فأقاما (١) الشهادة عندى في مجلسه، فأمرت أمين الدين بمساواة الخصم فساواه، وكان القاضى أمين الدين أبو القاسم الحموى - قاضى حماة - من أكابر جلساء السلطان، ثم جرت المحاكمة بينهما، واتجهت [اليمين] (٢) على الملك المظفر تقى الدين، وكان من أعز الناس على السلطان وأعظمهم عنده.
قال القاضى بهاء الدين:
" وكنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل على رجل تاجر معروف يسمى (٣) " عمر الخلاطى "، ومعه كتاب حكمى، وسأل فتحه، وقال:
خصمى السلطان، وهذا بساط الشرع، وقد سمعت أنك لاتحابى "
فقلت:
" وفى أي قضية هو خصمك؟ "
فقال:
إن سنقر الخلاطى هو مملوكى، ولم يزل على ملكى إلى أن مات، وكان في يده أموال عظيمة كلها لى، ومات عنها واستولى عليها السلطان، وأنا مطالبه "
فقلت:
" يا شيخ، وما الذى أقعدك إلى هذه الغاية؟ "
فقال:
" الحقوق لا تبطل بالتأخير، وهذا الكتاب الحكمى ينطق بأنه لم يزل في ملكى إلى أن مات "
стр. 772
فأخذت الكتاب وتصفحت مضمونه، فوجدته يتضمن: حلية سنقر الاخلاطى، وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بأرجيش (١) في اليوم الفلانى في الشهر الفلانى من سنة كذا، وأنه لم يزل في يده إلى أن شذّ عن يده في سنة كذا، وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن يده بوجه ما، وتمم (٢) الشرط إلى آخره.
فتعجبت من هذه القصة، وأعلمت السلطان بذلك، فأحضره واستدناه، حتى جلس بين يدى، وكنت إلى جانبه، ثم انفرك عن طراحته حتى ساواه ﵀، ثم ادعى الرجل، وفتح كتابه، وقرأ تاريخه؛ فقال السلطان.
" [إن لى] (٣) من يشهد أن هذا سنقر في هذا التاريخ كان ملكى وفى يدى في بمصر، وأنى اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة، وأنه لم يزل في يدى وملكى إلى أن أعتقته "
ثم أحضر جماعة من أعيان الأمراء المجاهدين فشهدوا بذلك، وحكوا القصة [٤٢٦] على ما ذكره، وذكروا التاريخ كما ادعاه السلطان، [فأبلس الرجل، فقلت له: " يا مولانا هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلبا لمراحم السلطان] (٤) وقد حضر بين يدى المولى، وما يحسن أن يرجع خائب القصد، فقال: " هذا باب آخر "؛ وتقدم له بخلعة ونفقة بالغة ".
стр. 773
وحكى من بسالته وشجاعته:
أنه كان إذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ومعه صبى واحد، وعلى يده جيب، ويخرق العساكر من الميمنة إلى الميسرة يرتب الأطلاب، ويأمرهم بالوقوف في مواضع يراها.
ولقد قرئ عليه جزء من الحديث بين الصفين، وذلك أنى قلت له: قد سمع الحديث في جميع المواطن الشريفة، وما نقل أنه سمع بين الصفين، فإن رأى المولى أن يؤثر عنه ذلك كان حسا، فأذن فيه، فأحضر جزءا هناك مما له به سماع، فقرئ عليه، ونحن على ظهور الدواب بين الصفين، نمشى تارة ونقف أخرى.
ولقد انهزم المسلمون يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله، ووقع الكوس والعلم، وهو ثابت القدم في نفر يسير، وقد انحاز إلى الجبل، فجمع الناس وردّهم وخجلهم حتى يرجعوا، ولم يزل كذلك حتى كثر المسلمون على العدو، وفى ذلك اليوم قتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين فارس وراجل، ولم يزل مصابرا لهم إلى أن صالحهم حين رأى ظهور ضعف المسلمين، ورأى المصلحة لهم في ذلك.
وحكى من قوة عزمه على الجهاد وشغفه به قال:
" لما أخذ السلطان كوكب في ذى القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وأعطى العساكر دستورا، وأخذ عسكر مصر في العود إلى مصر، وكان مقدمه أخاه الملك العادل، فسار ليودعه ويحظى بصلاة العيد في القدس، ففعل، ووقع له أن يمضى معهم إلى عسقلان ويودعهم، ثم يعود على طريق الساحل يتفقد البلاد الساحلية إلى عكا، ويرتب أحوالها، فأشاروا عليه ألا يفعل، فإن العساكر إذا فارقتنا نبقى في عدة يسيرة والفرنج كلهم بصور، وهذه مخاطرة عظيمة، فلم يلتفت، وودّع أخاه والعسكر بعسقلان، ثم سرنا على الساحل طالبين عكا،
стр. 774
وكان الزمان عظيما، والبحر هائجا هيجانا عظيما، وموجه كالجبال [٤٢٧] كما قال الله تعالى، وكنت حديث عهد برؤية البحر، فعظم أمر البحر عندى، حتى خيّل إلىّ أنه لو قال لى قائل لو جزت في البحر ميلا واحدا ملكتك الدنيا لما كنت أفعل، واستخففت برأى من يركب البحر رجاء كسب دينار أو درهم، واستحسنت رأى من لا يقبل شهادة راكب البحر، هذا كله خطر ببالى لعظم الهول الذى شاهدته من عظم البحر وتموجه، فبينا أنا في ذلك إذ التفت إلى وقال:
" في نفسى أنه متى يسّر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت، وركبت هذا البحر إلى جزائره، وأتبعهم فيها حتى لا أبقى على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت "
فعظم وقع هذا الكلام عندى حيث ناقض ما كان يخطر لى، وقلت له:
" ليس في الأرض أشجع نفسا من المولى، ولا أقوى نية في نصرة دين الله "
وحكيت له ما خطر لى، ثم قلت له:
" هذه نية جميلة، ولكن المولى يسير في البحر العساكر، ويبقى سور الإسلام، ولا ينبغى أن يخاطر بنفسه ".
قال:
" فأنا أستفتيك، ما أشرف الميتات؟ "
قلت:
" الموت في سبيل الله "
فقال:
" غاية ما في الباب أن أموت أشرف الميتات ".
стр. 775
قال:
ولقد مرض السلطان ونحن على الخروبة، وكان قد تأخر عن تل الحجل بسبب مرضه، فبلغ العدو ذلك، فخرجوا طمعا أن ينالوا من المسلمين شيئا بسبب مرضه، وهى نوبة النهر، فخرجوا مرحلة إلى الآبار إلى تحت التل، ثم رحل العدو في اليوم الثانى يطلبنا، فركب ﵀ على مضض، ورتب العسكر للحرب، وجعل أولاده في القلب، ونزل هو وراء القلب في طلبه، وكلما سار العدو يطلب رأس النهر سار وهو يستدير إلى ورائهم، حتى يقطع بينهم وبين خيامهم، وهو يركب ﵀ ساعة، وينزل يستريح، ويظلل بمنديل على رأسه من شدة وقع الحر، ولا ينصب له خيمة حتى لا يرى العدو به ضعفا.
ولم يزل كذلك حتى نزل العدو برأس النهر، ونزل هو قبالتهم على تل مطل عليهم، إلى أن دخل الليل، ثم أمر العساكر أن يعودوا إلى محل المصابرة، وأن يبيتوا تحت السلاح، [٤٢٨] وتأخر هو إلى وراء الجبل، وضربت له خيمة لطيفة.
قال:
فبت تلك الليلة أجمع، أنا والطبيب نمرضه ونشاغله، وهو ينام تارة ويستيقظ أخرى، حتى لاح الصباح، ثم ضرب البوق، وركب ﵀، وركبت العساكر، وأحدقت بالعدو، ورحل العدو عائدا إلى خيمه من الجانب الغربى من النهر، وضايقه المسلمون مضايقة شديدة.
وفى ذلك اليوم قدم أولاده بين يديه احتسابا: الأفضل، والظاهر، والظافر، وجميع من حضره منهم، ولم يزل يبعث من عنده حتى لم يبق عنده إلا أنا والطبيب، وعارض الجيش، والغلمان بأيديهم الأعلام والبيارق لا غير، فيفطن الرائى لها
стр. 776
من البعد أن تحتها خلقا كثيرا، وليس تحتها إلا واحد [يعدّ] (١) بخلق عظيم، وبقى في موضعه والعساكر على ظهور الخيل قبالة العدو إلى آخر النهار وإلى آخر الليل، ثم أمرهم أن يبيتوا على [مثل] (١) ما باتوا عليه بارحتهم، وبتنا على ما بتنا عليه إلى الصباح، وعاد العسكر إلى ما كان عليه بالأمس من مضايقة العدو.
