← История

История · id 16362

مفرج الكروب في أخبار بني أيوب

ابن واصل

Полный текст (2 000 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

ذكر مسير الملك العزيز والملك العادل إلى الشام ومنازلتهما دمشق ولما تكاملت العساكر ببركة الجب (١)، سار الملك العزيز والملك العادل بالجحافل والعساكر المتوافرة، ولما وصلا إلى الداروم، وصل فلك الدين أخو الملك العادل لأمه رسولا من الملك الأفضل إلى عمه بمشافهة منه، فأبلغه الرسالة، فأقبل عليه الملك العزيز وأنعم عليه. قال عماد الدين الكاتب: «وكنت حاضرا، وخلنا أن الأمر قد تم، وأنه قد صلح الصلح، ووضح الصبح، فأقام فلك الدين هناك أياما، ثم عاد إلى دمشق مثريا بجود النقود، وبدور البدر، وعاد حميد الورد والصدر (١٩ ب) وأقمنا نترقب كتابه فنفذ (٢) من ذكر أنّ الملك الأفضل قد أبى ونبا، واستوثق وسوّر وخندق، وأنه لا يجنح إلى السلم، ويقول: كما كفانى الله في الماضى يكفينى في المستقبل». قال عماد الدين: «وجاءنى الخبر أن وزيره قد قرّر عنده عند قرب [العساكر من] (٣) البلد نهب دورى وأملاكى، فاستأذنت الملك العزيز في الدخول إلى البلد، فأذن لى على

стр. 947

كراهية، فلما دخلت البلد اجتمعت بالملك الأفضل، وقلت له القول الأفضل، فأبى أن يسمع أو أن يقبل، وحرمت في حظى الثانى والأول». ثم سار الملكان: العادل والعزيز إلى دمشق فنازلاها، ولم يحدثا قتالا، والملك العادل مظهر أنه على عهده وميثاقه، لم يتغير عنه ولم يحل، وأنه ليس مقصوده إلا إصلاح (١) ذات البين وانتظام الشمل، وكتب الأمراء بدمشق والأكابر متواصلة إلى الملك العادل والملك العزيز، لأن بعضهم كانت قد حصلت عنده نفرة من الملك الأفضل لأسباب وقعت منه ومن وزيره توجب الاستيحاش، وبعضهم كوتبوا من جهة الملك العادل والملك العزيز بما طيّب به قلوبهم وبسط في آمالهم، فكتبوا يحثونهما على معاجلة الزحف إلى البلد وانتهاز الفرصة، ويعدون من أنفسهم المساعدة وفتح الأبواب لهم. ذكر استيلاء الملك العزيز على دمشق والاقتصار بالملك الأفضل على صرخد ولما جرى ما ذكرناه (٢) من المخامرة (٢) من الأمراء المقيمين بدمشق والأكابر، وتوثق منهم الملك العزيز والملك العادل، ضرب البوق وزحف العسكر على البلد، وذلك ضحى يوم الأربعاء السادس والعشرين من رجب من هذه السنة - أعنى سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة - مستظهرين بالعدد والآلات، فما صدّهم عن البلد صادّ، ولا ردّهم رادّ، ولم يجدوا في طريقهم من يقاتلهم غير الملك الظافر

стр. 948

خضر (١) ابن الملك الناصر، فإنه قاتل وثبت معه جماعة من عسكر الملك الظاهر - صاحب حلب -، فقاتل ظنا أن عسكر دمشق يقاتلون معه، (٢٠ ا) ولم يعلم حقيقة ما استقر في الباطن من المخامرة، فلما لم ير معه من يقاتل ولّى منهرما وقد جرح. ووصل الملك العزيز من جهة الميدان الأخضر، ودخل من باب الفرج (٢) وقد فتح له، وبات عند عمته ست الشام (٣) بنت أيوب - المعروفة بالحسامية -

стр. 949

والدة حسام الدين بن لاجين (١)، وإليها تنسب مدرسة ست الشام (٢) بدمشق. وأما الملك العادل فإنه وصل إلى باب توما (٣)، ففتحه له الأمير الذى كان مستحفظا عليه باتفاق كان بينهما، ودخل العسكر من هذا الباب وباب شرقى (٤)، وبات الملك العادل في الدار الأسدية (٥). ولما دخل الملك العزيز دمشق تلقّاه أخوه الملك الأفضل، فردّه الملك العزيز إلى القلعة، ثم خرج الملك العزيز في غد هذا اليوم إلى مخيّمه، وأقام به إلى أن انتقل الملك الأفضل من القلعة بأهله وأصحابه، وأخرج وزيره ضياء الدين بن الأثير مختفيا في صندوق من بعض صناديقه، خوفا عليه من القتل، وكان قد ترقبه أقوام ليقتلوه فلم يظفروا به. قال عماد الدين: «وكنا نظن أن للملك الأفضل مالا مجموعا فلم يظهر شىء (٦) لسوء تدبير وزيره، فأقام الملك الأفضل بعد خروجه من القلعة نازلا بمسجد خاتون (٧)، ووزيره مختف عنده إلى أن هرب إلى الموصل».

стр. 950

قال عماد الدين: «ومن العجب أن الملك الأفضل مع علمه بشؤم وزيره، وأن كل ما هو فيه من النقص والنقض بادباره وسوء تدبيره، ضمه إليه (١) وترفرف بجناحه عليه، فأخرجه في قماشه، وسرّحه بريشه ورياشه، وكان ادعى عليه بمال فأقرّ الملك الأفضل بوصوله إلى خزانته، وبرّأه من حسابه وخيانته (٢)، وانفصل إلى الموصل بمال دمشق وأعمالها ثلاث سنين، وجمع آلافا مؤلفة، ولم يفرّق الأفضل منها مائين». قال عماد الدين: «وعهدى بقوم دخلوا علىّ متأسفين على سلامته، واستقامة أمره في ظعنه وإقامته، فقلت: إنما سألنا الله تعالى كفاية شره وسوءه لا سواه، فقد أبعده الله فلا قرّب (٣) نواه».

