فقال السلطان:
الفارس بفارس والتركبلى (١) بمثله، والراجل براجل.
فطلب الرسول من السلطان أن يبطل [القتال] (٢) إلى أن يعود.
فقال: " ما أقدر على منع المسلمين من هذا الأمر، ولكن أدخل إلى أصحابك فقل لهم ينحازون (٣) إلى القلعة، ويتركون الناس يشتغلون بالبلد، فما بقى دونه مانع ".
ففعلوا، وانحازوا (٤) إلى قلعة يافا بعد أن قتل منهم جماعة.
ودخل الناس البلد عنوة، ونهبوا منه أقمشة عظيمة، وغلالا كثيرة، وأثاثا وبقايا قماش مما نهب من القافلة المصرية.
واستقرت القاعدة على الوجه الذى قرره السلطان.
ووصل كتاب من صارم الدين قايماز النجمى - وكان في طريق الغور لحمايته من عسكر العدو الذى كان بعكا - يخبر فيه أن الانكلتير لما سمع خبر يافا أعرض عن قصد بيروت، وعاد إلى يافا، فاشتد عزم السلطان والأمراء على إخراج من في القلعة ليتسلمها.
стр. 737
ذكر وصول ملك الانكلتير
إلى يافا واسترجاعه ربضها
ووصل ملك الانكلتير بغتة، فما شعر المسلمون سحرا إلا وبوقاته [تنعق، فعلمنا بوصول النجدة، قد وصلت في البحر] (١).
قال القاضى بهاء الدين:
فسيّر معى السلطان عز الدين جرديك، وعلم الدين قيصر، ودرباس المهرانى، وشمس الدين عدل الخزانة، وقال: امض إلى الملك الظاهر، وقل له يقف ظاهر الباب القبلى، وتدخل أنت ومن تراه إلى القلعة، ويخرجون القوم ويستولون على ما فيها من الأموال والأسلحة، وتكتبها بخطك إلى الملك الظاهر، وهو ظاهر البلد يسيرها إلينا.
قال:
ففعلنا ودخلنا القلعة، وأمرنا الفرنج بالخروج، فأجابوا وتهيأوا، فقال جرديك: لا ينبغى أن يخرج منهم أحد حتى تخرج الناس من البلد خشية أن يتخطفوهم، فإنهم قد داخلهم الطمع في البلد، وأخذ يشتد في ضرب الناس وإخراجهم، وهم غير مضبوطين بعدة ولا محصورين في مكان، فكيف يمكن إخراجهم؛ فطال الأمر إلى أن علا النهار، وأنا ألومه وهو لا يرجع، والزمان يمضى، فلما رأيت الوقت يفوت، قلت له: إن النجدة قد وصلت والمصلحة المسارعة في إخراجهم، [٤٠٥] فأجاب، وأخرجنا خمسة وأربعين نفرا بخيولهم ونسائهم، وسيرناهم، ثم اشتدت أنفس الباقين وحدثتهم أنفسهم
стр. 738
بالعصيان، وكانوا استقلوا المراكب التي جاءتهم، وظنوا أن لا نجدة لهم فيها، ولم يعلموا أن الانكلتير مع القوم، ورأوهم قد تأخروا عن النزول إلى أن تعالى النهار، فخافوا أن يمتنعوا فيؤخذوا ويقتلوا، فخرج من خرج.
ثم بعد ذلك قويت النجدة حتى صاروا خمسة وثلاثين مركبا، فقويت نفوس الباقين في الحصن، وظهرت منهم أمارات العصيان ودلائله، فقلت لأصحابنا: خذوا حذركم، فقد تغيرت عزائم القوم، فما كان إلا ساعة بحيث صرنا خارج البلد، وإذا القوم قد حملوا من القلعة، وأخرجوا من كان في البلد من الأجناد، وازدحم الناس في الباب حتى كاد يتلف منهم جماعة، وبقى في بعض الكنائس جماعة من رعاع العسكر مثتغلين بما لا يجوز، فهجموا عليهم، وقتلوا وأسروا، وأمر السلطان الناس بالزحف، فزحفوا، وعاد الحصار كما كان، واضطرب العدو في القلعة واستبطئوا نزول النجدة إليهم، وخافوا خوفا عظيما، فأرسلوا بطريقهم والقسطلان (١) يعتذران مما جرى، ويسألان السلطان القاعدة الأولى.
وكان سبب امتناع نزول النجدة أنهم رأوا البلد مشحونا ببيارق (٢) المسلمين ورجالهم، فخافوا أن تكون القلعة قد أخذت، وكان البحر يمنع من سماع الصوت، وانضاف إلى ذلك كثرة الضجيج والتكبير والتهليل، فلما رأى من في القلعة شدة الزحف عليهم، وامتناع النجدة من النزول إليهم مع كثرتها، فإنها كانت قد بلغت نيفا وخمسين مركبا فيها خمسة عشر شانيا (٣)، [علموا أن] (٤) النجدة ظنوا أن القلعة قد أخذت، فوهب رجل من أهل
стр. 739
القلعة نفسه للمسيح، وقفز من (١) القلعة إلى الميناء، وكان رملا فلم يصبه شئ (٢)، وعدّى إلى البحر، وحدّث الانكلتير بالحديث، فما كان إلا ساعة حتى نزل كل من في الشوانى إلى الميناء، وحملوا على المسلمين فأخرجوهم من الميناء، فقبض السلطان على الرسل، وأمر بتأخير الثقل والأسواق إلى يازور (٣) فرحل الناس، [٤٠٦] وتخلف لهم ثقل عظيم مما كانوا أخذوا من يافا.
وخرج الانكلتير إلى موضع السلطان الذى كان فيه لمضايقة البلد، وأمر من في القلعة أن يخرجوا إليه فيعظم سواده، واستدعى جماعة من خواص مماليك السلطان والحاجب أبا بكر العادلى وغيره، فلما حضروا عنده باسطهم وقال:
" هذا السلطان عظيم، وما في الأرض للإسلام ملك أكبر منه ولا أعظم، فكيف رحل عن المكان لمجرد وصولى؟ والله ما لبست لأمة (٤) حربى ولا تأهبت لأمر، ولا في رجلى إلا زربول [البحر] (٥) فكيف تأخر؟ "
стр. 740
ثم قال:
" والله إنه لعظيم، والله ما ظننته يأخذ يافا في شهرين، فكيف أخذها في يومين؟! "
ثم قال لأبى بكر الحاجب:
تسلم على السلطان، وتقول له: بالله عليك أجب سؤالى في الصلح، فهذا أمر لابد منه، ولابد لهذا الأمر من آخر، وقد هلكت بلادى وراء (١) البحر، وما دوام هذا مصلحة لا لنا ولا لكم ".
فأرسل السلطان إليه في الجواب:
" إنك [كنت] (٢) طلبت [الصلح] (٢) أولا على قاعدة، وكان الحديث في يافا وعسقلان، والآن فقد خربت هذه يافا، فيكون لكم من قيسارية إلى صور ".
فأجابه الانكلتير:
" إن قاعدة الفرنج أنه إذا أعطى واحد لواحد بلدا صار تبعه وغلامه، وأنا أطلب منك هذين البلدين: يافا وعسقلان، وتكون عساكرهما في خدمتك دائما، وإذا احتجت إلىّ وصلت إليك في أسرع وقت، وخدمتك كما تعلم خدمتى ".
فأجابه السلطان:
حيث دخلت هذا المدخل فنتفق على أن نجعل البلدين قسمين: أحدهما لك، وهو يافا وماوراءها، والثانى لى، هو عسقلان وماوراءها ".
стр. 741
ثم رتّب السلطان اليزك بيازور، وأمر بخرابها وخراب بيت جبرين (١)، ورتّب النقابين لذلك، ثم سار إلى الرملة.
وعاد رسول الانكلتير يشكر على إعطائه يافا، ويجدد السؤال في عسقلان، ويقول:
" إن وقع الصلح في [هذه] (٢) الأيام الستة سرت إلى بلادى، وإلا احتجت أن اشتى هنا ".
