" ولقد وقفت على جسر يعبرون عليه لا عتبرهم، فعبر منهم جمع عظيم ما وجدت مع أحد منهم طارقة (١) ولا رمحا إلا النادر، فسألتهم عن ذلك، فقالوا: أقمنا بمرج وخم أياما، وقلت أزوادنا وأحطابنا، فأوقدنا معظم عددنا، ومات منا خلق عظيم، واحتجنا إلى الخيل فذبحناها وأكلناها "
ومات الكند الذى وصل [٣٥٩] إلى أنطاكيه، وطمع أبن لاون فيهم حتى عزم على أخذ مال الملك، لمرضه وضعفه وقلة جمعه الذى تخلف معه.
ولما تحقق السلطان [صلاح الدين] وصول الألمانيين إلى بلاد الأرمن، وقربهم من البلاد الشامية، شاور أمراءه فيما يصنع، فوقع الاتفاق على تسيير بعض العساكر إلى طريقهم، وأن يقيم على منازلة العدو ببقية العساكر، فكان أول من سار الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر [تقى الدين]، وكان إقطاعه منبج، ثم سار عز الدين بن المقدم - صاحب بعرين (٢) وأفامية -، ثم الملك الأمجد - صاحب بعلبك -، ثم سابق الدين عثمان بن الداية - صاحب شيزر -، ثم الياروقية من عسكر حلب، ثم عسكر حماة، ثم سار الملك الأفضل ولد السلطان لمرض عرض له، وكذا بدر الدين (٣) - شحنة دمشق -، ثم سار الملك الظاهر إلى حلب لحفظ ما يليه من البلاد، ثم سار بعده الملك المظفر لحفظ ما يليه من البلاد، وتدبير أمر العدو المجتاز.
ولما سارت هذه العساكر خفّت الميمنة، فأمر السلطان أخاه الملك العادل، فانتقل إلى منزلة الملك المظفر في طرف الميمنة، وكان عماد الدين زنكى بن مودود - صاحب سنجار - في طرف الميسرة، ووقع في العسكر مرض شديد،
стр. 667
فمرض مظفر الدين بن زين الدين - صاحب حرّان -، ثم شفى؛ ومرض بعده الملك الظافر ولد السلطان، ومرض خلق من الأكابر، إلا أن المرض كان سليما، وكان عند العدو مرض عظيم وموتان كثير، وتقدم السلطان بهدم سور طبرية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل، وانتقل أهلها إلى بيروت.
ذكر الوقعة العادلية على عكا
لما علم الفرنج أن عساكر المسلمين قد تفرقت في أطراف البلاد، وأن ميمنة العسكر قد خفّت بسبب من سار منها لأجل حماية البلاد من العدو الواصل، أجمع رأيهم واتفقت كلمتهم على الخروج من معسكرهم بغتة، والهجوم على طرف الميمنة فجأة، فخرجوا، وقصدوا الميمنة، وفيها مخيم الملك العادل، فلما نظر الناس لهم صاح صائحهم، وخرجوا من خيامهم كالأسود من آجامها، وركب السلطان، ونادى مناديه: «يا للإسلام!» (١) وكان أول [٣٦٠] راكب.
قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀:
" لقد رأيته وقد ركب من خيمته ومعه نفر يسير من خواصه، والناس لم يستتم ركوبهم، وهو كالفاقدة لولدها والثكلى لواحدها، ثم ضربت كوساته (٢)، فأجابتها كوسات الأمراء من أماكنها، وركب الناس، ووصل الفرنج إلى مخيم العادل قبل استتمام ركوب العساكر، ودخلوا في وطاقته (٣)، وأمتدت أيديهم في السوق وأطراف الخيم بالنهب والغارة، ووصلوا إلى خيمته
стр. 668
الخاصة، وأخذوا من الشراب خاناه شيئا، وركب الملك العادل، وركب معه من يليه من الميمنة، كالأمير صارم الدين قايماز النجمى، والأمير عز الدين جرديك النورى، ووقف بمن معه حتى توغل الفرنج، وطمعوا في المخيم، واشتغلوا بالنهب، وعاثت أيديهم في الخيام والأقمشة والفواكه والأطعمة.
فلما علم [الملك العادل] (١) اشتغالهم صاح بالناس، وحمل ﵀ بنفسه، يقدمه ولده الأكبر شمس الدين مودود، وهو والد الملك الجواد مظفر الدين يونس، وحمل لحملته من كان يليه من الميمنة حتى وصل الصياح إلى عسكر الموصل، فهجموا على العدو، واشتد القتال، ووقعت الكسرة على الفرنج، فولوا على أدبارهم، منهزمين نحو خيامهم، وأخذتهم السيوف من كل ناحية، وصاح صائح السلطان [صلاح الدين] (١):
" يا أبطال الموحدين، هذا عدو الله قد أمكن الله منه، وقد داخله الطمع حتى غشى خيامكم بنفسه؛ فبادروا إلى إجابته ".
[فحملت] (١) حلقته وخاصته؛ ثم طلب عسكر الموصل، ومقدمهم علاء الدين ولد عز الدين، [فتقدموا وتقدم بعدهم] (١) عسكر مصر ومقدمهم سنقر الحلبى، وتتابعت العساكر، وتجاوبت الأبطال، وقامت الحرب على ساق، ولم يك إلا ساعة حتى ردوا (٢) القوم من حد خيام الملك العادل إلى خيامهم، ولم ينج من القوم إلا النادر، وأسر من الفرنج يومئذ نفر يسير، لأن السلطان أمر ألا يستبقى أحد، وهذا كله كان في الميمنة، وفى بعض القلب.
стр. 669
وأما الميسرة فما اتصل الصائح بهم إلا وقد نجز الأمر لبعد ما بين المسافتين، وكان مبتدأ هذه الوقعة منتصف النهار من يوم الأربعاء لعشر بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة - أعنى سنة ست وثمانين وخمسمائة -، [٣٦١] ولم يفقد من المسلمين سوى عشرة أنفس غير معروفين، ولما شاهد المسلمون بعكا من الأسوار هذه الوقعة خرجوا من البلد، وجرى مقتلة عظيمة، وهجموا خيام العدو، ونهبوا منها جمعا من النسوان والأقمشة، حتى القدور فيها الطعام، واختلف في عدد القتلى [من الفرنج] (١)، فقيل عشرة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، ولم ينقصهم أحد في الحزر عن خمسة (٢) آلاف.
قال القاضى بهاء الدين:
" لقينا إنسانا عاقلا جنديا يسعى بين صفوف القتلى ويعدهم، فقلت له:
كم عددت؟ فقال: إلى ههنا أربعة آلاف ونيفا وستين قتيلا، وكان قد عدّ صفين، وهو في الصف الثالث، وكانت الصفوف خمسة، لكن ما مضى من الصفوف أكثر عددا من الباقى ".
وذكر عماد الدين الكاتب:
" أنهم كانوا مفروشين في مدى فرسخ من الأرض، وهم في تسعة صفوف من تلال الرمل إلى البحر بالعرض، وكل صف يزيد على ألف قتيل ".
وشرع الفرنج في الخداع والمراسلة، وسألوا في الصلح.
стр. 670
ذكر قوة الفرنج
بوصول الكندهرى إليهم وتحول السلطان إلى الخروبة
لما وقعت هذه الوقعة العظيمة وهن الفرنج وخافوا، فلو أن السلطان عاودهم القتال فيه مرة بعد أخرى لاستأصلهم وأطفأ جمرتهم لكن لما يختاره الله تعالى تهاون بهم، واشتغل عن قتالهم، فوصلت إليهم النجد [من البحر] (١)، وتقووا، وورد إليهم أضعاف من هلك منهم، ووصل إليهم كند عظيم - يعرف بالكندهرى - قد فرق الأموال واستخدم الرجال، وأنفق في عشرة آلاف راجل، وأظهر أنه يريد الخروج إلى لقاء عسكر الإسلام، فتحول السلطان إلى منزلة الخروبة ليوسع عليهم الدائرة، ونصب الكندهرى على عكا منجنيقات عدة، فأحرقها المسلمون، وقتل من الفرنج سبعون فارسا، وأسر عدة معروفون، ثم نصب منجنيقين آخرين (٢) فأحرقا أول شعبان، وأنكت (٣) فيهم العرب بالسرقة والنهب، وكذلك من بعكا من المسلمين.
