اثنتين وثلاثين ودفن بسفح المقطّم، والفارض هو الذي يكتب فروض النساء على الرجال والله أعلم. (١٧ ب) وفيها مات بهاء الدين أبو المحاسن يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة بن محمد بن عتّاب الأسدي قاضي حلب، المعروف بابن شدّاد (١) الفقيه الشافعي. مولده بالموصل ليلة العاشر من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، ومات والده وهو صغير ونشأ عند أخواله بني شداد فنسب اليهم، وشداد جده لأمه، وحفظ القرآن العظيم بالموصل واتقن القراءات السبع على جماعة من المشايخ وسمع الحديث الكثير واتقن الخلاف وباحث فيه، وانحدر الى بغداد ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها معيدا بعد وصوله اليها بقليل، وأقام بها أربع سنين، ثم أصعد الى الموصل في سنة تسع وستين فرتب مدرسا في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد الشهرزوري (٢) ولازم الاشتغال وانتفع به جماعة، وحج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار بيت المقدس والخليل ﵇ بعد الحج والزيارة، ودخل دمشق فسمع السلطان صلاح الدين بوصوله فاستدعاه إليه، فلمّا دخل عليه قابله بالاكرام التام وسأله عن الطريق ومن كان فيه من المشايخ، وسأله أن يسمع عليه جزء (٣) من الحديث وقرأه عليه بنفسه. وجمع كتابا يشتمل على فضائل الجهاد يحتوي ثلاثين كراسا وقدمه للسلطان، فاتصل بخدمته في مستهل جمادى الأول سنة أربع وثمانين، ثم ولاه قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف، ولما مات السلطان صلاح الدين كان حاضرا عنده. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الظاهر (١٨ أ) ابن صلاح الدين في سنة إحدى وتسعين (٤)، وقدم إليه الى حلب وولاه قضاءها وأوقافها (٥). وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، فاعتنى القاضي بهاء الدين بتدبير أمورها وترتيبها وجمع الفقهاء بها، وعمرت في أيامه مدارس كثيرة وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعا جيدا يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن عليه خرج
стр. 72
كثير، ولم يرزق ولد ولا كان له أقارب فتوفر له شيء كثير، فعمّر مدرسة بالقرب من باب العراق في مقابل مدرسة نور الدين ابن زنكي. وذلك في سنة إحدى وستمائة ثم عمّر بجوارها دارا للحديث النبوي وجعل بينهما تربة برسم دفنه ولها بابان الى المدرسة والى دار الحديث، وجعلهما متقابلتان (١) بشرط أن الذي يقف في إحدى (٢) المكانين يرى من يكون في المكان الآخر.
وكان القاضي هو المشار اليه في تدبير الدولة بحلب، ولم يزل على هذه الحالة إلى أن كبر وطعن في السن وعجز عن الحركة، واستولت عليه البرودات والضعف حتى صار كفرخ الطائر، وكان كلما نظر الى نفسه على تلك الحالة ينشد: [السريع]
من يتمنّ العمر فليدّرع ... صبرا على فقد أحبائه
ومن يعمّر ير (٣) في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه
وهذا المذكور هو الذي جمع سيرة (٤) السلطان صلاح الدين، وتوفي في هذه السنة، ودفن بتربته التي أنشأها.
وفيها توجه الأمير أسد الدين جفريل، أحد مماليك السلطان الكامل الى مكة وصحبته سبعمائة فارس، فتسلمهما وهرب منها راجح بن قتادة (٥) ومن كان معه من عسكر [الى] (٦) اليمن في شهر رمضان. (١٨ ب) وفيها أقطع السلطان الملك الكامل لابن صلاح الدين الإربلي صنافير (٧) بالقيلوبية خاصا له، وجعل أقارب والده ومماليكه معه، وعدتهم سبع عشرة (٨).
[الوفيات]
وفيها مات أبو حفص عمر بن محمد بن عمر بن عمر بن محمد ابن أبي نصر
стр. 73
الفرغاني (١)، الفقيه الحنفي، كان شيخا دينا، عارفا بمذهب أبي حنيفة ﵁، قدم بغداد وسكنها، وكان متعبدا صالحا، وتنقل من حال الى حال إلى أن فتحت المدرسة المستنصرية فرتّب بها مدرسا للطائفة الحنفية، ولم يزل كذلك إلى أن مات بها يوم الأحد عاشر جمادى الآخرة ودفن بظاهر مشهد الإمام أبي حنيفة. وكان له معرفة بعلوم شتى، وله نثر ونظم فمن ذلك، وقد دخل عليه بعض أصحابه في وقت المساء فصبّحه فأنشد: [الطويل].
أتاني مساء نور عيني ونزهتي ... ففرّج عني كربتي وأزاحا
فصبّحته عند المساء لأنه ... بطلعته ردّ المساء صباحا
وفيها مات (٢) الطواشي شمس الدين صواب، مقدم عسكر الملك العادل الذي كان أسره ملك الروم، وكان خادما عاقلا شجاعا جوادا، وكان العادل والكامل يعتمدان عليه، وكان له الحكم على الشرق، وخلّف مائة خادم مشتراه أكثرهم تعينوا بعد وفاته وأمّروا، من جملتهم بدر الدين الصوابي وشبل الدولة خازندار (٣) دمشق وغيرهم، تسلموا القلاع وحكموا، وكان له بر وصدقة وشجاعة، وكان إذا حمل في الحرب يقول: أين أصحاب الحصا. وكانت وفاته في العشر (١٩ أ) الأخير من رمضان بحرّان، وكان مقيما بها وهي مضافة إليه مع ديار بكر (٤) وما معها من البلاد.
وفيها مات أبو زكريا يحيى بن المظفّر بن شهاب ابن موسى بن طلحة الهاشمي الواسطي، المعروف بابن الصابوني (٥) الواعظ. كان فقيها أديبا شاعرا، وعظ الناس وسافر في طلب الحديث إلى الحجاز والعراق ومصر، وعاد الى بلده، ومن شعره: [الكامل]
стр. 74
يا من على ضعفي يجور تعمدا ... ويرى الضلال بقتلي محضى الهدى
ومن الملاحة كلّها في أسره ... قد حازه دون الورى متفرّدا
بضياء وجهك إنّه لو يهتدي ... بضيائه في التيه موسى لاهتدى
وبطرفك الغنج الذي لولاه ما ... أمسيت مسلوب الرقاد مسهّدا
لا تصغينّ (١) الى الوشاة فما لهم ... شغل سوى تفريقنا وهم العدى
وفيها مات الصاحب تاج الدين أبو اسحاق يوسف ابن الصاحب الوزير ابن شكر، صفي الدين أبي محمد عبد الله، ابن القاضي المخلص أبي الحسن علي الشيبي المالكي بمدينة حرّان ودفن هناك، ومولده بمصر في شوّال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. تفقه على مذهب الإمام مالك ﵁، وقرأ الأدب وأخذ بدمشق عن العلامة أبي اليمن الكندي، وسمع الحديث بالقاهرة ودرس بمدرسة والده بالقاهرة وناب عن والده في الوزارة بالديار المصرية والشام، وتولى الوزارة بعد وفاة والده مدة شهرين وأصرف عنها، واستخدم في التوقيع ثم تولى نظر الدواوين بالديار المصرية، ثم عزل واعتقل، ثم أفرج عنه في سنة خمس وعشرين وستمائة (١٩ ب) ثم ولي الجزيرة وديار بكر وحرّان في الدولة الكاملية، ولم يزل حتى مات في حادي عشر رجب الفرد (٢) سنة تاريخه.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة
وفيها نزل السلطان الملك الكامل على الرها وملكها، ثم نزل على حرّان وملكها بعد حصار شديد، وأخرب (٣) قلعة الرّها ومسك جميع من كان بها من عساكر الروم وقيدهم (٤) وسيرهم الى الديار المصرية، ونزل على دنيسر (٥) وأخربها إلا الجامع، وبينما هم على دنيسر إذ
стр. 75
جاءهم كتاب بدر الدين لؤلؤ (١) يقول: قد قطع التتار دجلة في مائة طلب، كل طلب خمسمائة فارس ووصلوا الى سنجار (٢)، فخرج اليهم معين الدين ابن كمال الدين ابن مهاجر فقتلوه على باب سنجار، ثم رجعوا فقطع الكامل والأشرف الفرات ورجعوا طالبين دمشق.
وفيها توجهوا (٣) العساكر وحاصروا آمد، وخرجت السنة وهم على حصار آمد.
وفيها في ربيع الأول وصل الخبر الى الخليفة ببغداد من إربل، بأنّ التتار - خذلهم الله تعالى - اجتازوا لقصد الموصل، فواقعهم عسكر إربل وجرى بينهم قتال شديد ثم افترقوا وتوجهوا نحو الموصل، ونهبوا وقتلوا وأكثروا الفساد، ففرق الخليفة (٤) حينئذ الأموال والسلاح، فلمّا علم التتار بذلك رجعوا الى بلادهم.
وفيها حصل بمصر والقاهرة وباء (٥) عظيم، مات فيه خلق كثير واستمر ثلاثة شهور.
[الوفيات]
وفيها مات خطيب جامع مصر الشيخ الفقيه أبو طاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الحياري، من ولد جابر ابن عبد الله الانصاري ﵁ واشتهرت نسبته بالمحلي وكان من أصحاب الشيخين الجليلين الكبيرين، الشاطبي والقرشي.
