← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

- والعماد الكاتب الأصفهانى - وبهاء الدين أسعد بن يحيى السنجارى - وسالم بن سعادة الحمصى - وشرف الدين راجح الحلى - وكمال الدين بن النبيه المصرى - والخليفة العباسى الناصر لدين الله - والملك الأفضل على بن صلاح الدين - والملك العادل أبو بكر وغيرهم كثيرون وقد عارضت الشعر على دواوين هؤلاء الشعراء - إن وجدت - لتقويم النص وضبطه بالشكل، وهذه المجموعة الضخمة من شعر العصر تزيد في أهمية «مفرج الكروب» فإن بعض هذه المقطوعات مما ينفرد هو بإيرادها ولا توجد في المراجع الأخرى، والبعض الآخر لشعراء ضاعت دواوينهم أو لا زالت مخطوطة لم تطبع بعد مثل ديوان شرف الدين راجح الحلى، وبعض ثالث يتضمن أبياتا لا توجد في الدواوين المعروفة. (٤) وهذا الجزء يشبه الجزءين السابقين بكثرة ما به من وثائق رسمية نقلها المؤلف ليؤكد الحقائق التاريخية التي يرويها أو ليزيدها إيضاحا وتوثيقا، والمؤلف - كعادته - يثبت بعض هذه الوثائق كاملة حينا ومنقوصة حينا آخر، وأعود فأكرر هنا الأهمية القصوى لهذه الوثائق باعتبارها المصدر الأول الأكيد للمؤرخين، ولهذا عنيت بإبراز هذه الأهمية في مقدمتى الجزءين الأول والثانى،

стр. 877

ولهذا ألحقت بالجزء الثانى إحدى وعشرين وثيقة أيوبية، وإتماما لهذه الخطة وتمهيدا لإخراج مجموعة مستقلة تضم وثائق العصر الأيوبى على نمط المجموعة التي أخرجتها للوثائق الفاطمية، ألحقت بهذا الجزء اثنتين وثلاثين وثيقة أيوبية أخرى مما عثرت عليه في بطون المراجع التاريخية والأدبية المختلفة. وللوثائق التي أوردها ابن واصل في هذا الجزء أهمية كبرى لضياع أصولها ولانفراد ابن واصل بإيرادها، وللدلالة على أهميتها يكفى أن نشير هنا بعض منها: - رسالة بقلم العماد الكاتب مرسلة من الملك الأفضل بن صلاح الدين - بعد وفاة والده - إلى الخليفة الناصر لدين الله - نموذج طريف لخطبة عقد الزواج في العصر الأيوبى بين الملك العزيز ابن صلاح الدين وابنة عمه الملك العادل. - رسالة من ضياء الدين بن الأثير الوزير إلى بعض إخوانه - قطعة من رسالة مرسلة من الملك الظاهر صاحب حلب إلى الملك المنصور صاحب حماة - خطابان بقلم الوزير صفى الدين بن شكر من الملك العادل إلى الملك المنصور صاحب حماة - رسالة من الملك العادل إلى ابن أخيه الملك الأفضل . . . الخ. . . الخ (٥) وهذا الجزء كسابقه فيه عدد كبير من المصطلحات الإدارية والحربية والاجتماعية التي كانت مستعملة في العصر الأيوبى، وقد تابعت العناية بها وشرحتها في الهوامش شرحا وافيا بقدر ما سمحت لنا به المراجع والمعاجم المتداولة

стр. 878

وأشرت إلى هذه المراجع والمعاجم في نهاية الشرح ليرجع إليها من يريد التثبت أو الاستزادة، وقد أشار ابن واصل في هذا الجزء إلى وظيفة إدارية هامة لم أجد لها ذكرا في المراجع المعاصرة الأخرى وهى: ولاية البر (ووالى البر) بحماة، ومن المصطلحات التي شرحناها فيما يلى - على سبيل المثال لا الحصر -: المثال (ص ٧، هامش ٢) وكوكبورى (ص ١٧، هامش ٣) والسنجق (ص ٢٥، هامش ١) والغاشية (ص ٢٥، هامش ٢) واليزك (ص ٤٨، هامش ١) والكوسات (ص ٥١، هامش ٣) والارتفاعات (ص ٥٤، هامش ١) والمفاردة (ص ٩٣، هامش ٥) والكمة (ص ١٣٤، هامش ٣) والزردخاناه (ص ١٣٥ هامش ٢) وتركبلى (ص ١٤٦ هامش ٢). . . الخ. . . الخ ولا زلت أكرر الدعوة إلى ضرورة الاهتمام بهذه المصطلحات الحضارية وجمعها وشرحها فهى من الأدوات الهامة التي لا يمكن لمن يريد التأريخ لنظم الحكم أو الحضارة في العالم الإسلامى على تلك العصور الاستغناء عنها. وقد حاولت جهدى كذلك ضبط أسماء المدن والقرى وأسماء الأعلام كما ترجمت ترجمات موجزة في الهوامش لمشاهير العصر أو أشرت إلى المراجع التي ترجمت لهم ليرجع إليها من يريد. وفى هذا الجزء أخيرا فقرات تحدث فيها المؤلف عن نفسه فهى تعيننا على تعرف سيرته أو تحديد تاريخ تأليف الكتاب، ومن أهمها إشارته في ص ٩ إلى زيارته لحلب في سنة ٦٢٧ هـ (وكان في الثالثة والعشرين من عمره) وإقامته هناك في مدرسة القاضى المؤرخ بهاء الدين بن شداد وتتلمذه عليه.

стр. 879

(٦) هذا وقد كنت اتخذت نسخة مكتبة كامبردج (المرموز لها بحرف ك) أصلا لنشر الجزئين الأول والثانى مع معارضة النص على نسخة باريس رقم ١٧٠٢، وأردت أن أسير على نفس النهج في هذا الجزء على أن أعارض النص على نسخة مكتبة مللاجلبى رقم ١١٩ التي تبدأ بالأحداث التالية لوفاة صلاح الدين ونسخت أوراق هذا الجزء مكتملة عن نسخة (ك) وبدأت العمل لضبط النص وتقويمه، ولكننى لم أكد أتقدم في العمل خطوات حتى تبين لى أن نسخة مللاجلبى أفضل بكثير من نسخة كمبردج، فقطعت أوراقى وبدأت من جديد ونسخت النص عن نسخة استانبول واتخذتها أصلا للنشر مع مقابلتها على نسختى باريس ١٧٠٢ وكمبردج، فقد اتضح لى أن نسخة كمبردج كانت النسخة الأولى التي كتبها المؤلف، ولكنه أعاد النظر فيها بعد ذلك، فعدّل في النص كثيرا وقوّمه وأضاف إليه في بعض الأحيان، والنسخة المعدلة المصححة هى نسخة استانبول، وهى لحسن الحظ تبدأ بما يبدأ به هذا الجزء الثالث، فإن عنوان بها هو: ذكر ما استقرت الحال عليه من الممالك بعد وفاة السلطان ﵀ وقد نبهت في الهوامش إلى الفروق الواضحة التي تدل على أفضلية نسخة مللاجلبى على نسخة كمبردج، انظر مثلا: (ص ٩٢. هامش ٥) و (ص ٩٧، هامش ٧) و (ص ١٠١، هامش ١) و (ص ١٠٨، هامش ١). . الخ