فأجابه السلطان [في الحال] (٣):
" أما النزول عن عسقلان فلا سبيل إليه، وأما هاهنا تشتيته فلابد منها، لأنه قد استولى [٤٠٧] على هذه البلاد، ويعلم أنه متى غاب عنها أخذت بالضرورة، وإذا أقام أيضا إن شاء الله تعالى، وإذا سهل عليه أن يشتى ههنا، ويبعد عن أهله ووطنه مسيرة شهرين، وهو شاب في عنفوان شبابه ووقت اقتناص لذاته، ما يسهل علىّ أن أشتى وأصيف وأنا في وسط بلادى، وعندى أهلى وأولادى، ويأتى إلى ما أريده ومن أريده، وأنا شيخ قد كرهت لذات الدنيا ورفضتها عنى، والعسكر الذى يكون عندى في الشتاء غير العسكر الذى يكون عندى في الصيف؟! وأنا اعتقد أنى في أعظم العبادات، ولا أزال كذلك حتى يعطى الله تعالى النصر لمن يشاء ".
ثم جاء رسوله يقول له:
" كم أطرح نفسى على السلطان وهو لا يقبلنى، وأنا كنت أحرص حتى أعود إلى بلادى، والآن فقد هجم الشتاء، وتغيرت الأنواء، [وعزمت على الإقامة] (٤) وما بقى بيننا حديث.
стр. 742
ذكر عزم السلطان
على كبس الانكلتير، وانصرافه عنه
ثم بلغ السلطان أن الفرنج قد رحلوا من عكا قاصدين يافا، فسار إلى العوجا، فنزل بها، ثم بلغه أن العدو دخل قيسارية، ولم يبق فيه مطمع، وبلغه أن الانكلتير خارج يافا في نفر يسير، فوقع له أن يكبسه، فأتاه، فوجد خيمه عشر خيم، فحمل عليهم، فثبتوا ولم يتحركوا عن أماكنهم، وكشّروا عن ناب الحرب، فارتاع العسكر منهم، ووجموا من ثباتهم وداروا حولهم حلقة، وكانت عدة الخيل سبعة (١) عشر، وقيل تسعة، والرجالة ثلاثمائة، فوجد السلطان من ذلك موجدة عظيمة، ودار على الأطلاب يحثهم على الحملة، فلم يجب دعاءه أحد سوى ولده الملك الظاهر، وقال له الجناح أخو المشطوب:
" قل لغلمانك الذى ضربوا الناس يوم فتح يافا وأخذوا منهم الغنيمة يحملون "
وكان في قلب العسكر غيظ على السلطان، حيث فوّتهم الغنيمة، فلما رأى السلطان ذلك غضب، وأعرض عن القتال وسار إلى يازور (٢).
وذكر أن الانكلتير أخذ رمحه ذلك اليوم، وحمل من طرف الميمنة إلى طرف الميسرة، ولم يعرض له أحد.
ثم سار السلطان إلى النطرون ثم إلى القدس، فنظر إلى العماير ورتّبها، ثم عاد إلى النطرون، وتوافت إليه العسكر، ووصل [٤٠٨] علاء الدين بن عز الدين - صاحب الوصل -، ثم قدم عسكر مصر، وفيهم سيف الدين يازكوج (٣) وجماعة الأسدية في خدمة ابنه الملك المؤيد مسعود.
стр. 743
ذكر عقد الهدنة بين المسلمين والفرنج
ثم جمع السلطان عنده أرباب الرأى، وقال:
" إن الانكلتير قد مرض مرضا شديدا، والافرنسيسية قد ساروا راجعين ليعبروا البحر من غير شك، ونفقاتهم قد قلت، والرأى أنا نسير إلى يافا، فإن وجدنا فيها مطمعا وإلا سرنا إلى عسقلان، فما تلحقها النجدة إلا وقد بلغنا منها غرضا ".
فوافقوه على ذلك.
فأرسل عز الدين جرديك وجمال الدين فرج سادس شعبان حتى يكونا قريبا من يافا، ورسل الأنكلتير مترددة إلى السلطان في طلب الفاكهة والثلج، وأوقع الله في مرضه شهوة الكمثرى والخوخ، فكان السلطان يمده بذلك، ويقصد كشف الأخبار بتواتر الرسل.
ومما انكشف له أن الكندهرى يتردد بينه وبين الأفرنسيسية في مقامهم، وهم عازمون على [عبور] (١) البحر قولا واحدا، فسار السلطان إلى الرملة.
وجاء رسول الانكلتير مع الحاجب أبى بكر العادلى يشكر السلطان على إسعافه بالفاكهة والثلج، وقال له:
" قل لأخى الملك العادل يبصر كيف يتوصل إلى السلطان في معنى الصلح، ويستوهب لى منه عسقلان، وأمضى ويبقى هو هاهنا مع هذه الشرذمة اليسيرة، ويأخذ البلاد منهم، فليس غرضى إلا إقامة جاهى بين الإفرنجية، وإن لم ينزل السلطان عن عسقلان فيأخذ لى منه عوضا من خسارتى على عمارة سورها ".
стр. 744
فأرسل السلطان إلى الملك العادل:
" إن نزلوا عن عسقلان فصالحهم، فإن العسكر قد ضجر من ملازمة البيكار (١)، والنفقات قد نفدت ".
ثم إن الانكلتير نزل عن عسقلان وعن العوض عنها، واستوثق منه على ذلك، فأحضر السلطان الديوان يوم السبت ثامن عشر شعبان، وذكر يافا وعملها - فأخرج الرملة منها ولدّ ومجدليابة (٢) - ثم ذكر قيسارية وعملها، وأرسوف وعملها، وحيفا وعملها، وعكا [٤٠٩] وعملها - وأخرج منها الناصرة وصفورية - وأثبت الجميع في ورقة، وقال للرسول:
" هذه حدود البلاد التي تبقى في أيديكم، فإن صالحتم على ذلك فمبارك، وقد أعطيتكم يدى، فينفذ الملك من يحلف في بكرة غد، وإلا فيعلم أن هذا تدفيع ومماطلة ".
وكان من القاعدة أن تكون عسقلان خرابا، ويتفق المسلمون وهم على خرابها، واشترط السلطان دخول بلاد الإسماعيلية، واشترطوا هم دخول صاحب أنطاكية وطرابلس في الصلح، وشرطوا أن تكون الرمله ولد مناصفة بينهم وبين المسلمين، واستقرت القاعدة على أنهم يحلفون يوم الأربعاء لثمان بقين من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة ثمان وثمانين وخمسمائة - وحلفوا، ولم يحلف الانكلتير، بل أخذوا يده وعاهدوه، واعتذر بأن الملوك لا يحلفون، وقنع السلطان بذلك (٣) وحلف الكندهرى، وهو ابن أخته، وهو المستخلف عنه في الساحل، وباليان بن بارزان - ابن (٤) صاحب طبرية -.
стр. 745
ووصل ابن الهنفرى وباليان إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من المقدمين، وأخذوا يده على الصلح، واستحلفوا الملك العادل، والملك الأفضل، والملك الظاهر، والملك المنصور - صاحب حماة -، والملك المجاهد - صاحب حمص -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك -، والأمير بدر الدين الياروقى، وصاحب تل باشر، والأمير سابق الدين عثمان بن الداية - صاحب شيزر -، والأمير سيف الدين المشطوب، وغيرهم من المقدمين الكبار؛ وعقدت هدنة عامة في البر والبحر، وجعلت مدتها ثلاث سنين وثلاثة أشهر، أولها [مبتدأ] (١) أيلول الموافق الحادى والعشرين من شعبان.
