ثم سار من ذمار بعد استيلائه عليها طالبا صنعاء، وسلطانها يومئذ السلطان على بن حاتم (١) جدّ الأمير بدر الدين محمد بن حاتم، فوصل إليها يوم الجمعة منتصف النهار، وهو اليوم السابع من المحرم سنة سبعين وخمسمائة، وضرب محطته [٥ أ] بالجنوب في صنعاء، وقد تحيّز السلطان على بن حاتم وأخوه بشر بمن معهما إلى حصن براش، وقد كانوا حين جاءت المحطة صادفوا ثمانية فرسان من همدان، فشدّوا عليهم فقتلوا منهم ثلاثة ونجا خمسة، فطلعوا الحصن، ثم إن المحطة أقامت في الجنوب إلى يوم الاثنين ولم يصلهم أحد.
واختلفت الرواية من هنا، فقيل: " دخلوا صنعاء ولم يلبثوا بها ثم ساروا " وقيل: " بل ساروا من المحطة ولم يدخلوا صنعاء "، والله أعلم أي ذلك كان.
إلا أن الإجماع على أن الملك المعظم لم يكن له إقامة في الجهات الصنعانية، ولم يصله أحد من أهلها، فنزل طريقا بها، وأخلا على نفيل السود (كذا)، وهو بين بلاد بنى شهاب وبلاد سنحان، مطل على حقل سنحان وسهام، فلحقهم قوم من بنى شهاب، وقوم سنحان رموهم، وأخذوا من أخذ عسكرهم.
ولما علم السلطان على بن حاتم بارتحال الغزّ نزل من براش وعاد إلى صنعاء، فأول ما بدأ به حين عاد أنه [٥ ب] خرّب الدرب الذى للمدينة، وقد كان بدأ فيه قبل وصول الغزّ، ثم حال بينه وبين تمامه وصولهم، فلما ساروا حاذر عودتهم فتمم الخراب.
وأما ما كان [من] الملك المعظم بعد ارتحاله عن صنعاء، فإنه اعترض العسكر في النزول أهل برع، فأخذوا من آخرهم جمالا كثيرة محملة أموالا جمة من الذهب والفضة والسلاح والآلة، وكثيرا مما استصحبوه من البلاد المصرية وعدن وزبيد يوم الاستيلاء عليها.
стр. 807
ثم جاء زبيد، فأقام بها إلى شهر جمادى الأولى في هذه السنة، ثم نهض منها طالبا للجند، ووصل إليه والى حصن صبر الذى كان دائنا لعد النبى واستذم وسلّم الحصن.
ثم أخذ حصن بادية وشرباق، وحط على عزان ذخر (١)، وفيه يومئذ على بن حجاج من أهل تهامة متوليه، وكان صهرا لعبد النبى، فخاطب الغز وطلب الصلح، فوعدوه أنهم يأخذون منه ما كان في الحصن من المال لعبد النبى ويتركون سبيله، فاستحلفوه على ما عنده من المال لعبد النبى، فأقّر بعشرة [٦ ا] آلاف دينار ذهب، فقبضوها منه، وسلّم لهم الحصن وتسلموه.
ثم تقدموا إلى المعافر فحاربوا حصن يمين، وفيه الأمير منصور بن محمد بن سبأ، فأخذ الحصن قهرا، وذلك بتخاذل الدانون والرتبة (كذا) هربوا من الحصن ثم تسلموا منيف، وكان لأبى الغيث بن سامر، ثم تسلموا حصن السمدان من النائب الذى كان به، ولم يعترضوا الحصن السواء، وصاحبه يومئذ ابن السبأى، بل أبقوه على حاله، ثم حطّوا على الدّملوة، وفيها ولد الداعى المكرم عمران بن محمد بن سبأ، وواليهما بها جوهر العمرانى، ورموا بالمنجنيقات فلم تبلغ إلا الحر، فلم يكن لهم بها طمع، فصالحوا جوهرا على قطعة هينة من المعشار الذى تحت الدملوة، وعادوا وتقدموا إلى ذى جبلة، فأقاموا بها إلى رابع شعبان من هذه السنة.
وبلغ الملك المعظم في خلال هذه الأمور وقوع خلاف في تهامة، فأمر بقتل عبد النبى وأخويه: أحمد ويحيى، فقتلوا في زبيد يوم الثلاثاء السابع من رجب من هذه السنة.
ثم إن الملك المعظم أقام في البلاد حتى دخلت سنة إحدى وسبعين وخمسمائة وطلب العودة إلى الديار المصرية، فنهض من اليمن في شهر [٦ ب] رجب
стр. 808
من السنة بعد أن قتل ياسر بن بلال - مولى الدعاة بنى زريع - الذى قدمنا ذكره، وقبضه في عدن مع مواليه.
واستناب في البلاد نوابا، فجعل في عدن وأعمالها عثمان السنجارى، أو الزنجارى، وفى تعز والجند وأعمالها ياقوت التعزى، وفى حصن التعكر وذى جبلة ومخلاف جعفر مظفر الدين قايماز، وفى مدينة زبيد وأعمالها، وجميع تهامة سيف الدولة المبارك بن منقذ، وكان من حمدان، وكان رجلا فصيحا شاعرا، فمن جملة شعره:
وإذا أراد الله شرّا بأمرئ، ... وأراد أن يحييه غير سعيد
أغراه بالترحال عن مصر بلا ... سبب، وسكّنه بأرض زبيد
стр. 809
(٦)
قطعة من خطاب بقلم القاضى الفاضل، صادرة عن صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى وزير بغداد، يعدد فيها فتوحه وجهوده
في خدمة الخلافة العباسية، وآخرها قطع الخطبة للخليفة العاضد، وإعلانها للمستضئ بنور الله العباسى، ويطلب إرسال التشريفات عن: (أبو شامة: كتاب الروضتين، ج ١، ص ١٩٥) " كتب الخادم هذه الخدمة من مستقره ودين الولاء مشروع، وعلم الجهاد مرفوع، وسؤدد السواد متبوع، وحكم السداد بين الأمة موضوع، وسبب الفساد مقطوع ممنوع، وقد توالت الفتوح عربا ويمنا وشاما، وصارت البلاد بل الدنيا، والشهر بل الدهر، حرما حراما، فأضحى الدين واحدا بعد ما كان أديانا، والخلافة إذا ذكر بها أهل الخلاف لم يخروا عليها إلا صما وعميانا، والبدعة خاشعة، والجمعة جامعة، والمذلة في شيع الضلال شائعة، ذلك بأنهم اتخذوا عباد الله من دونه أولياء، وسموا أعداء الله أصفياء، وتقطعوا أمرهم بينهم شيعا، وفرقوا أمر الأمة وكان محتمعا، وكذبوا بالنار فعجلت لهم نار الحتوف، ونثرت أقلام الظبا حروف رءوسهم نثر الأقلام للحروف، ومزقوا كل ممزق، وأخذ منهم كل مخنق، وقطع دابرهم، ووعظ آيبهم غابرهم، ورغمت أنوفهم ومنابرهم، وحقت عليهم الكلمة تشريدا وقتلا، وتمت كلمات ربك صدقا وعدلا، وليس السيف عمن سواهم من كفار الفرنج بصائم، ولا الليل عن سير إليهم بنائم.
ولا خفاء عن المجلس الصاحبى أن من شد عقد خلافة وحلى عقد خلاف، وقام بدولة وقعد بأخرى قد عجز عنها الأخلاف والأسلاف، فإنه مفتقر إلى أن يشكر ما نصح، ويقلد ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدم حقه ولا يطرح، ويقرب مكانه
стр. 810
وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة، وتتواصل إليه أمداد التقويات الجليلة اللطيفة، وقلبى دعوته بما أقام من دعوة، وتوصل غزوته بما وصل من غزوة، وترفع دونه الحجب المعترضة، وترسل إليه السحب المروضة، فكل ذلك تعود عوائده، وتبدو فوائده، بالدولة التي كشف وجهه لنصرها، وجرّد سيفه لرفع منارها، والقيام بأمرها، وقد أتى البيوت من أبوابها، وطلب النجعة من سحابها، ووعد آماله الواثقة بجواب كتابها، وأنهض لإيصال ملطفاته، وتنجيز تشريفاته، خطيب الخطباء بمصر، وهو الذى اختاره لصعود درجة المنبر، وقام بالأمر قيام من برّ، واستفتح بلباس السواد الأعظم الذى جمع الله عليه السواد الأعظم، آملا أنه يعود إليه بما يطوى الرجاء فضل عقبه، ويخلد الشرف في عقبه ".
стр. 811
(٧)
نسخة بشارة بانتهاء الدولة الفاطمية في مصر، والخطبة للخليفة العباسى ، حملها عن نور الدين، شهاب الدين أبو المعالى المطهّر بن أبى عصرون لتقرأ في كل مدينة يمر بها في طريقه إلى بغداد
عن: (أبو شامة: كتاب الروضتين، ج ١، ص ١٩٧ - ١٩٨).