стр. 880

أما نسخة باريس ١٧٠٢ (وقد رمزنا لها بحرف س) فهى - كما بينت في مقدمة الجزء الأول - أسوأ النسخ، فهى مضطربة الترتيب والصفحات، وبها خروم كثيرة (١)، وكاتبها جاهل كثير الأخطاء. ومع هذا فإن نسختى كمبردج وباريس لم تخلوا من الفائدة، فقد أعانتانى أحيانا على قراءة ما تعسر علىّ قراءته في نسخة الأصل، وكانت بهما أو باحداهما زيادات تنور النص فأضفتها أتماما للفائدة مع التنبيه دائما في الهوامش إلى الفروق الواضحة بين النسخ الثلاث. ومن الأسباب التي دفعتنى إلى اختيار نسخة مللاجلبى أصلا للنشر - إلى جانب صحة النص واستيفائه ودقته - أنها أقدم النسخ الموجودة جميعا، بل إننى أرجح أنها كانت نسخة المؤلف نفسه أو أنها كتبت أثناء حياته، فقد كتب اسم المؤلف على الصفحة الأولى وتحته «عفا الله عنه»، والعادة أن الناسخ إذا كتب الكتاب بعد وفاة مؤلفه أن يدعو له بالرحمة، فيتبع اسمه بالدعاء المعروف «﵀»، أما النص تحت عنوان الكتاب فهو: «تأليف الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن سالم بن نصر الله بن سالم ابن واصل عفا الله عنه». ومما يرجح هذا الظن ويؤكده أن نفس الصفحة تحمل بعد ذلك اسم مواطن للمؤلف من حماة تملك النسخة بعد وفاة المؤلف بخمس وأربعين سنة فقط (أي في سنة ٧٤٢)، كما تحمل اسم عالم آخر قريب للسابق نص على قراءته

стр. 881

للنسخة في سنة ٧٨٤ هـ، أي بعد وفاة المؤلف بسبع وثمانين سنة، وفيما يلى نص التمليكين: «كان في يد على بن الحسن بن على بن عبد الوهاب الحموى، ابتاعه بالقاهرة في جمادى الأخرة سنة اثنين وأربعين وسبعمائة». و «طالع مفرج الكروب من أوله إلى آخره أقل عبيد و (أحو) جهم إلى رحمته أيوب بن حسن بن على بن عبد الوهاب، عفا الله عنه وتاب عليه وعلى من ترحم عليه وعلى والديه، ودعا له بخاتمة الخير، وذلك في شهر ذى القعدة من سنة) أربعة وثمانين وسبعماية، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا (محمد وعلى آله وصحبه) وسلم تسليما كثيرا». هذا ويوجد على هامش ص ١٠ امن هذه النسخة تمليك ثالث متأخر، تاريخه سنة ٨٧٧ هـ، ونصه: «نظر في هذا التاريخ المبارك العبد الفقير إلى (الله) تعالى، وأحوجهم إلى عفوه محمد بن المرحوم حسن غفر الله له ولوالديه ولمن دعا له بالتوبة والمغفرة وللمسلمين أجمعين (كذا)، آمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله و (صحبه) وسلم تسليما كثيرا، في تاريخ الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة سبع وسبعين وثمانمائة من الهجرة النبوية». وصفحة العنوان من نسخة استانبول تحمل الدليل على منهج المؤلف في تجزئ الكتاب، ففيها ما يشير إلى أن هذه النسخة هى الجزء الثانى، وهذا هو نص العنوان الذى تحمله الصفحة الأولى:

стр. 882

الجزء الثانى من كتاب مفرج الكروب في أخبار ملوك بنى أيوب رحمهم الله تعالى أي أن المؤلف جعل الجزء الأول من كتابه ينتهى بنهاية عصر صلاح الدين ووفاته، ثم بدأ الجزء الثانى بالتاريخ للأحداث التي تلت وفاة صلاح الدين، أما كاتب نسخة كمبردج فقد اتخذ لنفسه أساسا آخر لتجزىء الكتاب، فقد وقف عند كلامه عن مسير الملك العادل إلى الديار المصرية سنة ٥٩٦، وبدأ الأحداث الجديدة التالية بالبسملة مكتوبة في وسط السطر بحروف كبيرة في صفحة جديدة ويليها «رب يسر وأعن»، مما يفيد أنه كان يريد تقسيم الكتاب إلى أجزاء، فجعل الجزء الثانى يبدأ بمسير الملك العادل إلى مصر وتملكه لها، فهو بهذا أراد أن يجعل الجزء الأول شاملا لعصر صلاح الدين وأولاده، والجزء الثانى شاملا لعصر العادل وسلالته. أما نحن فقد اتخذنا أساسا مخالفا لتقسيم الكتاب، وذلك لضخامته ووفرة عدد صفحاته التي تنيف في الأصل على الألف، فجعلنا الجزء الأول ينتهى بوفاة نور الدين واستقلال صلاح الدين الفعلى بحكم مصر، وأفردنا لعصر صلاح الدين من مبدئه إلى نهايته الجزء الثانى، أما هذا الجزء الثالث فيغطى عصر أولاد صلاح الدين وأخيه العادل وينتهى بوفاة العادل سنة ٦١٥ هـ. ويبقى بعد ذلك ثلاثة أجزاء، أحدها (وهو الرابع) سيغطى عصر الملك الكامل محمد (٦١٥ - ٣٦٥ هـ) والآخران (الخامس والسادس) يشملان

стр. 883

عصر الملك الصالح نجم الدين أيوب وابنه توران شاه وقيام دولة المماليك، وسألحق بالجزء الأخير الذيل الذى ذيّل به على الكتاب على بن عبد الرحيم بن أحمد، تلميذ المؤلف ومواطنه، وقد وصل فيه إلى سنة ٦٩٥ هـ. هذا وقد كنت أشرت إلى أننى سألحق بهذا الجزء الثالث مجموعة الفهارس التفصيلية للأجزاء الثلاثة معا، غير أننى لاحظت بعد البدء في طبع هذا الجزء أنه سيتضخم إذا أنا نفذت هذه الفكرة، فنصحنى بعض الأصدقاء أن ألحق بهذا الجزء الفهارس الخاصة به وحسب، فعملت بنصيحتهم على أن ألحق بكل جزء من الجزئين الأولين الفهارس الخاصة به عند إعادة طبعه وخاصة أن نسخ الجزء الأول قد نفدت كلها، وأوشكت نسخ الجزء الثانى أن تنفد كذلك، وأرجو أن أوفق قريبا إلى إعادة طبعهما مع إلحاق كل جزء بالفهارس الخاصة به، وكذلك سيكون منهجى إن شاء الله في الأجزاء الثلاثة الباقية. (٧) وبعد فهذا هو الجزء الثالث من مفرج الكروب، وهذا هو منهجنا في نشرنا، نرجو أن نكون قد وفقنا في أداء الأمانة العلمية حق أدائها، والله وحده يعلم كم بذلنا من جهد وكم صرفنا من وقت في ضبط نصه وإخراجه، وقد كان للترحاب الذى قوبل به الجزءان السابقان ولكلمات التشجيع التي أضفاها علينا أساتذة أجلاء وأصدقاء أعزاء الفضل الأكبر في شحذ الهمة لإتمام إخراج الكتاب رغم ما يكتنفنا ويحيط بنا من مشاغل العمل والحياة. فإلى هؤلاء الأساتذة الأصدقاء أزجى أجمل آيات شكرى وفى مقدمتهم أستاذى الجليلين الأستاذ محمد شفيق غربال والدكتور محمد مصطفى زيادة وصديق

