ودخلت سنة تسعين وخمسمائة:
والملك العادل سيف الدين أبو بكر بن أيوب بالبلاد الشرقية، وقد استقر ملكه بها. ورجعت النّجد إلى بلادها، واستحكمت الوحشة بين الأخوين:
الملك العزيز والملك الأفضل، واتفق رأى الأمراء بمصر على أن تكون المملكة مجتمعة للملك العزيز عماد الدين عثمان، وقالوا: «هو أولى أولاد السلطان بذلك، إذ هو المحيى لسنّة والده في الشجاعة والكرم»؛ وأشاروا على الملك العزيز بالتوجه إلى الشام لتجتمع له المملكتان، وتنتظم ممالك والده في سلكه، فبرز إلى البركة (١)، وبذل الأموال، واستخدم الرجال، وبلغ ذلك الملك الأفضل، فاشتد خوفه.
وكان من جملة الأسباب الباعثة للملك العزيز على الحركة أن ثغر جبيل - وهو من جملة الفتوح الصلاحية - وكان مستحفظه رجلا كرديا متنمسا، فأرغبه الفرنج، وبذلوا له مالا، فسلّم الثغر إليهم، فظهر الضغف عن استخلاصه، وخرج الملك الأفضل وخيمّ على البقاع ليستخلصه، فتعذّر ذلك عليه، فقالت الأمراء للملك العزيز: «توانيت، فطرقت (٢) البلاد واستولى عليها الفرنج»، فحينئذ صمم على الحركة، وخرج بمضاربه وجحافله لقصد الشام.
стр. 912
ذكر مفارقة الأمير صارم الدين قايماز النجمى الملك الأفضل
كان الأمير صارم الدين قايماز النجمى من أكبر أمراء الدولة الصلاحية، وهو مملوك نجم الدين أيوب بن شاذى والد الملوك، فاستوحش من الملك الأفضل لإعراض وجده منه، فمضى مغاضبا إلى إقطاعه بالسواد، فسيرّ إليه الملك الأفضل رسولا يستعطفه ويسترضيه، فأتاه الرسول، وخان في الرسالة، وسوّل له العصيان وحمله عليه، وأوهمه أنه إنما قال ذلك نصحا له، وما كان قصد الرسول إلا إبعاده، فازدادت بذلك وحشة صارم الدين، ثم عاد الرسول من عنده (٨ ب) وبلّغ الملك الأفضل عنه ما أوحشه، ثم سلاّه عنه بأن قال: «الآن ملكت قياد ملكك، وخلصت من تحكمه، وغنمت إقطاعه، فأنت تعطيه لأضعاف رجاله».
وكان مقصود هذا القائل أن ينفرد بالملك (١) الأفضل من غير مزاحم، ثم انحاز صارم الدين إلى الملك العزيز وصار من جملة أصحابه.
ولما تحقق الملك الأفضل أن الملك العزيز قاصده، مال إلى مرضاته وقال:
«إن كان قصد أخى من محاربتى أن تكون الخطبة والسكة باسمه فأنا أجيب إلى ذلك وأتبع رضاه»، فأنكر عليه أصحابه - وخصوصا وزيره ضياء الدين ابن الأثير - وقالوا له: «الله، الله، لا يقوم هذا بخاطرك، وابذل ما عندك من الأموال وقوّ بها عساكرك، ولا تدخل تحت الضيم، ونحن بين يديك كما تحب، وأنت الأكبر من أولاد السلطان، وأولى منه بالخطبة والسكّة».
стр. 913
فقال:
«أعرف هذا الذى تقولون، لكنى لا أوثر الفتنة وأحبّ سلامة الإسلام بانتظام الصلح بينى وبين أخى».
قال عماد الدين الكاتب ﵀ -:
قلت للملك الأفضل:
«دعنى أكتب إلى أخيك وأستعطفه وأتلطف له، وأنا أعلم أنه لا يردّ قلمى بالسيف، وأنه يروقه براعتى، ويصغى إلى قولى، وإذا أهديت له نصيحة صحيحة قبلها منى».
فقال له نصحاؤه:
«هذا يوالى أخاك في هواه لا في هواك، فأعرض عن هذا وخذ في حديث غيره، فما عندنا سوى الإباء، ولا اعتدال مع الاعتداء (١)، وأين النخوة والحميّة، والنفوس الأبيّة، وما هذه الرقة والركّة، ولنا الشوكة والسكّة، ونحن عبيدك وخدمك، ونطرح نفوسنا تحت قدمك، فإياك أن تعرف إلا بالجد والعزيمة الصادقة».
فأصغى إلى قولهم».
ذكر خروج
الملك الأفضل من دمشق لمحاربة أخيه الملك العزيز
ثم خرج الملك الأفضل بعساكره، ونزل برأس الماء، ووصل إليه رسول أخيه الملك الظاهر - صاحب حلب - بالمظاهرة والمؤازرة، ووعده بالإنجاد
стр. 914
على الملك العزيز، وشرط عليه أن لا يبرم أمرا ولا يحله إلا بموافقته، وأن تكون كلمتهما واحدة (٩ ا)، فوقع الاتفاق بينه وبين أخيه الملك الظاهر على ذلك، وحلف كل منهما لصاحبه بالمعاضدة والموافقة.
وكان الملك الأفضل قبل ذلك قد سيّر إلى أخيه الملك العزيز رسولا يسأله عن سبب خروجه إلى الشام، فلم يصرّح له الملك العزيز بالجواب ومغلطه.
ثم سيّر الملك الأفضل رسولا إلى عمه الملك العادل - وهو بالشرق كما ذكرنا - يستنجده ويخبره بقصد أخيه له، ويسأله أن يعلونه عليه، فأبطأ عليه الجواب، فسيّر الأمير عزّ الدين بن الزنجبيلى (١) إليه رسولا على نجيب ليسرع وصوله إليه، وأرسل رسلا أيضا إلى الملك المنصور - صاحب حماة -، والملك المجاهد - صاحب حمص -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك -، يستنجد بهم، فوردت رسلهم كلهم إليه بأنهم على عزم نصرته ومساعدته، وأنهم لا يتأخرون عن الوصول إليه، وذلك في أوائل جمادى الآخرة من هذه السنة.
ذكر وصول الملك العزيز إلى الشام
ورجوع الملك الأفضل إلى دمشق
ومنازلة الملك العزيز لها
رحل الملك العزيز من الديار المصرية في العساكر المتوافرة من الصلاحية والأسدية والأكراد وغيرهم.
стр. 915
وبلغ الملك الأفضل قرب الملك العزيز ونزوله بالقصير من الغور، والملك نازل بالفوّار، فضاق ذرعه، وكرّ راجعا إلى رأس الماء، فلم يشعر إلا بمقدّمة العساكر المصرية قد خالطت ساقته وكادوا يكبسونه، فولّى منهزما بمن معه إلى دمشق، ودخلها يوم الجمعة لخمس مضين من جمادى الآخرة.
وغد ذلك اليوم وصل الملك العزيز إلى الكسوة في قوة ظاهرة، ثم رحل من الكسوة يوم الأحد ونازل دمشق؛ وكان الملك الأفضل قد استحلف أهل البلد وأنفق فيهم، وخلع على مقدّمى المحال، ونصب آلات القتال على الأسوار.
ذكر وصول الملوك إلى دمشق
ثم وصل الملك العادل سيف الدين ﵀ إلى دمشق، ووصل الملك الظاهر - صاحب حلب -، والملك المنصور - صاحب حماة، - والملك المجاهد - صاحب حمص -، والملك الأمجد - صاحب بعلبك -، ودخلوا دمشق ونزلوا بها.