قال:
ولقد رأيته وقد جاءه خبر [وفاة] (١) ولد له بالغ أو مراهق يسمى إسماعيل، فوقف على الكتاب، ولم يعرّف أحدا حتى سمعناه من غيره، ولم يظهر عليه شئ من ذلك، سوى أنه لما قرأه دمعت عيناه ﵀.
قال:
ولقد رأيته وقد وصله خبر وفاة، الملك المظفر تقى الدين ﵀ ونحن في مقابلة الفرنج جريدة على الرملة، وفى كل ليلة تقع الصيحة فتقلع الخيام، ويقف الناس على ظهر إلى الصباح، والعدو يبارز (٢) وبيننا وبينهم شوط فرس لا غير، فأحضر الملك العادل، وسليمان بن جندر، وعز الدين ابن المقدم، وسابق الدين بن الداية، وأمر الناس فبعدوا عن الخيمة بحيث لم يبق حولنا أحد عن غلوة سهم، ثم أظهر الكتاب ووقف عليه، وبكى بكاء شديدا حتى أبكانا من غير أن نعلم السبب، ثم قال ﵀ والعبرة تخنقه:
" توفى تقى الدين "، فاشتد بكاؤه، وبكى الجماعة، ثم عدت إلى نفسى، فقلت:
" استغفروا الله من هذه الحالة، وانظروا أين أنتم وفيم أنتم، واعرضوا عما سواه ".
стр. 777
فقال ﵀:
[٤٢٩] " نعم، أستغفروا الله "، وأخذ يكررها.
ثم قال: " لا يعلم هذا أحد ".
ثم ذكر بهاء الدين ﵀ من حسن خلقه، قال:
كنت في خدمته بمرج عيون قبل خروج الفرنج إلى عكا - يسّر الله فتحها -، وكان من عادته أنه إذا نزل من الركوب يمد الطعام، ويأكل مع الناس، ثم ينهض إلى خيمة خاص له ينام فيها، ثم يستيقظ من منامه، [ويصلى] (١) ويجلس خلوة، وأنا في خدمته، يقرأ شيئا من الحديث أو شيئا من الفقه، ولقد قرأ علىّ كتابا مختصرا لسليم الرازى، يشتمل على الأرباع الأربعة في الفقه.
ونزل يوما على عادته ومد الطعام بين يديه، ثم عزم على النهوض، فقيل له:
" إن وقت الصلاة قد قرب "، فعاد إلى الجلوس، وقال:
" نصلى وننام ".
ثم جلس يتحدث حديث متضجر، وقد أخلى المكان إلا عمن لزم، فتقدم إليه مملوك كبير محترم عنده، وعرض عليه قصة لبعض المجاهدين، فقال له:
" أنا الآن ضجر أخرها ساعة ".
стр. 778
فلم يفعل، وقدّم القصة بيده إلى قريب من وجهه بحيث يقرأها، فوقف على الاسم المكتوب على رأسها، فعرفه، وقال: " رجل يستحق "، فقال:
" يوقع له المولى "، فقال:
" ليست الدواة حاضرة "، وكان جالسا على باب الخركاة (١)، فالتفت فرأى الدواة فقال:
" والله لقد صدق ".
ثم امتد على يده اليسرى، ومد يده اليمنى فأحضرها، ووقع فيها.
فقلت له:
قال الله تعالى:
﴿" وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ "﴾ وما أرى المولى إلا وقد شاركه في هذا الخلق.
فقال: " ما ضرنا شئ، قضينا حاجته وحصل الثواب ".
قال:
ولقد كانت طراحته تداس عند التزاحم عليه لعرض القصص، وهو لا يتأثر بذلك.
قال:
ولقد نفرت بغلتى من الجمال، وأنا راكب في خدمته، فزحمت وركه حتى لمته، وهو يبتسم.
стр. 779
قال:
لقد دخلت بين يديه في يوم ريح مطير إلى القدس، وكان إذ ذاك كثير الوحل، فنضحت البغلة عليه من الطين حتى أهلكت جميع ما كان عليه، وهو يبتسم، وأردت التأخر عنه لذلك، فما تركنى.
ولقد واجهه الجناح بما واجهه به لما امتنع العسكر [٤٣٠] عن الأنكلتير، وقد تقدم ذكر ذلك في موضعه، وظن الناس أنه ربما يصلب أو يقتل، وفى ذلك اليوم نزل ببازور وقد وصله من دمشق فاكهة كثيرة، فطلب الأمراء ليأكلوا، فحضروا، فرأوا من بشره وانبساطه ما أحدث لهم الأمن والطمأنينة والسرور.
قال:
ولقد قلبت في خزائنه كيسان من الذهب المصرى وكيسان (١) من الفلوس، فما عمل بالنواب شيئا سوى أنه صرفهم عن العمل.
قال:
لقد كان حافظا لأنساب العرب، [و] خيلهم، عالما بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان يستفيد محاضره منه ما لا يسمعه من غيره.
قال:
وكان يسأل الواحد منا عن مرضه ومداواته، ومطعمه ومشربه، وتقلبات أحواله.
وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحدا إلا بالخير، وطاهر السمع فلا يحب أن يسمع عن أحد إلا الخير، وطاهر اللسان، فما رأيته أولع بشتم قط، وطاهر القلم فما كتب بقلمه أذى لمسلم قط.
стр. 780
وكان حسن العقد والوفاء، وما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفه، وجبر قلبه، وأعطاه خبز مخلفه، وإن كان له من أهله كبير يعتمد عليه سلّمه إليه، وإلا أبقى له من الخبز ما يكف حاجته، وسلمه إلى من يكفله، ويعتنى بتربيته.
قال عماد الدين الكاتب:
مات لموت السلطان الملك الناصر الرجال، وفات بفواته الأفضال، وغاضت الأيادى، وفاضت الأعادى، وانقطعت الأرزاق، وادلهمت الآفاق، وخاب الراجون، وعاب الملاحون، وطردت الضيوف، وأنكر المعروف، وفجع الزمان بواحده وسلطانه، ورزئ الإسلام بمشيد أركانه؛ كان ﵀ حسن الأخلاق، طيب الأعراق، ضحوكا بمهابة، محوما بجلالة، يرشد إلى الهدى، ويهدى إلى الرشاد، معصب الكبائر، ولا يسامح بالصغائر، العاملون في عدله، والعالمون في فضله، والبلاد في أمنه، والعباد في منّه، والإسلام في حماية حميته، والدين في إدالة دولته.
ثم ذكر من هذا كثيرا، ولقد صدق في كل ما ذكر ووصفه به ﵀ [٤٣١] ومدّ روحه -
стр. 781
الملاحق
стр. 782
(١)
سجل بقلم القاضى الفاضل صادر عن الخليفة العاضد بتولية أسد الدين شيركوه الوزارة بعد قتل شاور
عن (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ١٠، ص ٨٠ - ٩٠) و (الحنبلى: مخطوطة شفاء القلوب في مناقب بنى أيوب: ص ٨ أ - ١٠ أ) وكتب القاضى الفاضل عن أسد الدين شيركوه بالوزارة عن العاضد الفاطمى، والوزارة يومئذ قائمة مقام السلطنة، وهذه نسخته:
" من عبد الله ووليّه، عبد الله أبى محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين:
إلى السيد، الأجل، الملك، المنصور، سلطان الجيوش، ولىّ الأمة، فخر الدولة، أسد الدين، كافل قضاة المسلمين، وهادى دعاة المؤمنين، أبى الحرث شيركوه العاضدى، عضّد الله به الدين، وأمتع بطول بقائه أمير المؤمنين، وأدام قدرته وأعلى كلمته.
[٨١] سلام عليك: فإن أمير المؤمنين يحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلى على سيدنا محمد خاتم النبيين، وسيد المرسلين؛ صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديين، وسلّم تسليما كثيرا.
