين نفرا من خلصائه (٤)، وأخذ منه (٥) خمسين قنطارا ذهبا، وخمسين قنطارا من فضة، وثياب أطلس مبلغا عظيما، واغتصب المراكب، وعدّى بها إلى هذا الجانب، وصحبته الرهائن إلى أن دخل حدود بلاد الملك قلج أرسلان، وردّ الرهائن، وبقى سائرا ثلاثة أيام، وتركمان الاوج يلقونه بالأغنام والأبقار والخيل والبضائع، فيداخلهم الطمع، وجمعوا من جميع البلاد، ووقع القتال بين التركمان وبينهم، وضايقوه ثلاثة أيام (٦) وهو سائر.
ولما قرب من قونية جمع قطب الدين ولد قلج أرسلان العساكر وقصده، وضرب معه مصافا عظيما، فظفر به ملك الألمان، وكسره كسرة عظيمة، وسار حتى أشرف على قونية، فخرج إليه جموع عظيمة من المسلمين، فردّهم مكسورين، وهجم قونية بالسيف وقتل منها عالما عظيما من المسلمين، وأقام بها خمسة أيام،
стр. 663
فطلب قلج أرسلان منه الأمان، فأمّنه الملك، واستقر بينهم قاعدة أكيدة، وأخذ منه الملك رهائن عشرين من أكابر دولته، وأشار على الملك أن يجعل طريقه على طرسوس والمصيصة، ففعل.
وقبل وصوله إلى هذه البلاد أنفذ كتابه ورسوله بشرح حاله، وأين قصده، وما لقى في طريقه، وأنه لابد يجتاز بهذه الديار اختيارا أو كرها، فاقتضى الحال إنفاذ المملوك حاتما، وصحبته ما سأل، ومعه من الخواص جماعة للقاء الملك في جواب كتابه، وكانت الوصية معهم إلى بلاد قلج أرسلان إن أمكن، فلما اجتمعوا بالملك الكبير وأعادوا عليه الجواب، وعرفوه الأحوال أبى إلا الانحراف، [٣٥٧] ثم كثرت عليه العساكر والجموع ونزل على شط نهر، وأكل خبزا، ونام ساعة، فتاقت نفسه إلى الاستحمام في الماء البارد، ففعل ذلك وخرج، وكان من أمر الله أنه تحرّك عليه مرض عظيم في الماء البارد، فمكث أياما قلائل ومات.
وأما لافون فكان سائرا يلقى الملك، فلما جرى هذا المجرى هرب الرسل من العسكر وتقدموا إليه وأخبروه بالحال فدخل في بعض حصونه، واحتمى هناك.
وأما ابن الملك فكان أبوه منذ توجه لقصد هذه البلاد نصب ولده الذى هو معه عوضه، وتأكدت قواعده، وبلغه هرب رسل لافون فأنفذ واستعطفهم، وقال:
" إن أبى كان شيخا كبيرا، وإنما قصد هذه الديار لأجل حج بيت المقدس، وأنا الذى دبرت الملك، وعانيت المشاق في هذه الطريق، فمن أطاعنى (١) وإلا بدأت بقصد دياره ".
стр. 664
واستعطف لافون، واقتضى الحال الاجتماع به ضرورة؛ وبالجملة هم في عدد كثير، ولقد أعرض عسكره فكان اثنين وأربعين ألفا (١)، وأما الرجالة فلا يحصى عددهم إلا الله تعالى، وهم أجناس متفاوتة، وخلق غريبة (٢)، وهم على قصد عظيم وجد وسياسة هائلة، حتى أن من جنى منهم جناية ليس له جزاء إلا أن يذبح مثل الشاة، ولقد بلغهم (٣) عن بعض أكابرهم أنه جنى على غلام له، وجاوز الحد في ضربه، فاجتمعت القسوس للحكم، واقتضى الحال والحكم العام ذبحه، وشفع إلى الملك منهم خلق كثير منهم، فلم يلتفت إلى ذلك وذبحه، وقد حرموا الملاذ (٤) على أنفسهم، حتى إن أي من بلغهم عنه بلوغ لذة هجروه وعزّروه، وكل ذلك كان حزنا على بيت المقدس، ولقد صحّ عن جمع منهم أنهم هجروا الثياب مدة طويلة، وحرموها على أنفسهم، ولم يلبسوا إلا الحديد، حتى أنكر عليهم الأكابر ذلك، وهم من الصبر على الذل والشقاء والتعب في حال عظيم " هذا آخر كتابه.