(٩ ب) ذكر اجتماع الملك العادل بابن أخيه الملك العزيز ووقوع الاتفاق
ولما استقر الملك العادل بدمشق، سيّر إلى ابن أخيه الملك العزيز يشفع له في الملك الأفضل ويسأله الاجتماع به، فواعده الاجتماع بصحراء (١) المزّة، فركب الملك العادل والملك العزيز واجتمعا بها راكبين، وسأل الملك العادل الملك العزيز أن يصالح أخاه ويعود، فقال له الملك العزيز:
стр. 916
«أنا داخل في رضاك، وأى شىء أمرتنى به امتثلته: وأقبل كلّ شىء تشير به علىّ، وألتزم كلّ شرط تشترطه، وأنت عمّنا وشفقتك تشملنا».
فقال له الملك العادل:
«نفّس الآن الخناق عن البلد (١)».
وكان البلد قد ضويق مضايقة شديدة، وقطعت أنهاره وثماره، وطارت البركة من بساتينه، وكان ذلك في أيام المشمش وزمان إقبال الثمار بدمشق، فقبل الملك العزيز ما أشار به عمّه الملك العادل، وتأخر إلى صوب داريا والأعوج.
ثم بعث الأمير فخر الدين جهاركس - أستاذ داره، وهو أجل الأمراء الصلاحية وأمثلهم - إلى عمّه الملك العادل ليقرر معه قواعد الصلح على شرايط وقع الإتفاق عليها.
ولما تقررت القواعد، رحل الملك العزيز من منزلته التي كان نازلا بها (٢) إلى مرج الصّفّر فنزله، وحصل له مرض وقع الإرجاف عليه بسببه، ثم عوفى من ذلك المرض، وأمر بعمل نسخة لليمين جامعة لمقترحات جميع الملوك، حاسمة لمواد الخلاف، من جملة ما تتضمن.
«أن الملك الأمجد بهرام شاه بن عز الدين فرخشاه، والملك المجاهد أسد الدين شيركوه يكونان مؤازرين للملك الأفضل وتابعين له، وأن الملك
стр. 917
المنصور - صاحب حماة - يكون في حيز الملك الظاهر - صاحب حلب - ومؤازرا له».
وبعث كل من الملوك أميرا من عنده ليحضر الحلف.
قال عماد الدين الكاتب:
«وندبنى الملك الأفضل فيمن ندبه من الأماثل والأعيان لنكون شاهدين عقد (١) الحلف».
قال: «فخرجنا من دمشق في جمع جمّ من الرسل والشهود والأتباع والحفود، وذلك ليلة السبت ثانى عشر رجب سنة تسعين وخمسمائة. (١٠ ا) وأدلجنا (٢) تلك الليلة، وصبحّنا المخيّم بكرة، وضيّقنا النوبتيّة - مع سعتها - كثرة. ولما أذن لنا الملك العزيز، رفعنى واصطفانى لمشافهته، وتناول نسخة اليمين وتأملها، وأنكر منها كلمات، وابتكر (٣) مقترحات، والتمس تغيير شروط فقال له الرسل - وأكثرهم ترك -:
«نحن لا نقدر على تغيير ما قرّر، وما لنا إلا أن نعود ونذكر لمرسلينا الغرض».
فقلنا لهم: «كيف نرجع بلا فائدة، والصواب إثبات المقترح، فإذا رجعنا أعلمناهم بالحال.
стр. 918
فقالوا للملك العزيز:
«أحضر كاتبك وعيّن ما تلتمسه من الشروط».
فأشار إلىّ الملك العزيز وقال:
«هذا كاتب البيت ويمين الدولة، وبقلمه يتسدد (١) هذا الخلل».
فعلمت أن ذلك يصعب على الملك الأفضل، ويعتب علىّ بسببه، ولم يمكن رد كرامة الملك العزيز، فأثبتّ جميع ما أملاه واشترطه؛ ولما خرجنا من عنده، ردّنى إليه وأجلسنى وآنسنى بالحديث، فرددت معى تاج الدين الكندى، فأجلسته عنده معى لئلا أتفرّد بالخلوة معه، فتظنّ بى الظنون، ويبتذل عند الملك الأفضل قدرى المصون، ولم يزل الملك العزيز معنا في المفاوضة حتى قربت العشاء، وأبطأنا عن الرسل، وقالوا:
«ما هذا بخبر (٢) صحيح، وما هذا إلا خبط، أحضرنا هؤلاء الشهود معنا على العهد وهم فروع فصاروا أصولا، واستجدوا علينا الفضول فصولا (٣)».
قال: «فخرجنا إليهم فوجدناهم يرجمون بنا الظنون، فاجتمعنا معهم على المشاورة»
فقالوا: «لا يمكننا القعود ولا بد من سرعة العود».
فعدنا إلى دمشق، فوصلناها بكرة الأحد والجماعة منتظرون لنا، فأنهينا القصة، وأعلمنا الملك الأفضل بانفرادنا بالملك العزيز، فأهمّه ذلك ولم يعجبه، وقال: «ربما ظنّ الملك العادل أن لى مقصودا باطنا ينافى مقصوده، وإنى إنما أرسلتكم إلى الملك العزيز برسالة باطنة تخالف الظاهر».
ثم اجتمع بالملك العادل، ونفى عنه الريبة، وأطلعه على الصورة. ونفّذ الملك العزيز أمناءه وأمراءه ليتولوا إنشاء العهد».
стр. 919
ذكر تزوج
الملك العزيز بابنة عمه الملك العادل
وخطب الملك العزيز ابنة عمّه الملك العادل، وندب القاضى المرتضى محمد بن (١٠ ب) القاضى الجليس عبد العزيز السعدى وكيلا عنه، وحضر قاضى القضاة محيى الدين (١) بن زكى الدين وجميع عدوله، ووكّل الملك العادل القاضى محيى الدين أبا حامد بن الشيخ شرف الدين بن أبى عصرون في تزويج ابنته من ابن عمها الملك العزيز؛ وكتب عماد الدين الكاتب الكتاب في ثوب أطلس، وأنشأ خطبة العقد وهى (٢):
«الحمد لله الذى خلق من الماء بشرا، فجعله نسبا وصهرا، وشرع النكاح ووضعه صلة للأرحام وبرّا، وشدّ به أزرا، ورفع به قدرا، وأطلع بسناء سنته في العالم فجرا، وأجرى به أجرا.
نحمده على أنعمه التي تجلّت لعيون مجتليها بيضا غرّا، وأياديه التي ملأت الأيدى حوافل غزرا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نتخذها يوم القيامة ذخرا، ونعدها يوم الفزع الأكبر جنّة وسترا، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا، وأسماهم وأسناهم في الدنيا والآخرة ذكرا، الذى بعثه إلى الخلق كافة عربا وعجما، وبدوا وحضرا، وبيّن لهم مناهج الهدى
стр. 920
إيجابا وإباحة وندبا وحظرا، فقال ﷺ : «تناكحوا تكثروا، فإنى أباهى بكم الأمم يوم القيامة»، وكفى بالنكاح في تحقيق مباهلته فخرا - صلى الله عليه وعلى آله صلاة تجمع لهم شرف الدنيا والأخرى -.
وكان من قضاء الله وقدره النكاح المسطور في هذا الكتاب الذى فاح في مناشق الأولياء نشرا، ولاح في مشارق الآلاء يسرا، وجمع في سماء المعالى للأيام والليالى شمسا وبدرا، وأمر بأحكام عهده للدين أمرا، وسرّ بإبرام عقده للدولة سرّا، قرنه الله بالميامن والبركات التي تتأبد دهرا، وتتخلد عصرا».
ثم قرئ كتاب الصداق، وعقد العقد بحضور الملك الظاهر صاحب حلب.
ذكر انتظام
الصلح بين الملوك والحلف
ثم اجتمع الفقهاء من جانب الملوك آخر النهار، وعملوا نسخة اليمين، وطوّلوا المجلس بالمناظرة فيها والجدال.