أما بعد، فالحمد لله القاهر فوق عباده، الظاهر على من جاهر بعناده، القادر الذى يعجز الخلق عن دفع ما أودع ضمائر الغيوب من مراده، القوى على تقريب ما عزبت (١) الهمم باستبعاده، الملى بحسن الجزاء لمن جاهد في الله حق جهاده، مؤتى الملك من يشاء بما أسلفه من ذخائر رشاده، ونازعه ممن يشاء بما اقترفه من كبائر فساده، منجد أمير المؤمنين بمن أمضى في نصرته العزائم، واستقبله الأعداء بوجوه الندم وظهور الهزائم، وفعلت له المهابة ما لا تصنع الهمم، وخلعت آثاره على
стр. 783
الدنيا ما تخلعه الأنوار على الظلم؛ وعدمت نظراؤه بما وجد من محاسنه التي فاق بها ملوك العرب والعجم، وانتقم الله به ممن ظلم نفسه وإن ظنّ الناس أنه ظلم، وذاد عن موارد أمير المؤمنين من هو [منه] أولى بها ويأبى الله إلا إمضاء ما حتم، ورام إخفاء فضائله وهل يشتهر طيب المسك إلا إذا اكتتم، مؤيد أمير المؤمنين بإمام أقرّ الله به عينهم، وقضى على يده من نصرة الدين دينهم:
﴿" لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ "﴾ (١)
والحمد لله الذى خصّ جدّنا محمدا بشرف الاصطفاء والاجتباء، وأنهضه من الرسالة بأثقل الأعباء، وذخر له من شرف المقام المحمود أشرف الأنصباء، وأقام به القسطاس، وطهّر به من الأدناس؛ وأيّده بالصابرين في البأساء والضراء وحين الباس، [٨٢] وألبس شريعته من مكارم الأفعال والأقوال أحسن لباس، وجعل النور ساريا منه في عقبه لا ينقصه كثرة الاقتباس: ﴿" ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ "﴾ (٢).
والحمد لله الذى اختار أمير المؤمنين لأن يقوم في أمته مقامه، وهدى بمراشد نوره إلى طرق دار المقامه، وأوضح به منار الحق وأعلامه؛ وجعله شهيد عصره، وحجة أمره، وباب رزقه، وسبيل حقه، وشفيع أوليائه، والمستجار من الخطوب بلوائه، والمضمونة لذويه العقبى، والمسئول له الأجر في القربى، والمفترض الطاعة على كل مكلّف، والغاية التي لا يقصر عنها بولائه إلا من تأخّر في مضمار النجاة وتخلّف، والمشفوع الذكر بالصلاة والتسليم، والهادى إلى الحق وإلى طريق مستقيم، لا يقبل عمل إلا بخفارة ولائه، ولا يضلّ من استضاء بأنجم هدايته اللامعه، ولا دين إلا به ولا دنيا إلا معه،
стр. 784
ليتضح النهج القاصد، ولتقوم الحجة على الجاحد؛ وليكون لشيعته إلى الجنة نعم الشافع والرائد، وليأتى الله به بنيان الأعداء من القواعد، وليبيّن لهم الذى اختلفوا فيه وليعلموا أنما هو إله واحد.
يحمده أمير المؤمنين على ما حباه من التأييد الذى ظهر فبهر، وانتشر فعمّ نفعه البشر، والإظهار الذى اشترك فيه جنود السماء والأرض، والإظفار الذى عقد الله منه عقدا لا تدخل عليه أحكام النقض، والانتصار الذى أبان الله به معنى قوله:
﴿" وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ "﴾ (١).
ويسأله أن يصلى على سيدنا محمد الأمين، المبعوث رسولا في الأميين، الهادى إلى دار الخلود، المستقل بيانه استقلال عواثر الجدود، والمعدود أفضل نعمة على أهل الوجود، والصافية بشريعته مشارع النعمة، والواضحة به الحنيفية البيضاء [٨٣] لئلا يكون أمر الخلق عليهم غمّة؛ وعلى أبينا أخيه وابن عمه أمير المؤمنين على بن أبى طالب ناصر شريعته وقسيمه في النسب والسبب، ويد الحق التي حكم لها في كل طلب بالغلب؛ وعلى الأئمة من ذريتهما وسائط الحكم، ومصابيح الظلم، ومفاتيح النعم؛ والمخفقين دعوى من باهاهم وفاخر، والباذلين جهدهم في جهاد من اتخذ مع الله إلها آخر، وسلّم وردّد، ووالى وجدّد.
وإن أمير المؤمنين لما فوّضه الله تعالى إليه من إيالة الخليقة، ومنحه من كرم السجيّة وكرم الخليقة، وبسطه من يده على أهل الخلاف، وأنجزه من موعوده الذى ليس له إخلال ولا إخلاف، وأوضحه من براهين إمامته للبصائر، وحفظ به على الإسلام من طليعة المبادئ وساقة المصاير، وأورثه من المقام الذى لا ينبغى إلا له في عصره، واستخدم فيه السيوف والصروف من تأدية فرائض
стр. 785
نصره، وأظهر له من المعجزات التي لا يخلو منها زمن، وظاهر له من الكرامات، التي زادت على أمنية كل متمن، وأتمنه عليه من أسرار النبوة التي رآه الله تعالى لها أشرف مودع وعليها أكرم مؤتمن؛ وأجرى عليه دولته من تذليل الصعاب وتسهيل الطلاب، وتفليل أحزاب الشرك إذا اجتمعوا كما اجتمع على جده - صلى الله عليهم وسلم - أهل الأحزاب، يواصل شكر هذه النعم التوام، ويعرف بعوارفها الفرادى والتؤام، ويقدم بين يدى كل عمل رغبة إليه في إيضاح المراشد، ونية لا تضل عنها الهداية ولا سيما وهو الناشد، ويستخيره عالما أنه يقدّم إليه أسباب الخير، ويناجيه فيطلعه الإلهام على ما يحلى السير ويجلى الغير؛ ويأخذ بيد الله حقّه إذا اغتصبت حقوقه، ويستنجد بالله إذا استبيح خلافه واستجيز عقوقه؛ ويفزع إلى الله تعالى إذا قرع الضائر، ويثق بوعد الله تعالى إذا استهلكت الشّبه البصائر؛ فما اعترض ليل كربة إلا انصدع [٨٤] له عن فجر وضّاح، ولا اننقض عقد غادر إلا عاجله الله سبحانه بأمر فضّاح؛ ولا انقطعت سبل نصرة إلا وصلها الله تعالى بمن يرسله ولا انصدعت عصا ألفة إلا تدارك الله تعالى بمن يجردّه تجريد الصّفاح.
وإذا عدّد أمير المؤمنين هذه النعم الجسيمة، والمنح الكريمة؛ واللطائف العظيمة، والعوارف العميمة، والآيات المعلومة، والكفايات المحتومة، والعادات المنظومة، كنت أيها السيد الأجل - أدام الله قدرتك، وأعلى كلمتك - أعظم نعم الله تعالى أثرا، وأعلاها خطرا، وأقضاها للامة وطرا؛ وأحقها بأن تسمى نعمة، وأجدرها بأن تعدّ رحمة، وأسماها أن تكشف غمّة، وأنضاها في سبيل الله سبحانه عزمه؛ وأمضاها على الأعداء حدّا، وأبداها في الجهاد جدّا، وأعداها على الأعداء يدا، وأحسنها فعلا لليوم وأرجاها غدا؛ وأفرجها للازمة وقد كادت الأمة تصير سدى، وأحق الأولياء بأن يدعى للأولياء سيدا، وأبقاهم فعلة لا ينصرم فعلها الذى بدا أبدا.
стр. 786
فليهنئك أنك حزب الله الغالب، وشهاب الدين الثاقب، وسيف الله القاضب، وظلّ أمير المؤمنين الممدود، ومورد نعمته المورود، والمقدّم في نفسه وما نؤخره إلا لأجل معدود؛ نصرته حين تناصر أهل الضلال، وهاجرت إليه هاجرا برد الزّلال وبرد الظّلال؛ وخضت بحار الأهوال، وفى يدك أمواج البصال؛ وها في جيدك اليوم عقد جواهر منه ونظم لآل، بل قد بلغت السماء وزينت منك بنجوم نهار لا نجوم ليال؛ وكشّفت الغماء وهى مطبقة، ورفعت نواظر أهل الإيمان وهى مطرقة؛ وعقصت أعنّة الطغيان وهى مطلقه، وأعدت بحنكتك على الدولة العلويّة بهجة شبابها المونقه، وأنقذت الإسلام وهو على شفى جرف هار، ونفذت حين لا تنفذ [٨٥] السهام عن الأوتار؛ وسمعت دعوته على بعد الدار، وأبصرت حقّ الله ببصيرتك وكم من أناس لا يرونه بأبصار؛ وأجليت طاغية الكفر وسواك اجتذبه، وصدقت الله سبحانه حين داهنه من لا بصيرة له وكذّبه، وأقدمت على الصليب وجمراته متوقدة، وقاتلت أولياء الشيطان وغمراته متمردة.
