لطيفة. وكانت وفاته بمدينة الموصل في النصف من شعبان.
وفيها مات أمير المؤمنين المستنصر بالله، أبو جعفر (١) عبد الله بن محمد، في الثاني والعشرين من شهر جمادي الآخرة من هذه السنة (٢)، وقيل من سنة ثمان والله أعلم. وكان مدة خلافته خمس (٣) عشرة سنة وأحد عشر شهرا وخمسة أيام على فراسة ببغداد. وكان ملكا حازما، جيد السياسة، كثير العدل والإحسان، وكانت الرعيّة تحبه لعدله. وفي أيام خلافته قصدوا (٤) عساكر التتار بغداد، فاستخدم العساكر وكسرهم وأفنى منهم خلقا، ومات وعمره إحدى وخمسون سنة وأربعة أشهر وسبعة أيام. عمّر المدرسة المستنصرية ووقفها على المذاهب الأربعة، وليس في الدنيا مثل هذه المدرسة ولا بني مثلها في سالف الأعوام وهي في العراق كجامع دمشق.
(٥٥ ب) خلافة المستعصم بالله عبد الله بن الخليفة المستنصر بالله وكنيته أبو
أحمد (٥)
وهو السابع والثلاثون من الخلفاء العباسيين، بويع بالخلافة في التاريخ المذكور.
وفيها مات صاحب المغرب الرشيد بالله عبد الواحد (٦) ابن السلطان المأمون أبي العلاء ادريس بن يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن صاحب المغرب وأمير المؤمنين به. ولي الأمر سنة ثلاثين وستمائة بعد أبيه، وكان أبوه قد قطع خطبة المهدي ابن تومرت (٧) فأعاد الرشيد ذكرها
стр. 142
واستمال بها قلوب جماعة، وبقي كذلك إلى أن مات غريقا في بحيرة ببستانه بمراكش، وكان قد عمل في البحيرة مركبا تقذف به جواريه فانقلب بهن فغرقوا وذلك في سنة أربعين وستمائة (١)، وكتموا موته شهرا، وولي بعده أخوه السعيد علي بن ادريس، وقد تقدم ذكر والده وسيأتي ذكر أخيه علي السعيد.
ثم دخلت سنة أربعين وستمائة
فيها استولى صاحب الروم (٢) على آمد وبلادها. وفيها غارت الخوارزمية على أعمال الرّها وحرّان وأخربوا وقتلوا خلق كثير ونهبوا مال عظيم (٣).
وفيها قام بتدبير المملكة الحلبية شمس الدين لؤلؤ أتابك الملك الناصر صاحب حلب بحكم وفاة صاحبة حلب ابنة الملك العادل الآتي ذكر وفاتها.
وفيها وصل لشهاب الدين غازي منشور بخلاط وأعمالها مع شمس الدين [الأصبهاني] (٤) نائب الروم (٥)، فتسلم غازي خلاط وما معها.
[الوفيات]
وفيها (٥٦ أ) ماتت الست ضيفة (٦) خاتون بنت السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، زوجة الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح الدين صاحب حلب. كانت امرأة حازمة كثيرة التدبير، دبرت الملك بعد زوجها الملك الظاهر في مدة حياة ولدها العزيز، ثم دبرت الملك بعد وفاة ولدها في مدة حياة ولد ولدها الملك الناصر ابن العزيز، ولما قربت وفاتها أوصت الى الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكة، فدبر الملك أحسن تدبير وعدل في الرعية، وكان
стр. 143
يجلس الملك الناصر على طراحة الملك ويجلس لؤلؤ بين يديه ويقضي حوائج الناس.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وستمائة
فيها قصد السلطان الملك المظفر [شهاب الدين غازي] (١) صاحب ميافارقين المجيء إلى حلب وأخذها، ووافقه صاحب ماردين على ذلك، وكتب الى ملوك الخوارزمية الذين تقدم ذكرهم، وأطمعهم بالأموال وأخذ البلاد، فاجتمعوا إليه في عشرين ألف فارس، وجمع من التركمان ثلاثين ألف فارس وسار بهم، فخرج اليهم عسكر حلب ومقدمهم الملك المنصور صاحب حمص والتقوا [في الخابور] (٢) وتقاتلوا قتل شديد (٣)، فانهزم الملك المظفر صاحب ميافارقين والخوارزمية والتركمان، واستولوا الحلبيين (٤) على أموالهم.
وفيها جاءت الزيادة الكبرى (٥) بدمشق التي ما عهد مثلها، فوصلت الى حائط جامع العقيبة (٦).
وفيها (٥٦ ب) أخذوا (٧) التتار سيواس (٨) وقيساريّة (٩) بالسيف وأخذوا الروم وقرروا على صاحبها في كل سنة أربعمائة (١٠) ألف دينار.
وفيها ترددت الرسل بين السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب وعمه الصالح
стр. 144
اسماعيل في الصلح، وقدم الشرف ابن التيتي (١) والأصيل الاسعردي الخطيب، واطلق المغيث ابن الصالح وركب وخطب للصالح نجم الدين أيوب بدمشق، ولم يبق إلا أن يتوجه المغيث الى مصر، ورضي الصالح أيوب ببقاء دمشق على الصالح اسماعيل بعد أن سلّم اليه ولده المغيث عمر، فأفسد السامري وزير الصالح اسماعيل الحال (٢) وقال للصالح اسماعيل هذا خاتم سليمان ولا تخرجه من يدك، فتقدم الملك، فتوقف الأمر ولم ينتظم الصلح، ومنع المغيث من الركوب وحبس في برج بالقلعة وفسدت الأحوال، فكتب الصالح أيوب الى الخوارزمية فعبروا الفرات وانقسموا قسمين، قسم جاء الى بقاع بعلبك وقسم على غوطة دمشق، ونهبوا وسبوا وقتلوا، وسد الصالح اسماعيل أبواب دمشق وجاء (٣) الخوارزمية فنزلوا غزة.
قال أبو المظفر (٤) كنت في سنة إحدى وأربعين بمصر عند الصالح أيوب فاستأذنته في السفر الى الاسكندرية، فأذن لي، فقدمت الاسكندرية فوجدتها كما قال الله ذات قرار ومعين، معمورة بالعلماء، معمورة بالأولياء [الذين هم في الدنيا شامة] (٥) مثل الشيخ محمد القباري، والشاطبي، وابن أبي شامة، ووجدتها [أولى] (٦) بقول ابن القيسراني (٧) ﵀ في [وصف] (٨) دمشق، حيث يقول: [البسيط]
(٥٧ أ) أرض تحلّ الأماني من أماكنها ... بحيث تجتمع الدنيا وتفترق
إذا شدا الطير في أغصانها وقفت ... على حدائقها الأسماع والحدق
стр. 145
وفيها في يوم الجمعة بعد الصلاة، صبيحة عيد الأضحى قبض على أعوان القاضي الرفيع الجيلي الظلمة، وكان كبيرهم الموفق حسين بن عمر بن عبد الجبار الواسطي (١)، ثم بعد أيام قبض عليه، وصارت (٢) أعوانه في العذاب والعصير والمصادرات الى سنة اثنتين وأربعين، الى أن خنق الرفيع وسيأتي ذكر ذلك في مكانه.
وفيها في ثاني شوال يوم الأحد زلزلت الأرض ثلاث مرات ببغداد (٣)، فنظموا الشعر في ذلك كثير، فمن شعر الأمير ركن الدين ابن قراطاي قوله: [الطويل]
أيا حامي الإسلام والمالك الذي ... محبته فينا من الواجب الفرض
هنيئا لك الجيش الذي رمت عرضه ... فزلزلت الدنيا به ليلة العرض
وكنت ترى في كورة الأرض رعبه ... وقد زلزلت من خوفه كرة الأرض
وفيها في يوم عيد النحر ولي السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب القاضي أفضل الدين الخونجي (٤) الحكم بمصر والوجه القبلي، وذلك بعد عزل القاضي صدر الدين موهوب الجزري (٥).
ثم دخلت سنة اثنتين وأربعين وستمائة
وفيها كانت الوقعة العظيمة بين الخوارزمية والفرنج، وذلك لما نزل الخوارزمية غزة، (٥٧ ب) بعث اليهم الصالح أيوب الأموال والخلع والخيل والقماش والعساكر، وأمرهم بالنزول على دمشق. فاتفق الصالح اسماعيل والناصر داوود والمنصور صاحب حمص مع
стр. 146
الفرنج على الخوارزمية وعسكر مصر. وكان الصالح اسماعيل قد أعطى للفرنج الشقيف (١) من بلاد المسلمين وصفد وكانت خرابا، فخرج اسماعيل من دمشق ونزل الشقيف [وسلمه إليهم بنفسه] (٢) وجهّز الناصر داوود عساكره من نابلس مع الظهير بن سنقر الحلبي والوزيري.
قال أبو المظفر (٣): وكنت يومئذ بالقدس [والناصر بالكرك] (٤) واجتمعوا بأسرهم على يافا والخوارزمية وعسكر مصر على غزة. وصار (٥) عسكر دمشق تحت أعلام الفرنج، وعلى رؤوسهم الصلبان والقسوس في الاطلاب يصلّبون على المسلمين وبأيديهم كاسات الخمر [يسقونهم] (٦). وساقوا الخوارزمية وعسكر مصر والتقوا على مكان يقال له أريحا (٧) بين عسقلان (٨) وغزة، وكانت الفرنج في الميمنة وعسكر الملك الناصر في الميسرة وابن صاحب حمص في القلب، وكان يوما عظيما لم يجر في الإسلام مثله، فأول ما كسرت الميسرة وهرب الوزيري و [أسر] (٩) الظهير بن سنقر الحلبي وجرح في عينه، وأخذ جميع ما له وأصبح فقيرا، وانهزم ابن صاحب حمص ومالت الميمنة بالفرنج فرأوا القلب والميسرة قد انكسروا وأحاطت بهم الخوارزمية. وكان عسكر مصر قد انهزموا الى قريب العريش ورموا كوساتهم (١٠) وأثقالهم وثبتت الخوارزمية وحصدوا الفرنج حصدا وأسروا (٥٨ أ) منهم ثمان مائة أسير ووصلوا الأسارى الى مصر والظهير معهم وعلقت الرؤوس على أبواب القاهرة وامتلأت الحبوس من الأسرى (١١).
