← История

История · id 16363

نزهة الأنام فى تاريخ الإسلام

ابن دقماق، صارم الدين

Полный текст (284 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

كثير، وأما دمشق فإذا أخذتها ممن هي معه وسلمتها إلي سلمت أخوك (١) إليك (٣٦ أ) وهذا جوابي والسلام. فلما بلغ العادل الجواب عزم على الخروج الى الشام وأمر بتجهيز العساكر. وفيها وقع الغلاء بدمشق وبيعت كل غرارة (٢) قمح بمائتي وثلاثين (٣) درهم. [الوفيات] وفيها مات الشيخ الإمام العالم جمال الدين أبو المحامد محمود ابن أحمد بن الحصيري (٤) الحنفي، أصله من بلاد بخارا من قرية يقال لها حصير (٥). تفقه في بلده وسمع الحديث الكثير وقدم الشام ودرس بالنورية (٦) وانتهت إليه رئاسة أصحاب الإمام أبي حنيفة، وقرأ عليه الملك المعظم (٧) «الجامع الكبير» (٨) وغيره وصنف الكتب الحسان وشرح «الجامع الكبير» وكان كثير الصدقة غزير الدمعة فاضلا عاملا نزها عفيفا. حج من الشام وكانت وفاته يوم الأحد ثامن صفر، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع (٩) على الجادة، وكان المعظم يحترمه ويكرمه وكذا ولده الناصر (١٠). وفيها مات الوزير جمال الدين ابن جرير (١١) وزير الملك الأشرف (١٢) وأصله من الرّقة، وكان يتردد الى خانقاه الرّقة في سنة إحدى عشرة وثلاث عشرة وستمائة ولم يكن يعرف الأشرف

стр. 107

حينئذ، فما زال يتوصل حتى استوزره بدمشق، ولما مات الأشرف استوزره الصالح نجم الدين أيوب دون شهر. وكانت وفاته يوم الجمعة سابع عشري جمادى الآخرة بالخوانيق (١)، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع. سمع الحديث وكان يتردد الى زيارة الصالحين وفيه يقول (٢) نصر بن محمد الحنفي: [الكامل] من قال أهل الشام عندي كلهم ... بقر، فليس عليه فيه جناح لو لم يصح مقاله فيهم لما ... أضحى يسوس أمورهم فلاح (٣٦ ب) وفيها مات أبو منصور عبد الواحد بن إبراهيم بن الحسن بن نصر الله المعروف بإبن الدسكري (٣). كان المذكور فاضلا ويكتب خطا مليحا يحكي فيه طريقة ابن البواب (٤) وله نظم رقيق فمنه: [البسيط] بيض المسرات في حمر الكؤوس إذا ... دارت على الهم انفلّت جحافله قم عاطني من شموس الراح غير ضحى ... من كف بدر دجى حلو شمايله مورّد الخد داجي الفرع فاحمه ... عبل الروادف واهي الخصر ناحله يسيل من بين جفنيه لسفك دمي ... مهند فوق خدّيه حمايله ما سحر هرون إلا من لواحظه ... يسبي القلوب وفي الأجفان نايله تخال نور الأقاحي من مقبّله ... والغصن ما ضمنت منه غلايله ما زلت أبذل روحي في رضاه كما ... جود الخليفة مبذول ونايله وفيها مات الحافظ زكي الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد ابن أبي يداس البرزالي (٥) المحدث الاشبيلي في رابع عشري رمضان بحماة. وكان معتنيا بعلم الحديث مفيدا

стр. 108

لأصحابه متواضعا. أقام بدمشق سنين كثيرة بمسجد فلوس وغيره، ثم سافر في هذه السنة الى حلب ورجع الى حماه فمات بها. وفيها مات أبو الوفا مودود (١) ابن مسعود بن محمد بن مرامل الواسطي، كان شاعرا محسنا كثير الشعر فمنه قوله: [الرمل] وهو أجفانك المرضى الصحاح ... لم يمل سمعي الى واش ولاح (٣٧ أ) يا غزالا حكم الحسن له ... بعد صوني في هواه بافتضاحي لست أدري إذ بدا ثغرك لي ... أهو الأحسن ام نور الأقاحي ورضاب فيه هل يشفى به ... ظمأي يوما فقد طال التياحي كم ليال بتّ فيها أجتني ... ورد خدّيه بجدّ ومزاح وفيها مات النجم هلال ابن أبي الفضل المعروف بابن الحلاوي (٢) الشاعر، كان شاعرا مجيدا فمن نظمه: [الطويل] وأغيد ممشوق القوام مهفهف ... أغنّ غضيض الطرف طاوي الحشى أحوى أخفّ على قلبي متى أدع باسمه ... وأكرم عندي من سليمى ومن علوى من الترك ألمي لا تدانى صفاته ... سعاد ولا تسموا الى حسنه اروى جفا فجفا أجفان عيني رقادها ... على علمه أنّي على البين لا أقوى ومولده في سنة ثمان وستين وخمسمائة ومات في هذه السنة، وكان شاعر ملوك حلب. وفيها مات أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن اسماعيل بن عثمان بن يوسف بن الحصين بن حفص، الإمام جمال الدين بن الصفراوي (٣) الإسكندري المالكي المقرئ المفتي. كان من الأئمة الأعلام، إنتهت اليه رئاسة الأفراد والفتوى ببلده، وحدث ببلده وبمصر وبالمنصورة، وكان قرأ القراءات على أبي القاسم عبد الرحمن بن خلف ابن محمد بن

стр. 109

عطية القرشي وعلى أبي العباس أحمد بن جعفر الغافقي وأبي يحيى اليسع (١) ابن عيسى بن حزم (٣٧ ب) وأبي الطيب عبد المنعم ابن الخلوف، وتفقه على العلاّمة أبي طالب صالح ابن اسماعيل بن بنت معافى وسمع السلفي واسماعيل ابن عوف وأبا العثماني وجماعة، وهو آخر من قرأ على الأربعة المذكورين وخرج لنفسه مشيخة، وكان صاحب ديانة وجلال. وفيها مات صاحب ماردين وهو الملك المنصور ناصر الدين أرتق (٢) ابن إرسلان ابن ألبي ابن آل غازي ابن تمرتاش ابن ألبي ابن أرتق التركماني الارتقي. وكان المعظم (٣) قد صاهره في سنة ثماني عشرة وستمائة، وكان ناصر الدين هذا شجاعا مقداما جوادا، ما قصده قاصد فخيبه، وكانت وفاته بماردين (٤) قتله ولده خنقا وهو سكران (٥). ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وستمائة فيها اتفق (٦) الناصر داوود والصالح نجم الدين أيوب وأخرجه من الحبس، لكنه كان عنده لا يركب إلا ومعه جماعة موكلين به، فبلغ الملك العادل ذلك فأمر بخروج الدهليز وخروج العساكر، وخرج السلطان الملك العادل الى بلبيس (٧) وخيم عليها، وكان قصده التوجه الى حصار الكرك لعله ينال قصده من أخوه (٨) ومن ابن عمه. فلما نزل السلطان بلبيس أتفق جماعة من الأمراء ومماليك (٩) السلطانة الكبار والخدم على خلع السلطان الملك العادل، والذي قام في ذلك الأمر عز الدين أيبك الفائزي (١٠) والطواشي، صفي الدين جوهر النوبي، ووافقهم على ذلك جماعة كثيرة، وهجموا على السلطان وقبضوا عليه وقيّدوه وخلوه

стр. 110

داخل خركاه (١)، وشرعوا الدهليز ورتبوا حول الدهليز جماعة رجالة وخيالة يحفظوه (٢) ليل نهار، فبلغ ذلك الى الأمراء الأكابر والأكراد، فأرادوا النهوض في خلاصة، عند ذلك ركب الخدام ومن معهم (٣٨ أ) وقصدوا نهب الأمراء وطاقاتهم. فلما رأوا (٣) الأمراء ذلك كاسروا عما أرادوا يفعلوه. وفيها كتبوا (٤) الخدام ومن كان معهم، كتابا الى السلطان الملك نجم الدين أيوب يسألوه (٥) سرعة الحضور، وعرفوه ما جرى جميعه وحلفوا له جميعا، وكتبوا الى السلطان الملك الناصر داوود يسألوه حضوره صحبة السلطان. فلما وصلت الكتب الى الكرك ووقف الناصر داوود على ذلك، أوقف عليه السلطان الملك الصالح وتحالفا على ما اتفقا عليه وتعاهدا وركبا بجماعة كثيرة وتوجهوا نحو الديار المصرية. قال أبو المظفر (٦): حكى الي الصالح نجم الدين، قال: ما قصدت بمجيء الناصر معي إلا خوفا أن تكون معمولة (٧) علي ومنذ فارقنا غزة تغير علي، ولا شك أنّ بعض أعدائي أطمعه في الملك، فذكر لي جماعة من مماليكي أنّه تحدث معهم في قتلي، وليلة نزلنا بلبيس، شرب وشطح الى العادل، فخرج من الخركاه، وقبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني. فقال يا خوند (٨) التوبة، فقال: طيب قلبك الساعة أطلقك، ثم قال الصالح وجاء ودخل علي الخيمة ووقف فقلت له: بسم الله اجلس، فقال ما أجلس حتى تطلق العادل، فقلت له: اقعد وهو يكرر الحديث [فسكت] (٩) ولو أطلقته لضرب (١٠) رقابنا كلنا، فنام، فما صدقت بنومه، فقمت في باقي الليل فأخذت العادل في