стр. 884

الصبا والشباب والعمل الدكتور حسين مؤنس، وكذلك أقدم شكرى القلبى الصادق إلى الأصدقاء الأجلاء والأساتذة الأعلام: عالمى حلب وحماة الأستاذين طاهر النعسانى وقدرى كيلانى، وعالمى بغداد الدكتورين عبد العزيز الدورى ومصطفى جواد، والمؤرخ المحقق الدكتور قسطنطين زريق، والصديقين البحاثتين الدكتور صلاح الدين المنجد والدكتور بشر فارس. أما المستشرقون الكبار المعنيون بالتاريخ الإسلامى فإن لهم في عنقى دين كبير لا أستطيع أن أفيه حقه، فإليهم جميعا شكرى الجزيل، وأخص بالذكر الأستاذ جب بجامعة هارفارد، والأستاذ برنارد لويس بجامعة لندن، والأستاذ كلو وكاهن بجامعة استراسبورج، والأستاذ هنرى ماسين بالكوليج دى فرانس. وكذلك شكرى الكبير إلى الصديقين الأستاذين جورج قنواتى ورشدى الحكيم على النقد (١) القيم الذى تفضل كل منهما بكتابته عن الجزء الثانى من مفرج الكروب، وإنى أرجو أن أكون قد أفدت من توجيهاتهما العلمية الممتازة. وأقدم شكرى الجزيل كذلك لصديقى الكريم الأستاذ عبد المنعم عامر، فقد تفضل بتصحيح تجارب القسم الأعظم من هذا الجزء، وإلى تلميذى القديم الأستاذ درويش النخيلى المدرس بمدرسة المعلمين بدمنهور على الجهود الضخمة التي بذلها في عمل فهارس هذا الكتاب، جزاهما الله عنى وعن العلم كل خير. وأرجو أخيرا أن استميح القارئ عذرا لما يتخلل هذا الجزء من أخطاء

стр. 885

مطبعية، فقد كنت أقوم على تصحيحه وأنا أعد العدة للسفر إلى المغرب لأتسلم عملى هناك مستشارا ثقافيا للجمهورية العربية المتحدة، فكان للعجلة أثرها في كثرة الأخطاء المطبعية، والعجلة من الشيطان، حمانا الله وأعاذنا من الشيطان ومن العجلة. والله أسأله أن يوفقنى دائما للعمل الصالح وأن يهبنى القوة لإتمام هذا الكتاب، ولخدمة أمتنا العربية وتاريخها المجيد. جمال الدين السيال الاسكندرية في ٦ رمضان ١٣٧٩ ٣ مارس ١٩٦٠

стр. 886

مراجع التحقيق تضاف هذه المراجع إلى قائمتى المراجع التي استعملت في تحقيق (الجزء الأول والجزء الثانى) (أ) المراجع العربية ابن الأثير (ضياء الدين نصر الله بن محمد): - رسائل ابن الأثير، نشر أنيس المقدسى، بيروت، ١٩٥٩ م. البغدادى (عبد اللطيف): - الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر، القاهرة، ١٢٨٦ هـ. ابن خير الله الخطيب العمرى (ياسين): - منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء، نشر سعيد الديوه جى، الموصل، ١٩٥٥ م. الديوه جى (سعيد): - الموصل في العهد الأتابكى، بغداد، ١٩٥٨ م. - الجامع المجاهدى في مختلف العصور، مجلة سومر، ١١. رمزى (محمد): - القاموس الجغرافى للبلاد المصرية، القاهرة، ١٩٥٤ م. زيدان (جرجى): - تاريخ التمدن الإسلامى، ٥ أجزاء، القاهرة، ١٩٣٥ م.

стр. 887

ابن شداد (عزيز الدين أبو عبد الله محمد الحلبى): - الأعلاق الخطيرة - تاريخ مدينة دمشق - نشر الدكتور سامى الدهان، دمشق، ١٩٥٦. عبد اللطيف (محمد فهمى): - الفتوة الإسلامية، القاهرة، ١٩٤٨ م ابن عمار البغدادى: - الفتوة، نشر الدكتور فؤاد حسنين، القاهرة، ١٩٥٩ م عواد (ميخائيل): - المآصر في بلاد الروم والإسلام، بغداد، ١٩٤٨ م كرد على (محمد): - غوطة دمشق، دمشق، ١٣٦٨ هـ. - ١٩٤٩ م مبارك (على): - الخطط التوفيقية الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وبلادها القديمة والشهيرة، ٢٠ جزءا، القاهرة، ١٣٠٦ هـ (ب) المراجع غير العربية - Histire des Patriaches d' Alexandrie. trad : Blochet, Revue de L,Orient Latin, ١٩٠٧. Le Strange, Y : - Palestine Under the Moslems, London, ١٨٩٠.

стр. 888

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) ذكر ما استقرت الحال عليه من الممالك بعد وفاة السلطان ﵀ - لما توفى السلطان الملك الناصر ﵀: استقرّ في الملك بدمشق وبلادها المنسوبة إليها ولده الملك الأفضل نور الدين على. وبالديار المصرية وما ينسب إليها الملك العزيز عماد الدين عثمان. وبحلب وبلادها الملك الظاهر غياث الدين غازى. وباليمن عمّهم الملك العزيز سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين (٢) بن أيوب.

стр. 889

وبالكرك والشّوبك والبلاد الشرقية الملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب. وبحماة وسلمية والمعرّة ومنبج وقلعة نجم الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين. وبمحص والرحبة وتدمر الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه. وببعلبك وأعمالها. الملك الأمجد مجد الدين بهرامشاه بن فرخشاه ابن شاهنشاه (١) بن أيوب. وييد الملك الظافر خضر بن السلطان صلاح الدين بصرى، وهو في خدمة أخيه الملك الأفضل. وبيد جماعة من أمراء الدولة بلاد وحصون، منهم: سابق الدين عثمان بن الداية، بيده شيزر وأبو قبيس (٢). وناصر الدين منكورس بن خمارتكين بيده صهيون وحصن برزية (٣). وبدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق بيده تل باشر. وعز الدين أسامة بيده كوكب وعجلون. وعز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدّم بيده بعرين وكفر طاب وحصن أفامية. والملك الأفضل هو الأكبر من أولاد السلطان، والمعهود إليه بالسلطنة،

стр. 890

وعنده بدمشق جماعة كثيرة من أمراء الدولة، وعند الملك العزيز بمصر (١) جمهور العساكر من الصلاحية، والأسدية، والأكراد، وهو أمكن من الملك الأفضل لعظم الديار المصرية وكثرة مغلاّتها. ذكر المراسلة إلى الديوان العزيز (٢ ا) ولما توفى السلطان ﵀، كتب الملك الأفضل إلى الإمام الناصر لدين الله أمير المؤمنين بالانشاء العمارى (٢) منه: «أصدر العبد هذه الخدمة وصدره مشروح بالولاء، وقلبه معمور بالصفاء، ويده مرفوعة إلى السماء، للابتهال بالدعاء، ولسانه ناطق بشكر النعماء، وجنانه ثابت بين المهابة والمحبة على الخوف والرجاء، وطرفه مغض من الحياء، وهو للأرض مقبّل، وللغرض متقبّل، وهو يمتّ (٣) بما قدّمه وأسلفه سلفه (٤) من الخدمات، وذخره ذخر الأقوات لهذه الأوقات، وقد أحاطت العلوم الشريفة بأن الوالد السعيد، الشهيد (٥) الشديد السّديد، المبيد للشرك (٦) المبيد، لم يزل أيام حياته، وإلى ساعة وفاته، مستقيما على جدد الجد، مستنيما (٧) في صون فريضة الجهاد إلى بذل الجهد؛ ومصر - بل الأمصار - باجتهاده في الجهاد شاهدة، والأنجاد والأغوار في نظر عزمه واحدة، والبيت المقدّس من فتوحاته،