ذكر مكاتبة ملك الروم بقسطنطينية للسلطان بالمودة
وإقامة الخطبة [له] (٤) ببلده
وكان بين السلطان وبين ملك الروم بقسطنطينية مراسلة ومكاتبة، وكان قد وصل منه رسول إلى الباب السلطانى - والسلطان [٣٦٢] إذ ذاك بمرج عيون - في جواب رسول كان أنفذه السلطان في تقريره القواعد وإقامة الخطبة في جامع القسطنطينية، وهو الجامع القديم الذى بنى في عهد بنى أمية، فمضى (٥) الرسول
стр. 671
وأقام الخطبة، ولقى باحترام عظيم وإكرام زائد، وكان السلطان قد أنفذ معه في المركب الخطيب والمنبر وجمعا (١) من المؤذنين، وكان يوم دخولهم إلى القسطنطينية يوما مشهودا عظيما من أيام الإسلام، وكان ثمّ جمع كثير من المسلمين من التجار، ورقى الخطيب المنبر وأقام الدعوة الإسلامية العباسية.
ثم عاد رسول السلطان ومعه رسول ملك الروم وبيده كتاب من الملك مختوم بالذهب، يتضمن إعلام السلطان وتمكينه من إقامة الخطبة ببلده، واستعطاف السلطان وإظهار مودته ومحبته، واعتذر إلى السلطان من عبور ملك الألمان ببلاده، وأنه قد فجع في طريقه بالأمانى، ونال من الشدة ونقص العدة ما أضعفه وأوهاه، وأنه لا يصل إلى بلادكم فينتفع بنفسه أو ينفع، ويكون مصرعه هناك ولا يرجع.
ذكر ما آل إليه حال ابن ملك الألمان وأصحابه
قد ذكرنا نزول الألمانيين بأنطاكية، وأنهم طلبوا من صاحبها قلعة أنطاكية، لينقلوا إليها خزائنهم وذخائرهم، وأنه أجابهم إلى ذلك طمعا فيها، ولما كان الخامس والعشرون من رجب من هذه السنة سار ابن ملك الألمان من أنطاكية طالبا عكا في جيوشه وجموعه على طريق اللاذقية حتى أتى طرابلس، وكان قد سار إليه المركيس - صاحب صور - من معسكر (٢) الفرنج لأجل تلقيه، وكان هو الأصل في استدعاء أهل الكفر إلى هذه الواقعة، فلما وصل إليه قوى قلبه وبصّره بالطريق، وسلك به الساحل، وكانت عدة من معه لما وصل إلى طرابلس خمسة آلاف بعد ذلك الجمع العظيم الذى خرج معه من بلاده.
ونزل ابن ملك الألمان في البحر في بعض أصحابه.
стр. 672
وسار الباقون على الساحل، فثارت على ابن ملك الألمان ريح فأهلكت من أصحابه ثلاث مراكب، ووصل ابن ملك الألمان إلى عكا في جمع قليل في سادس [٣٦٣] رمضان، فلم يظهر لهم موقع، ثم هلك ابن ملك الألمان على عكا في ثانى عشر ذى الحجة من هذه السنة، وأطفأ الله جمرته وجمرة أصحابه، وأبادهم بعد أن كان المسلمون قد يئسوا - لكثرتهم - من بلاد الإسلام، وتيقنوا أنهم لا طاقة لهم به، ففعل الله تعالى ما لم يكن في حسابهم.
ذكر الواقعة الكائنة عند وصول ابن ملك الألمان
ولما وصل ابن ملك الألمان رام أن يظهر لمجيئه وقعا، فركب في الفرنجية فارسها وراجلها وقربوا من تل العياضية، وعليه خيم اليزكية، والنوبة فيها للحلقة السلطانية وعسكر الموصل، فقابلهم اليزك، وركب السلطان، وتقدم إلى تل كيسان، ولم تزل الحرب قائمة إلى أن جن الظلام، وكانت الدائرة على الكفار، فقتل منهم وجرح خلق كثير، فلم يزل السيف يعمل فيهم وهم هاربون حتى وصلوا إلى مخيمهم، ولم يقتل من المسلمين ذلك اليوم إلا رجلان، وجرح جماعة كثيرة.
ذكر دخول الميرة إلى عكا
وكان السلطان قد أعدّ ببيروت بطشة (١) عظيمة، وأودعها أربعمائة غرارة قمح ووضع فيها الجبن والبصل والغنم وسائر ما يحتاج اليه، وكان الفرنج قد أداروا مراكبهم حول البلد منعا له من أن يدخل إليها ميرة، وكانت حاجة أهل البلد قد اشتدت جدا إلى الطعام، فركب في تلك البطشة جماعة من المسلمين وتزيّوا
стр. 673
بزىّ الفرنج، وحلقوا لحاهم، ووضعوا الخنازير على سطح البطشة، وعلقوا الصلبان وجاءوا قاصدين إلى البلد حتى خالطوا مراكب العدو، فخرجوا عليهم واعترضوهم في الحراقات (١) والشوانى، وقالوا لهم:
" نراكم قاصدين البلد " واعتقدوا أنهم منهم، فقالوا: " أو لم تكونوا قد أخذتم البلد؟ " فقالوا: " لا، لم نأخذ البلد بعد " فقالوا: " نحن نرد القلوع إلى العسكر وورانا بطشة أخرى في هوائنا، فأنذروهم حتى لا يدخلوا البلد ".
وكان وراءهم بطشة أفرنجية قد اتفقت معهم في البحر قاصدة إلى العسكر، فنظروا فرأوها، فقصدوها لينذروها، واشتدت البطشة الإسلامية في السير، واستقامت لها الريح حتى دخلت ميناء البلد، واشتد الفرح والسرور بذلك، وكان ذلك في العشر الآخر من رجب.
ولما كان العشر الأول [٣٦٤] من شعبان كتب الأمير بهاء الدين قراقوش - وهو والى البلد -، والحاجب لؤلؤ - وهو مقدم الأسطول - يذكران للسلطان أنه لم يبق بالبلد ميرة إلا قدر ما يكفى البلد إلى ليلة النصف من شعبان، فكتم السلطان ذلك لئلا يسمع (٢) الأمر، وقد كان كتب إلى مصر بتجهيز ثلاث
стр. 674
بطش مشحونة بالأقوات والمير وما يكفى البلد إلى آخر الشتاء، فأقلعت البطش الثلاث من الديار المصرية وطابت لها الريح، ووصلت إلى عكا ليلة النصف من شعبان، وقد فنيت الأزواد ولم يبق عندهم ما يطعمون الناس في ذلك اليوم، فخرج عليها أسطول العدو يقاتلها، والعساكر الإسلامية تشاهد ذلك من الساحل والناس في تهليل وتكبير وقد كشفوا رؤوسهم يبتهلون إلى الله تعالى: سلامتها، ولم يزل القتال بين أسطول العدو وبين البطش إلى العصر من ذلك اليوم، ووصلت سالمة، وكانت ليلة بليال.
ذكر المكاتبة إلى الديوان العزيز
وكتب السلطان إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين كتابا منه:
" وقد بلى الإسلام منهم بقوم قد استطابوا الموت واستجابوا الصوت (١)، وفارقوا المحبوبين: الأوطان والأوطار، وهجروا المألوفين: الأهل والديار، وركبوا اللجج، ووهبوا المهج، كل ذلك طاعة لقسيسهم، وامتثالا لأمر مركيسهم، وغيرة لمتعبدهم، وحمية لمعتقدهم وتهالكا على مقبرتهم، وتحرقا على قمامتهم، لا يطلبون مع شدة الإملاق (٢) مالا، ولا يجدون مع كثرة المشاق ملالا، بل يتساقطون على نيران الظبى تساقط الفراش (٣) ويقتحمون الردى متدرعين للصبر متثبتين الجأش، حتى خرجت النساء من بلادهن (٤) متبرزات،
стр. 675
وسرن إلى الشام في البحر متجهزات، وكانت منهن ملكة استتبعت خمسمائة مقاتل: [فارس وراجل] (١) ورامح ونابل، والتزمت مؤنتهن، فصودف مركبها بقرب الاسكندرية، وأخذت برجالها، وأراح الله من شر احتفالها.
ومنهن ملكة وصلت مع ذلك الجمع، ذوات المقانع من الفرنج مقنعات دارعات (٢)، يحملن إلى الطعان الطوارق والقنطاريات (٣)، وقد وجدت في الوقعات [٣٦٥] التي جرت عدة منهن في القتلى، فما عرفن حتى سلبن.
وأن البابا الذى لهم برومية قد حرّم عليهم مطاعمهم ومشاربهم وقال: " من لا يتوجه إلى القدس مستخلصا فهو عندى محروم لا منكح له ولا مطعم ".
فلأجل هذا يتهافتون على الورود، ويتهالكون على يومهم الموعود، وقال لهم:
" إنى واصل في الربيع، جامع على الاستغفار شمل الجميع "، وإذا نهض هذا الملعون فلا يقعد عنه أحد، ويصل معه بأهله وولده كل من يقول لله أهل وولد.