стр. 111

محفة ودخلت به القاهرة. ولما دخلت القاهرة بعثت إليه بعشرين ألف دينار، فعادت إلي مع غلماني (٣٨ ب) وكان وصول الصالح الى بلبيس يوم الأحد رابع عشري ذو القعدة، فنزل في خيمة العادل والعادل محبوس في خركاه. وفيها تملك الثامن من بني أيوب وهو السلطان الصالح نجم الدين أيوب ابن السلطان الملك الكامل ناصر الدين محمد بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن أيوب بن شادي ابن مروان. تملك الديار المصرية وما أضيف اليها يوم الجمعة (١) وجلس على التخت وحلفوا (٢) له الأمراء واستقر أمره، أحضر أخوه العادل وسأله عن موجب خلعه ومن كان السبب فيه، ثم أدخله القاهرة في محفة كما تقدم. ثم أن السلطان لما تقرر أمره بقلعة الجبل أعرض الخزانة وبيت المال فلم يجد غير دينار واحد وألف درهم، فسأل عن المال، فقالوا أخوك فرقه على الأمراء فسكت وأخلع وأعطى، ثم أنه بعد ذلك قعد وأحضر القضاة والأمراء الذين كانوا السبب في مسك أخيه وقال: لأي شيء مسكتم سلطانكم، قالوا كان سفيه (٣)، قال الصالح: يا قضاة من يكون سفيه يجوز تصرفه في بيت مال المسلمين قالوا: لا، قال: أقسم بالله متى لم تحضروا ما أخذتموه من المال كانت أرواحكم عوضه، فخرجوا جميعا وأحضروا المال، فكان جملة ما أحضروه سبعمائة ألف وخمسة وثمانين ألف دينار وألفي ألف وثلاثمائة ألف درهم. ثم بعد ذلك أمهلهم قليلا ومسكهم على التدريج (٤). وفيها أخذ بدر الدين لؤلؤ صاحب (٣٩ أ) الموصل سنجار من الملك الجواد بموافقة من أهلها لسوء سيرته، فإنه صادرهم وأخذ أموالهم، وخرج يتصيد ويحج في البرية، فبعثوا الى بدر الدين فجاء، ففتحوا له [الأبواب] (٥) ومضى الجواد الى عانة (٦)، فأقام بها ثم باعها للخليفة. وفيها تولى الشيخ عز الدين (٧) ابن عبد السلام الخطابة بجامع دمشق في ربيع الآخر.

стр. 112

وفيها أمر الملك الصالح اسماعيل للخطباء بدمشق وبلاد الشام، أن يخطبوا لصاحب الروم وبطل الخطبة لصاحب مصر. وفيها تولى رفيع الدين عبد العزيز ابن عبد الواحد ابن اسماعيل ابن عبد الهادي ابن عبد الله الجيلي الشافعي قضاء الشام، وكان قاضي بعلبك قبل ذلك فظهر منه سوء سيرة وعسف وضيق وجور، ومصادرة للناس في الأموال (١). وفيها ولدت شجر الدر سرية السلطان الصالح، ولدا ذكرا فسماه السلطان خليل ولقبه بالملك المنصور، ونالت شجر الدر منه من السعادة والجاه ما لم ينله غيرها من نساء الملوك. وفيها نازل الملك الناصر داوود صاحب الكرك والشوبك، البيت المقدس وحاصره وشدد عليه الحصار بنفسه أحدا وعشرين (٢) يوما وفتحه عنوة بالسيف (٣) وذلك في يوم الإثنين تاسع جمادى الأول، وفي ذلك يقول (٤) الصاحب جمال الدين ابن مطروح: [السريع] المسجد الأقصى له عادة ... سارت فصارت مثلا سائرا (٥) إذا غدا بالكفر (٦) مستوطنا ... أن يبعث الله له ناصرا فناصر طهّره أولا ... وناصر طهّره آخرا [الوفيات] (٣٩ ب) وفيها مات الملك المجاهد، أسد الدين شيركوه (٧)، ابن محمد بن شيركوه

стр. 113

ابن شادي ابن مروان. كان قد تولى مملكة حمص يوم وفاة والده يوم عيد الفطر سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وكان مولده سنة تسع وستين وخمسمائة، ومات يوم الثلاثاء تاسع عشر رجب من هذه السنة بحمص ودفن بتربته داخل البلد رحمه الله تعالى. وكان يحب جمع المال، وكان فيه عسف لرعيته، وجعل على التجار حقوقا محدثة، ومات في حبسه خلق كثير من الرجال، وكان شجاعا شهما، مقداما يباشر الحروب بنفسه. حفظ المسلمين من الفرنج والعرب، وبنى الأبراج على محايض العاصي ورتب فيها الرجال والطيور، وكان الفرنج إذا خرجوا أطلقوا الرجال الطيور، فيخرج بنفسه فيسبق الفرنج إلى المخاضة، فيقتل ويأسر وكذى كان يفعل بالعرب (١). قال أهل التواريخ: كانت بلده مطهرة من الخمور والخواطئ والمكوس. وكانوا (٢) بنو أيوب يتقونه ويخافونه لأنه كان يرى أنه أحق بالملك منهم لأجل جده أسد الدين شيركوه وفتحه مصر. وكان الكامل قد استوحش منه واتهمه أنّه هو الذي أوقع بينه وبين الأشرف. وكان قد منع النساء أن يخرجن من باب حمص مدة ولايته (٣)، ولما تسلطن ولده الملك المنصور محمد ناصر الدين ابراهيم يوم وفاة والده، فلما استقر أمره مسك أخيه (٤) الملك المسعود واعتقله في مطمورة بقلعة تدمر وهرب (٤٠ أ) أخوه الآخر، وهو الملك الصالح نور الدين علي، الى الديار المصرية، واتفق الملك المنصور مع الملك الصالح اسماعيل صاحب دمشق وتحالفا على المعاضدة لبعضهم بعضا، وصارت كلمتهم واحدة (٥). وفيها وصل السلطان الملك الناصر داوود لاستنجاز وعده له بدمشق فحمل اليه الملك الصالح نجم الدين أيوب المال، وهو أربعمائة ألف دينار، فسأله الناصر ان يجرد معه عساكر ليفتح دمشق فماطله السلطان ودافع به. وفيها مات قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن الخليل ابن سعادة بن جعفر بن عيسى

стр. 114

الخويّي (١) الشافعي بالمدرسة العادلية (٢)، ودفن من الغد بقاسيون، وكان مولده سنة اثنتين (٣) وثمانين وخمسمائة. كان ﵀ حسن الأخلاق، لطيفا كثير الإنصاف عالما فاضلا في علوم متعددة، محققا عفيفا متواضعا، كثير المداراة محببا الى الناس، وكانت جنازته حفلة وصنف التصانيف المفيدة. قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة (٤): وكان عندي من تصانيفه عروض فعملت فيه شعرا منه: [الخفيف] أحمد بن الخليل أرشده [الله] (٥) ... ¦ م ¦ لما أرشد الخليل بن أحمد ذاك مستخرج العروض وهذا ... مظهر السرّ (٦) منه والعود أحمد وتولى القضاء بعده رفيع الدين الجيلي (٧). وفيها مات أبو البركات المبارك ابن أبي الفتح، أحمد بن المبارك موهوب بن عنيمة بن غالب اللخمي الملقب شرف الدين (٤٠) ابن المستوفي (٨) الإربلي. كان رئيسا جليل القدر كثير التواضع، واسع الكرم، لم يصل الى إربل أحد من الفضلاء إلا وبادر الى زيارته وحمل إليه ما يليق بحاله، وتقرب الى قلبه بكل طريق، وخصوصا أرباب الأدب كانت سوقهم لديه نافقة، وكان جم الفضائل عارفا بعدة فنون، منها: الحديث وعلومه وأسماء رجاله وجميع ما يتعلق به، وكان إماما فيه ماهرا في النحو واللغة والعروض والقوافي وعلم البيان وأشعار العرب وأخبارها وأيامها ووقائعها وأمثالها، وكذلك علم الديوان وحسابه وضبط قوانينه على الأوضاع المعتبرة عندهم. جمع لإربل تاريخا (٩) في أربع (١٠) مجلدات وله كتاب «النظام في شرح

стр. 115

المتنبي وأبي تمام» في عشر (١) مجلدات [وكتاب إثبات المحصل في نسبة أبيات المفصل في مجلدين] (٢) تكلم فيه عن الأبيات التي استشهد بها الزمخشري في المفصّل، وله كتاب «سر الصنعة» وله كتاب سماه «أبا قماش» جمع فيه أدبا كثيرا ونوادر وغير ذلك. قال القاضي شمس الدين ابن خلكان: سمعت منه كثيرا وسمعت بقراءته [على المشايخ الواردين على إربل شيئا] (٣) كثيرا، وله ديوان شعر أجاد فيه فمن شعره بيتان فضل فيهما البياض على السمرة وهما: [الكامل] لا تخدعنّك سمرة غرّارة ... ما الحسن إلا للبياض وجنسه فالرمح يقتل بعضه من غيره ... والسيف يقتل كلّه من نفسه وقد أخذ هذا المعنى من قول أبي الندى، حسان ابن نمير الكلبي المعروف (٤١ أ) بعرقلة (٤) الدمشقي الشاعر: [البسيط] إن كنت بالأسمر الزيتي مفتتنا ... فسل عن الأبيض الفضيّ بلبالي إن كان في الرمح شبر قاتل أبدا ... ففي المهنّد شبر غير قتّال ومن أشعار أبي البركات المذكور قوله: [الكامل] يا ليلة حتى الصباح سهرتها ... قابلت فيها بدرها بأخيه سمح الزمان بها فكانت ليلة ... عذب العتاب بها لمجتذبيه أحييتها وأمتها عن حاسد ... ما همّه إلا الحديث يشيه ومعانقي حلو الشمائل أهيف ... جمعت ملاحة كلّ شيء فيه يختال معتدلا فأن عبث الصبا ... بقوامه متعرّضا يثنيه نشوان تهجم بي عليه صبابتي ... ويردّني ورعي فاستحييه علقت يدي بعذاره وبخدّه ... هذا أقبّله وذا أجنيه