وفيها مات أبو الخطاب (٦) عمر بن الحسن بن علي ابن محمد الجميّل ابن فرح ابن خلف بن قومس ابن مزلال ابن ملاّل ابن بدر ابن أحمد بن دحية، ابن خليفة بن فروة الكلبي، المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي الحافظ. كان أبو الخطاب المذكور من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء متقنا لعلم الحديث النبوي وما يتعلق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب
стр. 76
وأشعارهم، اشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الاندلس الاسلامية، ولقي بها علماؤها (١) ومشايخهم، ثم رحل (٢) منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش واجتمع بفضلائها ثم ارتحل إلى إفريقية ومنها إلى الديار المصرية، ثم إلى الشام والشرق والعراق ودخل إلى عراق العجم وخراسان وما والاها ومازندران (٣)، كل ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحالة يؤخذ عنه ويستفاد منه. وقدم مدينة إربل سنة أربع وستمائة وهو متوجه الى خراسان، فرأى صاحبها الملك المعظم مظفّر (٤) الدين ابن زين الدين مولعا بعمل مولد النبي ﷺ ، عظيم الاحتفال به، فعمل كتابا سماه «التنوير في مولد (٢٠ ب) السراج المنير» وقرأه عليه بنفسه فأعطاه ألف دينار، وله عدّة تصانيف. وكانت ولادته في مستهل «ذو القعدة» سنة ست وأربعين وخمسمائة، ومات في رابع عشر ربيع الأول من هذه السنة بالقاهرة، ودفن بسفح المقطّم، وكان الكامل ولاّه دار الحديث الكاملية بالقاهرة، ثم عزله عنها وولى أخوه (٥)، أبا عمرو والآتي ذكره مكانه.
وفيها في سلخ ربيع الآخر، مات الأمير، أبو التقي صالح بن الأمير المكرم أبي الطاهر اسماعيل بن أحمد بن الحسن اللمطي، بمنية خصيب من صعيد مصر، وصلي عليه على ساحل البحر ووضع من فوره في مركب واحدر الى مصر فوصل بعد صلاة العصر من مستهل جمادى الأول، فدفن بتربته بسفح المقطّم، يقال إنه قارب الستين. سمع ببغداد من جماعة كبيرة وبنيسابور، مرو، وهراه وهمذان ودنيسر وجال في البلاد ودخل ماوراء النهر ولم يحصل من مسموعاته إلا اليسير، رحمه الله تعالى.
وفيها مات القاضي، صدر الدين عبد الرحمن ابن أبي الحسن القرميسني (٦) السكندري من بيت رئاسة وحشمة ولأبي الحسين الجزار فيه أمداح جيدة وتولى نظر جهات من الديار
стр. 77
المصرية، منها: نظر الاسكندرية، وكان وجيها عند الكامل وله شعر فمنه قوله: [الوافر]
فلان والجماعة عارفوه ... وظاهره التنسك والزهاده
(٢١ أ) يموت على الشهادة وهو حي ... إلهي لا تمته على الشهاده
ومنه: [الخفيف]
قل لعمري أخطأت يا ابن عباده ... في ترقيك جاهلا بالشهاده
لو تصديت للقيادة قلنا ... انت علق وما بلغت القياده
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وستمائة
فيها نزل التتار على إربل بالفارس والراجل، وحاصروها مدة ونصبوا المناجيق (١) ونقبوا سورها (٢) ودخلوا عنوة وقتلوا كل من فيها، وسبوا ونهبوا ونتنت المدينة من كثرة القتلى، وكان باتكين (٣) مملوك الخليفة بالقلعة، فقاتلهم فنقبوا القلعة وجعلوها سردابا (٤) وطرقا، وقلت عندهم المياه، ومات أكثرهم عطشا، وصارت الآبار والدور قبور أهلها ولم يبق سوى أخذ القلعة، فمن الله تعالى على من بقي من أهلها، فرحل التتار عنها في ذي الحجة وقد عجزوا عن حمل ما أخذوا من الأموال والغنائم، ثم هرب بعد ذلك باتكين واستخدم الملك الصالح نجم الدين أيوب الخوارزمية الذين بقوا من أصحاب جلال الدين خوارزم شاه، فانضموا اليه وانفصلوا عن ملك الروم (٥).
وفيها بدأت الوحشة بين الأشرف والكامل، وسببه أنّ الأشرف طلب من الكامل
стр. 78
الرّقة (١)، وقال: الشرق قد صار لي كله وأنا في خدمته فتكون هذه برسم عليق (٢) دوابي، وجعل الفلك (٣) المسيرى واسطة (٢١ ب) فكتب الفلك الى الملك الكامل يخبره، فكتب الملك الكامل الى الفلك كتابا غليظا شنيعا، وكان الأشرف قد أرسل يقول له: أخذت منّي الشرق وقد افتقرت بهذه البواكير، ودمشق فشتان (٤) مالي فيها شيء، فبعث الكامل إليه عشرة آلاف دينار فردها وقال: أنا أدفع هذه لأميرين (٥)، فغضب الكامل وقال: أيش يعمل بالملك، يكفيه عشرة المغاني وتعلمه لصنائعهم، فتنمّر (٦) الأشرف وقال: والله لأعرفنه قدره، فأرسل الى حلب وحماه وبلاد الشرق، وقال: قد عرفتم بخل الكامل وطمعه في البلاد، فحلفوا عليه واتفقوا معه، ولما وصل الكامل الى قلعة القاهرة [باس العتبة وقال:
رأيت روحي في قلعتي] (٧) واتفق الملك الناصر مع الأشرف ثم انفصل عنه (٨).
وفيها في يوم الأحد ثامن عشر المحرم، اتفقوا (٩) جماعة وقصدوا صديقا لهم مريضا ليعودوه، فوافوه على سطح داره وكانوا سبعة نفر فصعدوا إليه وجلسوا عنده فوقع السقف الذي هم عليه فماتوا جميعا خلا المريض (١٠)، فسبحان مقسم الآجال.
وفيها في تاسع عشر ذي الحجة زوّج السلطان الملك الكامل إبنته عاشوراء شقيقة ولده العادل من الملك الناصر صاحب الكرك (١١).
стр. 79
وفيها استعد السلطان الملك الكامل لقتال الأشرف ومن معه، ثم بلغ الكامل ان الاشرف استمال الناصر صاحب الكرك، فكتب (١) اليه الكامل وأوعده بسلطنة دمشق وأوعده بمواعيد كثيرة، فركب الناصر داوود من الكرك وحضر إلى مصر خدمة للكامل، فلمّا بلغ الأشرف ذلك أوقع الحوطة (٢٢ أ) على نابلس وأخذ جميع ما للناصر بها. ولما بلغ الكامل حضور الناصر ركب والتقاه بأحسن ملتقى وحمل اليه جميع ما يحتاج إليه من النفقة والرواتب والعليق وغيره، ثم سلطنه بالقاهرة وقلده دمشق وألبسه الخلعة وحملت قدامه الغاشية (٢)، ومشى الملك الكامل قدامه وجميع الأمراء وكان يوم عظيم (٣) وكل ذلك من الكامل خداع ومكر وحيلة عملها على استمالته.
[الوفيات]
وفيها مات السلطان العزيز محمد (٤) بن السلطان صلاح الدين يوسف بن السلطان الملك الظاهر غازي بن السلطان صلاح الدين صاحب حلب، وملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدين يوسف يوم وفاته وقعد على كرسي المملكة وعمره سبع سنين، وقام بتدبير ملكه جدته لأبيه وهي الست المصونة ضيفة خاتون بنت الملك العادل، ورتبت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه (٥) ثم زوّجه السلطان الملك الكامل بابنته كما تقدم ذكره (٦)، وكان مولد الملك العزيز في ذي الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة، ومات أبوه وهو طفل فنشأ تحت حجر
стр. 80
الطواشي شهاب الدين [طغرل] (١)، فرتب أموره أحسن ترتيب وقام بدولته القيام العجيب إلى أن ترعرع في سنة تسع وعشرين فاستقل بالأمر وفك عن نفسه الحجز ومات بحلب في يوم الأربعاء رابع عشري (٢) ربيع الأول رحمه الله تعالى (٣).
وفيها توفي الشيخ العلامة المحدث الزاهد الملك المحسن، أحمد (٤) بن السلطان (٢٢ ب) الكبير الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب وله سبع وخمسون سنة رحمه الله تعالى.
وفيها مات السلطان علاء الدين كيقباذ (٥) بن كيخسرو ابن قليج أرسلان بن مسعود بن قليج ابن سليمان بن قتلمش ابن سلجوق ملك الروم، كان عاقلا شجاعا ميمونا، كسر الخوارزمي وعسكر الكامل واستولى على بلاد الشرق، وزوّجه الملك العادل إبنته وأولدها، وكان عادلا مهيبا ما وقف له مظلوم إلا وكشف ظلامته، ونقل بعض مؤرخي بغداد قال:
أخبرت أنه لما ملك كيكاوس (٦) بلاد الروم حبس لهذا كيقباذ بعد أن قيّده، ولما حضرته الوفاة أحضره من محبسه وفك قيده وأحسن إليه وعهد له بالملك بعد وفاته وأوصاه على أولاده، وكانوا صغارا، وأخذ له المواثيق والإيمان على العسكر وأعيان دولته، وكانت وفاة السلطان كيقباذ في سابع شوال من هذه السنة.
