← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

والعدد والمراكب؛ ومائتى ألف دينار، وخمسمائة أسير مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معينين من جانبهم يختارونهم، وصليب الصلبوت، على أنهم يخرجون بأنفسهم سالمين، وما معهم من الأموال والأقمشة المختصة بهم وذراريهم ونسائهم؛ وضمنوا للمركيس - وكان قد استرضاه الفرنج - وأوعدوه بعشرة آلاف دينار، لأنه المتوسط بينهم وبين أهل البلد، ولأصحابه أربعة آلاف دينار " واستقرت القاعدة على ذلك بينهم وبين الفرنج. ولما وقف السلطان على ذلك أنكره وأعظمه، وعزم على أن يكتب إليهم في إنكار ذلك عليهم، فهو في مثل هذا الحال وقد جمع أمراءه وأصحابه للمشورة، فما أحس المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانهم وشعارهم على أسوار البلد، وذلك ظهر نهار الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة من هذه السنة، وصاح الفرنج صيحة واحدة، وعظمت المصيبة على المسلمين، وانحصر كلام أهل الإيمان في تلاوة: " إنا لله وإنا إليه راجعون "، وارتفع البكاء والعويل في عسكر الإسلام. ودخل المركيس - لعنه الله - البلد، ومعه أربعة أعلام للملوك، فنصب علما على القلعة، وعلما على مئذنة الجامع، وعلما على برج الداوية، وعلما على برج القتال، عوضا عن علم الإسلام، وحيز [المسلمون] (١) إلى بعض أطراف البلد. قال القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀: ومثلث بخدمة السلطان عشية ذلك اليوم، وهو أشد حالة من الوالهة الثكلى الحيرى، فسليته بما تيسر من التسلية، وأذكرته الفكر فيما استقبله [٣٨٣] من الأجر في معنى البلاد الساحلية والقدس الشريف، وكيفية الحال في ذلك، وإعمال الفكر في خلاص المسلمين المأسورين في البلد، وانفصل الأمر على أن رأى التأخير عن تلك المنزلة مصلحة، فإنه لم يبق غرض في المضايقة، فتقدم بنقل الأثقال ليلا إلى المنزلة التي كان عليها أولا بشفرعم، وأقام هو جريدة مكانه لينظر ماذا

стр. 702

يكون من أمر العدو وحال أهل البلد، وانتقل الناس في تلك لليلة إلى الصباح، فاشتغل العدو بالاستيلاء على البلد، وأقام السلطان إلى التاسع عشر، ثم انتقل إلى الثقل (١)، ووصل إلى السلطان ثلاثة نفر ومعهم أقوش - حاجب (٢) بهاء الدين قراقوش - مستنجزين ما وقع عليه عقد الصلح من المال والأسرى، وأقاموا تلك الليلة، وساروا إلى دمشق ينتظرون الأسرى. ذكر مراسلة السلطان لملك المغرب وكان السلطان قد راسل المنصور أبا يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن الخليفة بالمغرب مستنجدا به على عدو الدين (٣)، وكان الرسول إليه شمس الدولة بن منفذ، فلما ملك العدو عكا وجرى ما ذكرناه كتب السلطان إلى شمس الدولة بالانشاء الفاضلى يستحثه على العود بالنجدة، ويعرفه الواقعة، ومنه: " لقد تجاوزت عدة من قتل على عكا - يعنى من الفرنج - الخمسين ألفا (٤)، قولا لا يطرقه التسمح، بل يحرزه (٥) التصفح، فانبرى في هذه السنة ملكا افرنسيس

стр. 703

وانكلتير وملوك آخرون في مراكب بحرية، وحمّالة (١) حملوا فيها الخيول والخيّالة، والمقاتلة والآلة، ووصلت كل سفينة تحمل مدينة، وأحدقت بالثغر، ومنعت الناقل بالسلاح إليه، والداخل بالميرة عليه. فصل: وأخذوا البلد على سلم كالحرب، ودخله العدو، ولو لم يدخل من الباب لدخل من النقب، وما وهنّا لما أصابنا في سبيل الله، وما ضعفنا ولا رجعنا ورانا، ولا انصرفنا، بل نحن في مكاننا ننتظر أن يبارزوا فنبارزهم (٢)، أو يخرجوا فنناجزهم، أو ينتشروا فنطويهم، أو ينبثوا فنزويهم، وأقمنا على طرقهم، وخيمنا على مخنقهم، وأخذنا بأطراف (٣) خندقهم، [٣٨٤] وأحوج ما كنا الآن إلى النجدة البحرية، والأساطيل المغربية، فإن عاريتنا بها ترد، وعاديتنا بها تشتد. والأمير يبلغ ما بلغه من خطب الإسلام وخطوبه؛ ويقوم في البلاغ يوم الجمعة مقام خطيبه، ويعجّل العودة وقبلها الإجابة، ويستصحب السهم ويسبق ببشرى الإصابة، ويشعر بأن الراية قد رفعت لنصر تقدم به عرابه، فإن للإسلام نظرات إلى الأفق الغربى يقلبها (٤)، وخطرات من اللطف الخفى يقربها، ويكفى من حسن الظن أنها نظرة ردت الهواء الشرقى غربا، وخطرة أو همت أن تلك الهمة لو تلم بالسفائن لأخذت كل سفينة غصبا ".

стр. 704

ذكر ما جرى عليه الحال في أمر أسارى المسلمين وما تجدد من حوادث لما تسلم الفرنج عكا لم يقفوا على الشرائط التي اشترطوها المسلمون، فاحتاطوا عليهم ومنعوهم من الخروج، ثم أخذوا أموالهم وحبسوهم، وعزم ملك افرنسيس على المسير إلى بلاده لأمر اختل عليه، فأخذ قسما من الأسارى، وسلّمهم إلى المركيس، ووكله في قبض نصيبه. وخرج الفرنج يوم الخميس سلخ جمادى الآخرة من جانب البحر، وانتشروا بالمرج، ووصلوا إلى الآبار التي حفرها اليزك، وتواقعوا مع اليزك، وأمدهم السلطان، فكسرهم المسلمون، وألحقوهم بخنادقهم، ولم تزل الرسل تتردد بين السلطان وبينهم إلى يوم الجمعة تاسع رجب، فخرج حسام الدين حسين بن تازيك المهرانى، ومعه اثنان من أصحاب الانكلتير، فأخبر أن ملك الافرنسيس صار إلى صور، وذكروا شيئا من أمر الأسارى، وطلبوا أن يشاهدوا صليب الصلبوت، وأنه هل هو في العسكر أو حمل إلى بغداد، فأحضر صليب الصلبوت، فشاهدوه وعظموه، ورموا نفوسهم إلى الأرض، ومرغوا خدودهم على التراب، وذكروا أن الملوك قد أجابوا السلطان إلى أن يكون ما أوقع عليه القرار أن يدفع في نجوم ثلاث، كل نجم في شهر. ولم تزل الرسل تتواتر في تحرير القاعدة حتى حصل لهم ما التمسوه من الأسارى والمال المختص بذلك النجم [٣٨٥] وهو: الصليب ومائة ألف دينار، وستمائة أسير، وأنفذوا ثقاتهم (١)، وشاهدوا الجميع ماعدا الأسارى المعينين من جانبهم، فإنهم لم يكونوا فرغوا من تعيينهم، ولم يكلموهم حتى يحصلوا، ولم يزالوا يطاولون ويقضون الزمان حتى انقضى النجم الأول في ثامن عشر رجب.