стр. 147
وجهز الصالح أيوب معين الدين بن الشيخ (١) لحصار دمشق وأقامه مقام نفسه، وأمره أن يقعد على رأس السماط وفي الركوب، وأن يقف الطواشي شهاب الدين رشيد في خدمته استادار، وأن يقف أمير جاندار (٢) والحجاب في خدمته على السماط وفي الركوب. وكتب الى ملوك الخوارزمية أن يسيروا جميعا في خدمته (٣)، فسارت العساكر الى دمشق وحاصروها حصار شديد (٤)، ثم أنّ الصلح وقع على أنّ يسلموا مدينة دمشق والقلعة للصاحب معين الدين على شرط أن يمكنهم من الخروج ولا يتعرض أحد اليهم ولا لشيء من أموالهم، وأن يكون للملك الصالح اسماعيل ما كان له أولا وهي: بعلبك وأعمالها وبصرى وأعمالها [وبلاد السواد جميعه وللملك المنصور مملكته وهي حمص] (٥)، وتدمر وأعمالها والرحبة وأعمالها (٦).
فوقع الاتفاق على ذلك وحلف الصاحب معين الدين ابن الشيخ، ومنعوا الخوارزمية من العبور الى دمشق، وتوجه الصالح والمنصور كل منهم إلى أعماله.
وفيها ولي وزارة العراق، بعد ابن الناقد (٧)، الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي (٨) الرافضي.
وفيها جاء ابن الجوزي (٩) ومعه خلعة للسلطان نجم الدين أيوب، وهي عمامة سوداء وفرجية (١٠) مذهّبة، وثوبان ذهب وسيف مسقط بذهب وعلمان [حرير] (١١)، وحصان وترس ذهبية (١٢).
стр. 148
وفيها عزل القاضي الرفيع [الجيلي] (١) عن مدارسه، وكان ذلك (٥٨ ب) في أواخر السنة الماضية، وسبب عزله وقتله، الوزير السامري (٢)، فإن الرفيع كتب الى الصالح اسماعيل: «قد حملت الى خزانتك ألف ألف دينار من أموال الناس»، فقال السلطان «ولا ألف ألف درهم»، وأوقف السامري على ورقة الرفيع، وكان الله تعالى قد سخر الصالح اسماعيل للسامري فلو قال له مت لقال لداعي الموت أهلا ومرحبا ليكون سببا لهلاكه ودماره، فأنكر السامري، فقال الرفيع أنا أقابله، فقال السامري للصالح اسماعيل هذا الرفيع قد أكل البلاد وأقام علينا الشناعات والمصلحة عزله ليتحقق الناس أنك ما أمرته بهذه الأشياء، فعزل عن القضاء أول السنة، وأخذت مدارسه وفوّض أمرها الى الشيخ تقي الدين ابن الصلاح (٣) وأعطى العادلية للقاضي كمال الدين عمر ابن بندار التفليسي (٤) صهر الخوئي، والشامية [البرانيّة] (٥) للشيخ تقي الدين ابن زين الدين الحموي، والعذراوية لمحيي الدين ابن الزكي، والأمينية (٦) لابن عبد الكافي، وغيّب الرفيع فلا يدري ما فعله به، واستقل محي الدين ابن الزكي بالقضاء واستناب الصدر بن سني الدولة (٧)، وحكم محيي الدين بإسقاط شهادات أصحاب الرفيع، العز ابن القطان والزين ابن الحموي والجمال ابن سيدة والموفق الواسطي [والنصير ابن قاضي بعلبك] (٨) وسالم المقدسي وابنه محمد، لما فعلوه بالمسلمين وأكلهم أموال الناس بالباطل. قال (٩): وكانت المحنة الكبرى والطامة العظمى بالواسطي (١٠)
стр. 149
الملقب بالموفق، فإنه أهلك الحرث والنسل، فأهلك الله ذلك الرهط (٥٩ أ) عن آخره.
وفيها ورد كتاب بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل يقول بأنني قررت على أهل الشام قطيعة [للتتار] (١) في كل سنة، على الغني عشرة دراهم وعلى المتوسط الحال خمسة دراهم وعلى الفقير درهمان. وقرأ محيي الدين ابن الزكي الكتاب على الناس، وشرعوا في الجباية.
وفيها في ثامن ربيع الأول استدعي استاذ الدار، مؤيد الدين محمد العلقمي وولي الوزارة ببغداد عوضا عن ابن الناقد بحكم وفاته، وكان هذا الوزير فاضلا، لكن كان السبب في مكاتبة التتار، وفعل في حق المسلمين ما لا يمكن شرحه (٢) فنسأل الله حسن الخاتمة.
وفيها في سابع عشري ذي الحجة، وصلت الأخبار الى بغداد على أجنحة الطيور أنّ الملاعين التتار دخلوا شهرزور (٣)، وخرج عنها صاحبها فلك الدين محمد بن سنقر (٤).
[الوفيات]
وفيها مات الوزير نصير الدين أبو الأزهر، أحمد (٥) بن محمد بن علي بن الناقد أحد أولاد التجار المشاهير وذوي الثروة واليسار. مولده في ليلة الجمعة حادي عشري شوال سنة إحدى وسبعين وخمسمائة، ونشأ في رباض الاشتغال بالكتابة ففوض إليه نظر أوقاف والده
стр. 150
الإمام الناصر في سنة ثلاث عشرة وستمائة، وبقي مدة ثم صرف، ثم استقر في وكالة أولاد الإمام الظاهر، ثم لما تولى الإمام المستنصر ولاّه استاداريته بعد وفاة عضد الدين أبي نصر المبارك ابن الضحاك في محرّم سنة سبع وعشرين وستمائة، فقام بأمور الخدم أحسن قيام، ثم ولي الوزارة في سابع عشر شوال (٥٩ ب) سنة تسع وعشرين وستمائة. وعرض له ألم مفاصل بعد خمس سنين من ولايته، امتنع بها من القيام والحركة، ولم يزل مبجلا مكرما الى حين وفاته في ليلة الجمعة سادس ربيع الأول، فتقدم الأمر لكبار الدولة وأعيان الأمراء والقضاة، ومشايخ الصوفية والربط والصدور والحجاب والأعيان والأماثل بالحضور الى جامع القصر، فحضروا ثم غسل الوزير المذكور وتولى غسله المدرس بالنظامية، نجم الدين عبد الله البادرائي (١)، ثم حمل تابوته مغشّى وبين يديه القرّاء والحجاب والنواب والكتّاب والدوادارية، ثم صلى عليه أبو طالب الحسين ابن المهتدى (٢) نقيب النقباء، ثم حملت الجنازة وأدخلت باب العربة (٣) المستجدة، وجعلت في شباره (٤) وشيعها كافة أرباب الدولة والصدور، واستاذ الدار مؤيد الدين ابن العلقمي، ودفن بتربته بالمشهد الكاظمي (٥). وكان أديبا فاضلا كاتبا مترسلا للرعايا حافظا وللعلماء رافعا. وكان صالحا عفيفا متواضعا دينا قارئا للقرآن رحمه الله تعالى.
وفيها مات نجم الدين ابن سلام (٦)، واسمه الحسن بن سالم ابن سلام. كان أبوه من أكابر عدول دمشق، يدعى بالشيخ الأمين، ونشأ نجم الدين على ما كان أبوه [أولا] (٧)، وكان ذا مروءة وعصبية، وكان جوادا [سخيا] (٨) كريم الأخلاق حسن العشرة، يحب الصالحين ويزورهم ويبرهم. وله في شهر رمضان دار ضيافة لا يمنع منها أحدا. وتغيرت أحواله في آخر عمره، فإنه دخل في أشياء (٦٠ أ) لا تليق بأبناء جنسه للطمع في الدنيا.
стр. 151
وكانت وفاته في ذي الحجة ودفن بقاسيون.
وفيها مات الشيخ تاج الدين الملقب بشيخ الشيوخ، وهو [أبو] (١) محمد عبد الله ابن عمر بن علي بن محمد بن علي بن حموية بن محمد بن محمد ابن أحمد بن أبي نصر بن حموية ابن علي في سادس [عشر] (٢) صفر وصلى عليه بجامع دمشق، ودفن بمقابر الصوفية عند المنيبع. كان شيخا حسنا متوضعا عالما فاضلا نزها أديبا، صحيح الاعتقاد شريف النفس عالي الهمة، قليل الطمع لا يلتفت الى أحد من خلق الله لأجل الدنيا لا من أهله ولا من غيرهم. صنف تاريخا مليحا.
قال أبو المظفر (٣)، وكان يحضر مجالسي ويزورني، وأنشدني لنفسه: [البسيط]
لم ألق مستكبرا إلا تحوّل لي ... عند اللقاء له الكبر الذي فيه
ولا حلالي من الدنيا ولذتها ... إلا مقابلتي للتيه بالتّيه
قال أبو المظفر: ونقلت من خط ولده سعد الدين ¦ مسعود ¦ (٤)، قال: ولد والدي [تاج الدين] (٥) يوم الأحد رابع عشر شوال سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وكان مفننا في العلوم، عالما بالأصلين، [والفروع والترسل والتواريخ والهندسة والطب] (٦). وتاج الدين هذا هو عم الأمير فخر الدين ومعين الدين وعماد الدين وكمال الدين أولاد شيخ الشيوخ صدر الدين. ومن مصنفاته كتاب «السياسة الملوكية» صنفه للكامل صاحب مصر، و «المسالك والممالك» وعطف الذيل (٧) في التاريخ»، وله «أمالي وتخاريج» وغير ذلك. وسافر الى الغرب في سنة ثلاث وتسعين (٦٠ ب) وخمسمائة، ووصل الى مراكش واتصل بالملك المنصور يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن، فأحسن إليه وقدمه على جماعة وأقام في خدمته حتى مات يعقوب المذكور، وعاد الى الشام في سنة [ستمائة وحج تاج الدين] (٨) سنة أربع وستمائة مع
стр. 152
أخيه صدر الدين وولد له سعد الدين مسعود في سادس عشر ربيع الأول سنة إثنتين وتسعين وخمسمائة [وولد شرف الدين أبو بكر في المحرم سنة ثمان وستمائة] (١)، ومات (٢) وله خمس وسبعون سنة، وكان مرضه بالسعال والإسهال.