وفيها مات أبو داوود سليمان (٧) بن مسعود ابن الحسن ابن أحمد الطوسي الحلبي الشاعر، كان لطيف الروح مقتدرا (٨) على النظم فمن ذلك قوله: [الطويل]
ألا زد غراما بالحبيب وداره ... وإن لجّ واش فاحتمله وداره
стр. 81
وإن قدح اللوام فيك بلومهم ... زناد الهوى يوما فأورى فواره
عسى زوره تشفى بها منك خلسة ... فإنك لا يشفيك غير ازدياره
(٢٣ أ) ووجه يضاهي البدر عند كماله ... بعيد المدى من نقصه وسراره
فلا بدر إلا ما بدا من جيوبه ... ولا غصن إلا ما انثنى في إزاره
فسبحان من أجرى الطلا من رضابه ... ومن انبت الريحان في جلّناره
وقد دبّ عنها صدغه بعقارب ... وناظره من سيفه بشفاره
وكانت وفاته بحلب تاسع عشر صفر سنة تاريخه.
وفيها مات الشيخ الإمام العالم، ناصح الدين عبد الرحمن (١) ابن نجم [الدين] (٢) بن عبد الوهاب الحنبلي، مولده بدمشق ونشأ بها وقرأ القرآن وقدم بغداد، فتفقه على أبي الفتح (٣) ابن المنى، وسمع الحديث من شهدة (٤) وطبقتها، وعاد الى دمشق ووعظ وصنف الكتب.
قال أبو (٥) المظفر: ورأيت بخط ابنه (٦) فهرست تصانيفه، الإيجاد في الجهاد و «المقامة الدمشقية» و «الإجماع والنص والقياس في فضائل بني العباس» و «الفروق في التفسير والفروق في اللغة»، و «الحدائق في الوعظ»، و «الجدل والأقيسة والخطب»، و «شرح اسماء الله الحسنى»، و «أسباب الحديث»، و «مختارات من المسند والبخاري ومسلم» وغير ذلك. وكانت وفاته غرّة المحرم ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.
стр. 82
وفيها مات أبو الحسن علي بن كثير (١) العامري الشاكري من أهل قرية من قرى واسط له شعر فائق ونظم رائق، فمن ذلك قوله: [الكامل]
أيروم هذا القلب بئر (٢) جراحه ... وسيوف لحظك تنتفي لكفاحه
يا مستبيح دم المتيّم عامدا ... أنسيت يوم البعث حمل جناحه
(٢٣ ب) نظري الذي بالحسن قد أفسدته ... إفساده في الحسن غير صلاحي
حتّام تطرف طرف عيني بالبكا ... وإلآم طرفي مولع بطماحه
يا ويح مودع سرّه في جفنه ... فلقد أراد الستر من فضّاحه
ليت الحبيب غداة أثمر خدّه ... لم ينه عيني عن جنى (٣) تفاحه
يا لائم المشتاق تبغي نصحه ... مر بالهوى لتكون من نصّاحه
أو ما هو الرّشأ الذي خلخاله ... يشكو به (٤) اضطراب وشاحه
يفتر عن شنب تلألأ نوره ... كالروض لاح إليك نور أقاحه
ويدير ناظره فيسكرنا فقل ... رشا ينوب بعينه عن راحه
ومولده سنة تسع وستين وخمسمائة، وتوفي في جمادي الأولى من هذه السنة.
وفيها مات أبو العباس محمد بن قراطاي (٥) بن عبد الله الإربلي، كان شابا حسن الصورة، مهيبا من أمراء مظفر الدين صاحب إربل، أقام بإربل إلى أن مات مظفر الدين فرحل عنها ورحل الى حلب فأكرمه الملك العزيز وأقرّه على الإمره وأحسن إليه غاية الإحسان.
اشتغل بالأدب فحصل منه طرفا جيدا، وله نظم فمنه قوله: [المنسرح]
بورد خدّيك إنه قسم ... صلني فقد شفّ جسمي السّقم
يا صنما ظل فيه عابده ... كم من دم قد أرقت يا صنم
منحتني بالخيال مختلسا ... يا ليت عمري بأسره حلم
(٢٤ أ) لله من غادر محاسنه ... متى من العاشقين ينتقم
стр. 83
يقول قوم كأنه غصن ... من أين للغصن ربقه الشم
أفديه نشوان فوق وجنته ... نور ونار في القلب يضطرم
يا لائمي خلّ ويك عن عذلي ... فإن لومي في حبّه ألم
وقوله: [الكامل]
يا أيها الشاكي السلاح وطرفه ... عن سهمه وحسامه يغنيه
الصبّ أولى أن يكون مدرّعا ... لسهام مقلتك التي ترميه
وفيها مات محيي الدين أبو عمرو عثمان (١) بن الحسن بن علي بن محمد الجميّل بن فرح بن خلف بن موسى بن مزلال من ملاّل ابن بدر ابن أحمد دحية بن خليفة ابن فروة الكلبي المعروف بذي النسبين الأندلسي البلنسي الحافظ، في يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأول بالقاهرة ودفن بسفح المقطّم، وكان أسن من أخيه أبي الخطاب عمر المقدم ذكره، كان حافظا للغة العرب إماما فيها ولما عزل الملك الكامل أبو (٢) الخطاب عن دار الحديث التي أنشأها بالقاهرة رتب مكانه أخاه أبا عمرو المذكور، فلم يزل بها إلى أن مات.
(٢٤ ب) ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وستمائة
وفيها اختلف الخوارزمية على الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الكامل وأرادوا القبض عليه، وكان على الفرات فهرب الى سنجار (٣) وترك خزائنه وأثقاله، فنهبوا الجميع (٤)، ولما صار في سنجار، سار إليه بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فحصره في ذي القعدة فأرسل الصالح الى لؤلؤ يسأله الصلح، فقال: لا بد من حمله الى بغداد في قفص حديد. وكان بدر الدين لؤلؤ والمشارقة يكرهون مجاورة نجم الدين أيوب وينسبونه الى التكبر والتجبر والظلم، فألجأت (٥) الضرورة أن بعث الصالح قاضي (٦) سنجار بعد أن حلق لحيته
стр. 84
وحطّه من الصور (١) الى الخوارزمية وشرط لهم كلّ ما أرادوا (٢)، فساقوا جرائد (٣) من حرّان فكبسوا بدر الدين والمواصلة على سنجار، فنجا بدر الدين وحده منهم على فرس سابق، فنهبوا أمواله وخزائنه وخيله والخيام وجميع ما كان في عسكره واستغنوا بهذه الحركة (٤).
وفيها في شهر رجب وصل خبر التتار الى بغداد، أنهم قاصدين (٥) إربل وكذلك منهم طائفة قاصدون بغداد، فجرّد الأمير جمال الدين بكلك (٦) الناصري في سبعة آلاف فارس، فسار الى لقاء التتار وكانت الوقعة بينهم وبين التتار في ثالث ذي القعدة، وكان التتار قد أكمنوا لهم كمينا وأظهروا الهزيمة، فتبعهم العسكر فخرج الكمين عليهم وكانوا خمس (٧) عشرة ألف فارس فانهزم المسلمون بعد أن قتلوا من (٢٥ أ) الكفار خلقا كثيرا والذي سلم من المسلمين طلب بغداد وهلك الأكثرون، وأما المقدّم جمال الدين بكلك فشوهد بعد الوقعة وقد جهده العطش وجماعة من الكفار يتبعون أثره، ويقال إنه قتل في المحاربة والله أعلم (٨).
وفيها وصل من بغداد رسل أمير المؤمنين وصحبتهم مال الى الملك الكامل ليستخدم به عساكر، فإن أمير المؤمنين بلغه أنّ عساكر التتار عازمين (٩) على الحضور الى بغداد وطلب أيضا نجدة من عساكر الشام (١٠). فلمّا قدم الرسول وأعطى السلطان كتب أمير المؤمنين، قام السلطان قائما وقبّلها ووضعها على رأسه، وكان جملة المال الذي حضر مائة ألف دينار مصرية، عند ذلك أمر السلطان الملك الكامل أن يخرج من بيت المال مائتي ألف دينار يستخدم بها عساكر وأن يجرد من عساكر مصر والشام عشرة (١١) آلاف نجدة لأمير المؤمنين وأن
стр. 85
يكون مقدّم العساكر الملك الناصر داوود، وأنّ المال الذي حضر من عند أمير المؤمنين لا يصرف منه شيء وأن يعاد الى خزانة أمير المؤمنين. وتولى استخدام عساكر الجدد الأمير ركن الدين الهيجاوي والأمير عماد الدين ابن موسك وأن يكونا أمراء مع المتوجهين في خدمة الناصر داوود، فاستخدم العسكر وتوجه الى بغداد.
وفيها تولى الشريف شمس الدين الأرموي (١) الشافعي قضاء (٢) العساكر المنصورة ونقابة الأشراف بالديار المصرية يوم الثلاثاء سلخ (٢٥ ب) ذي القعدة، وقرئ أسجاله بجامع مصر وحضر قراءته الأمير جمال الدين يغمور والفلك المسيري.
وفيها في ذي القعدة تولى قاضي القضاة شمس الدين بن الخليل الخويّي (٣) قاضي قضاة دمشق، وهو أول قاضي رتب مراكز الشهود بدمشق وكانوا (٤) أولا ورّاقين يورقوا (٥)، فإذا فرغوا من الوراقة مشوا الى بيوت العدول يستشهدوهم (٦) في حقوقهم.