стр. 951

ذكر واقعة غريبة ذكرها عماد الدين الكاتب (٢٠ ب) قلت (١): ذكر عماد الدين أمرا عجيبا أنا أستبعده والله تعالى أعلم بصحته. قال: «كان قرار الملك العادل مع الملك العزيز أن يقيم الملك العزيز بدمشق، وأن يكون الملك العادل نائبا عنه بمصر، ويفوّض تدبيرها إليه، فلما ملك الملك العزيز دمشق، وظهرت الأمور، وانكشف المستور، ندم على ما كان قررّه مع عمه، فبعث إلى أخيه الملك الأفضل في السر، وقال: «إذا طالبناك فاثبت على الامتناع، ولا تبذل الرضى لنا إلا بإقامة الخطبة والسكّة، ولا تنزل عن رتبتك، فإنى أقصد لك الرضا وأفعل ما تريد، ويكون امتناعك عذرا عند عمى». فلما وصلت الرسالة بذلك إلى الملك الأفضل أظهر هذا السرّ لنصحائه المختصين؛ فقالوا: «لا تنخدع بهذا القول، فربما كان هذا خديعة من أخيك ليوقك، وهلا كان هذا القول منه قبل في أول الأمر؛ والمصلحة أن تطلع عمّك الملك العادل على هذا السر، فإنه كأبيك في الشفقة، وعلى كل حال لا يترك برّك، فإذا استشرته أشار عليك بالمصلحة، وقد جاء لك من السعادة ما لم يكن لك في حساب، فإن الملك العادل يحصل له باطلاعه على هذا الارتياب في الملك العزيز، وتتأكد نفاره منه». فأرسل الملك الأفضل الحاجب جمال الدين محاسن بن عجم الموصلى إلى الملك

стр. 952

العادل، فأعاد عليه ما ذكره الملك العزيز، فقامت قيامته وغضب غضبا شديدا، واجتمع بالملك العزيز، وعاتبه أشدّ العتب، وقرّعه غاية التقريع، وقال: «أنا أبنى وأنت تهدم»، وذكر له ما أنهى إليه، فأنكر الملك العزيز ذلك، وحقّق عند عمه بطلان هذا القول، وأنه لم يرسل إلى الملك الأفضل، ولم يقل له من هذا القول حرفا. وانحرف عن أخيه الملك الأفضل، وبعث إليه من أزعجه وأحرجه، وإلى صرخد أحوجه، وأخذ من الملك الظافر بصرى - وكانت بيده -، فرحل إلى حلب، فأقبل عليه الملك الظاهر وأحسن إليه؛ وسار الملك الأفضل إلى صرخد بأهله وحريمه (١)، ومعه أخوه الملك المفضل قطب الدين موسى فتسلموها واستوطنوها. ودخل الملك العزيز إلى دمشق يوم الأربعاء رابع شعبان من هذه السنة (٢١ ا) فأظهر العدل، وأبطل المكوس، وأزال المظالم، واعتقد الناس أن مقامه عندهم يطول، وفرحوا به لما كانوا يعرفونه به من الكرم والبذل، وإقامة منار العدل، ولم يشعروا به إلا وقد تقدم بالتبريز وأجمع على الرحيل إلى الديار المصرية».

стр. 953

ذكر استيلاء الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب على دمشق وأعمالها وسفر الملك العزيز إلى مصر ثم سلّم الملك العزيز دمشق إلى عمّه الملك العادل، ورحل من دمشق عشية يوم الاثنين تاسع شعبان من هذه السنة، فنزل بمسجد القدم (١)، ثم ارتحل إلى الكسوة (٢)، وسافر بالعساكر إلى الديار المصرية. قال عماد الدين الكاتب: «ودعته يوم السبت رابع عشر شعبان، وقال لى عند وداعه: «أمّا مالك بالشام فإنى إلى الملك العادل به عادل، وأما قرارك بمصر فأنا بجميعه لك ضامن كافل» ولقد كان بوده إنجاز وعدى، واقتناء حمدى، لكن شرط مع عمه أن لا يفرد شيئا من رسمه، فدخلت في عموم الشرط وتبدل قربى بالسخط». وخرج الملك العادل لوداع الملك العزيز، ولما عاد من وداعه أمر فقرئ منشوره بالجامع بتفويض دمشق وأعمالها إليه.

стр. 954

وكانت مدة مقام الملك العزيز بدمشق بعد أخذها أربعة عشر يوما. وكانت مدة ملك الأفضل لها ثلاث سنين وأشهرا. وأبقى الملك العادل السكة بدمشق والخطبة للملك العزيز، وأشاع أنه نائبه. ولما استقر الملك العزيز بصرخد هو وأهله كتب إلى الخليفة كتابا يشكو إليه فيه اغتصاب عمّه وأخيه ميراثه من أبيه. وأوله: مولاى إنّ أبا بكر وصاحبه ... عثمان قد أخذا بالسيف إرث على فانظر إلى حظّ هذا الاسم كيف لقى ... من الأواخر ما لاقى من الأول فكتب الخليفة الناصر لدين الله إليه: وافى كتابك يا ابن يوسف معلنا ... بالصدق، يخبر أنّ أصلك طاهر (٢١ ب) غصبوا علّيا حقّه إذ لم يكن ... بعد النبى له بيثرب (١) ناصر فاصبر، فإن غدا عليه حسابهم ... وابشر، فناصرك الإمام الناصر وللملك الأفضل أيضا في المعنى: أما آن للسعد الذى أنا طالب ... لإداركه يوما يرى وهو طالبى ترى [هل] (٢) يرينى الدهر أيدى شيعتى ... تمكن يوما من نواصى النواصب يريد بالشيعة أصحابه، لأن اسمه على، وبالنواصب أصحاب العادل أبى بكر والعزيز عثمان (٣).

стр. 955

ولما وصل الملك العزيز إلى القدس وبه أبو الهيجاء السمين، وكان خائفا من الملك العزيز لجرمه الذى تقدم ذكره، عزم على منازلته، فلاذ أبو الهيجاء بعفوه، وبذل القدس على أن يرحل بماله، فأجيب إلى ذلك، وتسلّم الملك العزيز منه القدس، وسلّمه إلى سنقر الكبير. ورحل أبو الهيجاء إلى بغداد، فاحترمه الخليفة وقدّمه على عسكر لمحاربة العجم، فصدر منه ما أوجب الإنكار عليه، فتوجّه إلى دقوقا فمات بها. وفى هذه السنة سيّر الملك الظاهر القاضى (١) بهاء الدين بن شدّاد، وغرس الدين قلج إلى [أخيه] (٢) الملك العزيز ﵀ بهدايا كثيرة وقود (٣). وفيها (٤) خرّب الملك العزيز حصنى الداروم وغزة

стр. 956

ودخلت سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة: والملك العزيز مقيم بالديار المصرية، وهو سلطان البيت الأيوبى. وبدمشق الملك العادل. وفى أوائل صفر منها تسلم الملك الظاهر قلعة عزاز من سيف الدين بن علم الدين سليمان بن جندر (١)، وكان ملكها بعد أبيه. وفى السابع والعشرين من ربيع الآخر رحل من مصر القاضى بهاء الدين ابن شدّاد، وغرس الدين قلج بانتظام الصلح [بين الملك الظاهر وأخيه الملك العزيز] (٢) فخطب بحلب للملك العزيز، وضربت السكة باسمه. وفى هذه السنة تحركت الفرنج لقصد بلاد الإسلام، فخرج الملك العادل بالعساكر، فخيّم بالقصبة، وهى قريب من صور، وجهّز إلى بيروت جماعة من العسكر ومعهم الحجارون والنقّابون، وأمرهم بهدم ربض بيروت ففعلوا، وحصّن (٣) عزّ الدين (٢٢ ا) أسامة القلعة، وترك (٤) فيها جماعة من الأجناد ليحفظوها.