فهذا شرح حال هؤلاء وتعصبهم في ضلالهم ولجاجتهم في غوايتهم، بخلاف أهل الإسلام فانهم يتضجرون ولا يصبرون، بل يتفللون ولا يجتمعون، ويتسللون ولا يرجعون، وإنما يقيمون ببذل نفقة، واذا حضروا حضروا بقلوب غير متفقة، ليعلم أن الإسلام من عند الله منصور، وأن الكفر بارادة الله محسور مدحور ".
стр. 676
ذكر ما اتخذه العدو من آلات الحصار
واتخذ العدو دبابة عظيمة يدخل تحتها خلق عظيم، وهى ملبسة بصفائح الحديد ولها من تحتها عجل تحرك بها من داخل، وفيها المقاتلة حتى ينطح بها السور، ولها رأس عظيم برقبة شديدة من حديد [وهى تسمى كبشا تنطح السور بشدة عظيمة] (١) لكثرة من يجرها، فتهدمه بتكرار نطحها.
واتخذ آلة أخرى، وهى قبو (٢) وفيه رجال تسحبها، ورأسها محدّد (٣) على شكل السكة التي يحرث بها، وأما رأس الكبش فمدور، فهذا يهدم بثقله، وتلك تهدم بحدتها وثقلها، وتسمى هذه السكة سفودا.
واتخذ أيضا ستائر وسلاليم هائلة كبار.
واتخذ في البحر بطشة هائلة، وفيها برج بخرطوم، فاذا أريد قلبه على السور انقلب بحيل هندسية ويبقى طريقا إلى المكان الذى تنقلب عليه، ليمشى عليه المقاتلة، وعزموا على تقريبه إلى برج الذبان ليأخذوه.
стр. 677
ذكر إحراق منجنيقات العدو
ونصب العدو على البلد منجنيقات هائلة حاكمة على السور، وتواترت حجارتها حتى أثّرت فيه أثرا بينا وخيف على البلد، فأحرق بعض المسلمين سهمين من سهام الجرخ الكبير حتى صارا كالشعلة من النار، ثم رميا في المنجنيق الواحد فعلقا فيه واجتهد العدو في اطفائه فلم يقدر على ذلك [٣٦٦] وهبت ريح شديدة، واشتعل اشتعالا عظيما واتصل لهبه بالآخر فاحترق، واشتدت ناراهما بحيث لم يقدر أحد أن يقرب مكانهما ليحتال في اطفائهما، فاشتد بذلك فرح المسلمين.
ذكر إحراق ما حوصر به برج الذبّان
وتحريق الكبش
ولما كان الثانى والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة ست وثمانين وخمسمائة - قصد العدو محاصرة برج الذبان، وهو برج في وسط البحر مبنى على الصخر على باب ميناء عكا، يحرس منه الميناء، ومتى عبره المركب (١) أمن غائلة العدو، فأراد العدو أخذه ليبقى الميناء بحكمه، ويمتنع بذلك دخول شئ من البطش إلى عكا، فتنقطع الميرة عن البلد، فجهزوا بطشا متعددة، وجعلوا على صوارى البطش برجا، وملئ حطبا ونفطا، وقصدوا أن يسيروا البطش، فاذا قاربت البرج ولا صقته أحرقوا البرج الذى على الصارى، وألصقوه بالبرج ليلقوه على
стр. 678
سطحه، فيهلك كل من على البرج (١) من المقاتلة ويأخذونه، وجعلوا في البطشة وقودا كثيرا حتى يلقى في البرج إذا اشتعلت النار فيه.
وعينوا (٢) بطشة ثانية وملؤوها حطبا ووقودا، على أنهم يدفعونها إلى أن تدخل بين البطش الإسلامية، ثم يحرقونها، فتلهب البطش الإسلامية، ويهلك ما فيها من المير.
وجعلوا في بطشة ثالثة مقاتلة تحت قبو بحيث لا يصل اليهم نشاب ولا شئ من آلات السلاح، حتى إذا أحرقوا ما أرادوا إحراقه دخلوا تحت ذلك القبو فأمنوا، وكان طمعهم مشتدا حيث كان الهوا مسعدا (٣) لهم، فلما حرقوا البطشة التي أرادوا أن يحرقوا بها بطش المسلمين، والبرج الذى أرادوا أن يحرقوا به من على البرج، فأوقدوا النار وضربوا فيها النفط، وقدر الله انعكاس الهوا عليهم، فاشتعلت البطشة التي كان فيها البرج بأسرها، وهلك كل من كان بها من المقاتلة، واحترقت البطشة الأخرى التي أريد بها إحراق بطش المسلمين، ووثب المسلمون فأخذوها إليهم، وأما البطشة الثالثة التي بها القبو فاضطرب [٣٦٧] من بها وخاف، ووقع بينهم اختلاف، فانقلبت بمن فيها وأغرقتهم، وأذلّ الله الكافرين، وأنزل بهم عقوبته.
ولما كان الثالث من شهر رمضان زحف العدو على البلد في خلق لا يحصى، فأهملهم أهل البلد حتى نشبت مخاليب أطماعهم فيهم، وسحبوا آلاتهم التي قدمنا ذكرها حتى قاربوا أن يلصقوها بالسور، وحصل منهم في الخندق جمع عظيم،
стр. 679
فأطلق أهل البلد عليهم الجروخ والمجانيق والنيران، وفتحوا الأبواب دفعة، وهجموا على العدو، وكبسوهم في الخنادق، فهربوا، ووقع السيف فيمن بقى على الخندق.
ثم هجموا على كبشهم فألقوا فيه النار والنفط، وتمكنوا من حريقه لهرب المقاتلة عنه، فاحترق حريقا شديدا، وارتفع لهبه إلى السماء، وارتفعت الأصوات بالتكبير والتهليل، وسرت نار الكبش إلى السفود، فاحترق حريقا شنيعا، وعلّق المسلمون في الكبش كلاليب الحديد المصنوعة في الأسل (١) فسحبوها وهو يشتعل حتى حصل عندهم في البلد، وألقى عليه الماء حتى برد حديده، وكان وزن ما فيه من الحديد مائة قنطار بالشامى، ثم سيّروا رأسه إلى السلطان لينظره.
وفى السادس عشر من شهر رمضان وصل الخبر إلى السلطان بأن الابرنس - صاحب أنطاكية - أغار على بلاد حلب فخرج إليه نواب الملك الظاهر، فقتلوا من عسكره خمسة وسبعين نفرا، وأسر خلق كثير، فاعتصم بموضع يسمى شيج حتى اندفعوا، وسار إلى بلده.
وفى العشر الأوسط من الشهر، ألقت الريح بطشتين فيهما رجال ونساء وميرة عظيمة وغنم كثير قاصدين نحو العدو، فغنمها المسلمون، وكان العدو قد ظفر للمسلمين ببركوس (٢) فيه نفقة ورجال أرادوا الدخول للبلد، فكان أخذ هاتين البطشتين جابرا.
стр. 680
ذكر رحيل السلطان إلى المنزلة المعروفة بشفرعمّ (١)
وسبب ذلك أنه بلغه عزم الفرنج على الخروج مرة ثانية لأخد ثأرهم، وكثر المستأمنون (٢) عنده، وتواترت أخبارهم إليه بذلك، فتأخر إلى هذه المنزلة، لتكون أفسح للقاء، فأقام مستعدا لدخول الشتاء، وذلك في تاسع عشر رمضان.
стр. 681
ذكر وفاة زين الدين - صاحب إربل -
ومرض زين الدين يوسف بن زين الدين [٣٦٨] على كوجك في المعسكر السلطانى، وكان استأذن في الرواح إلى بلده، فلم يؤذن له، فاستأذن في الانتقال إلى الناصرة، فأذن له، فأقام أياما، ثم توفى ﵀ في الثامن والعشرين من شهر رمضان من هذه السنة، وحزن عليه الناس حزنا شديدا لشبابه وغربته، وكان كريما أريحيا، فاحتاط أخوه مظفر الدين كوكبورى على ما خلّفه، وقبض على جماعة من أمرائه واعتقلهم.
ذكر استيلاء مظفر الدين على إربل وبلادها واستيلاء الملك المظفر على ما كان بيد مظفر الدين
ثم طلب مظفر الدين من السلطان أن يضم إربل وبلادها، وأن يضاف إليه ولاية شهرزور، وأنه ينزل عن حرّان والرّها وسميساط والموزر (١)، وخدم بخمسين ألف دينار نقدا، فأجيب إلى ذلك، واستمهل إلى حين وصول الملك المظفر بجنده، ليكون في منزلته.