" أصدرنا هذه المكاتبة إلى جميع البلاد الإسلامية عامة بما فتح الله على أيدينا وتاجه، وأوضح لنا منهاجه، وهو ما اعتمدناه من إقامة الدعوة الهادية العباسية بجميع المدن والبلاد والأقطار والأمصار المصرية، والإسكندرية ومصر والقاهرة، وسائر الأطراف الدانية والقاصية، والبادية والحاضرة، وانتهت إلى القريب والبعيد، وإلى قوص وأسوان بأقصى الصعيد، وهذا شرف لزماننا هذا وأهله، نفتخر به على الأزمنة التي مضت من قبله، وما برحت هممنا إلى مصر مصروفة وعلى افتتاحها موقوفة، وعزائمنا في إقامة الدعوة الهادية بها ماضية، والأقدار في الأزل بقضاء آرائنا وبتنجيز مواعدنا قاضية، حتى ظفرنا بها بعد يأس الملوك منها، وقدرنا عليها وقد عجزوا عنها، وطالما مرت عليها الحقب [١٩٨] الخوالى وآبت دونها الأيام والليالى، وبقيت مائتين وثمانين سنة ممنوة بدعوة المبطلين، مملوة بحزب الشياطين، سابغة ظلالها للضلال، مقفرة المحل إلا من المحال، مفتقرة إلى نصرة من الله يملكها، ونظرة ستدركها، رافعة يدها في أشكائها، متظلمة إليه ليكفل بأعدائها على أعدائها، حتى أذن الله لغمتها بالانفراج، ولعلتها بالعلاج، وسبب قصد الفرنج لها وتوجههم إليها، طمعا في الاستيلاء عليها، واجتمع داءان: الكفر والبدعة، وكلاهما شديد الروعة، فملكنا الله تلك البلاد، ومكّن لنا في الأرض، وأقدرنا على ما كنا نؤمله في إزالة الإلحاد والرفض من إقامة الفرض، وتقدمنا إلى من استنباه أن يستفتح باب السعادة، ويستنجح باب مالنا من الإرادة، ويقيم الدعوة الهادية العباسية هنالك، ويورد الأدعيا ودعاة الإلحاد بها المهالك ".
стр. 812
(٨)
نسخة سجل أصدره صلاح الدين بعيد وفاة العاضد وانتهاء الدولة الفاطمية بإسقاط المكوس في مصر قرئ على المنبر بالقاهرة يوم الجمعة ثالث صفر سنة ٥٦٧ هـ
عن: (أبو شامة: الروضتين، ج ١، ص ٢٠٥) " أما بعد، فإنا نحمد الله سبحانه على ما مكّن لنا في الأرض، وحسّنه عندنا من أداء كل نافلة وفرض، ونصبنا له من إزالة النّصب عن عباده، واختارنا له من الجهاد في الله حقّ جهاده، وزهدنا فيه من قناع الدنيا القليل، وألهمنا من محاسبة أنفسنا على النقير والفتيل، وأولانا من سجاحة السماحة، فيوما نهب ما اشتملت عليه الدواوين، ويوما نقطع ما سقاه النيل، فالبشائر في أيامنا تترى، شفعا ووترا، والمسارّ كنظام الجوهر تتبع الواحدة منها الأخرى، والمسامحات قد ملأت المسامع والمطامع، وأسخطت الخيمة والصنايع، وأرضت المنبر والجامع.
ولما تقلدنا أمور الرعية، رأينا المكوس الديوانية بمصر والقاهرة أولى ما نقلناها من أن تكون لنا في الدنيا إلى أن تكون لنا في الآخرة، وأن نتجرد منها لنلبس أثواب الأجر الفاخرة، ونطهر منها مكاسبنا، ونصون عنها مطالبنا، ونكفى الرعية ضرهم الذى يتوجه إليهم، ونضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، ونعيدها اليوم كأمس الذاهب، ونضعها فلا ترفعها من بعد يد حاسب، ولا قلم كاتب، فاستخرنا الله وعجلنا إليه ليرضى، ورأينا فرصة أجر لا تغض عليها بصائر الأبصار ولا يغضى، وخرج أمرنا بكتب هذا المنشور بمسامحة أهل القاهره ومصر، وجميع التجار المترددين إليهما وإلى ساحل المقسم والمنية بأبواب المكوس صادرها وواردها، فيرد التاجر ويسفر، ويغيب
стр. 813
عن ماله ويحضر، ويقارض ويتجر، برا وبحر، مركبا وظهرا، سرا وجهرا، لا يحل ما شدّه، ولا يحاول ما عنده، ولا يكشف ما ستره، ولا يسأل عما أورده وأصدره، ولا يستوقف في طريقه ولا يشرق بريقه، ولا يؤخذ منه طعمه، ولا يستباح له حرمه.
والذى اشتملت عليه المسامحة في السنة من العين: مائة ألف دينار مسامحة، لا يشوبها تأويل، ولا يتخوّنها تحويل، ولا يعتريها زوال، ولا يعتورها انتقال، دائمة بدوام الكلمة، قائمة ما قام دين القيّمة، من عارضها ردّت أحكامه، ومن ناقضها نقض زمامه، ومن أزالها زلت قدمه، ومن أحالها حلّ دمه، ومن تعقبها خلّدت اللعنة فيه وفى عقبه، ومن احتاط لدنياه فيها أحاط به الجحيم الذى هو من حطبه.
فمن قرأه أو قرئ عليه من كافة ولاة الأمر، من صاحب سيف وقلم، ومشارف أو ناظر، فليمتثل ما مثل من الأمر، وليمضه على ممر الدهر، مرضيا لربه، ممضيا لما أمر به ".
стр. 814
(٩)
قطعة من رسالة بقلم القاضى الفاضل، أرسلها صلاح الدين إلى نور الدين، يشرح له فيها القصد من خروجه لمهاجمة حصنى الكرك والشوبك في أوائل سنة ٥٦٨ هـ
عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٠٦) «سبب هذه الخدمة إلى مولانا الملك العادل أعزّ الله سلطانه، ومدّ أبدا إحسانه، ومكّن بالنصر إمكانه، وشيّد بالتأييد مكانه، ونصر أنصاره، وأعان أعوانه، علم المملوك بما يؤثره المولى بأن يقصد الكفار بما يقص أجنحتهم، ويفلل أسلحتهم، ويقطع موادهم، ويخرّب بلادهم، وأكبر الأسباب المعينة على ما يرومه من هذه المصلحة ألا يبقى في بلادهم أحد من العربان، وأن ينتقلوا من ذلّ الكفر إلى عزّ الإيمان، ومما اجتهد فيه غاية الاجتهاد، وعدّه من أعظم أسباب الجهاد، ترحيل كثير من أنفارهم، والحرص في تبديل دارهم، إلى أن صار العدو اليوم إذا نهض لا يجد بين يديه دليلا، ولا يستطيع حيلة، ولا يهتدى سبيلا.
стр. 815
(١٠)
رسالة بقلم القاضى الفاضل مرسلة من صلاح الدين إلى نور الدين يشرح له فيها المؤامرة التي كان يدبرها رجال الدولة الفاطمية والصليبيون، والتي اشترك فيها الشاعر عمارة اليمنى، لقلب نظام الحكم وإعادة الدولة الفاطمية
عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٢٠ - ٢٢٢)
" قصر هذه الخدمة على متجدد سار للإسلام وأهله، وبشارة مؤذنة بظهور وعد الله في إظهاره على الدين كله، بعد أن كانت لها مقدمات عظيمة، إلا أنها أسفرت عن النجح، وأوائل كالليلة البهيمة، إلا أنها انفرجت عن الصبح، فالإسلام ببركاته البادية، وفتكاته الماضية، قد عاد مستوطنا بعد أن كان غريبا، وضرب في البلاد بجرانه بعد أن كان كالكفريتم عليه تخيلا عجيبا، إلا أن الله سبحانه أطلع على أمرها من أوله، وأظهر على سرها من مستقبله، والمملوك يأخذ في ذكر الخبر، ويعرض عن ذكر الأثر:
لم يزل يتوسم من جند مصر، ومن أهل القصر، بعد ما أزال الله من بدعتهم، ونقض من عرى دولتهم، وخفّض من مرفوع كلمتهم، أنهم أعداء وإن تعدت بهم الأيام، وأضداد وإن وقعت عليهم كلمة الإسلام، وكان لا يحتقر منهم حقيرا، ولا يستبعد منهم شرا كبيرا، وعيونه لمقاصدهم موكلة، وخطراته في التحرز منهم مستعملة، لا تخلو سنة تمر، ولا شهر يكر، من مكر يجتمعون عليه، وفساد يتسرعون إليه، وحيلة يبرمونها، ومكيدة يتممونها، وكان أكثر ما يتعللون به، ويستريحون إليه، المكاتبات المتواترة، والمراسلات المتقاطرة، إلى الفرنج خذلهم الله، التي يوسعون لهم فيها سبل المطامع، ويحملونهم فيها
стр. 816
على العظائم والفظائع، ويزينون لهم الإقدام والقدوم، ويخلعون فيها ربقة الإسلام خلع المرتد المخصوم، ويد الفرنج بحمد الله (٢٢١) قصيرة عن إجابتهم، إلا أنهم لا يقطعون حبل طمعهم على عادتهم، وكان ملك الفرنج كلما سولت له نفسه الاستتار في مراسلتهم، والتحيل في مفاوضتهم، سيّر " جرج " - كاتبه - رسولا إلينا ظاهرا، وإليهم باطنا، عارضا علينا الجميل الذى ما قبلته قط أنفسنا، وعاقدا معهم القبيح الذى يشتمل عليه في وقته علمنا، ولأهل القصر والمصريين في أثناء هذه المدد رسل تتردد، وكتب إلى الفرنج تتجدد.