وفيها مات القاضي الرفيع عبد العزيز بن عبد الواحد بن اسماعيل أبو حامد الجيلي (٣)، الذي فعل بأهل دمشق تلك الأفاعيل، ففعل به. وبأصحابه أشد مما فعل. قال أبو المظفر (٤)، حكي لي جماعة من أعيان أهل دمشق أنّه كان فاسد العقيدة مستهترا بأمور الشريعة وأنه كان يخرج يوم الجمعة الى الجامع سكرانا وكذلك كان يجلس في مجلس الحكم وأنّ داره كان مثل الخانات [النساء بالرجال مختلطات] (٥)، وقال أبو المظفر: وحكي لي جماعة من العدول من أعيان أهل بعلبك ان السامري (٦) بعث به في الليل الى قلعة بعلبك على بغل بعض النصارى ببرذعة فاعتقله ثم بعد ذلك بعثه الى مغارة أفقه في جبل لبنان من ناحية الساحل، ثم بعث إليه عدلين من عدول بعلبك، شهدوا (٧) عليه أنّه باع جميع أملاكه للسامري.
قال أبو المظفر: حكى لي أحد العدلين، قال: رأيته وعليه قندورة (٦١ أ) صغيرة وعلى رأسه تخفيفة، فبكى وقال لنا معكم شيء آكل، فلي ثلاثة أيام ما أكلت شيئا، قال فأطعمناه من زادنا، وشهدنا عليه ببيع أملاكه [للسامري] (٨) ونزلنا من عنده فبلغنا أنّ داوود [النصراني] (٩) سيف النقمة جاء اليه وقال له قم، فقد أمرنا بحملك الى بعلبك، فأيقن الهلاك وخرج معه، وقال: دعوني أصلي ركعتين فقال داوود، صلي (١٠)، فقام يصلي وأطال، فرفسه داوود من رأس شقيف مطل على نهر إبراهيم فوقع، فما وصل الى الماء إلا وقد تقطع.
قال أبو المظفر: وحكى لي أنّه تعلق ذيله بسن الجبل، فما زال داوود يضربه بالحجارة حتى
стр. 153
مات (١).
وفيها مات الملك المغيث عمر بن الملك الصالح أيوب، كان ولدا حسنا عاقلا دينا، لم يحفظ عنه كلمة فحش. أسره الصالح إسماعيل في سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وحبسه في بعض أبراج قلعة دمشق وتخلى عنه أبوه بعدما بالغ واجتهد في خلاصه، فلم يقدر. وما كان السبب في موته إلا السامري، فإنه ضيّق عليه وآذاه، فمات غما وغبنا ليلة الجمعة ثاني عشر ربيع الآخر، وحمل الى تربة جده الكامل فدفن بها (٢).
وفيها مات الشيخ مهذب الدين أبو طالب محمد بن أبي الحسن علي بن علي بن علي بن المفضل ابن القامغار المعروف بابن الخيمي (٣). كان إماما في اللغة، راوية للشعر والأدب.
مولده الثامن والعشرين من شوال سنة تسع وأربعين وخمسمائة بالحلّة المزيدية (٤). وله نظم حسن (٦١ ب) فمنه قوله: [الكامل]
قالت معاشر من نحاة بلادنا ... إذ قلت لم صرتم عليّ مع العدا
رفع الجميل وكان مبتدأ به ... أو ليس قد أمروا برفع المبتدأ
وله: [البسيط]
الحمد لله في حلّي وفي ظعني ... أنّ الزمان غليظ القول أسمعني
كأنني بيت شعر لا يقام له ... وزن وكان عروضيا فقطّعني
سمع بالموصل من أبي الفضل الطواسي الخطيب وغيره وبدمشق من أبي المظفر أسامة بن منقذ (٥) وغيره، وسمع بالقاهرة من البوصيري (٦) وغيره. وكانت وفاته يوم الأربعاء عشرى
стр. 154
ذي القعدة (١) سنة تاريخه. حكي عنه أنّه كان يقول: كنت كثير الجواز على قبور بني أيوب، في قدم الزمان، فأصابني ضيق، فرأيت في النوم كأن من قبورهم قبر شمس الدولة [توران شاه بن أيوب] (٢)، فقصدت إليه، فوجدت قبرا عظيما مفتوح الباب، وهو فيه مسجى بكفنه ومعي قصيدة أمتدحه بها، فأنشدته إياها فلما فرغت من إنشادي أستتر عني في زاوية القبر فيما أظنه، وخلع كفنه فرمى به اليّ فيما بدا لي، فرأى في وجهي أثر النوم والانكسار، فأنشدني: [البسيط]
لا تستقلّنّ معروفا سمحت به ... ميتا وأمسيت منه عاري البدن (٣)
ولا تظننّ جودي شأنه (٤) بخل ... من بعد بذلي ملك الشام واليمن
(٦٢ أ) اني خرجت من الدنيا وليس معي ... من كل ما ملكت كفّي سوى كفني
وفيها مات الملك المظفر تقي الدين محمود (٥) بن السلطان الملك المنصور، ناصر الدين أبو المعالي، محمد ابن الملك المظفر تقي الدين عمر ابن الأمير نور الدولة شاهنشاه ابن أيوب، صاحب حماه. مولده يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان سنة تسع وتسعين وخمسمائة. وتملك حماة في سنة ست وعشرين وستمائة عندما انتزعها السلطان الملك الكامل ابن العادل صاحب مصر من الناصر قليج أرسلان أخو تقي الدين محمود المذكور، وسلمها الكامل اليه، فلم يزل بها حتى مات يوم السبت ثامن جمادى الأولى من هذه السنة.
وفيها مات السلطان أرسلان (٦) شاه بن عز الدين مسعود ابن قطب الدين مودود، ابن عماد الدين زنكي ابن أقسنقر. كان محبوبا الى والده، ولما ملك شهرزور وحضرته الوفاة، أخذ له العهد على الأمراء والأجناد والأعيان، وساعده جده ولاقى التتار مرارا عديدة.
وكانت وفاته يوم الأحد رابع عشر شعبان.
стр. 155
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة
وفيها استقر معين الدين ابن الشيخ على دمشق وأعمالها وحصونها وبلادها، ودبرها أحسن تدبير (١)، وأقطع ملوك الخوارزمية في بلاد دمشق والساحل بمناشيره. فلما بلغ هذا السلطان الملك الصالح [نجم الدين أيوب] (٢)، وأيضا خروج الصالح اسماعيل الى بعلبك، أرسل ينكر على الصاحب معين الدين (٦٢ ب) وعلى الطواشي شهاب الدين رشيد الكبير وعلى الأمراء المصريين. فلما وصلت كتب السلطان الى الأمراء، كتبوا له الجواب: إننا نحن في خدمة من قدّمه مولانا السلطان وأمرنا بامتثال أمره، وأنّه حلف على الشروط، وأرسلوا الكتب للسلطان، فرجع الجواب من السلطان، أن الصاحب معين الدين حلف وأنتم ما حلفتم، فلو مسكتموه ما كان عليكم فيه إثم. و [أمر] (٣) أن يجهّز اليه الى مصر تحت الحوطة الركن الهيجاوي وأمين الدولة (٤) وزير صاحب بعلبك، فسيروهم كما رسم فأعتقلهم بالقلعة.
وفيها نزل الأمير سيف الدين علي بن قليج من قلعة عجلون، وسلمها الى نواب السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب صاحب مصر، ورحل المذكور الى دمشق وأقام بها.
[الوفيات]
وفيها مات الصاحب معين (٥) ابن الشيخ بدمشق ليلة الأحد ثاني عشري رمضان، وصلي عليه بجامع دمشق ودفن بقاسيون. وكان مرضه بالإسهال والدم، ومولده في المحرم سنة ست وثمانين وخمسمائة وقيل سنة ثمان وثمانين. ودفن الى جانب أخيه عماد الدين، وكان بين بلوغ أمنيته وحلول منيته أربعة أشهر وخمسة عشر يوما. وكان جوادا كريما دينا صالحا.
وفيها أفرج السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب عن الأمير فخر الدين ابن
стр. 156
الشيخ، وكان قد اعتقله أول ما تملك لأمر بلغه عنه (١).
وفيها بلغ السلطان الملك الصالح عماد الدين اسماعيل صاحب بعلبك (٦٣ أ) ما ورد على الأمراء من الإنكار بسببه، كونهم مكّنوه من الخروج من دمشق ولم لا مسكوه (٢). فلما بلغه ذلك وتحققه، خاف على نفسه وكاتب الأمير عز الدين صاحب صرخد والى ملوك الخوارزمية، وأوعدهم وأعطاهم واتفقوا جميعا على قصد دمشق ورحلوا إليها وحاصروها حصارا شديدا، وشنوا الغارات في الأعمال وأخربوها، وقطعوا الميرة عن مدينة دمشق، فغلت بها الأسعار، وبلغت كل غرارة قمح ألف وستمائة درهم، واستمر ذلك مدة ثلاثة شهور، ورحلوا عنها ولم ينالوا منها غرضا (٣).
وفيها ماتت ربيعة خاتون (٤) بنت أيوب أخت السلطان صلاح الدين والعادل. تزوجها أولا سعد الدين مسعود بن معين الدين [أنر] (٥) ثم مات سعد الدين، فزوّجها العادل (٦) لمظفر الدين صاحب إربل، فأقامت بإربل، ثم قدمت دمشق وخدمتها أمة اللطيف العالمة، إبنة الناصح بن الحنبلي، فحصل لها منها أموال جمّة. وبنت للحنابلة بقاسيون مدرسة (٧).