ولما كان يوم الأحد ثالث شوال وصل الملك المظفر، فأضيف إليه ما استرجع من مظفر الدين من الأعمال، ثم أمر السلطان أن يكتب منشور بإربل وبلادها لمظفر الدين، وكتاب إلى صاحب الموصل، منه:
" لا شك في إحاطة العلم بانتقال زين الدين إلى جوار الله تعالى ومقر رحمته، مجاهدا في سبيله، شاكرا لنعمته، وهو من السعداء الذين أنزل الله فيهم:
стр. 682
«ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله»، فما أوجع القلوب بمصابه، وما أنكى في النفوس أفول (١) شبابه، ولقد كانت الهمة متوفرة على تربيته وإعلاء درجته، لكن الله استأثر به قبل ظهور حسن الآثار (٢) في إيثاره، وبلى بدره التم بسراره في ضمير البلى من أسراره، وهذه إربل من إنعام البيت الكريم الأتابكى على البيت الزينى منذ سبعين عاما لم يحلوا لعقد إنعامهم بها نظاما، ولم يزيدوا أحكامه الا إحكاما وإبراما، وما رأى أن يخرج هذا الموضع منهم، وأن يصدف به عنهم، والأمير الأجل مظفر الدين كبير البيت وحاميه، والمقدم في الولاية [٣٦٩] بمقتضى وصية أبيه، وقد أنهض ليسد مسد أخيه ".
ثم سافر مظفر الدين إلى إربل فتسلمها، ولما فوّض السلطان إلى إبن أخيه الملك المظفر ما كان بيد مظفر الدين أقام بالمنزلة المظفرية إلى أن يؤذن له في المضى إلى تلك الولاية، وسيّر نوابه إليها، وكان بيده أعمال ميّافارقين، ومن الشام حماة والمعرّة وسلمية ومنبج وقلعة نجم وجبلة واللاذقية وبلاطنس وبكرامل.
ذكر استئذان ملوك الأطراف بالرجوع إلى بلادهم
لأجل دخول الشتاء
ولما دخل الشتاء وطالت مدة البيكار (٣)، أبدت العسكر السآمة والضجر من الإقامة، وجدّ الملك عماد الدين زنكى بن مودود - صاحب سنجار - في الاستئذان في الرحيل، وتكررت رقاعه إلى السلطان في ذلك، فكتب إليه السلطان:
" من ضاع مثلى من يديه ... فليت شعرى ما استفادا "
стр. 683
فلما قرأ هذا البيت لم يراجع السلطان بعدها بكلمة في المعنى.
واستطال معز (١) الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى - صاحب الجزيرة - المقام، ودخل يوم عيد الفطر على السلطان فقبّل يده، وودّعه من غير سابقة الاستئذان، فغضب السلطان من ذلك، ثم خرج معز (١) الدين، وسار من ساعته وتبعه أصحابه.
وذكر القاضى بهاء الدين:
أن رقاعه كانت قد ترددت إلى السلطان في طلب الدستور، واعتذر إليه السلطان بأن رسل العدو متكررة في طلب الصلح، ولا يجوز أن تنفضّ العساكر حتى تتبين على ماذا ينفصل الحال من سلم أو حرب.
ولما ودّع السلطان وانفصل، كتب إليه:
" إنك أنت قصدت الانتماء إلىّ ابتداء، وراجعتنى في ذلك مرارا، وأظهرت الخيفة على نفسك وبلدك من أهلك، فقبلتك وأوتيك ونصرتك، فبسطت يدك في أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، فنفذت إليك ونهيتك عن ذلك مرارا، فلم تنته، فاتفق وقوع هذه الواقعة للإسلام، فدعوناك فأتيت بعسكر قد عرفته وعرفه الناس، وأقمت هذه المديدة، [٣٧٠] وقلقت هذا القلق، وتحركت بهذه الحركة، وانصرفت، من غير طيب نفس، وغير فصال حال من العدو، فانظر لنفسك، وأبصر من تنتمى إليه غيرى، واحفظ نفسك ممن يقصدك، فما بقى إلى جانبك التفات "
وسلم الكتاب إلى نجاب فلحقه قريبا من طبرية، فقرأ الكتاب ولم يلتفت، وسار فلقيه الملك المظفر وهو متوجه إلى السلطان عند عقبة فيق، فأخبره بأمره،
стр. 684
وتعتّب على السلطان كيف لم يخلع عليه ولم يأذن له في الرواح، ففهم الملك المظفر انفصاله من غير دستور من السلطان، فأمره بالرجوع، وقال له:
" أنت صبى، ولا تعلم غائلة هذا الأمر " فقال:
" ما يمكننى الرجوع "، فقال:
" ترجع من غير اختيارك ".
وكان الملك المظفر شديد البأس، مقداما في الأمور ليس في عينه من أحد شئ، فلما علم أنه قابضه إن لم يرجع رجع معه، وسأل السلطان الصفح عنه ففعل، وطلب أن يقيم في جوار الملك المظفر خشية على نفسه، فأذن له، فأقام في جواره إلى حين ذهابه.
ذكر خروج الفرنج للقاء المسلمين وعودهم خائبين
ولما كان يوم الاثنين حادى عشر شوال من هذه السنة خرج الفرنج على عزم اللقاء بعد أن رتّبوا على عكا من يلازم القتال مع ملك الألمان، خرج معهم المركيس، والكندهرى، وأخذوا معهم عليق أربعة أيام [وزادها] (١)، وكان مخيم اليزك على تل العياضية، فركبوا وصاروا في مقاتلة العدو، ونزل الفرنج تلك الليلة على آبار كان المسلمون قد حفروها (٢) عند نزولهم هناك، وباتوا واليزك يرموهم بالنشاب، وأصبحوا يوم الثلاثاء ثانى عشر شوال سائرين إلى اللقاء، وقد جعلوا راجلهم سورا لهم يذبّ عنهم بالزنبورك حتى لا يترك أحد يصل إليهم إلا بالنشاب، فإنه كان يطير عليهم كالجراد.
стр. 685
وخيالتهم تسير في وسطهم، بحيث لا يظهر منهم أحد، وعلمهم (١) مرتفع على عجلة، وهو يسحب بالبغال، وهو عال جدا كالمنارة، خرقته بيضاء ملمعة بحمرة على شكل الصلبان.
ورفع السلطان ثقله إلى ناحية القيمون، وقد امتدت ميمنته إلى الجبل وإلى البحر، وعنده في القلب أولاده: [٣٧١] الملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك الظافر، وأخوه الملك العادل في أول الميمنة، ويليه حسام الدين لاجين ابن أخت السلطان، وصارم الدين قايماز النجمى، ثم حسام الدين بشارة وبدر الدين دلدرم الياروقى.
وكان في الميمنة ابن صاحب الموصل، وعز الدين جرديك النورى.
وفى الميسرة صاحب سنجار، وصاحب الجزيرة، والملك المظفر تقى الدين، وسيف الدين بن المشطوب، وخشترين، والهكّارية، والحميدية، والزرزارية، والمهرانية، وأمراء قبائل الأكراد (٢).
وضرب السلطان خيمة لطيفة بقرب الخروبة على تل مشرف، وكان مخبط الجسم وهو الذى منعه من مباشرة الحرب بنفسه، وكان عماد الدين - صاحب سنجار - غائبا مع الثقل لمرض كان به، وبقى عسكره، فعاد وقد أقلعت الحمى عنه، وكان الوخم قد عظم جدا بحيث أن الموت كثر في الطائفتين، فكان السلطان يتمثل:
أقتلونى وما لكا ... واقتلوا مالكا معى
وفى مرج عكا عين غزيرة الماء، يجرى منه نهر كبير إلى البحر، وسار الفرنج ذلك اليوم شرقى النهر حتى وصلوا إلى رأس الماء، وشاهدوا عساكر المسلمين، فانحرفوا
стр. 686
إلى غربى النهر، فأنهض السلطان إليهم الجاليشية، فأثخنوا فيهم الضرب باللتوت والدبابيس والنشاب والرماح، وجرى بين الجاليشين من الجانبين قتال كثير، وباتوا ليلة الأربعاء، وأصبحوا يوم الأربعاء ثالث عشر شوال فركبوا، ووقفوا على صهوات خيولهم إلى ضحوة النهار، والراجل محدق بهم كالأسوار، وقد قربت العساكر الإسلامية حتى كادت تخالطهم، والرمى بالنشاب متصل، وهم ثابتون لا يتزلزلون، ولما أحسوا بالعجز والضعف نكصوا على أعقابهم عائدين على هيئة الاجتماع، والنهر عن يمنيهم، والبحر من يسارهم، والمسلمون حولهم يرمونهم بالنشاب ويقاتلونهم، وكلما صرع منهم قتيل حملوه وسيروه، ونزلوا ليلة الخميس على جرد عوف، وقطعوا الجسر ليلا لئلا يتعدوا المسلمون إليهم.