ثم قال:
والمولى عالم أن عادة أوليائه المستفادة من أدبه أن لا يبسطوا عقابا مؤلما، ولا يعذبوا عذابا محكما، واذا طال لهم الاعتقال، ولم ينجع السؤال، أطلق سراحهم، وخلى سبيلهم، فلا يزيدهم العفو إلا ضراوة، ولا الرقة عليهم إلا قساوة، وعند وصول " جرج " في هذه الدفعة الأخيرة رسولا إلينا بزعمه، ورد إلينا كتاب ممن لا نرتاب به من قومه، يذكرون أنه رسول مخاتلة، لا رسول مجاملة، وحامل بليّة لا حامل هديّة، فأوهمناه الإغفال عن التيقظ لكل ما يصدر منه وإليه، فتوصل مرة بالخروج ليلا، ومرة بالركوب إلى الكنيسة وغيرها نهارا إلى الاجتماع بحاشية القصر وخدامه، وبأمراء المصريين وأسبابهم، وجماعة من النصارى واليهود وكلابهم وكتابهم، فدسسنا إليهم من طائفتهم من داخلهم، فصار ينقل إلينا أخبارهم، ويرفع إلينا أحوالهم، ولما تكاثرت الأقوال، وكاد يشتهر علمنا بهذه الأحوال، استخرنا الله تعالى، وقبضنا على جماعة مفسدة، وطائفة من هذا الجنس متمردة، قد اشتملت على الاعتقادات المارقة، والسرائر المنافتة، فكلا أخذ الله بذنبه، فمنهم من أقرّ طائعا عند إحضاره، ومنهم من أقرّ بعد ضربه، فانكشفت أمور أخرى كانت مكتومة، ونوب غير التي كانت عندنا معلومة، وتقريرات مختلفة في المراد، متفقة في الفساد ".
стр. 817
ثم ذكر تفصيلا حاصله: أنهم عيّنوا خليفة ووزيرا مختلفين في ذلك، فمنهم من طلب إقامة رجل كبير السن من بنى عم العاضد، ومنهم من جعل ذلك لبعض أولاد العاضد وإن كان صغيرا، واختلف هؤلاء في تعيين واحد من ولدين له، وأما بنو رزّيك وأهل شاور فكلّ منهم أراد الوزارة لبيتهم، من غير أن يكون لهم غرض في تعيين الخليفة.
ثم قال:
" وكانوا فيما تقدم، والمملوك على الكرك والشوبك بالعسكر قد كاتبوهم، وقالوا لهم إنه بعيد، والفرصة قد أمكنت، فإذا وصل الملك الفرنجى إلى صدر أو إلى أيلة ثارت حاشية القصر، وكافة الجند، وطائفة السودان، وجموع الأرمن وعامة الإسماعيلية، وفتكت بأهلنا وأصحابنا بالقاهرة ".
ثم قال:
" ولما وصل " جرج " كتبوا إلى الملك الفرنجى أن العساكر متباعدة في نواحى إقطاعاتهم، وعلى قرب من موسم غلاتهم، وأنه لم يبق في القاهرة إلا بعضهم، وإذا بعثت أسطولا إلى بعض الثغور أنهض فلانا من عنده، وبقى في البلد وحده، ففعلنا ما تقدم ذكره من الثورة ".
ثم قال:
" وفى أثناء هذه المدة كاتبوا سنانا - صاحب الحشيشية - بأن الدعوة واحدة، والكلمة جامعة، وأن ما بين أهلها خلاف إلا فيما لا يفترق به كلمة، ولا يجب به قعود عن نصرة، واستدعوا منه من يتمم على المملوك غيلة، أو يبيّت له مكيدة وحيلة، والله من ورائهم محيط، وكان الرسول إليهم عن المصريين خال ابن قرجلة المقيم الآن هو وابن أخته عند الفرنج.
стр. 818
ولما صحّ الخبر، وكان حكم الله أولى ما أخذ به، وأدب الله أمضى فيمن خرج عن أدبه، وتناصرت من أهل العلم الفتاوى، وتوالت من أهل المشورة بسبب تأخير القتل فيهم المراجعات والشكاوى، قتل الله بسيف الشرع المطهر جماعة من الغوات والغلاة، الدعاة إلى النار، الحاملين لأثقالهم وأثقال من أضلوه من الفجّار، وشنقوا على أبواب قصورهم، وصلبوا على الجذوع المواجهة لدورهم، ووقع التتبع لأتباعهم، وشردت طائلة الإسماعيلية ونفوا، ونودى بأن يرحل كافة الأجناد، وحاشية القصر، وراجل السودان إلى أقصى بلاد الصعيد.
فأما من في القصر فقد وقعت الحوطة عليهم إلى أن ينكشف وجه رأى يمضى بينهم. ولا رأى فوق رأى المولى، والله سبحانه المستخار، وهو المستشار، وعنده من أهل العلم من تطيب النفس بتقليده، وتمضى الحدود بتحديده، ورأى المملوك إخراجهم من القصر فإنهم مهما بقوا فيه بقيت مادة لا تنحسم الأطماع عنها، فإنه حبالة للضلال منصوبة، وبيعة للبدع محجوبة.
ومما يطرف المولى به أن ثغر الاسكندرية - على عموم مذهب السنة فيه - أطلع البحث أنّ فيه داعية خبيثا أمره، محتقوا شخصه، عظيما كفره، يسمى قديد القفّاص، وأن المذكور مع خموله في الديار المصرية، قد فثت في الشام دعوته، وطبقت عقول أهل مصر فتنته، وأن أرباب المعايش فيه يحملون إليه جزءا من كسبهم، والنسوان يبعثن إليه شطرا وافيا من أموالهن، ووجدت في منزله بالاسكندرية عند القبض له والهجوم عليه كتبا مجردة، فيها خلع العذار، وصريح الكفر الذى ما عنه اعتذار، ورقاع يخاطب بها، فيها ما تقشعر منه الجلود: وبالجملة فقد كفى الإسلام أمره، وحاق به مكره، (٢٢٢) وصرعه كفره ".
стр. 819
(١١)
قطعة من رسالة بقلم العماد الأصفهانى، مرسلة من الملك الصالح إسماعيل إلى صلاح الدين، ينبئه بوفاة والده نور الدين ويعزيه فيه
عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٣٠) " ورد خبر من جانب العدو اللعين، عن المولى نور الدين، أعاذنا الله فيه من سماع المكروه، ونوّر بعافيته القلوب والوجوه؛ فاشتد به الأمر، وضاق به الصدر، وانقصم بحادثه الظهر، وعز فيه التثبت وأعوز الصبر، فإن كان - فللحوادث والعياذ بالله - قد تم، وخصه الحكم الذى عم، فللحوادث تدخر النصال، وللأيام تصطنع الرجال، وما رتّب الملوك ممالكها إلا لأولادها، ولا استودعت الأرض الكريمة البذر إلا لتؤدى حقها يوم حصادها، فالله الله أن تختلف القلوب والأيدى، فتبلغ الأعداء مرادها، وتعدم الآراء رشادها، وتنتقل النعم التي تعبت الأيام فيها إلى أن أعطت قيادها، فكونوا يدا واحدة، وأعضادا متساعدة، وقلوبا يجمعها ود، وسيوفا يضمها غمد، ولا تختلفوا فتنكلوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وقوموا على أمشاط الأرجل، ولا تأخذوا الأمر بأطراف الأنمل، فالعداوة محدقة بكم من كل مكان، والكفر مجتمع على الإيمان، ولهذا البيت منا ناصر لا نخذله، وقائم لا نسلمه، وقد كانت وصيته إلينا سبقت، ورسالته عندنا تحققت، بأن ولده القائم بالأمر، وسعد الدين كمشتكين الأتابك بين يديه، فإن كانت الوصية ظهرت وقبلت، والطاعة في الغيبة والحضور أديت وفعلت، وإلا فنحن لهذا الولد يد على من ناواه، وسيف على من عاداه، وإن أسفر الخبر عنه عن معافاه، فهو الغرض المطلوب والنذر الذى يحل على الأيدى والقلوب ".
стр. 820
(١٢)
قطعة من رسالة بقلم القاضى الفاضل مرسلة من صلاح الدين إلى الملك الصالح إسماعيل للتعزية في وفاة والده نور الدين
عن: (أبو شامة: كتاب الروضتين، ج ١، ص ٢٣٠) " وأما العدو - خذله الله - فوراءه من الخادم من يطلبه طلب ليل لنهاره، وسيل لقراره إلى أن يزعجه من مجاثمه، ويستوقفه عن مواقف مغانمه، وذلك من أقل فروض البيت الكريم [٢٣١] وأيسر لوازمه.
أصدر هذه الخدمة يوم الجمعة رابع ذى القعدة، وهو اليوم الذى أقيمت فيه الخطبة بالاسم الكريم، وصرح فيه بذكره في الموقف العظيم، والجمع الذى لا لغو فيه ولا تأثيم، وأشبه يوم الخادم أمسه في الخدمة، ووفى مالزمه من حقوق النعمة، وجمع كلمة الإسلام عالما أن الجماعة رحمة، والله تعالى يخلد ملك المولى الملك الصالح ويصلح به وعلى يديه، ويؤكد عهود النعماء الراهنة لديه، ويجعل للإسلام واقية باقية عليه، ويوفق الخادم لما ينويه من توثيق سلطانه وتشييده، ومضاعفة ملكه ومزيده، وييسر منال كل أمر صالح، وتقريب بعيده إن شاء الله ".
стр. 821
(١٣)
قطعة من رسالة بقلم القاضى الفاضل أرسلها صلاح الدين إلى الملك الصالح إسماعيل للسؤال عن صحة والده نور الدين، بعد أن أشاع الفرنج خبر موته، ولم يكن صلاح الدين قد تأكد عنده هذا الخبر بعد
عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٣٠) " أطال الله بقاء سيدنا الملك الناصر، وعظّم أجرنا وأجره في والدنا الملك العادل، ندب الشام بل الإسلام حافظ ثغوره، وملاحظ أموره، ومقدام الجهاد، مقتنى فضيلته، ومؤدى فريضتة، ومحيى سنته، وأورثنا بالاستحقاق ملكه وسريره، على أنه يعز أن يرى الزمان نظيره، وما هاهنا ما يشغل السر، ويقسم الفكر، إلا أمر الفرنج خذلهم الله، وما كان اعتماد مولانا الملك العادل عليه، وسكونه إليه إلا لمثل هذا الحادث الجلل، والصرف الكارث المذهل، فقد ادخره لكفايات النوائب، وأعده لحسم أدواء المعضلات اللوازب، وأملّه ليومه ولغده، ورجاه لنفسه ولولده، ومكنه قوة لعضده، فما - فقد ﵀ إلا صورة والمعنى باق، والله تعالى حافظ لبيته واق، وهل غيره دام سموه من مؤازر، وهل سوى السيد الأجل الناصر من ناصر، وقد عرفناه المقترح ليروض برأيه من الأمر ما جمح، والأهم شغل الكفار عن هذه الديار بما كان عازما عليه من قصدهم والنكاية فيهم على البدار، ويجرى على العادة الحسنى في إحياء ذكر الوالد، بتجديد ذكرنا، راغبا في اغتنام ثنائنا وشكرنا ".