стр. 957

ذكر وفاة سيف الإسلام صاحب اليمن وفى شوال من هذه السنة توفى سيف الإسلام ظهير الدين طغتكين ابن أيوب، وكان يلقب بالملك العزيز، وكان ملكا جوادا ممدّحا، وممن مدحه من الشعراء شرف الدين بن عنين ومن مدائحه فيه قصيدة منها: دمشق وبى شوق إليها مبرّح ... وإن لام (١) واش (٢) أو ألحّ عذول بلاد (٣) بها الحصباء در، وتربها ... عبير، وأنفاس الشمال شمول تسلسل منها (٤) ماؤها وهو مطلق ... وصحّ نسيم الروض وهو عليل ومنها: وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأى ظهير الدين فىّ جميل؟ من القوم، أمّا أحنف فمسفّه ... لديهم، وأمّا حاتم فبخيل فتى (٥) المجد، أمّا جاره فممنّع ... عزيز، وأما جندّه فذليل وأمّا عطايا ماله فمباحة (٦) ... عذاب، وأما ظلّه فظليل

стр. 958

ذكر استيلاء الملك المعز إسماعيل بن سيف الإسلام على اليمن وكان الملك المعز هذا شهما شجاعا، إلا أنه في عقله ضعف، فكان أبوه (١) يخافه على نفسه، فأبعده إلى الشام خوفا منه، فقدم على عمه السلطان الملك الناصر صلاح الدين قبل مرضه الذى مات منه بيوم واحد، وقد ذكرنا ذلك، ثم توجه راجعا إلى اليمن، فأدركته وفاة أبيه وهو بالسرين (٢) فبعث إليه جمال الدولة كافور جماعة من الجند (٣) فعزّوه بوالده، ومضوا به إلى ممالك أبيه فسلموها إليه. وسنذكر بقية أخباره إن شاء الله تعالى (٣).

стр. 959

ودخلت سنة أربع وتسعين وخمسمائة والملك العزيز بالديار المصرية. وعمّه الملك العادل مرابط للفرنج، وقد وصل منهم جمع كثير من داخل البحر، وانتشروا في الساحل، وكثروا فيه. وكان عزّ الدين أسامة (٢٢ ب) قد ترك جماعة من الأجناد - كما ذكرنا - في قلعة بيروت يحفظونها، وذلك بعد أن خرّب ربضها، فخافوا من الفرنج وانهزموا، وبقيت القلعة خالية ليس فيها من يذبّ عنها، وعلم الفرنج بذلك فملكوها واستولوا عليها، فلعن الناس أسامة لتفريطه فيها. وقال عماد الدين الكاتب في ذلك: إنّ بيع الحصون من غير حرب ... سنّة سنّها ببيروت سامه لعن الله كلّ من باع ذا البيع ... وأخزى بخزيه من سامه (١) وسيّر الملك العادل إلى الملك العزيز يطلب منه النجدة، فوصلت إليه العساكر من مصر، ووصل إليه سنقر الكبير (٢) - صاحب القدس - وميمون القصرى - صاحب نابلس - ونزل بهم على تل العجول بالقرب من غزة، وكان قبل ذلك قد وقع جمع من الفرنج بأجناد في أطراف بلد القدس، فقتلوا منهم جماعة، وأسروا جماعة، ورجعوا بغنائم كثيرة.

стр. 960

ذكر فتح يافا ثم قصد الملك العادل بالعساكر يافا، فدخلها هجما بالسيف وقتل مقاتلتها، وأعيان من بها من الفرنج، فامتلأت أيدى المسلمين بالسبى والغنائم. وكان هذا الفتح ثالث فتح لها، لأنها فتحت أولا في أول الفتوح، وثانيا وجاء ملك الانكلتير في جموعه فاسترجعها وهذا الفتح في الأيام الناصرية (١). وفتحت هذا الفتح الثالث على يد الملك العادل. وفتحت في زماننا فتحا رابعا في سنة أربع وستين وستمائة [على يد الملك الظاهر ركن الدين بيبرس - صاحب الديار المصرية والشام] (٢). ذكر منازلة الفرنج تبنين وقدوم الملك العزيز إلى الشام ولما جرى ما ذكرناه (٣) عظم ذلك على الفرنج، فقصدوا تبنين، وكانت بيد حسام الدين بشارة، فنازلوها بفارسهم وراجلهم، وأحدقوا بها وضايقوها. ونزل الملك العادل قبالتهم، وبعث إلى الملك العزيز يحثّه على الخروج إليه

стр. 961

[من مصر] (١) بنفسه، فتقدم الملك العزيز إلى من عنده من العساكر بالخروج (٢٣ ا) وسار في آخرهم لا يلوى على شىء حتى وصل إلى تبنين، واجتمع بعمه الملك العادل على مناجزتهم ساعة وصوله، فمنعه من ذلك [عمّه الملك العادل] (١). فلما جنّ الليل رحل الفرنج (٢) عن تبنين (٢) عائدين إلى صور، وسار في أثرهم الملك العزيز والملك العادل بالعساكر يلتقطون من ظفروا به منهم [فغنموا المسلمون شيئا كثيرا من عسكرهم] (٣). وأمر الملك العزيز بنقل الغلال إلى تبنين وإصلاح ما تهدم بالمنجنيقات من أسوارها. ذكر رجوع الملك العزيز إلى الديار المصرية ثم أبقى الملك العزيز العساكر برمتها عند عمه الملك العادل، وجعل إليه أمر الحرب والصلح، وعاد إلى مصر في جمع قليل. وكان سنقر الكبير (٤) صاحب القدس قدمات، فولى الملك العزيز القدس صارم الدين ختلج (٥)، مملوك عز الدين فرخشاه بن شاهنشاه (٦) بن أيوب. ولما قدم الملك العزيز مصر مدحه القاضى السعيد ابن سناء الملك بقصيدة هنأه فيها بالنصر والقدوم، أولها:

стр. 962

قدمت بالسعد (١) وبالمغنم ... كذا قدوم الملك المقدّم يا قاتل الكفر وأحزابه، ... بالسيف (٢) والدينار والدرهم قميصك الموروث عن يوسف ... ما جاء إلا صادقا في الدم أغثت تبنين وخلّصتها ... فريسة من ماضغى ضيغم ومنها: فردّها سالمة منهم ... من بعد أن قيل (٣) لها سلّمى ما انهزمت وانهزموا دونها ... متى غزا جيشا ولم يهزم؟! ومنها: لا عدم الإسلام عثمانه ... مصطلى الداهية الصّيلم شنشنة تعرف من يوسف ... في النصر (٤) لا تعرف من أخزم ثمّ انثنى من وجهه ظافرا ... والسّيف لم يثلب ولم يثلم وجاء لمّا جاءنا بالحيا ... وعاد لمّا عاد بالأنعم مقدمه صار جمادى به ... كمثل ذى الحجة ذا موسم (٥)

стр. 963

ذكر الهدنة مع الفرنج وأقام الملك العادل يوالى الغارات على الفرنج، ويقصدهم بنفسه وجموعه مرة بعد أخرى، إلى أن أضجرهم وأسأمهم، فراسلوه في طلب الصلح، فأجاب إليه، وحلّف أمراء عسكره لهم، وأنفذ إلى مقدمى الفرنج من استحلفهم (١). واستقرت الهدنة ثلاث سنين، وأمن الناس شرّهم، ورجع الملك العادل إلى دمشق، وتفرقت الجند [جميعها إلى بلادها] (٢). ذكر وفاة عماد الدين صاحب سنجار وقيام ولده قطب الدين محمد مقامه وفى هذه السنة توفى عماد الدين زنكى بن مودود بن زنكى - صاحب سنجار ونصيبين والخابور -، وكان شهما شجاعا. فملك هذه البلاد بعده ولده قطب الدين محمد، وقام بتدبير مملكته مملوك والده مجاهد الدين يرنقش (٣). وعزم ابن عمه (٤) نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مودود بن زنكى - صاحب الموصل - على قصد نصيبين وأخذها من قطب الدين، وكان الحامل

стр. 964

له على هذا العزم (١) أن عماد الدين - صاحب سنجار - (٢) كان قد تعدّى على بعض أعمال الموصل، وجرت بينهم مراجعات في ذلك، فلم يرجع عماد الدين عن تعديه، ووصل إليه رسول من نور الدين في معنى إعادة ما أخذ، فأغلظ [عماد الدين] (٢) القول للرسول وردّه خائبا. فلما توفى عماد الدين جلس ابن أخيه نور الدين للعزاء في الموصل [ثلاثة أيام] (٢) ثم قصد نصيبين فنازلها وأخذها، وكان قطب الدين بها فاحتمى بقلعتها، ثم هرب منها هو وأتابكه مجاهد الدين يرنقش ليلا (٣) إلى ديار بكر ثم إلى حرآن (٣). ثم دخل نور الدين قلعة نصيبين، (٤) وملكها وملك بلادها (٤)، وراسل قطب الدين الملك العادل، وبذل له الأموال الكثيرة لينجده على نور الدين، ويعيد إليه نصيبين، [فأجابه إلى ذلك] (٢). ولما ملك نور الدين نصيبين وقع المرض بكافة أمرائه (٥)، وعاد إلى الموصل وقد توفى منهم جماعة. ثم رجع نور الدين إلى الموصل (٢٤ ا) لما بلغته حركة الملك العادل إلى الشرق. ثم رجع قطب الدين إلى نصيبين فملكها.

стр. 965

ذكر توجه الملك العادل إلى البلاد الشرقية ومنازلته ماردين وأخذ ربضها (١) وورد على الملك العادل كتاب النظام مدبر مملكة حسام الدين يولق (٢) أرسلان بن إيلغازى بن ألبى الأرتقى - صاحب ماردين - يستدعيه ليسلم إليه ماردين، ويأخذ منه عوضا عنها. ووردت عليه رسل قطب الدين - صاحب سنجار - يستدعيه إلى نجدته (٣). فسار الملك العادل إلى الشرق، وقطع الفرات، فلما وصل البلاد لم يف له النظام بما تقرر بينهما باطنا، وندم على ما كاتبه به، فبعث الملك العادل إلى ابنى أخيه: الملك العزيز، والملك الظاهر، يستنجد بهما، فوصله عسكر من مصر وهم ألفا فارس (٤)، ووصله عسكر من حلب، عدتهم خمسمائة فارس، مقدمهم سيف الدين بن علم الدين بن جندر (٥). ونازل الملك العادل ماردين، وجدّ في حصارها ومضايقتها، فعدمت بها الأقوات، وأصاب أجنادها مرض عظيم، وملك الملك العادل الربض ونهبه، وبقى (٦) محاصرا للقلعة.

стр. 966

وفى هذه السنة توفى الأمير غرس الدين قلج النورى، وكان أميرا جليلا، وكانت بيك [قلعتا] (١) الشغر وبكّاس، وشقيف در كوش، وهذه الحصون أعطاها السلطان الملك الناصر غرس الدين قلج - كما تقدم ذكره -، فلما مات غرس الدين عصى [ابنه] (١) شمس الدين محمود بن قلج - وهو الأكبر - بالشغر وبكّاس، وعصى أخوه سيف الدين على شقيف وركوس [على الملك الظاهر صاحب حلب] (١). فقصد الملك الظاهر شقيف وركوش، ونصب عليه المجانيق وضايقه، وطلب سيف الدين قلج الأمان [فأمّنه] (١) وسلّم [إليه] (١) الحصن [على ما تقرر بينهما] (١)؛ ثم توجّه الملك الظاهر إلى الشغر وبكّاس، ونصب عليها تسعة مجانيق، وحصرها أربعة أيام، فطلب شمس الدين الأمان، وأجاب إلى التسليم، وبعث أخاه عماد الدين أبا بكر فأخذ له الأمان، وقرّر حاله على أن يخرج بماله ورجاله، وجميع ما في القلعتين من سلاح وذخائر، وأن يعطى خبزا مبلغه خمسون ألف دينار، ثم عوّض الملك الظاهر (٢٤ ب) شمس الدين عن ذخائر القلعتين بضيعة [كبيرة] (١) من جبل السماق. وكان تسلم [الملك الظاهر] (١) هذه الحصون في ذى الحجة من هذه السنة.