стр. 705

ثم أنفذوا في ذلك اليوم يطلبون ذلك، فقال لهم السلطان: " إما أن تنفذوا إلينا أصحابنا، وتتسلموا الذى عيّن لكم في ذلك النجم، ونعطيكم رهائن على الباقى تصل إليكم في نجومكم الباقية، وإما أن تعطونا رهائن على ما نسلمه إليكم حتى تخرجوا إلينا أصحابنا ". فقالوا: " لا نفعل شيئا من ذلك، بل تسلمون ما يقتضيه هذا النجم، وتقنعون بأماننا حتى نسلم إليكم أصحابكم ". فأبى السلطان ذلك، لعلمه أنهم إن تسلموا الصليب والأسرى وأصحابنا عندهم يؤمن غدرهم، فلما رأوه قد امتنع من ذلك أخرجوا خيامهم مبرزين في الحادى والعشرين من رجب. وخرج الانكلتير وجماعة من الخيالة والتركبلى (١)، وركبوا في وقت العصر السابع والعشرين من رجب، وساروا حتى أتوا إلى الآبار التي تحت تل العياضية، ثم أحضروا من الأسارى المسلمين من أراد الله تعالى شهادته (٢)، ووقفوهم وحملوا عليهم فقتلوهم صبرا، واليزك الإسلامى يشاهدهم ولا يعلمون ما يصنعون لبعدهم عنهم، وكان اليزك قد أنفذ إلى السلطان وأعلمه بركوب القوم، فأنفذ إلى اليزك من قوّاه، وبعد أن فرغوا منهم حمل المسلمون عليهم، وجرت بينهم حرب عظيمة، جرى فيها جروح كثيرة وقتل من الجانبين. وأصبح المسلمون فوجدوا المسلمين الشهداء في مواضعهم صرعى، وعرفوا من عرفوا منهم، ولم يبق العدو من المسلمين إلا رجلا معروفا مقدّما، أو قويا له يد للعمل في عمائرهم، وتصرف السلطان في المال، وأعاد الاسارى إلى أربابها.

стр. 706

ذكر رحيل المسلمين والفرنج نحو عسقلان والحرب التي جرت بينهم ولما استهل شعبان من هذه السنة [٣٨٦] أصبح الفرنج سائرين نحو عسقلان، وسار السلطان في الجيوش الإسلامية في عراضهم يقتلون منهم ويأسرون ويجرحون، وكلما أتى السلطان منهم بأسير أمر بقتله، ووصل الفرنج إلى حيفا فأقاموا بها، ونزل السلطان بالقيمون، وقدّم السلطان ثقله إلى مجدليابة، وأضحى نازلا على النهر الجارى إلى قيسارية، وودّعه القاضى الفاضل، وسار إلى دمشق ليقوم بها مقام السلطان في تنفيذ الأمور. وفى تاسع شعبان وصل الخبر إلى السلطان بأن الفرنج قد ركبوا وساروا بفارسهم وراجلهم في الساحل، ومراكبهم تحاذيهم، ورجالتهم مستديرون حولهم كالسور، عليهم الكبور (١) التخينة، والزرديات السابغة المحكمة بحيث يقع فيهم النشاب ولا يتأثرون، وهم يرمون بالزنبورك (٢) فيجرحون خيول المسلمين. قال القاضى بهاء الدين بن شداد: " لقد شاهدتهم وفى ظهر الواحد منهم النشابة والعشرة مغروزة وهو يسير على هيئته من غير انزعاج، وثمّ قسم أخر من الرجالة مستريح يمشون على جانب البحر، لا قتال عليهم، فإذا تعب هؤلاء وأثخنهم الجراح قام مقامهم القسم المستريح، واستراح القسم العمّال، هذا والخيّالة في وسط الرجّالة لا يخرجون عنهم إلا وقت

стр. 707

الحملة لا غير، وقد اقتسموا ثلاثة أقسام: الملك العتيق جفرى، وجماعة الساحلية معه (١) في المقدمة، والانكلتير والافرنسيسة في الوسط، وأولاد الست أصحاب طبرية وطائفة أخرى في الساقة؛ وبرج القوم في وسطهم كالمنارة (٢) العظيمة على عجلة. وسار السلطان في جيوشه (٣)، وسوق الحرب قائمة بين الفريقين، والمسلمون يرمون من جوانبهم بالنشاب، وهم يسيرون سيرا رفيقا، إلى أن أتوا المنزل فنزلوا، وكانت منازلهم قريبة لأجل الرجالة، فإن المستريحين منهم كانوا يحملون أثقالهم وخيمهم لقلة الظهر عليهم، وطاف الجاليش (٤) حولهم ولزّوهم بالنشاب، وكلما ضعف قسم عاونه الذى يليه وهم يحفظ بعضهم بعضا، والمسلمون [٣٨٧] يرمونهم من ثلاثة جوانب. قال القاضى: ورأيت السلطان وهو يسير بنفسه بين الجاليشية ونشاب القوم يتجاوزه، وليس معه إلا صبيين بجنيبين لا غير، وهو يسير من طلب إلى طلب (٥) يحثهم على التقدمة، ويأمرهم بمضايقة القوم، وجرت حملات كثيرة، ورجالتهم تجرح المسلمين وخيالتهم بالزّنبورك (٦) والنشاب، إلى أن أتوا نهر القصب فنزلوا عليه وقت الظهر، وضربوا خيامهم، وتراجع الناس عنهم، وكان قتل في ذلك

стр. 708

اليوم أياز الطويل من مماليك السلطان، وكان من المشهورين بالبأس والشجاعة، وسبب قتله أن فرسه تقنطر به فاستشهد، ودفن على تل هناك، وقتل عليه مملوك له. ونزل السلطان بالثقل على البركة، ثم رحل بعد العصر، فنزل على نهر القصب أيضا، فكان المسلمون يشربون من أعلاه، والفرنج يشربون من أسفله، وبينهم مسافة يسيرة، وبات الفريقان هناك. ثم رحل السلطان وعبر شعراء أرسوف، ونزل على قرية تعرف بدير الراهب، فطلب ملك الانكلتير الاجتماع بالملك العادل خلوة، فاجتمعا، فأشار بالصلح، وكان حاصل كلامه: " أنه قد طال بيننا القتال، ونحن جئنا في نصرة أصحاب الساحل، فاصطلحوا أنتم وهم، وكل منا يرجع إلى مكانه. فقال الملك العادل: " على ماذا يكون الصلح؟ ". فقال: " على أن يسلم إلى أهل الساحل ما أخذتم من البلاد ". فأبى الملك العادل ذلك، وأخبره أن دون ذلك قتل كل فارس وراجل؛ فرجع مغضبا. ذكر وقعة أرسوف ولما كان يوم السبت رابع عشر شعبان تأهب المسلمون للقاء الفرنج، وأزعجوهم وضايقوهم، فلما رأى الفرنج ما نزل بهم من الضائقة اجتمعوا وحملوا حملة واحدة.

стр. 709

قال القاضى بهاء الدين: لقد رأيتهم وقد اجتمعوا في وسط الرجّالة، وأخذوا رماحهم، وصاحوا صيحة واحدة، وفرج لهم رجالتهم، فحملوا من جميع الجوانب، فانكشف المسلمون من بين أيديهم، ولم يبق في طلب السلطان إلا سبعة عشر مقاتلا (١)، والأعلام باقية، والكوسات (٢) تدق لا تفتر، فلما رأى السلطان [٣٨٨] ما نزل بالمسلمين سار حتى أتى طلبه، فوقف فيه والناس يفرون من القتال، وكلما رأى فارا (٣) من الحرب يحضره عنده، فاجتمع في الطلب خلق عظيم، ووقف العدو في مقابلتهم على رؤوس التلول والروابى، وخاف العدو أن يكون في الشعرا كمين، وكان يومئذ مع السلطان صارم الدين قايماز النجمى وعسكر الموصل، فندبهم السلطان لقتال العدو، وركب العساكر على العدو، وجرت بهم مقتلة عظيمة، وقتل من العدو كند عظيم، وقاتل دون جماعة من مقدميهم فما قتل حتى قتلوا، والتجأ العدو إلى جدران أرسوف، ولولا ذلك لا ستأصلوا. وجلس السلطان ينتظر عود الناس، وأحضرت إليه الجرحى، فتقدم بمداواتهم، وجرح من الطائفتين جمع كثير، وصدم يومئذ الملك الأفضل نور الدين ولد السلطان، وانفتح دمل كان في وجهه، وسال منه دم كثير، وأحضر بين يدى السلطان، وأخذ من أسرى الفرنج أسيرا فضرب عنقه.