стр. 891

والملك العقيم من نتائح عزماته. وهو الذى ملك ملوك الشّرك وغلّ أعناقها، وأسر طواغيت الكفر وشدّ خناقها، وقمع عبدة الصلبان وقصم (١) أصلابها، وجمع كلمة الإيمان وعصم جنابها، ونظم أسبابها، وسدّ الثغور، وسدّد الأمور، وقبض وعدله مبسوط، وأمره (٢) محوط، ووزره محطوط، وعمله بالصلاح (٢) منوط، وما خرج من الدنيا إلا وهو في حكم الطاعة الإمامية داخل، وبمتجرها الرابح إلى دار المقامة راحل، ولم تكن له وصيّة إلا بالاستمرار على جادّتها، والاستكثار من مادتها، وإن مضى الوالد على طاعة إمامه، فالمماليك - أولاده وأخوته (٣) - في مقامه». ثم كتب إليه كتابا (٤) آخر بالانشاء العمارى منه: «أصدر العبد هذه الخدمة ومطالع عبوديته مشرقة الأنوار، ومشارع موالاته صافية عن الأكدار، ويد ابتهاله بالضراعة مبسوطة، وهمة اتصاله بالطاعة منوطة، وعين استكانته لمهابة تلك الجلالة مطرقة، وقدم مناصحته من صحته في نهج النجح متطرقة، وبصيرة هدايته على الثبات قويّه (٢ ب) وسريرة ولايته من ورد المبرّات رويّة، وزناد رويّته بسناء المخالصة والمصافاة وريّة. قد سبقت مطالعته بالحادثة التي فجأت وفجعت، والنابية التي راعت وصدّعت، من انتقال والده مملوك الدار العزيزة إلى جوار رحمة الله ورضوان

стр. 892

رضوانه، وجنات جنانه وغرفات (١) غفرانه. ولقد أسعده الله لما توفّاه على طاعة أمير المؤمنين، وقد عرفت مقاماته مدة حياته في إحياء فروض الجهاد وسننه، والجرى في إعلاء منار الدولة القاهرة على جدد الجدّ وسننه، ولولا اعتصام العبد بطاعة الدار العزيزة لكادت مطالعه تظلم، ومطالبه لا تلتئم، وعقود مناجحه لا تنتظم، لكن بركة استمساكه بالعبودية شملت، ومقاصده بسبب الاعتزاز ونسب الاعتزاء إليها كملت، والكلمة على الطاعة اتحدت، والمظافرة من الجماعة تمهّدت، وانتظر المملوك ما يصله من الأمثلة (٢) الشريفة المشرّفة، والإجابة المسعدة المسعفة، فطال انتظاره، وأبطأ عليه من ليل أمله من صبح النجاح إسفاره، فتراجمت به ظنونه، وتزاحمت عليه شجونه، ولا شك أن مهام الديوان [العزيز] (٣) كثيرة، وأن آمال رجاء الرجال بظل فضله مستجيرة، ولكنه رجاء من عوارف الباب الشريف الذى ليس بمرتجّ لمرتج (٤)، وأمل من مذاهب مواهبه التي منهج جدّتها وحدّها غير منهج، أنه إذا ازدحمت الآمال على الديوان، وتنافست في تلقى نفائس الإحسان، قدّم أمر العبد، وعجّل نفع أوامه من أوامره بالورد العد». وأرسل الملك الأفضل القاضى ضياء الدين أبا الفضائل القسم بن يحيى

стр. 893

ابن عبد الله بن الشهرزورى رسولا إلى الديوان العزيز، وبعث معه عدد والده وملابسه وخيله، وأضاف إلى ذلك من الهدايا النفيسة ما عزّ وجوده وقوّم بآلاف، وأضاف إلى ذلك أنواعا من الطيب والألطاف، ونساء بارعات في الحسن من السّبى (١). وكان القاضى بهاء الدين بن شداد ﵀ لما توفى السلطان بدمشق كما ذكرنا، فلما توفى السلطان اعتمد عليه الملك الأفضل غاية الاعتماد واحترمه غاية الاحترام، وكان يشاوره في جليل الأمور ودقيقها. فورد (٣ ا) كتاب الملك الظاهر - صاحب حلب - إلى أخيه الملك الأفضل يرغب إليه في أن يتحفه بالقاضى بهاء الدين ليكون عنده ويتيمن برأيه، فأجابه الملك الأفضل إلى ذلك وسيّره إليه، فوصل القاضى بهاء الدين إلى حلب، فأعظمه الملك الظاهر وفوّض إليه قضاء بلاده، وصار أقرب الناس إليه منزلة، ولم تزل منزلته عنده عظيمة وله الإقطاع الجليل والحرمة التي لم يصل إليها أحد من المعممين، إلى أن توفى الملك الظاهر ﵀ وولى ولده الملك العزيز، وقام بأتابكيته الأتابك شهاب الدين طغريل الخادم، فازدادت منزلة القاضى بهاء الدين علوا وعظمة، وكان الملك العزيز ينزل بنفسه إليه في كل وقت، ويأخذ رأيه في المهمات العظيمة، ولم تزل له هذه المنزلة العظيمة، إلى أن توفى في أيام الملك العزيز ﵀ وقد أناف على التسعين سنة.

стр. 894

وقصدت خدمته (١) بحلب سنة سبع وعشرين وستمائة، وحضرت مجلسه واستفدت منه، وأقمت بمدرسته (٢) التي أنشأها إلى جانب داره ﵀ نحو سنة وكسر. ولما وصل القاضى بهاء الدين إلى خدمة الملك الظاهر، وسيّره رسولا إلى الإمام الناصر لدين الله، وأصحبه من الهدايا أضعاف ما سيّره أخوه الملك الأفضل، ورتّبه في أبهة جميلة، وعدة من الجند أسنى لهم العطايا، وأعطى القاضى بهاء الدين ألفى دينار وخزانة من خلع وثياب ومصوغات ذهب وفضة، وقال: «أنفق منها واخلع». ومضى بهاء الدين في مضارب وخيم وحجّاب وحشم، فأبلغ الرسالة، وعاد إلى صاحبه مكرّما. وعاد القاضى ضياء الدين إلى الملك الأفضل بعد إبلاغ رسالته مكرّما محترما.

стр. 895

ذكر ما اعتمده الملك الأفضل من الأمور التي آلت به إلى زوال ملكه لما أفضى الملك إلى الملك الأفضل، استوزر ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير (١)، وفوّض إليه أموره كلها. وهذا ضياء الدين من أهل الجزيرة، وكان مترسلا فاضلا، وهو صاحب «المثل السائر» و «المعانى المبتدعة» وغيرهما من الكتب، وله أخوان فاضلان هما: عز الدين صاحب التاريخ المشهور، ومجد الدين أبو السعادات صاحب كتاب «جامع الأصول في الحديث»، وكان متقدما عند ملوك الموصل من بنى أتابك زنكى ﵀ وهؤلاء الإخوة الثلاثة كانوا فضلاء أعيانا [نبلاء] (٢) متقدمين في الدول. وكان ضياء الدين المذكور لما اتصل بخدمة الملك الأفضل شابا غرّا، فحسّن للملك الأفضل إبعاد أمراء أبيه وأكابر أصحابه، وأن يستجدّ له أمراء وأصحابا غيرهم، وقال: «هؤلاء خواصّ السلطان وينظرون إليك بتلك العين، ويعتقدون أن حقّهم واجب وجوب الدين، وهم - بحكم المعرفة لك من الصغر - يتبسّطون ويشتطّون ولا يقنعون، وأعمال دمشق لا تسعهم (٣)، وجميعها لا تقنعهم،

стр. 896

والأعمال المصرية لهم أفسح وأوسع؛ وأما الغرباء، فإنهم يقنعون بأى شئ أعطيتهم، ويعترفون بحقك ويعظمونك». وساعده على هذا القول جماعة من أصحابه ممن لا رأى عنده ولا معرفة. فأصغى الملك الأفضل إلى هذا القول، وأعرض عن أصحاب أبيه، ففارقه جماعة، منهم: الأمير فخر الدين جهاركس (١). وفارس الدين ميمون القصرى. وشمش الدين سنقر الكبير. وتوجّه هؤلاء إلى الملك العزيز فاحترمهم وأحسن إليهم، وولّى فخر الدين جهاركس أستاذية داره، وفوّض إلى فارس الدين وشمس الدين سنقر صيدا وأعمالها، وكان ذلك لهما فأقرّهما عليه، وزادهما أعمال نابلس وبلادها (٢). ولما رأى القاضى الفاضل من الملك الأفضل ووزيره ضياء الدين بن الأثير مالا يعجبه، عزم على مفارقة الملك الأفضل والتوجه إلى الديار المصرية، واستأذن الملك الأفضل في ذلك فأذن له.