ولما وقعت الهدنة قال أبو الحسن على بن الساعاتى يمدح السلطان الملك الناصر ﵀ من قصيدة:
منعت ظباء المنحنى بأسوده، ... وأشدّ ما أشكوه فتك (٢) ظبائه
فعلت بنا وهى الصديق لحاظها ... كظبى صلاح الدين في أعدائه (٣)
سل عنه قلب الانكتير، فإنّ في ... خفقانه ما شئت من أنبائه
لولاك أمّ البيت غير مدافع ... وأسال سيل نداه (٤) في بطحائه
وبكت جفون (٥) القدس ثانية دما، ... لترنّم الناقوس في أفنائه
стр. 746
[٤١٠] ثم أمر السلطان أن ينادى في الوطاقات (١) والأسواق:
" ألا وإن الصلح قد انتظم، فمن شاء من بلادهم يدخل بلادنا فليفعل، ومن شاء من بلادنا يدخل بلادهم فليفعل ".
وكان يوم الصلح يوما مشهودا عمّ فيه للطائفتين الفرح والسرور، ولم يكن ذلك من إيثار السلطان.
فحكى القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ قال:
" قال لى السلطان في بعض محاوراته في الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدرى أي شئ يكون منى، فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم هذه البلاد، فيخرجون لاستعادة ما في أيدى المسلمين المأخوذة منهم، وترى كل واحد من هؤلاء الجماعة - يعنى أخاه وأولاده وأولاد أخيه - قد قعد في رأس قله (٢) - يعنى قلعته -، وقال: " لا أنزل " (٣) ويهلك المسلمون ".
قال بهاء الدين:
فكان كما قال، توفى ﵀ عن قريب، واشتغل كل من أهل بيته وأولاده بناحية، ووقع الخلف بينهم، وأعرضوا عن النظر في المصلحة العامة للمسلمين، فلو قدر الله حياته لكان الغالب على الظن أن العدو لا يبقى له في البلاد الشامية ثغر ولا بلد، لكن الله تعالى إذا أراد أمرا قدّر أسبابه، وبالجملة فكان
стр. 747
الصلح مصلحة، إذ لو قدر موته في أثناء تلك الحروب لكان الإسلام على خطر.
ثم رحل السلطان إلى النطرون، واختلط (١) عسكر الفرنج بعسكر المسلمين، وذهب جماعة من المسلمين إلى يافا في طلب التجارة، ووصل خلق عظيم من الفرنج إلى القدس للحج، وفتح لهم السلطان الباب، ونفّد معهم الخفراء يحفظونهم حتى يردوهم إلى يافا، وكان غرض السلطان بذلك أن يقضوا وطرهم من الزيارة، ويرجعوا إلى بلادهم، فيأمن المسلمون شرهم.
ولما علم الانكلتير كثرة من يزور منهم صعب عليه، وسيّر إلى السلطان يسأله منع الزوار، واقترح أن لا بإذن لأحد إلا بعد حضور علامة من جانبه أو كتابة، وعلم الفرنج ذلك فعظم عليهم واهتموا بالحج، فكان يرد كل يوم منهم جموع كثيرة مقدّمون وأوساط وملوك متنكرون.
وشرع السلطان في إكرام من يرد، ومد الطعام لهم ومباسطتهم ومحادثتهم، وعرّفهم إنكار الملك ذلك، وأذن لهم السلطان في الحج، وعرفهم أنه لم يلتفت إلى منع الملك [٤١١] من ذلك، واعتذر إلى الملك بأن قوما قد وصلوا من ذلك البعد، وتيسر لهم زيارة هذا المكان الشريف لا استحل منعهم.
ثم اشتد المرض بالانكلتير، فرحل ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من شعبان، هو والكندهرى وسائر المقدمين إلى ناحية عكا، ولم يبق في يافا إلا مريض أو عاجز، ونفر يسير.
стр. 748
ذكر رحيل السلطان إلى القدس ونظره في مصالحه
ثم رحل السلطان إلى القدس في رابع شهر رمضان، وتفقد أحواله، وعرض رجاله، واشتغل بتشييد أسواره وتحصينها، وتعمير خنادقه، وزاد في وقف المدرسة المعروفة، وهذه المدرسة كانت قبل الإسلام تعرف بصند حنه (١) يذكرون أن فيها قبر حنة أم مريم ﵍، ثم صارت في الإسلام دار علم قبل أن يملك الفرنج القدس، وكان يدرس بها العلم الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسى قبيل أخذ الفرنج للقدس، ثم لما ملك الفرنج القدس سنة اثنين وتسعين وأربعمائة أعادوها كنيسة كما كانت قبل الإسلام، فلما فتح السلطان القدس أعادها مدرسة، ووقف عليها وقوفا جليلة، وفوض تدريسها ووقفها إلى القاضى بهاء الدين بن شداد، وترلاها جماعة من الفقهاء، منهم: فخر الدين بن عساكر؛ وتولاها والدى ﵀ من جهة الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل، وأقمنا بها من سنة اثنين وعشرين وستمائة (٢).
стр. 749
ورتب السلطان أيضا موضعا ملاصقا للأقصى خانقاه للصوفية، وقف عليها وقوفا جليلة، وجعل الكنيسة التي في شارع قمامة بيمارستان (١) للمرضى، ونقل إليه جميع ما يحتاج إليه، وفوّض ولاية القدس إلى عز الدين جرديك النورى، وفوّض القضاء والأوقاف إلى القاضى بهاء الدين بن شداد ﵏.
ذكر عزم السلطان على الحج ثم انتقاض عزمه
ولما وقعت الهدنة صمم السلطان على الحج، وأمر أن يسير مائة نقّاب لتخريب عسقلان وإخراج من بها من الفرنج ليتفرغ سره من جانبها، ويحج في عامه [٤١٢] وكتب إلى مصر وإلى أخيه سيف الإسلام - صاحب اليمن - ما عزم عليه، وأمر أن يحمل له في المراكب كل ما يحتاج إليه من الأزواد والنفقات والخلع والكسوة، ثم فند السلطان في عزمه، وقال له أصحابه:
لا يمكن الحج إلا بعد أمر يكتب إلى الخليفة، وتعرفه ذلك، حتى لا يظن بك أمرا أنت عنه برىء، والوقت قد ضاق، وهذه البلاد والمعاقل ربما يخاف عليها عند غيبتك من غائلة العدو، ولا تغتر بالهدنة، فإن القوم دأبهم الغدر وإذا وجدوا مكنة فعلوا.
فانحل عزمه عن ذلك وافتر عنه.
ذكر مسير السلطان إلى دمشق ووصوله إليها
ثم رحل السلطان من القدس لخمس مضين من شوال، وهو يوم الخميس، ووصل يوم الجمعة إلى نابلس، فنزل بظاهرها، وبها صاحبها الأمير سيف الدين على
стр. 750
ابن أحمد الشطوب، فشكاء أهلها إلى السلطان، فأزال شكواهم، وأمره بالإحسان إليهم والعدل فيهم، ثم رحل عنها ظهر يوم السبت سابع شوال، ووصل إلى بيسان يوم الاثنين تاسع شوال، وصعد قلعتها، وقال: " الصواب أن نبنى هذه ونخرب كوكب.
ثم وصل إلى كوكب وبات بقلعتها، ورحل منها يوم الثلاثاء عاشر شوال، ونزل بطبرية، ولقى بهاء الدين قراقوش، وقد خلص من الأسر، وخلص السلطان بقية أصحابه، ومضى مع السلطان إلى دمشق، وسافر قراقوش من دمشق إلى الديار المصرية، وأقام السلطان يومين لتوالى الأمطار، ثم رحل يوم الخميس ثانى عشر شوال إلى صفد، فرتب أمورها، ثم سار إلى تبنين، ثم وصل إلى بيروت يوم الخميس تاسع عشر شوال، وبها الأمير عز الدين أسامة.
ووصل إلى خدمته بيمند - صاحب أنطاكية - يوم السبت الحادى والعشرين من شوال، فأكرمه السلطان وآنسه، ورفع مجلسه، وأجرى له ولأصحابه العطاء، وأقطعه من مناصفات أنطاكية ما مبلغه عشرون ألف دينار، وفارقه غد ذلك اليوم.
ثم سار السلطان إلى دمشق فوصلها يوم الأربعاء لخمس بقين من شوال، وفرح الناس به، لأن غيبته كانت قد [٤١٣] طالت عنهم مدة أربع سنين، وأفاض العدل والإحسان بدمشق، وواظب الجلوس في دار العدل في الأوقات التي جرت العادة بالجلوس فيها.