стр. 710

ذكر وصول السلطان إلى عسقلان وتخريبه لها ثم رحل السلطان تاسع عشر شعبان ونزل بالرملة، ورحل منه ليلا وأصبح على تبنى، ثم رحل منها إلى عسقلان بعد العصر، وكان لما نزل أحضر أخاه الملك العادل وأكابر الأمراء، وشاورهم في تخريب عسقلان، فأشار علم الدين سليمان بن جندر بتخريبها للعجز عن حفظها، ووافقت الجماعة على ذلك، وقالوا: " هذه يافا قد نزل العدو بها، وهى مدينة متوسطة بين عسقلان والقدس، ولا سبيل إلى حفظ المدينتين معا، فاعمد إلى أشرفهما فحصنه ". فاقتضت الآراء إقامة الملك العادل بقرب يافا مع عشرة من الأمراء، حتى إذا تحوّل العدو كانوا منه على علم. ولما نزل السلطان بعسقلان وعزم على خرابها اهتم لذلك وكثر حزنه. قال القاضى بهاء الدين: " ما نام تلك الليلة إلا قليلا، ولقد دعانى إلى خدمته سحرا، وكنت قد فارقته بعد مضى نصف الليل، فحضرت، وبدأنا الحديث في معنى خرابها، وأحضر ولده الملك الأفضل، وشاوره في ذلك، وطال الحديث، ولقد قال ﵀: والله لئن أفقد أولادى بأسرهم أحبّ إلىّ من أن أهدم منها حجرا واحدا، ولكن إذا قضى الله تعالى [٣٨٩] بذلك (١) وعرفته بحفظ مصلحة المسلمين طريقا، فكيف امتنع (١)؟ ". ثم شرع في خرابها، ووضع أبراجها على الأمراء، ووقع الناس في الضجيج والبكاء، وكان بلدا خفيفا، محكم الأسوار، عظيم البناء، مرغوبا في سكناه،

стр. 711

وكان هو وولده الملك الأفضل يحثان الناس على الخراب خشية (١) أن يسمع العدو فيحضر ولا يمكن من خراب البلد، ولم يزل الخراب والحريق يعمل في البلد وأسواره إلى سلخ شعبان. ووصل كتاب من عز الدين جرديك يذكر أن القوم تفسحوا، وصاروا يخرجون من يافا، ويغيرون على البلاد القريبة منها، فلو تحرك السلطان لعله يبلغ منهم غرضا في غرتهم، فعزم على الرحيل على أن يترك في عسقلان حجّارين، ومعهم خيل تحميهم (٢) ويستنهضونهم (٣) في الخراب، ثم رأى أن يتأخر حتى تخرب ويحرق البرج [المعروف] (٤) بالاسبتار، وكان برجا عظيما، فخرّبه بعد حشوه وإحراقه. وعمّر الفرنج يافا، وحصّنوا أسوارها. ذكر رحيل السلطان عن عسقلان إلى جهة الفرنج وما جرى بينه وبينهم من الحرب والمراسلة ثم رحل السلطان عن عسقلان بعد خرابها يوم الثلاثاء ثانى رمضان، ونزل على تبنى (٥)، ثم نزل على الرملة يوم الأربعاء ثالث رمضان، وأمر بتخريب

стр. 712

حصنها، وتخريب كنيسة لد (١)، وركب جريدة إلى البيت المقدس، فأتاه يوم الخميس وخرج منه يوم الإثنين ثامن رمضان، وبات في بيت نوبة، وعاد إلى المخيم يوم الثلاثاء تاسع رمضان. ووصل معز (٢) الدين قيصر شاه بن قلج أرسلان - سلطان الروم - مستنصرا بالسلطان على أبيه وإخوته، فإنهم قصدوا أخذ بلده منه، وكان بيده ملطية، فأقام في الخدمة السلطانية مدة، وتزوج ابنة الملك العادل على صداق مائة ألف دينار، ثم سار مستهل ذى القعدة من هذه السنة (٣). في ثامن (٤) رمضان خرج جمع من المسلمين على ملك الانكلتير، وكان خرج في فوارسه مخفّرا للحطابة والحشاشة، وكاد يؤخذ الملك، لكن فداه أحد خواصه بأن أظهر حسن لباسه، فظن أنه الملك فأسر (٥). وفى ثانى (٦) عشر رمضان وقعت وقعة بين المسلمين والفرنج كان النصر فيها للمسلمين، وقتل مقدّم كبير من الفرنج، ووقعت وقعات كثيرة بينهم وبين اليزك [٣٩٠]، ثم رحل السلطان إلى النطرون، فخيّم على تل هناك، فأمر بهدم حصن النطرون، فهدم.

стр. 713

ثم راسل ملك الانكلتير الملك العادل راغبا في المسلة والمصالحة، ورعم أن له أختا عزيزة عليه كبيرة القدر، وأنها كانت زوجة ملك كبير من ملوكهم، - وهو صاحب صقلية - توفى عنها، ورغب في أن يزوّجها الملك العادل، يجعل له الحكم في جميع البلاد الساحلية، ينفذ فيها أمره، وهو يقطع الداويّة الاسبتارية ما أراد من البلاد والقرى دون الحصون، وتكون أخته مقيمة بالقدس ومعها قسيسون ورهبان في صحبتها. فرأى لملك العادل ذلك مصلحة، وشاور السلطان في ذلك فأجابه إليه، ونفذ رسوله إلى الانكلتير بالإجابة، فدخل الفرنج إلى المرأة وخوفوها، وأعلموها أن ذلك قبيح ومخالف للشريعة، وفيه عصيان للمسيح وإغضاب له، فما أجابت، واعتذر الانكلتير بعد ذلك بعدم موافقتها، إلا أن يدخل الملك العادل في دينها (١). ووصل رسول المركيس - صاحب صور - يذكر أنه يصالح بشرط أن يعطى صيدا وبيروت، وشرط على نفسه مجاهرة الفرنج بالعداوة، وأنه يقصد عكا ويحاصرها ويستخلصها للمسلمين، فأجيب إلى ذلك على أن يطلق من بها ومن بصور، ولما سمع الانكلتير بذلك رجع إلى عكا لفسخ هذه المصالحة واسترجاع المركيس إليه. ثم ورد الخبر أن ملك الافرنسيس مات بأنطاكية (٢). ثم راسل الانكلتير السلطان: " أن المسلمين والفرنج قد هلكوا، وخربت البلاد وتلفت الأموال والأرواح، وقد أخذ هذا الأمر حقه، وليس هناك حديث سوى القدس والصليب؛

стр. 714

والقدس متعبدنا ما ننزل عنه ولو لم (١) يبق منا واحد، وأما البلاد فيعاد إلينا ما هو قاطع الأردن، وأما الصليب فهو خشبة عندكم لا مقدار له، وهو عندنا عظيم، فيمنّ السلطان علينا، ونستريح من هذا العناء الدائم ". فأرسل السلطان في جوابه: " القدس لنا كما هو لكم، وهو عندنا أعظم مما هو عندكم، فإنه مسرى نبينا، ومجتمع الملائكة، فلا يتصور أن ننزل عنه، ولا نقدر على التلفظ بذلك بين المسلمين، أما البلاد فهى لنا في الأصل، واستيلاؤكم كان [٣٩١] طارئا عليها، لضعف من كان بها من المسلمين في ذلك الوقت، وأما الصليب فهلاكه عندنا قربة عظيمة، ولا يجوز لنا أن نفرط فيه إلا لمصلحة راجعة إلى الإسلام هى أوفى منها ". وهرب في تلك المدة شيركوه بن باخل الكردى، وهو من جملة الأسارى الذين كانوا بعكا إلى السلطان (٢). ثم ورد الخبر على عزم النهوض من الفرنج، فسار السلطان من المخيّم بالنطرون إلى الرملة في سابع شوال من هذه السنة، فأقام بها عشرين يوما، وجرت وقعات بينه وبين العدو، منها وقعة في ناحية يازور، وكان النصر فيها للمسلمين، ولم يقتل من المسلمين غير ثلاثة، وكانت ثامن شوال. وفى سادس عشر شوال وقعت وقعة عظيمة قتل فيها جماعة من الأمراء، وأسر فيها فارسان من الفرنج معروفان، وقتل منهم بها [زهاء عن] (٣) ستين نفرا،

стр. 715

وكان وصل الخبر في خامس شوال بأن الأسطول المصرى استولى على مراكب الفرنج، ومنها مسطّح (١) ذكر أن كان فيه خمسمائة نفر، وما يزيد عليه، وقتل منهم خلق كثير، واستبقى منهم أربعة مذكورون. ولما كان الثامن عشر من شوال اجتمع الملك العادل والانكلتير على طعام ومحادثة، فطلب الانكلتير منه أن يجتمع بخدمة السلطان، فامتنع الملك العادل وقال: " الملوك إذا اجتمعوا تقبح (٢) بينهم المخاصمة بعد ذلك، وإذا انتظم أمر حسن الاجتماع " (٣). ذكر رحيل السلطان ﵀ إلى القدس ومقامه به ولما كان ثالث ذى القعدة رحل الفرنج إلى الرملة، وأظهروا قصد بيت المقدس، ودامت الوقعات بين المسلمين وبينهم، ثم رحل السلطان إلى القدس بنية المقام [فيه] (٤) وذلك لسبع بقين من ذى القعدة، وكان الشتاء قد دخل واتصلت الأمطار، فوصل إلى القدس، ونزل بدار الأقساء (٥) مجاور كنيسة قمامة.