стр. 897

قال عماد الدين الكاتب: فقلت للملك الأفضل: «لم تركت القاضى الفاضل يرحل، والملك بتحوله يتحوّل؟». فقال: «ما الذى كنت أفعله وهو لا يقبل منى؟». فقلت: «كان ينبغى أن تركب إلى داره وتفعل كلّ ما يؤثره، فكنت تملك به أمرك، وتأمن به في ملكك». قال: «نعرف الصواب»، ولم يرد الجواب. وكان القاضى بهاء الدين بن شداد قد فارق الملك الأفضل قبل ذلك - كما ذكرنا - وصار إلى الملك الظاهر، وكذلك فارقه جمال الدين أبو غالب عبد الواحد بن الحصين، واتصل بخدمة الملك الظاهر وتقدّم عنده. ولما وصل القاضى الفاضل إلى الديار المصرية، خرج الملك العزيز عماد الدين إلى استقباله، وأعظمه غاية الإعظام، وأحلّه محل الوالد، وصار لا يصدر [أمرا إلا] (١) عن رأيه ومشورته. واستمال الملك العزيز ﵀ أصحاب والده وأمراءه ومماليكه وأحسن إليهم وقرّبهم، فعظم بذلك شأنه، واجتمعت كلمتهم على نصرته وتقرير قواعد ملكه، والملك الأفضل يفعل ضد ذلك بأصحاب أبيه، ويقدّم عليهم من استجدّه ممن لا يؤبه به ولا ينبغى الاعتماد عليه.

стр. 898

قال عماد الدين الكاتب: «وكنت أنا ممن سيم (١) البعد، وسئم منه الود، وتفرّد الوزير بوزره، ومدّ الجزرىّ في جزره، ولأجل أهلى وأملاكى بدمشق لزمتنى الإقامة، وإلى قضاء الله فيها الاستنامة، وقيل للملك الأفضل: «هذا العماد، يتعذر عليه الاعتماد، فإنه لا يصبر على ما تعطيه، وغير ما كان له من أبيك يأباه ولا يرضيه، ونحن نكفيك أمر كفايته، ونبلغ لك أمد بلاغته، وأىّ حاجة لك إلى العبارة البارعة، والفصاحة الصادعة، والبلاغة البالغة، والأشغال الفارغة؟! وأمر الملك يتمشى بالكلام المفهوم، والخطاب المعلوم، ومن بقى يرغب في الغريب، ولا أرب فيه للأريب، ونحن نقوم لك بما لا غنى عنه من الكتابة، ولا نخطىء الغرض بالإصابة». ومكث الملك الأفضل أشهرا للغنى عنى مظهرا، وبظاهر دعاوى أولئك الجماعة مستظهرا، وعملوا نسخ أيمان كان في عقودها حنثها، وفى عهودها نكثها، ولم يخف عن الملك الأفضل ما هو الأفضل، وأنه بمن لا حاصل له ولا طائل (٢) على طائل (٢) لا يتحصل، فاستدعانى وقال: «مالك انقطعت عمن يصلك، وامتنعت عمّن بفضلك يعرفك ولا يجهلك؟». فقلت: «شغلنى المصاب الصلاحىّ، عن إصابة صلاحى». ولم يزل بخطابه يبجّلنى، وبعتابه يخجلنى، وبترغيبه يقربنى، وبتقريبه يرغّبنى، حتى عدت إلى قوله، وعذت بطوله، وأجرى لى ما جرى به جود

стр. 899

جوده، وأمنت العدم بوجوده، ولو كفيت شر الشركاء، لدامت مغارس مكارمه مستمرة على الزكاء، ولكنهم أوهموه أنى عزيز عند العزيز، وأن ولاءه من سرّ قلبى في الحرز الحريز، وأنه أبقى علىّ بمصر الإقطاع، وأن شكرى لإنعامه قد شاع، وأنك إذا أوليته جميلا ضاع، وإذا أودعته سرا ذاع، فلبّسنى بتجميل دولته على وهمه وهمّه، وأنس بى لتكميل رتبته والغنى بعد عدمه، وكنت أرى فيه - مع قيامه بإكرامى واحترامى - وقفة، ورأيت عصبة العصبية إليه متلفتة وعليه ملتفّة، وغلب الجزرىّ على أمره ونهيه، وآل الوثوق به في أحكام ملكه إلى وهنه ووهيه». (١) ذكر ابتداء الوحشة بين الأخوين الملك الأفضل والملك العزيز - رحمهما الله - لما أبعد الأفضل أكابر أمراء أبيه وأصحابه، وأعرض عنهم حتى فارقوه وصاروا إلى أخيه الملك العزيز، وقعوا في الملك الأفضل عند الملك العزيز، وحسّنوا له الاستبداد بالملك والقيام بالسلطنة مقام أبيه. وكان القدس من البلاد المضافة إلى الملك الأفضل، فأشار ضياء الدين

стр. 900

وزيره عليه بأن يخلى القدس ويسلمه إلى أخيه الملك العزيز، وقال: «هو يحتاج إلى أموال ورجال ونواب وكلفة عظيمة، فأعطه لأخيك، واستجلب بذلك مودته». فكاتب الملك الأفضل أخاه الملك العزيز في ذلك، وفوّض إليه القدس وعمله، فسرّ الملك العزيز بذلك وقبله، وشكر الملك الأفضل، فلما بلغ النواب بالقدس ذلك، خافوا من محاسبة الملك العزيز لهم، لأنهم كانوا قد مدوا أيديهم في الوقوف، ومن جملتها ثلث نابلس وعملها، فإن السلطان الملك الناصر ﵀ كان قد وقف ذلك على عمارة القدس ومصالحه، فخان الولاة في ذلك، فلما سمعوا عزم الملك الأفضل على تسليم القدس إلى الملك العزيز، كتبوا إلى الملك الأفضل يبذلون له القيام بالقدس ورجاله من وقفه فقط، ولا يحوجونه إلى بذل شىء آخر من ماله، فأجابهم إلى إبقائه في أيديهم (٥ ا) وبدا له [الرجوع] (١) عما كان قد كاتب به أخاه، فتغيّر الملك العزيز لذلك وتكدّر باطنه. ولما تقدم عند الملك العزيز ميمون القصرىّ وسنقر الكبير أقرّهما على عملهما بالشام وزادهما نابلس، وذلك كله من أعمال الملك الأفضل، فاستوحش لذلك الملك الأفضل وتغيّر قلبه، وتأكدت الوحشة بين الأخوين، واستمر الحال على ذلك إلى آخر هذه السنة - أعنى سنة تسع وثمانين وخمسمائة -.