وما يومك في نصرة الدولة بواحد، ولا أمسك مجحود وإن رغم أنف الجاحد، بل أوجبت الحقّ بهجرة بعد هجرة، وأجبت دعوة الدين قائما بها في غمرة بعد غمرة، وافترعت صهوة هذا المحل الذى رقّاك إليه أمير المؤمنين باستحقاقك، وأمات الله العاجزين بما في صدورهم من حسرات لحاقك، وكنت البعيد القريب نصحه، المحجوب النافذ بحجته المذعورة أعداء أمير المؤمنين [به] إن فوّق سهمه أو أشرع رمحه، وما ضرّك أن سخطك أعداء أمير المؤمنين وأمير المؤمنين قد ارتضاك، ولا أن منعك المعاند حقّك وقد قضى لك واقتضاك، وما كان في محاجزتك عن حظك من خدمة أمير المؤمنين الذى أنت به منه أولى، ومدافعتك عن حقك في قرب مقامه الذى لا يستطيع طولا، إلا مغالبة الله فيك والله غالب على أمره، ومباعدتك وقد قربك الله من سر أمير المؤمنين وإن بعدت من جهره.
стр. 787
استشرفتك الصدور، وتطلعت إليك عيون الجمهور، واستوجبت عقيلة النعم بما قدمت من المهور، ونصرت الإيمان بأهله، وأظهرت الدين بمظاهرتك على الدين كلّه، وناهضت الكفرة بالباع الأشد، والرأى الأسد، ونادتهم سيوفك - ولا قرار على زأر من الأسد - وأدال الله بك ممن قدم على ما قدّم، وندم فما أغنى عنه الندم، حين لجّ في جهالته، وتمادى في ضلالته، واستمر على استطالته، وتوالت منه عثرات ما أتبعها باستقالته، فكم اجتاح للدولة رجالا، وضيّق من أرزاقهم مجالا، وسلب من خزائنها ذخائر وأسلحة وأموالا، ونقلها من أيدى أوليائها إلى أعداء الله ﵎، واتسعت هفواته من التعديد [٨٦] وما العهد منها ببعيد.
وقد نسخ الله تعالى بك حوادثها فوجب أن تنسخ أحاديثها، وأتى الأئمة منك بمن هو وليّها، والأمة بمن هو مغيثها، ودعاك إمام عصرك بقلبه ولسانه وخطه - على بعد الدار -، وتحقق أنك تتصرف معه حيث تصرّف وتدور معه حيت دار، واختارك على ثقة من أنّ الله تعالى يحمده فيك عواقب الاختيار، ورأى لك إقدامك ورقاب الشرك صاغرة، وقدومك وأفواه المخاوف فاغرة، وكرّتك في طاعته وأبى الله تعالى أن تكون خاسره، وسطابك حين تمالى بك المشركون، وتمثّل لرسلهم بقوله سبحانه: ﴿" اِخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ "﴾ (١) وأنفت عزته هجنة الهدنة، وقال لأوليائه: ﴿" وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ "﴾ (٢) وازدرى بخنازيرهم انتظارا لوصولك بأسود الإسلام، وصبر على علم أنّك تلبى نداءه بألسنة الأعلام قبل ألسنة الأقلام، فكنت حيث رجا وأفضل، ووجدت بحيث رعى وأعجل، وقدمت فكتب الله لك العلو، وكبت بك العدوّ، وجمع على التوفيق لك طرفى الرواح والغدوّ، ولم يلبس الكافر لسهامك جنّة إلا الفرار وكان ﴿" كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ "﴾ (٣)
стр. 788
فلله درّك حين قاتلت بخبرك قبل عسكرك، ونصرت بأثيرك قبل عشيرك، وأكرم بك من قادم خطواته مبروره، وسطواته للأعداء مبيرة، وكلّ يوم من أيامه يعد سيره، وإنك لمبعوث إلى بلاد أمير المؤمنين بعث السحاب المسخّر، ومقدّم في النيّة وإن كنت في الزمان المؤخر، وطالع بفئة الإسلام غير بعيد أن يفئ الله عليها بلاد الكفار، ورجال جهاد عددناهم عندنا من المصطفين الأخيار، وأبناء جلاد يشترون الجنة بعزائم كالنار، وغرر نصر سكون العدو بعدها غرور ونومه غرار.
ولما جرى من جرى ذكره على عادته في إيحاشك والإيحاش منك بكواذب الظنون، ورام رجعتك عن الحضرة وقد قرّت بك الدار وقرت بك العيون، وكان [٨٧] كما قال الله تعالى في كتابه المكنون: ﴿" لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ "﴾ (١)، هنالك غضبت نفوس الإسلام ففتكت به أيديها، وكشفت له عن غطاء العواقب التي كانت منه مباديها، وأخذه من أخذه أليم شديد، وعدل فيه من قال ﴿" وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ "﴾ (٢)، ﴿" إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ "﴾ (٣).
ولما نشرت لواء الإسلام وطواه، وعضدت الحقّ وأضعف قواه، وجنيت عقبى ما نويت وجنى عقبى ما نواه، وأبيت إلا إمضاء العزم في الشرك وما أمضاه، ﴿" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ "﴾ (٤)، ودفعت الخطب الأشق، وطلعت أنوار النصر مشرقة بك وهل تطلع الأنوار إلا من الشرق؟ وقال لسان
стр. 789
الحق ﴿" فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ "﴾ (١)، قضى الله تعالى إلى أمير المؤمنين عدّة قدّمها ثم قضاها، وولاّه كما ولّى جدّه ﷺ قبلة يرضاها، وانتصر له بك انتصاره لأهل البيت بسلمانه وعمّاره، وأنطق أمير المؤمنين باصطفائك اليوم وبالأمس كنت عقد إضماره.
وقلدّك أمير المؤمنين أمر وزارته، وتدبير مملكته وحياطة ما وراء سرير خلافته، وصيانة ما اشتملت عليه دعوة إمامته، وكفالة قضاة المسلمين، وهداية دعاة المؤمنين، وتدبير ما عدقه الله بأمير المؤمنين من أمور أوليائه أجمعين، وجنوده وعساكره المؤيّدين، المقيمين منهم والقادمين، وكافة رعايا الحضرة بعيدها ودانيها، وسائر أعمال الدول باديها وخافيها، وما يفتحه الله تعالى على يديك من البلاد، وما تستعيده من حقوقه التي اغتصبها الأضداد، وألقى إليك المقاليد بهذا التقليد، وقرّب عليك كلّ غرض بعيد، وناط بك العقد والحل، والولاية والعزل، والمنع [٨٨] والبذل، والرفع والخفض، والبسط والقبض، والإبرام والنقض، والتنبيه والغض، والإنعام والانتقام، وما توجب السياسة امضاءه من الأحكام، تقليدا لا يزال به عقد فخرك نظيما، وفضل الله عليك وفيك عظيما، ﴿" ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً "﴾ (٢).
فتقلد ما قلدك أمير المؤمنين من هذه الرتبة التي تنأخر دونها الأقدام، والغاية التي لا غاية بعدها إلا ما يمليك الله به من الدوام، فلقد تناولتها بيد في الطاعة غير قصيرة، ومساع في خدمة أمير المؤمنين أيامها على الكافرين غير يسيره، وبذلت لها ما مهّد سبلها، ووصلتها بما وصل بك حبلها، وجمعت من أدواتها ما جمع لك شملها، وقال لك لسان الحق ﴿" وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها "﴾ (٣).
стр. 790
وتقوى الله سبحانه: فهى وإن كانت لك عاده، وسبيل لاحب إلى السعادة، فإنها أولى الوصايا بأن تتيمن باستفتاحها، وأحقّ القضايا بأن تبتدئ الأمور بصلاحها، فاجعل تقوى الله أمامك، وعامل بها ربّك وإمامك، واستنجح بها عواقبك ومباديك، وقاتل بها أضدادك وأعاديك، قال الله سبحانه في كتابه المكنون: ﴿" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ "﴾ (١).
والعساكر المنصورة: فهم الذين غذوا بولاء أمير المؤمنين ونعمه، وربّوا في حجور فضله وكرمه، واجتاحهم من لم يحسن لهم النظر، واستباحهم بأيدى من أضرّ لما أصر، وطالما شهدوا المواقف ففرّجوها، واصطلوا المخاوف وتولجوها، وقارعوا [٨٩] الكفّار مسارعين للأعنّه، مقدمين مع الأسنّة، مجرين إلى غايتين: إما إلى النصر وإما إلى الجنة، ودبّروا الولايات فسددوا، وتقلدوا الأعمال فيما تقلدوا.
واعتمد أحمرهم وأسودهم، وأقربهم وأبعدهم، وفارسهم وراجلهم، ورامحهم ونابلهم بتوفير الإقطاع وإدرار النفقات، وتصفية موارد العيش المونقات.