стр. 822
(١٤)
رسالة مرسلة من صلاح الدين إلى أحد أمراء الشام ينبئه بخبر وصول الأسطول من صقلية لمهاجمة مدينة الاسكندرية في يوم الأحد السادس والعشرين
من ذى الحجة سنة ٥٦٩، وكيف انتهى الأمر بفشله في أول المحرم سنة ٥٧٠ عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٣٤ - ٢٣٥) " إنّ أول الأسطول وصل وقت الظهر، ولم يزل متواصلا متكاملا إلى وقت العصر، وكان ذلك على حين غفلة من المتوكلين بالنظر، لا على حين خفاء من الخبر، فأمر ذلك الأسطول كان قد اشتهر وروع به ابن عبد المؤمن في البلاد المغربية، وهدد به في الجزائر الرومية صاحب قسطنطينية، فشوهد في الثغر من وفور عدته وكثرة عدته، وعظيم الهمة به، وفرط الاستكثار منه، ما ملأ البحر واشتد به الأمر، فحمى أهل الثغر عليهم البر، ثم أشير عليهم أن يقربوا من السور، فأمكن الأسطول النزول، فاستنزلوا خيولهم من الطرائد، وراجلهم من المراكب، فكانت الخيل ألفا وخمسمائة رأس، وكانوا ثلاثين ألف مقاتل، ما بين فارس وراجل، وكانت عدة الطرائد ستة وثلاثين طريدة تحمل الخيل، وكان معهم مائتا شينى، في كل شينى مائة وخمسون راجلا، وكانت عدة السفن التي تحمل آلات الحرب والحصار من الأخشاب الكبار وغيرها ست سفن، وكانت عدة المراكب الحمّالة برسم الأزواد والرجال أربعين مركبا، وفيها من الراجل المتفرق وغلمان الخيّالة، وصناع المراكب، وأبراج الزحف، ودباباته، والمنجنيقية، ما يتمم خمسين ألف رجل.
ولما تكاملوا نازلين على البر، خارجين من البحر، حملوا على المسلمين حملة أوصلوهم إلى السور، وفقد من أهل (٢٣٥) الثغر في وقت الحملة ما يناهز
стр. 823
سبعة أنفس، واستشهد محمود بن البصار وبسهم جرح، وجذفت مراكب الفرنج داخلة إلى الميناء، وكان به مراكب مقاتلة، ومراكب مسافرة، فسبقهم أصحابنا إليها فخسفوها وغرقوها، وغلبوهم على أخذها، وأحرقوا ما احترق منها، واتصل القتال إلى المساء فضربوا خيامهم بالبر، وكان عدتهم ثلثمائة خيمة.
فلما أصبحوا زحفوا وضايقوا، وحاصروا، ونصبوا ثلاث دبابات بكباشها، وثلاثة مجانيق كبار المقادير، تضرب بحجارة سود استصحبوها من صقلية، وتعجب أصحابنا من شدة أثرها، وعظم حجرها، وأما الدبابات فإنها تشبة الأبراج في جفاء أخشابها، وارتفاعها، وكثرة مقاتلتها، واتساعها، وزحفوا بها إلى أن قاربت السور، ولجّوا في القتال عامة النهار المذكور.
وورد الخبر إلى منزلة العساكر بفاقوس يوم الثلاثاء ثالث يوم نزول العدو على جناح الطائر، فاستنهضنا العساكر إلى الثغرين: اسكندرية ودمياط، احترازا عليها واحتياطا في أمرها، وخوفا من مخالفة العدو إليها، واستمر القتال، وقدمت الدبابات، وضربت المنجنيقات، وزاحمت السور إلى أن صارت منه بمقدار أماج البحر، وأهاج الدور، فاتفق أصحابنا على أن يفتحوا أبوابا قبالتها من السور، ويتركوها معلقة بالقشور، ثم فتحوا الأبواب، وتكاثر صالح أهل الثغر من كل الجهات، فأحرقوا الدبابات المنصوبة، وصدقوا عندها من القتال، وأنزل الله على المسلمين النصر، وعلى الكفار الخذلان والقهر.
والتصل القتال إلى العصر من يوم الأربعاء، وقد ظهر فشل الفرنج ورعبهم، وقصرت عزائمهم وفتر حربهم، وأحرقت آلات قتالهم، واستحر القتل والجراح في رجالهم، ودخل المسلمون إلى الثغر لأجل قضاء فريضة الصلاة، وأخذ ما به قيام الحياة، وهم على نية المباكرة، والعدو على نية الهرب والمبادرة.
стр. 824
ثم كرّ المسلمون عليهم بغتة وقد كاد يختلط الظلام، فهاجموهم في الخيام، فتسلموها بما فيها، وفتكوا في الرجالة أعظم فتك وتسلموا الخيالة، ولم يسلم منهم إلا من نزع لبسه، ورمى في البحر نفسه، وتقحم أصحابنا في البحر على بعض المراكب فخسفوها وأتلفوها، فولّت بقية المراكب هاربة، وجاءتها أحكام الله الغالبة، وبقى العدو بين قتل وغرق، وأسر وفرق، واحتمى ثلثمائة فارس منهم في رأس تل، فأخذت خيولهم، ثم قتلوا وأسروا، وأخذ من المتاع والآلات والأسلحة مالا يملك مثله، وأقلع هذا الأسطول عن الثغر يوم الخميس ".
стр. 825
(١٥)
رسالة بقلم القاضى الفاضل أرسلها صلاح الدين وهو بالقرب من حماة في طريقه إلى حلب لمحاربة قواد نور الدين، إلى الديوان العزيز ببغداد ، يعدد فيها فتوحه وانتصاراته في مصر واليمن والمغرب، ويسأل الخليفة أن يرسل إليه التقاليد بتوليته على هذه البلاد، وعلى ما قد يفتحه في المستقبل من بلاد أخرى
عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٤١ - ٢٤٣) " فإذا قضى التسليم حق اللقاء، واستدعى الإخلاص جهد الدعاء، فليعد وليعد حوادث ما كانت حديثا يفترى، وجوارى أمور إن قال فيها كثيرا فأكثر منه ما قد جرى، وليشرح صدرا منها لعله يشرح منا صدرا، وليوضح الأحوال المستسرة، فإن الله لا يعبد سرا:
ومن الغرائب أن تسير عرائب ... في الأرض لم يعلم بها المأمول
كالعيس أقتل ما يكون لها الصدى، ... والماء فوق ظهورها محمول
فإنا كنا نقتبس النار بأكفنا وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، ونلقى السهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، ونصافح الصفاح بصدورنا وغيرنا يدعى التصدير، ولابد أن تسترد بضاعتنا بموقف العدل الذى تردّ به الغصوب، وتظهر طاعتنا فنأخذ بحظ الألسن كما أخذنا بحظ القلوب، وما كان العائق إلا أنا كنا ننتظر ابتداء من الجانب الشريف بالنعمة يضاهى ابتداءنا بالخدمة، وإنجابا للحق يشاكل إنجابنا للسبق، كان أول أمرنا أنا كنا في الشام لفتح الفتوح مباشرين بأنفسنا، ونجاهد الكفار متقدمين لعساكرنا، نحن ووالدنا وعمنا في أي مدينة فتحت، أو معقل ملك، أو عسكر للعدو كسر، أو مصاف
стр. 826
للإسلام معه ضرب، فما يجهل أحد صنعنا، ولا يجحد عدونا أنا تصطلى الجمرة، ونملك الكرة، ونتقدم الجماعة، ونرتب المقاتلة، وندبر التعبية، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرها، وكانت أخبار مصر تتصل بنا بما الأحوال عليه فيها من سوء تدبير، وبما دولتها عليه من غلبة صغير على كبير، وأن النظام بها قد فسد، والإسلام بها قد ضعف عن إقامة كل من قام وقعد، والفرنج قد احتاج من يدبرها إلى أن يقاطعهم بأموال كثيرة، لها مقادير خطيرة، وأن كلمة السنة بها وإن كانت مجموعة، فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة وإن كانت مسماة، فإنها متحاماة، وتلك البدع بها على ما يعلم، وتلك الضلالات فيها على ما يفتى فيه بفراق الإسلام ويحكم، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللحم والدم، وتلك الأنصاب قد نصبت آلهة تعبد من دون الله وتعظم وتفخم، فتعالى الله عن شبه العباد، وويل لمن غرّه تقلب الذين كفروا في البلاد، فسمت همتنا دون همم أهل الأرض إلى أن نستفتح مقفلها، ونسترجع للإسلام شاردها، ونعيد على الدين ضالته منها.