стр. 716

وفى ثالث ذى الحجة وصل عسكر من مصر ورجال مع أبى الهيجاء السمين، وتحول الفرنج إلى النطرون، فقوى السلطان اليزك فوقعوا على سرية للفرنج فغنموها، ووصل إلى القدس الشريف نيف وخمسون أسيرا. ولما كان يوم عيد الأضحى واقع الأمير سابق الدين بن الداية - صاحب شيزر - الفرنج فاحتوى على عشرة من مقدميهم قتلا وأسرا، وتسلق الفرنج في الجبال، وتركوا خيلهم، فغنمها المسلمون، وبقى الفرنج في النطرون كالمحصورين [٣٩٢] وقطع المسلمون الطريق على تجارهم حتى أخذوا قافلة كبيرة بما فيها، وما قدروا على تخليصها، فرحلوا عائدين إلى الرملة لليلتين بقيتا من ذى الحجة. وفى ذلك اليوم وصل خمسون رجلا من الموصل برسم قطع الصخور من الخندق (١)، وشرع السلطان في تحصين (٢) القدس وعمارة أسواره، وحفر خنادقه، وأرسل إلى البلاد في جمع رجال يقومون بهذه الأعمال، وعمل السلطان فيه بنفسه، بنقل الحجارة هو وأولاده وأجناده وأمراؤه، ومعهم القضاة والعلماء والفقهاء. ذكر وفاة الملك المظفر تقى الدين عمر ابن شاهنشاه بن أيوب قد ذكرنا توجه الملك المظفر تقى الدين ﵀ إلى البلاد التي زاده السلطان [إياها] (٣) وراء الفرات، فلما توجه إلى تلك البلاد امتدت يده إلى بلاد غيره، فاستولى على السويدا وحانى، وقصد بلاد خلاط، وكسر عسكر صاحبها سيف الدين

стр. 717

بكتمر، وتملك معظم البلاد، فاستصرح سيف الدين بكتمر بالخليفة الناصر لدين الله، فورد كتاب الخليفة إلى السلطان ينكر فيه قصد تقى الدين أحلاط، ويظهر العناية التامة ببكتمر، ويشفع في حسن بن قفجاق، ويتقدم باطلاقه، وكان قد قبض عليه مظفر الدين - صاحب إربل -، وينقدم بمسير القاضى الفاضل إلى الديوان لبت حال وفصل أمر، فأجابه السلطان: بأنا لم نأمر تقى الدين بشئ من هذا، وإنما عبر ليجمع العساكر ويعود إلى الجهاد، وأما ابن قفجاف فقد تقدم الخادم إلى مظفر الدين حتى يحضره إلى الشام، فيقطعه فيه، ويكون ملازما للجهاد؛ وأما القاضى الفاضل فاعتذر عنه بكثرة الأمراض، وقوته تضعف عن الحركة إلى العراق. ثم إن الملك المظفر نازل مدينة ملازكرد - وهى لبكتمر - وحاصرها وضايقها، ومعه عساكر كثيرة، وكان في صحبته ولده الملك المنصور ناصر الدين محمد بن عمر، فاعترى الملك المظفر مرض شديد، وتزايد به إلى أن توفى إلى رحمة الله تعالى، وذلك يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان من هذه السنة - أعنى سنة سبع وثمانين وخمسمائة - فأخفى ولده الملك المنصور وفاته، ورحل عن ملازكرد، وعاد به إلى البلاد التي هى في يده، وعجب الناس من حزمه وثباته. ووصل الملك المنصور بعد ذلك إلى حماة بأمواله وخزائنه [٣٩٣] وأصحابه، ودفنه بظاهر حماة من شماليها، بالتربة المعروفة به، وبنى السلطان الملك المنصور إلى جانب التربة مدرسة للشافعية، ورتب لها وقفا جليلا. سيرة الملك المظفر تقى الدين ﵀ - كان الملك المظفر ﵀ ملكا شجاعا جوادا، شديد البأس، عظيم الهمة، ركنا عظيما من أركان البيت الأيوبى، وكان عنده فضل وأدب، وشعر حسن قد

стр. 718

ذكرنا بعضه، فأصيب السلطان بموته، لأنه كان من أعظم أعوانه على ما يكابد من الشدائد، غير أنه كان قد تغير قلبه عليه في آخر وقت بسبب اشتغاله بمحاربة جيرانه، وخذلانه له في وقت الحاجة إلى مساعدته على ما هو بصدده من الجهاد. واتفق أنه في ليلة الجمعة المذكورة أصيب السلطان أيضا بالأمير حسام (١) الدين محمد ابن عمر بن لاجين، وهو ابن أخته، فأصيب في تاريخ واحد بابن أخيه وابن أخته، وحمل حسام الدين إلى دمشق، ودفن في التربة الحسامية (١) المنسوبة إليه، من بناء والدته ست الشام بنت أيوب، وهى المدرسة الشامية (٢) ظاهر دمشق. وفى الجمعة التي (٣) توفى فيها الملك المظفر توفى قاضى بلده أمين الدين أبو القاسم ابن حبيش، وذلك حادى عشر شهر رمضان، وكان أمين الدين هذا رئيسا جوادا عظيم القدر بحماة، وكان مشهورا عند الملوك. ذكر استيلاء الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين على حماة وبلادها وتملك الملك العادل البلاد الشرقية لما توفى الملك المظفر تقى الدين ﵀ راسل الملك المنصور عمّه السلطان يخبره بأنه قام مقام أبيه فيما كان له من البلاد، وطلب منه شروطا نسبه السلطان بسببها إلى العصيان، وكاد أمره يضطرب، وطلب الملك الأفضل

стр. 719

من أبيه ما كان بيد الملك المظفر قاطع الفرات، ونزل عن جميع ماله من الولايات، فأجابه السلطان إلى ذلك، ورحل من القدس ثالث صفر سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأطلق له السلطان عشرين ألف دينار، سوى ما أصحبه من الخلع والتشريفات ووصل إلى حلب فاحتفل به أخوه الملك الظاهر صاحبها، وقام بواجب خدمته، وأحضر له مفاتيح البلد، وقدم له تقدمة كثيرة. ولما سمع الملك [٣٩٤] المنصور بذلك اشتد انزعاجه، وراسل عمه الملك العادل - وهو إذ ذاك بالقدس - ملتجئا إليه ومحتميابه، فخاطب الملك العادل السلطان في حقه، واستعطفه له، وقال: " أنا أمضى إليه وأحضره " وكان مقترح الملك المنصور أحد قسمين: إما حرّان والرّها وسميساط وميّافارقين؛ وإما حماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم، وأنه يكفل أخوته. فامتنع السلطان من الإجابة إلى شئ منه، فراجعه الملك العادل مرارا فلم يفعل، وكثرت الشفاعة إليه في معناه فحلف له أولا على الرّها وحرّان وسميساط، على أنه إذا عبر الفرات أعطى المواضع التي اقترحها، ويكفل أخوته، ويتخلى عن تلك المواضع التي في يده، فالتمس الملك العادل خط السلطان، فأبى، وألّح عليه، فخرّق (١) نسخة اليمين، وانقطع الحديث، وأخذ من السلطان الغيظ كيف يخاطب بمثل ذلك في جانب بعض أولاد أولاد أخيه، ثم أعطاه خطه بما استقرت به القاعدة عليه. ثم إن الملك العادل التمس من السلطان البلاد التي كانت بيد الملك المظفر تقى الدين أولا قبل أن يعطى البلاد الجزرية، ثم أعطى البلاد الجزرية عوضا عنها وآخر ما استقر الأمر عليه أن الملك العادل يتسلم البلاد الشرقية، وينزل عن كل ماله في الشام ماخلا الكرك والشوبك والصلت والبلقاء، ونصف خاصّه بمصر، وعليه في كل