وأحسن لهم السياسة التي تجعل أيديهم على الطاعة متفقة، وعزائمهم في مناضلة أعداء الدين مستبقه، وأجرهم على العادات في تقليد الولايات، واستكفهم لما هم أهله من مهمات التصرفات، وميّز أكابرهم تمييز الناظر بالحقائق، واستنهضهم في الجهاد فهذا المضمار وأنت السابق، وقم في الله تعالى أنت ومن معك فقد رفعت الموانع والعوائق، ليقذف الله بالحق الذى نصرته على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
والشرع الشريف: فأنت كافل قضاته، وهادى دعاته، وهو منار الله تعالى الأرفع، ويده التي تمنع الظلم وتدفع، فقم في حفظ نظامه، وتنفيذ أحكامه، وإقامة حدوده، وإمضاء عقوده، وتشييد أساس الدعوة وبنائها، وتمييز
стр. 791
آخذى عهودها وأبنائها، قيام من يعول في الأمانة على أهل الديانة، ويستمسك بحقوق الله تعالى الحقيقة بالرعاية والصيانة.
والأموال: فهى سلاح العظائم، ومواد العزائم، وعتاد المكارم، وعماد المحارب والمسالم، وأمير المؤمنين يؤمل أن تعود بنظرك عهود النضارة، وأن يكون عدلك في البلاد وكل العمارة.
والرعايا: فقد علمت ما نالهم من إجحاف الجبايات، وإسراف الجنايات، وتوالى عليهم من ضروب النكايات، فاعمر أو طانهم التي أخربها الجور والأذى، وانف عن مواردهم الكدر والقذى، وأحسن حفظ وديعة الله تعالى منهم، وخفّف [٩٠] الوطأة ما استطعت عنهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وكفّ من يعترضهم في عرض هذا الأدنى.
والجهاد: فهو سلطان الله تعالى على أهل العناد، وسطوة الله تعالى التي يمضيها في شر العباد على يد خير العباد، ولك من الغناء فيه مصرا وشاما، وثبات الجأش كرّا وإقداما، والمصاف التي ضربت فكنت ضارب كماتها، والمواقف التي اشتدت فكنت فارج هبواتها، والتدريب الذى أطلق جدّك، والتجريب الذى أورى زندك، ما يغنى عن تجديد الوصايا البسيطة، وتأكيد القضايا المحيطة، وما زلت تأخذ من الكفّار باليمين، وتعظم فتوحك في بلاد الشمال فكيف تكون في بلاد اليمين، فاطلب أعداء الله برا وبحرا واجلب عليهم سهلا ووعراء وقسم بينهم الفتكات قتلا وأسرا، وغارة وحصرا، قال الله تعالى في كتابه المكنون: ﴿" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ "﴾ (١)
стр. 792
وتوفيق الله تعالى يفتح لك أبواب التدبير، وخبرتك تدلك على مراشد الأمر، ﴿" وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ "﴾ (١)، فأنت تبتدع من المحاسن مالا تحيط به الوصايا، وتخترع من الميامن ما يتعرف بركانه الأولياء والرعايا.
والله يحقق لأمير المؤمنين فيك أفضل المخايل، ويفتح على يديك مستغلق البلاد والمعاقل، ويصيب بسهامك من الأعداء النحور والمقاتل، ويأخذ للإسلام بك ماله عند الشرك من الثارات والطوائل، ولا يضيع لك عملك في خدمة أمير المؤمنين إنه لا يضيع عمل عامل، ويجرى الأرزاق والآجال بين سيبك الفاضل وحكمك الفاصل.
فاعلم هذا من أمير المؤمنين ورسمه، واعمل بموجبه وحكمه، إن شاء الله تعالى، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
стр. 793
(٢)
توقيع بخط الخليفة العاضد لدين الله الفاطمى على طرّة التقليد السابق بتولية أسد الدين شيركوه الوزارة
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٩، ص ٤٠٦ - ٤٠٧) هذا عهد لا عهد لوزير بمثله، وتقليد أمانة رآك الله تعالى وأمير المؤمنين أهلا لحمله، والحجّة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله، فخذ كتاب أمير المؤمنين [٤٠٧] بقوة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتزت خدمتك إلى نبوة النبوة، واتخذ أمير المؤمنين للفوز سبيلا.
﴿" وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً "﴾ (١).
стр. 794
(٣)
سجل بقلم القاضى الفاضل صادر عن الخليفة العاضد بتولية صلاح الدين يوسف بن أيوب الوزارة بعد موت عمه أسد الدين شيركوه
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ١، ص ٩١ - ٩٨) و (أبو شامة: الروضتين، ج ١، ص ١٦١) من عبد الله ووليّه، عبد الله أبى محمد الإمام العاضد لدين الله أمير المؤمنين.
إلى السيد الأجل (على نحو ما تقدم في تقليد عمه أسد الدين شيركوه).
أما بعد، فالحمد لله مصرّف الأقدار، ومشرّف الأقدار، ومحصى الأعمال والأعمار، ومبتلى الأخيار والأبرار، وعالم سر الليل وجهر النهار، وجاعل دولة أمير المؤمنين فلكا تتعاقب فيه أحوال الأقمار: بين انقضاء سرار واستقبال أبدار، وروضا إذا هوت فيه الدوحات أينعت الفروع سابقة النور، باسقة الثمار، ومنجد دعوته بالفروع الشاهدة بفضل أصولها، والجواهر المستخرجة من أمضى نصولها، والقائم بنصرة دولته فلا تزال حتى يرث الله الأرض ومن عليها قائمة على أصولها.
والحمد لله الذى اختار لأمير المؤمنين ودلّه على مكان الاختيار، وأغناه باقتضاب الإلهام عن رويّة الاختبار، وعضّد به الدين الذى ارتضاه وعضّده بمن ارتضاه، وأنجز له من وعد السعد ما قضاه قبل أن اقتضاه، ورفع محله عن الخلق فكلهم من مضاف إليه غير مضاه؛ وجعل مملكته عرينا لاعتزازها بالأسد وشبله، ونعمته ميراثا أولى بها ذوى الأرحام من بنى الولاء وأهله، وأظهر في هذه القضية ما أظهره في كل القضايا من فضل أمير المؤمنين وعدله؛ فأولياؤه كالآيات التي تتسق درارى أفقها المنير، وتنتسق درر عقدها النظيم النضير: ﴿" ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾
стр. 795
﴿أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ " [٩٢] والحمد لله الذى أتم بأمير المؤمنين نعمة الإرشاد، وجعله أولى من للخلق ساد، وللحق شاد؛ وآثره بالمقام الذى لا ينبغى إلا له في عصره، وأظهر له من معجزات نصره ما لا يستقل العدد بحصره؛ وجمع لمن والاه بين رفع قدره ووضع إصره، وجعل الإمامة محفوظة في عقبه والمعقبات تحفظه بأمره؛ وأودعه الحكم التي رآه لها أحوط من أودعه، وأطلع من أنوار وجهه الفجر الذى جهل من ظن غير نوره مطلعه، وآتاه ما لم يؤت أحدا، وأمات به غيا وأحيا رشدا، وأقامه للدين عاضدا فأصبح به معتضدا؛ وحفظ به مقام جده وإن رغم المستكبرون، وأنعم به على أمته أمانا لولاه ما كانوا ينظرون ولا يبصرون، و ﴿" ما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ "﴾ (٢).
يحمده أمير المؤمنين على ما آتاه من توفيق يذلل له الصعب الجامح، ويدنى منه البعيد النازح؛ ويخلف على الدين من صلاحه الخلف الصالح، ويلزم آراءه جدد السعود، ويريه آيات الإرشاد فإنه نازح (؟) قدح القادح.
ويسأله أن يصلى على جدّه محمد الذى أنجى أهل الإيمان ببعثه، وطهّر بهديه من رجس الكفر وخبثه؛ وأجار باتباعه من عنت الشيطان وعبثه، وأوضح جادّة التوحيد لكل مشرك الاعتقاد مثلثه.
وعلى أبينا أمير المؤمنين على بن أبى طالب الذى جادلت يده بلسان ذى الفقار، وقسّم ولاؤه وعداوته بين الأتقياء والأشقياء الجنة والنار؛ وعلى الأئمة من ذريتهما الذين أذلّ الله بعزتهم أهل الإلحاد وأصفى بما سفكوه من دمائهم موارد الرشاد، وجرت أيديهم وألسنتهم بأقوات القلوب وأرزاق العباد؛ وسلّم ومحّد، ووالى وجدّد.
(٩٣) وإن الله سبحانه ما أخلى قط دولة أمير المؤمنين التي هى مهبط الهدى.