وقاتل أياز الطويل وسيف الدين باركوج (١) في هذا اليوم قتالا عظيما، وأبليا بلاء حسنا، ثم رجع العدو إلى مخيمه، ورجع المسلمون إلى مخيمهم ظافرين منصورين، وأعيد الثقل [٣٧٢] إلى مكانه.
ذكر وقعة الكمين ودخول البدل إلى عكا
و [لما] كان يوم الجمعة الثانى والعشرون من شوال انتخب السلطان من أجناده عدة وأمرهم أن يكمنوا في سفح تل هو شمالى عكا بقرب المنزلة العادلية القديمة عند الساحل، فكمنوا تلك الليلة، فلما أصبح الصباح ركب منهم عدة يسيرة، وساروا نحو الفرنج، وصالوا عليهم، وأغاروا، فاستقبلوهم الفرنج، فخرج إليهم زهاء أربعمائة فارس، وقيل مائتا فارس، وطمعوا في المسلمين، وتأخروا قليلا قليلا حتى أوصلوهم إلى الكمين، وخرجوا عليهم فقتلوهم وأسروهم، وأستولوا عليهم بأسرهم، فلم ينج منهم ناج، ووقع في الأسر مقدمون أكابر، منهم خازن الملك وجماعة من الأفرنسيسية.
стр. 687
وركب السلطان فرحا بهذه البشارة، ووقف على تل كيسان، وقد توافت إليه الأسلاب والأسرى والحيوان، فلم يعرض للأموال، وأطلقها لآخذيها، وكانت عظيمة، وجلس وأحضر الأسرى وباسطهم وأطعمهم وكساهم، وأذن لهم أن يسيروا غلمانهم لإحضار ما يريدون إحضاره، ثم نقلهم إلى دمشق للاعتقال، وحفظهم بالقيود.
ودخل الشتاء، وعصفت الأهواء، وهاج البحر، وتكسرت بعض سفن الفرنج، فأنفذوها إلى الجزائر للاحتياط، وربطوا بعضها بصور، فخلا البحر من مراكبهم، وكان أهل البلد قد ملوا وضجروا، وكانوا زهاء عشرين ألفا، فرأى السلطان أن يفسح لهم في الخروج رفقابهم، ولم يكن ذلك مصلحة ورأيا، بل كان الرأى إراحة غيرهم، فإنهم قد ذبّوا وصبروا، وهم كنفس واحدة.
وأشير على السلطان بترتيب البدل، وتكفل الملك العادل بذلك، وانتقل بمخيمه إلى سفح جبل حيفا قاطع النهر، وتقدم بجمع السفن للنقل، واجتمع المنتقلون بالساحل، فمن نجز أمره انتقل، وانتقل إلى البلد (١) من لم يجرب الحصار ولم (٢) يخبر أمور البلد، وممن كان بالبلد أبو الهيجاء السمين فخرج، ولم يبق بالبلد ممن كان به إلا الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، ودخل عشرون أميرا عوض ستين، واستخدمت الرجال، [٣٧٣] وأنفقت الأموال، وكان مقدم الداخلين الأمير سيف الدين المشطوب، وتقدم السلطان إلى كل من دخل أن يستصحب ميرة سنة كاملة.
ودخل إلى ميناء عكا سبع بطش للمسلمين مملوءة ميرة وذخائر ونفقات، وكانت وصلت من مصر، وكان دخولها إليه يوم الاثنين ثانى ذى الحجة، وانكسر
стр. 688
منها مركب على الصخر الذى هو قريب من الميناء، وانقلب كل من في البلد من المقاتلة إلى جانب البحر لتلقى البطش وأخذ ما فيها.
ولما علم الفرنج انقلاب المقاتلة إلى جانب البحر زحفوا إلى البلد من جانب البر زحفة عظيمة، وقاربوا الأسوار، وصعدوا في سلم واحد فاندق بهم السلم، وتداركهم أهل البلد، فقتلوا منهم خلقا عظيما، وضرب البطش بعضها ببعض على الصخر، فهلكت وهلك جميع من كان فيها، وكان فيها ميرة عظيمة، لو سلمت لكفت البلد سنة كاملة، ودخل على المسلمين من ذلك وهن عظيم، وتألم السلطان لذلك تألما عظيما، وكان ذلك أول علائم أخذ البلد.
ذكر عود الملوك إلى بلادهم
ولما هجم الشتاء وهاج البحر، وأمنت غائلة العدو بسبب تواتر الأمطار واشتداد البرد أذن السلطان للعساكر في العود إلى بلادها ليأخذوا نصيبا من الراحة، فسار عماد الدين زنكى - صاحب سنجار - خامس عشر (١) شوال، ويعده ابن أخيه معز الدين سنجر شاه بن غازى - صاحب الجزيرة - بعد أن أنعم عليهما بما لم ينعم به على غيرهما.
ثم سار علاء الدين ابن (٢) صاحب الموصل في أول ذى القعدة مشرفا مكرما.
ثم سار الملك الظاهر - صاحب حلب - في المحرم سنة سبع وثمانين.
ثم سار الملك المظفر في صفر منها.
ولم يبق عند السلطان إلا نفر يسير من الأمراء والحلقة الخاص.
стр. 689
ذكر بقية الحوادث سنة ست وثمانين
وفى ليلة السابع من ذى الحجة وقعت قطعة عظيمة من سور عكا، فانثلم الثغر فبادر الفرنج إليها، فجاء أهل البلد وسدّوها (١) بصدورهم، وقاتلوا [٣٧٤] عليها إلى أن بنوها وعادت أقوى مما كانت.
وفى ثانى عشر ذى الحجة هلك ابن ملك الألمان، وكند عظيم (٢) من كنودهم ومرض الكندهرى، وكثر الموت في الفرنج، فصار يموت كل يوم منهم المائة والمائتان (٣)، وحزن الفرنج على ابن ملك الألمان حزنا شديدا، وأشعلوا نيرانا هائلة بحيث لم يبق لهم خيمة إلا اشتعل فيها الناران والثلاثة.
وأستأمن من الفرنج في هذه المدة خلق عظيم، أخرجهم الجوع وقالوا للسلطان:
" نحن نخوض البحر في براكيس (٤)، ونكسب من العدو، ويكون المكسب بيننا وبين المسلمين ".
فأذن لهم السلطان في ذلك، وأعطاهم بركوسا، وهو المركب الصغيرة، فركبوا فيه، فظفروا بمراكب لتجار العدو وبضائعهم معظمها فضة مصوغة وغير مصوغة، وأسروهم وكبسوهم (٥)، وأحضروهم بين يدى السلطان، فأعطاهم جميع ما غنموه، فلما أكرموا بهذه المكرمة أسلم شطرهم، وأحضروا مائدة فضة وعليها
стр. 690
مكبة عالية فضة، ومعها طبق يماثلها في الوزن، وذلك تقارب في الوزن قنطارا، فما أعارها السلطان طرفه.
واستشهد من الأمراء في هذه السنة على عكا سبعة من الأمراء منهم الأمير سوار.
والتقى في هذه السنة شوانى المسلمين بشوانى الفرنج، فاحترقت للفرنج شوانى برجالها، وأحاطت مراكب العدو بشينى مقدمه الأمير جمال الدين محمد بن أرلكلن (١)، فتواقع ملاحو الشينى إلى الميناء، فقاتل جمال الدين وصابر، فعرضوا عليه الأمان فقال:
" ما أضع يدى إلا في يد مقدمكم الكبير ".
فجاء إليه المقدم، فعانقه ولازمه، ووقعا معا في البحر فغرقا.
واستشهد أيضا الأمير نصر الحميدى.
وورد في هذه السنة كتاب سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب - صاحب اليمن - يذكر استيلاءه على صنعاء، وأنه استناب بها ولده شمس الدولة.
ووصل في ذى الحجة القاضى الفاضل إلى المعسكر المنصور، وكانت قد طالت غيبته عن السلطان مدة سنتين.
ودخلت سنة سبع [٣٧٥] وثمانين وخمسمائة والسلطان على شفرعمّ، وأخوه الملك العادل قاطع نهر حيفا (٢)، والبدل متصل بالدخول إلى عكا.
وفى أول ربيع الأول من هذه السنة خرج المسلمون من عكا بغنة، وهجموا على الفرنج، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وأخذوا من خيمهم جمعا عظيما، منهم اثنتا عشرة إمرأة.
стр. 691
ذكر وصول العساكر إلى المعسكر السلطانى
ولما أقبل الربيع توافت العساكر وفاء بموعدها، فأول من قدم الأمير علم الدين سليمان بن جندر - صاحب عزاز وبغراس -، والملك الأمجد بهرام شاه ابن فرخشاه - صاحب بعلبك -، وبدر الدين مودود - والى دمشق -؛ وتواترت الأمراء ففى كل يوم يقدم أمير.