стр. 720

سنة ستة آلاف غرارة [غلة] (١) تحمل للسلطان من الصلت والبقاء إلى القدس، واستزاد الملك العادل قلعة جعبر على البلاد الشرقية، فأجيب إلى ذلك، فامتنع الملك الظاهر من تسليمها إليه، ثم أجاب بعد ذلك (٢). وسار الملك العادل من القدس في العشر الأول من جمادى الأولى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة. وكتب السلطان إلى الملك الأفضل يأمره بالعود إليه، فعاد منكسر القلب متعتبا، ووصل إلى دمشق، ولم يصل إلى خدمة السلطان؛ فلما (٣) أشتد خبر الفرنج سيّر إليه يطلبه، فما وسعه التأخير، فسار إليه بطلبه وصحبته العساكر الواصلة من الشرق، فلقيه السلطان، وترجّل له جبرا لقلبه وتعظيما له (٣). وأما الملك العادل فإنه وصل [٣٩٥] إلى حرّان والرّها، وقرر أمرهما، واستقر للملك المنصور حماة وسلمية والمعرة ومنبج وقلعة نجم. وعاد الملك العادل في آخر جمادى الآخرة إلى خدمة السلطان، وفى صحبته الملك المنصور [محمد بن تقى الدين] (٤)، فلقيه الملك الظاهر ولد السلطان إلى بيت نوبة، ودخل به على السلطان، فنهض إليه واعتنقه، وضمه إلى صدره، وغشيه البكاء، فصبّر نفسه حتى غلبه الأمر فبكى، وبكى الناس لبكائه ساعة، ثم باسطه، وسأله عن الطريق، وكان معه عسكر جميل، فقرت عين السلطان به، وأنزله في مقدمة عسكره.

стр. 721

وفى آخر ذى الحجة سنة سبع وثمانين وخمسمائة توفى علم الدين سليمان بن جندر وهو شيخ الدولة وكبيرها. وفى هذه السنة في ربيع الأول نازل عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى - صاحب الموصل - الجزيرة وبها ابن أخيه معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى بن مودود بن زنكى، وحاصرها، وكان السبب في ذلك سوء سيرة معز الدين وخروجه عن طاعة عمه عز الدين، ومساعدة أعدائه عليه، فإنه انتقل عنه (١) إلى الملوك المجاورين له ما يوحشهم منه، وبقى محاصرا لها إلى رجب من هذه السنة، ثم صالحه على قاعدة استقرت (٢) بينهما، وتحالفا وخرج معز الدين إلى خدمة عمه عز الدين، واعتذر إليه بأعذار قبلها منه، ثم رحل عائدا إلى الموصل (٣). ودخلت سنة ثمان (٤) وثمانين وخمسمائة والسلطان مقيم بالقدس، مجتهد في عمارته. وفى ثالث المحرم منها رحل الفرنج إلى عسقلان، ونزلوا بظاهرها، وأظهروا الاجتهاد في عمارتها، ورأى ملك الأنكلتير دخانا على بعد فقصده، وكان ثمّ جماعة من الأسدية، وسيف الدين. . . كوج (٥)، وعلم الدين قيصر، فوصل إليهم، وهم غارون [عمّا دهمهم، فوصل اللعين إليهم] (٦) وقت المغرب، وكانوا قد نزلوا مفترقين في موضعين، فلما وقع على أحدهما ركب الفريق الأول وواقعه حتى ركب الفريق الآخر، فدافعوهم، وساقوا، وقد ربحوا الفرنج أثقالهم، وخلصوا ناجين، وسلم الله أنفسهم منهم، ولم يفقد من المسلمين إلأ أربعة، وكانت نوبة عظيمة، وقى الله شرها.

стр. 722

وفى حادى عشر المحرم من هذه السنة كبس الأمير عز الدين جرديك تبنى (١) على من نزل بها من الفرنج، فأوقع بهم البلاء، وساق منهم إثنى (٢) عشر أسيرا، ومتاعا [٣٩٦] كثيرا، وفى ثانى صفر أغار أيضا على ظاهر عسقلان، وجاء بثلاثين أسيرا (٣). وفى الرابع عشر من صفر كمنت سرية - مقدمها الأمير فارس الدين ميمون القصرى - عند تبنى إلى أن عبرت قوافل الفرنج، فساقها بأحمالها وأثقالها ونسائها ورجالها. وفى مستهل ربيع الآخر من هذه السنة وصل الأمير سيف الدين المشطوب، وقد خلص من الأسر، وقطع الفرنج عليه خمسين ألف دينار، عجّل منها عشرين ألف دينار، وأعطاهم بالباقى رهائن، فأحسن السلطان ملقاه، وأقطعه نابلس وأعمالها، وكانت قبله خبز الأمير حسام الدين لاجين ابن أخت السلطان. ذكر مقتل المركيس صاحب صور - لعنه الله - كان الأسقف بصور أضافه، فأكل عنده وشرب، وكان رجلان من الباطنية قد دخلوا صور، وتنصروا وأظهروا الترهب والتعبد، وشكرهما الأقساء والرهبان، وأحبهما المركيس، ولم يكن يصبر عنهما، فلما خرج من دعوة

стр. 723

الأسقف وثبا عليه بسكا كينهما فقتلاه، وهرب أحدهما ودخل الكنيسة، فقال المركيس - وهو مجروح -: «احملونى إلى الكنيسة»، فحملوه، فلما حمل إليها بصر به ذلك الجارح الهارب، فجرحه ثانيا، وعجّل الله بروحه إلى النار، وقبض على الجارحين، وبحث عنهما فوجدا من الفداوية الإسماعيلية، فسألوهما: " من أمركما بهذا الفعل؟ "، فقالا: " ملك الأنكلتير "، فقتلا شر قتلة، ولم يعجب السلطان قتل المركيس، لأنه كان قد أبدى عداوة الأنكلتير ومنازعته في الملك. ولما قتل المركيس جلس مكانه الكندهرى بأمر الأنكلتير، وتزوج زوجة المركيس في ليلته، ودخل بها وهى حامل، وليس هذا عندهم مانعا من صحة النكاح، ويكون الولد منسوبا إلى الملكة، وهذا الكندهرى ابن أخت ملك افرنسيس من أبيه، وابن أخت ملك الأنكلتير من أمه (١)، وجرى حكمه على افرنج الساحل، وعاش إلى سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وفى التاسع من جمادى الأولى استولى الفرنج على قلعة الداروم، ثم خربوها ورحلوا عنها، وأسروا من فيها. وفى رابع عشره خرج يزك المسلمين على الفرنج بمجد ليابه (٢)، وقتلوا [٣٩٧] منهم كندا كبيرا، ثم نزلوا تل الصافية، ثم النطرون، ثم بيت نوبة، وألهبهم (٣) المسلمون بالنهب والسلب، وسلطوا (٤) عليهم، وكمنوا لهم تحت كل رابية.