فسرنا إليها في عساكر ضخمة، وجموع جمة، وبأموال انتهكت الموجود، وبلغت منا المجهود، أنفقناها من حاصل ذممنا وكسب أيدينا، وثمن أسارى الفرنج الواقعين في قبضتنا، فعرضت عوارض منعت، وتوجهت للمصريين رسل باستنجاد الفرنج قطعت، ولكل أجل كتاب، ولكل أمل باب، وكان في تقدير الله أنا نملكها على الوجه الأحسن، ونأخذها بالحكم الأقوى الأمكن، فغدر الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عظم خطبها وخبطها، وعلم أن استئصال كلمة الإسلام محطها، فكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان، كما كاتبنا المسلمون من الشام في هذا الأوان، بأنا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج عن اليد، وإن لم ندفع غريم اليوم لم نمهل إلى الغد، فسرنا بالعساكر المجموعة، والأمراء والأهل المعروفة، إلى بلاد قد تمهد لنا بها أمران، وتقرر لنا في القلوب ودان: الأول ما علموه من إيثارنا للمذهب الأقوم، وإحياء الحق الأقدم، والآخر ما يرجونه من فك أسارهم وإقالة عثارهم،
стр. 827
ففعل الله ما هو أهله، وجاء الخبر إلى العدو فانقطع حبله، وضاقت به سبله، وأفرج عن الديار بعد أن كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وأقاليمها قد نفذت فيها أوامره، وخفقت عليها صلبانه، ونصبت بها أوثانه، وأيس من أن يسترجع ما كان بأيديهم حاصلا، وأن يستنقذ ما صار في ملكهم داخلا.
ووصلنا البلاد وبها أجناد عددهم كثير، وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلمتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السر فيهم أنفذ من العزيمة في الجهر، وبها راجل من السودان يزيد على مائة ألف كلهم أغتام أعجام، إن هم إلا كالأنعام، لا يعرفون ربّا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلا [٢٤٢] ما يتوجهون إليه من ركنه وامتثال أمره، وبها عسكر من الأرمن باقون على النصرانية، موضوعة عنهم الجزية، كانت لهم شوكة وشكة، وحمة وحمية، ولهم حواش لقصورهم من بين داع تتلطف في الضلال مداخله، وتصيب القلوب مخاتله، ومن بين كتاب تفعل أقلامهم أفعال الأسل، وخدام يجمعون إلى سواد الوجوه سواد النحل، ودولة قد كبر نملها الصغير ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع ما يكنه الضمير، فكيف بخطوات التدبير.
هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة، وتعطيل للفرائض على عادة جارية جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله بالتنزيل، وكفر سمى بغير اسمه، وشرع يتستر به ويحكم بغير حكمه.
فما زلنا نسحتهم سحت المبارد للشفار، ونتحيفهم تحيف الليل والنهار، بعجائب تدبير لا تحتملها المساطير، وغرائب تقدير لا تحملها الأساطير، ولطيف توصل ما كان من حيلة البشر ولا قدرتهم لولا إعانة المقادير.
وفى أثناء ذلك استنجدوا علينا بالفرنج دفعة إلى بلبيس ودفعة إلى دمياط، وفى كل دفعة منهما وصلوا بالعدد المجهر، والحشد الأوفر، وخصوصا في نوبة دمياط، فإنهم نازلوها بحرا في ألف مركب مقاتل وحامل، وبرا في مائتى
стр. 828
ألف فارس وراجل، وحصروها شهرين يباكرونها ويراوحونها ويماسونها ويصابحونها القتال الذى يصلبه الصليب، والقراع الذى ينادى به الموت من مكان قريب، ونحن نقاتل العدوين الباطن والظاهر، ونضابر الضدين المنافق والكافر، حتى أتى الله بأمره وأيدنا بنصره، وخابت المطامع من المصريين والفرنج، وشرعنا في تلك الطوائف من الأرمن والسودان والأجناد فأخرجناهم من القاهرة تارة بالأوامر المرهقة لهم، وتارة بالأمور الفاضحة منهم، وطورا بالسيوف المجردة، وبالنار المحرقة، حتى بقى القصر ومن به من خدم ومن ذرية قد تفرقت شيعه، وتمزقت بدعه، وخفتت دعوته، وخفيت ضلالته.
فهنالك تمّ لنا إقامة الكلمة، والجهر بالخطبة، والرفع للواء الأسود الأعظم، وعاجل الله الطاغية الأكبر بهلاكه وفنائه، وبرأنا من عهدة يمين كان إثم حنثها أيسر من إثم إبقائه، لأنه عوجل لفرط روعته، ووافق هلاك شخصه هلاك دولته.
ولما خلا ذرعنا ورحب وسعنا، نظرنا في الغزوات إلى بلاد الكفار فلم تخرج سنة إلا عن سنة أقيمت فيها برا وبحرا، مركبا وظهرا، إلى أن أوسعناهم قتلا وأسرا، وملكنا رقابهم قهرا وقسرا، وفتحنا لهم معاقل ما خطر أهل الإسلام فيها منذ أخذت من أيديهم، ولا أوجفت عليها خيلهم ولا ركابهم مذ ملكها أعاديهم، فمنها ما حكمت فيه يد الخراب، ومنها ما استولت عليه يد الاكتساب، ومنها قلعة بثغر أيلة، كان العدو قد بناها في بحر الهند، وهو المسلوك منه إلى الحرمين واليمن، وغزا ساحل الحرم فساء منه خلقا، وخرق الكفر في هذا الجانب خرقا، فكادت القبلة أن يستولى على أصلها، ومشاعر الله أن يسكنها غير أهلها، ومقام الخليل ﵇ أن يقوم به من ناره غير برد وسلام، ومضجع الرسول ﷺ أن يتطرقه من لا يدين بما جاءبه من الإسلام، فأخذت هذه القلعة، وصارت معقلا للجهاد، وموئلا لسفار البلاد، وغيرهم من عباد العباد ".
стр. 829
ثم قال:
" وكان باليمن ما علم من أمر ابن مهدى الضال الملحد، المبدع المتمرد، وله آثار في الإسلام وثار، طالبه النبى ﷺ ، لأنه سبى الشرائف الصالحات وباعهن بالثمن البخس، واستباح منهن كل مالا يقر لمسلم عليه نفس، ودان ببدعه ودعا إلى قبر أبيه وسماه كعبة، وأخذ أموال الرعايا المعصومة وأجاحها، وأحلّ الفروج المحرمة وأباحها، فأنهضنا اليه أخانا بعسكرنا بعد أن تكلفنا له نفقات واسعة، وأسلحة رائعة، وسار فأخذناه ولله الحمد، وأنجز الله فيه القصد، والكلمة هنالك بمشيئة الله إلى الهند سامية، وإلى ما يفتضّ الإسلام عذرته متمادية.
ولنا في الغرب أثر أغرب، وفى أعماله أعمال دون مطلبها مهالك، كما يكون المهلك دون المطلب، وذلك أن بنى عبد المؤمن قد اشتهر أن أمرهم قد أمّر، وملكهم قد عمّر، وجيوشهم لا تطاق، وأمرهم لا يشاق، ونحن بحمد الله قد تملكنا مما يجاورنا منه بلادا تزيد مسافتها على شهر، وسيرنا إليها عسكرا بعد عسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن البلاد المشاهير والأقاليم الجماهير: برقة، قفصة، قسطيلية، توزر، كل هذا تقام فيها الخطبة لمولانا الامام المستضئ بأمر الله أمير المؤمنين، سلام الله عليه، ولا عهد للإسلام بإقامتها وينفذ فيها الأحكام بعلمها المنصور وعلامتها.
وفى هذه السنة كان عندنا وفد قد شاهده وفود الأمصار، ورموه بأسماع وأبصار، مقداره سبعون راكبا، كلهم يطلب لسلطان بلده تقليدا، ويرجو منا وعدا ويخاف وعيدا، وقد صدرت عنا بحمد الله تقاليدها، وألقيت الينا مقاليدها، وسيرنا الخلع والمناشير والألويه بما فيها من الأوامر والأقضية.
فأما الأعداء المحدقون بهذه البلاد، والكفار الذين يقاتلوننا بالممالك العظام والعزائم الشداد، فمنهم صاحب قسطنطينية وهو الطاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، وصاحب [٢٤٣] المملكة التي أكلت على الدهر وشربت، وقائم
стр. 830
النصرانية الذى حكمت دولته على ممالكها وغلبت، جرت لنا معه غزوات بحرية، ومناقلات ظاهرة وسرية، ولم نخرج من مصر إلى أن وصلتنا رسله في جمعة واحدة نوبتين بكتابين، كل واحد منهما يظهر فيه خفض الجناح، والقاء السلاح، والانتقال من معاداة إلى مهاداة، ومن مفاضحة إلى مناصحة، حتى أنه أنذر بصاحب صقلية وأساطيله التي تردد ذكرها، وعساكره التي لم يخف أمرها.
ومن هؤلاء الكفار: هذا صاحب صقلية، كان حين علم بأن صاحب الشام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط فغلبا وقسرا وهزما وكسرا، أراد أن يظهر قوته المستقلة، فعمّر أسطولا يستوعب فيه ماله وزمانه، فله الآن خمس سنين تكثر عدته، وتنتخب عدته، إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الاسكندرية أمر رائع، وخطب هائل، ما أثقل ظهر البحر مثل حمله، ولا ملأ صدره مثل خيله ورجله، وما هو إلا إقليم بل أقاليم نقله، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره لولا أن الله خذله.
ومن هؤلاء الجيوش: البنادقه والبياشنة والجنوية، كل هؤلاء تارة يكونون غزاة لا تطاق ضراوة ضرهم، ولا تطفأ شرارة شرهم، وتارة يكونون سفارا يحتكمون على الإسلام في الأموال المجلوبة، وتقصر عنهم يد الأحكام المرهوبة، وما منهم إلا من هو الآن يجلب إلى بلدنا آلة قتاله وجهاده، ويتقرب إلينا باهداء طرائف أعماله وتلاده، وكلهم قد قررت معهم المواصلة، وانتظمت معهم المسالمة، على ما نريد ويكرهون، وعلى ما نؤثر وهم لا يؤثرون.