وفى يوم الأحد مستهل ذى القعدة اتخذ الملك الأفضل لأخيه الملك الظاهر دعوة، وبالغ فيها في التجمل، وحضرها السلطان جبرا لقلبه، وحضرها جميع الأمراء والأكابر.
وأذن السلطان للعساكر في التفرق إلى بلادهم، فتفرقوا، وكان الملك الظاهر - صاحب حلب - قد فارق أباه بالقدس، ووصل إلى دمشق لما بلغته حركة أبيه
стр. 751
إلى دمشق، وأقام بها حتى فاز بالنظر إليه ثانيا، وكأن نفسه حدثنه بدنو أجل والده ﵀، ثم لما حضر دعوة أخيه ودّع أباه وداعا لم يكن بعده لقاء، ورحل إلى حلب، وبقى عند السلطان بدمشق ولده الملك الأفضل نور الدين وجماعة من أولاده، والقاضى الفاضل.
وكان القاضى بهاء الدين بن شداد قد أمره السلطان بمقامه في القدس إلى حين عوده، لأن السلطان كان عزمه أن يعود إلى القدس، ثم يتوجه منه إلى الديار المصرية، لأن عهده كان قد بعد عنها.
وكان الملك العادل قد استأذن السلطان في القدس في أخر رمضان بأن يمضى إلى الكرك - وهى حصنه ومستقره - ليتفقدها، فأذن له في ذلك، فمضى إليها وأصلح ما قصد إصلاحه، ثم رحل منها طالبا للبلاد الشرقية التي أعطاه السلطان إياها، فوصل إلى دمشق سابع عشر ذى القعدة، وخرج السلطان إلى لقائه، وأقام يتصيد حول غباغب إلى الكسوة حتى لقيه، وسارا جميعا يتصيدان، ثم دخلا دمشق في الحادى والعشرين من ذى القعدة.
وفى يوم الخميس السادس والعشرين من شوال من هذه السنة توفى الأمير سيف الدين على بن أحمد المشطوب (١) ﵀ بنابلس، وكانت إقطاعه بعد حسام (٢) الدين لاجين ابن أخت السلطان، فوقف السلطان بعده
стр. 752
ثلث نابلس على مصالح القدس وأقطع الباقى للأمير عماد الدين أحمد بن سيف الدين المشطوب وأميرين معه.
وفى شعبان من هذه السنة توفى السلطان [٤١٤] عز الدين قلج أرسلان ابن مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قطلمش بن أرسلان بيغو بن سلجوق - سلطان الروم -، وكان له عشرة بنين، قد ولى كل واحد منهم قطرا، وأكبرهم قطب الدين ملك شاه، وكانت له سيواس، فاتّبع هواه، وسوّلت له نفسه القبض على والده وبقية إخوته، وأن ينفرد بالسلطنة، وساعده على ذلك صاحب أرزنكان، فبعث صاحب أرزنكان إلى السلطان عز الدين يطلب منه وزيره اختيار الدين حسين بن عفراس ليتفق معه على مصلحة فيما بين عز الدين وأولاده، وذلك باتفاق في الباطن بين قطب الدين ملكشاه وبين صاحب أرزنكان، فظن عز الدين أن الأمر على ما أظهره صاحب أرزنكان، فبعث وزيره اختيار الدين، فلما وصل إلى صاحب أرزنكان أوقع عليه صاحب أرزنكان التركمان، فقتلوه شر قتلة، ومثّلوا به وبولده أقبح مثلة.
ثم سار قطب الدين ملكشاه إلى والده عز الدين فكسره وهجم عليه في مدينة قونية، وقبض على والده واستقل بالسلطنة، وقال لوالده: " أنا بين يديك، أشفق عليك، وأنفذ أمرك ".
ثم إنه قتل جماعة من أمراء أبيه، وأنشأ له أمراء اختارهم، وبقى أبوه معه كالمعتقل ليس له أمر ولا نهى ولا تصرف، ثم إنه أشهد على والده أنه قد جعله ولى عهده، وأبقى الخطبة والسكة باسم أبيه، والملك في الظاهر لابنه، وفى الحقيقة ليس لأبيه إلا مجرد الاسم.
ثم ملك أقصرا، ثم مضى إلى حرب أخيه نور الدين سلطان شاه - صاحب قيسارية - ووالده في القبضة معه، وهو يظهر أن ما يفعله إنما هو بأمر والده فحضر نور الدين بقيسارية، فخرج عسكر قيسارية لحرب قطب الدين.
стр. 753
واغتنم السلطان عز الدين فرصة، فخرج من صف ابنه قطب الدين هاربا، ودخل إلى قيسارية، واجتمع بولده نور الدين سلطان شاه، فأكرم أباه وعظّمه، ورجع قطب الدين إلى قونية، وهى دار الملك، فأقام بها يخطب بالسلطنة لنفسه.
وبقى السلطان قلج أرسلان يتردد في بلاده بين أولاده من ولد إلى ولد، ومن بلد إلى بلد، وكلما ضجر منه واحد منهم [٤١٥] ينتقل إلى آخر، حتى حصل عند ولده غياث الدين كيخسرو - صاحب برغلوا - فقوّى أباه، وأعطاه، وجمع له وحشد، وجاء معه إلى قونية، ودخلها وملكها ومضى به إلى أقصرا محاصرا لها، فامتنعت عليه، فجمع الأوجية (كذا؟) الأجناد، فاتفق أن السلطان عز الدين مرض ومات في التاريخ المذكور، فتركه ولده غياث الدين كيخسرو في محفة، وكتم أمره، وأظهر أنه منتقل لأجل المرض، ومضى يمشى قدام المحفة ليوهم الناس حياته، حتى أتى به قونية، فدخلها واستقل بقلعتها، واستحلف الأمراء والأعيان، ثم أظهر وفاة أبيه، وأنه ولى عهده، وقوى على أخيه قطب الدين ملكشاه، ثم أنه تغلب على غياث الدين كيخسرو، وأخيه ركن الدين سليمان، وأخذ منه قونية، وهرب غياث الدين إلى الشام مستجيرا بالملك الظاهر - صاحب حلب -.
ثم مات ركن الدين سنة ستمائة، وملك ولده قلج أرسلان، فرجع غياث الدين إلى البلاد كلها، واستقرت السلطنة ببلاد الروم للسلطان غياث الدين كيخسرو بن قلج أرسلان بن مسعود.
ثم توفى غياث الدين كيخسرو، وملك بعده ابنه عز الدين كيكاوس ابن كيخسرو، وسنذكر قصده لبلاد بنى أيوب وكسر السلطان الملك الأشرف ابن الملك العادل له.
стр. 754
ثم توفى كيكاوس، فولى أخوه السلطان علاء الدين كيقباد بن كيخسروا، وهو الذى أدركنا زمانه، وسنذكر بعض أخباره مع بنى أيوب، وتوفى علاء الدين سنة أربع وثلاثين وستمائة، وولى بعده غياث الدين كيخسروا بن كيقباد وكسره التتر كسرة عظيمة سنة إحدى وأربعين وستمائة (١)، وتضعضع من حينئذ ملك السلاطين السلجوقية ببلاد الروم.
ثم مات غياث الدين، وخلفّ صبيين: أحدهما ركن الدين، و [الآخر] عز الدين، فملكا معا مديدة، ثم انفرد ركن الدين بالسلطنة، وهرب أخوه عز الدين كيكاوس إلى قسطنطينية، واستجار بملكها، وتغلب على ركن الدين معين الدين البرواناه والبلاد في الحقيقة للتتر، وخراج البلاد يحمل إليهم، ثم قتل معين الدين ركن الدين، وأبقى إبنا (٢) لركن الدين يخطب له بالسلطنة، والحكم [٤١٦] للبرواناه وهو نائب التتر بالبلاد، والأمر على ذلك إلى اليوم.
وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين ﵀ قد بعث رسوله للقاضى شمس الدين محمد بن محمد بن موسى - المعروف بابن الفراش - رسولا إلى السلطان عز الدين بن قلج أرسلان وأولاده للإصلاح بينهم، فتردد إليهم مرارا أكثر من سنة، ولما عاد إلى ملطية توفى بها في شهر ربيع الأول من هذه السنة.
ودخلت سنة تسع وثمانين وخمسمائة والملك الناصر مقيم بدمشق على أكمل ما يكون من المسرة، ورسل الأمصار واردون إلى بابه، وهو يجلس كل يوم لإسداء المكارم وكشف المظالم، ثم برز إلى الصيد من شرقى دمشق بزاد خمسة
стр. 755
عشر يوما، وصحبته أخوه الملك العادل، وأبعد في البرية، ثم عاد إلى دمشق وودّعه الملك العادل وداعا لالقاء بعده؛ فمضى إلى الكرك وأقام به إلى أن بلغته وفاة السلطان ﵀.
قال القاضى بهاء الدين ابن شداد:
وخرجت من القدس يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم؛ وكان وصولى إلى دمشق ثانى عشر صفر؛ وكان الملك الأفضل حاضرا في الإيوان الشمالى، وفى خدمته خلق من الأمراء وأرباب المناصب ينتظرون جلوس السلطان؛ فلما شعر السلطان بحضورى استحضرنى وهو وحده قبل أن يدخل إليه أحد؛ فدخلت عليه ﵀ فقام ولقينى ملقى ما رأيت أشدّ من بشره فيه؛ ولقد ضمنى إليه ودمعت عيناه.
وفى ثالث عشر صفر طلبنى فحضرت، فسألنى عن من هو في الإيوان، فأخبرته أن الملك الأفضل جالس في الخدمة، والأمراء والناس في خدمته، فاعتذر إليهم على لسان جمال الدولة إقبال.
ثم استحضرنى يوم الخميس رابع عشر صفر، وهو في صفّة (١) البستان وعنده أولاده الصغار، فسأل عن الحاضرين فقيل: رسول الفرنج وجماعة من الأمراء الأكابر، فاستحضر الفرنج إلى ذلك المكان فحضروا، وكان له ولد صغير يسمى أبا بكر، وكان كثير الميل إليه، وكان حاضرا وهو ﵀ يداعبه، فلما وقع بصره على الفرنج ورأى أشكالهم [٤١٧] خاف منهم وبكى، فاعتذر السلطان إلى الفرنج وصرفهم بعد أن حضروا، ولم يسمع كلامهم، وقال لى:
" أكلت اليوم شيئا؟ "، وكانت عادته ﵀ هذه المباسطة، ثم قال:
" أحضروا لنا ما تيسّر "، فأحضروا أرزا بلبن، وما أشبهه من الأطعمة الخفيفة،
стр. 756
فأكل ﵀ وكنت أظن بأنه ليس عنده شهوة؛ وكان في هذه الأيام يعتذر للناس بثقل الحركة عليه، وكان بدنه ممتلئا وعنده تكسل، فلما فرغنا من الطعام قال:
ما الذى عندك من خبر الحاج؟
فقلت:
" اجتمعت بجماعة منهم في الطريق، ولولا كثرة الوحل لدخلوا اليوم ".
فقال:
" نخرج إن شاء الله إلى لقائهم ".
وأمر بتنظيف طريقهم من المياه، فإنها كانت سنة كثيرة الأنداء؛ وقد سالت المياه في الطرق كالأنهار.
وانفصلت من خدمته ولم أجد عنده من النشاط ما كنت أعرفه منه.
ثم بكّر في يوم الجمعة خامس عشر صفر فركب؛ ثم لحقته وقد لقى الحاج، ولم أجد عليه كزاغندا (١) وما كان له عادة أن يركب بدونه، وكان يوما عظيما قد اجتمع فيه للقاء الحاج والتفرج على السلطان معظم من في البلد، فأذكرته ذلك فكأنه استيقظ، فطلب الكزاغند فلم توجد، فأوقع الله في قلبى تطيرا بذلك، ولما لقى السلطان الحاج استعبرت عيناه كيف فاته الحاج، وسألهم عن أحوال مكة وأميرها، وحال الخصب بها، وكم وصلهم من غلات مصر وصدقاتها، والفقراء المجاورين له ورواتبهم وإدراراتهم، وسرّ بسلامة الحاج.
стр. 757
ووصل من اليمن ولد أخيه سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين بن أيوب، فتلقاه بالإكرام؛ قلت: أظنه هو الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام، فإن أباه أخرجه من عنده مرتين خوفا على نفسه منه، وسنذكر أخباره في موضعه اللائق به إن شاء الله تعالى.
ثم سار السلطان بين البساتين يطلب جهة المنيبع حتى أتى القلعة، فعبر على الجسر إليها، وكانت هذه آخر ركباته ﵀.
ذكر وفاة السلطان الملك الناصر
صلاح الدين أبى المظفر يوسف بن أيوب - رحمه الله تعالى -
ولما دخل السلطان إلى القلعة بعد لقاء الحاج وجد ليلة السبت سادس عشر صفر كسلا عظيما، فما [٤١٨] انتصف الليل حتى غثيته حمى صفراوية وكان ما في باطنه منها أكثر مما في ظاهره، وأصبح يوم السبت وعليه أثر الحمى، ولم يظهر للناس ذلك.
قال القاضى بهاء الدين:
فحضرت عنده أنا والقاضى الفاضل، ودخل ولده الملك الأفضل، وطال جلوسنا عنده، وأخذ يشكو من قلقه بالليل، وطاب له الحديث إلى قريب الظهر، ثم انصرفنا والقلوب عنده، فتقدم إلينا بالحضور على الطعام في خدمة ولده الملك الأفضل، ولم يكن للقاضى الفاضل عادة بذلك، فانصرف (١)، ودخلت الإيوان القبلى وقد مدّ الطعام، والملك الأفضل قد جلس في موضعه، فانصرفت، وما كان لى قوة على الجلوس
стр. 758
استيحاشا، وبكى في ذلك اليوم جميع من حضر، وتفاولنا بجلوس ولده في موضعه؛ ثم أخذ المرض يتزايد من حينه، ونحن نلازم التردد في طرفى النهار، وأدخل أنا والقاضى الفاضل في النهار مرارا، ونعطى (١) الطريق في بعض الأيام التي يجد فيها خفة.
وكان مرضه في رأسه، ورأى الأطباء فصده ففصدوه في الرابع، فاشتد مرضه، وقلّت رطوبات بدنه، وتزايد به المرض إلى أن انتهى إلى غاية الضعف، ولقد أجلسناه في السادس من مرضه، وأسندنا ظهره إلى مخدة، وأحضرنا ماء فاترا ليشر به عقيب شراب يلين الطبع، فوجده شديد الحرارة، فشكا (٢) من شدة حرّه، فغيّر وعرض عليه ثانيا، فشكا (٢) من برده، ولم يغضب، ولم يقل سوى هذه الكلمات:
" سبحان الله، لا يمكن أحد تعديل الماء؟ "
فخرجت أنا والقاضى الفاضل من عنده وقد اشتد بنا البكاء، والقاضى الفاضل يقول:
" أبصر هذه الأخلاق التي قد أشرف المسلمون على مفارقتها؛ والله لو أن هذا بعض آحاد الناس كان قد ضرب بالقدح رأس من أحضره ".
واشتد مرضه في السادس والسابع والثامن، ولم يزل متزايدا (٣) ويغيب ذهنه،
ولما كان التاسع حدثت به رعثة، وامتنع من تناول المشروب، واشتد الإرجاف في البلد، ونقلوا الأقمشة من الأسواق، وغشى الناس من البكاء والحزن مالا يمكن حكايته.
стр. 759
ولقد كنت أنا والقاضى الفاضل نقعد كل ليلة إلى أن يمضى من الليل ثلث أو قريب [٤١٩] منه، ثم نحضر في باب الدار، فإن وجدنا طريقا دخلنا وشاهدناه، وإلا انصرفنا، وكنا نجد الناس يرتقبون خروجنا إلى بيوتنا حتى يعرفوا أحواله من صفحات وجوهنا.