стр. 116

لو لم تخالط زفرتي أنفاسه ... كانت تنمّ بنا الى واشيه حسد الصباح الليل لما ضمّنا ... غيظا ففرق بيننا داعيه وله، وكان يقول عملتها (١) في نومي: [المتقارب] وبتنا جميعا وبات الغيور ... يعضّ يديه (٢) علينا حنق نود غراما لو انّا نباع (٣) ... سواد الدجى بسواد الحدق وانتقل الى الموصل، واستمر إلى أن مات يوم الأحد لخمس خلون من المحرم سنة سبع (٤١ ب) وثلاثين، ومولده في نصف شوال أربع وستين وخمسمائة بقلعة إربل، وهو من بيت كبير بها. وفيها مات أبو عبد الله محمد بن أبي المعالي سعيد بن أبي طالب يحيى بن يحيى بن أبي الحسن علي بن الحجاج بن محمد بن الحجاج، المعروف بابن الدّبيثي (٤)، الفقيه الشافعي، المؤرخ الواسطي. سمع الحديث كثيرا وعلق التعاليق المفيدة، وكان له محفوظات حسنة كان يوردها ويستعملها في محاوراته، وكان في الحديث وأسماء رجاله والتواريخ من الحفاظ المشهورين، والنبلاء المذكورين. وصنف كتابا وجعله ذيلا على تاريخ أبي سعيد عبد الكريم ابن السمعاني الحافظ المقدم ذكره، المذيل على تاريخ بغداد (٥)، وذكر فيه ما لم يذكره السمعاني ممن أغفله، وهو في ثلاث (٦) مجلدات وصنف تاريخا لواسط، وصنف غير ذلك، وذكره ابن المستوفي في تاريخ إربل وقال: ورد علينا في ذي القعدة سنة إحدى عشرة وستمائة،

стр. 117

وهو شيخ حسن، وقال: أنشدني لنفسه (١): [الطويل] خبرت بني الأيام طرا فلم أجد ... صديقا صدوقا (٢) مسعدا في النوائب وأصفيتهم منّي الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالقذى والشوائب وما اخترت منهم صاحبا وارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقب ولم يزل أبو عبد الله المذكور على اجتهاده وجمعه وتعليقه حتى مات. وكانت ولادته يوم الإثنين سادس عشري رجب الفرد سنة ثمان وخمسين (٤٢ أ) وخمسمائة بواسط ومات يوم الاثنين لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة ببغداد، ودفن بالوردية من الغد رحمه الله تعالى، والدّبيثي نسبه الى دبيثا، وهي قرية بنواحي واسط، وأصله من كنجة (٣) وقدم جده دبيثا وكان قد أحضر في آخر عمره. وفيها مات الفقيه أبو المعالي محمد بن الفقيه أبو الفضل يوسف ابن الفقيه سعيد الدولة أبي محمد عبد المعطي بن منصور بن نجا المخيلي الأصل الإسكندراني المولد والدار المالكي العدل المنعوت بالتاج، كان توجه رسولا الى حمص فمات بها. تصدر بثغر الإسكندرية ودرّس بها وأفتى وتولى الوكالة السلطانية، وتنقل في الخدم بالديار المصرية وكان الكامل قبل خروجه من الديار المصرية ولاه نظر الدواوين، وبقي إلى أيام ولده الملك العادل، ومولده في سلخ ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة بالاسكندرية. ومخيل بضم الميم وكسر الخاء المعجمة وسكون آخر الحروف بعدها لام، بليدة من أعمال برقة. وفيها مات الشيخ أمين الدين أبو الغنايم، سالم (٤) ابن الشيخ الإمام الحافظ، محدث الشام بهاء الدين أبي المواهب الحسن بن هبة الله بن محفوظ ابن الحسن بن محمد بن الحسن بن أحمد بن الحسين بن صصري الربعي التغلبي البلدي (٥) المحتد، الدمشقي الدار والوفاة والمولد، مولده في جمادى الآخره سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ومات في ثالب جمادى الآخر منها.

стр. 118

(٤٢ ب) وفيها مات أبو الفتح نصر الله بن أبي الكرم، محمد بن محمد بن عبد الكريم ابن عبد الواحد الشيباني، المعروف بابن الأثير (١) الجزري، الملقب ضياء الدين، كان مولده بجزيرة ابني عمر في العشرين من شعبان سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وانتقل مع والده الى الموصل، واشتغل بها، وحصّل العلوم وحفظ كتاب الله العزيز وكثيرا من الأحاديث النبوية، وطرفا صالحا من النحو واللغة وعلم البيان وشيئا كثيرا من الأشعار. ولما كملت لضياء الدين المذكور الآداب، قصد جناب الملك الناصر صلاح الدين تغمده الله برحمته، وكان يومئذ شابا فاستوزره ولده الملك الأفضل نور الدين علي وحسنت حاله عنده. ولما مات السلطان صلاح الدين واستقل ولده الأفضل بمملكه دمشق، استقل (٢) ضياء الدين المذكور بالوزارة وردت أمور الناس إليه، وصار الاعتماد في جميع الأحوال عليه. ولما أخذت (٣) دمشق من الملك الأفضل وانتقل إلى صرخد، كان ضياء الدين المذكور قد أساء العشرة على أهلها وهموا بقتله، فأخرجه الحاجب محاسن [بن عجم] (٤) مستخفيا في صندوق. ولما قصد الملك العادل الديار المصرية وأخذها (٥) من ابن أخيه، وتعوض الملك الأفضل البلاد الشرقية وخرج من مصر، لم يخرج ضياء الدين في خدمته لأنه خاف على نفسه من جماعة كانوا يقصدونه، فخرج منها مستترا وله في كيفية خروجه رسالة طويلة، شرح فيها حاله، وهي موجودة في ديوان رسائله، وغاب عن مخدومه (٤٣ أ) الملك الأفضل مدة، ثم أتاه ثم فارقه وأتصل بخدمه أخيه الظاهر صاحب حلب، فلم يطل مقامه عنده، فخرج وعاد الى الموصل فلم يستقم حاله، فورد إربل، فلم يستقم حاله، فسافر الى سنجار ثم عاد الى الموصل واتخذها دار إقامته. ولضياء الدين من التصانيف الدّالة على غزارة فضله كتابه الذي سماه «المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر» في مجلدين جمع ولم يترك شيئا بفن الكتابة إلا وذكره. وله كتاب «الوشي المرقوم في حل المنظوم» وهو مع الوجازة في غاية الإفادة، وله كتاب «المعاني

стр. 119

المخترعة في صناعة الإنشاء» وهو أيضا في نهاية الحسن، وله ديوان ترسّل في عدّة مجلدات والمختار منه في مجلد [واحد] (١)، فمن رسائله رسالة يصف فيها الديار المصرية، وهي طويلة فمن جملتها فصل في صفه نيلها وقت زيادته، وهو من المعاني البديعة وهو: «[وعذب] (٢) رضابه فضاهى جنى النحل، وأحمر صفيحه فعلمت أنه قد قتل المحل». وهذا المعنى في نهاية الحسن، وله كل معنى بديع في الترسّل. وكان يعارض القاضي الفاضل في رسائله، فإذا أنشأ رسالة أنشأ مثلها، وكان بينهما مكاتبات ومحاربات ولم يكن له في نظمه شيء حسن، وكان كثيرا ما ينشد: [الكامل] قلب كفاه من الصبابة أنّه ... لبّى دعاء الظاعنين وما دعي ومن الظنون الفاسدات توهّمي ... بعد الفراق بقاءه في أضلعي (٤٣ ب) وفيها مات القاضي جمال الدين أبو الحجاج، يوسف ابن القاضي علم الدين اسماعيل بن عبد الجبار بن يوسف بن عبد الجبار بن شبل بن علي الجدامي الصويتي، المقدسي الأصل، المصري المولد والدار، العدل الفاضل البارع، مولده ليلة الأحد العشرين من شهر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة سمع الحديث وقرأ القرآن المجيد والنحو واللغة وله تصانيف، وقرأ الأدب وقال الشعر وولي ديوان الجيوش مع أخيه ضياء الدين، وكان الملك الكامل يكرّمه وأرسله مع ولده الملك المسعود الى اليمن، فلم يقدر على أخلاق المسعود، وصنف كتابا سماه «البرق اليماني» عارض به البرق الشامي للأصبهاني وذكر فيه أحوال اليمن وما فيها من العجائب وشيئا من تاريخها وما جرى للمسعود فيها. وكانت وفاته ليلة الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظم سنة تاريخه. وفيها مات أبو محمد عبد العزيز بن دلف (٣) بن أبي طالب البغدادي، المقرئ الناسخ الخازن. كان عدلا ثقة له صورة كبيرة. ولي خزانة كتب المستنصرية وغيرها، سمع (٤) وروى (٥) رحمه الله تعالى.