ووصل إلى الفرنج أمداد من البحر، فوصل ملك افرنسيس فليب (١) في عدة كثيرة، وهو من أعظم ملوكهم، وكانوا يتواعدون به حتى قدم، وكان الذين قدموا معه في ست بطش، وكان العدو يتوهم وصوله في أضعاف ذلك، فلما قدموا وعدهم بالمدد بعده؛ ثم قدم بعده كند فرير (٢)، وكان مقدما عظيما عندهم وكان حاصر حماة وحارم عام الرملة.
ذكر استيلاء فخر الدين أسامة على سفن الانكلتير
ولما كان السادس والعشرين من ربيع الآخر من هذه السنة وصل ملك الانكلتير، وهو ملك عظيم من الفرنج إلى قبرص، واشتغل بسبب أخذها عن الوصول إلى عكا، وأقام حتى أخذها عنوة من صاحبها، وكانت مقدمات سفنه قد وصلت، فاجتازت على بيروت وبها الأمير عز الدين أسامه، فاستولى على خمس منها مملؤة رجالا ونساء وأموالا وخيلا، وكان في الزيب - وهو شمالى عكا - طائفة من المسلمين يجهزون السفن الداخلة إلى عكا، ويقطعون الطريق على الفرنج.
стр. 692
ذكر مضايقة الفرنج بعكا وجدّهم في حصارها
ولما كان يوم الخميس رابع جمادى الأولى من هذه السنة زحف الفرنج إلى عكا، ونصبوا عليها سبعة مناجيق، ووصلت كتب أهل عكا إلى السلطان بالاستنفار العظيم وشغل العدو عنهم، فركب السلطان في العساكر، وكان هذا دأب السلطان كلما زحف العدو إلى البلد، وكانت العلامة بينهم [٣٧٦] وبين السلطان أنه متى زحف العدو عليهم دقوا الكوسات (١)، فتدق كوسات السلطان إجابة لهم.
ذكر تحويل السلطان إلى تل العياضية
ووصول ملك الانكلتير
ولما اشتدت مضايقة البلد، واستبعد السلطان المنزلة التي هو بها، فحوّل إلى تل العياضية في تاسع جمادى الأول.
ولما كان الثالث عشر من هذا الشهر وصل ملك الانكلتير من جزيرة قبرص ومعه خمس وعشرون قطعة، هو وأصحابه كلهم شاكون السلاح، فبلى الثغر منه بغير البلاء الأول، ومجانيق العدو مع ذلك توالى الرمى إلى البلد، وتمكن الفرنج من الخندق، وشرعوا في طمه، ورموا فيه جثث الموتى والخنازير والدواب النافقة، وافترق المسلمون فرقتين: فرقة تلقى من الخندق مارمى فيه، وفرقة تقاتل العدو.
стр. 693
ذكر هلاك بطشة المسلمين الواصلة من بيروت
وكان السلطان قد أمر بتعبئة بطشة عظيمة هائلة ببيروت، مشحونة بالآلات والأسلحة، والمير والرجال والمقاتلة، لتدخل إلى عكا، وكانت عدة المقاتلة بها ستمائة وخمسين رجلا، فوصلت إلى عكا في سادس عشر جمادى الأول، فاعترضها ملك الانكلتير في أربعين شانيا، فاحتاطوا بها من جميع جوانبها، واشتد القتال، فقتل من العدو عليها خلق عظيم، وأحرقوا من العدو شانيا كبيرا هلك أصحابه عن آخرهم، وتكاثر الفزع على أهل البطشة، وكان مقدم المقاتلة بها رجلا شجاعا يقال له " يعقوب " من أهل حلب، فلما رأى أمارة الغلبة قال:
" والله لا نقتل إلا عن عز، ولا نسلم إليهم من هذه البطشة شيئا ".
فوقع المسلمون في بطشتهم من جوانبها بالمعاول يهدمونها من كل جانب أبوابا، فامتلأت ماء، وغرق كل من بها من المسلمين، وهلك ما فيها من المير والآلات، ولم يظفر العدو منها بشئ أصلا وتلقف العدو بعض من كان فيها، وأخذوه إلى الشوانى من البحر، وخلصوه من الغرق ومثلوا به، وأنفذوه إلى البلد ليخبرهم بالواقعة، فحزن الناس لذلك حزنا شديدا.
ذكر الدبّابة التي صنعها العدو وإحراقها
وصنع العدو دبّابة عظيمة هائلة ذات [٣٧٧] أربع طبقات: الأولى من الخشب، والثانية من الرصاص، والثالثة من الحديد، والرابعة من النحاس، وكانت تعلو على السور، وتركب فيها المقاتلة، وخاف أهل البلد خوفا عظيما، وحدثتهم
стр. 694
نفوسهم بطلب الأمان من العدو، وكانوا قد قربوها من السور بحيث لم يبق بينها وبين السور إلا مقدار خمسة أذرع على ما نشاهد، وواتر أهل البلد رميها بالنفط ليلا ونهارا، فقدر الله تعالى أنها اشتعلت بالنار، وارتفعت لها ذؤابة نحو السماء، واشتدت الأصوات بالتكبير والتهليل، وكان ذلك يوم غرق البطشة.
ذكر هجوم المسلمين على خيم العدو
واتفق أن المسلمين يوما هجموا خيم العدو ونهبوها، ووصل رجل كبير من أهل مازندران يريد الغزاة والحرب قائمة، فحمل حملة استشهد فيها في تلك الساعة، ثم اتفق مرض ملك الانكلتير مرضا أشفى منه على الهلكة، وجرح الافرنسيس، وهرب المركيس إلى صور خوفا من الفرنج، لأنه استشعر منهم أنهم يأخذون صور منه.
ذكر المكاتبة إلى الديوان العزيز
وكتب السلطان إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بانشاء فاضلى منه:
" ما قطع الخادم الخدم، إلا أنه أضجر وأسأم من المطالعة بخبر هذا العدو الذى قد استفحل أمره، واستشر شره فإن الناس ما رأوا ولا سمعوا عدوا حاصرا محصورا غامر مغمورا (١) قد تحصن بخنادق تمنع الجائز من الجواز (٢)، وتعوق الفرص (٣) عن الانتهاز، ولا تقصر عدتهم عن خمسة آلاف فارس ومائة ألف راجل، وقد أفناهم القتل والأسر، وأكلتهم الحرب ولفظهم النصر، وقد أمدهم البحر بالبحار،
стр. 695
وأعان أهل النار أهل النار، فاجتمع في هذه الجموع من الجيوش الغربية والألسنة الأعجمية من لا يحصر معدوده، ولا يتصور في الدنيا وجوده، فما أحقهم بقول أبى الطيب:
تجمع فيه كل لسن وأمة ... فما يفهم الحداث (١) إلا التراجم
حتى أنه إذا أسر الأسير واستأمن المستأمن، أحتيج في فهم لغته إلى عدة تراجم، ينقل واحد عن آخر، ويقول ثان ما يقول أول، وثالث ما يقول ثان؛ والأصحاب كلّوا [٣٧٨] وملّوا، وصبروا إلى أن ضجروا، وتجلدوا إلى أن تبلدوا، والعساكر التي تصل من المكان البعيد لا تصل إلا وقد كلّ ظهرها، وقلّ وقرها، وضاق بالبيكار صدرها، لا تستفتح إلا بطلب الدستور، ويصير ضجرها مضرا بالسمعة عند العدو المخذول.
ولهم - خذلهم الله - تنوع في المكايدة، فإنهم قاتلوا مرة بالأبرجة، وأخرى بالمنجنيقات، وثالثة بالدبابات، ورابعة بالكباش، وأخرى باللوالب، ويوما بالنقب، وليلا بالسرابات (٢)، وطورا بطم الخنادق، وأناة بنصب السلالم، ودفعة بالزحوف (٣) في الليل والنهار، وحالة في البحر في المراكب.
стр. 696
ثم شرعوا [فأقاموا] (١) في وسط خيامهم حائطا مستطيلا (٢) يشبه السور من التراب، وتلالا تشبه الأبرجة مدوّرة، ورفعوها بالأخشاب، وعالوها بالحجارة، فلما كملت أخذوا التراب من ورائها ورموه قدّامها، وهم يتقدمون أول فأول، وترتفع حالا بعد حال، حتى صارت منه كنصف غلوة سهم، وقد كان الجمر والنار يؤثران في أبرجة الخشب، وهذه أبراج وستائر للرجال، ومنجنيقات من العطب لا تؤثر فيها الحجارة الرامية، ولا تعمل فيها النار الحامية ".
ذكر من وصل من العساكر الإسلامية
وفى آخر جمادى الأولى من هذه السنة وصل مجاهد الدين برتقش ومعه عسكر سنجار.
وفى ثانى جمادى الآخرة وصل ابن عز الدين مسعود - صاحب الموصل - في عسكره، ووصل علم الدين كرجى، وسيف الدين سنقر الدووى، وغيرهما من الأمراء الأسدية في عساكر مصر.