ولما هلك عدو الله ملك الألمان قام بالملك بعده ولده، واجتمعت العساكر على طاعته، ثم سار بهم إلى أنطاكية، وقد عمّ المرض أكثرهم، وصار معظمهم حملة عصى وركّاب حمير.
ولما وصلوا إلى أنطاكية [٣٥٨] تبرم بهم صاحبها، وثقلت عليه وطأتهم فحسّن لهم قصد بلاد حلب، فلم يفعلوا، وطلبوا من صاحب أنطاكية قلعته لينقلوا إليها ما معهم من المال والخزائن والثقل، فأخلاها لهم طمعا في أن يفوز بما ينقلونه
стр. 665
إليها من المال، وكان الأمر على ما حدس، فإنهم لما فارقوا أنطاكية لم يعودوا إليها، وفاز الابرنس - صاحب أنطاكية - بكل ما صار فيها.
وجاءت فرقة من الألمانية إلى بغراس، وظنوا أنها بعد بأيدى الكفر، ففتح والى القلعة الباب، وأخرج أصحابه، وتسلم ما مع الألمانية من الأموال بصناديقها، وأسر منهم وقتل كثيرا، وخرج بعد ذلك أهل حلب وجندها إلى طريقهم والتقطوهم، فكان الواحد يأسر جماعة منهم، وهانوا في الأنفس بعد ما كان قد تهيبوا هيبة عظيمة، وبيعوا في الأسواق بالثمن البخس.
وذكر القاضى بهاء الدين بن شداد:
أن ملك الألمان لما توفى وقام ولده مقامه، مرض مرضا عظيما في بلاد ابن لاون، وأقام معه خمسة وعشرون فارسا، وأربعون داويّا، وجهز عسكره نحو أنطاكية حتى يقطعوا الطريق، ورتبهم ثلاث فرق لكثرتهم، ثم إن الفرقة الأولى اجتازت تحت قلعة بغراس، ومقدمها كند كبير (١) عندهم، وأن عسكر بغراس مع قلته أخذ منهم مائتى رجل قهرا ونهبا، وكتبوا إلى السلطان يخبرون عنهم بالضعف العظيم، والمرض الشديد، وقلة الخيل والعدد والآلات.
ولما اتصل خبرهم بالنواب بالبلاد الشامية سيّروا إليهم عسكرا يكشفون أخبارهم، فوقعوا على جمع عظيم منهم قد خرجوا لطلب العلوفة، فقتلوا وأسروا زهاء عن خمسمائة نفس (٢).
قال القاضى بهاء الدين:
ولقد حضرت من يخبر السلطان عنهم، ويقول: " هم عدد كثير، ولكنهم ضعفاء قليلو الخيل والعدة، وأكثر ثقلهم على حمير وخيل ضعيفة "، قال الحاكى:
стр. 666
" ولقد وقفت على جسر يعبرون عليه لا عتبرهم، فعبر منهم جمع عظيم ما وجدت مع أحد منهم طارقة (١) ولا رمحا إلا النادر، فسألتهم عن ذلك، فقالوا: أقمنا بمرج وخم أياما، وقلت أزوادنا وأحطابنا، فأوقدنا معظم عددنا، ومات منا خلق عظيم، واحتجنا إلى الخيل فذبحناها وأكلناها "
ومات الكند الذى وصل [٣٥٩] إلى أنطاكيه، وطمع أبن لاون فيهم حتى عزم على أخذ مال الملك، لمرضه وضعفه وقلة جمعه الذى تخلف معه.