ولما كان اليوم العاشر من مرضه حقن دفعتين، وحصل له من الحقنة راحة، وحصل بعض الخفة، وتناول من ماء الشعير مقدارا جيدا صالحا، وفرح الناس فرحا شديدا، فأقمنا على العادة إلى أن مضى من الليل هزيع، ثم أتينا باب الدار فوجدنا جمال الدولة إقبالا، فالتمسنا منه تعريف الحال المتجدد، فدخل ثم أنفذ إلينا مع الملك المعظم توران شاه - ولد السلطان - يقول: " إن العرق قد أخذ في ساقيه "، فشكرنا الله تعالى على ذلك، وانصرفنا طيبة قلوبنا، ثم أصبحنا فأخبرنا أن العرق قد أفرط حتى نفذ من الفراش، وتأثرت به الأرض، وأن اليبس قد تزايد تزايدا عظيما، وخارت القوة، واستشعر الأطباء.
ولما رأى الملك الأفضل ما حلّ بوالده (١) وتحقق اليأس منه شرع في تحليف الناس، وجلس في دار رضوان المعروفة بسكناه، واستحضر القضاة، وعمل له نسخة يمين (٢) مختصرة محصلة للمقاصد (٣)، تتضمن الحلف للسلطان مدة حياته، وله بعد وفاته، واعتذر إلى الناس بأن المرض قد اشتد، وما يعلم ما يكون.
وكان ممن حلف من أعيان الأمراء: سعد الدين مسعود أخو بدر الدين مودود الشحنة، (٤) وناصر الدين منكورس بن ناصر الدين خمارتكين - صاحب صهيون -
стр. 760
وسابق الدين عثمان بن الداية - صاحب شيرز -، وخوشترين (١) الهكّارى، ونوشروان الزرزارى، وعلكان، ومنكلان؛ ثم مدّ الخوان وأكلوا.
ولما كان العصر أعيد مجلس التحليف، وأحضر فارس الدين ميمون القصرى، وشمس الدين سنقر الكبير، وعز الدين أسامة (٢)، وسنقر المشطوب (٣)، والفارس البكى (٤)، وأيبك الأفطس (٥)، وأخو [الأمير] سياروخ (٦)، وحسام الدين بشارة، ولم يحضره أحد من الأمراء المصريين، ولا تعرض لهم.
ولما كانت ليلة الأربعاء [٤٢٠] السابع والعشرين من صفر من هذه السنة - أعنى سنة تسع وثمانين وخمسمائة - وهى ليلة الثانى عشر من مرضه، اشتد بالسلطان المرض، وضعفت قوته، ووقع في أوائل الأمر من أول الليل؛ واستدعيت أنا والقاضى الفاضل في تلك الليلة، والقاضى محيى الدين بن زكى الدين، وهو يومئذ قاضى القضاة بدمشق، ولم تكن عادته الحضور في ذلك الوقت، وعرض علينا الملك الأفضل أن نبيت عنده، فلم ير القاضى الفاضل ذلك رأيا؛ فإن الناس كانوا في كل ليلة ينتظرون نزولنا من القلعة، وخاف أن لا ننزل فيقع الصوت في البلد، وربما نهب الناس بعضهم بعضا، فرأى المصلحة في نزولنا، واستحضار الشيخ أبى جعفر - إمام الكلامة - ليبيت في القلعة، حتى إن احتضر بالليل حضر عنده وحال بينه وبين النساء؛ وذكّره بالشهادة؛ ففعل ذلك، ونزلنا.
стр. 761
وذكر عن الشيخ أبى جعفر أنه قرأ عنده القرآن، وكان ذهنه غائبا، فلما انتهى إلى قوله تعالى: ﴿" هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ (١)﴾ " سمعه وهو يقول: " صحيح "؛ وهذه لفظة في وقت الحاجة وعناية من الله به.
وقيل إنه لما بلغ أبو جعفر في قراءته قوله تعالى: ﴿" لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ " *﴾ (٢) تبسم وتهلل وجهه وسلمها.
وكانت وفاته بعد صلاة الصبح من يوم الأربعاء المذكور، وبادر القاضى الفاضل بعد طلوع الصبح فحضر وفاته. قال القاضى بهاء الدين:
" ووصلت أنا وقد مات، وانتقل إلى رضوان الله ومحل كرامته ".
ذكر جلوس الملك الأفضل نور الدين أبى الحسن على
ابن السلطان الملك الناصر صلاح الدين
للعزاء وتجهيز السلطان ودفنه
ثم جلس الملك الأفضل للعزاء في الإيوان الشمالى، وحفظ باب القلعة إلا عن الخواص من الأمراء والمعممين، وكان يوما عظيما.
وكان أولاد السلطان يخرجون مستغيثين بين الناس، فتكاد النفوس تزهق لهول منظرهم، واشتد بكاء [٤٢١] الناس وحزنهم، ودام الحال كذلك إلى بعد صلاة الظهر، ثم اشتغل بتغسيله وتكفينه.
стр. 762
قال القاضى:
فما مكنا أن ندخل في تجهيزه حبة واحدة إلا بالقرض، حتى في ثمن التبن الذى يلتّ به الطين، وغسّله الفقيه الدولعى - خطيب دمشق -، وأخرج بعد صلاة الظهر في تابوت مسجى بثوب فوط، وجميع ما احتاج إليه في تكفينه أحضره القاضى الفاضل من وجه حل عرفه، وصلى عليه الناس أرسالا، وأول من أمّ (١) بالناس قاضى القضاة محيى الدين بن زكى الدين، ثم أعيد ﵀ إلى الدار التي في البستان التي كان متمرضا بها، ودفن بالصفّة القريبة منها، وكان نزوله إلى حفرته قريب صلاة العصر، ونزل في أثناء النهار ولده الملك الظافر خضر (٢) - المعروف بالمشمر - وهو شقيق الملك الأفضل، يعزى الناس، ويسكن قلوب الرعية.
واشتغل الأفضل بكتب الكتب إلى إخوته: الملك العزيز بمصر، وكذلك إلى الملك الظاهر - صاحب حلب -، وعمه الملك العادل - وكان بالكرك - يخبرهم بهذا الحادث.
стр. 763
وفى اليوم الثانى جلس للعزاء جلوسا عاما، وأطلق باب القلعة للفقهاء والعلماء، وتكلم المتكلمون، ولم يؤذن لأحد من الشعراء أن ينشد شيئا (١)، واستمر حضور الناس بكرة وعشية لقراءة القرآن والدعاء له.
وما زال الملك الأفضل مفكرا في موضع ينقله إليه، واستشار في ذلك، فأشير عليه في سنة تسعين وخمسمائة بأن يبنى تربته عند مسجد القدم، ويبنى عندها مدرسة للشافعية وقالوا: " إذا وصل الملك العزيز استغنى (٢) بزيارتها عن الدخول إلى دمشق "، وقالوا: " إن السلطان ﵀ لما مرض سنة إحدى (٣) وثمانين وخمسمائة بحران أوصى أن يدفن بدمشق قبلى ميدان الحصا، ويكون قبره على النهج السايل [وطريق القوافل] (٤) ليدعو له البادى والحاضر، والوارد والصادر ".
فأمر الملك الأفضل ببناء التربة عند مسجد القدم، وتولى [٤٢٢] عمارتها بدر الدين مودود - والى دمشق -، فاتفق وصول الملك العزيز تلك السنة للحصار، وهم قد شرعوا في عمارتها، فخرّب ما كان قد ارتفع من البناية، ثم استقرأ (٥) الملك الأفضل حدود الجامع ليجعل التربة فيها، فوفق (٦) لدار كانت لبعض الصالحين، وهى في حد البنيان الذى زاده القاضى الفاضل في المسجد، فاشتراها منه وأمر بعمارتها [قبة] (٤) وعمرت، ونقل إليها السلطان يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة بكرة الخميس.