قال عماد الدين:
«ولو أنهم توافقوا لوفّقوا، ولم يقعوا من المراء فيما وقعوا، ولأعطوا القوس باريها، وجرت القضية (١١ ا) أحسن مجاريها، وكنت حرّرت نسخة يمين يعجز نسخها، ويبعد بعد لزوم عقدها فسخها، لكنهم اختلفوا ولم يتفقوا، وولّدوا من ذلك الاختلاف وفاقا، وهيهات أن يتفق الضدان، ويجتمع الفرقدان، فحرّروا يمينا في ألفاظها حنثها، وأبرموا نسخة في معانيها نقضها، لتعليق عقودها على شروط يمتنع وجودها».
стр. 921
ذكر خروج
الملوك لوداع الملك العزيز
وسفره إلى الديار المصرية
ولما كان يوم الجمعة مستهل شعبان من هذه السنة، خرج الملك الظاهر غازى - صاحب حلب - لوداع أخيه الملك العزيز.
قال عماد الدين الكاتب:
«وكنت خرجت في خدمة الملك العادل، فلما ظهر له موكب الملك الظاهر، تأخّر وعاد، فصحبت الملك الظاهر، وسرت في عراضه، فأشار علىّ بالسبق أحد حجابه، فسقت وسبقت، فلقيت الملك العزيز وقد ركب لتلقى أخيه، فوقف لى، وأبدى لى وجه البشاشة (١)، وهممت بالنزول فأبى، وهويت أقبّل يده فجذبها، وأحلى مساءلته ومسايرته وأعذبها، وعدت معه وأنا صاحبه ومجاوره ومحادثه، إلى أن لقى أخاه الملك الظاهر ورجع به إلى سرادقه، فنزلا ويده في يده، وجلس الملك العزيز والملك الظاهر إلى جانبه، وثافيت السيّدين، ونافثت القمرين، ثم أذن للخواص والأمراء والأعيان فدخلوا، ومدّ الخوان فأكلوا، ثم تفرق الملكان الأخوان بعد أن أهدى كلّ منهما للآخر أنواع الهدايا، ثم خرج الملك العادل لوداع الملك العزيز في خواصه، ثم خرج الملك الأفضل فودّع أخاه - وهو آخر من خرج - ولم يبق من الأكابر والملوك إلا من ودّعه، ثم رحل الملك العزيز من مرج الصّفر ثالث شعبان، وتوجه إلى الديار المصرية بعساكره».
стр. 922
ذكر رجوع
الملوك إلى بلادهم
ولما كان يوم الأربعاء ثالث عشر شعبان، عمل الملك الأفضل بدمشق دعوة حضر فيها عمّه الملك العادل، وأخوه الملك الظاهر، وجميع الملوك والأمراء والأكابر.
وفى يوم الخميس رابع عشر شعبان، رحل الملك الظاهر إلى حلب (١١ ب) وتفرّق الملوك إلى بلادهم، وأقام الملك العادل بدمشق إلى ليلة الأحد تاسع شهر رمضان ورحل إلى بلاد الشرق.
ذكر المتجدد
من الحوادث في هذه السنة بعد ذلك
قال عماد الدين الكاتب:
«لما اتّسع الضيق، وابتلع الريق، دخلت على الملك الأفضل على العادة، وهو جالس في وساد السيادة، وتحدثنا في الحوادث، وحمدنا الله تعالى على حل لواء اللأواء (١)، فقال لى الملك الأفضل: «قد نظمت أبياتا أكتبها إلى أخى الملك العزيز في استعطافه واستمالته»، وقال: «كنت فارقت أخى منذ تسع سنين وما التقينا إلا في هذه السنة». وأنشدنى في المعنى لنفسه:
نظرتك نظرة من بعد تسع ... تقضّت بالتفرّق من سنين
стр. 923
وغضّ الدّهر عنها طرف غدر ... مسافة قرب طرف (١) من جبين
وعاد إلى سجيّته فأجرى ... بفرقتنا العيون من العيون
فويح الدّهر لم يسمح بوصل ... يعيد به الهجوع إلى الجفون
فراقا ثم يعقبه ببين ... يعيد إلى الحشا عدم السّكون
ولا يبدى جيوش القرب حتى ... يرتّب جيش بعد في الكمين
ولا يدنى محلّى منك إلاّ ... إذا دارت رحى الحرب الزّبون
فليت الدّهر يسمح لى بأخرى ... ولو أمضى بها حكم المنون
فقلت: «لله درّك، ما أبدع هذا المعنى، وألطف هذه الطريقة، وأكرم هذه السجية الكريمة!! فكاتب أخاك بما فيه استعطاف واستلطاف، فما يجرى منه بعد هذا خلاف».
قلت (٢): كان الملك الأفضل ﵀ فاضلا متأدبا ينظم الشعر الجيد، وسأذكر بعد ذلك شيئا من شعره في موضعه. لكنه كان قليل السعادة، ضعيف الآراء.
قال عماد الدين:
«ولو ترك وفطنته الذكيّة، لجرت الأمور على السداد، لكن أصحابه وجلساؤه أفسدوا أحواله، ورموا أكابر أمرائه بالمكاتبة والخيانة، فتمكنت الوحشة في قلبه وقلوب (١٢ ا) أمرائه، وقالوا له: «أنت ولى عهد السلطان ﵀ والأكبر من أولاده، وأحقّ بالملك من أخوتك»، وقصدوا
стр. 924
تشتيت الشمل الناصرى، وتشعيث البيت السلطانى، فتفرّق عن الملك الأفضل كبراء دولته، ففارقه الأمير عزّ الدين أسامة - صاحب عجلون وكوكب - وهو من أجلاء الأمراء الصلاحية، فإنه لما رأى من الأحوال ما لا يعجبه فارق الأفضل وتوجه إلى الملك العزيز، ففرح بوصوله إليه وأكرمه غاية (١) الإكرام، ولما استقر عز الدين أسامة عند الملك العزيز أخذ في تحريضه على الملك الأفضل، وتقوية عزمه على قصده وأخذ دمشق منه، وقال له: «إن لم تنصر الدولة الصلاحية خذلت، وإن لم تصنها ابتذلت، وأخوك [الملك الأفضل] (٢) قد غلب على اختياره وحكم عليه وزيره الضياء الجزرى، وقد أفسد أحوال الدولة، فهو يتصرف فيها برأيه الفاسد، ويحمل أخاك على مقاطعتك ومباينتك، فإن أغفيت أغفلت، وإن أمهلت أهملت، وإن لنت غلظوا، وإن نمت تيقّظوا، ولا تلتزم باليمين فإن من شرطها صفو الوداد وصحة النيّة، ولم يوجد ذلك، فحنثهم في أيمانهم قد تحقق، وبرئت أنت من العهدة، فاقصد البلاد فإنها في يدك قبل أن يحصل للدولة من الفساد مالا يمكن تلافيه».
ثم فارق الملك الأفضل الأمير شمس الدين بن السلار - وهو من أكابر الدولة الصلاحية (٣) - وتوجّه إلى الملك العزيز، فساعد عز الدين أسامة على التحريض على الملك الأفضل، وتقوية عزم الملك العزيز على قصده.
ثم وصل إلى الملك العزيز القاضى محيى الدين بن الشيخ شرف الدين
стр. 925
ابن أبى عصرون، فاحترمه الملك العزيز وولاه القضاء بالديار المصرية، وضم إليه النظر في أوقافها.
وأقبل الملك الأفضل بدمشق على القصف والشرب وسماع الأغانى والأوتار ليله ونهاره، وأشاع ندماؤه أن عمّه الملك العادل - لما كان عنده - حسّن له ذلك ورخّص له فيه، وأنه حضر عنده ليلة وهو في شربه ولهوه، فجلس وسمع الغناء، واستحسن المجلس واستطاب ما هو فيه وندماؤه، وقال للملك الأفضل:
«أىّ حاجة بك إلى التكتم، اعلن بما أنت فيه وافعله (٢ اب) ظاهرا، فلا خير في اللّذات من دونها ستر»، فقبل وصية عمه وتظاهر بلذاته، وصرف إليها سائر أوقاته، وفوّض أمر مملكته (١) إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير يدبرها برأيه الفاسد، وبقى الأمر على ذلك مدة.