وكان الملك المظفر تقى الدين لما فارق خدمة عمه السلطان، وتوجه إلى الشرق لتسلم البلاد التي عينت له، تعرض لبلاد مجاورة، فكره السلطان ذلك.
وتأخر عسكر ديار بكر من المجئ إلى الغزاة، واعتذروا بالخوف من جوار الملك المظفر فقال السلطان:
" هذا من عمل الشيطان، وفى مثل هذا الوقت يتعرض لما يغضب الله تعالى، وإنى أخاف عليه في هذه السنة ".
فكان ما سنذكره.
стр. 697
ذكر مراسلة الفرنج للسلطان شغلا للوقت
وكان ملك الانكلتير قد مرض كما ذكرنا، واشتدت علته، فاشتغل [٣٧٩] العدو بذلك مدة عن الزحف، وكان ذلك خير من الله تعالى، فإن البلد كان قد ضعف إلى الغاية، وهدمت المنجنيقات من السور مقدار قامة، ثم تماثل ملك الانكلتير من مرضه، وراسل السلطان وطلب الاجتماع به، ثم فتر بعده أياما.
ثم جاء رسوله (١) يطلب الاستئذان في إهداء جوارح جاءت من البحر، وذكر أنها ضعفت وتغيرت، وطلب أن يحمل لها دجاجا لتتقوى، ثم تهدى، ففهم أنه محتاج إلى ذلك لنفسه، لأنه حديث عهد بمرض.
ثم نفذ السلطان يطلب أسيرا مغربيا عنده، فأطلقه للسلطان.
ثم أرسل في طلب فاكهة وثلج فأرسل ذلك إليه.
وغرضه في هذا كله تفتير العزمات وتضييع الوقت على المسلمين، وهم مع ذلك مشتغلون بمحاصرة البلد، ومواترة رميه بالمناجيق، فاشتد ضعف أهل البلد، وأهلكهم التعب والسهر، لقلة عددهم وكثرة الأعمال عليهم، والعدو مجتهد في قتالهم ومضايقتهم، وقد افترقوا فرقا تقاتلهم كل فرقة نوبة، فبلغ ذلك السلطان فصعب عليه.
ذكر استيلاء الفرنج على عكا
ولما كان يوم الثلاثاء السابع من جمادى الآخرة من هذه السنة ركب السلطان في العساكر الإسلامية، وقصد الفرنج، وزحف على خنادقهم حتى دخل فيها
стр. 698
العسكر، وهو ﵀ كالوالهة الثكلى، يسير من طلب إلى طلب، ويحث الناس على الجهاد، وينادى " يا للإسلام "، وعيناه تذرفان الدموع، ولم يطعم هو ولا الناس في ذلك اليوم طعاما، وإنما شرب شيئا أشار به الطبيب، ثم عاد إلى مخيمه لما هجم الليل، ثم ركب سحرا في العساكر، فأصبحو على ما أمسوا عليه.
ووصلت مطالعة من البلد يخبرون بعجزهم عن مقاومة العدو وأنهم ضعفوا غاية ليس بعدها إلا التسليم، ويقولون:
" نحن في الغد نسلم البلد ونطلب الأمان إن لم تعملوا معنا شيئا، ونشترى مجرد رقابنا ".
وكان هذا أنكى خبر ورد على المسلمين، فإن عكا كانت قد احتوت على جميع سلاح الساحل والقدس ودمشق وحلب ومصر، فرأى السلطان ﵀ مهاجمة العدو، فلم يساعده العسكر، فإن الرجالة من [٣٨٠] الفرنج وقفوا كالسور المحكم البناء بالسلاح والزنبورك (١) والنشاب (٢) من وراء أسوارهم، وهجم عليهم بعض الناس من بعض أطرافهم، فثبتوا وذبوا غاية الذبّ، فحكى بعض من دخل عليهم أسوارهم أنه كان واحد من الفرنج صعد سور خندقهم وجماعة يناولونه الحجارة وهو يرمى بها على المسلمين، فوقع فيه زهاء عن خمسين سهما وحجرا وهو يتلقاها، ولم يمنعه ذلك عما هو بصدده من الذب، حتى ضربه زرّاق بنفط فأحرقه.
ولم تزل الحرب قائمة إلى الليل، وضعفت نفوس أهل البلد وتمكن العدو من الخنادق فملؤوها، ونقبوا سور البلد وحشوه وأحرقوه، فوقعت بدنة من الباشورة، فدخل العدو إليها وقتل منهم فيها زهاء عن مائة وخمسين نفسا، وكان منهم ستة أنفس من كبارهم، فقال لهم واحد منهم: " لا تقتلونى حتى أرحل الفرنج عنكم بالكلية "، فبادر رجل من الأكراد فقتله وقتل الخمسة الباقية.
стр. 699
وفى الغد ناداهم الفرنج:
" احفظوا الستة فإنا نطلقكم كلكم بهم ".
فقالوا:
" قد قتلناهم ".
فحزنوا الفرنج، وبطلوا الزحف ثلاثة أيام.
وخرج الأمير سيف الدين المشطوب بأمان إلى ملك الافرنسيس وقال له:
" إنا قد أخذنا منكم بلادا عدة، وكنا نهدم البلد وندخل فيه، ومع هذا إذا سألونا الأمان أعطيناهم، وحملناهم إلى مأمنهم، وأكرمناهم، ونحن نسلم البلد وتعطينا الأمان على أنفسنا ".
فقال:
«أرى فيكم رأيى».
فأغلظ له سيف الدين القول وانصرف عنه.
ولما دخل سيف الدين بهذا الخبر خاف جماعة ممن كان في البلد، فأخذوا لهم بركوسا (١)، وركبوا فيه ليلا خارجين إلى العسكر الإسلامى، منهم: عز الدين أرسل، وحسام الدين تمرتاش بن الجاولى، وسنقر الوشاقى الأسدى، [فأما أرسل وسنقر] (٢) فتغيبا خوفا من السلطان، وأما ابن الجاولى فظفر به (٣)، فرمى في الزرد خاناه (٤) فقطع السلطان إقطاعه وبغر (٥) عليهم.
стр. 700
وهرب أيضا عبد القاهر الحلبى نقيب الجاندارية [الناصرية] (١) فشفع فيه على أنه يضمن على نفسه بالعود، فعاد في ليلته، وأسر [بعد ذلك] (١) واستفكه السلطان بثمانمائة دينار.
وركب السلطان يوم الخميس [٣٨١] تاسع جمادى الآخرة مشعرا أنه يريد كبس القوم، ومعه المساحى وآلات طم الخندق، فما ساعده العسكر على ذلك، وتخاذلوا وقالوا: " نخاطر بالإسلام كله ".
وخرج رسل من ملك الانكلتير ثلاثة، وطلبوا فاكهة وثلجا، وذكروا أن مقدم الاسبتارية يخرّج من الغد يتحدث ويتحدثون معه في الصلح، فأكرمهم السلطان، ودخلوا سوق العسكر وتفرجوا فيه، وعادوا إلى معسكرهم.
وتقدم السلطان إلى الأمير صارم الدين قايماز النجمى أن يدخل هو وأصحابه إلى أسوارهم عليهم، فترجل جماعة من الأكراد من أمرائهم ولفيفهم، كالجناح أخى سيف الدين المشطوب، [وزحفوا] (١) حتى بلغوا أسوار الافرنج، ونصب قايماز النجمى علمه على سورهم، وقاتل عن العلم قطعة من النهار.
ووصل في هذا اليوم عز الدين جرديك النورى والزحف قائم، فترجل هو وجماعته، وقاتل قتالا شديدا، وبات ليلة الجمعة على ظهور الخيل.
وعلم السلطان أنه لاسلامة لعكا، فانفذ إليهم جماعة سرا، وقال لهم:
" خذوا حذركم من العدو، واتفقوا واخرجوا ليلا من البلد يدا واحدة، وسيروا على جانب البحر، واتركوا البلد بما فيه».
فشرعوا في ذلك، واشتغل كل منهم باستصحاب ما يملكه، فما تمكنوا من المراد حتى أسفر الصباح، وظهر سرهم، فلم يتم لهم هذا الأمر، وحرس الفرنج سائر الجوانب.
стр. 701
والعدد والمراكب؛ ومائتى ألف دينار، وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معينين من جانبهم يختارونهم، وصليب الصلبوت، على أنهم يخرجون بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم؛ وضمنوا للمركيس - وكان قد استرضاه الفرنج - وأوعدوه بعشرة آلاف دينار، لأنه المتوسط بينهم وبين أهل البلد، ولأصحابه أربعة آلاف دينار " واستقرت القاعدة على ذلك بينهم وبين الفرنج.