[الوفيات]
وفيها مات الملك الأشرف أبو الفتح موسى شاه أرمن (٧) بن السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، مولده بالقاهرة وقيل بقلعة الكرك في سنة ست وسبعين وخمسمائة، وقيل إنه ولد قبل أخيه المعظم بثلاثة أيام، وكان في مبدأ أمره بالقدس تحت حكم ابن الزنجبيلي عثمان وتقلبت به الأحوال حتى صار شاه أرمن وكسر المواصلة والروم والخوارزمي. وكان جوادا عادلا سخيا، لو كانت الدنيا بيده ودفعها لأقل الناس ما استكثرها له. وكان ميمون
стр. 86
الطلعة (١) ما كسرت له راية قط، ولما أيقن بالموت أخذ بعض مماليكه صنجقه (٢) فكسره وقال: ما يحمله غيره، فقال: لا تفعل فو الله ما كسر قط.
قال أبو المظفر ابن الجوزي (٣): أعتق مماليكه وجواريه وكان عفيفا عن المحارم ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته، وبنى (٤) مسجد أبي الدرداء بقلعة دمشق وزخرفه، وكان عاقدا مقامه فيه، والمسجد (٥) الذي خارج باب النصر، وجامع العقيبة (٦) وكان خان فسق (٢٦ أ)، فاشتراه وهدمه وبناه جامعا، ومسجد القصب (٧) خارج باب السلامة، وجامع بيت الآبار (٨)، ودار الحديث الاشرفية (٩) وأوقف عليها الأوقاف وزاد وقف دار الحديث النورية (١٠) وغير ذلك. وكان حسن الظن بالفقراء يحسن اليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال، وكان طول [ليالي] (١١) رمضان لا يغلق باب القلعة وجفان (١٢) الحلوى خارجة الى الجامع والزوايا والربط والى الجبل وغيره، وكان إنعامه شاملا للخاص والعام. وكان مرضه في رجب من مرضين مختلفين في الأعالي والأسافل، وقوى عليه الذّرب (١٣) [فكان يتحامل إلى
стр. 87
أن غلب، فلما أيس من نفسه] (١) قال (٢) لوزيره جمال الدين ابن جرير: في أي شيء تكفنوني؟ فقال: حاشاك [من ذلك] (٣) فقال: دعني من هذا [فما بقي فيّ قوة تحملني أكثر من نهار غد وتواروني] (٤)، وكان عماد الدين ابن موسك حاضرا فقال له: قم وأحضر الوديعة، فقام عماد الدين ومضى وعاد ومعه مئزر صوف أبيض يلوح منه أنوار الرضى، ففتحه فإذا فيه خرق الفقراء [الشيوخ] (٥) [وطواقي الأولياء] (٦) وكان في الثياب إزار الرضى، ففتحة فإذا في قراطيس (٧)، فقال هذا يكون على جسدي، فإن صاحبه كان من الأبدال (٨). ومات يوم الخميس رابع المحرم، ودفن بالقلعة، ثم نقل الى تربته بالكلاسة في جمادى الأول.
قال أبو المظفر (٩): وحكى لي الفقيه محمد اليوناني (١٠) ببعلبك قال: حكى لي فقير صالح من جبل لبنان قال: لما مات الأشرف رأيته في المنام وعليه ثياب خضر وهو يطير بين السماء والأرض مع جماعة من الأولياء؛ فقلت له: يا موسى إيش تعمل مع هؤلاء أنت كنت تفعل في الدنيا وتصنع فالتفت اليّ وتبسم وقال: الجسد الذي كان يفعل تلك الأفاعيل [في الدنيا] (١١) تركناه عندكم والروح التي كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم.
وكان له نظم حسن فمنه ما كتبه للديوان العزيز وقد مات علي ولده، يعزيه بهذه الأبيات: [السريع]
خليفة الله اصطبر واحتسب ... فما وهى البيت وانت العماد
стр. 88
أنت سماء طلعت زهرها ... لا ينقص الأمل منها عداد
ولا يضر البحر يوما إذا ... ما سال من نحو نواحيه واد
وله في مملوك يلقب بالقاضي [الدوبيت]
يا من درس العلم على مذهبنا ... قد جئتك في مسألة ممتحنا
ما قولك في خمر إذا حلّلها ... قاض وأدارها بكفيه لنا
وله في مملوك واقف في الشمس [البسيط]
وغصن بان قلوب الناس في خطر ... من وصل مقلته إن مال أو خطرا
راعته شمس بدا من حرّها لهب ... في صحن وجنته فانحاز مستترا
فقلت حسبك لا يخشى اجتماعكما ... فالشمس لا ينبغي أن تدرك القمرا
وله دو بيت:
لولا هيف القدّ وغنج المقل ... ما كنت تجرعت كؤوس العذل
في حب مقرطق من الترك يلي ... أمري وأناله وإن أصبح لي
وقوله:
أهوى (١) قمرا تحار فيه الصّفة ... يسخو بدمي وهو أمين ثقة
(٢٧ أ) ماذا عجب يحوط مالي ويرى ... روحي تلفت به ولا يلتفت
ولما مات الأشرف، ركب الصالح اسماعيل وتسلطن (٢) بدمشق ومشت الأمراء في ركابه وأسد الدين (٣) صاحب حمص الى جانبه وعز الدين أيبك (٤) قد حمل الغاشية بين يديه واستمر
стр. 89
ملكه، وجاءت الأخبار بوصول التتار الى دقوقاء (١) فصادر الصالح اسماعيل جماعة من أهل دمشق اتهمهم بالميل للملك الكامل وأخذ جميع مالهم وحبس [أولاد] (٢) مزهر ببصرى (٣) [فأقاما مدة سنين ومات أحدهما في الحبس] (٤) مقيدين وأخرج الشيخ علي الحريري [من قلعة عزاز] (٥) ومنعه من دخول دمشق.
وفيها حضر فخر الدين ومحيي الدين أخوه الملك الاشرف الى عند الكامل وأخبروه أن أخوهم الصالح اسماعيل تملك دمشق بوصية من الأشرف، فتجهّز السلطان الملك الكامل بعساكره وخرج لأخذ دمشق (٦)، فلما قرب إليها قسّم الصالح اسماعيل الأبراج على الأمراء وحصنها وغلقت أبوابها، ووصل عز الدين أيبك من صرخد وجاء الكامل فنزل عند مسجد القدم وقطع المياه عن دمشق، واشتد الحصار (٧) وغلت الأسعار، ونصبوا على الأبواب المناجيق وسدّوا الأبواب جميعا إلا باب الفرج وباب النصر وردّ الكامل ماء بردى (٨) الى ثورا (٩)، وأحرق الصالح (١٠) العقيبة والطواحين (١١)، وزحف الناصر داوود الى باب توما (١٢) وعلق النقوب فيه، ولم يبق إلا فتح البلد، وقتل الأمير سيف الدين أبو بكر بن جلدك على حصار دمشق، فأرسل الصالح اسماعيل يسأل أخاه (١٣) الكامل أن يعطيه بعلبك وأعمالها مع
стр. 90
خزه المتقرر (١) (٢٧ ب) بيده من أيام والده وهو بصرى وأعمالها والسّواد (٢) وبلاده فأجابه الى ذلك وحلفا جميعا، فتسلم السلطان الملك الكامل دمشق ودخل إليها في العشر الأول من شهر جمادى الأولى (٣) من هذه السنة، وأمر بنقل الأشرف من دار رضوان الى تربته بالكلاسة، وتوجه الصالح اسماعيل الى بعلبك.
وفيها توجه السلطان الملك الكامل لحصار حماة وحمص، فلما بلغ المجاهد (٤) صاحب حمص، أرسل رسولا الى سيف الدين ابن قليج (٥) وكان من أكابر أمراء الدولة وعظمائها، وهو يسأله أن يتلطف بالسلطان ويعطفه أن يحسن في تدبير أمره وأن يضمن عنه كلّ ما يختاره الكامل وأن يقرر عليه مالا في كل سنة ثم سير ولده الصالح والحريم يدخلون على الملك الكامل، وسير صحبتهم تقادم كثيرة، فلما وصل الى ابن قليج الخبر، نهض وقام وتدخل وعمل جهده ووصل ولد صاحب حمص والنساء، فلم يصلوا حتى قضى الأمير ابن قليج الشغل وأصلح الحال على أنّه يحمل في كل سنة إلى خزانة السلطان ألفي ألف درهم، فعفا (٦) عنه واستقر الحال على ذلك.
[الوفيات]
وفيها مات السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو ملك الروم، كان ملكا عظيما ملك الروم بأجمعه (٧)، وكان مهابا حازما عادلا حسن العقيدة كثير الخير، مقبلا على من يقصده لين الجانب لرعيته، وتسلطن بعده ولده السلطان غياث الدين وحلفت له الأمراء وأكابر الدولة واستمر أمره. (٢٨ أ) وفيها دخلوا (٨) التتار أطراف بلاد الروم وقتلوا بها خلقا (٩) كثيرا
стр. 91
وأخربوا وأخذوا أموالا عظيمة (١).