стр. 120

وفيها مات أبو بكر عبد الحميد بن عبد الرشيد بن علي بن بنيمان القاضي الشافعي الحداد، سبط الحافظ أبي العلاء الهمذاني، مولده سنة أربع وستين وخمسمائة. سمع وله أربع سنين من جده، وناب في القضاء بالجانب الغربي، وكان صالحا دينا ورعا على طريقة السلف، كثير المحفوظ روى عنه جماعة. (٤٤ أ) وفيها مات الشيخ الإمام العارف المكاشف، نجم الدين أبو المعالي، محمد (١) بن سوار بن اسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن علي بن محمد بن الحسن الشيباني، الفقير الحريري (٢) الدمشقي، مولده يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة ثلاث وستمائة بدمشق. ومات بها ليلة الأحد رابع عشر ربيع الآخر من هذه السنة وصلي عليه يوم الأحد بجامع دمشق، خارج باب توما داخل قبّة الشيخ رسلان قدس الله روحهما (٣). وله شعر حسن فمنه في مليح لابس أخضر: [الكامل] ومهفهف الاعطاف معسول اللمى ... فتن الأنام بحسنه وبهائه لم يرض ان سلب القضيب قوامه ... حتى حكى أوراقه بقبائه وله دو بيت: يا محتجبا تصده الاعداء ... عنّي ولقلبي نحوه ايماء هل يمكن أن تحجب عن مكتيب ... تجلوك على ناظره الأشياء وله: [الكامل] (٤٤ ب) عبد العزيز إذا تثنى أو شدا ... فتن القلوب بقامة وغناء يشذو ويثني لينة اعطافه ... طربا فقل للغصن والورقاء وقال دو بيت: يا الطف من سلافة الصهباء ... خلقا وأدق من زلال الماء

стр. 121

جسما واعز من على الغبراء ... قدرا لقد احتكمت في معناء وقال: [الطويل] ونشوان قد اضمرت في السر عتبه ... ويعرض أحيانا فأسكت مبهوتا حشا أذني درا بطيب حديثه ... وصدّ فأجراه من العين ياقوتا وقال: وما صدّعني أنه لي مبغض ... ولا أنّ قتلي في الهوى من مراده ولكن درى انّ البعاد يزيدني ... غراما فأحيا مهجتي ببعاده وقال: [الكامل] ومعشّق غنج اللواحظ قد غدا ... في خده الآس النضير مجعّدا لو لم تكن عيناه كأسي قهوة ... ما كان صفو بياضها متورّدا وقال: [الطويل] وناد منا فيها غزال لحسنه ... جميع ملاح الكائنات عبيد غرير سقت أعطافه خمرة الصبا ... فاعطافه مثل الغصون تميد وقال: [البسيط] (٤٥ أ) وأهيف فترت أجفانه سنة ... وذبّلت منه غصنا وهو أملود فقد تعجبت من سيف لناظره ... إذ صار يجرح قلبي وهو مغمود وقال: [السريع] وأخضر العارض قد زانه ... من وجنتيه وردها الأحمر يرقص كالغصن ثنته الصبا ... وهو بدر طالع مثمر وقال: [الكامل] ديباج خدّك بالعذار مطرز ... وشبيه حسنك في البرايا معجز وبوجهك الورد النضير فورده ... المحمر بالآس الجني مغرّز

стр. 122

وقال: [الكامل] يا مخجل الظبي الغرير بحسنه ... ولعطفه عطف القضيب المايس لو لم يكن بستان خدّك كاملا ... ما كان فيه الخال أكبر حارس وله أشياء مليحة وشعر على طريقه القوم رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين وستمائة فيها كرر الملك الناصر داوود القول على السلطان الملك الصالح بسبب دمشق، فماطله أشهرا، فجعل الناصر يتكلم بالكلام الفاحش والكلام ينقل الى السلطان الملك الصالح، وأن الناصر فرق المال الذي أخذه من السلطان (٤٥ ب) الملك الصالح على الأمراء المصرية. فبلغ السلطان الملك الصالح ذلك، فأخرج (١) الناصر داوود من القاهرة، ووكل به جماعة يوصلوه إلى الكرك، وأخرج معه الأمير سيف الدين ابن قليج، فتوجه الناصر داوود الى الكرك، وأقطع بن قليج قلعة عجلون وأعمالها بيسان وأعمالها. وفيها شرع الصالح في تدبير أمور مملكته. وفيها عاد الملك الجواد من سنجار الى خدمة السلطان الملك الصالح، صاحب مصر، فلم يمكّنه من العبور الى الديار المصرية، ورده من الرمل فعاد خايبا، حزينا الى غزّة، وكان بها الملك الناصر داوود، فأظهر له البشاشة والمسرة بقدومه إليه (٢)، وأمر أن تضرب له خيمة كبيرة وأن يرتب له كلّ ما يحتاج إليه، فضرب له دهليز كما يضرب للملوك. وكان في نفس الناصر من الجواد أمور عظيمة وحقد عظيم، فقصد الناصر قتل الجواد، فعلم بذلك فهرب (٣) الى دمشق مستجيرا بصاحبها الملك الصالح اسماعيل عمه، فلم يمكّنه من العبور الى

стр. 123

دمشق بل أرسل اليه ذهب كثير، وقماش (١) وجرد معه خمسمائة فارس تكون في خدمته، ورسم له أن يجتمع بملوك الفرنج وأن يجعل بينه وبينهم مودّة، وصحبة. عند ذلك توجه الملك الجواد الى الساحل ودخل الى مدينة عكا، واجتمع بمقدم الداوية وبملوك الفرنج، ثم خرجوا جميعا الى قيساريّة (٢) ورتب الملك الجواد مع الفرنج ما قاله الصالح اسماعيل، وسألهم نجدة له على صاحب مصر وأوعدهم إعادة ما أخذ من السواحل، وعادوا (٣) الفرنج (٤٦ أ) وخلوا الملك الجواد على قيساريّة، وأعطوه الفرنج مال كثير (٤). وفيها لما بلغ الصالح نجم الدين أيوب بتوجه الجواد الى عند الفرنج، وما تقرر له معهم، كتب إليه يستميله اليه ويوعده بمواعيد جليلة، وسأله أن يستميل قلب الفرنج إليه. فلما وصلته مكاتبة صاحب مصر، مال إليه وصغا الى قوله واستمال الفرنج إليه، وكتب الى صاحب مصر أخبره بما عمله وأنّه قد مال إليه. فلما وصل كتابه الى صاحب مصر، زادت أفراحه وجهّز رسولا وصحبته مال وقماش الى الملك الجواد، وأنّه بحلف كبراء الفرنج، وسيّر الى ملوك الفرنج أيضا من مفتخرات الديار المصرية. فلما سافر الرسول، ما وثق (٥) به الملك الصالح، فأرسل الأمير ركن الدين الهيجاوي ومعه جماعة الى عند الملك الجواد بيافا، واجتمع به، وبعد أيام وصل كتاب السلطان الملك الصالح إلى الأمير ركن الدين الهيجاوي بمسك الملك الجواد وتقييده وتجهيزه الى مصر وذلك على حين غفلة منه، فعند ذلك اتفق الهيجاوي مع الجواد أن يرحلوا من يافا وينزلوا على غزّة، فرحلوا جميعا ونزلوا على مدينة غزة. فوصل كتاب السلطان الملك الصالح الى الملك الجواد بمسك الأمير ركن الدين الهيجاوي، فعند ذلك أخبر كل منهما صاحبه بما وصل اليه من المرسوم واتفقا جميعا على مفارقة خدمته، وأن يتوجه الملك الجواد الى الفرنج، فركب ودخل عكّا وأقام بها، والركن الهيجاوي ترك العسكر المصري على غزّة وأشغلهم وأظهر (٤٦ ب) أنه يتوجه الى الصيد وتوجه الى دمشق والتجأ إلى صاحبها الملك الصالح عماد الدين اسماعيل وأقام في خدمته (٦).

стр. 124

وفيها عاد العسكر المصري من غزة الى مصر. وفيها عزم (١) الصالح اسماعيل صاحب دمشق على أخذ الديار المصرية، فكتب الى الفرنج واستمالهم إليه (٢)، وكتب الى صاحب حمص والى ملك حلب والى سلطان حماه، فحضرت إليه العساكر، وكتب الى الملك الجواد وعتب عليه لمقامه عند الفرنج بعكا، وطالبه أن يخرج إليه بمن معه، فخرج الجواد وحضر الى خدمته. فخرج الصالح اسماعيل من دمشق ونزل على نهر العوجاء (٣)، فبلغه أنّ الناصر داوود مخيم على البلقاء (٤)، فما أمكنه التوجه الى مصر وهذا الداهية خلفه، فسار إليه والتقاه وتقاتلا، فانكسر الناصر داوود وهرب الى الكرك، وأسر الأمير شمس الدين سنقر الحلبي وهو من أكابر امراء دولته، ثم رجع صاحب دمشق الى نهر العوجاء وكتب الى الفرنج يطلب منهم نجدة، وأنّه يعطيهم جميع ما فتحه السلطان صلاح الدين. وكان حصل عند الجواد تقلّب خاطر من صاحب دمشق، فكتب الى الفرنج يحذّرهم منه، وأن الكتاب وقع في يد صاحب دمشق، فأحضر الجواد وأوقفه على الكتاب، فاعترف أنّه كتابه، فقبض عليه وقيّده ونقله الى قلعة دمشق، حبسه بها فمات بها، وقيل خنقه بوتر قوس (٥). وفيها رحل الصالح صاحب دمشق من نهر العوجاء ونزل على تل العجول، أقام به أياما (٦) ولم يجد فرصة في العبور الى (٤٧ أ) الديار المصرية فرجع (٧) الى دمشق.