стр. 967

ثم دخلت سنة خمس وتسعين وخمسمائة: والملك العادل مضايق قلعة ماردين، وقد أشرف على أخذها. ذكر وفاة الملك العزيز عماد الدين عثمان بن الملك الناصر - رحمهما الله - وكان الملك العزيز في ذى الحجة من السنة الماضية قد عزم على التوجه إلى اسكندرية ودمياط للنظر في مصالحهما، فبرز في السادس والعشرين من الشهر إلى ذات الصّفا (١)؛ وأقام بها متصيدا إلى سابع المحرم من هذه السنة، فاعترضه ذئب فركض خلفه، فعثر به فرسه، فسقط إلى الأرض [فحّم من ساعته] (٢). ثم ركب وهو محموم، وعاد إلى (٣) الأهرام، وقد اشدت حماه؛ ثم توجه إلى القاهرة (٤) فدخلها يوم عاشوراء، وحدث به يرقان وقرحة في المعا، ثم احتبس

стр. 968

طبعه أياما، وانتقل إلى رحمة الله ورضوانه منتصف ليلة السابع والعشرين من المحرم. فكانت مدة ملكه ست سنين إلا شهرا. وكانت مدة عمره سبعا وعشرين سنة وأشهرا. ذكر سيرته ﵀ - كان في غاية السماحة والكرم والعدل، والرفق بالرعية والإحسان إليهم. فكانت الرعية، يحبونه محبة شديدة، وفجعوا بموته فجيعة عظيمة، إذ كانت الآمال معلقة بأنه يقوم مقام والده، ويسدّ مسدّه. وقد ذكرنا أن عمه الملك العادل وأخاه الملك الأفضل لمّا قصداه، ونازلا بلبيس وحاصراها، وأشرف ملكه على الزوال، بذلت له الرعية أموالها ليذبّ بها عن نفسه، فامتنع مع شدة حاجته في ذلك الوقت إلى المال. وقد حكى أنه لما امتنع من أخذ مال الرعية، أشير عليه بأن يقترض من القاضى الفاضل، فإن أمواله عظيمة، وهو غير محتاج إليها، فامتنع من مخاطبة القاضى الفاضل (٢٥ ا) في ذلك، فألحوا عليه في ذلك حتى أجاب، وأرسل إلى القاضى الفاضل يستدعيه، فحضر، وكان الملك العزيز في منظرة من دار الوزارة مطلة على الطريق، فلما رأى القاضى الفاضل مقبلا لم يتمالك من شدة الحياء، ودخل إلى دار الحرم. فراسلت الأمراء الملك العزيز وشجعوه حتى خرج واستدعى القاضى الفاضل، وقال له - بعد أن أطنب في الثناء عليه والتقريظ له -: قد علمت أن الأمور

стр. 969

قد ضاقت علىّ، وقّلت الأموال عندى، وليس لى إلا حسن نظرك وإصلاح الأمر لنا بمالك أو برأيك أو بنفسك» فقال له القاضى الفاضل: «جميع ما أنا فيه من نعمتكم، ونحن نقدم أولا الرأى والحيلة، ومتى احتيج إلى المال فهو بين يديك». ووردت رسالة الملك العادل إلى القاضى الفاضل (١) باستدعائه، وجرى من انتظام الحال ما قدمنا ذكره. ولقد حكى عنه ما هو أبلغ من هذا وأحسن، وهو أن عبد الكريم بن على البيسانى (٢) أخا القاضى الفاضل كان يتولى الحكم والإشراف بالبحيرة مدة طويلة، وحصّل من ذلك أموالا جليلة، وكان الناس يحترمونه لأجل القاضى الفاضل، فجرت بينه وبين أخيه نبوة أوجبت انضاع حاله عند الناس، فصرف عن عمله، وكان متزوجا بامرأة من قوم ذوى قدر ويسار، يعرفون ببنى ميسّر. فلما صرف عن عمله انتقل إلى الإسكندرية ومعه زوجته، فضايقها وأساء عشرته معها لسوء خلق كان فيه. واتصل ذلك بأبيها، فتوجه نحو الإسكندرية، وأثبت عند حاكمها ضررها، وأنه قد حصرها في محل ضيق من داره، فمضى القاضى بنفسه إلى الدار التي فيها الزوجة، ورام فتح الباب الذى هى فيه فلم يقدر عليه، فأحضر شهودا، وأحضر نقّابا، فنقب جانب الدار، واستخرج المرأة، وسلمت إلى أبيها، ثم أحضر بنّاء (٣) فسدّ ذلك النقب (٤).

стр. 970

واتصل ذلك بعبد الكريم، فاهتاج على قاضى الإسكندرية بسببه، وعزم على أن يبذل بذلا، ويأخذ منه قضاء الإسكندرية. فقصد الأمير فخر الدين جهاركس (٢٥ ب) ومعه خمسة وأربعون ألف دينار مصرية، وقال له: «هذه خمسة آلاف دينار لخزانتك (١)، وهذه أربعون ألف دينار برسم خزانة السلطان، وأولّى قضاء الإسكندرية». فأخذ جهاركس المال، ووعده بقضاء الشغل، واجتمع بالملك العزيز ليلا (٢)، وأحضر المال بين يديه، والملك العزيز حينئذ في غاية الضرورة إلى بعض ذلك المال، وقال: «هذه خزانة مال أتيتك بها من غير طلب ولا تعب». فقال: «من أي الجهات؟». فذكر له الحال. فأطرق مليا، ثم رفع رأسه وقال: «أعد المال إلى صاحبه، وقل له: إياك والعود إلى مثلها، فما كل ملك يكون عادلا، وعرّفه أننى إذا قبلت هذا القدر منه إنما أكون قد بعت [به] (٣) أهل الإسكندرية، وهذا لا أفعله أبدا». قال فخر الدين جهاركس: «فلما سمعت ذلك منه وحمت وحمة ظهرت سمتها في وجهى، فقال لى:

стр. 971

«أراك واجما، وأظنك أخذت شيئا على الوساطة (١) له؟». فقلت: «نعم» (٢). فقال: «كم أخذت؟». فقلت له: «أخذت خمسة آلاف دينار». فأطرق كإطراقه أولا، ثم قال: «أعطاك ما لا تنتفع به إلا مرة واحدة، وأنا أعطيك في قبالته ما تنتفع به مرات عديدة». ثم أخذ القلم، ووقّع لى بخط يده بإطلاق جهة (٣) تعرف بطنبذا (٣) كنت أستغلها في السنة سبعة آلاف دينار». ﵀ ورضى عنه.