стр. 724

وفى أواخر الشهر التقى الجمعان على فرسخين من القدس بمكان يعرف بقلونية (١)، ثم رجع العدو ناكصا على عقبيه، والمسلمون في أثرهم، يكمنون (٢) لهم، وينالون منهم (٢)، وكان في اليزك بدر الدين [دلدرم] (٣) الياروقى، فبعث من كمن لهم عند طريق يافا، فمرت به فوارس، فاستولى عليهم الكمين، وما سلم منهم أحد. ذكر كبس الفرنج للعسكر المصرى كان العسكر المصرى قد تجهز للمضى إلى خدمة السلطان، فكتب السلطان إليهم من القدس يأمرهم بالاحتراز عند مقاربة العدو، فأقاموا ببلبيس أياما حتى اجتمعت القوافل إليهم، واتصل خبرهم بالفرنج، ثم سار العسكر طالبا البلاد الشامية، والفرنج تترقب أخبارهم وتتوصل إليهم بالعرب المفسدين، ولما تحقق العدو خبر العسكر الواصل والقفل أمر عسكره بالانحياز إلى سفح الجبل، وركب في ألف راكب مردفين ألف راجل، فأتى تل الصافية، فبات بها ثم سار. وبلغ السلطان مسير العدو إلى طريق العسكر المصرى، فندب الأمير فخر الدين الطنبا العادلى، وشمس الدين أسلم (٤) الناصرى، حتى يعلما العسكر، فالتقيا بهم بالحسى، وأخبراهم الخبر، ونزلوا وعرضوا وهم يظنون

стр. 725

أن لا حسّ للعدو بأرض الحسى، فجاءهم العدو بغتة، وكان في جملة العسكر فلك الدين أخو الملك العادل لأمه، وطاف الأنكلتير حول القفل في صورة عربى، فرآهم ساكنين قد غلبهم النعاس، فاستركب عسكره، وكانت الكبسة قريب الصباح، فبغت (١) الناس، ووقع عليهم (٢) بخيله ورجله، فكان الشجاع الأيد القوى الذى ركب فرسه ونجا بنفسه. وانقسم القفل ثلاثة أقسام: قسم قصدوا الكرك مع جماعة من العرب، وقسم أو غلوا في البرية مع جماعة من العرب، وقسم [٣٩٨] استولى عليهم العدو، فساقهم بجمالهم وأحمالهم وجميع ما كان معهم. وكانت وقعة شنعاء لم يصب الإسلام مثلها من مدة مديدة، وتبدد الناس في البرية، ورموا أموالهم، وكان السعيد من نجا بنفسه، وجمع العدو ما أمكن جمعه من الخيل والجمال والأقمشة، وسائر صنوف الأموال؛ وكلف [الانكلتير] (٣) الجمالين خدمة الجمال، والخربنديّة خدمة البغال، والساسة خدمة الخيل، ونجا غانما إلى عسكره. ونجا فلك الدين أخو الملك العادل في معظم العسكر بأنفسهم وما قدروا على حمايته، وكان عدة من وقع في أسر العدو من المسلمين خمسمائة، والجمال تناهز ثلاثة آلاف جمل، وكان وصول العدو إلى مخيمه سادس عشر جمادى الآخرة، وكان يوما عظيما عندهم.

стр. 726

ذكر قصد الفرنج حصار البيت المقدس وكفاية الله المسلمين شرهم ولما جرى ما ذكرناه وقوى الفرنج بما حصل لهم من الغنيمة صحّ عزمهم على قصد القدس، فرتبوا (١) جماعة على لدّ يحفظون الطريق على من ينقل الميرة (١)، وأنفذوا الكندهرى إلى صور وأطرابلس وعكا يستحضر من فيها من المقاتلة، ليصعدوا إلى القدس (٢)، ولما علم السلطان بقصدهم قسّم أسوار القدس على الأمراء، وتقدم إليهم في تهيئة أسباب الحصار، وأخذ في إفساد المياه ظاهر القدس، فأخرب الصهاريج والجباب بحيث لم يبق حول القدس ما يشرب أصلا. ولما كانت ليلة الخميس تاسع عشر جمادى الآخرة أحضر السلطان الأمراء عنده، وحضر الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين، وسيف الدين المشطوب، والأسدية بأسرهم، وجماعة الأمراء. قال القاضى بهاء الدين بن شداد: " أمرنى السلطان أن أكلمهم وأحثهم على الجهاد، فذكرت ما يسر الله من ذلك، وكان مما قلته: إن النبى ﷺ لما اشتد به الأمر بايعه الصحابة - رضى الله عنهم - على الموت في لقاء العدو، ونحن أولى من تأسى به ﷺ ، والمصلحة الاجتماع عند الصخرة والتحالف

стр. 727

على الموت، فلعل ببركة هذه النية يندفع العدو، فاستحسن [الجماعة] (١) ذلك، ووافقوا [٣٩٩] عليه. ثم شرع السلطان بعد أن سكت زمانا في صورة مفكر (٢)، والناس سكوت كأن على رؤوسهم الطير، وقال: " الحمد لله، والصلاة على رسول الله، اعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته (٣)، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذممكم (٤)، وأن هذا العدو ليس له من المسلمين من يلقاه ألا أنتم، فلو لويتم أعنتكم - والعياذ بالله - طوى البلاد طىّ السجل للكتاب، وكان ذلك في ذمتكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا، وأكلتم [مال] (١) بيت مال المسلمين، فالمسلمون في سائر البلاد متعلقون بكم، والسلام ". فانتدب (٥) لجوابه سيف الدين المشطوب، وقال: «يا مولاى: نحن مماليك وعبيدك، وأنت الذى أنعمت علينا، وكبّرتنا وعظمتنا وأعطيتنا وأغنيتنا، وليس لنا إلا رقابنا وهى بين يديك، والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن يموت ". فقال الجماعة مثل ما قال، وانبسطت نفس السلطان بذلك المجلس، وطاب قلبه، وأطعمهم، ثم انصرفوا.

стр. 728

ثم انقضى يوم الخميس (١) على أشد حال من التأهب والاهتمام حتى كان العشاء الآخرة، واجتمعنا في خدمته على العادة، وسهرنا حتى مضى هزيع (٢) من الليل وهو غير منبسط على عادته، ثم صلينا العشاء، وكانت الصلوة هى الدستور العام، فصلينا وأخذنا في الانصراف. قال القاضى بهاء الدين: فاستدعانى ﵀ وقال لى: " أعلمت ما الذى تجدّد "؟ قلت: " لا " قال: فإن أبا الهيجا نفّذ إلىّ اليوم، وقال: إنه اجتمع عندى المماليك والأمراء، وأنكروا علينا موافقتنا لك على الحصار والتأهب له، وقالوا لا مصلحة في ذلك [فإننا نخاف أن نحصر] (٣) ويجرى علينا مثل ما جرى على أهل عكا، والرأى أنا نلقى مصاف، فإن قدّر الله أنا نهزمهم ملكنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر ومضى القدس، وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير (٤) القدس. وكان ﵀ عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فشقت عليه هذه الرسالة.

стр. 729

قال: وأقمت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح، وهى من الليالى التي أحياها في سبيل الله. وكان [٤٠٠] مما قالوه له في الرسالة: " إنك إن أردتنا نقيم فتكون معنا أو بعض أهلك حتى نجتمع عنده، وإلا فالأكراد (١) لا يدينون للأتراك، والأتراك لا يدينون للأكراد ". وانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك الأمجد مجد الدين - صاحب بعلبك - وكان ﵀ يحدث نفسه بالمقام، تم امتنع من ذلك لما فيه من خطر على الإسلام، فلما قارب الصبح أشفقت عليه، وخاطبته في أن يستريج ساعة لعل العين تأخذ حظها من النوم، وانصرفت عنه إلى دارى، فما وصلت إلا والمؤذن قد أذن، فأخذت في أسباب الوضوء، فما فرغت إلا والصبح قد طلع، وكنت أصلى الصبح في غالب الأوقات عنده، فصرت إلى خدمته وهو يجدد الوضوء، فصلينا، ثم قلت له: " قد وقع لى واقع أعرضه ". فأذن فيه، فقلت: المولى في اهتمامه وما قد حمّل نفسه من هذا الأمر مجتهد فيما هو فيه، وقد عجزت أسبابه الأرضية، فينبغى أن يرجع إلى الله تعالى، وهذا يوم جمعة، وهو أبرك أيام الأسبوع، وفيه دعوة مستجابة في صحيح الأحاديث، ونحن في أبرك موضع نقدر أن نكون فيه (٢) في يومنا هذا، فالسلطان يغتسل للجمعة ويتصدق بشئ خفية بحيث لا يشعر أنه منك، وتصلى بين الأذان والإقامة ركعتين تناجى فيهما ربك وتفوض مقاليد أمرك إليه، وتعترف بعجزك عما تصديت له، فلعل الله يرحمك ويستجيب دعاك ".