стр. 764
ومشى الملك الأفضل بين يدى تابوته، وحمله مماليكه وخدمه وأمراؤه وأولياؤه، وأراد العلماء والفقهاء حمله على أعناقهم فمنعهم الملك الأفضل من ذلك، وقال لهم:
" يكفيه أدعيتكم الصالحة التي هى في المعاد جنته "، وأخرج من باب القلعة في البلد على دار الحديث إلى باب البريد، وأدخل منه إلى الجامع، ووضع قدّام [باب] (١) النسر، وصلى عليه القاضى محيى الدين بن زكى الدين، ثم حمل إلى ملحده، ودخل إلى لحده الملك الأفضل، ثم سد باب اللحد على أبيه، وجلس في الجامع ثلاثة أيام للعزاء، وأنفقت ست الشام - أخت (٢) السلطان - في هذه النوبة أموالا جزيلة.
ذكر مبلغ عمره وأولاده وتركته
كان مولده ﵀ في شهور سنة اثنين وثلاثين وخمسمائة، فكان عمره قريبا من سبع وخمسين سنة، وكانت مدة ملكه الديار المصرية نحو أربع وعشرين سنة، وملكه للشام قريب من تسعة عشرة سنة، وخلّف سبعة عشر ولدا ذكرا، وبنتا واحدة، فأما أولاده الذكور فهم:
الملك الأفضل نور الدين أبو الحسن على - وهو أكبرهم -، ومولده بمصر يوم عيد الفطر سنة خمس وستين وخمسمائة، وكان عمره يوم ولى الملك بعد أبيه نحوا من أربع وعشرين سنة.
стр. 765
والملك العزيز [أبو الفتح] (١) عماد الدين عثمان - صاحب مصر -، ومولده بمصر ثامن جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة.
والملك الظاهر [أبو منصور] (١) غياث الدين غازى - صاحب حلب - ومولده بمصر. [٤٢٣] [منتصف رمضان سنة ثمان وستين وخمسمائة] (٢).
والملك المفضل قطب الدين موسى. [ثم نعت بالمظفر، ولد بمصر سنة ثلاث وسبعين] (٣).
والملك الظافر مظفر الدين [أبو العباس] (٤) خضر؛ - وهما شقيقا الملك الأفضل.
والملك الأغر [أبو سيف] (١) شرف الدين يعقوب، [ولد بمصر في ربيع الآخر سنة اثنتين وسبعين] (١) - وهو شقيق الملك العزيز -.
والملك الزاهر [أبو سليمان] (١) مجير الدين داود - وهو شقيق الملك الظاهر -[ولد بمصر في ذى القعدة سنة ثلاث وسبعين] (١).
والملك المؤيد [أبو الفتح] (١) نجم الدين مسعود [ولد بدمشق في ربيع الأول سنة إحدى وسبعين] (١).
стр. 766
والملك المعز [أبو بعقوب] (١) فتح الدين إسحق [ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبعين] (١).
وشقيقه الملك الجواد [أبو سعيد ركن الدين] (١) أيوب [ولد في ربيع الأول سنة ثمان وسبعين] (١).
والملك الأشرف [أبو عبد الله] (١) نصير الدين (٢) محمد [ولد بالشام سنة خمس وسبعين وخمسمائة] (١).
وشقيقه الملك المحسن يمين الدين (٣) أحمد [ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين] (١).
والملك المعظم فخر الدين [أبو منصور] (١) توران شاه [ولد بمصر في ربيع الأول سنة سبع وسبعين] (١).
وشقيقه الملك الغالب [أبو الفتح ملكشاه، مولده بالشام في رجب سنة ثمان وسبعين] (٤).
والملك المنصور سيف الدين أبو بكر [وهو أيضا أخو المعظم لأبويه، ولد بحرّان بعد وفاة السلطان] (٥).
стр. 767
[ونصرة الدين مروان لأم ولد] (١).
وعماد الدين شاذى [لأم ولد] (٢).
وأما البنت [فهى مؤنسة خاتون، تزوجها] (٣) ابن عمها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب (٤).
ولم يخلف ﵀ على ما ذكره القاضى بهاء الدين في خزانته إلا سبعة وأربعين درهما وجرما (٥) واحدا صوريا، وهذا من مثل رجل له الديار المصرية والشامية وبلاد الشرق واليمن دليل قاطع على فرط جوده، ولم ينقل عن أحد غيره له مثل هذه المملكة لم يوجد في خزائنه إلا هذا القدر اليسير التافه ولم يخلف دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية، ولم يكن له رغبة في زخرفة بنيان ولا حسن مسكن.
стр. 768
ذكر جمل من سيره ﵀ -
ما نقل من أوصافه في الكرم المفرط والشجاعة والعدل وحسن السيرة والحكم أكثر من أن يحصى، فنذكر من ذلك ما تيسّر لنا ذكره.
قال عماد الدين الكاتب:
حسبت ما أطلقه السلطان بمرج عكا من خيل عراب وأكاديش (١) للحاضرين معه في الجهاد فكان إثنى عشر ألف رأس، وذلك غير ما أطلقه من أثمان الخيل المصابة في القتال، ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، وصاحبه ملازم في طلبه.
وذكر أنه تأخر عنه في بعض أسفاره الأمير أيوب بن كنان، فلما وصل سأله عن سبب تخلفه، فذكر دينا، فأحضر غرماءه وتقبل الدين، وكان إثنى عشر ألف دينار مصرية وكسرا.
стр. 769
وقال:
لما كنا بالقدس سنة ثمان وثمانين [٤٢٤] وخمسمائة كتب إليه سيف الدين (١) بن منقذ - نائبه بمصر - أن واحدا ضمن معاملة بمبلغ، فاستنضّ منها ألفى دينار، وتسحّب، وربما وصل إلى الباب، فتحيّل وتمحّل وكذب، فجاء من أخبر السلطان أن الرجل بالباب، فقال: " قل له: ابن منقذ يطلبك، فاجتهد ألا تقع في عينه "، فعجبنا من حلمه وكرمه بعد أن قلنا: قدم الرجل إلى حتفه بقدمه.
وذكر أنه حوسب صاحب ديوانه (٢) فكانت سياقة (٣) الحساب عليه سبعين ألف دينار [باقية عليه] (٤)، فما طلبها ولا ذكرها، وأراه أنه ما عرفها، على أن صاحب الديوان ما أنكرها، ثم لم يرض بالعطلة له فولاّه ديوان جيشه.
стр. 770
وذكر من ورعه أنه قال:
" رأى لى يوما دواة محلاة بالفضة فأنكرها، وقال: هذا حرام، فقلت له على سبيل المدافعة والممانعة والمناظرة: أو ليس يحل حلية السلاح واستصحابه في الكفاح؟ ودواتى أنجع، ومداد دواتى أنفع، ويراع يراعتى القصير أطول، وسلاح قلمى أحد وأفتك وأقتل، وما اجتمعت هذه العساكر الإسلامية إلا بقلمى، ولا تفرقت جموع الكفر إلا بكلمها بجوامع كلمى، فقال: ليس هذا دليلا صالحا، فقلت له: إن الشيخ أبا محمد والد إمام الحرمين قد ذكر وجها في جوازه ".
ثم لم أعد بعدها أكتب بتلك الدواة عنده.
وقال:
وما رأيته صلى إلا في جماعة، ولا أخّر صلاة عن وقتها، وكان له إمام راتب ملازم، فإن غاب صلى به من حضر من أهل العلم، وكان إذا عزم على أمر من الأمور توكل على الله تعالى، ولا يفضل يوما على يوم، ولا زمانا على زمان.
وحكى القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ قال:
" كان للسلطان ﵀ ركعات يركعها قبل الصبح إن استيقظ بوقت من الليل، وإلا أتى بها قبل صلاة الصبح، قال: لقد رأيته يصلى في المرضة التي مات فيها قائما، وما ترك الصلاة إلا في الأيام الثلاثة التي تغيب فيها ذهنه.