وتوفيت بدمشق بدار العقيقي، ودفنت بقاسيون وقد جاوزت ثمانين (٨) سنة لأن أباها أيوب مات في سنة ثمان وستين وخمسمائة. وكان لها أموال جمة، وأما العالمة (٩) فإنها قاست بعد موت ربيعة خاتون شدائد عظيمة من الحبس والمصادرة وأخذ المال، وأقامت محبوسة ثلاث سنين بقلعة دمشق.
قال أبو المظفر (١٠)، ودخلت مع نواب الصالح في قضيتها وبالغت في أمرها (٦٣ ب)
стр. 157
حتى أطلقت من الحبس وتزوجت بابن صاحب حمص (١) الملك الأشرف، وسافر بها الى الرحبة وتلّ باشر، فتوفيت هناك سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وظهر لها بدمشق من المال والذخائر والجواهر واليواقيت وغير ذلك ما يساوي ستمائة ألف درهم غير الأملاك والأوقاف، ومع هذا كانت فاضلة صالحة دينة عفيفة. لها تصانيف ومجاميع وتواليف وغير ذلك رحمها الله تعالى.
وفيها مات الشيخ الإمام العالم العلاّمة، تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن ابن عثمان ابن الصلاح (٢)، الفقيه المحدث المفتي. كان مقيما بالقدس الشريف ثم قدم دمشق لما خرب القدس، وأقام بدمشق، ودرس بها وسمع الحديث وأسمعه. وولاه الأشرف دار الحديث الأشرفية، وكان يفتي ويناظر. وله التصانيف الكثيرة من جملتها «علوم الحديث» و «أشكال الوسيط» (٣) وغيره. مولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة هجرية بشهرزور. ومات ليلة الأربعاء خامس عشري ربيع الآخر وصلي عليه بجامع دمشق، ودفن بمقابر الصوفية.
وكان قد سافر البلاد، فسمع بنيسابور، منصور بن عبد المنعم بن عبد الله بن محمد ابن أبي الفضل الفراوي، وكان ابن الصلاح يقول للفراوي ثلاث كنى: أبو الفتح وأبو القاسم وأبو بكر. وسمع أيضا المؤيد ابن محمد بن علي الطواسي، وأبي بكر القاسم ابن الإمام أبي سعد عبد الله بن أحمد بن (٦٤ أ) عمر الصفّار ومحمد وأبا المظفر عبد الرحيم ابن أبي سعيد عبد الكريم بن محمد السمعاني وعمر بن طبرزد وغيرهم.
قال أبو المظفر (٤) وزارني يوما بتربة حسن (٥)، على نهر ثورا في أيام المعظم (٦)، وقال إسأله أن يعطيني مدرسة، قال وكان المعظم يكرهه، فما زلت حتى استصلحته له، وأنشدني في ذلك اليوم لغيره. [مجزوء الكامل]
стр. 158
احذر من الواوات أر ... بعة فهنّ من الحتوف
واو الوصية والوكا ... لة والوديعة والوقوف
وكان أوحد عصره في التفسير والفقه وأسماء الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونقل اللغة، وكان له مشاركة في فنون عديدة. قرأ الفقه على والده، وكان من جلّة المشايخ الأكراد المشار اليهم، ثم نقله والده الى الموصل واشتغل بها، وتولى الإعادة عند الشيخ أبي حامد ابن يونس بالموصل، ثم سافر الى خراسان وأقام بها زمانا، وحصّل علم الحديث هناك، ثم رجع الى الشام وتولى التدريس بالمدرسة الرواحية التي أنشأها الزكي هبة الله بن رواحة (١) الحموي. وكان من العلم والدين على قدر عظيم. وكانت وفاته يوم الأربعاء وقت الصبح، وصلي عيه بعد الظهر خامس عشري ربيع الآخر بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية خارج باب النصر. ومولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة بشرخان، وشرخان قرية من قرى إربل قريبة من شهرزور، ﵀.
(٦٤ ب) وفيها مات أبو العباس، أحمد بن سيد الفضلاء والوزراء، القاضي الفاضل مجير الدين عبد الرحيم، وزير الملك الناصر صلاح الدين الملقب بها الدين المعروف بالقاضي الأشرف (٢). رسل به للديوان العزيز ببغداد مرارا، وكان الإمام المستنصر والناصر يحترمانه إذا قدم لذاته ووالده وبيته. عرض عليه الكامل الوزارة مرارا فلم يفعل، وتوفر على الرسلية والمشورة والاقتداء برأيه. وكانت وفاته بمصر سابع ربيع الآخر من هذه السنة ومولده في المحرم سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة، ودفن بالقرافة بتربتهم. وكان صالحا نزها عفيفا. سمع الحديث واسمعه ورواه وروى عنه. وله نظم فمنه ما أنشده الوزير ابن الناقد، قوله:
[الكامل]
يا أيها المولى الوزير ومن له ... منن حللن من الزمان وثاقي
من شاكر عني نداك فإنني ... من عظم ما أوليت ضاق نطاقي
منن تخفّ على يديك وإنما ... ثقلت مؤونتها على الأعناق
стр. 159
وفيها مات الشيخ الإمام العالم الورع المقرئ المفتي، علم الدين أبو الحسن، علي بن محمد بن عبد الصمد المصري السّخاوي (١). قرأ القرآن بالروايات على الشاطبي، وشرح قصيدته، وشرح «المفصل» للزمخشري، وله تصانيف وقصائد (٢) في مدح النبي ﷺ . وكان إماما فاضلا زاهدا عابدا ورعا مقتنعا من الدنيا باليسير. وكانت له حلقة بجامع دمشق يقرأ عليه فيها (٦٥ أ) القرآن العظيم والعربية والحديث، فإذا خرج من الجامع الى قاسيون، ركب حمارا والطلبة يقرأون عليه [القرآن] (٣) في الطريق، وانتفع به خلق كثير. وكانت وفاته ليلة الأحد ثاني عشر جمادى الآخرة بدمشق، ودفن بقاسيون. سمع الحافظ السلفي وأبا القاسم هبة الله ابن البوصيري وأبي (٤) الطاهر بن عوف وأبا الفضل محمد ابن يوسف الغزنوي وغيرهم. وله نظم كثير وتصانيف مفيدة ومدائح نبوية. ملكت ديوانا من مدائحه النبوية وقد أثبت له الشيخ شمس الدين ابن خلكان (٥) قطعة من شعره، فمنه ما أنشده حين حضرته الوفاة: [السريع]
قالوا غدا نأتي ديار الحمى ... وينزل الركب بمغناهم
وكل من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلي ذنب فما حيلتي ... بأيّ وجه أتلقّاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم ... لا سيما ممن (٦) ترجّاهم
وكانوا يقرأون عليه ثلاثة أنفس في دفعة واحدة، كل واحد في ميعاده وهو يرد على كل منهم إذا غلط. وله كتاب لطيف في مشتبه القراءات (٧) سماه «السخاوية» ﵀.
وفيها مات الحافظ، ضياء الدين محمد (٨) بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن
стр. 160
الحنبلي، المقدسي الذي عمّر دار الحديث بقاسيون عند الجامع المظفري. كان إماما فاضلا، زاهدا عابدا، ورعا. كانت (٦٥ ب) وفاته في جمادى الآخرة، ودفن بقاسيون. سمع الكثير من الحديث وأسمعه.