стр. 730

وكان ﵀ حسن العقيدة تام الإيمان، يتلقى الأمور الشرعية بأكمل انقياد وقبول، فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، وصلى ركعتين، ورأيته ساجدا ودموعه تتقاطر على مصلاه ﵀ ثم انقضت الجمعة بخير، ولما كان عشيتها ونحن في خدمته على العادة، فوصلت رقعة من عز الدين جرديك - وكان في اليزك - يقول فيها: " إن القوم ركبوا بأسرهم ووقفوا على ظهر في البر، ثم عادوا إلى خيامهم وقد سيرنا جواسيس تكشف أخبارهم ". ولما كان صبيحة السبت - وهو الحادى والعشرون من جمادى الآخرة - وصلت رقعة أخرى تخبر أن الجواسيس رجعوا فأخبروا أن القوم اختلفوا في الصعود إلى القدس أو الرحيل [٤٠١] إلى بلادهم، فذهب الفرنسيسية إلى الصعود إلى القدس وقالوا: " إنما جئنا من بلادنا بسبب القدس، ولا نرجع دونه ". وقال الانكلتير: " إن هذا الموضع قد أفسدت مياهه ولم يبق حوله ماء أصلا، فمن أين نشرب؟ " فقالوا له: " نشرب من ماء نقوع " (١) - وبينه وبين القدس مقدار فرسخ - فقال: " كيف نذهب إلى السقى؟ "

стр. 731

فقالوا: " ننقسم قسمين: قسم يذهب إلى السقى مع الدواب (١)، وقسم يبقى على البلد في المنزل (٢)، ويكون الشرب في اليوم مرة واحدة " فقال الانكلتير: إذا يؤخذ العسكر البرانى الذى يذهب مع الدواب، ويخرج (٣) عسكر البلد على الباقين، ويذهب دين النصرانية ". فانفصل الحال على أنهم حكّموا ثلاثمائة من أعيانهم، وحكّم الثلاثمائة اثنى عشر منهم، وحكّم الاثنا عشر ثلاثة منهم، وقد باتوا على حكم الثلاثة، فما يأمرونهم به يفعلونه ". فلما أصبحوا حكموا عليهم بالرحيل، فلم يمكنهم المخالفة، فأصبحوا في بكرة الحادى والعشرين من جمادى الآخرة راجعين إلى نحو الرملة، ناكصين على أعقابهم، ثم نزلوا الرملة، وتواتر الخبر بذلك إلى السلطان، فركب، وركب الناس معه، وكان يوم فرح وسرور. ذكر ما جرى بين المسلمين والفرنج من المراسلة في معنى الصلح ثم ورد رسول ملك الانكلتير إلى السلطان يقول: " قد أهلكنا نحن وأنتم، والأصلح نحقن الدماء، ولا ينبغى أن تعتقد أن ذلك عن ضعف منى، بل أريد المصلحة، ولا تغتر بتأخرى عن منزلى، فالكبش

стр. 732

يتأخر لينطح، ثم لا يجوز لك أن تهلك المسلمين كلهم، ولا يجوز لى أن أهلك الفرنج كلهم، وهذا أبن أختى الكندهرى قد ملكته هذه الديار، وسلمته إليك يكون هو وعسكره بحكمك، ولو استدعيتهم إلى الشرق سمعوا وأطاعوا، وإن جماعة من الرهبان والمنقطعين قد طلبوا منك كنايس فما بخلت عليهم بها، وأنا أطلب منك كنيسة، وتلك الأمور التي كانت تضيق صدرك في المراسلة لما كانت المراسلة تجرى مع الملك العادل قلت بتركها وأعرضت عنها، ولو أعطيتنى قرية أو مزرعة (١) قبلتها وقبّلتها ". فاستشار السلطان الأمراء في جوابه، فأشاروا بالمحاسنة وعقد الصلح، لما كان قد أخذ المسلمين من الضجر والتعب، وعلاهم [٤٠٢] من الديون، واستقر الحال على هذا الجواب: " إنك إذا دخلت معنا في هذا الأمر، فما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وابن أختك يكون عندى كبعض أولادى، وسيبلغك ما أفعل في حقه من الخير، وأنا أعطيك أكبر الكنائس وهى القمامة، وبقية البلاد نقسمها، فالساحلية التي بيدك تكون بيدك، والتي بأيدينا من القلاع الجبلية تكون لنا، وما بين العملين يكون مناصفة، وعسقلان وما وراءها يكون خرابا لا لنا ولا لكم، وإن أردتم قراها كانت لكم، والذى كنت أكرهه حديث عسقلان ". فانفصل الرسول طيب القلب. ثم ورد رسوله: " أن يكون في القدس عشرون نفرا، وأن من سكن من النصارى والفرنج في البلد لا يتعرض لهم، وأما بقية البلاد فلنا منها الساحليات والوطأة، والبلاد الجبلية تكون لكم "

стр. 733

وأخبر الرسول من عند نفسه مناصحة: أنهم قد نزلوا عن القدس ماعدا الزيارة، وإنما يقولون ذلك تصنعا، وأنهم راغبون في الصلح، وأن الانكلتير لابد له من الرواح إلى بلده. فأجابه السلطان: " بأن القدس ليس لكم فيه حديث سوى الزيارة ". فقال الرسول: " وليس على الزوار في القدس شئ يؤخذ منهم؟ ". فأجابه السلطان إلى ذلك، وقال له: " أما البلاد فعسقلان وما والاها وما وراءها فلابد من خرابه ". فقال الرسول: " إن الملك قد خسر في أسوارها مالا جزيلا ". فسأل سيف الدين المشطوب أن تجعل مزارعها وقراها له في مقابلة خسارته، فأجاب السلطان إلى ذلك، وشرط أن الداروم تخرب، ويكون بلدها مناصفة، وأما باقى البلاد فيكون لهم من يافا إلى صور بأعمالها، ومهما اختلفا في قرية كانت مناصفة. ثم جاء رسوله يقول: " الملك [يسألك و] (١) يخضع لك في أن تترك [له] (١) هذه الأماكن الثلاثة عامرة، وأىّ قدر لها عند ملكك وعظمتك؟ وما سبب إصراره عليها إلا أن الفرنج [لم] (١) يسمحوا بها، وهو قد ترك القدس بالكلية، لا يطلب أن يكون فيها رهبان ولا قسوس، إلا [في] القيامة وحدها، فتترك أنت له هذه [٤٠٣] البلاد، ويكون

стр. 734

الصلح عاما، فيكون لهم كل ما في أيديهم من الداروم إلى أنطاكية، ولكم ما في أيديكم، وينتظم الحال ونروح، وإن لم ينتظم الصلح فالفرنج ما يمكنونه من الرواح وما يمكنه مخالفتهم ". فأجابه السلطان: " بأن أنطاكية لنا معهم حديث [فيها] (١)، ورسلنا عندهم، وإن عادوا بما نريد أدخلناهم في الصلح، وإلا فلا، وأما البلاد التي سألها فلا يوافق المسلمون لى دفعها إليه، وإلا فلا قدر لها ". ثم جاء رسوله وقال: إن الملك قال: " لا يمكنا أن نخرب من عسقلان حجرا واحدا، ولا يسمع عنا في البلاد مثل ذلك، وأما البلاد فحدودها معروفة، ولا مناكرة فيها ". ذكر رحيل السلطان من القدس وأخده ربض يافا ثم بلغ السلطان في العاشر من رجب من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة - أن الفرنج قد رحلوا طالبين بيروت، فبرز من القدس إلى منزلة يقال لها الجيب، (٢) واتفق وصول الملك العادل من الشرق - كما ذكرنا -

стр. 735

والملك الظاهر من حلب، ثم رحل السلطان من الجيب إلى بيت نوبا (١)، ثم رحل إلى الرملة، فنزل بها على تلال بين الرملة ولدّ، وركب جريدة حتى أتى (٢) يازور وبيت جبرين (٣) وأشرف على يافا، ثم نزل عليها من الغد (٤)، فرتب في الميمنة ولده الملك الظاهر، وفى الميسرة أخاه الملك العادل، وركّب المنجنيقات، وزحف إلى البلد، فأرسل العدو رسولين: نصرانيا وافرنجيا، يطلبان الصلح، فطلب منهم قاعدة القدس وقطيعته، فأجابوا إلى ذلك، واشترطوا يوم السبت تاسع عشر رجب، فإن جاءتهم نجدة، وإلا تمت القاعدة على ما استقر، فأبى السلطان الانتظار، وأمر بالنقب، فحشى وأحرق، فوقع بعض البدنة، فوضع العدو أخشابا عظيمة خلف النقب، فالتهبت، فمنعت من الدخول في الثلمة، وقاتلوا إلى الليل، وأصبحوا فوقعت البدنة، فعلا غبار مع الدخان، فأظلم الأفق، وما تجاسر أحد على الولوج خوفا من اقتحام النار، فلما انكشفت الغبرة ظهرت أسنة قد نابت مناب (٥) الأسوار، ورماح قد سدت الثلمة، ورأى الناس هو لا عظيما من صبر القوم وثباتهم. [٤٠٤]. فلما رأى العدو ما قد نزل به طلب الأمان.