ثم إن الملك الأفضل أصبح يوما تائبا من غير سبب يعلم (٢)، وأزال المنكرات، وأمر بإراقة الخمور، وبضرب آنية الشرب دراهم ودنانير في دار الضرب، وأقبل على الزهد والعبادة، ولبس خشن الثياب (٣)، وشرع في نسخ مصحف بيده، واتخذ لنفسه مسجدا يخلو فيه لعبادة ربه تعالى، وواظب على الصيام في أكثر الأوقات، وجالس الفقراء.
стр. 926
ودخلت سنة إحدى وتسعين وخمسمائة
ووردت الأخبار في أولها أن الملك العزيز على عزم الخروج إلى الشام بعساكره، فأشار العقلاء من الناس على الملك الأفضل بمكاتبة أخيه الملك العزيز وملاطفته واسترضائه ومصافاته، ولو فعل لصلح حاله، واستمر ملكه، فإن أخاه الملك العزيز كان يقنعه أن يقيم الملك الأفضل الخطبة والسكّة بدمشق له، إذ هو صاحب الديار المصرية، وعنده معظم العساكر الصلاحية، ولو فعل ذلك الملك الأفضل وانقاد إلى أخيه الملك العزيز لما عارضه الملك العزيز في دمشق، ولأبقاها عليه، ولم يتمكن الملك العادل من الاستيلاء على ممالك أولاد أخيه، لكن ترك رأى العقلاء، وقبل ما أشار به عليه وزيره ضياء الدين ابن الأثير، فإنه أشار بأن يعتصم بعمّه الملك العادل، ويلتجىء إليه ويستجير به، ويستنجد به على أخيه، وكان هذا من فاسد (١) الرأى، (٢) فإنه أدّى به (٢) إلى ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر توجه
الملك الأفضل إلى الشرق مستنجدا بالملك العادل (٣)
ولما تواترت الأخبار إلى الملك الأفضل بأن أخاه (٤) الملك العزيز على عزم الخروج إلى الشام، وأن مقصده إقامة الخطبة والسكّة باسمه، وأن الجميع (١٣ ا) يكونون (٥) تحت حكمه، اضطرب لذلك وانزعج له.
стр. 927
قال عماد الدين الكاتب:
«خطب (١) الأفضل الذعر، وذعّره الخطب، وقال: «ما أصدق ذلك عن أخى وإذا أتى من مصر أخى، فمن مصرخى»، قال: «فقلنا له: راسله وجامله، واستسعفه واستعطفه، وتقرب إليه وقاربه، ولعله يعتبك فعاتبه، ولا تتعلق بمن عهده (٢) يهى، وتصرّفه على ما يشتهى لا ما تشتهى، فالأخ أولى بالمساعفة والمساعدة، وما يطلب إلا إقامة الخطبة له، فأجبه إلى ذلك، ولا تضايقه فيه ولا تنافسه».
قال: «فكاد يصغى إلى هذا النصح، فلما خلا به وزيره الضياء وأصحابه، حرّفوه عن ذلك كله، وحسّنوا له أنه لا ينبغى له العدول عن عمّه الملك العادل، وأنه ينبغى له أن يرحل إليه مستجيرا به وملتجئا إليه، فقبل رأيهم، وبرز إلى القصر يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى من هذه السنة، ثم توجه إلى الشرق، فلقيه الملك العادل بصفّين - وقد كان نازلا بالرقّة - فنزلا بالمخيم بصفين، وقال له الملك الأفضل: «أنت عمى ومقام والدى، وبقوة مساعدتك يقوى ساعدى، ومع إقامتك عندى بدمشق لا يقدم علىّ الملك العزيز»؛ وسأله وتضرع إليه أن يسير إلى دمشق، وألحّ عليه في المسألة، فأجابه الملك العادل إلى ذلك، فرحل الملك العادل من صفين متوجها إلى دمشق مستهل جمادى الآخرة في عساكره، ودخلها تاسع جمادى الآخرة واستقر بها (٣)».
стр. 928
ذكر توجه
الملك الأفضل إلى أخيه الملك الظاهر
وابن عمه الملك المنصور - صاحب حماة - واتفاقه معهما
ولما رحل الملك العادل إلى دمشق، توجّه الملك الأفضل إلى حلب، فخرج إليه أخوه الملك الظاهر ملتقيا، وكان قد وقع بينهما حلف واتفاق ومراسلة تتضمن أنهما يكونان يدا (١) واحدة، ويجتمعان على حرب الملك العزيز إن قصد دمشق، وبذل الملك الأفضل للملك الظاهر جبلة واللاذقيّة وأعمالهما، فاستضافهما الملك الظاهر إلى ممالكه، ولما التقيا، ذكّره الملك الأفضل العهد (١٣ ب) السابق وألزمه إنجاز وعده، فأجابه إلى ذلك بشرائط اتفقا عليها، وصعد معه إلى قلعة حلب، فنزل بها ضيفا له، ثم رحل الملك الأفضل من عنده متوجها إلى حماة، فلما قاربها، خرج إلى لقائه ابن عمه الملك المنصور ناصر الدين محمد بن الملك المظفر، وأضافه بحماة، وتحالفا وتعاهدا.
ذكر وصول
الملك الأفضل إلى دمشق
ولما قضى الملك الأفضل أربه من اتفاق صاحب حلب وصاحب حماة معه، توجه إلى دمشق فدخلها ثالث عشر جمادى الآخرة وبها عمّه الملك العادل مظاهرا
стр. 929
له في الظاهر ومؤازرا، واتفق اجتماعهما وهو في أول إقبال ثمارها ومشمشها، وهى في غاية طيبتها وبهجتها، فأقاما بها كل يوم يركبان ويتسايران، وأفضى الملك الأفضل إلى الملك العادل بأسراره، وشاهد الملك العادل اختلال أحواله، ولم يعجبه سيرة وزيره ضياء الدين بن الأثير، وكان الملك العادل يجبه الملك الأفضل بالتحذير منه، وهو لا ينزل عنه ولا يبرأ منه.
وأبطأ خبر الملك العزيز، وسكن ما في القلوب من الخوف منه، وبالغ الملك الأفضل في إكرام عمه الملك العادل والقيام بوظائفه، وأشار على الملك الأفضل أصحابه أن ينزل لعمه الملك العادل عن السنجق، ويتوثق منه بيمين، فاجتمعا يوما في الجوسق وطلب منه اليمين، وسأله الاختصاص بالركوب (١) بالسنجق، فأجابه إلى ذلك، وصار بعد ذلك الملك العادل يركب كل يوم بالسناجق السلطانية، ويركب الملك الأفضل في خدمته.
ذكر أمور
وقعت أوجبت الاستيحاش عند الملك الظاهر
من عمه الملك العادل وأخيه الملك الأفضل
كان الملك الأفضل قد اتفق معه أخوه الملك الظاهر على مواترة الرسل بينهما، فاتفق أن الملك الأفضل أرسل رسلا في مقاصد، فرجعوا من غير حصول مقصود، وكان السبب في ذلك أن الملك المنصور - صاحب حماة -
стр. 930
والأمير عز الدين إبراهيم بن شمس الدين بن المقدّم - صاحب بعرين (١) وأفامية وكفر طاب - كان الشرط أنهما يكونان (١٤ ا) مضمومين إلى الملك الظاهر، فاتفقا أنهما نفرا من ذلك في هذا الوقت، وراسلا الملك العادل معتصمين به ولائذين بجنابه، فقبلهما وضمهما إليه، وكان شرط الملك الظاهر ردّ الخارجين إليه.