وفيها مات السلطان الكامل (٢)، محمد بن السلطان الملك العادل، أبو بكر بن أيوب صاحب البلاد المصرية والشامية والشرق واليمن، في آخر نهار الأربعاء حادي عشري (٣) رجب من هذه السنة بقلعة دمشق، ودفن باكر النهار، ولم يبلغ قصده من حلب وحماة، وكان مدة ملكه عشرين سنة وخمسة وأربعين يوما. وكان ملكا مهابا حازما شجاعا فصيحا أديبا محبا للعلم والعلماء، يحضر مجلسه في كل ليلة جمعه جماعة من الفقهاء والعلماء ويتحدث معهم ويشاركهم في فنونهم، وكان كثير السياسة حسن التدبير، وكانت الأعمال في أيامه آمنة والطرق آمنة، لا يخاف تاجر على ماله، لكنه محب لجمع المال، وله شعر فمنه قوله: [البسيط]
إذا تحققتم ما عند عبدكم (٤) ... من الغرام فذاك القدر يكفيه
أنتم سكنتم بقلبي وهو منزلكم ... وصاحب البيت أدرى بالذي فيه
وكان ولده الملك العادل أبو بكر نائبه بالديار المصرية، وكان الكامل يباشر أكثر أموره، بنفسه بعد وفاة الصاحب صفي الدين ابن شكر، وكان يحضر الدواوين قدامه ويحاسبهم.
وفيها تولى مصر السابع من بني أيوب، وهو السلطان الملك العادل أبو بكر ابن السلطان الملك الكامل محمد، ملك بعد وفاة والده باتفاق من يذكر من الأمراء وهم: الأمير سيف (٥) الدين علي بن قليج (٢٨ ب) والأمير عماد الدين ابن الشيخ (٦)، وجماعة من الأمراء الأكابر (٧) تجمعوا في قلعة دمشق وتحالفوا جميعا واستحلفوا العساكر والأمراء المصرية والشامية للسلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر، وذلك في يوم الخميس ثاني عشري رجب (٨) وكان العادل بمصر.
стр. 92
وفيها اجتمعت أراء الأمراء المذكورين على ترتيب الملك الجواد مظفر الدين يونس ابن ممدود (١) نائب السلطنة بدمشق والشام، واتفق رأيهم على إخراج الناصر داوود من دمشق بحكم أنه حضر اليها صحبة السلطان الملك الكامل، على أنّ السلطان إذا ملكها يملكه إيّاها، فلمّا مات السلطان اتفقوا (٢) الأمراء على خلاف ذلك وأخرجوا الناصر من دمشق خوفا من وقوع فتنة (٣)، فأرسلوه الى الكرك (٤) وصحبته جماعة مقدمهم الأمير نور الدين علي بن الأمير فخر الدين عثمان استادار (٥) صاحب المدرسة التي بسويقة للصاحب (٦) داخل القاهرة.
فلما خرج الناصر داوود وتوجهوا (٧) الى الكرك وتملك الجواد دمشق، توجهوا (٨) الأمراء المصريين الى الديار المصرية، ولما وصلوا قرب الديار المصرية ركب العادل وتلقاهم بمن عنده من الأمراء والعساكر والتقى الواردين وأكرم ملتقاهم، وأرسل الى بيوتهم بعد نزولهم الأموال والخلع والخيل ثم حضروا بعد ذلك الى خدمته وجددوا الإيمان والعهود، واستمر له الأمر فلما تمكن بدأ في إبعاد أمراء دولته عنه، وقطع رواتب أرباب الدولة وما بقي يقرّب أحدا من الأمراء الأكابر إلا من أنشأهم. عند ذلك (٢٩ أ) تفرقت قلوب الأمراء الكبار والصغار منه، وأقبل هو على شرب الخمر واللهو والفساد (٩).
وفيها لما سار الناصر الى الكرك، جمع عساكره وسار من عجلون الى غزة وملك الساحل، فخرج اليه الجواد في عسكر الشام وقال للأشرفيه كاتبوه وأطمعوه فكاتبوه واغتر بهم
стр. 93
وساق من غزة في سبعمائة فارس الى نابلس بأثقاله وخزائنه وأمواله، وكانوا على سبعمائة جمل، ونزل العساكر منقطعة خلفه وضرب دهليزه على صبصطية (١) والجواد على جينين (٢)، فساقوا إليه وأحاطوا به، فساق في نفر يسير نحو نابلس وترك الخزائن فأخذوا الجميع وما فيها من جواهر وأموال واستغنوا وافتقر الناصر وسار الى الكرك، ورجع الجواد الى دمشق وفتح الخزائن وفرّق المال (٣).
قال أبو المظفر (٤): فبلغني انه فرق ستمائة ألف دينار وخلع خمسة آلاف خلعة وأبطل المكوس والخمور ونفى الخواطئ.
وفيها لما تحقق الناصر داوود ما عليه الملك العادل من اللعب وتأخر الأمراء عنه والتهاه (٥) بما هو فيه، حدثته نفسه بملك مصر وأنه إذا حضر، مالوا (٦) الامراء اليه، فقصد مصر وصحبته هدايا وتقادم يصلحوا (٧) للسلطان، مثل جوار جنكيات (٨) وعوديات ورواقص وأواني مشروب، فلما وصل الناصر خرج إليه العادل والتقاه أحسن ملتقى ورتب له جميع ما يحتاج إليه، ثم أنه أحضر إلى العادل ما كان أحضره بسببه فأعجبه، وعوضه عنه عشرة أمثاله (٩). وكان الناصر مظهرا أنّه ملازم (٢٩ ب) خدمته ولا يفارق بابه ويعمل قدامه حاجبا أو استادارا أو دوادار (١٠)، وكان يتدخل عنده بكل خدمة، وأنّه أوهم السلطان الملك العادل من الأمير فخر الدين ابن الشيخ، أنّه قد اتفق مع الملك المعز مجير الدين [يعقوب] (١١) عمه وقد استمال إليه جماعة من الأمراء، وأشار على السلطان بالقبض عليه وإخراج الملك المجير من الديار المصرية فقبل منه وقبض على الأمير فخر الدين ابن الشيخ واعتقله بقلعة
стр. 94
الجبل وأخرج مجير الدين من الديار المصرية مع الملك الأمجد تقي الدين عباس أخوه (١). ثم ان الناصر داوود أوهم السلطان الملك العادل من الملك الجواد يونس نائبه بدمشق والشام وقال له: إن الأمراء اتفقوا على نيابته بدمشق وأنهم معه في الباطن، وكان من جملتهم الأمير عماد الدين ابن الشيخ، فبلغه ذلك فقال في نفسه: متى تهاونت رحت كما راح أخي، فحضر الى عند السلطان الملك العادل والتزم له أنه يحضر الجواد الى طاعته الى مصر، فأمره بالتوجه، فخرج عماد الدين من مصر لإحضار الجواد (٢).
[الوفيات]
وفيها مات القاضي شمس الدين أبو نصر محمد (٣) بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن يحيى بن بندار بن مميل الشيرازي. مولده بدمشق في أواخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وخمسمائة وسمع الحديث الكثير وناب في القضاء مدة سنتين ودرس بمدرسة ست الشام، ومات ليلة الخميس ثاني جمادى الآخرة ودفن بقاسيون (٤) في تربته. سمح الحافظ ابن عساكر وأبا يعلي حمزة ابن علي الحبوبي وأبا البركات الخضر بن شبل ويعرف بإبن عبد [الله] (٥) خطيب جامع دمشق (٣٠ أ) وأبا المعالي مسعود بن محمد، الملقب بالقطب النيسابوري وخلقا كثيرا، وكان إماما فقيها عالما فاضلا كيّسا لطيفا حسن الأخلاق كريم الطباع حميد الآثار، حفظة للحكايات الحسان والأخبار وأيام العرب والأشعار رحمه الله تعالى.
وفيها مات الخطيب جمال الدين محمد بن أبي الفضل بن زيد بن ياسين الدولعي (٦)، كان حريصا على الخطابة أخذها بعد عمه، ولم يحج حجة الإسلام خوفا على المحراب أن يخرج
стр. 95
من يده وكان الملك المعظم (١) منعه من الفتيا، وكانت وفاته في رابع عشر جمادى الأول ودفن بالمدرسة التي أنشأها بجيرون (٢)، وكان قليل سماع الحديث، سمع عمه عبد الملك الدولعي ومحمد بن صدقة الحرّاني، وكان له أخ جاهل فولي الخطابة بعده.
وفيها مات أبو محمد عبد الله (٣) ابن عبد الرحمن ابن عبد الله ابن علوان بن عبد الله بن علوان بن نافع الأسدي الحلبي قاضي القضاة بحلب، أسمعه والده من الشيوخ الكبار والأئمة ثم سمع هو بنفسه كثيرا وكتب كثيرا بخطه، حفظ القرآن في صباه وتفقه على مذهب الإمام الشافعي وصحب أبا المحاسن يوسف بن رافع بن تميم قاضي حلب وقرأ عليه المذهب والخلاف والجدل والأصلين وعنى به عناية جيدة لما رأى من نجابته وذكائه وقدرة إدراكه وحسن طريقه، فاتخذه ولدا وصاهره وعهد إليه في جميع أحواله حتّى برع في العلم وصار معيدا في مدرسته وله نيف وعشرون سنة. ثم ولي التدريس بعده بمدارس ونبل وتقدم عند (٣٠ ب) الملوك والسلاطين، وعلا جاهه وارتفع شأنه وروسل به الى ملوك الشام ومصر مرات، ثم أنّه ناب في القضاء بحلب مدة حياة القاضي، فلما مات ولي القضاء مكانه وأرسل رسولا الى دار الخلافة، فقدم بغداد في شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وستمائة فأكرم مورده وجمع له الفقهاء فقهاء مدينة السلام ومدرسوها بدار الوزارة وأحضر وتكلم مع الفقهاء بحضرة الوزير، واستحسن الحاضرون كلامه. وكانت له معرفة حسنة بالحديث ويد باسطة في الأدب، وكان محبا لأهل الدين والصلاح وأرباب الزهد والفقر، كثير الإقبال عليهم والزيارة لهم والتبرك بهم، وله تطلع كثير الى من يصل الى بلده من الغرباء وطلبة العلم ومبالغة في إكرامهم والقيام بما يحتاجون اليه. وكان مع ما خصه الله به من الورع والدين المتين والتمسك بسير السلف والرزانة والثبات والحرمة والوقار وحسن الخلق والخلق، لطيفا مزاحا ظريفا بساما، طيّب المعاشرة حلو المحاضرة مقبولا محببا الى من يراه لا يمل جليسه منه.