стр. 901

ذكر المتجددات بالشرق في هذه السنة بعد موت السلطان ﵀ - لما توفى السلطان ﵀ كان أخوه الملك العادل بالكرك - وقد ذكرنا ذلك - فلما بلغته وفاة أخيه، قدم إلى دمشق وأقام فيها وظيفة العزاء، ثم توجّه إلى البلاد الشرقية خوفا عليها من غائلة العدو؛ وكنا قد ذكرنا أن السلطان فوّض إليه ما وراء الفرات من الولايات، فلما قطع الفرات، أقام بقلعة جعبر، وضبط أمور تلك الناحية. وكان بكتمر - صاحب أخلاط، وكنا قد ذكرنا تملكه لها بعد سيده شاهرمن - لما بلغته وفاة السلطان، ضرب البشائر في بلاده فرحا بموته، ولقّب نفسه الملك الناصر، وراسل عزّ الدين مسعود (١) بن مودود بن زنكى بن آق سنقر - صاحب الموصل - وعماد الدين زنكى بن مودود - صاحب سنجار -، وصاحب ماردين - وهو حسام الدين يولق (٢) أرسلان بن إيلغازى بن ألبى بن تمرتاش بن إيلغازى بن أرتق، وكان صبيا صغيرا، ملك بعد أبيه قطب الدين

стр. 902

إيلغازى، وقام بأتابكيته مملوك (١) لأبيه -؛ وإنما راسل هؤلاء في معنى الاتفاق معه على نجدته ومساعدته على حرب الملك العادل وأخذ البلاد منه، فكان أول خارج في إنجاده عسكر ماردين ونزلوا الموزر؛ ثم تحرك عزّ الدين - صاحب الموصل -. فحكى عز الدين بن الأثير، قال: لما وصلت الأخبار بوفاة صلاح الدين إلى عز الدين، جمع أهل الرأى من أصحابه فاستشارهم فيما يفعله، فأشار عليه أخى مجد الدين أبو السعادات - وكان من أكابر أصحابه - بالإسراع في الحركة (٥ ب) وقصد البلاد التي بيد الملك العادل، فإنها (٢) لا مانع لها منه؛ فقال مجاهد الدين قايماز: «ليس هذا برأى، فإنا نترك وراءنا مثل عماد الدين - صاحب سنجار -، ومعز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازى - صاحب الجزيرة -، ومظفر الدين كوكبورى (٣) - صاحب إربل -، وإنما الرأى أنّا نراسلهم ونستميلهم ونأخذ رأيهم وننظر ما يقولون». فقال مجد الدين: «إن كنتم تفعلون ما يشيرون به ويرونه فاقعدوا، فإنهم لا يرون إلا هذا، لأنهم لا يؤثرون حركتكم ولا قوتكم، وإنما الرأى أن يبرز هذا السلطان ويكاتبهم ويراسلهم ويستميلهم، ويبذل لهم اليمين على ما بأيديهم، ويعلمهم

стр. 903

أنه على الحركة، فليس فيهم إلا من يجيب، ولا يمكنه المخالفة خوفا أن يقصد ولايته، لا سيما إذا رأوا جده وخلوّ البلاد الجزرية من مانع وحام، فهم لا يشكّون أنه يملكها سريعا فيحملهم ذلك على موافقته، ومتى أراد الإنسان [أن] (١) يفعل فعلا لا يتطرق إليه الاحتمالات، بطلت أفعاله، وإنما إذا كانت المصلحة أكثر من المضرة أقدم، وإن كان بالعكس أحجم». وظهرت إمارات الغيظ على مجاهد الدين فسكت، لكون مجد (٢) الدين هو الحاكم ورأيه المتبع. وأقام عز الدين بالموصل يراسل المذكورين فلم ينتظم بينه وبين أحد منهم أمر غير أخيه عماد الدين - صاحب سنجار -، فإنهما اتفقا على قواعد استقرت بينهما. فرحل عز الدين بعساكره إلى نصيبين، ووصل إليه أخوه عماد الدين زنكى، وبعثوا رسلهم إلى الملك العادل يقولون: «تخرج من البلاد وتعيدها إلينا». فكتب الملك العادل إلى بنى أخيه: الملك العزيز، والملك الأفضل، والملك الظاهر، وإلى الملك المنصور - صاحب حماة -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك -، وابن عمه الملك المجاهد - صاحب حمص - يستنجد بهم، فبادروا إلى إنجاده بالعساكر؛ ووصل إليه الملك المنصور - صاحب حماة -، وتوجّه إليه عسكر حمص ودمشق وبعلبك مع الملك الظافر خضر، ورحل الملك العادل إلى حرّان، فنزل ظاهرها.

стр. 904

ولما نزل عز الدين مسعود بن مودود بنصيبين ابتدأ به مرض الإسهال، (٦ ا) ثم سار عز الدين مسعود وأخوه عماد الدين زنكى في عساكرهما إلى تل موزن (١) من شبختان قاصدين الرّها. فأرسل الملك العادل إلى عز الدين يطلب الصلح، ويسأل أن تكون حرّان والرّها والرّقة وما معها بيده على سبيل الإقطاع من عز الدين، فلم تقع الإجابة إلى ذلك. واشتدّ المرض بعز الدين - صاحب الموصل - وهو نازل تل موزن، وعجز عن الحركة، فحمل في محفّة، وعاد إلى الموصل في طائفة يسيرة من العسكر ومعه نائبه مجاهد الدين، وترك سائر العسكر مع أخيه عماد الدين زنكى لتقرير قواعد الصلح مع الملك العادل. ثم رحل عماد الدين زنكى إلى سنجار، ورجع عسكر الموصل إلى الموصل. وراسل صاحب ماردين الملك العادل في الصلح، وتضرّع إليه في أن يرضى عنه، ووقع هذا كله والملك الظافر خضر لم يقطع الفرات بعد، فكاتبه عمّه الملك العادل يأمره بمنارلة سروج وكانت بيد عماد الدين زنكى، وأمدّه الملك العادل بالملك المنصور - صاحب حماة -، والأمير عز الدين ابراهيم بن المقدّم، فنازلوا سروج في ثامن رجب من هذه السنة - أعنى سنة تسع وثمانين وخمسمائة -، وفتحوها من الغد. وأما بكتمر (٢) - صاحب أخلاط - فإنه وثب عليه جماعة من الباطنية فقتلوه رابع عشر جمادى الأولى من السنة.

стр. 905

ثم رحل الملك العادل في منتصف رجب إلى الرقّة فملكها في العشرين منه، ثم رحل إلى الخابور فملكه، ثم توجه إلى نصيبين فنزل ظاهرها، وأتته رسل عماد الدين - صاحب سنجار - يطلب منه الصلح. ذكر وفاة عز الدين مسعود بن مودود بن زنكى صاحب الموصل ولما رجع عزّ الدين (١) إلى الموصل، تزايد به المرض إلى أن توفى في السابع والعشرين من شعبان من هذه السنة، فكانت مدة ما بين وفاته ووفاة السلطان الملك الناصر نصف سنة، وكانت مدة ملكه للموصل ثلاث عشرة سنة وستة أشهر. ذكر صفته وسيرته ﵀ - (٦ ب) كان أسمر مليح الوجه، حسن اللحية، خفيف العارضين؛ حكى ابن الأثير عن أبيه: أن عزّ الدين كان أشبه الناس بجده الشهيد عماد الدين زنكى ابن آق سنقر. قال: «وكان ليّن الجانب، كريم الأخلاق، كثير العطاء، غزير البذل، شديد الحياء، لم يحدّث أحدا قط إلا وهو مطرق. وكان رقيق القلب، كثير الرحمة لرعيته». قال: «وحكى لى أخى مجد الدين أبو السعادات قال: قال لى يوما:

стр. 906

ما نمت البارحة إلى سحر، فقلنا له: ما سبب ذلك؟ قال: كنت سمعت أن ابن فلان مريض - وذكر إنسانا بيّاعا (١) بالموصل - فسمعت البارحة صوت مأتم، فظننت أنه توفى، فضاق صدرى؛ وبلغنى أنه ليس لأبويه غيره، فشقّ ذلك علىّ، وقمت من الفراش إلى أطراف السطح لعلّى أعلم من هو الميت، فطال الأمر علىّ إلى الثلث الآخر من الليل، ثم قلت: لم أعذّب نفسى؟ فأرسلت خادما ففتح أبواب الدار، وأرسل من الأجناد من يستعلم من هو الميت، فعاد وذكر شخصا لم أعرفه، وحينئذ نمت. وهذا من أتم ما يكون من الشفقة، إذ حصل له هذا القلق العظيم على رجل من رعيته ليس له معه تقدم صحبة ولا خدمة». قال: «وكان ديّنا خيّرا، ابتنى بجواره مسجدا، فكان يخرج إليه ويصلى فيه». وكان عادلا، فمما روى ابن الأثير من عدله: «أنه كان بالموصل إنسان من أعيان الدولة، وكان يتولى ديوان الخاتون بنت حسام الدين تمرتاش (٢) ابن إيلغازى بن أرتق - وهى أم عز الدين - ولذلك الإنسان بها جاه عظيم، وكانت له قرية تجاور قرية لرجل عجمى مقيم بالموصل، فتعدّى في حدود قرية العجمى، وأخذ شيئا من أرضه، وطال النزاع بينه وبين العجمى، فلم ينتصف منه، فاتفق أنه ورد إلى الموصل واعظ، فأحضره عز الدين مسعود ﵀، وأمره أن يجلس للوعظ في دار المملكة، وحضر عز الدين، وتقدم بأن لا يحجب

стр. 907

أحد، فاجتمع عالم كثير، فتكلم ذلك الواعظ، فقام ذلك العجمى وصاح واستغاث وبيده قصة يشكو فيها حاله، فأخذت منه وأمر بالجلوس إلى أن يفرغ المجلس. فلما فرغ المجلس، وقف عزّ الدين على قصته، وأحضر القاضى (٧ ا) وتقدم عليه بأن يحكم بين العجمى وخصمه، فحكم، فظهر الحق بيد العجمى، وأسجل القاضى على نفسه في المجلس وأشهد عليه، وسلّم إلى العجمى حقه، وأسخط عزّ الدين والدته في اتباع الحق. وأوقف عز الدين أوقافا حسنة منها المدرسة (١) المعروفة به بالموصل بباب دار الملك للفريقين: الحنفية والشافعية، ورتّب فيها الفواكه والحلواء والدعوات في المواسم والأعياد، وشيرج الوقيد، وغير ذلك. ذكر استيلاء نور الدين ارسلان شاه ابن مسعود بن مودود بن زنكى بن آق سنقر على الموصل كان عزّ الدين ﵀ لما رجع مريضا ووصل إلى دنيسر، أوصى بالملك بعده لولده نور الدين أرسلان شاه، وجعل القيّم بأمره مجاهد الدين

стр. 908

قايماز، فلما وصل إلى الموصل وهو مريض، أرسل إليه أخوه (١) شرف الدين هندو أمير أميران بن مودود يطلب أن يجعل الملك له بعده، وأرسلت والدته الخاتون ابنة حسام الدين تمرتاش - صاحب ماردين - في المعنى، وبالغت في الطلب لولدها شرف الدين، وجمعا جموعا، وجنّدا أجنادا، وقال شرف الدين: «إن ملّكنى أخى الموصل بعده وإلا ثرت في البلد وأخذته قهرا، فإن عجزت سيّرت إلى الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب»، وأرعد وأبرق. وكان عمر نور الدين أرسلان شاه يومئذ عشرين سنة، وكان الملك العادل يومئذ نازلا (٢) بنصيبين، فلهذا قوى جنان شرف الدين، وظنّ أن أخاه عز الدين يعهد إليه بالملك إذ هو كبير البيت ليردّ الملك العادل. وقال عزّ الدين لمجاهد الدين: «حلّف الناس لولدى نور الدين، فإنى أخاف أن أموت وليس لكم ملك، والملك العادل في البلاد، وأخاف أن يحدث ضرر لا يمكن تلافيه». فتوقف مجاهد الدين في ذلك خوفا من الفتنة. قال ابن الأثير: «ثم أرسل نور الدين أرسلان شاه إلى أخى مجد الدين مع خادم والده - وهو أمين الدين يمن - يطلب منه أن يشير على مجاهد الدين قايماز بتحليف الناس وترك التوانى فيه، ووعده الزيادة والإقطاع وتمليك القرايا، وأرسل معه خاتما». قال: «فردّ أخى مجد الدين الخاتم وقال: خاتم المولى إنما يعطى على بلاد،

стр. 909

وأما هذا الأمر فهو أيسر من أن يؤخذ عليه خاتم، - والذى رسم به فأنا مشدود الوسط فيه، والمولى لا يشكرنى على هذا، فإنى أفعله خدمة لوالده الذى أنا في خدمته، إذ هو مراده، ولو أراد غيره لا تّبعته ولم يبد منى إلا ما يوافق غرضه والمصلحة له ولدولته، وأنا أشكر الله تعالى حيث كانت إرادة والده موافقة لإرادته، فإذا خدمت خدمة وافقت الغرضين، وأما ما وعدته من إنعام وزيادة فليس لى رغبة في شىء منه، فإن لى من نعمته ما يفضل عنى». ثم ركب مجد الدين من وقته، واجتمع بمجاهد الدين قايماز بالقلعة فرآه مفكرا، وشكا إليه مجاهد الدين وقال: «هذا شرف الدين يريد الملك لنفسه، والمولى عزّ الدين يريده لولده، والملك العادل بنصيبين، والفتنة قد رفعت رأسها». وبينما هما في الحديث، وإذا رسول قد جاء من عند عز الدين يقول لمجاهد الدين: «قد ضجرت مما أقول لك في تحليف الناس لولدى، وأنت تهمل الأمر، والعدو بالقرب منكم، وأنتم بغير سلطان، وأنا (١) فما أظن أنى أعيش يوما آخر، فما تنتظر؟». فضجر مجاهد الدين، وأعاد ما كان يقول لمجد الدين، فقال له مجد الدين: «أنت تفعل هذا بنفسك والدولة معك، ولو شئت لم يكن منه شىء؛ والرأى أن تأمر بإحضار الأمراء وأرباب المناصب والمقدمين وأعيان البلد وتحلفهم لولده كما يريد، ومهما بقينا على هذه الحال وليس لنا سلطان لا نزال في صداع مع شرف الدين».

стр. 910

فاستدعى مجاهد الدين الجماعة، وكتب نسخ اليمين، وحلّف الجماعة بمقتضاها؛ ولما سمع الذين اجتمعوا مع شرف الدين ذلك تفرقوا عنه، فحينئذ بعث شرف الدين إلى مجاهد الدين يعاتبه لكونه حلّف الناس قبله، وقال: «أنا أردت أن أخدم المولى نور الدين وأتولى القيام بأمره». ثم توفى عز الدين ﵀ وأركب مجاهد الدين نور الدين في موكب (٨ ا) السلطنة، وحملت السناجق (١) على رأسه، ومشى مجاهد الدين في ركابه راجلا وهو يحمل الغاشية (٢)؛ واستقر الملك بالموصل وبلادها».