وفيها مات الفلك المسيري (١)، وزير العادل بمصر يوم الجمعة تاسع رجب، وكانت له عنده المنزلة العالية. وكان صدرا كبيرا محتشما، وافر الحرمة ظاهر الحشمة، كثير التيه والصلف، رسم الملك الأشرف عليه واحتاط على موجوده في سنة أربع وثلاثين وستمائة لكونه نقل إليه عنه أنّه يكاتب أخاه الكامل (٢). وكان له عنده حظ وافر مع أنه كان يستجهله وفيه يقول القائل:
صعب القيادة يا فلك ... تنقاد لك
أيش هو فلك وأيش هي مسير ... حتى يجي منها وزير
والله ولا راعي حمير ... كنت أجعلك
ترضي غلامك بالنهار ... مرات وباليل ذا مرار
بالصاحب أزعق لي جهار ... قع طز في جوف لحيتك
اسمك مقار ما تعر به ... والمال بالقول تحسبه
والسرج بالصاد تكتبه ... ما أجهلك
(٦٦ أ) لو كان في الدنيا خبير ... كان ركبك فوق الحمير
والبوق خلفك والنفير ... وأنا انذلك
خلي القيادة والفضول ... كم ذا تخاصم كم تصول
وتدعي أنك رسول ... من أرسلك
لو كنت أملك يا قبق ... أمرك جعلتك في الحلق
عريان وفي عنقك حلق ... وأنا أنطلك
وفيها مات عبد الله بن نصر بن علي التنوخي، أبو محمد الدمشقي الصوفي نزيل الفيوم
стр. 161
من ديار مصر. سمع من جماعة كأبي محمد عبد الصمد أبي علي الأصبحي وغيره بعد الثمانين، وأجاز له أبو اليمن الكندي وغيره، وغلب عليه الأمراء من بني أيوب ومعهم قوم الفيوم. نبذ الكتابة وراءه، وأقبل على العلم وتحصيله وكتابة الحديث وتحصيل أصوله. كتب إليه الشيخ جمال الدين يوسف بن محمد بن أحمد الفيومي، صاحب «نثر الجمان في وفيات أعيان الزمان» رقعة يلتمس حضوره، فصادف الرسول عنده بعض الرسل في شغل، فكتب على ظهرها من نظمه قوله:
[الطويل]
(٦٦ ب) كتبت ولو أني ملكت إرادتي ... لسارعت سعيا نحو من أنا رقّه
ومولده بدمشق في شوال سنة إثنتين وثمانين وخمسمائة، ومات بمدينة الفيوم في شوال من هذه السنة رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وستمائة
فيها في ثامن المحرم انكسروا (١) الخوارزمية بحمص على الحبيرة (٢) بها، لما استمال الملك الصالح أيوب، المنصور صاحب حمص إليه، واقتطعه عن الصالح اسماعيل. كتب الى الحلبيين يقول: هؤلاء الخوارزمية قد أخربوا البلاد والمصلحة أن نتفق عليهم، فأجابوه، وخرج شمس الدين لؤلؤ بالعساكر من حلب، وجمع صاحب حمص العرب والتركمان، وخرج إليهم عسكر دمشق واجتمعوا كلهم على حمص، واتفق الصالح اسماعيل والخوارزمية والملك الناصر داوود وعز الدين أيبك، واجتمعوا على مرج الصّفّر (٣)، ولم ينزل الناصر من الكرك وإنما بعث عساكره وبلغهم أن صاحب حمص يريد قصدهم، فقال بركة خان ما تفوتنا والمصلحة أن تسير إليهم، فساروا والتقوا على بحيرة حمص يوم الجمعة سابع المحرم أو ثامنه وكانت الدايرة عليهم، قتل (٤) بركه خان وهرب الصالح اسماعيل وعز الدين أيبك، ومن
стр. 162
سلم من العسكر رجعوا عرايا جياعا ونهبت أموالهم ووصلوا الى حوران، وساق صاحب حمص الى بعلبك وأخذ الربض وسلمه (٦٧ أ) الى ناصر الدين القيمري وجمال الدين هارون، وعاد الى حمص وودّع الحلبيين وساروا الى حلب، وجاء الملك المنصور الى دمشق في خدمة الصالح أيوب، ومضت طائفة من الخوارزمية الى البلقاء (١) فنزل اليهم الملك الناصر من الكرك وصاهرهم واستخدمهم وأطلع عائلتهم الى الصلت، وكذى فعل عز الدين أيبك، وساروا فنزلوا نابلس واستولوا عليها. ومرض صاحب حمص بدمشق ومات بالنيرب (٢)، وحمل الى حمص. وجهز الصالح أيوب، فخر الدين ابن الشيخ بالعساكر الى الشام، فلما وصل الى غزة، عاد من كان بنابلس من الخوارزمية الى الصلت، فقصدهم ابن الشيخ وقاتلهم، فكسرهم وبدد شملهم وكان الناصر معهم، فسار الى الكرك ومعه الخوارزمية، فلم يمكّنهم من طلوع القلعة ولا الربض، وأحرق ابن الشيخ الصلت وساق، فنزل على الكرك، وطلع عز الدين أيبك، الى صرخد، وكان مع الناصر فتحصن بها. وكان كسر الخوارزمية على الصلت في سابع عشر ربيع الآخر. ونزل ابن الشيخ على الكرك (٣) في الوادي، وقاتل الناصر فكتب الناصر إليه: [الطويل]
عدوت على قيس لخفر (٤) جواره ... لا منع عرضي إنّ عرضي ممنّع
وكان عند الناصر داوود صبي أمرد من الخوارزمية مليح يقال له طاش بورك، ابن خان [فطلبه ابن الشيخ] (٥)، فقال الناصر هذا صوته طيب، وقد أخذته ليقرأ عندي القرآن، فكتب إليه ابن الشيخ كتابا غليظا شنيعا وذكره غدره وإيمانه الخائنة، (٦٧ ب) وغير البيت الذي كان أرسل اليه، فقال:
لأبدل عرضي إن عرضي مقطّع
ثم قال لا بد من الصبي الخوارزمي، وأنا أبعث اليك رجل أعمى يقرأ بصوت أطيب
стр. 163
منه فبعثه اليه. وكان حسام الدين أبو علي [الهذباني] (١) بدمشق، فسار الى بعلبك، فتسلم قلعتها باتفاق من الساماني (٢)، مملوك الصالح اسماعيل، وكان حاكما عليها، وبعث أولاد اسماعيل وعياله الى مصر، وتسلم نواب الصالح أيوب بصرى وكان بها الشهاب غازي (٣) واليا، فأعطوه حرستا (٤).
وفيها في ربيع الآخر قدم الصالح اسماعيل في طائفة من الخوارزمية، منهم: كشلو خان الى حلب، هاربين من الصالح أيوب، ولم يبق للصالح اسماعيل في الشام مكان يأوي اليه، فتلقاهم الملك الناصر يوسف صاحب حلب، وأنزل الصالح اسماعيل في دار جمال الدولة الخادم، وقبض على كشلو خان والخوارزمية وملأ بهم الحبوس. قال أبو المظفر (٥): ولما التقى الناصر صاحب حلب الصالح اسماعيل، قال شمس الدين لؤلؤ للناصر: أنظر عواقب الظلم كيف تكون.
وفيها في يوم الخميس سابع (٦) عشر ذي القعدة، قدم الصالح أيوب دمشق، فأحسن الى أهلها، وكان يوما عظيما، وأقام بها خمس عشرة يوما ثم وصل الى بعلبك وكشفها، [ثم رجع ومضى نحو صرخد] (٧) ومشى ناصر الدين القيمري، وجمال الدين ابن مطروح بين عز الدين أيبك وبين الصالح في الصلح بواسطة (٦٨ أ) شمس الدولة ابن العميد، وخرج الصالح أيوب من دمشق ومضى الى بصرى وصعد صرخد، ونزل إليه عز الدين أيبك برأي ابن العميد وتسلم الصالح صرخد، وأقام عز الدين أيبك في ميدانها أياما، وقدم دمشق في ذي الحجة، فنزل بالنيرب وكتب له منشورا بقرقيسياء (٨) والمجدل (٩) وبضياع في الخابور، فلم يحصل له منها شيء. وأحسن الصالح أيوب الى أهل دمشق، وتصدق على المدارس
стр. 164
والربط وأرباب البيوت بما جملته أربعون ألف درهم، وببعلبك بعشرين ألف، وببصرى كذلك. وخلع على أعيان أهل دمشق الخلع السنية، وتوجه الى مصر وتصدق في [القدس] (١) بألفي دينار مصرية وأمر بعمارة سور القدس وذرعه، فكان ستة آلاف ذراع بالهاشمي، فقال: اصرفوا مغل القدس في عمارته، وإن احتاج الزيادة على ذلك أرسلت اليه من مصر.
وفيها أرسل الناصر داوود الى فخر الدين ابن الشيخ يستعطفه ويخضع له، فوقع الاتفاق على أن يسلم من عنده من الخوارزمية وحضر أكابر الخوارزمية الى خدمة الامير فخر الدين، فلما وصلوا إليه أخلع عليهم وأحسن إليهم، ورحل عن الكرك في الوقت، وكبار الخوارزمية في خدمته، فحصل له ضعف، فحمل في محفة الى الديار المصرية (٢).
وفيها بعث الصالح نجم الدين أيوب، الصاحب جمال الدين ابن مطروح الى دمشق وزيرا وأميرا، وأنعم عليه بسبعين فارس بالشام (٣). (٦٨ ب) وفيها ختن الإمام المستعصم ولديه، وانفق على الطهور ماية ألف دينار، كان فيه من الخراف الشواء، ألف وخمسمائة رأس.
وفيها أخذوا (٤) الفرنج مدينة شاطبة من بلاد الاندلس، ثم أجلوا عنها أهلها.
وفيها وصلت الاخبار من البحر صحبة مركب وصل من صقلية الى الاسكندرية، أن البابا غضب على الابرور (٥)، وعامل خواصه الملازمين على قتله، وكانوا ثلاثة، وقال قد خرج الأبرور عن دين النصرانية ومال الى المسلمين فاقتلوه وخذوا بلاده لكم. وأقطع كل واحد منهم مملكة (٦)، فكتب أصحاب الأخبار بذلك الى الابرور، فعمد الى مملوك له فجعله مكانه على التخت وأظهر أنه شرب دواء، وأرسل الى الثلاثة، فجاءوا والمملوك نائم على
стр. 165
التخت، فظنوه الأبرور. وكان الأبرور قد اختفى في مكان ومعه مائة فارس، فلما دخلوا على المملوك، مالوا عليه بالسكاكين فقتلوه، فخرج عليهم الابرور فذبحهم بيده، وسلخهم وحشا جلودهم تبنا وعلقهم على باب القصر. ولما بلغ البابا ذلك، صار الخلف واقعا بينهم.
وكان هذا الأبرور هو الذي أعطاه الكامل القدس، وكان من ملوك الفرنج المعتبرين عندهم.
وفيها تسلم [نواب] (١) الصالح أيوب (٢) حصن الصّبيبة (٣) من الملك (٤) السعيد في سابع عشر ذي الحجة، والملك السعيد هذا هو ابن العزيز ابن العادل أبو بكر، وهو ابن عم (٦٩ أ) الصالح أيوب.
وفيها قبض الناصر داوود على عماد الدين ابن موسك بالكرك، واحتاط على موجوده (٥).
[الوفيات]
وفيها مات الملك المنصور ابراهيم ابن شيركوه (٦) بن محمد بن شيركوه صاحب حمص.
كان شجاعا مقداما، موافقا للصالح اسماعيل ومصاهرا له، ثم أوقع بينهم الصالح نجم الدين أيوب واصطفاه لنفسه، وقدم دمشق فنزل بستان أسامة.
قال أبو المظفر (٧): وحدثني جماعة من الدماشقة أنه عامل على دمشق ولو عاش أياما لأخذها، فمرض وحمل الى النيرب، فنزل بستان الأشرف فمات به يوم الأربعاء حادي عشر صفر، وحمل في تابوت الى حمص، وتولى مكانه ولده الملك الأشرف موسى.