стр. 736

فقال السلطان: الفارس بفارس والتركبلى (١) بمثله، والراجل براجل. فطلب الرسول من السلطان أن يبطل [القتال] (٢) إلى أن يعود. فقال: " ما أقدر على منع المسلمين من هذا الأمر، ولكن أدخل إلى أصحابك فقل لهم ينحازون (٣) إلى القلعة، ويتركون الناس يشتغلون بالبلد، فما بقى دونه مانع ". ففعلوا، وانحازوا (٤) إلى قلعة يافا بعد أن قتل منهم جماعة. ودخل الناس البلد عنوة، ونهبوا منه أقمشة عظيمة، وغلالا كثيرة، وأثاثا وبقايا قماش مما نهب من القافلة المصرية. واستقرت القاعدة على الوجه الذى قرره السلطان. ووصل كتاب من صارم الدين قايماز النجمى - وكان في طريق الغور لحمايته من عسكر العدو الذى كان بعكا - يخبر فيه أن الانكلتير لما سمع خبر يافا أعرض عن قصد بيروت، وعاد إلى يافا، فاشتد عزم السلطان والأمراء على إخراج من في القلعة ليتسلمها.

стр. 737

ذكر وصول ملك الانكلتير إلى يافا واسترجاعه ربضها ووصل ملك الانكلتير بغتة، فما شعر المسلمون سحرا إلا وبوقاته [تنعق، فعلمنا بوصول النجدة، قد وصلت في البحر] (١). قال القاضى بهاء الدين: فسيّر معى السلطان عز الدين جرديك، وعلم الدين قيصر، ودرباس المهرانى، وشمس الدين عدل الخزانة، وقال: امض إلى الملك الظاهر، وقل له يقف ظاهر الباب القبلى، وتدخل أنت ومن تراه إلى القلعة، ويخرجون القوم ويستولون على ما فيها من الأموال والأسلحة، وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر، وهو ظاهر البلد يسيرها إلينا. قال: ففعلنا ودخلنا القلعة، وأمرنا الفرنج بالخروج، فأجابوا وتهيأوا، فقال جرديك: لا ينبغى أن يخرج منهم أحد حتى تخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفوهم، فإنهم قد داخلهم الطمع في البلد، وأخذ يشتد في ضرب الناس وإخراجهم، وهم غير مضبوطين بعدة ولا محصورين في مكان، فكيف يمكن إخراجهم؛ فطال الأمر إلى أن علا النهار، وأنا ألومه وهو لا يرجع، والزمان يمضى، فلما رأيت الوقت يفوت، قلت له: إن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم، [٤٠٥] فأجاب، وأخرجنا خمسة وأربعين نفرا بخيولهم ونسائهم، وسيرناهم، ثم اشتدت أنفس الباقين وحدثتهم أنفسهم

стр. 738

بالعصيان، وكانوا استقلوا المراكب التي جاءتهم، وظنوا أن لا نجدة لهم فيها، ولم يعلموا أن الانكلتير مع القوم، ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى أن تعالى النهار، فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا، فخرج من خرج. ثم بعد ذلك قويت النجدة حتى صاروا خمسة وثلاثين مركبا، فقويت نفوس الباقين في الحصن، وظهرت منهم أمارات العصيان ودلائله، فقلت لأصحابنا: خذوا حذركم، فقد تغيرت عزائم القوم، فما كان إلا ساعة بحيث صرنا خارج البلد، وإذا القوم قد حملوا من القلعة، وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد، وازدحم الناس في الباب حتى كاد يتلف منهم جماعة، وبقى في بعض الكنائس جماعة من رعاع العسكر مثتغلين بما لا يجوز، فهجموا عليهم، وقتلوا وأسروا، وأمر السلطان الناس بالزحف، فزحفوا، وعاد الحصار كما كان، واضطرب العدو في القلعة واستبطئوا نزول النجدة إليهم، وخافوا خوفا عظيما، فأرسلوا بطريقهم والقسطلان (١) يعتذران مما جرى، ويسألان السلطان القاعدة الأولى. وكان سبب امتناع نزول النجدة أنهم رأوا البلد مشحونا ببيارق (٢) المسلمين ورجالهم، فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت، وكان البحر يمنع من سماع الصوت، وانضاف إلى ذلك كثرة الضجيج والتكبير والتهليل، فلما رأى من في القلعة شدة الزحف عليهم، وامتناع النجدة من النزول إليهم مع كثرتها، فإنها كانت قد بلغت نيفا وخمسين مركبا فيها خمسة عشر شانيا (٣)، [علموا أن] (٤) النجدة ظنوا أن القلعة قد أخذت، فوهب رجل من أهل

стр. 739

القلعة نفسه للمسيح، وقفز من (١) القلعة إلى الميناء، وكان رملا فلم يصبه شئ (٢)، وعدّى إلى البحر، وحدّث الانكلتير بالحديث، فما كان إلا ساعة حتى نزل كل من في الشوانى إلى الميناء، وحملوا على المسلمين فأخرجوهم من الميناء، فقبض السلطان على الرسل، وأمر بتأخير الثقل والأسواق إلى يازور (٣) فرحل الناس، [٤٠٦] وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا أخذوا من يافا. وخرج الانكلتير إلى موضع السلطان الذى كان فيه لمضايقة البلد، وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه فيعظم سواده، واستدعى جماعة من خواص مماليك السلطان والحاجب أبا بكر العادلى وغيره، فلما حضروا عنده باسطهم وقال: " هذا السلطان عظيم، وما في الأرض للإسلام ملك أكبر منه ولا أعظم، فكيف رحل عن المكان لمجرد وصولى؟ والله ما لبست لأمة (٤) حربى ولا تأهبت لأمر، ولا في رجلى إلا زربول [البحر] (٥) فكيف تأخر؟ "

стр. 740

ثم قال: " والله إنه لعظيم، والله ما ظننته يأخذ يافا في شهرين، فكيف أخذها في يومين؟! " ثم قال لأبى بكر الحاجب: تسلم على السلطان، وتقول له: بالله عليك أجب سؤالى في الصلح، فهذا أمر لابد منه، ولابد لهذا الأمر من آخر، وقد هلكت بلادى وراء (١) البحر، وما دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ". فأرسل السلطان إليه في الجواب: " إنك [كنت] (٢) طلبت [الصلح] (٢) أولا على قاعدة، وكان الحديث في يافا وعسقلان، والآن فقد خربت هذه يافا، فيكون لكم من قيسارية إلى صور ". فأجابه الانكلتير: " إن قاعدة الفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلدا صار تبعه وغلامه، وأنا أطلب منك هذين البلدين: يافا وعسقلان، وتكون عساكرهما في خدمتك دائما، وإذا احتجت إلىّ وصلت إليك في أسرع وقت، وخدمتك كما تعلم خدمتى ". فأجابه السلطان: حيث دخلت هذا المدخل فنتفق على أن نجعل البلدين قسمين: أحدهما لك، وهو يافا وماوراءها، والثانى لى، هو عسقلان وماوراءها ".
следующие страницы →