ولما قضى الله سبحانه بالوفاة النورية، وكنا في تلك السنة على نية الغزاة، والعساكر قد تجهزت، والمضارب قد برزت، ونزل الفرنج على بانياس وأشرفوا على احتيازها، ورأوها فرصة مدّ وأيد انتهازها، استصرخ بنا صاحبها، فسرنا مراحل اتصل بالعدو أمرها، وعوجل بالهدنة الدمشقية التي لولا مسيرنا ما انتظم حكمها، ثم عدنا إلى البلاد، وتوافت الينا الأخبار بما المملكة النورية
стр. 831
عليه من تشعب الآراء وتوزعها، وتشتت الأمور وتقطعها، وأن كل قلعة قد حصل فيها صاحب، وكل جانب قد طمح إليه طالب، والفرنج قد بنوا قلاعا يتخوفون بها الأطراف الإسلامية، ويضايقون بها البلاد الشامية، وأمراء الدولة النورية قد سجن كبارهم وعوقبوا وصودروا، والمماليك الأعماد الذين خلقوا للأطراف لا للصدور، وجعلوا للقيام لا للعقود، في المجلس المحضور، قد مدوا الأيدى والأعين والسيوف، وسارت سيرتهم في الأمر بالمنكر والنهى عن المعروف، وكل واحد يتخذ عند الفرنج يدا، ويجعلهم لظهره سندا.
وعلمنا أن البيت المقدس إن لم تتيسر الأسباب لفتحه، وأمر الكفر إن لم يتجرد العزم في قلعه، وإلا نبتت عروقه، واتسعت على أهل الدين خروقه، وكانت الحجة لله قائمة، وهمم القادرين بالقعود دائمة، وإنّا لا نتمكن بمصر منه مع بعد المسافة، وانقطاع العمارة، وكلال الدواب التي بها على الجهاد القوة، وإذا جاورناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة، واليد قادرة، والبلاد قريبة، والغزوة ممكنة، والميرة متسعة، والخيل مستريحة، والعساكر كثيرة الجموع، والأوقات مساعدة، وأصلحنا ما في الشام من عقائد معتلة، وأمور مختلة، وآراء فاسدة، وأمراء متحاسدة، وأطماع غالبة، وعقول غائبة، وحفظنا الولد القائم بعد أبيه، فأنا به أولى من قوم يأكلون الدنيا باسمه، ويظهرون الوفاء في خدمته وهم عاملون بظلمه.
والمراد الأن هو كل ما يقوى الدولة، ويؤكد الدعوة، ويجمع الأمة، ويحفظ الألفة، ويضمن الرأفة، ويفتح بقية البلاد، وأن يطبق بالاسم العباسى كل ما تطبقه العهاد، وهو: تقليد جامع بمصر، واليمن، والمغرب، والشام، وكلما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله للدولة العباسية بسيوفنا وسيوف عساكرنا، ولمن نقيمه من أخ أو ولد من بعدنا، تقليدا للنعمة تخليدا، وللدعوة تجديدا، مع ما ينعم به من السمات التي فيها الملك.
стр. 832
وبالجملة فالشام لا ينتظم أموره بمن فيه، والبيت المقدس ليس له قرن يقوم به ويكفيه، والفرنج فهم يعرفون منا خصما لا يمل الشر حتى يملوا، وقرنا لا يزال محرم السيف حتى يحلوا؛ وإذا شدّ رأينا حسن الرأى ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله ويد كل مؤمن تحت برده، واستنقذنا أسيرا من المسجد الذى أسرى الله إليه بعبده ".
стр. 833
(١٦)
قطع من رسائل بقلم القاضى الفاضل مرسلة من صلاح الدين إلى الديوان العزيز ببغداد في تعداد ماله من الأيادى على الخلافة العباسية، وخاصة إعادة الخطبة لها في مصر واليمن والمغرب
عن: (الروضتين، ج ١، ص ٢٤٣ - ٢٤٤) " والذى أجراه الله على يد المملوك من الممالك التي دوّخها، وسنن الضلال التي نسخها، وعقود الإلحاد التي فسخها، ومنابر الباطل التي رحضها، وحجج الزندقة التي دحضها، فلله عليه المنة فيه إذ أهلّه لشرف مشهده، وما فعله إلا لوجهه، ويد الله كانت عون يده، وإلا فقد قضت الليالى والأيام على تلك الأمور وما تحركت للفلك في قلعها نابضة، وغيرت الأحوال على تلك البدعة، وما ثارت لأفراسها رابضة، فثكر يد الله تعالى فيما أجراه على يده [٢٤٤] منها أن يجتهد في أخرى مثلها في الكفار وقد عاد الإسلام إلى وطنه، وصوحت من الكفر خضراء دمنه ".
ومن كتاب آخر للفاضل يذكر فيه إعادة صلاح الدين الخطبة بمصر للدولة العباسية يقول فيه:
" حتى أتى الدنيا ابن بجدتها، فقضى من الأمر ما قضى، وأسخط من لله في سخطه رضى، وجعل وجه لابسى السواد مبيضا، فأدرك لهم بثأر نامت عنه الهمم، ودوخت عليه الأمم، وشفى الصدور، وجاء بالحق إلى من غرّه بالله الغرور، واستبضع إلى الله تعالى تجارة لن تبور ".
стр. 834
ومن كتاب آخر:
" قد بورك للخادم في الطاعة التي لبس الأولياء شعارها، وأمضى في الأعداء شفارها، وجمع عليها الدين وكان أديانا، واستقامت بها القلوب على صبغة التكلف وكانت ألوانا ".
ومن كتاب آخر:
" لم يكن سبب خروج المملوك من بيته إلا وعد كان انعقد بينه وبين نور الدين ﵀ في أن يتجاذبا طرفى الغزاة من مصر والشام، المملوك بعسكرى بره وبحره، ونور الدين من جانب سهل الشام ووعره، فلما قضى الله بالمحتوم على أحدهما، وحدثت بعد الأمور أمور اشتهرت للمسلمين عورات، وضاعت ثغور، وتحكمت الآراء الفاسدة، وفورقت المحاج القاصدة، وصارت الباطنية بطانة من دون المؤمنين، والكفار محمولة إليها جزى المسلمين، والأمراء الذين كانوا للإسلام قواعد، وكانت سيوفهم للنصر موارد، يشكون ضيق حلقات الأسار، وتطرق الكفار بالبناء في الحدود الإسلامية، ولا خفاء أن الفرنج بعد حلولنا بهذه الخطة قاموا وقعدوا، واستنجدوا علينا أنصار النصرانية في الأقطار وسيروا الصليب ومن كسى مذابحهم بقمامة وهددوا طاغية كفرهم بأشراط القيامة، وأنفذوا البطارقة والقسيسين برسائل وصور من يصورونه ممن يسمونهم القديسين، وقالوا إن الغفلة إن وقعت أوقعت فيما لا يستدرك فارطه، وأن كلا من صاحب قسطنطينية وصاحب صقلية وملك الألمان وملوك وماوراء البحر، وأصحاب الجزائر كالبندقية والبيشانية والجنوية وغيرهم، قد تأهبوا بالعمائر البحرية، والأساطيل القوية، وللإسلام بأمير المؤمنين أعز ناصر، لاسيما وهم ينصرون باطلا، وهو ينصر حقا، وهو يعبد خالقا وهم يعبدون خلقا ".
стр. 835
(١٧)
خطاب بقلم القاضى الفاضل، مرسل من صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى المنصور يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن، الخليفة الموحدى بالمغرب، في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، يستجيشه على الفرنج أثناء قتاله معهم حول عكا
عن: (القلقشندى: صبح الأعشى، ج ٦، ص ٥٢٦ - ٥٣٠) فتح الله بحضرة سيدنا أمير المؤمنين، وسيد العالمين، وقسيم الدنيا والدين، أبواب الميامن، وأسباب المحاسن، وأحله من كفايته في الحرم الآمن، وأنجزه من نصرة الحق ما الله له ضامن، وأصلح به كلّ رأى عليه الهوى رائن، ومكّن له في هذه البسيطة بسطة، وزاده بالعلم غبطة، حتى يكون للأنبياء بالعلم وللأرض بالعزم وارثا، وحتى يشيد بحادث قديما من مجده الذى لا يزال بغض الحديث حادثا.
كان من أوائل عزمنا وفواتح رأينا عند ورودنا الديار المصرية مفاتحة دولة سيدنا، وأن نتيمن بمكاتبتها، ونتزين بمخاطبتها، وننهض إليها أماثل الأصحاب ونستسقى معرفتها استسقاء السحاب، وننتجعها بالخواطر ونجعل الكتب رسلها، وأيدى الرسل سبلها، ونمسك طرفا من حبل الجهاد يكون بيد حضرة سيدنا العالية طرفه، ونمسح غرة سبق وارثها ووارث نورها سلفه، ونتجاذب أعداء الله من الجانبين، لا سيما بعد أن نبنا عنه نيابتين في نوبتين: فالأولى تطهير الأرضين المصرية واليمنية من ضلالة أغضت عيون الأيام على قذاها، وأنامت عيون الأنام بائعة يقظتها بكراها، ونيابة ثانية في تطهير بيت المقدس ممن كان يعارض برجسه تقديسه، ويزعج ببناء ضلاله تأسيسه، وما كان إلا جنة إسلام فخرج منها المسلمون خروج أبيبم آدم من الجنة، وأعقبهم فيها إبليس الكفر
стр. 836
وما أجارته مما أعقبه اللعنة، وما كانت لنا بذلك قوة بل لله القوة، ولا لنا على الخلق منة بل لله المنة.
ولما حطّت لدين الكفر تيجان، وحطمت لذويه صلبان؛ وأخرس الناقوس الآذان؛ ونسخ الإنجيل القرءان؛ وفكّت الصخرة من أسرها، وخفّ ما كان على قلب الحجر الأسود بخفة ما كان على ظهرها؛ وبذلك أن يد الكفر غطتها وغمرتها.