стр. 125

وفيها كانت وقعة (١) بين الحلبيين والخوارزمية، وكان صاحب حمص (٢) مع الخوارزمية، فقصدوا حلب، ونزلوا على وادي (٣) بزاعة في خمسة (٤) آلاف فارس، فخرج اليهم عسكر حلب في ألف وخمسمائة فارس، فكسروهم كسرة عظيمة وأخذوا أموالهم ونهبوا أثقالهم وساقوا الى حيلان (٥)، وقطعوا الماء عن حلب وضايقوهم، ثم عادوا الى منبج (٦) فنهبوها وقتلوا أهلها، وفضحوا النساء، وعادوا الى حرّان. وكان الملك المنصور صاحب حمص نازلا على شيزر (٧)، فاستدعاه الحلبيون، فجاء الى حلب ونزل بظاهرها ومعه عسكر حمص وحلب. وفيها سلم الملك الحافظ (٨) قلعة جعبر (٩) الى الحلبيين وعوّضوه عزاز (١٠)، وكان قد ضربه الفالج، وكان ولده قد مضى الى الخوارزمية يطلب عسكرا ليحاصره، فخاف، فجاء الى حلب (١١). وفيها ظهر بالروم رجل تركماني يقال له البابا، وادعى النبوة، وكان يقول: «قولوا لا إله إلا الله البابا ولي الله» واجتمع إليه خلق كثير، فجهز اليه صاحب الروم جيشا، فالتقوا، فقتل بينهم أربعة آلاف رجل وقتل البابا (١٢).

стр. 126

وفيها وصل رسول التتار من ملكهم خاقان (١)، الى عند صاحب ميّافارقين، السلطان شهاب الدين غازي ومعه كتاب إليه والى ملوك الإسلام، يأمرهم بالدخول في طاعته، وكان في عنوان الكتاب: «من نائب رب السماء، ماسح وجه الأرض، ملك الشرق والغرب قاقان» (٢)، وقال لشهاب الدين وقد جعلك سلاح داره (٣) وأمرك أن تخرب أسوار بلادك (٤)، فقال له (٤٧ ب) شهاب الدين: أنا من جملة الملوك وبلادي حقيرة بالنسبة الى الروم والشام ومصر، فتوجه إليهم فمهما فعلوه فعلته. وكان هذا الرسول شيخا لطيفا مسلما من أهل أصبهان. وفيها جاء عسكر حلب الى حرّان ومعهم الملك المنصور إبراهيم صاحب حمص، فالتقوا مع الخوارزمية، فانكسروا (٥) الخوارزمية، وأنكى الحلبيون فيهم قتلا وأسرا، وهرب بركة خان الى الخابور (٦)، وأخذ المنصور صاحب حمص حرّان، وعصت عليه القلعة. وفيها اختلف عسكر مصر على الملك الصالح نجم الدين أيوب، فقبض على جماعة كثيرة (٧). وفيها تسلم عسكر الروم. آمد بعد حصار شديد (٨). وفيها في يوم الأربعاء خامس شعبان، حفر أساس قلعة الجزيرة بمصر تجاه الفسطاط،

стр. 127

وفي آخر الساعة الثالثة من يوم الجمعة سادس عشر شعبان بني فيها، وفي عاشر ذو القعدة شرعوا في هدم الدور (١) التي بالجزيرة وتحول الناس منها. ولما كمل بناء القلعة قال في ذلك علي بن سعيد الغماري (٢) الأندلسي: [الطويل] تأمل لحسن الصالحيّة إذ بدت ... وأبراجها مثل النجوم تلالا [وللقلعة العزاء كالبدر طالعا ... تفرج صدر الماء عنه هلالا (٣)] ووافى اليها النيل من بعد غاية ... كما زار مشغوف يروم وصالا وعانقها من فرط شوق لحسنها ... فمدّ يمينا نحوها وشمالا [جرى قادما بالسعد فاختطّ حولها ... من السعد أعلاما فزاد دلالا] (٤) وفيها في شهر ربيع الآخر، رتب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب (٤٨ أ) نوابا عنه، بدار العدل يجلسون به لإزالة المظالم عن الرعية، فجلس لذلك الافتخار ياقوت الجمالي وشاهدان عدلان، وجماعة من الفقهاء، منهم: الشيخ الإمام السيد الشريف، شمس الدين الأرموي نقيب الأشراف وقاضي العسكر ومدرس الناصرية [بمصر] (٥) والقاضي فخر الدين ابن السكري، والفقيه عز الدين عباس (٦)، فصار الناس يهرعون لدار العدل من كل جانب ويتظلمون، وتكشف ظلاماتهم، فاستراح السلطان من وقوف الناس إليه واستمر هذا الأمر (٧). وفيها في يوم الاثنين تاسع المحرم عزل عن حسبة (٨) القاهرة عبد المهيمن ووليها شرف الدين محمد بن الفقيه عباس، خطيب القلعة.

стр. 128

وفيها في رابع عشر المحرم، شرع في بناء القنطرة التي على الخليج المجاورة لبستان الخشاب، وهي المعروفة في وقتنا هذا بقنطرة السد (١). . وفيها رسم السلطان بتجهيز زردخاناه (٢)، وشواني (٣) وحراريق (٤) الى القلزم (٥) لقصد ملك اليمن، وجرد جماعة من الأمراء والجند بسبب ذلك في سادس عشر المحرم (٦). وفيها في يوم السبت تاسع ربيع الآخر وقيل في خامس عشرة ولد للسلطان ولد (٧). وفيها في خامس رمضان قبض السلطان الملك الصالح على الجماعة الأشرفية، الذين كانوا بالقاهرة، لما بلغه عنهم ما عزموا عليه من الفساد، ونودي في القاهرة من أخفى عنده أحدا من الأشرفية نهب ماله. وغلق أبواب القاهرة ثلاثة أيام، خلا باب زويلة (٤٨ ب) حرصا على مسكهم وخوفا من هروبهم، وقيّد (٨) من قبض منهم وحبس (٩). وفيها في خامس رمضان حضرو (١٠) العسكر الذين كانوا قصدوا التوجه الى اليمن، الى القاهرة، خوفا من الأشرفية المقبوضين ومن تابعهم، لأنهم كانوا عزموا على خروجهم من البلد ونهب العسكر الذين بالبركة (١١) على طريقهم، وبطل سفر العسكر لليمن. ثم وجه

стр. 129

السلطان منهم ثلاثمائة مملوك الى مكة لفتحها والإقامة بها (١)، وذلك في آخر شهر رمضان، ووصلوا الى مكة ودخولها في ذي قعدة، وهرب من كان بها من العسكر اليمني. وفيها قبض السلطان الملك الصالح على الأمير عز الدين أيبك الأسمر الأشرفي بالاسكندرية وعلى الخدام الذين وافقوا على قبض أخيه، وهم: جوهر النوبي وشمس الخواص مسرور بدمياط، وعلى شبل الدولة كافور الفائزي بالشّرقيّة، وأحضروا الى القلعة. وقبض أيضا على جماعة من الأتراك ومن الحلقة (٢) ونفى جماعة. وفيها في سابع عشري ربيع الأول، تولى (٣) بدر الدين باخل الاسكندرية، وكان حينئذ واليا بمصر. وفيها وفي ربيع الأول وردت الأخبار بأن الملك الصالح اسماعيل صاحب دمشق، صالح الفرنج وسلم اليهم الشقيف (٤) وكان بيده، ونائبه فيه الحاج موسى، وكان أولا مشارفا على مطبخه. فلما أرسل اليه يأمره بتسليم الحصن امتنع وقال: والله لا أسلمته للفرنج، فأدّى الحال الى أن خرج اليه الصالح من دمشق وحاصره، وتسلم الحصن وقتل الحاج موسى وأخذ أمواله. وفيها (٤٩ أ) وردت الأخبار بأنّ الناصر داوود ابن المعظم عيسى صاحب الكرك قد اصطلح وتحالف هو والصالح اسماعيل صاحب دمشق واتفقا مع الفرنج، وذلك أنّ الصالح إسماعيل خاف على نفسه من الملك الصالح نجم الدين أيوب، فكاتب الفرنج واستنصر بهم واتفق معهم على معاضدته، وأعطاهم قلعة صفد وبلادها، وقلعة الشقيف وبلادها، ومناصفة صيدا وطبرية وأعمالها، وجبل عاملة، وجميع بلاد الساحل (٥)، ومكنهم من دخول دمشق لابتياع السلاح. فشق ذلك على المسلمين، واستفتى المتدينون ممن يبيع السلاح،