стр. 796
ومحط الندى، ومورد الحياة للولى والردى للعدا، من لطف يتلافى الحادثة ويشعبها ويرأبها، ونعمة تبلغ بها النفوس أربها؛ وموهبة تشد موضع الكلم، وتسد موضع الثلم؛ وتجلى غمائم الغمم، وتحلى مغانم النعم؛ وتستوفى شرائط المناحج، وتستدنى فوارط المصالح، ولم يكن ينسى الحادثة في السيد الأجل الملك المنصور - رضى الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة متقلبه ومثواه -، التي كادت لها أواخى الملك تتزعزع، ومبانى التدبير تتضعضع؛ إلا ما نظر فيه أمير المؤمنين بنور الله من اصطفائك أيها السيد الأجل الملك الناصر - أدام الله قدرتك - لأن تقوم بخدمته بعده، وتسد في تقدمة جيوشه مسدّه، وتقفو في ولائه أثره، ولا تفقد منه إلا أثره، فوازت الفادحة فيه النعمة فيك، حتى تستوفى حظّه من أمير المؤمنين بأجر لا يضيع الله فيه عمله، فاستوجب مقعد صدق بما اعتقده من تأدية الأمانة له وحمله؛ واستحق أن ينضّر الله وجهه بما أخلقه الله من جسمه في مواقف الجهاد وبدّله؛ ومضى في ذمام رضا أمير المؤمنين، وهو الذمام الذى لا يقطع الله منه ما أمره أن يصله؛ واتبع من دعائه بتحف أول ما تلقاه بالروح والريحان، وذخرت له من شفاعته ما عليه معوّل أهل الإيمان في الأمان؛ فرعى الله له قطعه البيداء إلى أمير المؤمنين وتجثمه الأسفار، ووطأه المواطئ التي تغيظ الكفار؛ وطلوعه على أبواب أمير المؤمنين طلوع أنوار النهار، وهجرته التي جمعت له أجرين: أجر المهاجرين وأجر الأنصار؛ وشكر له ذلك المسعى الذى بلغ من الشرك الثار، وبلغ [٩٤] الإسلام الإيثار، وما لقى ربّه حتى تعرّض للشهادة بين مختلف الصفاح، ومشتجر الرماح، ومفترق الأجسام من الأرواح، وكانت مشاهدته لأمير المؤمنين أجرا فوق الشهادة، ومنة لله تعالى عليه له بها ما للذين أحسنوا الحسنى وزيادة؛ وحتى رآك أيها السيد الأجل الملك الناصر - أدام الله قدرتك - قد أقررت ناظره، وأرغمت مناظره؛ وشددت سلطانه، وسددت مكانه؛ ورمى بك فأصاب، وسقى بك فصاب، وجمعت ما فيه من أبهة المشيب إلى مافيك من مضاء الشباب، ولقنت
стр. 797
ما أفادته التجارب جملة، وأعانتك المحاسن التي هى فيك جلّة، وقلّب عليك إسناد الفتكات فتقلبت، وأوضح لك منهاج البركات فتقبلت؛ وسددك سهما، وجرّدك شهما، وانتضاك فارتضاك غربا، وآثرك على آثر ولده إمامة في التدبير وحربا، وكنت قى السلم لسانه الآخذ بمجامع القلوب، وفى الحرب سنانه النافذ في مضايق الخطوب، وساقته إذا طلب، وطليعته إذا طلب، وقلب جيشه إذا ثبت، وجناحه إذا وثب، ولا عذر لثبل نشأ في حجر أسد، ولا لهلال استملى النور من شمس واستمدّ.
هذا، ولو لم يكن لك هذا الإسناد في هذا الحديث، وهذا المسند الجامع من قديم الفخر وحديث، لأغنتك غريزة، وسجية سجية، وشمية وسمية، وخلائق فيها ما تحب الخلائق، ونحائز لم يحز مثلها حائز، ومحاسن ماؤها غير آسن، ومآثر جد غير عاثر، ومفاخر غفل عنها الأول، ليستأثر بها الآخر، وبراعة لسان، ينسجم قطارها، وشجاعة جنان، تضطرم نارها، وخلال جلال عليك شواهد أنوارها تتوضح، ومساعى مساعد لديك كمائم نورها تتفتح؛ فكيف وقد جمعت لك في المجد بين نفس وأب وعم، ووجب أن سألك من اصطفاء أمير المؤمنين ماذا حصل ثم على الخلق عمّ، فيومك واسطة في المجد بين غدك وأمسك، وكلّ ناد من أندية الفخار [٩٥] لك أن تقول فيه وعلى غيرك أن يمسك، فبشراك أنّ أنعم أمير المؤمنين موصولة منكم بوالد وولد، وأنّ شمس ملكه بكم كالشمس أقوى ما كانت في بيت الأسد.
ولما رأى الله تقلب وجه أمير المؤمنين في سمائه ولاّه من اختيارك قبله، وقامت حجته عند الله باستكفائك وزيرا له ووزرا للملة، فناجته مراشد الإلهام، وأضاعت له مقاصد لا تعقلها كلّ الأفهام؛ وعزم له على أن قلّدك تدبير مملكته الذى أعرقت في إرثه وأغرقت في كسبه، ومهّد لك أبعد غاية في الفخر بما يسّر لك من قربه.
стр. 798
ولقد سبق أمير المؤمنين إلى اختيارك قبل قول لسانه بضمير قلبه، وذكر فيك قول ربّه: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ (١)، وقلّدك لأنك سيف من سيوف الله تعالى يحقّ به التقلّد وله التقليد، واصطفاك على علم بأنك واحد منتظم في معنى العديد؛ وأحيا في سلطان جيوشه سنّة جدّه الإمام المستنصر بالله في أمير جيوشه الأوّل، وأقامك بعده كما أقام بعده ولده وإنه ليرجو أن تكون أفضل من الأفضل؛ وخرج أمره إليك بأن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجل لك بتقليدك وزارته التي أحلّك ربوتها، وأحلّ لك صهوتها؛ وحلاّك نعمتها، و. . . . . . لك نعمتها؛ فتقلد وزارة أمير المؤمنين من رتبتها التي تناهت في الإنافة، إلا أن لا رتبة فوقها إلا ما جعله الله تعالى للخلافة؛ وتبوّأ منها صدرا لا تتطلع إليه عيون الصدور، واعتقل منها في درجة على مثلها تدور البدور:
﴿" وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ "﴾ (٢):
وقل ﴿" الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ "﴾. (٣)
وباشر مستبشرا، واستوطن متديرا؛ وأبسط يدك فقد فوّض إليك الأمر أمير المؤمنين بسطا وقبضا، وأرفع ناظرك فقد أباح لك رفعا وخفضا؛ وأثبت على درجات [٩٦] السعادة فقد جعل لحكمك تثبيتا ودحضا، واعقد حبى العزمات للمصالح فقد أطلق بأمرك عقدا ونقضا؛ وأنفذ فيما أهلّك له فقد أدى بك نافلة من السياسة وفرضا، وصرّف أمور المملكة فإليك الصرف والتصريف.
وثقّف أود الأيام فعليك أمانة التهذيب والتثقيف؛ واسحب ذيول الفخار حيث لا تصل التيجان، واملا لحظا من نور الله تعالى حيث تتقى الأبصار لجين
стр. 799
الأجفان؛ إن هذا لهو الفضل المبين، فارتبطه بالتقوى التي هى عروة النجاه، وذخيرة الحياة والممات، وصفوة ما تلقى آدم من ربّه من الكلمات؛ وحير ما قدمته النفوس لغدها في أمسها، وجادلت [به] يوم تجادل كلّ نفس عن نفسها، قال الله سبحانه ومن أصدق من الله قيلا: ﴿" وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً "﴾ (١).
واستتم بالعدل نعم الله تعالى عليك، وأحسن كما أحسن الله إليك؛ وأمر بالمعروف فإنك من أهله، وأنه عن المنكر كما كنت تنزهت عن فعله، وأولياء أمير المؤمنين، وأنصاره الميامين، ومن يحفّ بمقام ملكه من الأمراء المطوّقين، والأعيان المعصّبين، والأماثل والأجناد أجمعين، فهم أولياؤه حقا، ومماليكه رقّا، والذين تبوءوا الدار والإيمان سبقا، وأنصاره غربا كما أن عسكرك أنصاره شرقا؛ فهم وهم يد في الطاعة على من ناواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وتحاكم فيهم وأنت عند أمير المؤمنين أعلاهم.
هذا وقد كان السيد الأجل الملك المنصور - رضى الله عنه - استمطر لهم [من] إنعام أمير المؤمنين المسامحة بعلقهم، وواس في هذه المنقبة التي استحق بها حسن الذكر بين طوائفهم وفرقهم، فصنهم من جائحات الاعتراض، وابذل لهم صالحات الأغراض؛ وارفع دونهم الحجاب، ويسّر لهم الأسباب، واستوف منهم عند [٩٧] الحضور إليك غايات الخطاب؛ وصرّفهم في بلاد أمير المؤمنين ولاة وحماة، كما تصرفهم في أوقات الحرب لماة وكماة؛ وعرّفهم بركة سلطانك، واقتد قلوبهم بزمام إحسانك.