стр. 972

ذكر تمليك الملك المنصور ناصر الدين محمد (١) ابن الملك العزيز الديار المصرية وخلف الملك العزيز الملك المنصور محمد، وكان عمره يوم توفى والده تسع سنين وشهورا. وكان الغالب على أمر (٢) الملك العزيز فخر الدين جهاركس - وهو الحاكم في الدولة - فأحضر رجلا (٣) من أصحاب الملك العادل وأراه الملك العزيز ميتا، وسيّره إلى الملك العادل وهو محاصر ماردين، يستدعيه إلى البلاد، فسار القاصد مجدّا. فلما كان بالشام رأى بعض أصحاب الملك الأفضل، وقال له: «قل لصاحبك إن أخاه الملك العزيز قد توفى، وليس في البلاد من يمنعها، فليسر (٤) إليها»، [فأخبر الملك الأفضل بذلك] (٥) فلم يلتفت الأفضل إلى هذا القول (٢٦ ا). ومضى القاصد إلى الملك العادل فأخبره، فتوقف ليرد عليه بعد ذلك ما يعتمد عليه. وكانت الفرقة الأسدية والأكراد محبين للملك الأفضل، مؤثرين له؛

стр. 973

والفرقة الصلاحية بالعكس من ذلك، لما كانوا قدموه من الإساءة إليه، وممالأة الملك العزيز عليه (١)، فكانوا مستوحشين (٢) منه (٣). فاجتمع فخر الدين جهاركس مقدّم الصلاحية، وسيف الدين ياركوج مقّدم الأسدية، ليتفقا على من يولى الملك. فقال فخر الدين: «تولى ابن الملك العزيز». فقال سيف الدين: «إنه طفل، وهذه البلاد ثغر الإسلام، ولا بد لها من قيّم يجمع العساكر ويقاتل بها، والرأى أنّا نجعل الملك في هذا الطفل، ونجعل معه بعض أولاد السلطان الملك الناصر يدبره إلى أن يكبر، فإن العساكر لا تنقاد (٤) إلا لأمير». وكان الملك العزيز أوصى بالملك لولده، وأن يكون مدبرّه بهاء الدين قراقوش الأسدى. فاتفق فخر الدين [جهاركس] وسيف الدين على هذا الرأى. فقال فخر الدين: «فمن نولى؟» فأشار سيف الدين بغير الملك الأفضل لئلا يتّهم. فامتنع فخر الدين من ولايته. فلم يزل يذكر من أولاد السلطان واحدا بعد واحد إلى أن ذكر الملك الأفضل.

стр. 974

فقال فخر الدين: «هو بعيد عنا». فقال سيف الدين: «نطلبه من صرخد، (١) فيصل إلينا بسرعة (١)». فشرع فخر الدين يمغلطه. فقال سيف الدين: «نشاور القاضى الفاضل في ذلك». ثم اجتمعا بالقاضى الفاضل، وعرّفاه صورة الحال، فأشار الملك الأفضل. هذا ما حكاه عز الدين بن الأثير: وحكى غيره: أنه لما مات الملك العزيز اتفقت كلمة الأمراء على تنفيذ ما وصّى به الملك العزيز، وهو إقامة ابن الملك العزيز في الملك، وقيام بهاء الدين قراقوش بأتابكيته؛ فأجلسوا الملك لمنصور في مرتبة أبيه، وترتب بين يديه قراقوش، وحلفت الأمراء كلهم الملك المنصور، وامتنع عمّاه: الملك المؤيد، والملك المعز من الحلف (٢) إلا بشرط أن تكون الأتابكية لهما، وجرت بينهما منازعة ومشاققة كثيرة، وأجابا بعد ذلك إلى الحلف (٢)، وحلفا. ثم وقع الاختلاف بين أمراء الدولة، (٢٦ ب) فقال قوم منهم: «لا بد لهذا الملك من رجل فحل مهيب يدبرّه، وقراقوش مضطرب الآراء، ضيق العطن، لا يصلح لهذا الأمر». وقال قوم: «نرضى بهذا الخادم، فإنه أطوع وأسلس (٣) مقادة، ولا نحضر من يستطيل بسطوته (٤) وقدرته».

стр. 975

وقال آخرون: «لا تحفظ هذه الديار إلا بملك مرهوب مخوف، وإن فيها بقايا من جند المصريين الذين (١) انتزعت البلاد من أيديهم قهرا، ويقصدها أعداء الدين (١) من جهة البحر، فمتى لم يقم بأمرها ملك قاهر لا تحفظ». وطال النزاع بينهم في ذلك، ففزعوا إلى رأى القاضى الفاضل، فقال لهم القاضى الفاضل: «إنى لا أشير عليكم بعزل أحد ولا ولاية أحد، لأن ذلك مما لا يوافق بعضكم فأستجلب عداوته، (٢) ولكن اجتمعوا بعضكم ببعض وامخضوا بينكم الرأى، فإذا رضيتم أمرا فاعرضوه علىّ، ففعلوا ما أشار به، وتحاولوا بينهم الآراء ثلاثة أيام (٢)، فاتفقت كلمتهم على مكاتبة الملك الأفضل على أن يقدم البلاد، ويكون أتابكا للملك المنصور سبع سنين، فإذا انتهى هذا الأجل سلّم الأمر إليه والتدبير، ويشترط على الملك الأفضل أن لا يرفع فوق رأسه سنجق، ولا يذكر إسمه في خطبة ولا سكّة. ولما اتفقوا على ذلك عرضوه على القاضى الفاضل. فقال: «قد أصبتم الرأى، واخترتم الذى اختاره السلطان الملك الناصر ﵀ لكم، وهو ألين عريكة، وأسهل تناولا من غيره». فأرسلوا القصاد إلى الملك الأفضل يستدعونه، فلما وصلته القصّاد توجه إليهم مجدا.