ولما تحقق السلطان [صلاح الدين] وصول الألمانيين إلى بلاد الأرمن، وقربهم من البلاد الشامية، شاور أمراءه فيما يصنع، فوقع الاتفاق على تسيير بعض العساكر إلى طريقهم، وأن يقيم على منازلة العدو ببقية العساكر، فكان أول من سار الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر [تقى الدين]، وكان إقطاعه منبج، ثم سار عز الدين بن المقدم - صاحب بعرين (٢) وأفامية -، ثم الملك الأمجد - صاحب بعلبك -، ثم سابق الدين عثمان بن الداية - صاحب شيزر -، ثم الياروقية من عسكر حلب، ثم عسكر حماة، ثم سار الملك الأفضل ولد السلطان لمرض عرض له، وكذا بدر الدين (٣) - شحنة دمشق -، ثم سار الملك الظاهر إلى حلب لحفظ ما يليه من البلاد، ثم سار بعده الملك المظفر لحفظ ما يليه من البلاد، وتدبير أمر العدو المجتاز.
ولما سارت هذه العساكر خفّت الميمنة، فأمر السلطان أخاه الملك العادل، فانتقل إلى منزلة الملك المظفر في طرف الميمنة، وكان عماد الدين زنكى بن مودود - صاحب سنجار - في طرف الميسرة، ووقع في العسكر مرض شديد،
стр. 667
فمرض مظفر الدين بن زين الدين - صاحب حرّان -، ثم شفى؛ ومرض بعده الملك الظافر ولد السلطان، ومرض خلق من الأكابر، إلا أن المرض كان سليما، وكان عند العدو مرض عظيم وموتان كثير، وتقدم السلطان بهدم سور طبرية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل، وانتقل أهلها إلى بيروت.
ذكر الوقعة العادلية على عكا
لما علم الفرنج أن عساكر المسلمين قد تفرقت في أطراف البلاد، وأن ميمنة العسكر قد خفّت بسبب من سار منها لأجل حماية البلاد من العدو الواصل، أجمع رأيهم واتفقت كلمتهم على الخروج من معسكرهم بغتة، والهجوم على طرف الميمنة فجأة، فخرجوا، وقصدوا الميمنة، وفيها مخيم الملك العادل، فلما نظر الناس لهم صاح صائحهم، وخرجوا من خيامهم كالأسود من آجامها، وركب السلطان، ونادى مناديه: «يا للإسلام!» (١) وكان أول [٣٦٠] راكب.
قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀:
" لقد رأيته وقد ركب من خيمته ومعه نفر يسير من خواصه، والناس لم يستتم ركوبهم، وهو كالفاقدة لولدها والثكلى لواحدها، ثم ضربت كوساته (٢)، فأجابتها كوسات الأمراء من أماكنها، وركب الناس، ووصل الفرنج إلى مخيم العادل قبل استتمام ركوب العساكر، ودخلوا في وطاقته (٣)، وأمتدت أيديهم في السوق وأطراف الخيم بالنهب والغارة، ووصلوا إلى خيمته
стр. 668
الخاصة، وأخذوا من الشراب خاناه شيئا، وركب الملك العادل، وركب معه من يليه من الميمنة، كالأمير صارم الدين قايماز النجمى، والأمير عز الدين جرديك النورى، ووقف بمن معه حتى توغل الفرنج، وطمعوا في المخيم، واشتغلوا بالنهب، وعاثت أيديهم في الخيام والأقمشة والفواكه والأطعمة.
فلما علم [الملك العادل] (١) اشتغالهم صاح بالناس، وحمل ﵀ بنفسه، يقدمه ولده الأكبر شمس الدين مودود، وهو والد الملك الجواد مظفر الدين يونس، وحمل لحملته من كان يليه من الميمنة حتى وصل الصياح إلى عسكر الموصل، فهجموا على العدو، واشتد القتال، ووقعت الكسرة على الفرنج، فولوا على أدبارهم، منهزمين نحو خيامهم، وأخذتهم السيوف من كل ناحية، وصاح صائح السلطان [صلاح الدين] (١):
" يا أبطال الموحدين، هذا عدو الله قد أمكن الله منه، وقد داخله الطمع حتى غشى خيامكم بنفسه؛ فبادروا إلى إجابته ".