وكان أيضا الأمير بدر الدين دلدرم بن بهاء الدين ياروق - صاحب تل باشر - قد حبسه الملك الظاهر في السنة الماضية ليسلّم إليه تل باشر، وحبس معه جماعة من بنى عمه، وكان الملك العادل - قبل مجىء الملك الأفضل إليه - قد توجّه إلى حلب وصعد إلى قلعتها، وشفع إلى ابن أخيه الملك الظاهر في المذكورين، وضمن للملك الظاهر عنهم ما يطلبه منهم، فقبل الملك الظاهر شفاعة عمه وأمر بإطلاقهم له، وقدموا مع الملك العادل إلى دمشق، فأحسن إليهم واستخدمهم، فبعث الملك الظاهر إلى الملك العادل يطلب منه أن يقوم له بما ضمنه عنهم، فلم تقع الإجابة إلى ذلك، فحصل عنده استيحاش من هذه الأمور.
وكان السبب في ميل الملك المنصور إلى عمه الملك العادل وخروجه عن الملك الظاهر، أن الملك الظاهر كان قد اتفق معه أنه يضيف إليه جبلة واللاذقية، وبكسرائيل (٢) وصهيون، وحلف له الملك الظاهر أنه يستخلص له ما ليس في يده منها، وإن احتاج إلى محاصرة حاصر، وكان هذا الاتفاق في السنة الماضية، وحلف الملك المنصور أنه يكون تبعا له ومؤازرا.
ولما كانت هذه السنة، ووقع من الاضطراب ما ذكرناه، خاف الملك
стр. 931
المنصور من اتفاق الملك العادل والملك الأفضل عليه، فالتجأ إلى الملك العادل، وفعل مثل ذلك عزّ الدين بن المقدم، فأجابهما الملك العادل إلى ما طلبا من الاتفاق معه، وتحالفوا على ذلك.
ولما جرى ما ذكرناه، وتحقق الملك الظاهر أن عمّه الملك العادل وأخاه الملك الأفضل لم يفيا له بما عاهداه عليه، كاتب أخاه الملك العزيز واستنهضه لقصد الشام، ووعده القيام معه ونصرته، فقوى عزم الملك العزيز وتهيأ له.
ذكر قدوم الملك العزيز إلى الشام بعساكره
(١٤ ب) ثم خرج الملك العزيز إلى الشام بعساكره الكثيرة المتوافرة من الصلاحية والأسدية والأكراد، فوصل إلى الفوّار - من أرض السواد - وخيّم به، فكاتب الملك العادل الأمراء الذين مع الملك العزيز ووعدهم الوعود الجميلة وأخذ في إفسادهم عليه وتنفير قلوبهم منه.
ذكر اضطراب بعض العسكر على الملك العزيز ومفارقتهم له
وكانت الأمراء الصلاحية والأمراء الأسدية ينافس كل فريق منهم الآخر ويطلب عثاره، وكانت الأمراء الصلاحية متقدمة عند الملك العزيز، فحسدتها الأمراء الأسدية، وأخذ الملك العادل بدقيق حيله يعمل في تأكيد الإيقاع بين الفرقتين، ويوقع الفرقه والاستيحاش بينهما، وكذا في الإيحاش بين الأسدية والملك العزيز، فكاتب الملك العزيز سرا يخوفه من الأسدية ويغريه بإبعادهم، وكاتب الأسدية
стр. 932
بالتنفير من الملك العزيز وتخويفهم منه واستمالتهم إليه، فاستوحش الملك العزيز من الأسدية واستوحشوا منه، فكانوا إذا لقوه عرفوا في وجهه التنكر، وعرف في وجوههم مثله، وتمادى الأمر إلى أن تمكن الخوف منه في قلوبهم والخوف منهم في قلبه، ولما تمكن الاستيحاش منهم، عزموا على مفارقته وحسّنوا ذلك للأكراد المهرانية فوافقوهم (١) عليه.
وكان مقدم الأمراء الأكراد حسام الدين أبا الهيجاء السمين، وما كان يظن الملك العزيز أنه يحنث في يمينه، وأنه تصدر منه مخامرة عليه، فاجتمعت عليه الأمراء الأسدية وخوّفوه من الملك العزيز، ولم يزالوا به حتى أجابهم إلى مفارقته والانضمام إلى الملك العادل والملك الأفضل، ولما اتفقوا على ذلك، عزموا على مضايقة الملك العزيز واتباعه في المنازل، وأن يكاتبوا نوّابهم وأصحابهم بالقاهرة ليستقبلوه ويحولوا بينه وبين القاهرة، ويكونوا هم والملك العادل والملك الأفضل خلفه، فيؤخذ أخذا باليد (١٥ ا) وتنتزع منه البلاد؛ فلما كانت عشية اليوم الرابع من شوال من هذه السنة، رحل الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السمين والأكراد المهرانية والأسدية رحلة واحدة بعد دخول الليل وهم لا بسون عدة الحرب.
وكان الأمير هكندرى (٢) - وهو أكبر الأمراء الحميدية - محالفا لهم ومعاقدا، فجاء إلى الملك العزيز وأخبره بما اجتمع عليه الفوم، فما تحلحل الملك العزيز ولا تزعزع من مكانه، ولا أظهر ارتياعا لما وقع من هذه الحادثة، بل ثبت مكانه واستقر، فقالت له الأمراء الصلاحية:
стр. 933
«دعنا نتبعهم ونقاتلهم ونتركهم عبرة للمعتبر».
فقال لهم الملك العزيز:
«لا ترهبوهم واتركوهم يذهبوا أين شاءوا لعلنا نصفو من كدرهم، وهذا ليل، ولا يؤمن فيه الاختلاط، ولا يعرف الإنسان فيه صديقه من عدوه، والأولى الأخذ بالحزم والاحتياط».
وكان المفارقون للملك العزيز معظم العسكر.
وثبت الملك العزيز في معسكره بالفوّار ومعه خواص أصحابه على الخطر، وبات تلك الليلة ثابت الجأش والجنان، وما أظهر أسفا على فراق من فارقه من عسكره، واستدعى رسل الملوك الذين عنده وأجاب كلاّ منهم عن رسالته، وخلع عليهم وسرّحهم.
ذكرى رجوع الملك العزيز
بمن بقى معه من عساكره إلى الديار المصرية واستقراره بها
وأصبح الملك العزيز راحلا بمن بقى معه من عساكره إلى الديار المصرية، وسار إليها على تيقظ وتحفظ ويزكيّة (١)، وسلك طريق اللجون والرملة، وخاف من الأسدية المقيمين بالقاهرة أن يوافقوا أصحابهم الغادرين ويسلكوا سيرتهم في الغدر به، فقدّم بين يديه أمراء على النجب، وكان نائبه بالقاهرة الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، فبقى على الصفاء للملك العزيز وخلوص النيّة، وتبعه على ذلك من بقى من الأسدية، ووصل الملك العزيز إلى البلاد، وأمّن كل من
стр. 934
وجده من مخلّفى الخارجين عليه، وطيّب قلوبهم وأكرمهم وأحسن إليهم، واستقر في كرسى ملكه.