وذكر من عدله:
أنه استغاث إليه رجل من أهل دمشق يقال له " ابن زهر " على تقى الدين ابن أخيه، فأنفذ إليه ليحضر في مجلس الحكم فما خلّصه إلا أن أشهد عليه [٤٢٥] شاهدين أنه قد وكل للقاضى أمين الدين أبى القاسم - قاضى حماة - في المخاصمة
стр. 771
فأقاما (١) الشهادة عندى في مجلسه، فأمرت أمين الدين بمساواة الخصم فساواه، وكان القاضى أمين الدين أبو القاسم الحموى - قاضى حماة - من أكابر جلساء السلطان، ثم جرت المحاكمة بينهما، واتجهت [اليمين] (٢) على الملك المظفر تقى الدين، وكان من أعز الناس على السلطان وأعظمهم عنده.
قال القاضى بهاء الدين:
" وكنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل على رجل تاجر معروف يسمى (٣) " عمر الخلاطى "، ومعه كتاب حكمى، وسأل فتحه، وقال:
خصمى السلطان، وهذا بساط الشرع، وقد سمعت أنك لاتحابى "
فقلت:
" وفى أي قضية هو خصمك؟ "
فقال:
إن سنقر الخلاطى هو مملوكى، ولم يزل على ملكى إلى أن مات، وكان في يده أموال عظيمة كلها لى، ومات عنها واستولى عليها السلطان، وأنا مطالبه "
فقلت:
" يا شيخ، وما الذى أقعدك إلى هذه الغاية؟ "
فقال:
" الحقوق لا تبطل بالتأخير، وهذا الكتاب الحكمى ينطق بأنه لم يزل في ملكى إلى أن مات "
стр. 772
فأخذت الكتاب وتصفحت مضمونه، فوجدته يتضمن: حلية سنقر الاخلاطى، وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بأرجيش (١) في اليوم الفلانى في الشهر الفلانى من سنة كذا، وأنه لم يزل في يده إلى أن شذّ عن يده في سنة كذا، وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن يده بوجه ما، وتمم (٢) الشرط إلى آخره.
فتعجبت من هذه القصة، وأعلمت السلطان بذلك، فأحضره واستدناه، حتى جلس بين يدى، وكنت إلى جانبه، ثم انفرك عن طراحته حتى ساواه ﵀، ثم ادعى الرجل، وفتح كتابه، وقرأ تاريخه؛ فقال السلطان.
" [إن لى] (٣) من يشهد أن هذا سنقر في هذا التاريخ كان ملكى وفى يدى في بمصر، وأنى اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة، وأنه لم يزل في يدى وملكى إلى أن أعتقته "
ثم أحضر جماعة من أعيان الأمراء المجاهدين فشهدوا بذلك، وحكوا القصة [٤٢٦] على ما ذكره، وذكروا التاريخ كما ادعاه السلطان، [فأبلس الرجل، فقلت له: " يا مولانا هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلبا لمراحم السلطان] (٤) وقد حضر بين يدى المولى، وما يحسن أن يرجع خائب القصد، فقال: " هذا باب آخر "؛ وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة ".
стр. 773
وحكى من بسالته وشجاعته:
أنه كان إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبى واحد، وعلى يده جيب، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة يرتب الأطلاب، ويأمرهم بالوقوف في مواضع يراها.
ولقد قرئ عليه جزء من الحديث بين الصفين، وذلك أنى قلت له: قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة، وما نقل أنه سمع بين الصفين، فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسا، فأذن فيه، فأحضر جزءا هناك مما له به سماع، فقرئ عليه، ونحن على ظهور الدواب بين الصفين، نمشى تارة ونقف أخرى.
ولقد انهزم المسلمون يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله، ووقع الكوس والعلم، وهو ثابت القدم في نفر يسير، وقد انحاز إلى الجبل، فجمع الناس وردّهم وخجلهم حتى يرجعوا، ولم يزل كذلك حتى كثر المسلمون على العدو، وفى ذلك اليوم قتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين فارس وراجل، ولم يزل مصابرا لهم إلى أن صالحهم حين رأى ظهور ضعف المسلمين، ورأى المصلحة لهم في ذلك.
وحكى من قوة عزمه على الجهاد وشغفه به قال:
" لما أخذ السلطان كوكب في ذى القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وأعطى العساكر دستورا، وأخذ عسكر مصر في العود إلى مصر، وكان مقدمه أخاه الملك العادل، فسار ليودعه ويحظى بصلاة العيد في القدس، ففعل، ووقع له أن يمضى معهم إلى عسقلان ويودعهم، ثم يعود على طريق الساحل يتفقد البلاد الساحلية إلى عكا، ويرتب أحوالها، فأشاروا عليه ألا يفعل، فإن العساكر إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور، وهذه مخاطرة عظيمة، فلم يلتفت، وودّع أخاه والعسكر بعسقلان، ثم سرنا على الساحل طالبين عكا،
стр. 774
وكان الزمان عظيما، والبحر هائجا هيجانا عظيما، وموجه كالجبال [٤٢٧] كما قال الله تعالى، وكنت حديث عهد برؤية البحر، فعظم أمر البحر عندى، حتى خيّل إلىّ أنه لو قال لى قائل لو جزت في البحر ميلا واحدا ملكتك الدنيا لما كنت أفعل، واستخففت برأى من يركب البحر رجاء كسب دينار أو درهم، واستحسنت رأى من لا يقبل شهادة راكب البحر، هذا كله خطر ببالى لعظم الهول الذى شاهدته من عظم البحر وتموجه، فبينا أنا في ذلك إذ التفت إلى وقال:
" في نفسى أنه متى يسّر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت، وركبت هذا البحر إلى جزائره، وأتبعهم فيها حتى لا أبقى على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت "
فعظم وقع هذا الكلام عندى حيث ناقض ما كان يخطر لى، وقلت له:
" ليس في الأرض أشجع نفسا من المولى، ولا أقوى نية في نصرة دين الله "
وحكيت له ما خطر لى، ثم قلت له:
" هذه نية جميلة، ولكن المولى يسير في البحر العساكر، ويبقى سور الإسلام، ولا ينبغى أن يخاطر بنفسه ".
قال:
" فأنا أستفتيك، ما أشرف الميتات؟ "
قلت:
" الموت في سبيل الله "
فقال:
" غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات ".
стр. 775
قال:
ولقد مرض السلطان ونحن على الخروبة، وكان قد تأخر عن تل الحجل بسبب مرضه، فبلغ العدو ذلك، فخرجوا طمعا أن ينالوا من المسلمين شيئا بسبب مرضه، وهى نوبة النهر، فخرجوا مرحلة إلى الآبار إلى تحت التل، ثم رحل العدو في اليوم الثانى يطلبنا، فركب ﵀ على مضض، ورتب العسكر للحرب، وجعل أولاده في القلب، ونزل هو وراء القلب في طلبه، وكلما سار العدو يطلب رأس النهر سار وهو يستدير إلى ورائهم، حتى يقطع بينهم وبين خيامهم، وهو يركب ﵀ ساعة، وينزل يستريح، ويظلل بمنديل على رأسه من شدة وقع الحر، ولا ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو به ضعفا.
ولم يزل كذلك حتى نزل العدو برأس النهر، ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم، إلى أن دخل الليل، ثم أمر العساكر أن يعودوا إلى محل المصابرة، وأن يبيتوا تحت السلاح، [٤٢٨] وتأخر هو إلى وراء الجبل، وضربت له خيمة لطيفة.
قال:
فبت تلك الليلة أجمع، أنا والطبيب نمرضه ونشاغله، وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى، حتى لاح الصباح، ثم ضرب البوق، وركب ﵀، وركبت العساكر، وأحدقت بالعدو، ورحل العدو عائدا إلى خيمه من الجانب الغربى من النهر، وضايقه المسلمون مضايقة شديدة.
وفى ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتسابا: الأفضل، والظاهر، والظافر، وجميع من حضره منهم، ولم يزل يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب، وعارض الجيش، والغلمان بأيديهم الأعلام والبيارق لا غير، فيفطن الرائى لها