стр. 130

الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في مبايعة الفرنج السلاح، فأفتاهم أنه يحرّم عليهم بيعه للفرنج. وتوقف عن الدعاء للملك الصالح اسماعيل على المنابر بعد الخطبة الثانية، وعوض الدعاء له بهذا الدعاء: «اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشيدا (١) يعز فيه أولياءك (٢) ويذل فيه عدوك (٣)، ويعمل فيه بطاعتك، وينهى فيه عن معصيتك»، والناس يصيحون بالتأمين والدعاء للمسلمين. وكان الصالح اسماعيل غائبا عن دمشق، فكوتب بذلك، فورد كتابه بعزل الشيخ عز الدين واعتقاله واعتقال الشيخ أبي عمرو بن الحاجب (٤) أيضا لموافقته الشيخ على الإنكار. ثم وصل الصالح اسماعيل بعد ذلك الى دمشق فأفرج عنهما، واشترط على الشيخ عز الدين أنّه لا يفتى ويلزم بيته ولا يجتمع بأحد، فسأله الشيخ أن يفسح له في صلاة الجمعة والاجتماع بطبيب أو مزيّن دعت الحاجة اليهما وفي دخول الحمام، فأذن له (٤٩ ب) في ذلك، ثم انتزح الشيخان عز الدين وأبو عمرو عن دمشق الى الديار المصرية (٥) على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، وولي مكان الشيخ عز الدين ابن خطيب بيت الآبار (٦). وفيها في ليلة الخامس والعشرين من المحرم، نزل خمس نفر من الحرامية ليلا الى مشهد السيدة نفيسة ﵂، وأخذوا منه ست (٧) عشرة قنديل فضة، وكان نزولهم من الطاقات الزجاج. فظهروا (٨) الحرامية المذكورين (٩) من الفيّوم (١٠)، فأحضروهم الى مصر في رابع صفر وصحبتهم القناديل، فاعترف أحدهم بأنه هو الذي نزل وأخذ القناديل وأبرأ الباقين، فشنق على خشبة في عاشر صفر قبالة المشهد، وأقام مدة متطاولة وعملت جثته في فرد (١١) حتى صار عظاما.

стр. 131

وفيها رحل الصالح اسماعيل ومعه عساكر الفرنج لقصد الديار المصرية، فجرد السلطان الملك الصالح العساكر والتقاهم، فلما وقعت العين على العين ساقوا العساكر الشامية الى عند العساكر المصرية وعادوا يدا واحدة على الفرنج، فكسروهم ونصر الله المسلمين، وأسر من الفرنج خلق لا يحصون، فكان عمارة المدرسة التي أنشأها الملك الصالح نجم الدين بين القصرين وقلعة الروضة على رقاب أسراء الفرنج. [الوفيات] وفيها مات القاضي نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد خلف بن راجح المقدسي الشافعي المعروف بابن الحنبلي (١) بدمشق في يوم الجمعة سادس شوال، ودفن بقاسيون. وكان شيخا فاضلا (٥٠ أ) دينا، بارعا في علم الخلاف والفقه، حافظا للجمع بين الصحيحين [للحميدي] (٢) وكانت له رحلة لطلب العلم الى خراسان والعراق، وكان متواضعا حسن الأخلاق. وتولى قضاء دمشق نيابة عن يونس ابن بدران (٣) المصري، الملقب جمال الدين وعن القاضي شمس الدين الخويّي (٤) وعماد الدين ابن الحرستاني (٥) وشمس الدين ابن سني الدولة (٦) والرفيع (٧) الى أن مات، ودرس بالعذراوية (٨) والصارمية (٩) والحسامية (١٠)

стр. 132

والصالحية (١) رحمه الله تعالى. وفيها مات الشيخ العالم العارف المحقق، محيي الدين أبو عبد الله محمد بن علي العربي الحاتمي الطائي المعروف بابن العربي (٢) الأندلسي. مولده ليلة الاثنين تاسع عشر رمضان سنة ستين وخمسمائة بمرسية من بلاد الأندلس، ونشأ بها وانتقل الى أشبيلية في سن ثمان وسبعين (٣) ثم دخل بلاد الشرق وطاف بلاد الشام ودخل بلاد الروم. وكان قد صحب الصوفية وأرباب القلوب وسلك طريق الفقر وحج وجاور، وصنف الكتب الكثيرة في علم القوم وأخبار مشايخ المغرب وزهّادها، قالوا ولما صنف كتاب الفتوحات المكية كان يكتب في كل يوم كرّاسين وثلاثة من غير كتب عنده ولا مسودات. وكان له القبول من الناس حيث كان من البلاد، وحصل له بدمشق الفتوحات والدنيا المتسعة، ومع ذلك فما كان يدخر منها شيئا، وذكر أنّ صاحب حمص رتب له في كل يوم مائة درهم، فكان يتصدق بها، (٥٠ ب) ورتب له محيي الدين ابن الزكي ثلاثين درهما في كل يوم فكان ينفقها عليه. وأشغل الناس بمصنفاته خصوصا أهل اليمن، ولها عندهم الصيت العظيم والشهرة الكبيرة ولعل أكثر اشتغالهم بها فيما ذكروا، وكذلك أهل الروم، وينذرون له النذور، وكان من عجائب الزمان وغرائبه. وله نظم كثير فمن ذلك قوله: [مجزوء الرجز] حقيقتي همت بها ... وما رآها بصري ولو رآها لغدا ... قتيل ذاك الحور فعندما أبصرتها ... صرت بحكم النظر فبتّ مسحورا بها ... أهيم حتى السحر يا حذري من حذري ... لو كان يغني حذري (٤) والله ما هيّمني ... جمال ذاك الخفر يا حسنها من ظبيبة ... ترمي بذات الجمر

стр. 133

إذا رنت أو عطفت ... تسبي عقول البشر كأنما أنفاسها ... أعراف مسك عطر كأنها (١) شمس الضحى ... في النور أو كالقمر إن سفرت (٢) أبرزها ... نور صباح مسفر أو (٣) سدلت غيّبها ... سواد ذاك الشعر (٥١ أ) يا قمري تحت دجى (٤) ... خذي فؤادي أو ذري عيني لكي أبصركم ... ان كان حظي نظري وقال أيضا: [الطويل] علقت بمن أهواه عشرين حجة ... ولم أدر من أهوى ولم أبصر الصبرا وما نظرت عيني الى حسن وجهها ... ولا سمعت أذناي قطّ لها ذكرا الى أن ترآاء البرق من جانب الحمى ... فنعّمني يوما وعذّبني شهرا وقال أيضا: [البحر الطويل] علقت من أهواه من حيث لا أدري ... ولم أدر من هذا الذي ظلّ لا يدري فبينا أنا من بعد عشرين حجة ... أترجم عن حبّ تعاسة (٥) سرّي ولم أدر من أهوى ولم أعرف اسمه ... ولا أدر من هذا الذي ضمّه صدري الى أن بدا لي وجهها وجمالها ... كمثل سحاب الليل أسفر عن بدر فقلت لهم من هذه قيل هذه ... بثينة عين القلب بنت أخي الصّدر فكبّرت إجلالا لها ولأصلها ... فليلي بها أربي على ليلة القدر ومن لطائف ما حكى عنه الشيخ كمال الدين ابن العديم ﵀، قال: أخبرني أبو عبد الله بن العربي، وذكر نسبه، قال: كنت أطوف بالليل فطاف قلبي وهو في حال كنت أعرفه فخرجت من البلاط لأجل الناس، وطفت على الرمل وذلك في الليل، فحضرتني أبيات فأنشدتها أسمع بها نفسي ومن يليني لو كان هناك أحد (٥١ ب): [مجزوء الرمل]

стр. 134

ليت شعري هل دروا ... أيّ قلب ملكوا وفؤادي لو درى ... أيّ شعب سلكوا أتراهم سلموا ... أم تراهم هلكوا حار أرباب الهوى ... في الهوى وارتبكوا فلم أشعر إلا وضربة بين كتفي بكف ألين من الحرير، فالتفت، فإذا أنا بجارية من بنات الروم لم أر وجها أحسن منها ولا أعذب منطقا ولا أرق حاشية، ولا ألطف معنى، ولا أرق إشارة، ولا ألطف محاورة منها، قد فاقت أهل زمانها ظرفا وأدبا وجمالا ومعرفة، فقالت: يا سيدي كيف قلت؟ فقلت: ليت شعري هل دروا ... أي قلب ملكوا فقالت: عجبا منك وأنت عارف زمانك تقول مثل هذا، أليس كل مملوك معروف (١). وهل يصبح الملك إلا بعد المعرفة، وتمني السعود يؤذن بصدمها، والطريق لسان صدق، فكيف تتجاوز مثلك، قل يا سيدي ماذا بعده، فقلت: وفؤادي لو درى ... أي شعب سلكوا فقالت: يا سيدي، الشعب الذي بين الشغاف والفؤاد وهو المانع له من المعرفة، فكيف يتمنى مثلك ما لم يتمكن أو يمكن الوصول إليه، والطريق لسان صدق. قل ما بعده يا سيدي فقلت: أتراهم سلموا ... أم تراهم هلكوا (٥٢ أ) قالت: أما هم فسلموا ولكن عنك ينبغي أن تسل نفسك، هل سلمت أو هلكت؟ فما قلت بعده، فقلت: حار أرباب الهوى ... في الهوى وارتبكوا