ومدحه القاضى السعيد (١٥ ب) ابن سناء الملك بقصيدة ذكر فيها نفاق الأسدية عليه وفراقهم له، منها:
من فرّ منك فلا يلام ... وشريد (١) بأسك ما ينام
وجناب عزّك ما يرا ... ع من الخطوب وما يضام (٢)
فرّت لخوفك غلمة ... ولربّما خاف (٣) الغلام
هابوا مقامك ذا العظي ... ـم، فلم يكن لهم مقام (٢)
وشديد بطشك لا يقرّ ... (م) على سطاه ولا يقام (٢)
وهم الأسود، فما لهم ... طاروا كما طار النعام؟ (٤)
سخرت بهم أوهامهم (٥) ... هزوا، وبالأوهام هاموا
لا ينفعون، ولن يضرّ ... (م) وا إن مضوا، أو إن أقاموا (٦)
فلإن عفوت فإنّما ... يعفو عن الذّنب الكرام (٢)
وإن انتقمت فإنّ أي ... ـسر ما استحقّوا الانتقام (٢)(٧) ما دارهم حرم (٨)، ولا ... في الشّام (٩) صيدهم حرام
وهم به سكرى، ولي ... ـس سوى الهموم لهم مدام (١٠)
стр. 935
يتأسّفون، ومن ندا ... متهم يقال لهم ندام (١)
ستسوقهم بيد الزّما ... ن، ففى أناملك الزّمام
قم فاملك الدّنيا بأج ... ـمعها، فقد آن القيام
ورم السّماء تنل كوا ... كبها، فما يعيى (٢) المرام
ولأنت وحدك ليس ين ... ـجى منك إلاّ الانهزام
تغنى عن الجيش اللها ... م لأنّك الجيش اللهام
وتنير آفاق (٣) السّما ... ء لأنّك البدر التّمام
(٤) لا زال ملكك لا يزو ... ل ولا يضار ولا يضام
تبقى موقّا لا انصرا ... ف تتقّيه (٥) ولا انصرام (٦)
ونزيل (٧) راحتك النّدى، ... وحليف دولتك الدّوام
(١٦ ا) ذكر رحيل الملك العادل والملك الأفضل إلى مصر متبعين للملك العزيز
ولما جرى [ما جرى] (٨) من مفارقة الأمراء المذكورين للملك العزيز وصل إلى دمشق بكرة الثلاثاء (٩) خامس شوال (٩)، رسول حسام الدين أبى الهيجاء
стр. 936
السمين إلى الملك العادل يحثه على سرعة (١) الرحيل إلى الديار المصرية، ويخبره أن الملك العزيز قد فارقه أكثر العسكر وهو في جمع قليل، فإن لم يسرع النهضة خلفه بالعساكر فات المقصود، وإن بادر بالنهضة هو والملك الأفضل ومن معهما من العساكر، ساعدوهما على اللحاق به وإدراكه (٢) قبل أن يصل إلى مقر ملكه، وانتزعوا البلاد منه وسلموها إلى الملك العادل والملك الأفضل، فاستدعى الملك العادل الملك الأفضل وجلسا خلوة، وتوثق كل واحد منهما بصاحبه بالأيمان المؤكدة، فيقال إنهما اتفقا على أن يكون للملك العادل ثلث الديار لمصرية، وثلثاها للملك الأفضل، ولما وقع الاتفاق بين الملكين على هذا الأمر، ضربت كوسات (٣) الملك العادل، ونفّرت بوفاته، ونشرت راياته، وبرز في عساكره متوجها في ساعته في عساكره وجموعه إلى الديار المصرية، وأصبح الملك الأفضل يوم الأربعاء غد ذلك اليوم راحلا في جموعه وحشده، واجتمع الملكان بالعسكر الخارجين على الملك العزيز، واتفقت كلمتهم، ورحلوا كلهم طالبين الديار المصرية.
وكانت الأسدية قد حرصت على الجد في السير ليسبقوا الملك العزيز إلى مصر فلم يقدروا، واجتهدوا في أن يدركوه فلم يصلوا إلى ذلك وسبقهم (٤) إليها، فأمرهم الملك العادل بالتثبت، وأخبرهم أن الغرض المقصود ما يفوت.
стр. 937
وكان عزّ الدين جرديك النورى نائبا عن الملك العزيز بالقدس، فبذل له الملك الأفضل (١) إقطاعا، وطلب منه تسليم القدس فسلّمه إليه، فسلّم الملك الأفضل (١) باتفاق منه ومن الملك العادل إلى حسام الدين أبى الهيجاء السمين، وسار معهما إلى الديار المصرية.
ولما علم الملك العادل باستقرار ابن أخيه الملك العزيز (٦ اب) بالديار المصرية، سرّه ذلك، إذ لم يكن في الباطن يختار إزالة ملكه، وكان شديد الميل إليه والمحبة له، وسار الملك العادل على سكون وهدوء إلى أن وصل في مدة مديدة.
ذكر نزول
الملك العادل والملك الأفضل (٢) على بلبيس محاصرين لها
ووصل الملك العادل والملك الأفضل (٢) بعساكرهما ومن انضم إليهما من الأسدية والأكراد إلى الديار المصرية، ونازلوا بلبيس وبها جموع الصلاحية، وكان نزولهم عليها وزيادة النيل قد بلغت منتهاها، واحتمت البلاد بما غمرها من الماء، وغلا السعر وتعذرت الأقوات، والصلاحية بها مستظهرون، وقد اشتدت مئونة الأسدية والأكراد، وكثرت غراماتهم، وظهر ندمهم على ما فعلوا، وعرف الملك العادل أن المصلحة الشاملة في الصلح وانتظام الشمل، فبعث يستدعى القاضى الفاضل ليتفق معه على ما فيه صلاح ذات البين.
стр. 938
ذكر وقوع
الصلح بين الملوك
كان الملك العزيز لما رجع على الصورة التي ذكرناها، وتحقق أن عمه وأخاه قد قصداه بعساكرهما ومن انضاف إليهما من عساكره المفارقين له، احتاج إلى استخدام الرجال وتقوية من بقى معه بالمال، ولم يجد في بيت ماله ما يفى له بهذا المقصود، فعرض أهل مصر عليه بذل أموالهم، وتضرّع إليه الأماثل والأغنياء في أن يجيب سؤالهم في قبول أموالهم، فشكرهم على ذلك، ولم يقبل منه شيئا، وتحقّق محبتهم له وخلوص نيتهم وقال:
«الله سبحانه يكفينى ويغنينى، وليس اعتمادى في النصر إلا عليه».
وكان الملك العزيز ﵀ محببا إلى الرعية لما كان متصفا به من حسن السيرة والعدل والكرم المفرط.
ولما نازل عمّه وأخوه بلبيس، كان فيها خواصّ أصحابه وخلّص أجناده فبينما هو في ضيق ذات يده وخوفه، إذ ورد رسول عمه الملك العادل يطلب منه الاجتماع بالقاضى الفاضل ﵀، وكان القاضى الفاضل قد تنّزه عن ملابستهم (١٧ ا) ومخالطتهم، واعتزل بنفسه عنهم لما رأى من اختلال أحوالهم وفساد أمورهم، وأحوجه الملك العزيز أن يلبى دعوة عمه الملك العادل ويخرج إليه ليفرج هذه الغمة، فركب من القاهرة، وخرج إليه.
ولما علم بذلك الملك العادل، ركب وتلقاه أحسن تلقّ، واجتمع به، واتفق معه على ما فيه المصلحة الشاملة للكل، وأشار بأنه ينبغى أن يعفو الملك العزيز عن الأمراء الأسدية والأكراد، وأن يصفح (١) عن جرمهم ليرجعوا
стр. 939
إلى خدمته ويردّ إليهم إقطاعاتهم، وحلف الملك العادل لابن أخيه الملك العزيز، واختار المقام عنده بمصر لتقرير قواعد ملكه، وأشار بأن يحلف كلّ من الأخوين لصاحبه، وأن يرجع الملك الأفضل إلى بلاده، ولما وقعت الأيمان والاتفاق، خرج الملك العزيز واجتمع بعمه الملك العادل وأخيه الملك الأفضل، واتفقوا في الظاهر (١) اتفاقا تاما.
ذكر رجوع
الملك الأفضل إلى دمشق
ومقام الملك العادل بمصر عند الملك العزيز
ولما انتظم الصلح، رجع الملك الأفضل إلى دمشق بعساكره، ورجع الملك العزيز إلى القاهرة وصحبته عمه الملك العادل، فنزل الملك العادل بالقصر، وأمر ونهى وحكم وتصرف في كبير الأمور وحقيرها، وعزل القاضى محيى الدين ابن أبى عصرون عن قضاء الديار المصرية، وولى القضاء زين الدين يوسف الدمشقى.