وفيها قتل بركة خان الخوارزمي، الملقب حسام الدين، أحد الخانات الأربعة، وكان أصلحهم في الميل الى الخير والرفق بالناس، وكان الصالح أيوب قد صاهره وأحسن إليه، وجرى عليه منه ما جرى. ولما قتل اختل نظام الخوارزمية وتفرق جمعهم وأمنت البلاد. ومما
стр. 166
يحكى عنه، أنه كان له منجّم ينجم له على عادة التتار بلوح الكتف من عظم الخروف، والخوارزمية أكثرهم يعرفوا (١) هذا العلم وهو عندهم مثل الرمل عند العرب، حتى أنهم يخرجوا (٢) منه الضمير، ويخبروا (٣) بأشياء يمكن وقوعها، فكان من جملة ما أخبره المنجم، أنه يملك مدينة حلب ويطلع إليها في الشهر الفلاني من السنة الفلانية، فاطمأن بركة خان (٦٩ ب) لذلك، ثم حرر عليه المسألة فقال له في اليوم الفلاني، قال المخبر: فو الله كان في ذلك اليوم بعينه طلوع رأس بركة خان في قلعة حلب وعلقت على الباب (٤).
وفيها مات الأمير عماد الدين داوود ابن الأمير عز الدين موسك. كان فخر الدين ابن الشيخ قد شفع فيه الى الناصر داوود، فأخرجه من الحبس، وكان في حلقة خراجة، فبطّوها بغير اختياره، فمات بالكرك وحمل الى مسجد جعفر ابن أبي طالب، فدفن هنالك.
قال أبو المظفر (٥) ﵀: لقد جمع بين الأصالة والجلالة والفتوة والعصبية، والنفس الطاهرة الزكية، وكان الناصر قد اتهمه بالرواح الى مصر.
وفيها مات الإمام العالم، صائن الدين محمد (٦) بن حسان ابن رافع العامري، إمام المصلى بقصر حجاج بدمشق. كان له سماعات كثيرة، سمع الخشوعي والحافظ أبا محمد، وأبا اليمن الكندي والقاضي أبا القاسم وأبا حفص ابن طبرزد، وحنبلا وغيرهم. وسمع منه خلق، رحمه الله تعالى.
وفيها مات السلطان الملك العادل (٧)، وسببه أنه كان محبوسا بقلعة الجبل في برج العافية، وأراد الصالح أيوب الخروج الى الشام وخاف أن يخرج ويخليه بالقلعة، يخاف من عائلته، فقصد إرساله الى قلعة الشوبك، فأرسل اليه فامتنع من الخروج، فأمر الصالح جماعة من الخدام أن يتوجهوا اليه ويخنقوه، فتوجهوا وخنقوه، وأشاع (٧٠ أ) الخبر أنه مات وأظهر عليه الحزن وأخرج ولده الملك المغيث عمر وأرسله الى قلعة الشوبك واعتقله بها.
стр. 167
وفيها عزل (١) الأمير حسام الدين [بن أبي علي الهذباني] (٢) عن نيابة السلطنة بدمشق، وتولى عوضه الأمير مجاهد الدين ابراهيم.
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وستمائة
فيها جهز السلطان الملك الصالح، الأمير فخر الدين ابن الشيخ، وجرد معه عساكر وأمره بالمسير الى الساحل ليأخذه من الفرنج، فسار ونزل على عسقلان وفتحها بعد الحصار الشديد وأخربها، ورحل عنها الى طبرية، ففتحها وأخربها (٣). ثم أن الأمير فخر الدين كتب الى السلطان يستأذنه في الدخول الى دمشق ويقيم بها لأمر بلغه عن الناصر صاحب حلب، فأذن له بالتوجه إليها، فدخلها ونزل بدار أسامة. وكان الطواشي شهاب الدين والصاحب جمال الدين (٤) يترددوا إليه ويشاوروه (٥) في سائر الأمور.
وفيها هرب جماعة من عسكر حلب الى دمشق، فأحسن إليهم الأمير فخر الدين وأعطاهم، وكان من جملتهم الأمير صارم الدين أزبك الوزيري (٦).
وفيها خرج السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بعساكر مصر ثاني مرة، وقيل إنّ ذلك في سنة ست كما قيل وهو الأصح، وسيأتي [ذكر] (٧) ذلك.
وفيها في شعبان أخذوا (٨) (٧٠ ب) الفرنج أشبيلية من بلاد الأندلس صلحا بعد أن
стр. 168
حوصرت سنة ونصف.
وفيها نزل عسكر حلب على حمص وحاصرها (١).
وفيها في ثالث عشر (٢) ذي القعدة من هذه السنة، أعتقل عز الدين أيبك المعظّمي في دار فروخ شاه، وكان اعتقاله بتواطؤ (٣) من ابن مطروح وغيره، وذلك أنهم صنعوا كتابا (٤) ذكروا أنه جاء اليه من حلب من عند اسماعيل، فكتبوا الى الصالح أيوب وأخبروه، فأمر أن يحمل الى القاهرة تحت الحوطة، فأنزل دار صواب واعتقل فيها ورافقه ولده.
قال أبو المظفر (٥): وبلغني أن ولده قال لنجم الدين أيوب إن أموال والدي جميعها قد بعث بها الى الحلبيين، وأنه أول ما نزل بها من صرخد كانت ثمانين خرجا (٦)، فأودعها عند ابن الجوزي. وبلغ عز الدين اجتماع ولده بالسلطان نجم الدين فمرض ووقع الى الأرض، وقال هذا آخر العهد، ولم يتكلم بعدها حتى مات، ودفن بباب النصر.
قال أبو المظفر (٧): كان عز الدين أيبك المعظمي كثير الصدقات، غزير الصلات، اشتراه المعظم في سنة سبع وستمائة ونحن بالطور (٨) وفوض إليه استاداريته، وظهر منه من وفور العقل والسداد ما أوجب تقديمه على الأولاد، فأعطاه قلعة صرخد، فأقام بها يضاهي الملوك، ولا فرق عنده بين الغني والصعلوك رحمه الله تعالى.
وفيها عمر البستان المعروف بالكافوري داخل القاهرة وهو الذي أنشأه كافور الاخشيدي بالقاهرة، وحكر دور واسطبلات وسمي الكافوري (٧١ أ) وكافور هو الذي بدأ بانشائه،
стр. 169
ولم يزل على أحسن هيئة حتى عمر فيه العمائر المذكورة (١).
وفيها في جمادى الآخرة عرض للناس أمراض يعقبها أمراض الحلق والخوانيق، ومات بهذا من الخلق ما لا يحصون كثرة (٢)، وفشا بين الناس أنّ امرأة رأت في منامها أنّ امرأة خاطبتها من بير ملاصقة السور بسوق السلطان تقول لها: «أنا جنية أعرف بأم عنقود، وأنّ ابني عنقود مات ولم يعزّوني فيه، وأنا غضبت من ذلك، وهو ذا أخنق الناس»، فأشاعت المرأة هذه الرؤيا وعرفت الناس البير فقصدها خلق كثير لا سيما النساء ونصبوا الخيم هناك، وصاروا ينوحون على البير ويقولون ما صورته: [الرجز]
[أي] (٣) أم عنقود أعذرينا ... [قد] (٤) مات عنقود وما درينا
لما (٥) درينا كلنا (٦) جينا ... لا تحردي منا فتخنقينا
وما يناسب من هذه الهذيانات، وشاع ذلك وكثر، وقصدت تلك البير من سائر محال بغداد وألقوا فيها المآكل على سبيل الهدية، والدراهم والثياب، وعلّق عندها السرج والشموع، فتكلم العقلاء في ذلك وأهل العلم، وأنكروا ذلك على فاعليه، فتقدم الأمر من الديوان الى الشحنة بالمضي الى هناك، ومنع النساء من النياحة، وسد البير وطرد من كان هناك. نعوذ (٧١ ب) بالله من تلاعب الشيطان، وإشاعة مثل هذا الهذيان.
[الوفيات]
وفيها مات النقيب قطب الدين أبو (٧) عبد الله الحسين بن الحسن بن علي بن حسن بن محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن محمد بن الحسين ابن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن
стр. 170
أبي طالب، كرم الله وجهه، النقيب الطاهر بن النقيب الطاهر الكوفي الأصل والمولد والمنشأ، البغدادي الدار والوفاة، المعروف بابن الأقساسي. مولده في ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. اشتغل بالأدب وقال الشعر وبلي بمحنة أوجبت له الاعتقال وذلك أنه وقعت منه كلمة على سبيل الدعابة في أيام الإمام الناصر وهي قوله: «نريد حليفه (١) جديد» وتصحيف ذلك. «نريد خليفة جديد»، فنقلت الى الإمام الناصر، فقال [لا يكفي حلقه] (٢) بل حلقتان، فقيد بقيدين، وحبس بالكوفة، فبقي سنين حتى مات الناصر وبويع ولده الظاهر، فأمر بإخراجه والإفراج عنه. وأحضروه فرتبه مشرف دار التشريفات وذلك في شوال سنة اثنتين وعشرين وستمائة، ثم قلده الإمام المستنصر بالله نقابة الطالبيين وذلك في شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين، وحظي عنده ونفق عليه الى آخر أيامه، ولما بويع ولده المستعصم بالله أقره على ولايته، فلم يزل على ذلك إلى أن مات في المحرم سنة تاريخه، وصلي عليه ودفن بجامع القصر وحضر جنازته الصدور والأكابر والأعيان، وحمل الى الكوفة بمقبرة السهيلية بوصية منه لذلك. وترك من العين عشرين ألف دينار سوى ما يقارب ذلك من الأغراض والأملاك (٧٢ أ) وكان شيخا لطيفا جميلا، ذا كيس وتواضع، طيب العشرة لذيذ المفاكهة، لا يمل جليسه منه، وله قصائد رائعة وأشعار فائقة، ورثاه جماعة من الفضلاء.
وفيها في يوم الجمعة سابع عشر المحرم، مات القاضي محيي الدين أبو إسحاق ابراهيم ابن منتجب الدين أبي عبد الله محمد بن أبي نصر، المعروف بابن النحاس الحلبي، ودفن من يومه. ومولده تقريبا في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. تفقه على مذهب الإمام الشافعي، وسمع الحديث من جماعة وحدث وأعاد في الخلاف بالمدرسة النورية، وبرز في الحساب والفرائض. ومحيي الدين هذا هو والد الشيخ بهاء الدين شيخ النحاة.