ولما وقف السلطان على ذلك أنكره وأعظمه، وعزم على أن يكتب إليهم في إنكار ذلك عليهم، فهو في مثل هذا الحال وقد جمع أمراءه وأصحابه للمشورة، فما أحس المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانهم وشعارهم على أسوار البلد، وذلك ظهر نهار الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين، وانحصر كلام أهل الإيمان في تلاوة: " إنا لله وإنا إليه راجعون "، وارتفع البكاء والعويل في عسكر الإسلام.
ودخل المركيس - لعنه الله - البلد، ومعه أربعة أعلام للملوك، فنصب علما على القلعة، وعلما على مئذنة الجامع، وعلما على برج الداوية، وعلما على برج القتال، عوضا عن علم الإسلام، وحيز [المسلمون] (١) إلى بعض أطراف البلد.
قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀:
ومثلث بخدمة السلطان عشية ذلك اليوم، وهو أشد حالة من الوالهة الثكلى الحيرى، فسليته بما تيسر من التسلية، وأذكرته الفكر فيما استقبله [٣٨٣] من الأجر في معنى البلاد الساحلية والقدس الشريف، وكيفية الحال في ذلك، وإعمال الفكر في خلاص المسلمين المأسورين في البلد، وانفصل الأمر على أن رأى التأخير عن تلك المنزلة مصلحة، فإنه لم يبق غرض في المضايقة، فتقدم بنقل الأثقال ليلا إلى المنزلة التي كان عليها أولا بشفرعم، وأقام هو جريدة مكانه لينظر ماذا
стр. 702
يكون من أمر العدو وحال أهل البلد، وانتقل الناس في تلك لليلة إلى الصباح، فاشتغل العدو بالاستيلاء على البلد، وأقام السلطان إلى التاسع عشر، ثم انتقل إلى الثقل (١)، ووصل إلى السلطان ثلاثة نفر ومعهم أقوش - حاجب (٢) بهاء الدين قراقوش - مستنجزين ما وقع عليه عقد الصلح من المال والأسرى، وأقاموا تلك الليلة، وساروا إلى دمشق ينتظرون الأسرى.
ذكر مراسلة السلطان لملك المغرب
وكان السلطان قد راسل المنصور أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الخليفة بالمغرب مستنجدا به على عدو الدين (٣)، وكان الرسول إليه شمس الدولة بن منفذ، فلما ملك العدو عكا وجرى ما ذكرناه كتب السلطان إلى شمس الدولة بالانشاء الفاضلى يستحثه على العود بالنجدة، ويعرفه الواقعة، ومنه:
" لقد تجاوزت عدة من قتل على عكا - يعنى من الفرنج - الخمسين ألفا (٤)، قولا لا يطرقه التسمح، بل يحرزه (٥) التصفح، فانبرى في هذه السنة ملكا افرنسيس
стр. 703
وانكلتير وملوك آخرون في مراكب بحرية، وحمّالة (١) حملوا فيها الخيول والخيّالة، والمقاتلة والآلة، ووصلت كل سفينة تحمل مدينة، وأحدقت بالثغر، ومنعت الناقل بالسلاح إليه، والداخل بالميرة عليه.
فصل: وأخذوا البلد على سلم كالحرب، ودخله العدو، ولو لم يدخل من الباب لدخل من النقب، وما وهنّا لما أصابنا في سبيل الله، وما ضعفنا ولا رجعنا ورانا، ولا انصرفنا، بل نحن في مكاننا ننتظر أن يبارزوا فنبارزهم (٢)، أو يخرجوا فنناجزهم، أو ينتشروا فنطويهم، أو ينبثوا فنزويهم، وأقمنا على طرقهم، وخيمنا على مخنقهم، وأخذنا بأطراف (٣) خندقهم، [٣٨٤] وأحوج ما كنا الآن إلى النجدة البحرية، والأساطيل المغربية، فإن عاريتنا بها ترد، وعاديتنا بها تشتد.
والأمير يبلغ ما بلغه من خطب الإسلام وخطوبه؛ ويقوم في البلاغ يوم الجمعة مقام خطيبه، ويعجّل العودة وقبلها الإجابة، ويستصحب السهم ويسبق ببشرى الإصابة، ويشعر بأن الراية قد رفعت لنصر تقدم به عرابه، فإن للإسلام نظرات إلى الأفق الغربى يقلبها (٤)، وخطرات من اللطف الخفى يقربها، ويكفى من حسن الظن أنها نظرة ردت الهواء الشرقى غربا، وخطرة أو همت أن تلك الهمة لو تلم بالسفائن لأخذت كل سفينة غصبا ".
стр. 704
ذكر ما جرى عليه الحال في أمر أسارى المسلمين
وما تجدد من حوادث
لما تسلم الفرنج عكا لم يقفوا على الشرائط التي اشترطوها المسلمون، فاحتاطوا عليهم ومنعوهم من الخروج، ثم أخذوا أموالهم وحبسوهم، وعزم ملك افرنسيس على المسير إلى بلاده لأمر اختل عليه، فأخذ قسما من الأسارى، وسلّمهم إلى المركيس، ووكله في قبض نصيبه.
وخرج الفرنج يوم الخميس سلخ جمادى الآخرة من جانب البحر، وانتشروا بالمرج، ووصلوا إلى الآبار التي حفرها اليزك، وتواقعوا مع اليزك، وأمدهم السلطان، فكسرهم المسلمون، وألحقوهم بخنادقهم، ولم تزل الرسل تتردد بين السلطان وبينهم إلى يوم الجمعة تاسع رجب، فخرج حسام الدين حسين بن تازيك المهرانى، ومعه اثنان من أصحاب الانكلتير، فأخبر أن ملك الافرنسيس صار إلى صور، وذكروا شيئا من أمر الأسارى، وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت، وأنه هل هو في العسكر أو حمل إلى بغداد، فأحضر صليب الصلبوت، فشاهدوه وعظموه، ورموا نفوسهم إلى الأرض، ومرغوا خدودهم على التراب، وذكروا أن الملوك قد أجابوا السلطان إلى أن يكون ما أوقع عليه القرار أن يدفع في نجوم ثلاث، كل نجم في شهر.
ولم تزل الرسل تتواتر في تحرير القاعدة حتى حصل لهم ما التمسوه من الأسارى والمال المختص بذلك النجم [٣٨٥] وهو: الصليب ومائة ألف دينار، وستمائة أسير، وأنفذوا ثقاتهم (١)، وشاهدوا الجميع ماعدا الأسارى المعينين من جانبهم، فإنهم لم يكونوا فرغوا من تعيينهم، ولم يكلموهم حتى يحصلوا، ولم يزالوا يطاولون ويقضون الزمان حتى انقضى النجم الأول في ثامن عشر رجب.
стр. 705
ثم أنفذوا في ذلك اليوم يطلبون ذلك، فقال لهم السلطان:
" إما أن تنفذوا إلينا أصحابنا، وتتسلموا الذى عيّن لكم في ذلك النجم، ونعطيكم رهائن على الباقى تصل إليكم في نجومكم الباقية، وإما أن تعطونا رهائن على ما نسلمه إليكم حتى تخرجوا إلينا أصحابنا ".
فقالوا:
" لا نفعل شيئا من ذلك، بل تسلمون ما يقتضيه هذا النجم، وتقنعون بأماننا حتى نسلم إليكم أصحابكم ".
فأبى السلطان ذلك، لعلمه أنهم إن تسلموا الصليب والأسرى وأصحابنا عندهم يؤمن غدرهم، فلما رأوه قد امتنع من ذلك أخرجوا خيامهم مبرزين في الحادى والعشرين من رجب.
وخرج الانكلتير وجماعة من الخيالة والتركبلى (١)، وركبوا في وقت العصر السابع والعشرين من رجب، وساروا حتى أتوا إلى الآبار التي تحت تل العياضية، ثم أحضروا من الأسارى المسلمين من أراد الله تعالى شهادته (٢)، ووقفوهم وحملوا عليهم فقتلوهم صبرا، واليزك الإسلامى يشاهدهم ولا يعلمون ما يصنعون لبعدهم عنهم، وكان اليزك قد أنفذ إلى السلطان وأعلمه بركوب القوم، فأنفذ إلى اليزك من قوّاه، وبعد أن فرغوا منهم حمل المسلمون عليهم، وجرت بينهم حرب عظيمة، جرى فيها جروح كثيرة وقتل من الجانبين.
وأصبح المسلمون فوجدوا المسلمين الشهداء في مواضعهم صرعى، وعرفوا من عرفوا منهم، ولم يبق العدو من المسلمين إلا رجلا معروفا مقدّما، أو قويا له يد للعمل في عمائرهم، وتصرف السلطان في المال، وأعاد الاسارى إلى أربابها.