وأما القضاة والدعاة: فهم بين كفالتك وهديك، والتصريف على أمرك ونهيك؛ فاستعمل منهم من أحسن عملا، فأما بالعنايات فلا.
стр. 800
والجهاد: فأنت راضع درّه، وناشئة حجره، وظهور الخيل مواطنك، وظلال الجبل مساكنك؛ وفى ظلمات مشاكله تجلى محاسنك، وفى أعقاب نوازله تتلى ميامنك؛ فشمر له عن ساق من القنا، وخض فيه بحرا من الظبا؛ واحلل فيه عقدة كلمات الله سبحانه وثيقات الحبى؛ وأسل الوهاد بدماء العدا، وارفع برءوسهم الرّبا، حتى يأتى الله بالفتح الذى يرجو أمير المؤمنين أن يكون مذخورا لأيامك، ومشهودا به يوم مقامك بين يديه من لسان إمامك.
والأموال: فهى زبدة حلب اللّطف لا العنف، وجمّة يمتريها الرّفق لا العسف، وما برحت أجدّ ذخائر الدول للصفوف، وأحدّ أسلحتها التي تمضى وقد تنبو السيوف؛ فقدّم للبلاد الاستعمار، تقدم لك الاستثمار، وقطرة من عدل تزخربها من مال بحار.
والرعايا: فهم ودائع الله لأمير المؤمنين وودائعه لديك، فاقبض عنهم الأيدى وابسط بالعدل فيهم يديك، وكن بهم رءوفا، وعليهم عطوفا؛ واجعل الضعيف منهم في الحق قويا، والقوى في الباطل ضعيفا، ووكّل برعايتهم ناظر اجتهادك، واجعل ألسنتهم بالدعاء من سلاحك، وقلوبهم بالمحبة من أجنادك، ولو جاز أن يستغنى عن [٩٨] الوصية قائم بأمر، أو جالس في صدر، لا ستغنيت عنها بفطنتك الزكية، وفطرتك الذكية؛ ولكنها من أمير المؤمنين ذكرى لك وأنت من المؤمنين، وعرابة بركة فتلقّ رايتها باليمين.
والله تعالى يؤيدك أيها السيد الأجل - أدام الله قدرتك - بالنصر العزيز، ويقضى لدولة أمير المؤمنين على يديك بالفتح الوجيز؛ ولأهلها في نظرك بالأمر الحريز، ويمتع دست الملك ب؟؟؟ لى مجدك الإبريز؛ ويقر عيون الأعيان بما يظهر لك في ميدان السعادة من السبق والتبريز، ويملّيك من نحلة أنعم أمير المؤمنين بما ملّكك إياه ملك التحويز، ويلحق بك في المجد أو لك، ويحمد فيك العواقب ولك.
فاعلم ذلك من أمر أمير المؤمنين ورسمه، واعمل بموجبه وحكمه؛ إن شاء الله تعالى.
стр. 801
(٤)
توقيع بخط الخليفة العاضد لدين الله الفاطمى على طرّة التقليد السابق بتولية صلاح الدين يوسف بن أيوب الوزارة
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٩، ص ٤٠٧) " هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عند الله تعالى عليك، فأوف بعهدك ويمينك، وخذ كتاب أمير المؤمنين بيمينك؛ ولمن مضى بجدنا رسول الله ﷺ أحسن أسوة، ولمن بقى بقربنا سلوة ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ»﴾ (١) ".
стр. 802
(٥)
وصف تفصيلى للفتح الأيوبى لليمن كما سجله بقلمه مؤرخ يمنى
عن: (بدر الدين محمد بن حاتم: السّمط الغالى الثمن، في أخبار الملوك من الغزّ باليمن، مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم ٢٤١١، ص ٢ ب - ٦ ب اعلم أن جملة من ملك اليمن من الغزّ إلى وقتنا هذا عشرة:
الملك المعظم توران بن أيوب،
والملك العزيز - أخوه - سيف الإسلام طغتكين بن أيوب،
والملك المعز - ولده - إسماعيل،
وسيف الدين الأتابك سنقر، بحكم الأتابكية لولد سيده الملك الناصر أيوب ابن طغتكين،
ثم الملك الناصر أيوب - بعده -،
ثم الملك المعظم سليمان بن تقى الدين،
ثم الملك المسعود صلاح الدين يوسف بن الملك الكامل.
فهؤلاء سبعة: ستة منهم من بنى أيوب، والسابع مملوكهم.
ثم جاءت الدولة السعيدة الرسولية - خلّد الله ملكها [و] أيامها خلود النّيرات -
[ص ٢ ب] فملك - بعد الملك المسعود - مولانا الملك المنصور نور الدين أبو الفتح عمر بن على بن رسول - قدّس الله روحه -،
ثم ولده مولانا ومالكنا المقام الأعظم السلطان الملك المظفر شمس الدنيا والدين أبو المنصور يوسف،
стр. 803
ثم ولىّ الأمر ولده مولانا المقام الأعظم السلطان الملك الأشرف أبا الفتح عمر ممهّد الدنيا والدين، إيثارا له بذلك إذ رآه له أهلا، ولم يضنّ به عليه أصلا، فهما ملكا هذا الأوان (١)، وبهما استقامة الزمان.
فلا برحا في نعمة وسعادة ... تبيد العدى طرّا، وتقهر من عدا
والآن حين نبتدئ في شرح السير لهؤلاء الملوك جميعا:
اعلم أن أول من ملك اليمن من الغزّ بنو أيوب، ملوك الديار المصرية بالشام كلها، [و] بديار البكر كافة والعواصم والسواحل؛ وكان الجميع تحت حكمه غير منازع فيها ولا مدافع عليها، وكانوا جماعة، وملكهم يومئذ القائم فيهم أولا الملك الناصر صلاح الدين [ص ٣ أ] يوسف بن أيوب بن شاذى، أصغر أولاد أيوب سنا، وأكبرهم معنى.
وكان له من الإخوة جماعة؛ منهم: الملك العادل سيف الدين أبو بكر - وهو الكبير فيهم جميعا -، والملك المعظم شمس الدولة توران، والملك العزيز سيف الإسلام، وتقى الدين (٢)، وغيرهم ممن لم يشتهر شهرة هؤلاء، ففرّق لكل منهم بلدا، خلا توران فإنه ندبه لليمن، وجهّزه بالعسكر الجم والمال الكثير، وذلك على حين فترة في اليمن من ملك مستقل فيها - وعرها وسهلها، وعلوها وسفلها - ومالك لدانيها وقاصيها، وقائد لطائعها وعاصيها؛ بل كانت مقسومة بين العرب.
стр. 804
فكل موضع فيها [به] (١) ملك مستقيم بذاته، والأمر فيها كما قال الشاعر:
وتفرّقوا فرقا، فكلّ قبيلة ... فيها أمير المؤمنين ومنبر
فلما بلغه ذلك بادر بتجهيز أخيه الملك المعظم - على ما ذكرنا -، فوصل اليمن في سنة تسع وستين وخمسمائة، فأول من لقيه من أهل اليمن الأمير قاسم بن غانم بن يحيى السليمانى، من المخلاف [ص ٣ ب] السليمانى، جاءه إلى حرض (٢)، من موضعه وكان يسمى محل أبى تراب، وشكا عليه من عبد النبى بن مهدى، وهو يومئذ صاحب التهائم والجبال، من تعز إلى ذحر، إلى سوى ذلك، ما خلا عدن والدّملوة وصنعاء، فإنها كانت بأيدى أهلها الذين نورد ذكرهم - إن شاء الله تعالى -.
وكان عبد النبى قد غار إلى حرض ونهبها، ونهب بلادها، ونهب هذا المحل الذى للشريف، وقتل أخاه، وكان يقال له: «وهّاس بن غانم»، فسأل الأمير قاسم من الملك المعظم أن يكون أول دخوله اليمن إنجادا له على بنى مهدى، فأجابه إلى ذلك، ونهضا بالعساكر من حرض في سلخ رمضان في هذه السنة المذكورة، فوصلا زبيد يوم السبت السابع من شوال عند طلوع الشمس، فنهبوا جميع [ما] فيها - الأموال والخيل -، وسبوا الحريم، وقبضوا على عبد النبى وإخوته؛ وعاد الأمير قاسم بن غانم إلى بلاده يوم الجمعة الثالث من الشهر.