وفيها مات الشيخ الصالح القدوة، علي الحريري (٣) المقيم بقرية بسر (٤)، هو أبو
стр. 171
الحسن علي ابن أبي الحسن ابن منصور. كانت زاويته ببصرى، وكان يتردد إلى دمشق، وتبعه طائفة من الفقراء وهم المعروفون بالحريرية، وله زاوية بالشرف الأعلى بدمشق جوار جوسق ابن العديم في طريق المزة. وكان الشيخ ﵀ من القيّام بواجب الشريعة، ما لم يعرفه أحد من المتشرعين ظاهرا وباطنا، ومن أمور الحقيقة ما لم يكن لأحد في عصره من المحافظة على محبة الله تعالى وذكره والدعاء اليه والمعرفة به. وأكثر الناس يغلطون في أمره في الظاهر وفي الباطن. ولقد أفتى فيه جماعة من مشايخ العلماء وما بلغوا منتهى فتاويهم وبلغ هو فيهم ما كان يريد، ولقد كان مكاشفا لما يضمروه (١) وله كلام في الحقائق ونظم (٧٢ ب) فمن ذلك دو بيت:
كم تتبعني بصحبة الاجساد ... كم تسهرني بلذة الميعاد
جد لي بمدامة تقوي رمقي ... والجنة جد بها على الزهاد
وكثر بعض كراماته.
حكي أنّ جماعة من أهل دمشق، منهم العدل، عماد الدين يحيى بن السيد الشريف شهاب الدين أحمد بن السراج الحسيني، والعدل مؤيد الدين علي بن شرف الدين، خطيب عقربا (٢)، قالا: اتفق أنّ الوزير فلك الدين المسيري اشترى قرية في عمل نوى (٣) وعمّرها وزرعها، فلما أراد قسمتها أخذ دستورا من الملك الأشرف له ولجمال الدين خطيب عقربا ولابن التيتي (٤) وابن سلام، وطلعوا وقسموا الضيعة. فلما وصلوا الى زرع قال بعضهم لبعض: دعونا نمشي إلى عند الشيخ علي الحريري ببسر، نبصره ونزوره فإن كان من الصالحين: فيطعم كل واحد ما يشتهيه، فقال أحدهم: أشتهي بسيسة سخنة بعسل وسمن وعليها سكّر [وقلب الفستق] (٥)، وقال الآخر: أشتهي بطيخا أخضر، وقال الآخر أشتهي
стр. 172
فقاعا في دست نحاس مبيض وعليه ثلج منحوت. قال فلما وصلوا إليه تلقاهم أحسن ملتقى، وأحضر أشياء كثيرة وفي جملتها بسيسة بعسل وسمن وسكر [وقلب الفستق] (١)، وأشار إلى من اشتهاها، وقال كل، فلما فرغوا ورفع الطعام أشار الى من طلب [البطيخ بالأكل] (٢)، ورفع الطعام، وتطلع الى صاحب الفقاع وقال له: يا أخي كان عندي [تحت الساعات أو] (٣) باب (٧٣ أ) البريد، ثم صاح يا فلان أدخل، فدخل بعض الفقراء وعلى رأسه دست نحاس مبيض، وفيه فقاع وعليه الثلج منحوت كما اشتهاه، وقال بسم الله اشرب، فشربنا الفقاع وبتنا عنده. فلما كان عند المغرب خرجنا الى خارج الزاوية، وإذا بدواب أهل الضيعة قد جاءوا من المرعى، وإذا بقطيع فيه بقر وغنم وفيه عجل سمين، فسألنا لمن هذا القطيع، فقالوا: للشيخ علي، فقال بعضهم الهريسة تحبيء بهذا (٤) العجل عجب. فلما كان من الغد، أحضر الشيخ الطعام، ومن جملته هريسة، وقال هو لحم العجل الذي اشتهيته هريسة، فأكلنا وتعجبنا منه غاية العجب وودعناه وسافرنا، رحمه الله تعالى.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وستمائة
فيها سافر السلطان الملك الصالح الى الشام، فوصل الى دمشق ونزل قلعتها، وعزل الطواشي شهاب الدين رشيد والصاحب جمال الدين ابن مطروح، وولى عوضهم الأمير جمال الدين ابن يغمور (٥).
وفيها قايض (٦) الأشرف موسى بن المنصور صاحب حمص مع الملك الناصر يوسف بن العزيز، صاحب حلب، حمص بتل باشر.
وفيها جهّز الصالح العساكر الى حمص مع فخر الدين ابن الشيخ، وسخّر الفلاحين لحمل المجانيق الى حمص، فكانوا يحملون كل عود قيمته عشرون درهما بألف درهم، فخرب
стр. 173
الشام وهرب أهله. ونصبوا المجانيق على حمص، وخرج عسكر حلب الى لقاهم (١) (٧٣ ب) وكان الشيخ نجم الدين البادراني (٢) بالشام، فدخل بين الفريقين ورد الحلبيين الى حلب والدماشقة الى دمشق، وعاد الصالح أيوب الى مصر مريضا في محفة (٣).
وفيها احترق المشهد الحسيني بالقاهرة، وذكر من يتبع التواريخ أن الأماكن الشريفة إذا أحترقت لا يخلو من غلو في الاسعار أو وجلا من العدو (٤).
وفيها في ليلة الأحد خامس عشري رجب وقع الحريق في المأذنة الشرقية بجامع دمشق فاحترق أعلاها وجميع ما فيها من البيوت والمطالع، فإنها كانت سقالات خشب، وسلم الجامع بفضل الله تعالى (٥).
[الوفيات]
وفيها مات (٦) الملك المظفر، شهاب الدين غازي بن الملك العادل، صاحب الرها، وميّافارقين. وكان شجاعا، شهما جوادا، اجتمع فيه الفروسية والكرم.
قال أبو المظفر (٧): اجتمعت به في الرها [سنة ٦١٢ وأنا قاصد الى خلاط] (٨) وكان لطيفا ينشد الأشعار ويحكي الحكايات. أنشدني لابن منقذ قوله: [الطويل]
ولما التقينا للوداع تحدرت ... دموعي إلى أن كدت بالدمع أغرق
стр. 174
فقلت لها يا عين هذا لقاؤنا ... فقالت ألسنا بعد ذا نتفرق
وكتب على ظهر تقويم: [البسيط]
إذا أردت اختيار السعد فيه فقل ... على الذي في يديه السعد أتّكل
سلّم الى الله فيما أنت فاعله ... فما الى النجم لا قول ولا عمل
ورثاه سعد الدين [فقال] (١): [الوافر]
(٧٤ أ) ألا روّى الإله تراب قبر ... حللت به شهاب الدين غازي
وأسكنك المليك جنان عدن ... وكان لك المكافئ والمجازي
فضلت الناس مكرمة وجودا ... فما لك في البرية من موازي
وكنت الفارس البطل المفدى ... مبيد القرم في يوم البراز
فتضربه بأبيض مشرفي ... وتطعنه بأشرف (٢) ذي اهتزازي
وترتب بعده ولده الملك الكامل ناصر الدين محمد.
وفيها مات القاضي عماد الدين أحمد بن سديد الدين محمد بن سليم بن حنا، أخو الصاحب بهاء الدين.
وفيها مات أبو عمرو عثمان ابن عمر بن أبي بكر ابن يونس الدوني ثم المصري، الفقيه المالكي المعروف بإبن الحاجب (٣)، الملقب جمال الدين. كان أبوه حاجب الأمير عز الدين موسك الصلاحي، وكان كرديا واشتغل ولده أبو عمرو بالقاهرة وهو صغير بالقرآن الكريم ثم بالفقه على مذهب الإمام مالك ﵁، ثم بالعربية والقراءات، وبرع في علومه وأتقنها غاية الاتقان، ثم انتقل الى دمشق ودرس بجامعها في زاوية المالكية وأكب الخلق بالاشتغال عليه، والتزم لهم الدرس وتبحر في العلوم، وكان الأغلب عليه علم العربية.
стр. 175
وكان من أحسن الناس ذهنا ثم عاد الى القاهرة وأقام بها ولازمه الناس للاشتغال عليه، ثم انتقل الى الاسكندرية للإقامة بها، فلم تطل مدته هناك. وصنف مختصرا في مذهبه ومقدمه وجيزة في النحو وأخرى مثلها في التصريف، وشرح المقدمتين، وصنف (٧٤ ب) في أصول الفقه، وكل تصانيفه في نهاية الحسن والإفادة، وخالف النحاة في مواضع وأورد عليهم إشكالات والزامات تبعد الإجابة عنها، وكان من أحسن خلق الله ذهنا. ثم عاد الى القاهرة وأقام بها ولازمه الناس للاشتغال عليه، ومات بالاسكندرية ضحى (١) نهار الخميس سادس عشري شوال من هذه السنة، ودفن خارج باب البحر، وكان مولده في سنة سبعين وخمسمائة بأسنا من أعلى صعيد مصر.
وفيها مات قاضي القضاة، أفضل الدين أبو عبد الله [محمد بن نامور] (٢) بن عبد الملك. كان قاضي قضاة مصر قديما وكان حكيما منطقيا أصوليا فاضلا عالما بأكثر العلوم.
وكان الحديث عنه في مدة ولايته القضاء حسنا جميلا، فإنه كان نزها عفيفا، أقام الأحكام أحسن قيام، وصنّف كتبا كثيرة أكثرها عقلية. وكانت وفاته في خامس رمضان المعظم من هذه السنة، وذكر الشيخ بهاء الدين ابن الجميزي (٣)، أنّ أفضل الدين الخونجي (٤) أخبره أن مولده سنة تسعين وخمسمائة، وتولى القضاء بعده ولده جمال الدين يحيى.