стр. 96
قال الشيخ محب الدين ابن النجار (١): اجتمعت به بدمشق عند شيخنا أبي (٢) اليمن الكندي ثم بحلب مرات كثيرة، وله عليّ أياد يعجز عن حصرها قلمي ويقصر عن شرحها كلمي، وسمعت منه بحلب وسمع مني وحدث ببغداد بكثير من عواليه، وكان ثقة نبيلا ما رأت عيناي مثله ولا أكمل منه وسألته عن مولده، فقال: في جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وبلغني أنّه توفي في شعبان من هذه السنة في ليلة السبت (٣١ أ) سادس عشرة.
وفيها مات قاضي القضاة شمس الدين أبو البركات يحيى بن هبة الله بن الحسن، المعروف بابن سني الدولة (٣). كان فقيها إماما فاضلا نبيلا نزيها عفيفا عادلا منصفا حافظا (٤) لقوانين الشريعة، لا تأخذه في الله لومة لائم. ولي القضاء زمانا بالبيت المقدس ثم وليه بدمشق مدة، وكانت وفاته يوم الأحد سادس ذي القعدة، وصلى عليه ولده (٥) القاضي صدر الدين بجامع دمشق وحمل الى قاسيون، وكانت له جنازة عظيمة وتأسف عليه الناس. سمع الحديث من جماعة منهم: أبو عبد الله ومحمد بن صدقة الحرّاني وغيره (٦).
وفيها مات أبو المحاسن يوسف ابن اسماعيل بن علي ابن أحمد بن الحسين بن إبراهيم، المعروف بالشّواء (٧) الملقب شهاب الدين، الكوفي الأصل الحلبي المولد والمنشأ والوفاة. كان أديبا فاضلا متقنا لعلم العروض والقوافي، شاعرا جيد يقع له في الشعر معان بديعة، وله ديوان شعر في أربع مجلدات، فمن نظمه ما ذكره الشيخ شمس الدين ابن خلكان (٨)، قال أول شيء أنشدني: [السريع]
стр. 97
هاتيك يا صاح ربى لعلع ... ناشدتك الله فعرّج معي
وانزل بنا بين بيوت النقا ... فقد غدت آهلة المربع
حتى تطيل اليوم وقفا على ال ... ـساكن أو عطفا على الموضع (١)
قال: وأنشدني أيضا: [الكامل]
ومهفهف عني الزمان بخده ... فكساه ثوبي ليله ونهاره
(٣١ ب) لا مهدت عندي محاسن وجهه ... إن غضّ عندي منه غضّ عذاره
وله في غلام أرسل إحدى صدغيه وعقد الآخر [السريع]
أرسل صدغا ولوى قاتلي ... صدغا فأعيا (٢) بهما واصفه
فحلت ذا في خده حية ... تسعى وهذا عقربا واقفه
ذا ألف ليست لوصل وذا ... واو ولكن ليست العاطفة
وله في غلام ختن: [الكامل]
هنأت (٣) من أهواه عند ختانه ... فرحا وقلبي (٤) قد عراه وجوم
[يفديك من ألم ألّم بك أمرؤ ... يخشى عليك إذا ثناك نسيم] (٥)
أمعذّبي كيف استطعت على الأذى ... جلدا وأجزع ما يكون الريم؟
لو لم تكن هذي الطهارة سنّة ... قد سنّها من قبل ابراهيم
لفتكت جهدي بالمزيّن إذ غدا ... في كفه موسى وأنت كليم
وكان مولده سنة اثنتين وستين وخمسمائة، ومات ليلة الجمعة تاسع عشر المحرم من هذه السنة، ودفن بمقابر أنطاكية غربي حلب رحمه الله تعالى.
стр. 98
وفيها مات عبد الرحمن بن أبي القاسم بن غنائم بن يوسف، الأديب بدر الدين الكناني العسقلاني، الشاعر المعروف بابن المسجّف (١)، مولده سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ومات في هذه السنة (٢) ودفن عند والده بالمزة. كان أديبا ظريفا خليعا مات فجأة وخلف خمسمائة ألف درهم فأخذها الملك الجواد صاحب دمشق، وله أخت عمياء فقيرة فمنعها حقها من ميراثها، وكان أخوها (٣) بدر الدين (٣٢ أ) يتجر وله رسوم على الملوك وأكثر شعره في الهجو.
قال صلاح الدين الصفدي (٤): نقلت من خط شهاب الدين القوصي في معجمه، قال: كان السيد الشريف [شهاب الدين ابن الشريف] (٥) فخر الدولة ابن أبي الحسن الحسيني رحمه الله تعالى لما ولاّه، السلطان الملك الناصر النقابة على الطالبيين من الأشراف اجتمع في دار جماعة للتهنئة من القضاة والصدور، وسألني الشريف والجماعة إنشاء خطبة [تقرأ] (٦) أمام قراءة المنشور، فذكرت خطبة على البديهية بآية جمعت فيها بين ذكر فضل أهل البيت وبين شكر السلطان على توليته وما أولاه من الإحسان، فحضر بدر الدين ابن المسجف ﵀ المجلس وأنشد هذه الأبيات الثلاثة لنفسه: [الكامل]
دار النقيب حوت بمن قد حلّها ... شرفا يقصّر عن مداه المطنب
أضحت كسوق عكاظ في تفضّلها ... وبها شهاب الدين قسّ يخطب
الفاضل القوصيّ أفصح من غدا ... عن فضله في العصر يعرب معرب (٧)
وأنشد المذكور لنفسه في الشرف الحلّي (٨) الشاعر: [الطويل]
يقولون لي ما بال حظك ناقصا ... لدى راجح رب الفهاهة (٩) والجهل
стр. 99
فقلت لهم اني سميّ ابن ملجم ... وذلك إسم لا يقول به حلي
قال وأنشدني لنفسه هذين البيتين، وكان قالهما ببغداد وقد جاء مطر يوم عاشوراء في فصل الصيف: [الكامل]
مطرت بعاشوراء وتلك فضيلة ... ظهرت فما للناصبيّ المعتدي
(٣٢ ب) والله ما جاد الغمام وإنما ... بكت السماء لرزء (١) آل محمد
وأنشد لنفسه يمدح الكمال القانوني [الكامل]
لو كنت عاينت الكمال وجسّه ... أو تار قانون له في المجلس
لرأيت مفتاح السرور بكفّه ال ... ـيسرى وفي اليمنى حياة الأنفس
وله: [الكامل]
ولقد مدحتهم على جهل بهم ... وظننت فيهم للصنيعة موضعا
فرجعت بعد الإختبار أذمّهم ... فاضعت في الحالين عمري أجمعا
قلت ومثل هذا قول سبط التعاويذي (٢): [السريع]
قضيت شطر العمر في مدحكم ... ظنا بكم أنكم أهله
وعدت أفنيه هجاء لكم ... فضاع عمري فيكم كله
ومن شعر ابن المسّجف [الكامل]
يا رب (٣) كيف بلوتني بعصابة ... ما فيهم فضل ولا إفضال
متنافري الأوصاف يصدق فيهم ال ... ـهاجي وتكذب فيهم الآمال
غطّى الثراء (٤) على عيوبهم وكم ... من سوءة غطّى عليها المال
стр. 100
جبناء ما استنجدتهم لملمة ... لؤماء ما استرفدتهم بخّال
فوجوههم عوذ على أموالهم ... وأكفهم من دونها أقفال
هم في الرّخاء إذا ظفرت بنعمة ... آل وهم عند الشدائد آل
(٣٣ أ) ومن شعره في الغرس (١) خليل والي دمشق [الرمل]
ما خليل بخليل لا ولا ... صحبه (٢) أهل صلاح بل فساد
لقبوه الغرس (٣) لا جهلا به ... صدقوا لكنّه غرس جراد (٤)
وقال يمدح الكامل: [المتقارب]
إذا لبس الدّرع مستلئما ... وكرسيّه صهوة الصّاهل
ترى الأرض محمرّة بالدما ... ومخضّرة اللون بالنائل
وقال على لسان بنت الملك الأشرف في دار السعادة: [البسيط]
قالت مليكة هذي الدار حين ثوى ... من شيّد (٥) الدار بعد الملك بالترب
لا تحسدوني على دار السعادة بل ... دار السعادة كانت في زمان أبي
وصل ابن المسجّف في بعض سفراته الى الموصل بما معه من تجارة، فباع الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ متملك الموصل شيئا مما معه ومدحه، فتقدم إلى نائبه الأمير أمين الدين لؤلؤ عتيقة بقضي (٦) اشغاله، فتوقف في أمره فقال له بعض أصحاب الباب: لو طاب قلب الأمين لمشى الحال وحصل المقصود، فقال: [المتقارب]
يقولون ان طاب قلب الأمين ... رجعت بشيء نفيس ثمين
стр. 101
فقلت أعود بلا حبّة ... ولا طيّب الله قلب الأمين
وفيها مات أبو الفضائل، صدر الدين عبد الرزاق بن عبد الوهاب ابن (٣٣ ب) علي بن عبيد الله شيخ الشيوخ ابن سكينة (١) البغدادي، مولده في جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. سمع من ابن البّطي (٢) وغيره وهو من بيت رواية ومشيخة، كتب عنه الكبار وولي مشيخه رباط جدّه أبي القاسم وروسل به الى الأطراف وسمع من شهدة بنت الإبري وغيرها وجاور بمكة سنتين مع والدته وولي بعد وفاة والده نظر البيمارستان العضدي مدة.