стр. 911

ودخلت سنة تسعين وخمسمائة: والملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب بالبلاد الشرقية، وقد استقر ملكه بها. ورجعت النّجد إلى بلادها، واستحكمت الوحشة بين الأخوين: الملك العزيز والملك الأفضل، واتفق رأى الأمراء بمصر على أن تكون المملكة مجتمعة للملك العزيز عماد الدين عثمان، وقالوا: «هو أولى أولاد السلطان بذلك، إذ هو المحيى لسنّة والده في الشجاعة والكرم»؛ وأشاروا على الملك العزيز بالتوجه إلى الشام لتجتمع له المملكتان، وتنتظم ممالك والده في سلكه، فبرز إلى البركة (١)، وبذل الأموال، واستخدم الرجال، وبلغ ذلك الملك الأفضل، فاشتد خوفه. وكان من جملة الأسباب الباعثة للملك العزيز على الحركة أن ثغر جبيل - وهو من جملة الفتوح الصلاحية - وكان مستحفظه رجلا كرديا متنمسا، فأرغبه الفرنج، وبذلوا له مالا، فسلّم الثغر إليهم، فظهر الضغف عن استخلاصه، وخرج الملك الأفضل وخيمّ على البقاع ليستخلصه، فتعذّر ذلك عليه، فقالت الأمراء للملك العزيز: «توانيت، فطرقت (٢) البلاد واستولى عليها الفرنج»، فحينئذ صمم على الحركة، وخرج بمضاربه وجحافله لقصد الشام.

стр. 912

ذكر مفارقة الأمير صارم الدين قايماز النجمى الملك الأفضل كان الأمير صارم الدين قايماز النجمى من أكبر أمراء الدولة الصلاحية، وهو مملوك نجم الدين أيوب بن شاذى والد الملوك، فاستوحش من الملك الأفضل لإعراض وجده منه، فمضى مغاضبا إلى إقطاعه بالسواد، فسيرّ إليه الملك الأفضل رسولا يستعطفه ويسترضيه، فأتاه الرسول، وخان في الرسالة، وسوّل له العصيان وحمله عليه، وأوهمه أنه إنما قال ذلك نصحا له، وما كان قصد الرسول إلا إبعاده، فازدادت بذلك وحشة صارم الدين، ثم عاد الرسول من عنده (٨ ب) وبلّغ الملك الأفضل عنه ما أوحشه، ثم سلاّه عنه بأن قال: «الآن ملكت قياد ملكك، وخلصت من تحكمه، وغنمت إقطاعه، فأنت تعطيه لأضعاف رجاله». وكان مقصود هذا القائل أن ينفرد بالملك (١) الأفضل من غير مزاحم، ثم انحاز صارم الدين إلى الملك العزيز وصار من جملة أصحابه. ولما تحقق الملك الأفضل أن الملك العزيز قاصده، مال إلى مرضاته وقال: «إن كان قصد أخى من محاربتى أن تكون الخطبة والسكة باسمه فأنا أجيب إلى ذلك وأتبع رضاه»، فأنكر عليه أصحابه - وخصوصا وزيره ضياء الدين ابن الأثير - وقالوا له: «الله، الله، لا يقوم هذا بخاطرك، وابذل ما عندك من الأموال وقوّ بها عساكرك، ولا تدخل تحت الضيم، ونحن بين يديك كما تحب، وأنت الأكبر من أولاد السلطان، وأولى منه بالخطبة والسكّة».

стр. 913

فقال: «أعرف هذا الذى تقولون، لكنى لا أوثر الفتنة وأحبّ سلامة الإسلام بانتظام الصلح بينى وبين أخى». قال عماد الدين الكاتب ﵀ -: قلت للملك الأفضل: «دعنى أكتب إلى أخيك وأستعطفه وأتلطف له، وأنا أعلم أنه لا يردّ قلمى بالسيف، وأنه يروقه براعتى، ويصغى إلى قولى، وإذا أهديت له نصيحة صحيحة قبلها منى». فقال له نصحاؤه: «هذا يوالى أخاك في هواه لا في هواك، فأعرض عن هذا وخذ في حديث غيره، فما عندنا سوى الإباء، ولا اعتدال مع الاعتداء (١)، وأين النخوة والحميّة، والنفوس الأبيّة، وما هذه الرقة والركّة، ولنا الشوكة والسكّة، ونحن عبيدك وخدمك، ونطرح نفوسنا تحت قدمك، فإياك أن تعرف إلا بالجد والعزيمة الصادقة». فأصغى إلى قولهم». ذكر خروج الملك الأفضل من دمشق لمحاربة أخيه الملك العزيز ثم خرج الملك الأفضل بعساكره، ونزل برأس الماء، ووصل إليه رسول أخيه الملك الظاهر - صاحب حلب - بالمظاهرة والمؤازرة، ووعده بالإنجاد

стр. 914

على الملك العزيز، وشرط عليه أن لا يبرم أمرا ولا يحله إلا بموافقته، وأن تكون كلمتهما واحدة (٩ ا)، فوقع الاتفاق بينه وبين أخيه الملك الظاهر على ذلك، وحلف كل منهما لصاحبه بالمعاضدة والموافقة. وكان الملك الأفضل قبل ذلك قد سيّر إلى أخيه الملك العزيز رسولا يسأله عن سبب خروجه إلى الشام، فلم يصرّح له الملك العزيز بالجواب ومغلطه. ثم سيّر الملك الأفضل رسولا إلى عمه الملك العادل - وهو بالشرق كما ذكرنا - يستنجده ويخبره بقصد أخيه له، ويسأله أن يعلونه عليه، فأبطأ عليه الجواب، فسيّر الأمير عزّ الدين بن الزنجبيلى (١) إليه رسولا على نجيب ليسرع وصوله إليه، وأرسل رسلا أيضا إلى الملك المنصور - صاحب حماة -، والملك المجاهد - صاحب حمص -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك -، يستنجد بهم، فوردت رسلهم كلهم إليه بأنهم على عزم نصرته ومساعدته، وأنهم لا يتأخرون عن الوصول إليه، وذلك في أوائل جمادى الآخرة من هذه السنة. ذكر وصول الملك العزيز إلى الشام ورجوع الملك الأفضل إلى دمشق ومنازلة الملك العزيز لها رحل الملك العزيز من الديار المصرية في العساكر المتوافرة من الصلاحية والأسدية والأكراد وغيرهم.

стр. 915

وبلغ الملك الأفضل قرب الملك العزيز ونزوله بالقصير من الغور، والملك نازل بالفوّار، فضاق ذرعه، وكرّ راجعا إلى رأس الماء، فلم يشعر إلا بمقدّمة العساكر المصرية قد خالطت ساقته وكادوا يكبسونه، فولّى منهزما بمن معه إلى دمشق، ودخلها يوم الجمعة لخمس مضين من جمادى الآخرة. وغد ذلك اليوم وصل الملك العزيز إلى الكسوة في قوة ظاهرة، ثم رحل من الكسوة يوم الأحد ونازل دمشق؛ وكان الملك الأفضل قد استحلف أهل البلد وأنفق فيهم، وخلع على مقدّمى المحال، ونصب آلات القتال على الأسوار. ذكر وصول الملوك إلى دمشق ثم وصل الملك العادل سيف الدين ﵀ إلى دمشق، ووصل الملك الظاهر - صاحب حلب -، والملك المنصور - صاحب حماة، - والملك المجاهد - صاحب حمص -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك -، ودخلوا دمشق ونزلوا بها. (٩ ب) ذكر اجتماع الملك العادل بابن أخيه الملك العزيز ووقوع الاتفاق ولما استقر الملك العادل بدمشق، سيّر إلى ابن أخيه الملك العزيز يشفع له في الملك الأفضل ويسأله الاجتماع به، فواعده الاجتماع بصحراء (١) المزّة، فركب الملك العادل والملك العزيز واجتمعا بها راكبين، وسأل الملك العادل الملك العزيز أن يصالح أخاه ويعود، فقال له الملك العزيز:
следующие страницы →