стр. 976

ذكر قيام الملك الأفضل بأتابكية ابن أخيه الملك المنصور بن الملك العزيز وكان مسير الملك الأفضل من صرخد إلى الديار المصرية لليلتين بقيتا من صفر (١) من هذه السنة (١)، في تسعة عشر نفسا، متنكّرا خوفا على نفسه من أصحاب الملك العادل. ولما تقرر أمر الإرسال إليه في طلبه ارتأى فخر الدين جهاركس في نفسه، وتحقق أن الملك الأفضل لا يصلح له، فكاتب فارس الدين ميمون القصرى (٢٧ ا) صاحب نابلس يشرح له الحال، ويعلمه أنه غير راض بما جرى، وأمره أن لا يطيع الملك الأفضل ولا يحلف له؛ فوقع الملك الأفضل بالقاصد الذى سيّره فخر الدين إلى ميمون، فأخذ منه كتاب فخر الدين فوقف عليه، ثم قال له: «ارجع فقد قضيت الحاجة». وسار الملك الأفضل مجدا وصحبته ذاك القاصد، وكان الأمراء قد أخرجوا خيمهم إلى بلبيس، (٢) ونزلوا بها منتظرين وصول الملك الأفضل (٢) ثم وصل الملك الأفضل بلبيس خامس ربيع الأول، وكان وصوله إليها من صرخد في سبعة أيام. ولقيه أخوته والأعيان والأمراء، وعمل له أخوه الملك المؤيد نجم الدين مسعود طعاما، وعمل له فخر الدين جهاركس طعاما، ووطّن نفسه على نزول الملك الأفضل عنده، فنزل الملك الأفضل في خيمة الملك المؤيد، فشقّ ذلك

стр. 977

على فخر الدين، (١) وجاء إلى خدمة الملك الأفضل، فقام إليه وأكرمه وأجلسه قريبا منه. ثم لما فرغ من طعام أخيه صار إلى خيمة فخر الدين جهاركس فنزل فيها وأكل طعامه (١)، فحانت من فخر الدين التفاتة، فرأى قاصده الذى كان أرسله إلى ميمون القصرى، فدهش (٢) لذلك وأسقط في يده (٢)، واستوحش باطنه لعلمه بوقوف الملك الأفضل على سوء نيته ومقصده، فاستأذن الملك الأفضل في التوجه إلى العرب المختلفين بمصر (٣) للإصلاح بينهم، فأذن له. فخرج، واجتمع (٤) بزين الدين قراجا، وأسد الدين سرا سنقر، واتفق معهما على مفارقة الملك الأفضل، وأعلمهما أنه لا ينصلح لهم، فوافقاه على ذلك، (٥) وسار مجدا إلى القدس، واتّبعاه، فوجدوا شجاع الدين طغرل السلحدار متوجها إلى مصر، فردّوه معهم، وقدموا القدس، واستمالوا ختلخ العزّى وإليه، فمال إليهم واستمالوا عز الدين أسامه، وميمون القصرى، فقدما عليهم (٥)، ومع ميمون سبعمائة فارس منتخبة. ثم اتفقت كلمتهم على مكاتبة الملك العادل يستدعونه (٦) ليقوم بأتابكية الملك المنصور (٦)، وورد جوابه إليهم: أن لا يفارقوا مكانهم حتى يفرغ من ماردين، ويصل إليهم.

стр. 978

ثم سار الملك الأفضل (٢٧ ب) من بلبيس إلى القاهرة، وكان الملك المنصور قد خرج إلى لقائه، فترجّل له الملك الأفضل، ودخل (١) بين يديه إلى دار الوزارة، وهى كانت مقر السلطنة. وكتب الملك الأفضل إلى عمه الملك العادل بأنه غير خارج عن الذى يأمره به، وأنه تحت حكمه، (٢) ويستطلع أوامره ونواهيه (٢) فيما يعتمده، فورد جوابه عليه بأن الملك العزيز (٣) إن كان قدمات عن غير وصية فليكتب الأعيان خطوطهم له بذلك وشهادتهم له، حتى يرى رأيه؛ وإن كان قد مات عن وصية فلا يعدل عنها، ولا ينبغى له التعرض إلى ديار مصر (٣). ذكر مسير الملك الأفضل إلى دمشق وعزم الملك الأفضل على قبض من بقى عنده من الأمراء الصلاحية، فهرب بهرام الرومى، وبهرام القاجى، وفخر الدين الحجاد (٤) وجماعة من المغاردة (٥) لما علموا ذلك ولحقوا بالقدس.

стр. 979

وقبض الملك الأفضل على من بقى (١)، منهم علاء الدين شقير، وعز الدين البكى (٢) الفارس، وأيبك فطيس. وبرز الملك الأفضل إلى بركة الجب (٣)، وأقام بها أربعة أشهر، واستحلف بها الأمراء والجند. وبلغه عن أخيه الملك المؤيد [مسعود] (٤) أنه يريد الوثوب عليه (٥)، فقبض عليه (٦)، واعتقله، وأرسل الملك الظاهر موفق الدين بن النخاس إلى الملك الأفضل يحرضه على سرعة السير إلى دمشق، واغتنام الفرصة في أخذها. فلما مرّ موفق الدين بالقدس قبض عليه الصلاحية وأهانوه، ثم استخلصه منهم ميمون القصرى، وردّه إلى حلب، فأرسل الملك الظاهر وزيره نظام الدين الكاتب، وحملّه رسالة إلى الصلاحية بالقدس، يعرفهم أنه إنما أرسل إلى أخيه في إصلاح ذات البين، وحمّله رسالة في الباطن إلى الملك الأفضل يستحثه فيها على الخروج، وأمر نظام الدين أن لا يفارقه حتى يخرج.

стр. 980

فاجتمع نظام الدين مع الصلاحية وخدعهم حتى مكنوه من الذهاب إلى مصر (١)، [ورجع نظام الدين إلى حلب، فوصل موفق الدين إلى عند الملك الأفضل، وأخبره بما قال الملك الظاهر] (٢). ثم رحل الملك الأفضل من البركة ثالث رجب سائرا إلى دمشق، وكاتبت الصلاحية الملك العادل يخبرونه بقصد الملك الأفضل دمشق. ذكر وصول الملك الأفضل إلى دمشق ومنازلته لها ورتّب الملك العادل ولده الملك الكامل ناصر الدين محمدا على حصار قلعة ماردين، وسار في مائتى فارس إلى دمشق مجدا، ودخلها في ثمانية أنفس، وتبعه الباقون، ومن جملتهم بدر الدين دلدرم الياروقى، وعز الدين بن المقدم، وحسام الدين - صاحب عين تاب -، وكان دخوله إليها قبل منازلة الملك الأفضل لها بيومين. ونزل الملك الأفضل على جسر الخشب ثالث عشر شعبان، وزحف من الغد إلى البلد، وجرى قتال عظيم، ثم تقدم الملك الأفضل إلى الشرفين (٣) والميدان الأخضر، وضرب دهليزه به.