وفيها مات أبو محمد عبد العزيز (٣) ابن أبي الحسن الحكيم أسعد الدين المصري رئيس الاطباء بمصر، سمع ابن عساكر أبا القاسم وشهد عند القضاة وأخذ الطب عن أبي زكريا [البيّاسي] (٤)، وخدم الملك المسعود اقسيس باليمن وحصّل أموالا وعاش خمسا وستين سنة وله كتاب «نوادر الألباء في امتحان الأطباء».
قال صلاح الدين الصفدي (٥): وأظنه الذي عناه ابن عنين بقوله (٦): [الطويل]
فراري (٧) ولا خلف الإمام (٨) جماعة ... وموتي (٩) ولا عبد العزيز طبيب
ثم دخلت سنة ست وثلاثين وستمائة
وفيها وصل عماد الدين ابن الشيخ الى دمشق واجتمع بالملك الجواد وقال: إن السلطان
стр. 102
يقصد حضورك إلى خدمته، فلم يوافق (١) الجواد على التوجه الى الديار المصرية، فلمّا آيس منه الأمير عماد الدين، خرج إلى دار الضيافة، فطلب الجواد مقدّم الفداوية (٢) وأمره أن يقتل الأمير عماد الدين ابن الشيخ، فقتلوه (٣) على باب جامع دمشق، وأعطى مقدم الفداوية قرية (٤) بكاملها، فبلغ ذلك الملك العادل (٣٤ أ) صاحب مصر، فبقي عنده منه أمر عظيم، وأصل هذا الناصر [داوود] (٥).
وفيها خرج السلطان الملك العادل الى الشام بالعساكر ليأخذ دمشق من [ابن] (٦) عمه الملك الجواد، فأشار عليه الناصر داوود قبل سفره أن يسيّر الى الجواد رسل (٧) ويوعده ويحلف له ويعطيه مكان (٨) غير دمشق، فما قبل إلا التوجه لأمر يريده الملك العلاّم، ثم أنّ الأمراء أشاروا عليه أنّ يرسل اليه رسول (٩) ويوعده (١٠) بقلعة الشّوبك (١١)، فقبل وأرسل رسول (١٢)، فأجاب الى ذلك، ثم أنّ جماعة (١٣) أشاروا على الجواد أنه لا يجيب، فامتنع وخرج السلطان
стр. 103
ببعض العساكر إلى ظاهر القاهرة، فكاتب الجواد الملك الصالح نجم الدين أيوب بالشرق يسأله أن يتصدق عليه بسنجار وأعمالها ويأخذ دمشق. فلما وصل الكتاب الى الصالح أجابه الى ما سأله وحضر الى دمشق (١)، وأرسل الجواد له نائب (٢) يتسلم سنجار، وتسلم الصالح دمشق وأقام بها ورتب له نواب (٣) على بقية أعمال دمشق، ورتب له بأعمال الشرق نواب (٤) يعتمد عليهم.
ذكر سبب اتصال الخوارزمية بالملك الصالح نجم الدين أيوب، وذلك لما كسرت عساكر السلطان خوارزم شاه، وجرى عليه ما قدره الله تعالى، تفرقوا فحضر جماعة منهم الى حصن كيفا وبه السلطان الملك الصالح، وكانوا جماعة كثيرة، فأقطعهم السلطان حرّان وأعمالها والرّها وأعمالها والرّقة (٥) وأعمالها، واستقر ذلك بأيديهم (٦).
وفيها (٣٤ ب) هرب جماعة من أمراء مصر الى الشام الى عند الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهم: الأمير علاء الدين ابن الأمير فخر الدين عثمان أستادار (٧) العالية، والأمير علاء الدين ابن الشهاب أحمد، والأمير عز الدين أيبك الكردي العادلي، والأمير عز الدين قضيب البان العادلي، والأمير شمس الدين سنقر الدنيسري الكاملي، والأمير عز الدين بلبان المجاهدي، والأمير حسام الدين لؤلؤ المسعودي، والأمير سيف الدين سبطر (٨) الخوارزمي، وجماعة عدتهم سبع عشرة أمير (٩) خارجا عن اتباعهم، وخارجا عمن هرب من مقدمي الحلقة (١٠) والمماليك السلطانية (١١). وخرجوا من الديار المصرية على حمية وتوجهوا الى
стр. 104
دمشق، وكان وصولهم اليها في شهر شوال فالتقاهم السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب وخرج اليهم الى خربة اللصوص، وسر بهم سرورا كثيرا، وعرّفوه ان أكثر أهل مصر معه وفي طاعته وخارجين (١) عن طاعة أخيه.
وفيها توجه الملك الصالح الى نابلس وخيم عليها وأنّ أكابر دولته أشاروا عليه أن يقطع نابلس وأعمالها الى الأمراء الذين قدموا عليه فقبل منهم وأقطع المذكورين نابلس وأعمالها.
وكان الناصر داوود في ذلك الوقت بالديار المصرية في خدمة السلطان الملك العادل، فلما بلغه أنّ الصالح أقطع نابلس للأمراء الذي قدموا عليه وأمسك نوابه وأخذ أمواله وخرج من مصر وسار إلى الكرك. وكان السلطان الملك الصالح مقيم (٢) على نابلس (٣٥ أ) وهو يتحيّل على وقت يتوجه بعساكره إلى مصر.
وفيها اتفق الملك الصالح اسماعيل عم العادل والصالح نجم الدين أيوب، وكان يومئذ صاحب بعلبك مع الملك المجاهد صاحب حمص، على أخذ دمشق من السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، فحضرا بعساكرهما الى دمشق وأخذوها (٣) وذلك أنّ الصالح اسماعيل خرج بعساكره من بعلبك نصف الليل وساق الى قرب دمشق، كمن هنالك وكان ذلك اليوم نهار الجمعة، فكمن الى وقت صلاة الجمعة وساق، ودخلها ولم يعلم به أحد وهجم باب القلعة وملكها ومسك الملك المغيث ابن الملك الصالح وحبسه وقتل (٤) نائب القلعة، واحتاط على بيوت الأمرا وعلى أولادهم وأموالهم، وألزم استادار كل أمير أن يكتب الى أستاذه، يعرّفه أنّه تحت الحوطة، وكتب لهم الصالح اسماعيل أنّ كل من حضر كان إقطاعه له وماله وزيادة ومن تأخر نهب ما له وسبى حريمه، وسير الكتب. فلما بلغ الأمراء ذلك، ركبوا يد (٥) واحدة وساروا الى دمشق ولم يبق عند الصالح غير مماليكه (٦). فلما بلغ
стр. 105
الناصر داوود ذلك ركب بعساكر الكرك وكبس الملك الصالح نجم الدين أيوب فأخذه أسير ذليل (١) وأخذ جميع ما كان معه، ومسك كل من معه وتوجه الى الكرك، فحبسه بها (٢). فلما بلغ العادل ذلك سرّ به سرورا عظيما وأظهر الفرح، وعمل سماطا (٣) في الميدان الأسود الذي تحت (٣٥ ب) قلعة الجبل، وعمل قصور حلاوة، وملأ أحواض سكر وليمو (٤) وعمل ألف وخمسمائة رأس غنم شواء ومثلها أطعمة، وقيل أنه أصرف في المهم خمسة (٥) آلاف أبلوج سكر، وأمر لسائر الناس بحضور الطعام، ونادى (٦) بذلك في العوام، فحضروا (٧) الناس وأكلوا وحملوا ولم يمنع أحد (٨)، وكان ذلك المهم مهول (٩)، فلمّا فعل ذلك، بلغ السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب جميع ما اتفق.
وفيها أرسل السلطان الملك العادل إلى عند ابن عمه السلطان الملك الناصر داوود يسأله أن يرسل اليه الملك الصالح نجم الدين أيوب في قفص حديد ويعطيه عوضه أربعمائة ألف دينار، ويأخذ دمشق من عمه الصالح اسماعيل ويعطيه إياها وحلف على ذلك إيمانا عظيمة فلمّا وصل الكتاب الى عند الناصر داوود وفهم ما فيه حضر بنفسه الى عند ابن عمه الملك الصالح نجم الدين وأوقفه على الكتب (١٠) التي حضرت من عند أخيه العادل وعرّفه جميع ما سأل فيه، وأحضر القاصد الذي حضر بالكتب، ثم أنّ الناصر داوود كتب جواب الكتب للملك العادل يقول: وصل كتاب السلطان وهو يطلب أخيه (١١) الى عنده في قفص حديد وأنك تعطيني أربعمائة ألف دينار مصرية وتأخذ دمشق ممن هي بيده وتعطيني إياها، فأما الذهب فهو عندك
стр. 106
كثير، وأما دمشق فإذا أخذتها ممن هي معه وسلمتها إلي سلمت أخوك (١) إليك (٣٦ أ) وهذا جوابي والسلام. فلما بلغ العادل الجواب عزم على الخروج الى الشام وأمر بتجهيز العساكر.