стр. 940
ودخلت سنة اثنتين وتسعين وخمسمائه
يوم وصول الملك الأفضل إلى دمشق وفى اليوم السابع والعشرين من صفر؛ نقل تابوت والده الملك الناصر ﵀ من القلعة إلى التربة التي هو مدفون بها الآن، وكانت مدة مقام تابوته بالقلعة ثلاث سنين.
ولزم الملك الأفضل الزهد والقناعة، وأقبل على العبادة، والأمور كلها مفوضة إلى وزيره ضياء الدين بن الأثير الجزرى، وقد اختلت الأحوال به غاية الاختلال، وكثر شاكوه، وقل شاكروه.
وبلغ ذلك الملك العادل فأنكره، (١٧ ب) وتقرر بينه وبين الملك العزيز الخروج إلى الشام لتمهيد القواعد وإزالة ما حدث من المفاسد، وذلك بعد أن ضبط الملك العادل للملك العزيز الملك بمصر، وعيّن الإقطاعات، وثمّن (١) الارتفاعات، وعمّر الأعمال، ووفّر الأموال، وقرب إلى الملك العزيز عز الدين أسامة - صاحب عجلون وكوكب - فصار صاحب سر الملك العزيز وحاجبه والواسطة بينه وبين الملك العادل، وألصق أيضا به مملوك والده صارم الدين قايماز النجمى، فصار من أهل صفوته وخالصته.
стр. 941
ذكر تبريز الملك العادل بنية السفر إلى الشام وتقرير قواعده
لما كثرت الأخبار بمصر بما يعتمده ضياء الدين بن الأثير - وزير الملك الأفضل - من الأحوال الرديئة والسيرة المذمومة بالشام، تحركت عزيمة الملك العادل للسفر بعساكر الملك العزيز، ووعد بإزالة ضياء الدين بن الأثير وطرده عن البلاد وإصلاح ما فسد من الأحوال.
قلت (١): هكذا حكى عماد الدين الكاتب
وعندى أنه ربما ذكر ذلك تقيّة في ذلك الوقت وخوفا من الملك العادل، وإلا فالذى أعتقده وبلغنى من جهات عديدة، أن الملك العادل لما قدم إلى دمشق نجدة للملك الأفضل، ورأى من ركة الملك الأفضل ما رأى، حدثته نفسه بالاستيلاء على دمشق وتملكها، وصار يعمل الحيلة في ذلك، ولما قصد الملك العزيز البلاد بعساكره، توصل الملك العادل إلى تحصيل غرضه بإيقاع الخلف بين الصلاحية والأسدية، وبين الأسدية والملك العزيز، ونفّر كلاّ (٢) منهم من الآخر، وأوجب ذلك رجوع الملك العزيز إلى مصر على الصورة التي ذكرناها، ولما تم له ذلك، حسّن للملك الأفضل قصد الديار المصرية، واجتمعا بالخارجين على الملك العزيز، وكان قصد أولئك لحاق الملك العزيز ومنعه من الدخول إلى الديار المصرية، ولم يكن ذلك في الباطن من هوى الملك العادل ولا اختياره، ولم يزل يثبطهم ويستوقفهم (١٨ ا) حتى وصل الملك
стр. 942
العزيز إلى كرسى ملكه، ووصل الملك العادل والملك الأفضل إلى بلبيس - كما ذكرنا - وحصراها، فلم يظن أحد إلا أن الأمر قد تم، وأن الملك العزيز قد تلاشى أمره بالكلية، فحينئذ أراد الملك العادل أن يقلّد المنة (١) العظمى للعزيز، بأن ردّ الملك العزيز إلى ملكه، وأبقى عليه بلاده بعد أن وقع الإشراف على أخذها، فحينئذ استدعى القاضى الفاضل - كما ذكرنا - وقرّر قواعد الصلح، وردّ الملك الأفضل إلى بلاده، (١) ووصل إلى مصر (٢)، وقرّر قواعد الملك العزيز ورتّب أموره، وتمكّن منه التمكن الكلى، فحينئذ طلب منه في الباطن أن تكون دمشق له، ويكون نائبا عنه بها، ويعطى الملك الأفضل موضعا صغيرا بعد إخراجه من دمشق، وتكون الخطبة والسكة للملك العزيز في الممالك الأيوبية (٣) كلها، ويكون هو السلطان الأعظم مكان أبيه، فأجابه الملك العزيز إلى ذلك، وتحالفا واتفقا عليه، لكن كان ذلك كله بينهما، ولم يظهر للناس سرّه إلا بعد وقوع ما وقع على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
فبرز الملك العادل إلى بركة الجب (٤) ونزل بها، وبرزت العساكر المصرية وفى الظاهر أنه يسير وحده بالعساكر لإصلاح أحوال الشام ويقيم الملك العزيز بمصر، ولما نزل الملك العادل (٥) بتلك المنزلة، خرج الملك العزيز بعزم تشييعه والمقام عنده في تلك المنزلة في ذلك الشهر إلى حين توديعه، وكان الخروج من القاهرة مستهل ربيع الأول من هذه السنة.
وكان عماد الدين الكاتب قد سافر إلى الديار المصرية قبل ذلك لمهام تتعلق به.
стр. 943
قال عماد الدين:
«وخرجت أنا أيضا بخيمتى لملازمتى القاضى الأجل الفاضل، وحاجتى إليه في نجاح ما لى من المقاصد والرسائل، ووصل إلى مصر الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك الناصر رسولا إلى الملك العزيز من جهة أخيه الملك الظاهر - صاحب حلب -، ومعه سابق الدين عثمان بن الداية - صاحب شيزر -، والقاضى بهاء الدين بن شداد، فخيموا بتلك المنزلة عند الملك العزيز، وشاع أن الرحيل منها (١٨ ب) أول شهر ربيع الآخر لتجتمع العساكر وتنزاح علّتها».
قال: «وكان الملك العادل يؤثر مسير الملك العزيز ليتمكن من أغراضه (١)، ولأن العساكر مع اختلافها تجتمع مع الملك العزيز لعلو همته، وسمو قدره، وسماحة يده، وسعة صدره».
قال: «فاجتمع الملك العادل والملك العزيز وأشار عليه أن يسافر بنفسه، وقال له ما معناه: إن الدولة الصلاحية بإدارتك (٢) صلاحها، وبفلاحك فلاحها، وبنهضتك ينهض جناحها، وبسعدك يسعد نجاحها، وإن لم تجتمع الكلمة عليك لم تجتمع كلمة الإسلام، ولم تستقر العصمة من الكفر بالشام، وفى كل بلد من إخوتك سلطان، ما منه لأمرك إذعان، وغدا عند الحاجة إلى الاستنفار والاستنصار، وكلّ منهم على سمة النفار، تنزل النوازل والدوائر بالديار، فاستخر الله تعالى وانشط، ولدولتك احتط (٣)، وسر مستقبل النصر سارّا،
стр. 944
وللجحفل المجر جارّا، وللدولة الناصرية ناصرا، ولأيدى المتعدى عنها قاصرا، وأنت سلطاننا ونحن الأتباع، والأنصار والأشياع».
وذكر عماد الدين من هذا شيئا كثيرا عن الملك العادل، فأجابه الملك العزيز إلى ذلك، وضربت الخيام، ونصبت الأعلام، وتكاملت العساكر وتتامّت، واجتمعت وتضامت (٤).
قال: «وكان الملك الأفضل لما بلغه ذلك يكذب الحديث عنه تارة، ويصدقه أخرى، ويقول: قد استوثقت من كلّ منهم باليمين، وما منهم من يهى موثقه، وما وثقت - بعد الله تعالى - من الناس إلا بعمى، وهو يعصمنى، ويقينى إنه يقينى».