стр. 981

ذكر هجوم بعض العسكر دمشق ثم خروجهم عنها مقهورين وتقدم مجد الدين أخو الفقيه عيسى الهكارى في جمع [قليل] (١) من العسكر قليل، فهجموا دمشق من باب السلامة (٢)، بموافقة أمير يقال له شجاع [الدين] (٣) يونس من الأكراد فدخلوا دمشق واخترقوها، ووصلوا إلى باب جيرون وباب البريد (٤)، وشرب بعضهم الفقاع في المدينة، فكاد العسكر الذى بها يستسلم، ونزلوا عن الأسوار. وصاح مجد الدين: «يا أفضل يا منصور»، وصاحت (٥) معهم العامة. لميلهم كان إلى الملك الأفضل (٥)، ولم يتصل بهم مدد من خلفهم، وطمع الجند (٦) الذين في البلد فيهم فطاردوهم، وخافوا لما رأوا أنه لا مدد لهم من ورائهم، فطلبوا باب الفراديس، وكسروا أقفاله، وخرجوا منه. وخرج الملك العادل من القلعة طالبا باب السلامة، فوجد ابن أخيه الملك الظافر قد قصده، ودخل منه جماعة، فحمل عليهم الملك العادل، ومعه بدر الدين دلدرم الياروقى، وعز الدين بن المقدم، وجماعة يناهزون سبعين فارسا، فأخرجوهم

стр. 982

من البلد (١)؛ ثم أمر الملك العادل بغلقه (٢) وحفظه على سائر الأبواب (٢)، ورتّب على كل منها (٣) جماعة. وقفز إلى البلد [الأمير] (٤) رأس الكبش، وسنقر العزيزى (٥)، وغيرهما (٢٨ ب) فخلع الملك العادل عليهم وأحسن إليهم. ذكر تأخر الملك الأفضل إلى ذيل عقبة الكسوة ثم قفز من عسكر الملك الأفضل [إلى دمشق] (٦) طغرل المهرانى، ومعه قطعة من العسكر، فقويت نفس الملك العادل بذلك، وكاتب علم الدين كرجى، وعز الدين درباس المهرانى، (٧) وذكّرهما ما كان بينه وبينهما من الصحبة، وقال لهما: «إن بنى أخى لو ظفروا بى أهانونى، وكسروا ناموسى، وأنا مقصودى أن أذهب بمالى وأهلى وحرمى إلى الشرق وأترك لهم ملك مصر والشام، فتساعدوننى بتفنيد الملك الأفضل عن الحرب، وتوقفونه عنه، فيحصل غرصى وغرضهم، وتحصلون أنتم على الأجر»؛ وبعث لهما مالا جزيلا.

стр. 983

فأشارا على الملك الأفضل بالتوقف، وأن ينتظر قدوم الملك الظاهر، فيقع الاتفاق معه على المصلحة، فتوقف الملك الأفضل مدة. وشرع الملك العادل في تلك المدة يكاتب أمراء العسكر بالرغبة والرهبة وبذل المال، فدخل دمشق جماعة من الأمراء منهم: سيف الدين على بن مهران، وفخر الدين إياس البانياسى، وحسام الدين عيسى بن خوشترين، (١) وأخوه سيف الدين، وسابق الدين مثقال الجمدار، وجماعة من المفاردة؛ وبذل لهم الملك العادل العطاء، واستدان جملة من أموال التجار، وأنفقها في المقفرين إليه، فتواصلوا إليه. وعلم الملك الأفضل انتقاض أمره، فتأخر إلى ذيل عقبة الكسوة (١). ذكر وصول الملك الظاهر (٢) إلى ظاهر دمشق (٢) نجدة لأخيه الملك الأفضل ورحل الملك الظاهر من حلب (٣) متوجها إلى إنجاد أخيه الملك الأفضل (٣)، ولما وصل إلى حماة اجتمع به صاحبها الملك المنصور، وكان قد وافقه وحلف له، فبعث معه شطرا من عسكره، واستأذنه في قصد بعرين، وأخذها من عز الدين ابن المقدم، فأذن له في ذلك.

стр. 984

ولما وصل الملك الظاهر إلى (٢٩ ا) حمص خرج إلى خدمته صاحبها الملك المجاهد أسد الدين، وتوجه معه بعسكره (١). (٢) ولما قدم الملك الظاهر إلى معسكر أخيه الملك الأفضل قوى قلبه به، ونزل في ميمنة العسكر (٢). ذكر تقدم الملكين (٣) الأفضل والظاهر إلى دمشق ومضايقتهما لها (٣) (٤) ثم تقدم الملك الأفضل والملك الظاهر إلى دمشق، ونزلا فوق مسجد القدم، وأخذا في الحرب والقتال، وقلّت الأقوات بدمشق، وطال على أهلها مدة الحصار (٤). وكان الملك العادل قد بعث إلى الأمراء الصلاحية المقيمين بالقدس يستدعيهم إليه، فأقبلوا متوجهين إليه، ولما علم ذلك الملك الأفضل جرّد عسكرا، وقدّم عليهم الملك المجاهد - صاحب حمص - ليحولوا بين الصلاحية ودخول دمشق (٥)، ثم أردفهم بجماعة من الأسدية وعسكر حلب. فقدمت الصلاحية إلى دمشق من غير الطريق التي توجه الملك المجاهد إليها،

стр. 985

ودخلوا من جهة عقبة مدره، واستقروا بدمشق سالمين، فقوى بهم الملك العادل. ثم جرّد الملك الأفضل شجاع الدين جوهر الخادم ليقصد الغور وما يليه، ويحمل الغلال إلى المعسكر، فسيّر الملك العادل عزّ الدين أسامة، والجحّاف إلى مقاتلة جوهر، وكان ميمون القصرى بنابلس، فالتقى بعسكر الملك العادل بظهر حمار، وانضاف إليهم، ولقوا جوهرا وقاتلوه، فأصاب جوهرا سهم غرب كانت فيه منيته، وولّي أصحابه مدبرين. فعظم على الملك الأفضل، ومضى العسكر العادلى إلى القدس، وأخذوا في قطع الميرة الواصلة من مصر إلى عسكر الملك الأفضل، فتضرروا بذلك [غاية الضرر] (١) واشتدت مضايقة الملكين الأفضل والظاهر لدمشق، وقلّت الأقوات عد (٢) الملك العادل فجعل يستقرض من التجار ويحيلهم على قلعة جعبر، وكانت فيها أمواله، (٣) وتخرّق في العطاء جدا لكنه أنس من الأجناد فشلا وضجرا (٣)، ونال أهل دمشق من الغلاء ما تمنوا معه الموت. (٢٩ ب) وزحف الملك الظاهر يوما إلى البلد، ووصل الحلبيون النقابون إلى السور ونقبوه، وما بقى لهم مانع دون البلد. وعاد الملك الظاهر [عند انصرام النهار إلى مخيمه وهو] (٤) على عزم المباكرة والزحف.
следующие страницы →