[فحملت] (١) حلقته وخاصته؛ ثم طلب عسكر الموصل، ومقدمهم علاء الدين ولد عز الدين، [فتقدموا وتقدم بعدهم] (١) عسكر مصر ومقدمهم سنقر الحلبى، وتتابعت العساكر، وتجاوبت الأبطال، وقامت الحرب على ساق، ولم يك إلا ساعة حتى ردوا (٢) القوم من حد خيام الملك العادل إلى خيامهم، ولم ينج من القوم إلا النادر، وأسر من الفرنج يومئذ نفر يسير، لأن السلطان أمر ألا يستبقى أحد، وهذا كله كان في الميمنة، وفى بعض القلب.
стр. 669
وأما الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد نجز الأمر لبعد ما بين المسافتين، وكان مبتدأ هذه الوقعة منتصف النهار من يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة - أعنى سنة ست وثمانين وخمسمائة -، [٣٦١] ولم يفقد من المسلمين سوى عشرة أنفس غير معروفين، ولما شاهد المسلمون بعكا من الأسوار هذه الوقعة خرجوا من البلد، وجرى مقتلة عظيمة، وهجموا خيام العدو، ونهبوا منها جمعا من النسوان والأقمشة، حتى القدور فيها الطعام، واختلف في عدد القتلى [من الفرنج] (١)، فقيل عشرة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، ولم ينقصهم أحد في الحزر عن خمسة (٢) آلاف.
قال القاضى بهاء الدين:
" لقينا إنسانا عاقلا جنديا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم، فقلت له:
كم عددت؟ فقال: إلى ههنا أربعة آلاف ونيفا وستين قتيلا، وكان قد عدّ صفين، وهو في الصف الثالث، وكانت الصفوف خمسة، لكن ما مضى من الصفوف أكثر عددا من الباقى ".
وذكر عماد الدين الكاتب:
" أنهم كانوا مفروشين في مدى فرسخ من الأرض، وهم في تسعة صفوف من تلال الرمل إلى البحر بالعرض، وكل صف يزيد على ألف قتيل ".
وشرع الفرنج في الخداع والمراسلة، وسألوا في الصلح.
стр. 670
ذكر قوة الفرنج
بوصول الكندهرى إليهم وتحول السلطان إلى الخروبة
لما وقعت هذه الوقعة العظيمة وهن الفرنج وخافوا، فلو أن السلطان عاودهم القتال فيه مرة بعد أخرى لاستأصلهم وأطفأ جمرتهم لكن لما يختاره الله تعالى تهاون بهم، واشتغل عن قتالهم، فوصلت إليهم النجد [من البحر] (١)، وتقووا، وورد إليهم أضعاف من هلك منهم، ووصل إليهم كند عظيم - يعرف بالكندهرى - قد فرق الأموال واستخدم الرجال، وأنفق في عشرة آلاف راجل، وأظهر أنه يريد الخروج إلى لقاء عسكر الإسلام، فتحول السلطان إلى منزلة الخروبة ليوسع عليهم الدائرة، ونصب الكندهرى على عكا منجنيقات عدة، فأحرقها المسلمون، وقتل من الفرنج سبعون فارسا، وأسر عدة معروفون، ثم نصب منجنيقين آخرين (٢) فأحرقا أول شعبان، وأنكت (٣) فيهم العرب بالسرقة والنهب، وكذلك من بعكا من المسلمين.
ذكر مكاتبة ملك الروم بقسطنطينية للسلطان بالمودة
وإقامة الخطبة [له] (٤) ببلده
وكان بين السلطان وبين ملك الروم بقسطنطينية مراسلة ومكاتبة، وكان قد وصل منه رسول إلى الباب السلطانى - والسلطان [٣٦٢] إذ ذاك بمرج عيون - في جواب رسول كان أنفذه السلطان في تقريره القواعد وإقامة الخطبة في جامع القسطنطينية، وهو الجامع القديم الذى بنى في عهد بنى أمية، فمضى (٥) الرسول