وانفصل الملك الزاهر من مصر عند قرب الرحيل، ومعه القاضى بهاء الدين ابن شداد بعد قضاء الأرب من أداء الرسالة عائدين إلى صاحبهما، فلما عبرا بدمشق، أخبرا الملك الأفضل بجلية الحال، وأنهم على قصد السفر والاستيلاء على البلاد، فضاق ذرعه بذلك، واستشار أصحابه، فأشار عليه شيوخ الدولة وأكابرها من الأمراء وغيرهم بأن يستقبل أخاه وعمه وينقاد إلى أوامرهما، فإنه إذا استقبلهما على هذه الصورة (١٩ ا) لا يسعهما إلا قبوله لأنهما إن غيّرا عليه حالا بعد ذلك، حلّت بهما الغير، وأرّخت بقبح فعلهما السّير، فكاد يقبل هذا القول ويصغى إليه، فدخل عليه وزيره ضياء الدين بن الأثير فثنّاه عن هذا الرأى وصرفه عنه وقال له:
«أنت أكبر الأخوة وأفضلهم، وما ثمّ عجز وفى الغيب لله قضايا، وله ألطاف خفايا، ودمشق مدينة حصينة وأهلها يحبونك ويؤثرونك».
стр. 945
ثم دخل عليه أخوه الملك الظافر خضر المعروف بالمشمّر، وهو شاب وعنده حمية وأنفة وقال:
«أين حكم الإسلام، وقد استحلّت المحارم، وما ظننت أن أحدا يحنث في يمينه وينقض عهده، فلا تهن ولا تجزع فالبادى أظلم، والمسلّم إلى الله أسلم».
وأحضر الملك الظافر المقدمين واستحلفهم، واستكثر من العدد والآلات، وتولى أسباب تحصين البلد، وقطع ما فوق المصلى عند مسجد فلوس بفصيل (١)، ورتّب الرجال حول البلد يتناوبون عليه لحفظه، وفرّق الأمراء على الأبراج والأسوار.
وورد إلى الملك الأفضل رسل أخيه الملك الظاهر يشير عليه بتحصين بلده وتقوية عزمه على مقاتلة أخيه وعمه، ويعده من نفسه المؤازرة والمظاهرة.
ثم أرسل الملك الأفضل الأمير فلك الدين - وهو أخو الملك العادل لأمه، وإليه تنسب المدرسة الفلكية (٢) بدمشق - رسولا إلى الملك العادل.
стр. 946
ذكر مسير الملك العزيز والملك العادل إلى الشام ومنازلتهما دمشق
ولما تكاملت العساكر ببركة الجب (١)، سار الملك العزيز والملك العادل بالجحافل والعساكر المتوافرة، ولما وصلا إلى الداروم، وصل فلك الدين أخو الملك العادل لأمه رسولا من الملك الأفضل إلى عمه بمشافهة منه، فأبلغه الرسالة، فأقبل عليه الملك العزيز وأنعم عليه.
قال عماد الدين الكاتب:
«وكنت حاضرا، وخلنا أن الأمر قد تم، وأنه قد صلح الصلح، ووضح الصبح، فأقام فلك الدين هناك أياما، ثم عاد إلى دمشق مثريا بجود النقود، وبدور البدر، وعاد حميد الورد والصدر (١٩ ب) وأقمنا نترقب كتابه فنفذ (٢) من ذكر أنّ الملك الأفضل قد أبى ونبا، واستوثق وسوّر وخندق، وأنه لا يجنح إلى السلم، ويقول: كما كفانى الله في الماضى يكفينى في المستقبل».
قال عماد الدين:
«وجاءنى الخبر أن وزيره قد قرّر عنده عند قرب [العساكر من] (٣) البلد نهب دورى وأملاكى، فاستأذنت الملك العزيز في الدخول إلى البلد، فأذن لى على
стр. 947
كراهية، فلما دخلت البلد اجتمعت بالملك الأفضل، وقلت له القول الأفضل، فأبى أن يسمع أو أن يقبل، وحرمت في حظى الثانى والأول».
ثم سار الملكان: العادل والعزيز إلى دمشق فنازلاها، ولم يحدثا قتالا، والملك العادل مظهر أنه على عهده وميثاقه، لم يتغير عنه ولم يحل، وأنه ليس مقصوده إلا إصلاح (١) ذات البين وانتظام الشمل، وكتب الأمراء بدمشق والأكابر متواصلة إلى الملك العادل والملك العزيز، لأن بعضهم كانت قد حصلت عنده نفرة من الملك الأفضل لأسباب وقعت منه ومن وزيره توجب الاستيحاش، وبعضهم كوتبوا من جهة الملك العادل والملك العزيز بما طيّب به قلوبهم وبسط في آمالهم، فكتبوا يحثونهما على معاجلة الزحف إلى البلد وانتهاز الفرصة، ويعدون من أنفسهم المساعدة وفتح الأبواب لهم.
ذكر استيلاء
الملك العزيز على دمشق
والاقتصار بالملك الأفضل على صرخد
ولما جرى ما ذكرناه (٢) من المخامرة (٢) من الأمراء المقيمين بدمشق والأكابر، وتوثق منهم الملك العزيز والملك العادل، ضرب البوق وزحف العسكر على البلد، وذلك ضحى يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب من هذه السنة - أعنى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة - مستظهرين بالعدد والآلات، فما صدّهم عن البلد صادّ، ولا ردّهم رادّ، ولم يجدوا في طريقهم من يقاتلهم غير الملك الظافر
стр. 948
خضر (١) ابن الملك الناصر، فإنه قاتل وثبت معه جماعة من عسكر الملك الظاهر - صاحب حلب -، فقاتل ظنا أن عسكر دمشق يقاتلون معه، (٢٠ ا) ولم يعلم حقيقة ما استقر في الباطن من المخامرة، فلما لم ير معه من يقاتل ولّى منهرما وقد جرح.
ووصل الملك العزيز من جهة الميدان الأخضر، ودخل من باب الفرج (٢) وقد فتح له، وبات عند عمته ست الشام (٣) بنت أيوب - المعروفة بالحسامية -
стр. 949
والدة حسام الدين بن لاجين (١)، وإليها تنسب مدرسة ست الشام (٢) بدمشق.
وأما الملك العادل فإنه وصل إلى باب توما (٣)، ففتحه له الأمير الذى كان مستحفظا عليه باتفاق كان بينهما، ودخل العسكر من هذا الباب وباب شرقى (٤)، وبات الملك العادل في الدار الأسدية (٥).
ولما دخل الملك العزيز دمشق تلقّاه أخوه الملك الأفضل، فردّه الملك العزيز إلى القلعة، ثم خرج الملك العزيز في غد هذا اليوم إلى مخيّمه، وأقام به إلى أن انتقل الملك الأفضل من القلعة بأهله وأصحابه، وأخرج وزيره ضياء الدين بن الأثير مختفيا في صندوق من بعض صناديقه، خوفا عليه من القتل، وكان قد ترقبه أقوام ليقتلوه فلم يظفروا به.
قال عماد الدين:
«وكنا نظن أن للملك الأفضل مالا مجموعا فلم يظهر شىء (٦) لسوء تدبير وزيره، فأقام الملك الأفضل بعد خروجه من القلعة نازلا بمسجد خاتون (٧)، ووزيره مختف عنده إلى أن هرب إلى الموصل».
стр. 950
قال عماد الدين:
«ومن العجب أن الملك الأفضل مع علمه بشؤم وزيره، وأن كل ما هو فيه من النقص والنقض بادباره وسوء تدبيره، ضمه إليه (١) وترفرف بجناحه عليه، فأخرجه في قماشه، وسرّحه بريشه ورياشه، وكان ادعى عليه بمال فأقرّ الملك الأفضل بوصوله إلى خزانته، وبرّأه من حسابه وخيانته (٢)، وانفصل إلى الموصل بمال دمشق وأعمالها ثلاث سنين، وجمع آلافا مؤلفة، ولم يفرّق الأفضل منها مائين».
قال عماد الدين:
«وعهدى بقوم دخلوا علىّ متأسفين على سلامته، واستقامة أمره في ظعنه وإقامته، فقلت: إنما سألنا الله تعالى كفاية شره وسوءه لا سواه، فقد أبعده الله فلا قرّب (٣) نواه».