وفيها مات الوزير أبو الحسن علي بن يوسف ابن إبراهيم ابن عبد الواحد بن [موسى] (٥) بن أحمد بن محمد بن إسحاق القفطي، المعروف بالقاضي الأكرم (٦)، وزير حلب، أحد الكتاب المشهورين المبرزين في النظم والنشر. مولده بمدينة قفط من أعمال الصعيد الأعلى بمصر.
стр. 176
قال الحافظ (١) أبو عبد الله البغدادي: اجتمعت به بحلب، فوجدته جم الفضائل ذا فنون (٧٥ أ) كثيرة، عظيم القدر، سخي الكف، طلق الوجه حلو الشمائل، مشاركا لأرباب كل علم في علمهم من النحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والتعديل، يتكلم في كل علم مع أربابه أحسن كلام.
أنشدني (٢): [السريع]
ضدّان عندي قصّرا همّتي ... وجه حيي ولسان وقاح
إن رمت أمرا خانني ذو الحيا ... ومقولي يطمعني في النّجاح
فأنثني في حيرة منهما ... لي مخلب ماض ومالي (٣) جناح
شبه جبان فرّ من معرك ... خوفا وفي يمناه عضب (٤) الكفاح
وله في أعور: [السريع]
شيخ لنا يعزى الى منذر ... مستقبح الأخلاق والعين
من عجب الدّهر فحدّث به ... بفرد عين ولسانين
وله من التصانيف كتاب «الضاد والظاء» وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في الخط، وكتاب «الدّر الثمين في أخبار المتيّمين» وكتاب «من ألوت الأيام إليه فرفعته ثم التوت (٥) عليه فوضعته» وكتاب «أخبار المصنّفين وما صنّفوه» وكتاب «أخبار النحويين» وكتاب «تاريخ مصر من ابتدائها الى حين ملكها صلاح الدين» في ست مجلدات، وكتاب «تاريخ المغرب ومن تولاها من بني تومرت» وكتاب «تاريخ اليمن منذ اختطت والى زمانه»، (٧٥ ب) وكتاب «الحلي والشيات» (٦) وكتاب «الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصّحاح»
стр. 177
[للجوهري] (١)، وكتاب «الكلام على الموطّأ» (٢) وكتاب «الكلام على صحيح البخاري» (٣) وكتاب «تاريخ محمود بن سبكتكين وبنيه الى حين انفصال الأمر عنهم» وكتاب «تاريخ أخبار السلجوقية من ابتداء أمرهم الى انتهائه»، وكتاب «الإيناس في أخبار آل مرداس» وكتاب «الرد على النصارى» [وذكر مجامعهم] (٤)، وكتاب «مشيخة زيد بن الحسن الكندي»، وكتاب «نزهة (٥) الخاطر ونزهة الناظر في أحسن (٦) ما نقل من [على] (٧) ظهور الكتب». وكان جماعا للعلوم محبا للكتب، جمع منها ما لم يجمع أحد من أبناء جنسه في الدنيا على الإطلاق، فإنه اشتهر بالرغبة فيها والميل اليها فقصد بها من الآفاق، وغالى في أثمانها، فجمع منها ألوفا كثيرة بالخطوط المنسوبة، وما وقع في يده كتاب مليح فأمكن ردّه، بل يبالغ في ثمنه حتى يصير في ملكه، فإذا صار في ملكه قرأه جميعه ورده الى خزانته، فلا يكاد يظهر عليه أحدا، صيانة له وضنا به. وكان شديد الشغف بها ضنينا بإخراجها، ولم يكن له ولد ولا زوجة. وكانت وفاته في شهر رمضان ووصى بكتبه للملك الناصر يوسف ابن العزيز ابن الظاهر، وكانت تساوي خمسين ألف دينار، ودفن بحلب رحمه الله تعالى.
وفيها ولدت امرأة ببغداد أربعة أولاد، فمات أحدهم وأحضرت ثلاثة الى دار الخلافة، فاستعجبوا، (٧ أ) لها وأعطيت ما قيمته ألف دينار فاستغنت (٨).
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمائة
فيها عاد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من دمشق (٩) الى مصر [في المحفة
стр. 178
مريضا] (١) في المحرم ونادى في مصر، من كان له علينا أو عندنا حق فليحضر ليأخذ حقه، فطلع الناس وأخذوا ما كان لهم.
وفيها ورد كتاب الصالح على نائبه بدمشق جمال الدين ابن يغمور، يأمره بخراب دار أسامة، وقطع شجر بستان القصر [الذي للناصر داود] (٢) بالقابون (٣)، وخراب القصر فتوقف مدة ثم جاءته كتب عدة، وأخرب الدار والقصر وقطع الشجر (٤).
وفيها مضى الملك الأمجد أبو علي الحسن ابن الناصر داوود من الكرك الى مصر، وسلم الكرك الى الصالح أيوب في جمادى الآخرة (٥)، فأعطاه مالا وأخرج الصالح من الكرك بنات المعظم وعياله، وأم الناصر وجميع من كان فيه، وبعث إليه ألف ألف دينار وذخائر وأسلحة وجواهر وأشياء كثيرة (٦).
وفيها وصل ملك الفرنج إفرنسيس (٧) الى دمياط بمراكب كثيرة، فسار السلطان ونزل قريب المنصورة، فبلغه أن عساكر الفرنج قد احتاطوا بدمياط (٨).
وفيها وصل كتاب (٩) إفرنسيس ملك الفرنج الى السلطان الملك الصالح، ومضمونه بعد كلمة كفرهم، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله: أما بعد، فإنه لم يخف عنك أنني أمين الأمة العيسوية، وكما أنا أقول إنك أمين الأمة المحمّدية. وأنه غير خاف
стр. 179
(٧٦ ب) عنك أن عندنا أهل جزائر الأندلس وما يحملوا (١) إلينا من الأموال والهدايا، ونحن نسوقهم سوق البقر، ونقتل منهم الرجال ونرمّل النساء، ونستأسر البنات والصبيان، ونخلي منهم الديار. وأنا قد أبديت لك ما فيه كفاية وأبديت لك النصح الى النهاية. فلو حلفت لي بكل الإيمان، ودخلت على القسوس (٢) والرهبان وحملت قدّامي الشمع طاعة للصلبان فإنني واصل إليك وقاتلك في أعز البقاع إليك، فإن كانت البلاد لي، فيا هدية حصلت في يدي، وإن كانت البلاد لك والغلبة عليّ، فيدك العليا ممتدة إليّ. وقد عرّفتك وحذرتك من عساكر حضرت في طاعتي، تملأ السهل والجبل، وعددهم كعدد الحصى، وهم مرسولين (٣) إليك بأسياف القضا».
قال المؤرخون، فلما وصل السلطان الكتاب وقرأه، تغرغرت عيناه بالدموع، وقال:
إنا لله وإنا إليه راجعون. عند ذلك قام القاضي بهاء الدين الزهير، كاتب الإنشاء واستأذن في كتب الجواب، فأذن له ذلك، فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد، فإنه وصل كتابك وأنت تهدد فيه بكثرة جيوشك وعدد أبطالك، فنحن أرباب السيوف، وما قتل منا قرن إلا جددناه، ولا بغى علينا باغ إلا دمرناه. ولو رأت عيناك أيها المغرور حد سيوفنا وعظم حروبنا وفتحنا منكم الحصون (٧٧ أ) والسواحل وأخربنا منكم ديار الأواخر والأوائل، لكان لك أن تعضّ على أناملك بالندم، ولا بد أن تزلزل بك القدم في يم أوله لنا وآخره عليك، فهنالك تسيء بك الظنون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٤) فإذا قرأت كتابي هذا، [فكن] (٥) فيه على أول سورة النحل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٦) وتكون على آخر سورة ص: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٧) وتعود الى قول الله ﵎، وهو أصدق القائلين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٨) وقول الحكماء: «إن الباغي له مصرع، وبغيك
стр. 180
يصرعك والى البلاء يقلبك، [والسلام] (١). ثم إنّ السلطان رحل ونزل على المنصورة، وتقدمت الفرنج الى السلطان والتقى الجيشان وتقابل الفريقان، فقتل الأمير صارم الدين أزبك الوزيري (٢).
وفيها خرج (٣) الامراء الكنانية من ثغر دمياط، وتركوه، فاستولى (٤) عليه الفرنج يوم الأحد ثالث عشري صفر. ولما وصلوا (٥) الامراء الكنانية بباب الدهليز، رسم السلطان بشنقهم، كونهم خرجوا من دمياط وسلموها بغير إذنه، فشنقوا جميعا، وكانوا نيفا على خمسين أميرا، وقامت على العسكر القيامة، ودعوا على الصالح أيوب.
قال أبو المظفر (٦): وبلغني أن مماليكه أرادوا قتله، فقال لهم ابن الشيخ، اصبروا عليه، فهو على شفا، فإن مات فقد استرحتم منه، وإلا فهو بين أيديكم. فمات الصالح بالمنصورة (٧٧ ب) في ليلة النصف من شعبان، وكانت أم خليل عنده، وهي المدبرة للأمور، فلم تغير شيئا، وصار الدهليز على حاله والسماط في كل يوم يمد والأمراء في الخدمة، وهي تقول السلطان مريض ما يصل إليه أحد. وقيل كان موته في ليلة الإثنين النصف من رمضان ودفن بالمنصورة، وكتم أمره. وقبل وفاته كتب وصية (٧) لولده الملك المعظم تورنشاه، وكان مقيما بقلعة حصن كيفا. وكان مدة مملكة الصالح عشر سنين إلا خمسين يوما. وكان ملكا حازما، مهابا، شجاعا ذا سطوة عظيمة، وهيبة شديدة، وهمة عالية. وكانت البلاد في أيامه آمنة مطمئنة [والطرق سابلة] (٨). عمّر قلعة الروضة قبالة مصر، وغرم عليها أموالا (٩) عظيمة، واشترى ألف مملوك، وقيل ثمانمائة مملوك، وأسكنهم قلعة الروضة وسماهم البحرية. فهو أستاذ الترك الذي جلبهم لهذه البلاد. وهدم كنيسة النصارى