فلله الحمد أن أحرمت الصخرة بذلك البنيان المحيط، وطهرها ماطر من دم الكفر وما كان ليطهرها البحر المحيط، فهنالك غلب الشرك وانقلب صاغرا، واستجاش كافر من أهله كافرا؛ واستغضب أنفاره النافرة، واستصرخ نصرانيته المتناصرة، وتظاهروا علينا وإن الله مولانا، وطاروا إلينا زرافات ووحدانا، فلم يبق طاغية من طواغيهم، ولا أثفية من أثافيهم؛ إلا ألجم وأسرج، وأجلب وأرهج، وخرّج وأخرج، وجاد بنفسه أو بولده، وبعدده وبعدده؛ وبذات صدره وبذات يده، وبكتائبه برا، وبمراكبه بحرا؛ وبالأقوات للخيل والرجال، والأسلحة والجنن لليمين والشمال؛ وبالنقدين على اختلاف صنفيهما في الجمع، وائتلاف وصفيهما في النفع؛ وأنهض أبطال الباطل، من فارس وراجل، ورامح ونابل، وحاف وناعل؛ ومواقف ومقاتل؛ كلّ خرج متطوعا، وأهطع مسرعا، وأتى متبرعا، ودعا نفسه قبل أن يستدعى وسعى إلى حتفها قبل أن يستسعى؛ حتى ظننا [أن] في البحر طريقا يبسا؛ وحتى تيقنا أن ماوراء البحر قد خلا وعسا؛ وقلنا: كيف نترك، وقد علم أنه يدرك؟ وزادت هذه الحشود المتوافية، وتجافت عنها الهمم المتجافية، وكثرت إلى أن خرجت من سجن حصرها، ومستقر كفرها، وبقية ثغرها - وهو صور -، فنازلت ثغر عكا في أسطول ملك بحره، وجمع سلك بره، فنهضنا، إليه ونزلنا عليهم وعليه؛ فضرب معنا مصاف قتلت فيه فرسانه، وجدلت
стр. 837
شجعانه، وخذلت صلبانه، وساوى الضرب بين حاسر القوم ودارعهم، وبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، فهنالك لاذوا بالخنادق يحفرونها، وإلى الستائر ينصبونها، وأخلدوا إلى الأرض متثاقلين، وحملوا أنفسهم على الموت متحاملين، وظاهروا بين الخنادق، وراحوا بين المجانق، وكلما يجن القتل من عددهم مائة أوصلها البحر ممن يصل وراءه بألف، وكلما قلّوا في أعيننا في زحف، قد كثروا فيما يليه من الزحف؛ ولو أن دربة عساكرنا في البحر كدربتها في البر، لعجّل الله منهم الانتصاف، واستقل واحدنا بالعشرة ومائتنا بالألف؛ وقد اشتهر خروج ملوك الكفار في الجمع الجم، والعدد الدهم، كأنهم إلى نصب يوفضون، وعلى نار يعرضون، ووصولهم على جهة القسطنطينية - يسّر الله فتحها - على عزم الائتمام إلى الشام في منسلخ الشتاء ومستهل الصيف، والعساكر الإسلامية لهم تستقبل، وإلى حربهم تنتقل، فلا يؤمن على ثغور المسلمين أن يتطرق العدو إليهم وإليها، ويفرغ لها ويتسلط عليها، والله من ورائهم محيط، وإذا قسمت القوة على تلقى القادم وتوقى المقيم، فربما أضرّ بالإسلام انقسامها، وثلمه والعياذ بالله انثلامها.
ولما مخض النظر زبده، وأعطى الرأى حقيقة ما عنده، لم نر لمكاثرة البحر إلا بحرا من أساطيله المنصورة فإن عددها واف، وشطرها كاف، ويمكنه - أدام الله تمكينه - أن يمد الشام منه بعد كثيف، وحد رهيف، ويعهد إلى واليه أن يقيم إلى أن يرتبع ويصيف، ويمكنه أن يكف شطر الأسطول طاغية صقلية ليحصّ جناح قلوعه أن تطير، ويعقل عباب بحره أن يغير، ويعتقله في جزيرته، ويجرى إليه قبل جريرته؛ فيذهب سيدنا وعقبه بشرف ذكر لا تردّ به المحامد على عقبها، ويقيم على الكفر قيامة يطلع بها شمس النصر من مغربها؛ فإذا نفذ طريقه وعلم الناس بموفده، أوردوا وأصدروا في مورده، وشخص المسلم والكافر: هذا ينتظر بشرى البدار، وهذا يستطلع لمن تكون عقبى الدار، وخاف وطأة من يصل من رجال الماء من وصل من رجال النار
стр. 838
ولو بزقت عليهم بازقة غربية لأغرقهم طوفانها، ولو طلعت عليهم جارية بحرية لنعقت قيهم بالشتات غربانها.
وما رأينا أهلا لهذه العزمة إلا حضرة سيدنا أدام الله صدق محبة الخير فيه، إذ كان منحه عادة في الرضى به وقدرة على الإجابه، ورغبة في الإنابه، ولاية لأمر المسلمين، ورياسة للدنيا والدين، وقياما لسلطان التوحيد القائم بالموحّدين، وغضبا لله ولدينه، وبذلا لمذخوره في الذبّ عنه دون ما عوده.
والآن فقد خلا الإسلام بملائكته، لما خلا الكفر بشياطينه، وما أجلت السوابق إلا لإطلاقها، ولا أثلت الذخائر إلا لإنفاقها، وقد استشرف المسلمون طلوعها من جهته المحروسة جارا من الأساطيل تغشى البحار، وليالى من المراكب تركب من البحر النهار، وإذا خفقت قلوعها خفقت للقلاع قلوب، وإذا تجافت جنوبها عن الموج تجافت من الملاعين جنوب؛ فهى بين ثغر كفر تعتقله وتحصره، وبين ثغر إسلام تفرج عنه وتنصره، يكون بها مصائب عند المسلمين (؟) وتظل قلائد المشركين لغربان بحره طرائد، ويمضى سيف الله الذى لا يعدم في كل زمان فيعلم معه أن سيف الله خالد.
أعز الله الإسلام بما يزيد حضرة سيدنا من عزها، فيما مد عليها من ظلها، وبما يسكنه من حرزها، فيما يبسط على الأعداء بها من بأسها، وينزل بهم من رجزها، وبما يجرده من سيوفها، التي تقطع في الكفر قبل سلها وهزها.
وقد أوفدناه على باب حضرة سيدنا، وهو الداعى المسمع، والمبلغ المقنع، والمجمع المستجمع؛ علمناه أمرا يسرا، وبوأناه الصدر فكان وجها، وأودعناه السّر فكان صدرا.
стр. 839
(١٨)
خطاب بقلم القاضى الفاضل، من صلاح الدين إلى سيف الدولة ابن منقذ - رسوله إلى ملك المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن - يستنجد به، ويطلب منه المعاونة بإرسال قطع من أسطوله، أثناء حصار الفرنج لعكا ؛ وتاريخ الخطاب ٢٨ شعبان سنة ٥٨٦ هـ
عن: (الروضتين، ج ٢، ص ١٧٠ - ١٧١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأمير الأجل، الاسفهسلار، الأصيل، العالم، المحترم، شمس الدين، عدّة الإسلام، جمال الأنام، تاج الدولة، أمين الملة، صفوة الملوك والسلاطين، شرف الأمراء، مقدم الخواص، أدام الله توفيقه، ويسّر طريقه، وأنجح مقصده، وأعذب مورده، وحرس مغيبه ومشهده، وأسعد يومه وغده.
يستخير الله سبحانه، ويتوجه - كيفما يسّر الله - إلى الجهة الاسلامية المغربية، - حرس الله جانبها، ونصر كتائبها ومراكبها - ويستقرى في الطريق وفى البلاد من أخبار القوم في أحوالهم وآدابهم وأشغالهم وأفعالهم، وما يحبونه من القول: نزره أو جمّه، ومن اللقاء: منبسطه أو منقبضه، ومن القعود بمجالسهم: مخففه أو مطوله، ومن التحيات المتهاداة بينهم: ما صيغته وما موقعه، وهل هى السنن الدينية أو العوائد الملوكية، ولا يلقه إلا بما يحبه، ولا يخاطبه إلا بما يسره.
والكتاب قد نفذ إليه ولم يختم ليعلم ما خوطب به، والمقصود: أن تقصّ القصص عليه من أول وصولنا إلى مصر، وما أزلنا من البدع بها، وعطلنا من الإلحاد فيها، ووضعنا من المظالم عنها، وإقامة الجمعة وعقد الجماعة فيها، وغزواتنا التي تواصلت إلى بلاد الكفار من مصر، فكانت مقدّمة لملك الشام الإسلامى
стр. 840
باجتماع الكلمة علينا، ومقدّمة لملك الشام الفرنجى بانقياد المسلمين لنا، واتفاق الملوك المجاورين على طاعتنا؛ وتفصيل ما جرى لنا مع الفرنج من الغزوات المتقدمة التي جسنا فيها خلال ديارهم، وجعلها الله تعالى مقدمات لما سبق في علمه من أسباب دمارهم، وما أعقبها من كسرتنا لهم الكسرة الكبرى، وفتح البيت المقدس، وتلك على الإسلام منة الله العظمى، إلى غير ذلك من أخذ الثغور، وافتتاح البلاد وإثخان القتل فيهم والأسر لهم، واستنجاد بقيتهم لفرنج المغرب، وخروج نجداتهم وكثرتها، وقوتها ومنعتها، وغناها وثروتها، ومسارعتها ومبادرتها، وأنه لا يمضى يوم إلا عن قوة تتجدد، وميرة تصل، وأموال واسعة تخرج، ومعونات كثيرة تحمل، وأن ثغرنا حصره العدو، وحصرنا نحن العدو، فما تمكّن من قتال الثغر، ولا تمكّن من قتالنا، وخندق على نفسه عدة خنادق، فما تمكنا من قتاله، وقدّم إلى الثغر أبرجة أحرقها أهله، وخرج مرتين إلى عسكرنا فكسر العدو أقله، فإنه اغتنم أوقاتا لم تكن العساكر فيها مجموعة، وارتاد ساعات لم تكن الأهب فيها مأخوذة، وأقدم على غرة استيقظت فيها نصرة الله لنا وخذلانه لهم، فقتل الله العدو القتل الذريع، وأوقع به الفتك الشنيع، وانجلت إحدى الحركتين عن عشرين ألف قتيل من الكفار خرجت أنفسها إلى مصارعها، وهمدت أجسامها في مضاجعها، والعدو وإن حصر الثغر فإنه محصور، ولو أبرز صفحته لكان باذن الله هو المثبور المكسور.