стр. 135

فصاحت، وقالت: واعجبا، كيف يبقى للمعشوق (١) فضلة يحار بها واللهو شأنه التنغيم يخدّر الحواس ويذهب العقول ويدهش الخواطر ويذهب بصاحبه في الذاهبين، فأين الحيرة هنا والطريق لسان صدق، والتجوز من مثلك غير لائق، قلت: يا ابنة الخالة ما اسمك؟ قالت قرة العين، فقلت: [سلمت] (٢) لي ثم سلمت وانصرفت، قال: ثم أني عرفتها بعد ذلك وعاشرتها، فرأيت لها من لطائف المعارف ما لا يصفه واصف. وكان الشيخ محيي الدين من محاسن الزمان، ومن تصانيفه: «الفتوحات المكية»، عشرون مجلدة، و «التدبيرات الإلهية» و «فصوص الحكم» و «الإسراء الى المقام الأسرى»، و «خلع النعلين» والاجوبة المسكتة [عن سؤالات الحكيم الترمذي] (٣). و «منزل المنازل [الفهوانية]» (٤) و «تاج الرسائل ومناهج (٥) الوسائل» و «كتاب العظمة»، و «كتاب السبعة» (٦) و «كتاب التجليات» و «مفاتيح الغيب» و «العبادات» و «الخلوة» و «كتاب الشأن» و «كتاب مقام القربة» و «كتاب الحق» و «كتاب الأزل»، و «كتاب الجلالة» و «كتاب النقباء» و «كتاب حضرة الحضرات»، و «كتاب علوم الوهب»، وكتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام»، وكتاب القرآن في عالم الانسان: وكتاب عنقاء مغرب [في ختم الأولياء وشمس المغرب] (٧) و «كتاب الهو». وغير ذلك، وقد عظمه الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني (٨) في مصنفه الذي عمله في الكلام (٩). ومن شعره أيضا: إذا حلّ ذكركم خاطري ... فرشت خدودي مكان التراب واقعدني الذل في بابكم ... قعود الأساري لضرب الرقاب

стр. 136

(٥٢ ب) وكانت وفاته بدمشق في الثامن والعشرين من ربيع الآخر سنة ثمان وثلاثين وستمائة، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى. وفيها مات الملك المظفر تقي الدين عمر، ابن الملك الامجد صاحب بعلبك، بأرض نوى، وحمل الى دمشق ودفن بترتبته (١). وفيها مات أبو العز يوسف (٢) ابن أبي الفضل ابن أبي السعود الإربلي، المعروف بشيطان الشام، بالموصل في سادس [عشر] (٣) رمضان، ومولده بإربل سنة ست وثمانين وخمسمائة، ومن شعره ما رثى به أبو (٤) البركات الإربلي (٥): [الوافر] أبا (٦) البركات لو درت المنايا ... بأنك فرد عصرك لم تصبكا كفى الإسلام رزأ فقد شخص ... عليه بأعين الثقلين يبكى وفيها في ليلة الثاني من جمادي الأول، مات بمصر القاضي الفقيه الأديب، الفاضل برهان الدين أبو اسحاق إبراهيم (٧)، ابن القاضي زكي الدين أبي الفتح نصر بن ظافر بن هلال الشافعي الحموي الأصل، المصري الدار والمولد. مولده سنة إحدى أو اثنين وسبعين وخمسمائة. أجاز له الحافظ ابن الجوزي البغدادي وغيره من الشاميين، وله الترسل الحسن، والشعر الجيد. ولي ديوان الأحباس مرة وغيره من الولايات، وكان متصلا هو ووالده بالملك الكامل، وأخذ الكامل جارية من جواري والده واستولدها الملك العادل، فلأجل ذلك مسكه الملك الصالح واعتقله وسلمه لشمايل، وكان (٥٣ أ) لقب شمايل هذا علم الدين، وكان بينهما عداوة فسقاه الملح وغيره الى أن مات، فعظم قتله على الصالح. وله شعر فمنه في الهدية: [الكامل]

стр. 137

أهدي لمجلسه المكرّم دائما ... أهدي له ما حزت من نعمائه كالبحر تمطره السحاب وما له ... فضل عليه لأنه من مائه وله: [المجتث] لا تحسبن أنّ غيظي ... يذكيه شين وحقد فالله أخبر عني ... بأنّ ناري برد ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وستمائة شرع الملك الصالح نجم الدين أيوب في عمارة المدارس (١) التي بين القصرين بالقاهرة، والمكان الذي عمّرها فيه من جملة القصر. وفيها بلغ القمح الأردبّ (٢) بدينارين ونصف. وفيها في يوم الأحد تاسع عشري (٣) ربيع الأول، قريب العصر، كسفت (٤) الشمس في جميع جرمها، وأظلم الجو، وظهرت الكواكب، وأوقد السرج [في النهار] (٥). وفيها في ثالث عشري ذو القعدة تولى القضاء بالقاهرة والوجه البحري، القاضي بدر الدين السنجاري (٦)، وذلك بعد وفاة القاضي شرف الدين ابن عين الدولة. وفيها قدم الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي الى الديار المصرية وحصل له من

стр. 138

الصالح أيوب القبول العظيم، لأن الصالح اسماعيل قد نفاه من دمشق. (٥٣ ب) فلما قدم على الصالح نجم الدين أيوب ولاّه الخطابة (١) بمصر والقضاء بها بالوجه القبلي. وكانت ولايته يوم عرفة ثم عزل نفسه مرتين وانقطع في بيته حتى مات (٢). وفيها أصرف قاضي القضاة شرف الدين ابن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلي، وذلك في يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر، كتب الملك الصالح اليه كتابا من جملته: «إن القاهرة المحروسة لما كانت دار الملك وأمراء الدولة وأجنادها مقيمون بها، وحاكمها مختص بحضور دار العدل، تقدمنا أن يتوفر القاضي على القاهرة وعملها لا غير» (٣). وفوّض السلطان قضاء القضاة بمصر والوجه القبلي للقاضي بدر الدين أبي المحاسن يوسف السنجاري، قاضي سنجار (٤)، ثم مرض القاضي شرف الدين المذكور في أثر ذلك ومات في هذه السنة، وهو شرف الدين أبو المكارم محمد (٥) بن عين الدولة أبي الحسن عبد الله بن القاضي الرشيد أبو المجد الحسن بن علي بن صدقة بن حفص، الصفراوي الأصل الشافعي المذهب الإسكندراني المولد، المصري الدار. كانت وفاته يوم الخميس تاسع ذي القعدة، ودفن من يومه بسفح المقطّم، ومولده يوم السبت مستهل جمادي الآخرة سنة إحدى وخمسين وخمسمائة. كان فاضلا، عالما، ذا أدب وكيس ونوادر، وذو (٦) يد مطبوعة، وكان مع ذلك ما يحكم إلا بما يقتضيه الشرع الشريف، ولا يراعي أحدا في الحق، حتى كان السلطان الملك الكامل وأكابر الأمراء يشفعوا (٧) عنده ويسألوه (٨) في أمور لا تسوغ (٥٤ أ) فما يوافقهم وينهرهم ومتى غصبوه بأمر يخرج عن الشرع الشريف يعزل نفسه حتى يسألوه على الولاية ويطلبوا رضاه بكل وجه. وله نظم يدل على قوة فهمه وغزارة فضله فمن ذلك وقد سأله

стр. 139

السلطان الملك الكامل عن شيء فجاوبه بغيره لقلة سمعه، فقال له الصلاح الإربلي: السلطان يقول لك كيت وكيت، وفهّمه الكلام، فأنشد هذه الأبيات: [البسيط] يا سائلي عن قوى جسمي وما فعلت ... فيه السنون خذ التحقيق (١) تبيينا ثاء (٢) الثلاثون أدركت (٣) الفتور (٤) بها ... فكيف حالي في ثاء الثمانينا يا رب (٥) لطفا (٦) بشيخ مدنف (٧) هرم ... أسير ضعف أعنه رب آمينا وركب يوما لتلقي السلطان الملك الكامل، فلما سلم عليه قال له السلطان: يا قاضي سلم على السلطان الملك الناصر، فسلم عليه وقال: [البسيط] وكثره النور يغشى ناظر المقل فأعجب به لسرعة اعتذاره ولطف جوابه. وأرسل اليه بعض الأمراء رسالة في حق شخص يسمى موسى بأن يسمع كلامه ويستشهده فقال: سلّم على الأمير وقل له هذا زمان محمد لا موسى ولا عيسى، وكان الملك الكامل اسمه محمد. قال ﵀ دخلت مصر في سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، وناب في الحكم عن قاضي القضاة ابن أبي عصرون وعن قاضي القضاة زين الدين علي بن يوسف الدمشقي وعن قاضي القضاة عماد الدين عبد الرحمن بن عبد العلي (٨) الشافعي (٥٤ ب) ثم استقل بالحكم بالقاهرة والوجه البحري في سنة ثلاث عشر وستمائة وفي سنة سبع عشرة تولى القضاء بجميع الديار المصرية وأضيف اليه أيضا بلاد من البلاد الشامية، وكان عارفا بالأحكام، مطّلعا على غوامضها، وكتب الخط الجيد، وله النظم والنشر ويحفظ من شعر المتقدمين والمتأخرين جملة.