وفيها وقع الغلاء بدمشق وبيعت كل غرارة (٢) قمح بمائتي وثلاثين (٣) درهم.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ الإمام العالم جمال الدين أبو المحامد محمود ابن أحمد بن الحصيري (٤) الحنفي، أصله من بلاد بخارا من قرية يقال لها حصير (٥). تفقه في بلده وسمع الحديث الكثير وقدم الشام ودرس بالنورية (٦) وانتهت إليه رئاسة أصحاب الإمام أبي حنيفة، وقرأ عليه الملك المعظم (٧) «الجامع الكبير» (٨) وغيره وصنف الكتب الحسان وشرح «الجامع الكبير» وكان كثير الصدقة غزير الدمعة فاضلا عاملا نزها عفيفا. حج من الشام وكانت وفاته يوم الأحد ثامن صفر، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع (٩) على الجادة، وكان المعظم يحترمه ويكرمه وكذا ولده الناصر (١٠).
وفيها مات الوزير جمال الدين ابن جرير (١١) وزير الملك الأشرف (١٢) وأصله من الرّقة، وكان يتردد الى خانقاه الرّقة في سنة إحدى عشرة وثلاث عشرة وستمائة ولم يكن يعرف الأشرف
стр. 107
حينئذ، فما زال يتوصل حتى استوزره بدمشق، ولما مات الأشرف استوزره الصالح نجم الدين أيوب دون شهر. وكانت وفاته يوم الجمعة سابع عشري جمادى الآخرة بالخوانيق (١)، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع. سمع الحديث وكان يتردد الى زيارة الصالحين وفيه يقول (٢) نصر بن محمد الحنفي: [الكامل]
من قال أهل الشام عندي كلهم ... بقر، فليس عليه فيه جناح
لو لم يصح مقاله فيهم لما ... أضحى يسوس أمورهم فلاح
(٣٦ ب) وفيها مات أبو منصور عبد الواحد بن إبراهيم بن الحسن بن نصر الله المعروف بإبن الدسكري (٣). كان المذكور فاضلا ويكتب خطا مليحا يحكي فيه طريقة ابن البواب (٤) وله نظم رقيق فمنه: [البسيط]
بيض المسرات في حمر الكؤوس إذا ... دارت على الهم انفلّت جحافله
قم عاطني من شموس الراح غير ضحى ... من كف بدر دجى حلو شمايله
مورّد الخد داجي الفرع فاحمه ... عبل الروادف واهي الخصر ناحله
يسيل من بين جفنيه لسفك دمي ... مهند فوق خدّيه حمايله
ما سحر هرون إلا من لواحظه ... يسبي القلوب وفي الأجفان نايله
تخال نور الأقاحي من مقبّله ... والغصن ما ضمنت منه غلايله
ما زلت أبذل روحي في رضاه كما ... جود الخليفة مبذول ونايله
وفيها مات الحافظ زكي الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد ابن أبي يداس البرزالي (٥) المحدث الاشبيلي في رابع عشري رمضان بحماة. وكان معتنيا بعلم الحديث مفيدا
стр. 108
لأصحابه متواضعا. أقام بدمشق سنين كثيرة بمسجد فلوس وغيره، ثم سافر في هذه السنة الى حلب ورجع الى حماه فمات بها.
وفيها مات أبو الوفا مودود (١) ابن مسعود بن محمد بن مرامل الواسطي، كان شاعرا محسنا كثير الشعر فمنه قوله: [الرمل]
وهو أجفانك المرضى الصحاح ... لم يمل سمعي الى واش ولاح
(٣٧ أ) يا غزالا حكم الحسن له ... بعد صوني في هواه بافتضاحي
لست أدري إذ بدا ثغرك لي ... أهو الأحسن ام نور الأقاحي
ورضاب فيه هل يشفى به ... ظمأي يوما فقد طال التياحي
كم ليال بتّ فيها أجتني ... ورد خدّيه بجدّ ومزاح
وفيها مات النجم هلال ابن أبي الفضل المعروف بابن الحلاوي (٢) الشاعر، كان شاعرا مجيدا فمن نظمه: [الطويل]
وأغيد ممشوق القوام مهفهف ... أغنّ غضيض الطرف طاوي الحشى أحوى
أخفّ على قلبي متى أدع باسمه ... وأكرم عندي من سليمى ومن علوى
من الترك ألمي لا تدانى صفاته ... سعاد ولا تسموا الى حسنه اروى
جفا فجفا أجفان عيني رقادها ... على علمه أنّي على البين لا أقوى
ومولده في سنة ثمان وستين وخمسمائة ومات في هذه السنة، وكان شاعر ملوك حلب.
وفيها مات أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد المجيد بن اسماعيل بن عثمان بن يوسف بن الحصين بن حفص، الإمام جمال الدين بن الصفراوي (٣) الإسكندري المالكي المقرئ المفتي. كان من الأئمة الأعلام، إنتهت اليه رئاسة الأفراد والفتوى ببلده، وحدث ببلده وبمصر وبالمنصورة، وكان قرأ القراءات على أبي القاسم عبد الرحمن بن خلف ابن محمد بن
стр. 109
عطية القرشي وعلى أبي العباس أحمد بن جعفر الغافقي وأبي يحيى اليسع (١) ابن عيسى بن حزم (٣٧ ب) وأبي الطيب عبد المنعم ابن الخلوف، وتفقه على العلاّمة أبي طالب صالح ابن اسماعيل بن بنت معافى وسمع السلفي واسماعيل ابن عوف وأبا العثماني وجماعة، وهو آخر من قرأ على الأربعة المذكورين وخرج لنفسه مشيخة، وكان صاحب ديانة وجلال.
وفيها مات صاحب ماردين وهو الملك المنصور ناصر الدين أرتق (٢) ابن إرسلان ابن ألبي ابن آل غازي ابن تمرتاش ابن ألبي ابن أرتق التركماني الارتقي. وكان المعظم (٣) قد صاهره في سنة ثماني عشرة وستمائة، وكان ناصر الدين هذا شجاعا مقداما جوادا، ما قصده قاصد فخيبه، وكانت وفاته بماردين (٤) قتله ولده خنقا وهو سكران (٥).
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين وستمائة
فيها اتفق (٦) الناصر داوود والصالح نجم الدين أيوب وأخرجه من الحبس، لكنه كان عنده لا يركب إلا ومعه جماعة موكلين به، فبلغ الملك العادل ذلك فأمر بخروج الدهليز وخروج العساكر، وخرج السلطان الملك العادل الى بلبيس (٧) وخيم عليها، وكان قصده التوجه الى حصار الكرك لعله ينال قصده من أخوه (٨) ومن ابن عمه. فلما نزل السلطان بلبيس أتفق جماعة من الأمراء ومماليك (٩) السلطانة الكبار والخدم على خلع السلطان الملك العادل، والذي قام في ذلك الأمر عز الدين أيبك الفائزي (١٠) والطواشي، صفي الدين جوهر النوبي، ووافقهم على ذلك جماعة كثيرة، وهجموا على السلطان وقبضوا عليه وقيّدوه وخلوه
стр. 110
داخل خركاه (١)، وشرعوا الدهليز ورتبوا حول الدهليز جماعة رجالة وخيالة يحفظوه (٢) ليل نهار، فبلغ ذلك الى الأمراء الأكابر والأكراد، فأرادوا النهوض في خلاصة، عند ذلك ركب الخدام ومن معهم (٣٨ أ) وقصدوا نهب الأمراء وطاقاتهم. فلما رأوا (٣) الأمراء ذلك كاسروا عما أرادوا يفعلوه.
وفيها كتبوا (٤) الخدام ومن كان معهم، كتابا الى السلطان الملك نجم الدين أيوب يسألوه (٥) سرعة الحضور، وعرفوه ما جرى جميعه وحلفوا له جميعا، وكتبوا الى السلطان الملك الناصر داوود يسألوه حضوره صحبة السلطان. فلما وصلت الكتب الى الكرك ووقف الناصر داوود على ذلك، أوقف عليه السلطان الملك الصالح وتحالفا على ما اتفقا عليه وتعاهدا وركبا بجماعة كثيرة وتوجهوا نحو الديار المصرية.
قال أبو المظفر (٦): حكى الي الصالح نجم الدين، قال: ما قصدت بمجيء الناصر معي إلا خوفا أن تكون معمولة (٧) علي ومنذ فارقنا غزة تغير علي، ولا شك أنّ بعض أعدائي أطمعه في الملك، فذكر لي جماعة من مماليكي أنّه تحدث معهم في قتلي، وليلة نزلنا بلبيس، شرب وشطح الى العادل، فخرج من الخركاه، وقبّل الأرض بين يديه، فقال له: كيف رأيت ما أشرت عليك ولم تقبل مني. فقال يا خوند (٨) التوبة، فقال: طيب قلبك الساعة أطلقك، ثم قال الصالح وجاء ودخل علي الخيمة ووقف فقلت له: بسم الله اجلس، فقال ما أجلس حتى تطلق العادل، فقلت له: اقعد وهو يكرر الحديث [فسكت] (٩) ولو أطلقته لضرب (١٠) رقابنا كلنا، فنام، فما صدقت بنومه، فقمت في باقي الليل فأخذت العادل في