وتذكر ما دخل الثغر من أساطيلنا ثلاث مرات، وإحراقها لمراكبهم وهى الأكثر، ودخولها بالميرة بحكم السيف الأطهر، وأن أمر العدو مع ذلك قد تطاول، وخطبه قد تمادى ونجدته تتواصل، ومنها ملك الألمان في جموع جماهيرها مجمهرة، وأموال قناطيرها مقنطرة، وأن عساكرنا لو أدركته لما استدرك، ولولا سبقه لها بالدخول إلى أنطاكية لتلف وهلك.
стр. 841
وتذكر أنّ الله قصم طاغية الألمان وأخذه أخذة فرعونية بالإغراق، في نهر الدنيا الذى هو طريقه إلى الإحراق في نار الآخرة، وأن هذا العدو لو أرسل الله عليه أسطولا قويا مستعدا يقطع بحره ويمنع ملكه، لأخذنا العدو إما بالجوع والحصر، أو برز فأخذناه بيد الله تعالى التي بها النصر.
فإن كانت الأساطيل بالجانب المغربى ميسرة، والعدة منها متوفرة، والرجال في اللقاء فارهة، وللمسير غير كارهة، فالبدار البدار، وأنت أيها الأمير فيها أول من استخار الله وسار.
وإن كانت دون الأسطول موانع: إما من قلة عدة، أو من شغل هناك بمهمة، أو بمباشرة عدو ما تحصن منه العورة، أو قد لاحت منه الفرصة؛ فالمعونة ما طريقها واحدة، ولا سبيلها مسدودة، ولا أنواعها محصورة، تكون تارة بالرجال، وتارة بالمال.
وما رأينا أهلا لخطابنا، ولا كفؤا لإنجادنا، ولا محقوقا بدعوتنا، ولا ملبيا بنصرتنا، إلا ذلك الجناب، فلم ندعه إلا لواجب عليه، وإلى ما هو مستقل به ومطيق له، فقد كانت تتوقع منه همة تقد في الغرب نارها، ويستطير في الشرق سناها، وتغرس في العدوة القصوى شجرتها، فينال من في العدوة الدنيا جناها، فلا ترضى همته أن يعين الكفر الكفر، ولا يعين الإسلام الإسلام، وما اختص بالاستعانة إلا لأن العدو جاره، والجار أقدر على الجار، وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار، ولأنه بحر والنجدة بحريّة، ولا غرو أن يجيش البحار البحار.
وإن سئل عن المملوكين: يوزبا وقراقوش، وذكر ما فعلا في أطراف المغرب بمن معهما من نفايات الرجال، الذين نفتهم مقامات القتال، فيعلمهم أن المملوكين ومن معهما ليسوا من وجوه المماليك والأمراء، ولا من المعدودين في الطواشية والأولياء، وإنما كسدت سوقهما، وتبعتهما ألفاف أمثالهما، والعادة جارية أن
стр. 842
العساكر إذا طالت ذيولها، وكثرت جموعها، خرج منها وانضاف إليها، فلا يظهر مزيدها ولا نقصها، ولا كان هذا المملوكان ممن إذا غاب أحضر، ولا ممن إذا فقد افتقد، ولا يقدّر في مثلهما أنه ممن يستطيع نكاية، ولا يأتى بما يوجب شكوى من جناية، ومعاذ الله أن نأمر مفسدا بأن يفسد في الأرض، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت.
وإن سئل عن النوبة المصرية، وما فعل بجندها، فيعلمهم الأمير أن القوم راسلوا الكفار، وأطمعوهم في تسليم الديار، فأشفى الإسلام على أمر شديد، وكاد يقرب على الكفر كل أمر بعيد، فلم يعاقب الجيش بل أعيان المفسدين فقوبلوا بما يجب، وكانوا دعاة كفر وضلال، ومحاربين لله بما سعوا في الأرض من فساد.
فأما بقية الجيش وإن كان منهم من هو تبع للمذكورين في الرضا، فإنهم اقتصر نهم على ألا يكونوا جندا، ومنهم من أجريت عليه أرزاق تبلغه، وشملته آمنة تسكنه.
وأما الهدية المسيّرة على يد الأمير فتفصيلها يرد في كتاب الأمير الأجل، الاسفهسلار، العالم الكبير، مجد الدين، سيف الدولة - أدام الله علوه - مقرونا بالهدية المذكورة.
ومع قرب الشتاء فلم يبق إلا الاستخارة والتسمية، ومبادرة الوقت قبل أن يغلق البحر انفتاح الأشتية.
стр. 843
والله سبحانه يوفق الأمير ويسهل سبيله، ويهدى دليله، ويكلاه بعينه، ويمده بعونه، ويحمل رحله، ويبلغه أهله، ويشرح له صدره، وييسر له أمره، إن شاء الله تعالى.
وكتب [في] ثامن عشرين شعبان سنة ست وثمانين وخمسمائة.
стр. 844
(١٩)
خطاب مرسل من صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى ملك المغرب يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن يستنجد به على الفرنج أثناء حصارهم لعكا ، وفى ختامه إشارة إلى الهدية المرسلة من صلاح الدين بهذه المناسبة
عن: (الروضتين، ج ٢، ص ١٧١ - ١٧٣)
بلاغ إلى محل التقوى الطاهر، ومستقر حزب الله الظاهر، من المغرب، أعلى الله به كلمة الإيمان، ورفع به منار البر والإحسان.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من الفقير إلى رحمة ربه يوسف بن أيوب:
أما بعد: فالحمد لله الماضى المشية، الممضى القضية، البرّ بالبريّة، الحفى بالحنفية، الذى استعمل عليها من استعمر به الأرض، وأغنى من أهلها من سأله القرض، وأجزل أجر من أجرى على يده النافلة والفرض، وزان سماء الملّة بدرارى الذرارى التي بعضها من بعض، وصلى الله على سيدنا محمد الذى أنزل عليه كتابا فيه الشفاء والتبيان، وبنى الإسلام بأمته التي شبهها صاحبها بالبنيان، وعلى آله وصحبه الذين اصطفاهم وطهّرهم فنصروه، وظاهروا رسوله ﷺ فنصرهم وأظهرهم، ويسّر بهم السبيل ثم السبيل يسّرهم، وأن الله بهم لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم. . .
﴿" رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ".﴾
وهذه التحية الطيبة الكريمة الصيبة الواجبة الرد، الموجبة للقصد، العذبة الورد، المتنفسة عن العنبر والورد، وقادة على دار الملك، ومدار النسك، وجل
стр. 845
الجلالة، وأصل الإصالة، ورأس الرياسة، ونفس النفاسة، وحكم الحكم، وعلم العلم، وقائم الدين وقيّمه، ومقدم الإسلام ومقدمه، ومقتضى دين الدين، ومثبت المتقين على اليقين، ومعلى الموحدين على الملحدين أدام الله له النصرة، وجهز به تيسير العسرة، وردّ له الكرة، وبسط له باع القدرة، وأوثق به حبل الالفة، ومهّد له درجات الغرفة، وعرّفه في كل ما يعتزمه صنعا جزيلا جميلا، ولطفا حفيّا جليلا، ويسّر عليه في سبيله كلّ ما هو أشدّ وطأ وأقوم قيلا.
تحية أستنير منها الكتاب، وأستنيب عنها الجواب، وقد حفز لها حافزان:
أحدهما شوق قديم كان مطل غريمه ممكنا إلى أن تتيسر الأسباب، والآخر مرام عظيم ماكره إذا استفتحت به الأبواب؛ وكان وقت المواصلة، وموسم المكاتبة هناؤه بفتح المقدس، وسكون الإسلام منه إلى المقيل والمعرّس، وما فتح الله للإسلام من الثغور، وما شرح لأهله من الصدور، وما أنزله عليهم من النور، ولم يخل المسلمون فيه من دعوات أسرار ذلك الصدر، وملاحظات أنوار ذلك البدر، ومطالعات تلك الجهة، التي هى وإن كانت غربية فإن الغرب مستودع الأنوار، وكنز دينار الشمس ومصب أنهار النهار، ومن جانبه يأتى سكون الليل ومستروح الأسرار، وعنه يقلب الله الليل والنهار، إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار، ولم تتأخر المكاتبة إلا ليتم الله ما بدأ من فضله، وليفتح بقية ما لم ينقطع بتقطع يد الشرك من حبله.
والمفتتح بيد الله من الشام: مدن وأمصار، وبلاد كبار وصغار، وثغور وقلاع كانت للشرك معاقل، وللإسلام معاقر، ولبنى الكفر مصانع، ولبنى الإسلام مصارع؛ والباقى بيد الكفر منها: ثغرا طرابلس وصور، ومدينة أنطاكية - يسّر الله أمرها، وفك من يد الكفر أسرها - وإذا أمّن المؤمن على هذه الدعوة رجا إيجابها، وما يتأخر من الله سبحانه جوابها، فالدعاء أحد السلاحين، ومع النية يطير إلى وكره من السماء بجناحين، بعد أن كسر العدو