стр. 140

[الوفيات] وفيها مات أبو عبد الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن معالي ابن منصور بن علي الضرير النحوي، عرف بابن الخبّاز (١) الموصلي، علاّمة أهل زمانه في النحو واللغة والعروض والحساب، وله المصنفات المفيدة العديدة، وله الأشعار الرائقة الفائقة فمنها قوله: [الكامل]: سقت الغصون الراح من حركاتها ... وتعلّم الملكان من لحظاتها ونضت عن الوجه النقاب فأشرقت ... شمس الضحى والبدر من قسماتها سمراء يحمي بالملاحة طرفها ... كسنانها وقوامها كقناتها سمراء لو أنصفتها في وصفها ... لحكمت أن الحسن بعض صفاتها وعدت فهام المستهام لخلفها ... وحياته انجازه وحياتها وكفاه ضرّا أنّه في بعدها ... لم يخل من رقبائها ووشاتها فأسرّ شكوى حاله متخوفا ... منهم وأخفت نفسه خطراتها يا من غرست لها المودة في الحشى ... وسقيتها من أدمعي لبناتها ثمر المودة أينعت من سقيها ... فإلى متى لا أجتني ثمراتها (٥٥ أ) لا تحسبي طول النوى ينسي الهوى ... حتى تردّ النفس عن صبواتها حكم السّقام وقد هجرت فجار في ... أحكامه ورضاك في إثباتها وله غير ذلك من الأشعار الفائقة، وكانت وفاته في الموصل عاشر رجب من هذه السنة. وفيها مات الشيخ الإمام، العالم كمال الدين أبو الفتح موسى (٢) بن أبي الفضل يونس بن محمد بن منعة بن مالك، فقيه الموصل ومفتيها. له المصنفات العديدة المفيدة منها: «شرح التنبيه» للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وله مصنف في الفرائض وغيره، وله أشعار

стр. 141

لطيفة. وكانت وفاته بمدينة الموصل في النصف من شعبان. وفيها مات أمير المؤمنين المستنصر بالله، أبو جعفر (١) عبد الله بن محمد، في الثاني والعشرين من شهر جمادي الآخرة من هذه السنة (٢)، وقيل من سنة ثمان والله أعلم. وكان مدة خلافته خمس (٣) عشرة سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام على فراسة ببغداد. وكان ملكا حازما، جيد السياسة، كثير العدل والإحسان، وكانت الرعيّة تحبه لعدله. وفي أيام خلافته قصدوا (٤) عساكر التتار بغداد، فاستخدم العساكر وكسرهم وأفنى منهم خلقا، ومات وعمره إحدى وخمسون سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام. عمّر المدرسة المستنصرية ووقفها على المذاهب الأربعة، وليس في الدنيا مثل هذه المدرسة ولا بني مثلها في سالف الأعوام وهي في العراق كجامع دمشق. (٥٥ ب) خلافة المستعصم بالله عبد الله بن الخليفة المستنصر بالله وكنيته أبو أحمد (٥) وهو السابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع بالخلافة في التاريخ المذكور. وفيها مات صاحب المغرب الرشيد بالله عبد الواحد (٦) ابن السلطان المأمون أبي العلاء ادريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب وأمير المؤمنين به. ولي الأمر سنة ثلاثين وستمائة بعد أبيه، وكان أبوه قد قطع خطبة المهدي ابن تومرت (٧) فأعاد الرشيد ذكرها

стр. 142

واستمال بها قلوب جماعة، وبقي كذلك إلى أن مات غريقا في بحيرة ببستانه بمراكش، وكان قد عمل في البحيرة مركبا تقذف به جواريه فانقلب بهن فغرقوا وذلك في سنة أربعين وستمائة (١)، وكتموا موته شهرا، وولي بعده أخوه السعيد علي بن ادريس، وقد تقدم ذكر والده وسيأتي ذكر أخيه علي السعيد. ثم دخلت سنة أربعين وستمائة فيها استولى صاحب الروم (٢) على آمد وبلادها. وفيها غارت الخوارزمية على أعمال الرّها وحرّان وأخربوا وقتلوا خلق كثير ونهبوا مال عظيم (٣). وفيها قام بتدبير المملكة الحلبية شمس الدين لؤلؤ أتابك الملك الناصر صاحب حلب بحكم وفاة صاحبة حلب ابنة الملك العادل الآتي ذكر وفاتها. وفيها وصل لشهاب الدين غازي منشور بخلاط وأعمالها مع شمس الدين [الأصبهاني] (٤) نائب الروم (٥)، فتسلم غازي خلاط وما معها. [الوفيات] وفيها (٥٦ أ) ماتت الست ضيفة (٦) خاتون بنت السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، زوجة الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب. كانت امرأة حازمة كثيرة التدبير، دبرت الملك بعد زوجها الملك الظاهر في مدة حياة ولدها العزيز، ثم دبرت الملك بعد وفاة ولدها في مدة حياة ولد ولدها الملك الناصر ابن العزيز، ولما قربت وفاتها أوصت الى الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكة، فدبر الملك أحسن تدبير وعدل في الرعية، وكان

стр. 143

يجلس الملك الناصر على طراحة الملك ويجلس لؤلؤ بين يديه ويقضي حوائج الناس. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وستمائة فيها قصد السلطان الملك المظفر [شهاب الدين غازي] (١) صاحب ميافارقين المجيء إلى حلب وأخذها، ووافقه صاحب ماردين على ذلك، وكتب الى ملوك الخوارزمية الذين تقدم ذكرهم، وأطمعهم بالأموال وأخذ البلاد، فاجتمعوا إليه في عشرين ألف فارس، وجمع من التركمان ثلاثين ألف فارس وسار بهم، فخرج اليهم عسكر حلب ومقدمهم الملك المنصور صاحب حمص والتقوا [في الخابور] (٢) وتقاتلوا قتل شديد (٣)، فانهزم الملك المظفر صاحب ميافارقين والخوارزمية والتركمان، واستولوا الحلبيين (٤) على أموالهم. وفيها جاءت الزيادة الكبرى (٥) بدمشق التي ما عهد مثلها، فوصلت الى حائط جامع العقيبة (٦). وفيها (٥٦ ب) أخذوا (٧) التتار سيواس (٨) وقيساريّة (٩) بالسيف وأخذوا الروم وقرروا على صاحبها في كل سنة أربعمائة (١٠) ألف دينار. وفيها ترددت الرسل بين السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب وعمه الصالح

стр. 144

اسماعيل في الصلح، وقدم الشرف ابن التيتي (١) والأصيل الاسعردي الخطيب، واطلق المغيث ابن الصالح وركب وخطب للصالح نجم الدين أيوب بدمشق، ولم يبق إلا أن يتوجه المغيث الى مصر، ورضي الصالح أيوب ببقاء دمشق على الصالح اسماعيل بعد أن سلّم اليه ولده المغيث عمر، فأفسد السامري وزير الصالح اسماعيل الحال (٢) وقال للصالح اسماعيل هذا خاتم سليمان ولا تخرجه من يدك، فتقدم الملك، فتوقف الأمر ولم ينتظم الصلح، ومنع المغيث من الركوب وحبس في برج بالقلعة وفسدت الأحوال، فكتب الصالح أيوب الى الخوارزمية فعبروا الفرات وانقسموا قسمين، قسم جاء الى بقاع بعلبك وقسم على غوطة دمشق، ونهبوا وسبوا وقتلوا، وسد الصالح اسماعيل أبواب دمشق وجاء (٣) الخوارزمية فنزلوا غزة. قال أبو المظفر (٤) كنت في سنة إحدى وأربعين بمصر عند الصالح أيوب فاستأذنته في السفر الى الاسكندرية، فأذن لي، فقدمت الاسكندرية فوجدتها كما قال الله ذات قرار ومعين، معمورة بالعلماء، معمورة بالأولياء [الذين هم في الدنيا شامة] (٥) مثل الشيخ محمد القباري، والشاطبي، وابن أبي شامة، ووجدتها [أولى] (٦) بقول ابن القيسراني (٧) ﵀ في [وصف] (٨) دمشق، حيث يقول: [البسيط] (٥٧ أ) أرض تحلّ الأماني من أماكنها ... بحيث تجتمع الدنيا وتفترق إذا شدا الطير في أغصانها وقفت ... على حدائقها الأسماع والحدق

стр. 145

وفيها في يوم الجمعة بعد الصلاة، صبيحة عيد الأضحى قبض على أعوان القاضي الرفيع الجيلي الظلمة، وكان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبار الواسطي (١)، ثم بعد أيام قبض عليه، وصارت (٢) أعوانه في العذاب والعصير والمصادرات الى سنة اثنتين وأربعين، الى أن خنق الرفيع وسيأتي ذكر ذلك في مكانه. وفيها في ثاني شوال يوم الأحد زلزلت الأرض ثلاث مرات ببغداد (٣)، فنظموا الشعر في ذلك كثير، فمن شعر الأمير ركن الدين ابن قراطاي قوله: [الطويل] أيا حامي الإسلام والمالك الذي ... محبته فينا من الواجب الفرض هنيئا لك الجيش الذي رمت عرضه ... فزلزلت الدنيا به ليلة العرض وكنت ترى في كورة الأرض رعبه ... وقد زلزلت من خوفه كرة الأرض وفيها في يوم عيد النحر ولي السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب القاضي أفضل الدين الخونجي (٤) الحكم بمصر والوجه القبلي، وذلك بعد عزل القاضي صدر الدين موهوب الجزري (٥). ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وستمائة وفيها كانت الوقعة العظيمة بين الخوارزمية والفرنج، وذلك لما نزل الخوارزمية غزة، (٥٧ ب) بعث اليهم الصالح أيوب الأموال والخلع والخيل والقماش والعساكر، وأمرهم بالنزول على دمشق. فاتفق الصالح اسماعيل والناصر داوود والمنصور صاحب حمص مع
следующие страницы →