وأقام الملك المعظم بزبيد إلى أن دخل شهر ذى القعدة، ونهض لتعز فأخذه ولم ينازعه أحد، وقاتل أهل [٤ أ] صبر (٣) وذحر فلم ينل منهم، ثم نهض للجند فدخلها وملكها؛ وكل هذه كانت من ممالك عبد النبى.
стр. 805
وسار إلى عدن فأخذها يوم الجمعة العشرين من ذى القعدة، ونهب من بها؛ وفيها يومئذ من الأمراء أولاد الداعى المكرّم عمران بن محمد بن سبأ، والشيخ ياسر بن بلال - مولاهم -، فقبض عليهم جميعا، وعاد منها إلى مخلاف جعفر، فبايع في التّعكر (١)، وأخذه يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من ذى الحجة آخر سنة تسع وستين وخمسمائة.
ثم نهض إلى جبلة، وقد صارت البلاد جميعها له ما خلا الدّملوه والبلاد العليا، فطلع نقيل صيد يوم الاثنين الثامن والعشرين من ذى الحجة؛ وحطّ على ذروان (٢) يوم الثلاثاء، وفيه يومئذ السلطان عبد الله بن يحيى الجنبى، فصالحهم وبذل الطاعة؛ ونهض إلى المصنعة، وفيها يومئذ الشيخ محمد بن زيد البعدى الجنبى، فأخذها منه، ثم نهض إلى ذمار فاعترضه جنب من موضع يسمى رخمة في شرقى ذمار يوم الخميس [٤ ب] التاسع من المحرم، أول سنة سبعين وخمسمائة، فقتل من الغزّ خمسة وستون رجلا، فأخذ خيلهم وسلاحهم، ثم أقام في ذمار، ونهص منها فاعترصه جنب وغيرهم، وجرى بينهم وبينهم قتال كانت الدائرة [فيه] على العرب، فقتل منهم سبعمائة رجل، ولحقتهم الغزّ حتى أو لجوهم حصن هرّان، وأخذوا منهم قلائع كثيره من؟؟؟ حيل.
ويقال إن الملك المعظم دمّر الغزّ في ذلك اليوم وبكّتهم وحملهم على التورط في الهلاك، وقال لهم: " أين منكم ديار مصر؟ ".
وفى ذلك يقول الشركى شاعر ذمار:
وقال لقومه: موتوا كراما، ... فأين وأين مصر من ذمار؟
стр. 806
ثم سار من ذمار بعد استيلائه عليها طالبا صنعاء، وسلطانها يومئذ السلطان على بن حاتم (١) جدّ الأمير بدر الدين محمد بن حاتم، فوصل إليها يوم الجمعة منتصف النهار، وهو اليوم السابع من المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وضرب محطته [٥ أ] بالجنوب في صنعاء، وقد تحيّز السلطان على بن حاتم وأخوه بشر بمن معهما إلى حصن براش، وقد كانوا حين جاءت المحطة صادفوا ثمانية فرسان من همدان، فشدّوا عليهم فقتلوا منهم ثلاثة ونجا خمسة، فطلعوا الحصن، ثم إن المحطة أقامت في الجنوب إلى يوم الاثنين ولم يصلهم أحد.
واختلفت الرواية من هنا، فقيل: " دخلوا صنعاء ولم يلبثوا بها ثم ساروا " وقيل: " بل ساروا من المحطة ولم يدخلوا صنعاء "، والله أعلم أي ذلك كان.
إلا أن الإجماع على أن الملك المعظم لم يكن له إقامة في الجهات الصنعانية، ولم يصله أحد من أهلها، فنزل طريقا بها، وأخلا على نفيل السود (كذا)، وهو بين بلاد بنى شهاب وبلاد سنحان، مطل على حقل سنحان وسهام، فلحقهم قوم من بنى شهاب، وقوم سنحان رموهم، وأخذوا من أخذ عسكرهم.
ولما علم السلطان على بن حاتم بارتحال الغزّ نزل من براش وعاد إلى صنعاء، فأول ما بدأ به حين عاد أنه [٥ ب] خرّب الدرب الذى للمدينة، وقد كان بدأ فيه قبل وصول الغزّ، ثم حال بينه وبين تمامه وصولهم، فلما ساروا حاذر عودتهم فتمم الخراب.
وأما ما كان [من] الملك المعظم بعد ارتحاله عن صنعاء، فإنه اعترض العسكر في النزول أهل برع، فأخذوا من آخرهم جمالا كثيرة محملة أموالا جمة من الذهب والفضة والسلاح والآلة، وكثيرا مما استصحبوه من البلاد المصرية وعدن وزبيد يوم الاستيلاء عليها.
стр. 807
ثم جاء زبيد، فأقام بها إلى شهر جمادى الأولى في هذه السنة، ثم نهض منها طالبا للجند، ووصل إليه والى حصن صبر الذى كان دائنا لعد النبى واستذم وسلّم الحصن.
ثم أخذ حصن بادية وشرباق، وحط على عزان ذخر (١)، وفيه يومئذ على بن حجاج من أهل تهامة متوليه، وكان صهرا لعبد النبى، فخاطب الغز وطلب الصلح، فوعدوه أنهم يأخذون منه ما كان في الحصن من المال لعبد النبى ويتركون سبيله، فاستحلفوه على ما عنده من المال لعبد النبى، فأقّر بعشرة [٦ ا] آلاف دينار ذهب، فقبضوها منه، وسلّم لهم الحصن وتسلموه.
ثم تقدموا إلى المعافر فحاربوا حصن يمين، وفيه الأمير منصور بن محمد بن سبأ، فأخذ الحصن قهرا، وذلك بتخاذل الدانون والرتبة (كذا) هربوا من الحصن ثم تسلموا منيف، وكان لأبى الغيث بن سامر، ثم تسلموا حصن السمدان من النائب الذى كان به، ولم يعترضوا الحصن السواء، وصاحبه يومئذ ابن السبأى، بل أبقوه على حاله، ثم حطّوا على الدّملوة، وفيها ولد الداعى المكرم عمران بن محمد بن سبأ، وواليهما بها جوهر العمرانى، ورموا بالمنجنيقات فلم تبلغ إلا الحر، فلم يكن لهم بها طمع، فصالحوا جوهرا على قطعة هينة من المعشار الذى تحت الدملوة، وعادوا وتقدموا إلى ذى جبلة، فأقاموا بها إلى رابع شعبان من هذه السنة.
وبلغ الملك المعظم في خلال هذه الأمور وقوع خلاف في تهامة، فأمر بقتل عبد النبى وأخويه: أحمد ويحيى، فقتلوا في زبيد يوم الثلاثاء السابع من رجب من هذه السنة.
ثم إن الملك المعظم أقام في البلاد حتى دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وطلب العودة إلى الديار المصرية، فنهض من اليمن في شهر [٦ ب] رجب
стр. 808
من السنة بعد أن قتل ياسر بن بلال - مولى الدعاة بنى زريع - الذى قدمنا ذكره، وقبضه في عدن مع مواليه.
واستناب في البلاد نوابا، فجعل في عدن وأعمالها عثمان السنجارى، أو الزنجارى، وفى تعز والجند وأعمالها ياقوت التعزى، وفى حصن التعكر وذى جبلة ومخلاف جعفر مظفر الدين قايماز، وفى مدينة زبيد وأعمالها، وجميع تهامة سيف الدولة المبارك بن منقذ، وكان من حمدان، وكان رجلا فصيحا شاعرا، فمن جملة شعره:
وإذا أراد الله شرّا بأمرئ، ... وأراد أن يحييه غير سعيد
أغراه بالترحال عن مصر بلا ... سبب، وسكّنه بأرض زبيد
стр. 809
(٦)
قطعة من خطاب بقلم القاضى الفاضل، صادرة عن صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى وزير بغداد، يعدد فيها فتوحه وجهوده
في خدمة الخلافة العباسية، وآخرها قطع الخطبة للخليفة العاضد، وإعلانها للمستضئ بنور الله العباسى، ويطلب إرسال التشريفات عن: (أبو شامة: كتاب الروضتين، ج ١، ص ١٩٥) " كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع، وقد توالت الفتوح عربا ويمنا وشاما، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرما حراما، فأضحى الدين واحدا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها إلا صما وعميانا، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة، ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان محتمعا، وكذبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذ منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا، وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم.
ولا خفاء عن المجلس الصاحبى أن من شد عقد خلافة وحلى عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح، ويقلد ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه
стр. 810
وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وقلبى دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل غزوته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضة، وترسل إليه السحب المروضة، فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرّد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها، وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النجعة من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته، وتنجيز تشريفاته، خطيب الخطباء بمصر، وهو الذى اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من برّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم الذى جمع الله عليه السواد الأعظم، آملا أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه ".