قال الحافظ (١) أبو عبد الله البغدادي: اجتمعت به بحلب، فوجدته جم الفضائل ذا فنون (٧٥ أ) كثيرة، عظيم القدر، سخي الكف، طلق الوجه حلو الشمائل، مشاركا لأرباب كل علم في علمهم من النحو واللغة والفقه والحديث وعلم القرآن والأصول والمنطق والنجوم والهندسة والتاريخ والتعديل، يتكلم في كل علم مع أربابه أحسن كلام.
أنشدني (٢): [السريع]
ضدّان عندي قصّرا همّتي ... وجه حيي ولسان وقاح
إن رمت أمرا خانني ذو الحيا ... ومقولي يطمعني في النّجاح
فأنثني في حيرة منهما ... لي مخلب ماض ومالي (٣) جناح
شبه جبان فرّ من معرك ... خوفا وفي يمناه عضب (٤) الكفاح
وله في أعور: [السريع]
شيخ لنا يعزى الى منذر ... مستقبح الأخلاق والعين
من عجب الدّهر فحدّث به ... بفرد عين ولسانين
وله من التصانيف كتاب «الضاد والظاء» وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في الخط، وكتاب «الدّر الثمين في أخبار المتيّمين» وكتاب «من ألوت الأيام إليه فرفعته ثم التوت (٥) عليه فوضعته» وكتاب «أخبار المصنّفين وما صنّفوه» وكتاب «أخبار النحويين» وكتاب «تاريخ مصر من ابتدائها الى حين ملكها صلاح الدين» في ست مجلدات، وكتاب «تاريخ المغرب ومن تولاها من بني تومرت» وكتاب «تاريخ اليمن منذ اختطت والى زمانه»، (٧٥ ب) وكتاب «الحلي والشيات» (٦) وكتاب «الإصلاح لما وقع من الخلل في كتاب الصّحاح»
стр. 177
[للجوهري] (١)، وكتاب «الكلام على الموطّأ» (٢) وكتاب «الكلام على صحيح البخاري» (٣) وكتاب «تاريخ محمود بن سبكتكين وبنيه الى حين انفصال الأمر عنهم» وكتاب «تاريخ أخبار السلجوقية من ابتداء أمرهم الى انتهائه»، وكتاب «الإيناس في أخبار آل مرداس» وكتاب «الرد على النصارى» [وذكر مجامعهم] (٤)، وكتاب «مشيخة زيد بن الحسن الكندي»، وكتاب «نزهة (٥) الخاطر ونزهة الناظر في أحسن (٦) ما نقل من [على] (٧) ظهور الكتب». وكان جماعا للعلوم محبا للكتب، جمع منها ما لم يجمع أحد من أبناء جنسه في الدنيا على الإطلاق، فإنه اشتهر بالرغبة فيها والميل اليها فقصد بها من الآفاق، وغالى في أثمانها، فجمع منها ألوفا كثيرة بالخطوط المنسوبة، وما وقع في يده كتاب مليح فأمكن ردّه، بل يبالغ في ثمنه حتى يصير في ملكه، فإذا صار في ملكه قرأه جميعه ورده الى خزانته، فلا يكاد يظهر عليه أحدا، صيانة له وضنا به. وكان شديد الشغف بها ضنينا بإخراجها، ولم يكن له ولد ولا زوجة. وكانت وفاته في شهر رمضان ووصى بكتبه للملك الناصر يوسف ابن العزيز ابن الظاهر، وكانت تساوي خمسين ألف دينار، ودفن بحلب رحمه الله تعالى.
وفيها ولدت امرأة ببغداد أربعة أولاد، فمات أحدهم وأحضرت ثلاثة الى دار الخلافة، فاستعجبوا، (٧ أ) لها وأعطيت ما قيمته ألف دينار فاستغنت (٨).
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وستمائة
فيها عاد السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من دمشق (٩) الى مصر [في المحفة
стр. 178
مريضا] (١) في المحرم ونادى في مصر، من كان له علينا أو عندنا حق فليحضر ليأخذ حقه، فطلع الناس وأخذوا ما كان لهم.
وفيها ورد كتاب الصالح على نائبه بدمشق جمال الدين ابن يغمور، يأمره بخراب دار أسامة، وقطع شجر بستان القصر [الذي للناصر داود] (٢) بالقابون (٣)، وخراب القصر فتوقف مدة ثم جاءته كتب عدة، وأخرب الدار والقصر وقطع الشجر (٤).
وفيها مضى الملك الأمجد أبو علي الحسن ابن الناصر داوود من الكرك الى مصر، وسلم الكرك الى الصالح أيوب في جمادى الآخرة (٥)، فأعطاه مالا وأخرج الصالح من الكرك بنات المعظم وعياله، وأم الناصر وجميع من كان فيه، وبعث إليه ألف ألف دينار وذخائر وأسلحة وجواهر وأشياء كثيرة (٦).
وفيها وصل ملك الفرنج إفرنسيس (٧) الى دمياط بمراكب كثيرة، فسار السلطان ونزل قريب المنصورة، فبلغه أن عساكر الفرنج قد احتاطوا بدمياط (٨).
وفيها وصل كتاب (٩) إفرنسيس ملك الفرنج الى السلطان الملك الصالح، ومضمونه بعد كلمة كفرهم، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله: أما بعد، فإنه لم يخف عنك أنني أمين الأمة العيسوية، وكما أنا أقول إنك أمين الأمة المحمّدية. وأنه غير خاف
стр. 179
(٧٦ ب) عنك أن عندنا أهل جزائر الأندلس وما يحملوا (١) إلينا من الأموال والهدايا، ونحن نسوقهم سوق البقر، ونقتل منهم الرجال ونرمّل النساء، ونستأسر البنات والصبيان، ونخلي منهم الديار. وأنا قد أبديت لك ما فيه كفاية وأبديت لك النصح الى النهاية. فلو حلفت لي بكل الإيمان، ودخلت على القسوس (٢) والرهبان وحملت قدّامي الشمع طاعة للصلبان فإنني واصل إليك وقاتلك في أعز البقاع إليك، فإن كانت البلاد لي، فيا هدية حصلت في يدي، وإن كانت البلاد لك والغلبة عليّ، فيدك العليا ممتدة إليّ. وقد عرّفتك وحذرتك من عساكر حضرت في طاعتي، تملأ السهل والجبل، وعددهم كعدد الحصى، وهم مرسولين (٣) إليك بأسياف القضا».
قال المؤرخون، فلما وصل السلطان الكتاب وقرأه، تغرغرت عيناه بالدموع، وقال:
إنا لله وإنا إليه راجعون. عند ذلك قام القاضي بهاء الدين الزهير، كاتب الإنشاء واستأذن في كتب الجواب، فأذن له ذلك، فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، أما بعد، فإنه وصل كتابك وأنت تهدد فيه بكثرة جيوشك وعدد أبطالك، فنحن أرباب السيوف، وما قتل منا قرن إلا جددناه، ولا بغى علينا باغ إلا دمرناه. ولو رأت عيناك أيها المغرور حد سيوفنا وعظم حروبنا وفتحنا منكم الحصون (٧٧ أ) والسواحل وأخربنا منكم ديار الأواخر والأوائل، لكان لك أن تعضّ على أناملك بالندم، ولا بد أن تزلزل بك القدم في يم أوله لنا وآخره عليك، فهنالك تسيء بك الظنون ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (٤) فإذا قرأت كتابي هذا، [فكن] (٥) فيه على أول سورة النحل: ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (٦) وتكون على آخر سورة ص: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٧) وتعود الى قول الله ﵎، وهو أصدق القائلين: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٨) وقول الحكماء: «إن الباغي له مصرع، وبغيك
стр. 180
يصرعك والى البلاء يقلبك، [والسلام] (١). ثم إنّ السلطان رحل ونزل على المنصورة، وتقدمت الفرنج الى السلطان والتقى الجيشان وتقابل الفريقان، فقتل الأمير صارم الدين أزبك الوزيري (٢).
وفيها خرج (٣) الامراء الكنانية من ثغر دمياط، وتركوه، فاستولى (٤) عليه الفرنج يوم الأحد ثالث عشري صفر. ولما وصلوا (٥) الامراء الكنانية بباب الدهليز، رسم السلطان بشنقهم، كونهم خرجوا من دمياط وسلموها بغير إذنه، فشنقوا جميعا، وكانوا نيفا على خمسين أميرا، وقامت على العسكر القيامة، ودعوا على الصالح أيوب.
قال أبو المظفر (٦): وبلغني أن مماليكه أرادوا قتله، فقال لهم ابن الشيخ، اصبروا عليه، فهو على شفا، فإن مات فقد استرحتم منه، وإلا فهو بين أيديكم. فمات الصالح بالمنصورة (٧٧ ب) في ليلة النصف من شعبان، وكانت أم خليل عنده، وهي المدبرة للأمور، فلم تغير شيئا، وصار الدهليز على حاله والسماط في كل يوم يمد والأمراء في الخدمة، وهي تقول السلطان مريض ما يصل إليه أحد. وقيل كان موته في ليلة الإثنين النصف من رمضان ودفن بالمنصورة، وكتم أمره. وقبل وفاته كتب وصية (٧) لولده الملك المعظم تورنشاه، وكان مقيما بقلعة حصن كيفا. وكان مدة مملكة الصالح عشر سنين إلا خمسين يوما. وكان ملكا حازما، مهابا، شجاعا ذا سطوة عظيمة، وهيبة شديدة، وهمة عالية. وكانت البلاد في أيامه آمنة مطمئنة [والطرق سابلة] (٨). عمّر قلعة الروضة قبالة مصر، وغرم عليها أموالا (٩) عظيمة، واشترى ألف مملوك، وقيل ثمانمائة مملوك، وأسكنهم قلعة الروضة وسماهم البحرية. فهو أستاذ الترك الذي جلبهم لهذه البلاد. وهدم كنيسة النصارى
стр. 181
اليعاقبة التي كانت إلى جانب المقياس وأدخلها في القلعة. وكان محبا لجمع المال عاقب أم أخيه (١) العادل وأخذ أموالها وجواهرها [وقتل أخاه العادل] (٢). واعتقل جماعة من الأمراء المصريين، وأخذ أموالهم وذخائرهم. ومات في حبسه ما يزيد على خمسة آلاف [نفر] (٣) وما كان أحد يجسر أن يشفع عنده شفاعة. وقتل جماعة كبيرة من الأمراء الكاملية والعادلية (٤).
وأوصى أن يكون نائب السلطنة لولده المعظم، الأمير فخر الدين ابن الشيخ، وحلف الأمراء على ذلك.
ولما مات السلطان (٧٨ أ) أرسلوا لولده المعظم تورنشاه ليحضره الفارس أقطاي، وكان رأس البحرية مماليك الصالح، فسافر الى حصن كيفا وأخذ المعظم وسلك به البرية، وخاطر بنفسه (٥) وكاد يهلك من العطش. ووصل الى دمشق في آخر رمضان، وخلع على الدماشقة وأعطاهم الأموال وأحسن إليهم، وما سئل شيئا قط، فقال لا.
قال أبو المظفر (٦): وبلغني أنّه كان في دمشق ثلاثمائة ألف دينار، فأخرجها كلها واستدعى من الكرك مالا فأنفقه أيضا. وكان الأمير فخر الدين ابن الشيخ قد أشار بتحليف العساكر للمعظم تورنشاه، فحلفوا له وذلك كله مع إخفاء موت الصالح، وأطلق فخر الدين ابن الشيخ السكر والكتان الى الشام (٧).
وكانت أم خليل شجر الدر تكتب خطا يشبه خط الصالح أستاذها، وكانت تعلّم على المناشير والتواقيع. وكان الصالح قد فسد (٨) مخرجه وامتد [الجرح] (٩) الى فخذه اليمنى وأكل (١٠) جسمه، فعملت له محفة يركب فيها، وكان يتجلد ولا يطلع أحدا على حاله، ثم
стр. 182
حمل الى الجزيرة، فعلق بسلاسل، ثم قبر في تربته الى جانب مدرسته بالقاهرة.
وفيها في يوم الثلاثاء رابع ذي القعدة، كانت الوقعة على المنصورة، ووصل الفرنج الى الدهليز، خرج فخر الدين ابن الشيخ، وقاتل حتى قتل، وانهزمت العساكر، ثم أن المسلمين انتخوا، فعادوا على الفرنج فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وملك الفرنسيس الجزيرة التي مقابل المنصورة (١).
وفيها (٧٨ ب) وصل السلطان الملك المعظم، وهو السلطان التاسع من بني أيوب بمصر، وهو تورنشاه ابن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب ودخل الى الديار المصرية (٢) يوم الثلاثاء تاسع عشر ذي القعدة، فاستولى على المملكة في يوم الأربعاء، وسافر الى المنصورة، فنزلها فرحل الفرنسيس وعساكره طالبا دمياط.
وفيها أسلم معين الدولة هبة الله بن حشيش، كاتب الملك المعظم تورنشاه، وكان نصرانيا فأوعده السلطان بالوزارة إن أسلم فأسلم (٣).
وفيها وصل الى بغداد، طائفة من التتار، كبسوا وقتلوا، ونهبوا الأموال بخانفين، وجفل الناس من طريق خراسان. فندب الخليفة عسكرا صحبة الأمير بلبان المستنصري (٤).
وفيها ألزم الناس في جمادى الأولى ببغداد بالمبيت في الأسواق، وإشعال الأضواء في البلد من الجانبين، وجميع المحال والذروب (٥).
وفيها وصل الى بغداد شخص صغير الخلقة [جدا] (٦) يقال له أبو منصور الأصبهاني، طوله ثلاثة أشبار وثلاثة أصابع، ومن كعبه الى ركبته قبضة، ولحيته طويلة تزيد على شبر
стр. 183
ونصف وعمره إذ ذاك خمس وأربعون سنة، [فحمل الى الخليفة] (١) فانعم عليه وأجرى له راتبا.
وفيها في العشر الأخير من ذي القعدة، ملك مكة المشرفة أبو سعيد علي بن قتادة (٢).
وفيها قتل [الشريف] (٣) شيحة صاحب المدينة النبوية، على ساكنها أفضل (٧٩ أ) الصلاة والسلام والرحمة، وولي بعده ولده عيسى.
وفيها في خامس عشر شوال، مات الطواشي شمس الخواص مسرور بالقاهرة ودفن بتربته بالقرافة.
وفيها في يوم السبت عاشر شوال، مات سعد الدين مسعود ابن هنس رحمه الله تعالى.
وفيها قتل نجم (٤) الدين بن شيخ الاسلام وكان قد قفز من الكرك الى مصر. فقال الصالح لابن الشيخ (٥) والعسكر: ما قدرتم [أن] (٦) تقفوا بين يدي الافرنج لما دخلوا الى دمياط، وما قتل من العسكر إلا هذا الضعيف [ويعني ابن شيخ الاسلام] ولو عاش لأهلك ابن الشيخ وغيره.
[الوفيات]
وفيها ماتت من كانت سببا لإصلاح زوجها في الدنيا والآخرة، وهي ياسمين (٧) والدة الأمير نوري ابن الأمير علي ابن قشتمر الناصري، المعروفة بجارية جميل. كانت مغنية مشهورة يحضرها مولاها في المشارب والمواضع المنكرة، فأحضرها ليلة عيد الأمير شرف الدين علي بن قشتمر، ليشرب عليها، فمال إليها وأحبها حبّا شديدا، وطلب منها الخلوة بها ورغّبها في المال، فامتنعت عنه، وقالت: هذا لا عادة لي به ولا يمكن هذا إلا بعقد نكاح شرعي.
стр. 184
فشرط الإلتزام بما يلزم أمثاله وأمثالها من الزوجات الحرائر، وعقد عليها باذن مولاها بعد أن رغبه فيما أعطاه، وابتاعها منه وأعتقها، وكتب لها ألف دينار. وكان قبل أن يتزوج بها مشغولا باللهو، مواظبا على شرب الخمر وإتلاف المال في ذلك، فأخذت عليه العهود والإيمان بترك ذلك (٧٩ ب) فالتزم بما ألزمته وحسنت حاله وكثر ماله. وكان قد حسب قدر ما يخرج منه في كل سنة في هذا الوجه فكان يزيد على عشرة آلاف دينار، فقالت له: اجعل نصف هذا المبلغ صدقة تؤجرها عند الله تكفّر بها ما سبق مني ومنك، ففعل ذلك وأجرى الجرايات من الصدقات على الأرامل والأيتام والفقراء وأرباب البيوت وصار من أعيان الناس في فعل الخير، وحسنت طريقته، وحمدت سيرته. ولم يزل على ذلك حتى مات. وكانت المذكورة عاقلة، صارمة الرأي، وبعد وفاة سيدها رغب جماعة من الأمراء الأكابر في التزوج بها، فلم ترغب وأبت، ولم تزل مواظبة على العبادة وفعل الخير الى أن ماتت. وبنت رباطا للنساء، وأوقفت عليه وقفا جيدا، ولم تزل على ذلك حتى ماتت في شهر رمضان من هذه السنة.
وفيها مات (١) السلطان الملك المنصور نور الدين عمر ابن علي ابن رسول صاحب اليمن، وابن صاحبها. وثب عليه جماعة من مماليكه فقتلوه باتفاق بينهم وبين أولاد أخيه بدر الدين حسن. وملك اليمن بعده ولده الملك المظفر شمس الدين يوسف.
وفيها مات الشيخ الصالح العارف الزاهد، أبو الحسن علي بن أبي القاسم ابن عرى (٢) ابن عبد الله الدمياطي، المعروف بابن قفل. مات يوم الأحد رابع عشري ذي الحجة برباطه بالقرافة الكبرى ودفن به. ومولده بدمياط سنة خمس أو ست وخمسمائة.
وفيها ماتت (٨٠ أ) بنت الخليفة الإمام المستعصم بالله، في العشرين من شعبان ودفنت في دار الخيش (٣) من الدار المذهبة، وعمل (٤) الشعراء فيها المراثي.
стр. 185
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين وستمائة
في أول ليلة منها كان المصاف (١) بين المسلمين والفرنج على المنصورة. وبعد وصول الملك المعظم تورنشاه الى المخيم، مسك الفرنسيس وأخوه (٢) وجماعة من الخيالة والرجالة، فاعتقل الفرنسيس وأخوه بدار لقمان فخر الدين، بالمنصورة، وقتل من الفرنج مائة ألف (٣).
ووصل كتاب المعظم تورنشاه إلى الأمير جمال الدين ابن يغمور بخط يده يقول [من] (٤) ولده تورنشاه: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وما النصر إلا من عند الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وأما بنعمة ربك فحدث، وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها. نبشر المجلس السامي (٥) الجمالي (٦)، بل نبشر الإسلام كافة، بما منّ الله على المسلمين من الظفر بعدو الدين. فإنه قد استفحل أمره واستحكم شره، ويئس العباد من البلاد والأهل والأولاد، فنودي ﴿لا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ (٧). ولما كان يوم الأربعاء مستهل السنة المباركة تمم الله على الإسلام بركتها (٨)، فتحنا الخزائن وبذلنا الأموال، وفرقنا السلاح (٩)، وجمعنا العربان [والمطوعة] (١٠)، فاجتمع خلق [عظيم] (١١) لا يحصيهم إلا الله تعالى، فجاءوا (١٢) من كل فج عميق. [ومكان بعيد سحيق] (١٣). فلما رأى العدو ذلك أرسل يطلب (١٤)
стр. 186
الصلح على ما وقع [عليه] (١) الاتفاق بينهم وبين الملك الكامل، فأبينا. ولما كان [في] (٢) الليل تركوا خيامهم وأموالهم (٨٠ ب) وأثقالهم وقصدوا دمياط هاربين ونحن في آثارهم طالبين، وما زال السيف يعمل في أدبارهم عامة الليل، رحل بهم الخزي والويل، فلما أصبحنا نهار الأربعاء قتلنا منهم ثلاثين ألفا غير من ألقى نفسه في اللجج، وأما الأسرى فحدث عن البحر ولا حرج. والتجأ الفرنسيس الى المنية (٣)، وطلب الأمان فأمناه وأخذناه وأكرمناه، وتسلمنا دمياط بعون الله تعالى وقوته وجلاله وعظمته». وذكر كلاما طويلا، وبعث [المعظم] (٤) مع الكتاب بغفارة (٥) الفرنسيس ملك الفرنج، فلبسها جمال الدين نائب دمشق، وهي أشكرلاط (٦) أحمر بفرو سنجاب، فنظم في ذلك الشيخ نجم الدين ابن إسرائيل قوله [الخفيف]
إنّ غفّارة الفرنسيس التي ... جاءت حباء لسيد الأمراء
كبياض القرطاس لونا ولكن ... صبغتها سيوفنا بالدماء
وقال: [الطويل]
أسيّد أملاك الزمان بأسرهم ... تنجزت من نصر الإله وعوده
فلا زال مولانا يبيح حمى العدى ... ويلبس أسلاب الملوك عبيده
وفيها في العشرين من المحرم دخل الناس الى كنيسة مريم بدمشق فرحين بما جرى للفرنج ومعهم المغاني والمطربون، وهموا بهدمها.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في ذيل تاريخه (٧): بلغني أن النصارى ببعلبك سودوا وجوه الصور التي في الكنيسة، وسخموها حزنا على ما جرى على الفرنج (٨١ أ) فعلم بهذه
стр. 187
القصة الوالي فجنّاهم جناية شديدة، وأمر اليهود بصفعهم وضربهم وإهانتهم.
وفيها وصل الملك السعيد فخر الدين حسن ابن الملك العزيز عثمان ابن العادل أبو بكر ابن أيوب صاحب بانياس منهزما من مصر: نفاه المعظم تورنشاه. [فلما طلع دمشق طلع الى عزتا واعتقل فيها] (١).
وفيها بقي الملك المعظم يبعد أمراء والده وغلمانه، ويقرّب الذين حضروا معه، فجعل الطواشي شمس الخواص مسرور أستادار، وجعل الطواشي صبيح أمير جاندار، وكانت خادما حبشيا، وأمر أن يصاغ له عصا من ذهب، وأنعم عليه بأموال كثيرة وأقطاعات وخالف وصية والده جميعها. فاجتمع جماعة من الأمراء واتفقوا على قتله (٢)، فلما كان الإثنين سادس عشري المحرم، جلس السلطان على مرتبة حكمه، ومد السماط، واجتمعوا (٣) الأمراء، وأخذوا منازلهم وأكلوا السماط على ما جرت به العادة. فلما فرغ السماط أعطى دستور (٤)، فلما خلي المكان تقدم إليه بعض مماليك والده (٥) وضربه بالسيف فالتقى بيده الضربة وخرج المملوك هاربا، فقال السلطان قد عرفتك يا ملعون أين تروح. عند ذلك خاف الضارب على نفسه مما قد عمل واجتمع برفقته وعرفهم ما جرى، فدخلوا عند ذلك جميعا وسيوفهم بأيديهم مجردة.
فلما أبصرهم السلطان المعظم هرب الى برج (٦) الخشب الذي بالخيمة، وأغلق عليه الباب والدم خارج من يده. عند ذلك أحضروا نارا وأحرقوا (٨١ ب) البرج، فرمى بنفسه وهرب الى صوب البحر وهو يقول: ما أريد ملكا دعوني أرجع الى الحصن يا مسلمين، ما فيكم من يصطنعني ويجيرني، والعساكر كلها واقفة فما أجابه أحد والنشاب تأخذه، فتعلق بذيل [الفارس] (٧) أقطاي، فما أجاره، فقطعوه قطعا وبقي على جانب البحر ثلاثة أيام حتى انتفخ ولا يجسر أحد أن يدفنه، حتى شفع فيه رسول الخليفة، فحمل الى ذلك الجانب، فدفن.
ولما قتلوه كان الفرنسيس في حبسه، وكان الذي باشر قتل المعظم أربعة من مماليك والده.
стр. 188
قال سعد الدين مسعود ابن تاج الدين ابن الشيخ، حكي لي [رجل] (١) صادق أنّ أباه الملك الصالح قال للطواشي محسن: اذهب الى أخي العادل الى الحبس وخذ معك من المماليك من يخنقه، فعرض محسن ذلك على جماعة من المماليك، فامتنعوا بأسرهم إلا هؤلاء الأربعة، فانهم مضوا معه وخنقوه، فسلطهم الله على ولده حتى قتلوه أقبح قتلة [ومثلوا به أعظم مثله مثلما فعل بأخيه] (٢).
قال أبو المظفر (٣): وحكى لي الأمير حسام الدين ابن أبي علي، قال: كان تورنشاه متخلفا لا يصلح للملك، فإنا كنا نقول للملك الصالح: يا خوند ما نرسل نحضر المعظم إلى هاهنا، فيقول: دعونا من هذا، فلما ألححنا عليه يوما، قال: متى جاء الى هنا قتلته.
قال أبو المظفر: حكي لي العماد ابن درباس، قال رأى جماعة من أصحابنا الملك الصالح أيوب في المنام وهو يقول: [مجزوء الرمل]
قتلوه شر قتلة ... صار للعالم مثله
(٨٢ أ) لم يراعوا فيه إلاّ ... لا ولا من كان قبله
ستراهم عن قليل ... لأقل الناس أكله
فقتل المعظم تورنشاه حريقا قتيلا غريقا رحمه الله تعالى. فكانت (٤) مدة مملكته بالديار المصرية سبعون (٥) يوما. ووصل الخبر الى دمشق أول صفر لأنه قتل في سابع عشري المحرم.
وفيها لما جرى ما ذكرناه اتفقوا (٦) الأمراء وأكابر الدولة وأرباب المشورة على سلطنة الست شجر الدر أم خليل سرية السلطان الملك الصالح، وحلفوا لها لما يعلموا (٧) منها أنها كانت أيام زوجها تدبر أمر السلطنة وتقضي حوائج الناس وتعلّم على المناشير والتواقيع، فحلف لها جميع العساكر المصرية والشامية وخطب لها على المنابر بمصر والقاهرة وكانت تعلّم
стр. 189
على المناشير والتواقيع «والده خليل» (١).
وفيها لما استمر أمرها رتبت الأمير عز الدين أيبك التركماني نائبا عنها، وأتابك العساكر المصرية والشامية في عاشر صفر.
وفيها اتفقوا (٢) الأمراء والست شجر الدر على إطلاق الفرنسيس ملك الفرنج وبيعه نفسه لأمور تقدمت اليهم في المراسلة، واشترطوا أنه يسلم دمياط للمسلمين ويحمل أموال تقررت عليه (٣)، وحلّفوه، فحلف لهم وسلّم لهم دمياط في شهر صفر، وأطلقوا الفرنسيس وأخيه وزوجته (٤) وتوجهوا الى بلادهم. فكانت مدة إقامة دمياط بيد الفرنج أحد عشر شهرا وتسعة أيام.
(٨٢ ب) وفيها تزوجت الست شجر الدر عز الدين أيبك التركماني الصالحي الجاشنكير (٥) وذلك في تاسع عشرين ربيع الآخر.
وفيها في مستهل ربيع (٦) الآخر وصل الملك الناصر صاحب حلب الى قارا (٧) يريد دمشق، فأرسل جمال الدين ابن يغمور والقيمرية [الى عزتا] (٨) وأحضروا الملك السعيد ابن العزيز الى دمشق وأنزلوه في دار فرخشاه (٩) وتقدم الناصر بعساكره، فنزل القصير (١٠) وانتقلوا
стр. 190
الى داريا (١) يوم السبت سابع ربيع الآخر، وزحفوا على المدينة يوم الأحد ثامنه الى الباب الصغير، وكان مسلّما الى ضياء الدين القيمري والى باب الجابية وكان مسلّما لناصر الدين القيمري. وكان المجاهد إبراهيم (٢) في القلعة، فلما وصلوا الى البابين كسرت الاقفال من داخل، وفتحت الأبواب، فدخلوا ونهبوا (٣) دار جمال الدين ابن يغمور وسيف الدين المشد وعسكر مصر ودمشق، وأخذت خيولهم من اصطبلاتهم [وأموالهم وأثاثهم من دورهم] (٤) ودخل ابن يغمور الى القلعة، ثم نودي بالأمان وانقضت أيام الصالح أيوب بدمشق [وكانت مملكته الأخيرة خمس سنين إلا أياما] (٥) [وبني العادل] (٦) ثم دخل الناصر القلعة وطيب قلوب الناس، ولم يغير على أحد شيئا. وكان الملك الناصر [داود] (٧) بالعقيبة فجاءه ابن الملك العزيز، فبات عنده [تلك الليلة] (٨) وهرب الى الصبيبة، وكان بها خادم من خدامه فكتب له، فلما وصل إليها فتح له الخادم. وتسلم الناصر بعلبك من الحميدي [وفيها تسلم الناصر] (٩) بصرى وصرخد وغيرهما.
وفيها في ليلة الأربعاء (١٠) ثاني شعبان، كان الناصر داوود في قصر القابون (٨٣ أ) وكان الملك الناصر يوسف نازلا بالمزة مريضا، فبعث ناصر الدين القيمري ونظام الدين ابن المولى الى الناصر داوود فأحضراه الى المزة وضربوا له خيمة واعتقلوه بها. وأختلف أصحاب التواريخ في مسكه على أقوال، أحدها أنّه طلب الدستور (١١) [الى بغداد] (١٢)، فأعطوه أربعين ألف درهم فأنفقها في الجند وعزم على قصد مصر والثاني أنّ الصالح اسماعيل جاءه كتاب من مصر فأوقف شمس الدين لؤلؤ عليه، وأخبر حامله أنّه أوصل الى الناصر داوود
стр. 191
كتاب آخر، فسألوه فأنكر، [و] (١) الثالث أنّ الصالح اسماعيل أشار عليهم بقبضه وقال:
أنتم ما تعرفوه (٢) نحن نعرفه وأنتم على قصد مصر وما هو مصلحة يبقى خلفنا ولا يكون معنا فقبضوه وأقام في المزة معتقلا أياما ثم بعثوا [به] (٣) الى قلعة حمص فاعتقل بها، وأسكن أهله وأولاده ووالدته خانقاه الصوفية التي بناها شبل الدولة عند ثورا.
وفيها اتفقوا (٤) الأمراء الصالحية على تولية الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك المسعود، المنعوت باقسيس ابن السلطان الملك الكامل ابن العادل، فأجلسوه على كرسي المملكة (٥) يوم الأربعاء ثالث جمادى الأولى وركب وشق المدينة يوم الخميس تاسع جمادى الآخرة وهو العاشر من بني أيوب بمصر ومدبر دولته الأمير عز الدين أيبك التركماني الجاشنكير وفوضوا اليه تدبير المملكة وأضيف اسمه الى اسمه في التوقيع والمناشير وسكة الدنانير والدراهم، واستمر الحال على ذلك وأن يخطب لهما [على المنابر] (٦) وكان عمر الأشرف يومئذ ست (٧) سنين، فاستوزر شرف الدين هبة الله ابن صاعد المعروف بالأسعد الفائزي (٨).
(٨٣ ب) وفيها بلغ الطواشي بدر الدين الصوابي، ما جرى بالديار المصرية وتقلباتها، فأطمعته نفسه بملك الكرك والشوبك، وتفكر في نفسه أنّ هذا الأمر ما يصعب معه، ركب من الكرك بجماعته الى الشوبك وكان بها الملك المغيث بن العادل ابن الكامل، محبوسا فأخرجه من الحبس، وأعلمه بما جرى بالديار المصرية وملّكه الكرك والشوبك وأعمالها وحلف له، وحلف أهل القلعتين ومدينتهما. وكان الملك المغيث طفلا صغيرا، فصار الحكم جميعه للطواشي بدر الدين الصوابي وليس للملك المغيث الا مجرد الاسم (٩).
стр. 192
وفيها حضر الناصر صاحب حلب الى دمشق بعساكره وملكها (١) باتفاق من الأمراء القيمرية، فلما استولى على البلد والقلعة، اعتقل الأمير جمال الدين ابن يغمور ثم أخرجه بعد قليل من الاعتقال، وأحسن اليه، ثم اعتقل جماعة من الأمراء الصالحية وأعطى اقطاعات والمعتقلين للأمراء القيمرية زيادة على ما كان بأيديهم.
وفيها اتفق الناصر يوسف صاحب حلب ودمشق ومن عنده من الأمراء القيمرية على الدخول الى الديار المصرية وأخذها ممن قد استولى عليها ووافقه الأمراء الدمشقيون والحلبيون، وخرج بعساكره طالبا الديار المصرية بإشارة بدر الدين لؤلؤ وكان كثير الاستهزاء بعساكر الديار المصرية، ويقول أخذها بمائتي قناع (٢). فلما بلغ عز الدين أيبك ذلك، جمع العساكر وجمع عربانا من الصعيد (٣) وخرج بجموع كثيرة، فكان الملتقى على منزلة الكراع بالقرب من الخشبي (٨٤ أ) بالرمل، يوم الخميس العاشر من ذي القعدة، فانهزم المصريون ونهبت أثقالهم ووصلت طائفة من البحرية الصعيد، ونهبوا (٤). وخطب في ذلك النهار بالقاهرة للسلطان الملك الناصر وكذلك في القلعة ومصر وسائر البلاد. وبات جمال الدين ابن يغمور بالعباسة، وأحمى الحمام للسلطان الملك الناصر وهيأ (٥) له الإقامة، هذا والملك الناصر على كراع ما عنده خبر، وهو واقف بصناجقه (٦) وخزائنه وأصحابه، وذلك أنّ الشاميين كسروا ميسرة المصريين وساقوا خلفهم، وما علموا بما جرى بعدهم. وأنكسرت ميمنة الشاميين، وأما القلبين (٧) فإنهم ثبتوا وتقاتلوا، أما ميسرة المصريين فإنهم لما انكسروا دخلوا القاهرة وبعضهم راح الى الصعيد، وأما ميمنة الشاميين فإنهم لما انكسروا قتل منهم المصريون خلق كثير في الرمل وأسروا خلق كثير (٨). ولما ثبت القلبان استظهر الملك الناصر، فخاف أمراؤه منه فهربوا منه بأطلابهم الى عند عز الدين أيبك التركماني، وهم الأمير جمال الدين ايدغدي العزيزي، والأمير جمال الدين أقوش الحسامي، والأمير بدر الدين بكتوت الظاهري
стр. 193
والأمير سليمان العزيزي وجماعة. فلما هربوا (١) هؤلاء ضعف قلب من بقي من جماعته، وأن الأمراء الذين حضروا الى عند عز الدين أيبك أشاروا عليه بالحملة يدا واحدة على صناجق الملك الناصر، فقبل مشورتهم وحمل على صناجق الملك الناصر، فلم يجدوه، وأنه حسب هذه الفعلة فخرج من تحت الصناجق بجماعة قليلة (٨٤ ب) فلما لم يجده عز الدين، عاد خائبا فقوى عليه الشاميون وتبعوه بالقتل والنهب ففرحوا (٢) الأمراء القيمرية بذلك، وأرادوا الحملة، فوجدوا جماعتهم تفرقوا للكسب والنهب. فلما نظر عز الدين الى ذلك حمل عليم، وصبروا (٣) القيمرية وهم الأمير بدر الدين لؤلؤ والأمير حسام الدين والأمير ضياء الدين، والأمير تاج الملوك ابن الملك المعظم. وقتل الأمير شمس الدين الحميدي والأمير بدر الدين الزرزاري وأسر جماعة من أكابر دولة الملك الناصر، منهم المعظم تورنشاه ابن صلاح الدين وأخيه ناصر الدين محمد، والملك الصالح اسماعيل ابن العادل، والملك الأشرف صاحب حمص، والأمير شهاب الدين القيمري والأمير حسام الدين طرنطاي العزيزي. فلما عاين الملك الناصر ذلك أخذ معه نوفل الزبيدي وعلي السعيدي وانهزم الى دمشق، هذا ما جرى هنا. وأما الأمير جمال الدين ابن يغمور فإنه ضرب دهليز السلطان الملك الناصر على العبّاسة، وما علم بما جرى. وأما الأمير عز الدين عاد نحو الديار المصرية يوم الجمعة حادي عشري ذو القعدة ومعه الملوك والأمراء المأسورين (٤)، فلما قرب من العباسية رأى دهليز الملك الناصر مضروب (٥) وحوله جماعة من العساكر بخيامهم، فلما رأى ذلك تزايدت أفكاره، وما عرف السبب، وأنه خرج بمن معه من العساكر، وطلب طريق العلاقمة (٦) خوف (٧) من واقعة وقعت بالديار المصرية، وما مكن أحد من التوجه الى ذلك الدهليز خوف (٨) أن يؤخذ خبره (٨٥ أ) أين توجه. وأما أهل الدهليز فإنهم بلغهم ممن عبر عليهم من المصريين ما جرى، فأرموا الدهليز وساروا الليل والنهار الى مأمنهم، وأما الأمير عز الدين فإنه لما وصل العلاقمة قعد بها ساعة وتوجه الى بلبيس فنزل عليها ثم رحل ودخل الى الديار المصرية ومعه
стр. 194
الأسارى والطبول المشققة والخيول، والأموال والعدد. ولما وصلوا الى تربة الملك الصالح نجم الدين أيوب أحدقوا بالصالح اسماعيل وصاحوا يا خوند أين عينك ترى عدوك، ثم طلعوا الى القلعة ورموا الأسارى في الجباب وبعد أيام نفى جماعة الى الشام.
وفيها عدم الصالح اسماعيل ابن السلطان بن أيوب، وقد تقدم خبره وكيف ملك دمشق، وكيف أخذت منه مرتين وكيف أسره الأمير عز الدين أيبك وحبسه بالقلعة، وجمع بينه وبين أولاده أياما ثم غيّبه عنهم، فلم يعرفوا له خبر (١) والى هلّم جرّا. وقيل إنّ الأمير عز الدين أجمع رأيه على قتله، فرسم للأمير عز الدين أيبك الرومي الصالحي بقتله، فأخذه وراح الى القرافة فقتله ودفنه بها (٢). وكان الصالح المذكور ملكا كريما حسن السياسة لين الجانب، غير أنّه ظلم رعيته وأخذ أموالهم، ورتب الرفيع الجيلي قاضيا بدمشق فصادر أهل دمشق وأخذ أموالهم وأعطاها له.
وفيها مالوا (٣) المماليك البحرية على المصريين قتلا ونهبا فأخذوا أموالهم وسبوا حريمهم وفعلوا ما لا تفعله (٨٥ ب) الفرنج بالمسلمين (٤).
وفيها لما جاء الخبر الى القاهرة بأن الملك الناصر انتصر كان السامري وزير الصالح اسماعيل معتقلا بالقلعة في جب هو وناصر الدين ابن يغمور وسيف الدين القيمري والخوارزمي صهر الملك الناصر يوسف، فخرجوا من الجب وعصوا بالقلعة، فلم يوافقهم سيف الدين القيمري، بل جاء وقعد على باب دار الأمير عز الدين أيبك التي فيها عياله وحماها، فلم يدع أحدا يقربها، وأما الباقون فصاحوا الملك الناصر يا منصور. فلما جاء الترك وفتحوا باب القلعة ودخلوا، فشنقوا السامري وناصر الدين اسماعيل ابن يغمور والخوارزمي متقابلين (٥).
وفيها كثر العيارين (٦) ببغداد وصار لهم مقدم يقال له غيث، وتنوع أقدامهم وفسادهم
стр. 195
حتى أن واحدا منهم قصد شخصا من ذوي الهيئات في صورة ناصح وقال له: إنّ عندك في دارك امرأة تفتح الباب نصف الليل وتدخل رجلا أجنبيا فعظم ذلك على الرجل وأنكره، فقال قف في دهليزك فإذا دق الباب خفية فافتح وقد اتضح لك ذلك. فترصد الرجل وأظهر أنّ ضيفا يريد أن يجيء اليه وبات في دهليز داره هو وغلام له، فلما طرق الباب قام وفتح الباب فهجم عليه جماعة من العيارين وكتفوه هو وغلامه وأخذوا جميع ما كان عنده وفعلوا مثل ذلك في أماكن متعددة وأكثر ما فعلوا ذلك في دور الأتراك والأمراء.
[الوفيات]
وفيها (٨٦ أ) مات أمين الدولة (١) أبو الحسن المتطبب السامري، وزير الملك الصالح وقد تقدم وظهر من الأموال والتحف والجواهر ما لا يوجد في خزائن الخلفاء والملوك، حتى قيل إنّ قيمة ما ظهر له ما قيمته ثلاثة آلاف ألف دينار غير الودائع التي كانت عند أصدقائه. ووجد له عشرة آلاف مجلد من الكتب النفيسة والخطوط المنسوبة (٢).
وفيها مات أبو محمد الإمام رشيد الدين عبد الظاهر (٣) ابن نشوان ابن عبد الظاهر بن نجدة الجذامي المصري المقرئ الضرير من ذرية روح بن زنباع. قرأ القراءات على أبي الجود وغيره وسمع وتصدر للإقراء مدة، وتخرج به جماعة. وكان مقرئ الديار المصرية في زمانه.
روى عنه الدمياطي والحفّاظ وهو والد القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر. قال الشيخ صلاح الدين الصفدي (٤): نقلت من خط ولده محيي الدين يرثيه بقوله: [الطويل]
فما ابن كثير الدّمع إن مات نافع ... ولا نافع حزن عليك يحتّم
خزانة علم قبره فلذا غدا ... بها كل يوم بالتلاوة يختم
وفيها مات شيخ مصر وخطيبها العلاّمة بهاء الدين علي ابن هبة الله ابن الجميزي (٥) وله
стр. 196
تسعون سنة، وقيل مات في السنة التي بعدها والله أعلم.
وفيها ماتت أرغون الحافظية (١) عتيقة السلطان الملك العادل أبو بكر وأنها سميت الحافظية لأنها ربت الملك الحافظ صاحب قلعة جعبر. كانت امرأة عاقلة مدبرة صالحة.
وكانت مدة (٨٦ ب) حبس المغيث ابن الصالح أيوب في قلعة دمشق تهيء له الأطعمة والأشربة، وتبعث له الثياب فحقد عليها الصالح اسماعيل وصادرها وأخذ منها أموالا جمة، يقال إنه أخذ منها أربعمائة صندوق. وكان العادل قد. . . (٢) بابن صاحب الروم فماتت البنت وعاد الجهاز الى أرغون المذكورة، وكان جهازا عظيما. وكانت هذه أرغون قد عمرت زمانا طويلا، وكانوا أولاد أيوب يحترمونها. ووقفت دارها بدمشق على خدامها، وبنت بالجبل تربة تحت ثورا على طريق عين الكرش كانت بستانا [لياقوت] (٣) غلام الشيخ تاج الدين الكندي فاشترته وبنت فيه مسجدا وتربة على الطريق وأوقفت عليها وقفا.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وستمائة
فيها عاد الملك الناصر يوسف من غزة الى دمشق، وجاء عسكر مصر، فنزل غزة والساحل ونابلس، وحكموا على البلاد الى الشّريعة (٤). وجهّز الملك الناصر صلاح الدين عسكره، وجاءته نجدة وساروا الى غزة، فعاد الترك الى مصر راجعين، وأقام العسكر على غزة مدة سنتين وشهور (٥)، وترددت الرسائل بينهم. وخرجت هذه السنة ثم التي بعدها على هذا.
وفيها أحدث بمصر ظلامات (٦) كثيرة على الرعية، وذلك بإشارة [الوزير] (٧) الأسعد الفائزي.
стр. 197
وفيها خرّبوا (١) الترك دمياط ونقلوا أهلها (٢) الى مصر، وأخربوا (٨٧ أ) قلعة الجزيرة، وقيل أخلوها وهو الصحيح.
وفيها عزل قاضي القضاة، عماد الدين أبو القاسم ابن أبي إسحاق ابن المقيشع (٣) المعروف بابن القطب الحموي، وأضافوها الى قاضي القضاة بدر الدين السنجاري.
وفيها حاصر الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، الملك المسعود ابن المعظم، صاحب الجزيرة، وهو يومئذ صهره زوج ابنته، وقبض عليه وأخذها منه قهرا وأنزله من القلعة، وأحدره الى الموصل في سفينة مقيدا، ثم في أثناء الطريق قبل وصوله الى الموصل غرّقه في الشط، وهو أخو الملوك الاتابكية بني آق سنقر (٤).
وفيها قصد جماز ابن شيحة المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام والرحمة - وقبض على عيسى أخيه، وأقام بها.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ الإمام العالم العامل، بهاء الدين أبو الحسن، علي بن هبة الله بن سلامة بن المسلم بن أحمد بن علي اللخمي المصري المعروف بابن الجميزي (٥). كان إماما كبيرا فاضلا عارفا بمذهب الشافعي، وكان يخالط الملوك. واتفق أنه حج في آخر عمره في سنة خمس وأربعين (٦) فأهدى اليه صاحب اليمن هدية بمكة، فقبلها. فبلغ الملك الصالح أيوب ذلك، فأعرض عنه واستمر الأعراض، فلم يرض عنه بعدها. أخذ الفقه عن الإمام شهاب الدين الطوسي [بمصر] (٧)، وشرف الدين ابن أبي عصرون [بالشام] (٨) ومحمد بن
стр. 198
يحيى (١). وتفقه بالشام على جماعة، وقرأ القراءات بالسبع (٢) على الشاطبي والبطائحي (٣)، وسمع الحديث الكثير وحدّث (٨٧ ب) وكان قد سافر في عنفوان شبابه الى العراق. وسمع شهده وأقرانها. وسمع من الحافظ السلفي بمصر، وروى عنه، وكتب له بالفتيا والتدريس سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وكان يلبس الطيلسان. ولم يمسك بيده ميزانا قط. ترسل من الملك الكامل الى الملك الأشرف، وتوجه أيضا رسولا الى بغداد هو وشجاع الدين ابن أبي زكريا. وكان يخطب في الجامع الحاكمي بالقاهرة. وله محفوظات ومحاضرات. وكان دمث الأخلاق كريم النفس كثير التواضع، قلّ أن يدخل عليه أحد ويناظره إلا قطعه، وما دخل عليه أحد من الناس إلا أطعمه شيئا.
قال أبو المظفر (٤): كنت أجتمع به بين القاهرة ومصر فيقف معي ويباسطني ويدعو لي [ويشكرني] (٥). وكان مولد المذكور يوم النحر سنة تسع وتسعين وخمسمائة بمصر في دار عمرو الصغرى، قريبا من الجامع. ومات ليلة الخميس رابع عشري (٦) ذي الحجة بمصر.
ودفن يوم الخميس بالقرافة قريبا من السفح رحمه الله تعالى.
وفيها مات الوزير جمال الدين أبو الحسن (٧)، يحيى بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن علي بن حمزة بن ابراهيم بن الحسن بن مطروح. أصله من أهل صعيد مصر، ونشأ هناك وأقام بقوص مدة، وتنقلت به الأحوال في (٨) الخدم والولايات، ثم اتصل بخدمة الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل، وكان إذ ذاك نائبا عن أبيه بالديار المصرية (٨٨ أ) ولما
стр. 199
اتسعت مملكة الكامل بالبلاد الشرقية، وصار له آمد وحصن كيفا وحرّان والرّها والرقّة، ورأس عين وسروج وما انضم الى ذلك، أرسل اليهم (١) ولده الملك الصالح نائبا عنه وذلك في سنة تسع وعشرين وستمائة، وكان ابن مطروح المذكور في خدمته. ولم يزل [ينتقل في تلك البلاد] (٢) الى أن وصل الصالح الى مصر مالكا لها وذلك يوم الأحد سابع عشري ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وستمائة. ثم وصل ابن مطروح في سنة تسع وثلاثين الى الديار المصرية، فرتبه السلطان ناظرا على الخزانة، ولم يزل يقرب منه ويحظى عنده إلى أن ملك الصالح دمشق في الدفعة الثانية سنة ثلاث وأربعين، فرتب الصالح لدمشق نوابا وجعل ابن مطروح في صورة وزير لها. فلما مضى إليها حسنت حاله وارتفعت منزلته، فلما توجه الصالح الى دمشق في شعبان سنة ست وأربعين وجهّز العسكر الى حمص لاستنقاذها من نواب الملك الناصر، فعزل ابن مطروح عن ولايته وسيّره مع العسكر المتوجه الى حمص. وأقام الصالح بدمشق إلى أن ينكشف له أمر حمص، فبلغه أنّ الفرنج قد اجتمعوا في جزيرة قبرص على قصد الديار المصرية، فعاد بالعسكر وابن مطروح في الخدمة والملك الصالح متغير عليه فتنكر له لأمور نقمها عليه (٣)، وخيم الصالح على المنصورة لما أخذوا (٤) الفرنج [دمياط] (٥) (٨٨ ب) وابن مطروح مواظب الخدمة مع الإعراض عنه. ولما مات الصالح دخل ابن مطروح الى مصر وأقام بها في داره حتى مات، هذه جملة حاله. وكانت أدواته جميلة وحالاته حميدة. جمع بين الفضائل (٦) والمروءة والأخلاق المرضيّة (٧)، والفتوة. وله ديوان شعر (٨) ملكته وكله جيد، فمنه قوله: [الكامل]
علقته من آل يعرب لحظه ... أمضى وأفتك من سيوف عريبه
أسكنته بالمنحنى من أضلعي ... شوقا لبارق ثغره وعذيبه
يا عائبا ذلك الفتور بطرفه ... خلوه لي أنا قد رضيت بعيبه
стр. 200
لدن وما مرّ النسيم بعطفه ... أرج وما مرّ العبير بجيبه
وله: [الكامل]
يا ربّ ان عجز الطبيب فداوني ... بلطيف صنعك واشفني يا شافي
أنا من ضيوفك قد حسبت وإنّ من ... شيم الكرام البرّ بالاضياف
وله: [الكامل]
وافى وأقبل في الغلالة ينثني ... فأراك حظ المجتلى والمجتني
ورنا فما تغني التمايم والرقا ... وأبيك من لحظات تلك الأعين
رشأ من الأتراك مسكنه الفلا ... ولكم له في مهجتي من مسكن
أغناه دابل قده عن ذابل ... وبشعره عن بيت شعر قد غني
قل للعواذل في هواه أقصروا ... لا أرعوي لا أنتهي لا أنثني
(٨٩ أ) حتى فؤادي خانني ووفى له ... وكذا الرقاد صبا إليه وملّني
يا قلب ما آنست بعدك راحة ... فمتى أراك ويا كرى أوحشتني
شعري ومحبوبي يعنيني به ... فهناك يحسن فتنه المتديّن
وله: [الطويل]
رأيت بخدّيه بياضا وحمرة ... فقلت لي البشرى اجتماع تولّدا
حلا ريقه والدر فيه منضّدا ... ومن ذا رأى في العذاب ذرّا منضّدا
وله: [الطويل]
وقفت أحلي الأرض من در أدمعي ... فجاء العذارى يلتقطن المدامعا
يغرن على تلك اللآلي لأنها ... بقية ما أودعن مني المسامعا
وله: [البسيط]
قالوا حبيبك ملسوع فقلت لهم ... من عقرب الصدع أو من حية الشعر
стр. 201
فقيل بل من أفاعي الأرض قلت لهم ... من أين ترقى أفاعي الأرض للقمر
وقال مما يكتب على سيف: [مجزوء الخفيف]
أنا سيف له السيوف على عزّها حدم ... شرفي أن صاحبي صاحب السيف والقلم
وقال: [المجتث]
أصبحت عبدك رقا ... لا أبتغي منك عتقا
يا من تملك رقّي ... أما ترى أن ترقّا
يا من تملك رقي ... تعيش أنت وتبقى
(٨٩ ب) من السهاد معافى ... من الغرام موقّى
وقد لقيت من الصّ ... ـد فيك أعظم ملقى
ردني قلى وصدورا ... أزدك حبا وعشقا
لا عشت إن قلت يوما ... من فرط جورك أشقى
يا ناعم الخد قلبي ... الى متى فيك يشقى
وله: [الطويل]
حدار سيوف العرب من أعين الترك ... فما (١) إلا لتؤذن بالفتك
وإيّاك عن تلك القدود فإنها ... رماح أعدت للطعان بلا شك
فإن كنت مقداما على البيض والقنا ... وإلا فقد عرّضت نفسك للهلك
وربّ غزال بات منهم مضاجعي ... وقد عبقت منه المضاجع بالمسك
وما بيننا أستغفر الله ريبه ... سوى رشفات من فم بارد ضنك
إذا ما سقاني في الهجير رضابه ... تخيلت أني بين قاره والنبك
وسرب أراقوا بينهم دم كرمة ... فباتت عليها عين راووقها تبكي
وغنّاهم شاد أغن فزادهم ... سرورا بشعر رائق حسن السبك
تلعبت فيه بالكلام تلعبا ... كما تلعب الأمواج في البحر بالفلك
стр. 202
وأني لأصبو والخلاعة مذهبي ... وأجمع ما بين الخلاعة والنسك
وقال: [مجزوء الرمل]
(٩٠ أ) بات في أثناء صدري ... قمر نيط ببدر
بدويّ نازل من ... شعره في بيت شعر
حامل نجدا وغورا ... منه في ردف وخصر
حبذا ليلة وصل ... منه بل ليلة قدر
أشرقت عن نور وجه ... وسنا كاس وثغر
وتعانقنا فما ظن ... ـك في ماء وجمر
وتعاتبنا فقل ما ... شئت من نظم ونثر
ثم لما أدبر اللي ... ـل وجاء الفجر يجري
قال إياك رقيبي ... بك يدري قلت يدري
وقال لما مسك الفرنسيس وحبس في دار ابن لقمان فخر الدين: [السريع]
قل للفرنسيس إذا جئته ... مقال صدق عن قؤول فصيح
آجرك الله على ما جرى ... من قتل عبّاد يسوع المسيح
أتيت مصرا تبتغي ملكها ... تحسب أن الزّمر يا طبل ريح
فساقك الحين الى أدهم ... ضاق به عن ناظريك الفسيح
وكل أصحابك أودعتهم ... بحسن تدبيرك بطن الصريح
تسعين ألفا لا يرى منهم ... إلا قتيل أو أسير جريح
وفقك الله لامثالها ... لعل عيسى منكم يستريح
(٩٠ ب) إن كان باباكم بذا راضيا ... فرب غش قد أتى من نصيح
فاتخذوه كاهنا إنه ... أنصح من شقّ لكم أو سطيح
وقل لهم إن أضمروا عودة ... لأخذ ثأر أو لقصد صحيح
دار ابن لقمان على حالها ... والقيد باق والطواشي صبيح
ومولده يوم الإثنين ثامن رجب سنة اثنين وتسعين وخمسمائة بأسيوط. ومات ليلة الأربعا
стр. 203
مستهل شعبان من هذه السنة. ودفن بسفح المقطّم، وأوصى أن تكتب عند رأسه دو بيت نظمه في مرضه، وهو يقول:
أصبحت بقعر حفرة مرتهنا ... لا أملك من دنياي إلا كفنا
يا من وسعت عباده رحمته ... من بعض عبادك المسيئين أنا
ثم دخلت سنة خمسين وستمائة
فيها قويت شوكة البحرية واستفحلوا وزاد شرهم، وعلا ذكرهم واجتمعت كلمتهم، وكان كبيرهم ومقدمهم الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار (١) الصالحي، وكان كلما دعت حاجة (٢) لأحد من البحرية أو قصد زيادة، دخل على الأمير فارس الدين وسأله في ذلك، والأمير فارس الدين يدخل بنفسه الى الأمير عز الدين [أيبك] (٣) يأخذ له ما طلبه.
وفيها طلب الأمير فارس الدين (٩١ أ) لنفسه ثغر الاسكندرية، فأعطيه، وكتب له به منشورا. واستطالوا (٤) البحرية على الأمير عز الدين وتوثبوا عليه (٥) وثوب الأسود على الضأن.
وفيها كان مبتدأ ملك الترك ومبدأ أحوالهم، فأقول وبالله التوفيق: إن الله تعالى أخلاهم من بلادهم الشاسعة وأقطارهم الواسعة، وساقهم الى مملكة الديار المصرية بحكمته وقاد إليهم أمرها بأرمّته بأسباب مشتملة على حكم لا تدرك العقول أغوارها، ولا تبلغ الخواطر أسرارها، ومن المستضعفين منهم بتورثهم ممالك الإسلام. وذبّهم عن حوزة أهل بيته ﵇، تصديقا لأخباره وتحقيقا لآثاره، المنتقاة المدونة عن الثقات، أنه لا تزال فئة تقاتل عن هذا الدين ظاهره الى يوم القيامة. ولما انتهى ملك الديار المصرية بعد الدولة العبيديّة، الى الذرّية الأيوبية كما ذكرناه مساقا وأوردناه اتساقا، فلما شاء الله بانقراضها، وقضى بانتقاضها، وسبق في علمه أنّ صلاح الناس في توليه أولي النجدة
стр. 204
والبأس، وأنّ الأتراك أوفر الناس عقلا وحزما، وإن في هدايتهم الى الإيمان صلاحا عاما وخاصا، فشاءت قدرته أن ينقل طائفة منهم من أطلالها، بل من ضلالها ليشيد بها أركان دينه القويم. فاتفق من تقدير ظهور التتار واستيلاؤهم (١) على البلاد المشرقية والشمالية وتعديهم على الأتراك (٩١ ب) القفجاقية، فأوقعوا بهم، وسبوا ذراريهم، وبيعوا في الأسواق، وجلبهم التجار الى الآفاق، فسيق منهم الى الديار المصرية، والبلاد الشامية في أواخر الدولة الأيوبية، جموع من الشبان، وأواسط الفتيان، فاشتروهم (٢) ملوك بني أيوب بأنفس الأثمان، واتخذوهم عدة في النوائب لما فيهم من الشجاعة والإقدام، ورمي السهام، ودربتهم برياضة الخيول، فصيروا منهم الأمراء الأكابر ومقدمي العساكر. وأول من اهتم بتحصيلهم الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وأخوه الملك العادل أبو بكر، ثم أولاده الكامل والأشرف والمعظم. فلما أفضت المملكة الى الملك الصالح نجم الدين أيوب ولد الكامل، استكثر منهم وبذل المجهود في تحصيلهم، وبذل فيهم الأموال العظيمة، واعتمد عليهم لما جرب من حربهم ونصحهم وثباتهم، فتكمل عنده منهم العدة الوافرة. فلما انقضت أيامه وقضى نحبه فأساء ولده معهم التدبير وبذل لسانه في مذمتهم والتوعد بإزالة نعمتهم، فحملهم ما رأوه من نقص رأيه على ما ذكرناه من أخباره، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه والجادع (٣) مارن (٤) أنفه بكفه، ولم يسمع قول القائل: [السريع]
لا تنبش الشّر فتبلى به ... فقلّ من يسلم من نبشه
إذا طغى الكبش بشحم الكلى ... أدرج رأس الكبش في كرشه
(٩٢ أ) ولعله لو أنصفهم لم تمتد أيدي النوائب اليه، لكن المقدور جرى بتلك الأمور، وأنشدوا في المعنى: [الطويل]
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده
ثم أنهم أقاموا الأمير عز الدين أيبك التركماني الجاشنكير الصالحي، وصيروا اليه حكم
стр. 205
الأتابكية، فكان أول متملك من الطائفة التركية بالديار المصرية على ما سنذكره مبينا إن شاء الله تعالى. وهانا ذاكر ما جرى من الأسباب الموجبة لمجيء هؤلاء الأجلاب فأقول: إن هذه الطائفة التركية قوم سكناهم بالبلاد الشمالية، لا يتخذون جدارا ولا يستوطنون دارا، بل ينتقلون في أراضيهم من المشتا للمصيف، وهم قبائل متعددة، فمن قبائلهم: قبيلة «طقصبا» (١) و «يبتا»، و «برجي» (٢) «أغلي»، و «البرلي» (٣)، و «قنغر أغلي» (٤) و «انجغلي» (٥)، و «دروت» و «قلابا أغلي»، و «جرتان» (٦) و «قرابر كلي» (٧)، و «لتن» (٨). ولم يزالوا مستقرين بأماكنهم الى أن اتفق خروج التتار كما ذكرناه. إتفق أنّ شخصا من قبيلة «دروت» خرج متصيدا فصادفه شخص من قبيلة «طقصبا» كان بينهما منافسة، فأخذه أسيرا ثم قتله وأبطئ خبره عن أبيه، فأرسل شخصا ليكشف خبره، فعاد إليهم بالخبر، فجمع أبوه قبيلته وسار اليه فلما بلغه [الخبر] (٩) جمع أيضا أهله وقبيلته وتأهب لقتاله، فالتقت (١٠) الفئتان، فكانت الكسرة على قبيلة «طقصبا» فأرسل القاتل الى (٩٢ ب) «دوشي خان» ابن جنكيز خان مستصرخا ومستعديا، فشكا اليه ما حلّ به وبقومه من قبيلة «دروت» القفجاقية، وأعلمه أنّه إن قصدهم لم يجد من دونهم مانعا، فأرسل «دوشي خان» شخصا من ثقاته ليتجسس له الأخبار، فتوجه القاصد الى منازلهم وحللهم وعاد الى دوشي خان فسأله عما رأى، فقال له: رأيت كلابا مكبة على الية (١١) متى طردتهم عنها تمكنت منها، فسار اليهم في عساكره وأوقع بهم أشد الإيقاع وأتى على أكثرهم قتلا وسبيا (١٢)، وكان هذا السبب الحقير محركا لهذا التأثير. فلما سبتهم عساكر التتار باعوهم للتجار، فجلبوهم الى الأمصار، فهذا مبدأ إحضارهم.
стр. 206
ذكر إنفراد الأمير عز الدين أيبك بالمملكة وجلوسه على تخت الملك.
قد تقدم ذكر سلطنة الملك الأشرف موسى، وان الامراء البحرية قدّموا الأمير عز الدين وجعلوه أتابك العساكر، ودام الحال على ذلك الى هذه السنة، فامتدت أطماع ملوك الشام الى قصد الديار المصرية، ثم تبع ذلك الارجاف (١) بما تواتر من حركة التتار ودخول هولاكو بلد العراق (٢). وكان الملك الأشرف مهتدم الجانب لصغر سنه فاجتمعت الأمراء واتفق الأمراء على استقلال الأمير عز الدين [أيبك] (٣) بالملك وجلوسه على انفرادها، فتسلطن وسمي بالملك المعز، وانفرد بأمورها وقام بتدبيرها وأزيل عن الأشرف اسمها (٤). ولما استقل الملك المعز شرع في تحصيل (٩٣ أ) الأموال واستخدام الرجال، فاستوزر شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزي، فقدر أموالا على التجار وذوي العقار، ورتب مكوسا وضمانات وسماها حقوقا ومعاملات (٥) واستقرت وتزايدت.
وفيها أمّر الملك المعز أيبك جماعة من مماليكه.
وفيها وصل من بغداد الى الديار المصرية، الشيخ نجم الدين البادرائي رسولا (٦) من عند الخليفة المستعصم ليصلح ما بين الملك الناصر [يوسف] (٧) صاحب الشام وبين الملك المعز صاحب مصر، فتقرر الصلح وترتب (٨).
وفيها وصلت ابنة السلطان علاء الدين كيقباذ ابن كيخسرو، صاحب الروم الى دمشق مخطوبة من الملك الناصر فبنى بها ودخل عليها (٩).
стр. 207
وفيها رتب الملك المعز الأمير سيف الدين قطز مملوكه نائبا عنه بالديار المصرية، وكان أكبر مماليكه وأقدمهم عنده هجرة.
وفيها مات «باطوخان» وكان لقبه «صاين قان» ومعناه الملك المجيد. وكانت مدة مملكته ببلاد الشام ونواحي القفجاق عشر سنين وهو ثاني ملك تملكها من ذرية جنكيز خان وكرسي هذه المملكة «صراي». وخلف من الأولاد ثلاثة هم: «طغان» و «بركة» و «بركجار» فنازعهم أخوه المملكة واستبد بها دونهم، وكان اسمه «صرطق ابن دوشي»، فاستقر بالمملكة المذكورة (١).
وفيها أرسل منكو (٢) خان أخاه هولاكو لفتح بلاد العراق، فسار بمن معه من الجيوش الى بلاد الاسماعيلية (٣) (٩٣ ب) وهم يسمون عند العجم ومسلمة التتار، الملاحدة، فاستولى عليها وأباد أهلها قتلا وأسرا وسبيا. ووصلت غاراتهم الى ديار بكر وميّافارقين وسروج.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ أبو عمران موسى ابن الحصكفي (٤)، وكان قد ولي القضاء بآمد.
وفيها مات الشيخ أبو المكارم سعيد ابن أبي البقاء خالد الخالدي، المعروف بابن القيسراني. كان والده أبو البقاء قد وزر للملك العادل نور الدين محمود ابن زنكي، وسيره رسولا الى الديار المصرية وكان حسن الخط.
стр. 208
وفيها مات الشيخ أبو الفضائل الحسن بن محمد بن الحسن ابن حيدر الصغاني (١) اللغوي. كان عالما باللغة وله فيها مصنفات.
وفيها مات بمصر الشريف أبو عبد الله محمد ابن الحسين الأرموي (٢) الفقيه الشافعي المعروف بقاضي العسكر، تولى نقابة الأشراف وقضاء العسكر، وترسل الى بغداد وغيرها، وصحب شيخ الشيوخ أبا الحسن ابن حموية وتفقه عليه. وكان من الرؤوسا المذكورين والفضلاء المشهورين.
وفيها مات شمس الدين [محمد] (٣) بن سعد المقدسي الكاتب، كتب للصالح اسماعيل وللناصر داوود. وكان دينا فاضلا شاعرا ومن شعره من أبيات ينصح بها الى الصالح اسماعيل ويحذره من بطانته:
[البسيط]
يا مالكا لم أجد لي من نصيحته ... بدّا وفيها دمي أخشاه منسفكا
(٩٤ أ) إسمع نصيحة من أوليته نعما ... يخاف كفرانها إن كفّ أو تركا
والله لا امتدّ ملك مدّ مالكه ... على رعيته من ظلمه شبكا
[ترى الحسود به مستبشرا فرحا ... مستغربا من بوادي أمره ضحكا] (٤)
وزيره ابن غزال والرفيع له (٥) ... قاضي القضاة ووالي حربه ابن بكا
وثعلب وفضيل (٦) من هما وهما ... أهل المشورة فيما ضاق أو ضنكا (٧)
جماعة بهم الافات قد نشرت ... والشرع قد مات والإسلام قد هلكا
ما راقبوا الله في سر وفي علن ... وإنما يرقبون النجم والفلكا
стр. 209
[وإنما قلد الملك الخصيص به ... من همّه عزله عنه ومن فركا] (١)
ومن عداوته أصليه وله ... من البطانة فيما يبتغي شركا
والآن قد حكموا واستوثقوا حلفا ... وصيروك لهم في صيدهم شركا
إن كان خيرا ورزقا واسعا فلهم ... أو كان شرا وأمرا سيئا فلكا
[فقد نصحت فقم واقبل نصيحة من ... ما مان في قوله حرفا ولا إفكا] (٢)
فاستدرك الأمر واستر ما جنوه بهم ... تلق الرشاد وإن أصررت (٣) منهمكا
فعن قريب ترى آثار فعلهم ... فيهم وفيك إذا ما سترهم هتكا
وكانت وفاته بدمشق، دفن بقاسيون.
وفيها مات الأديب الفاضل، عبد الله بن فتيان العقيمي (٤)، أصله من جزيرة ابني عمر، كان قصابا وكان عنده فضيلة، وله نظم حسن في مدح أهل البيت من غير تعصب، وكانت وفاته في ربيع الأول ودفن في مقابر الجزيرة.
وفيها مات الحاج علي بن محمد بن علي الفهاد (٥). كان يخدم السلطان سنجر (٦) شاه، فلما مات انقطع الى بيته وبنى مسجدا ورباطا وأوقف عليهما وقفا وبقي هو يؤذن (٩٤ ب) فيه احتسابا، فلما كان في بعض الأيام جاء وقت الظهر إلى المسجد، وفي المسجد بئر فأدلى السطل ليستقي ماء للوضوء وطلع (٧) ماؤه ذهبا، فقال بسم الله مردود وأقلبه في البئر، ثم أنزل السطل مرة ثانية، فطلع مملوءا ذهبا، فقال كما فعل في الأولى، ثم أنزله ثالث مرة فطلع أيضا مملوءا من الذهب، فقال: يا رب لا تطردني عن بابك، أنا أروح الى الشط [أتوضأ] (٨) وأنت قادر على كل شيء وقدرتك تجعله ذهبا وجوهرا، وليس قصدي سوى الماء لإداء
стр. 210
فريضتك. ثم أنزل السطل رابع مرة، فطلع الماء فسجد شكرا لله، وقال: أي رب قربني إليك، فسمع صوتا يقول: ودع أهلك وأصحابك واستحلل منهم، فبعد صلاة الظهر نقبضك الينا وأعلم بما جرى لك. فتوضأ (١) ثم دخل على أهله فأعلمهم، ثم خرج من المسجد فودّع أصحابه وحاللهم وأخبرهم بما جرى له، فشرع أكثر الناس يضحكون منه، ويقولون ما طلع له إلا أسطال ذهب. فلما قارب الأذان، قام كجاري عادته فأذن، فقيل له: ما جاء الوقت، فقال: والله إني لأسمع الأذان من السماء، فزاد ضحك الناس عليه والتعجب منه، ثم أقيمت الصلاة، فصلى الظهر، فلما أن سلّم رفع يديه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم خرجت روحه، رحمه الله تعالى. فشرع الذين كانوا يضحكون من كلامه يستغفرون الله تعالى، ثم شرعوا في غسله وتكفينه، ودفن من يومه وشيّعه كل من في البلد.
(٩٥ أ) وحكى أبو المظفر (٢) أن قبره يقبل النذر والدعاء عنده مستجاب.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وستمائة
فيها استفحل (٣) أمر الأمير فارس الدين أقطاي الجمدار الصالحي النجمي، بالديار المصرية، وانحازت إليه البحرية، وأرسل الى الملك المظفر (٤) صاحب حماه يلتمس وصلته ويخطب ابنته، وكان الرسول إليه، الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين [علي] (٥) بن حنا، ولم يكن والده وزّر بعد، إنما كان مرشحا لذلك. فلما وصل الى حماه تلقاه بالإجلال وجهّز ابنته (٦) بما يليق بمثلها، فسمت نفس الأمير فارس الدين، فأعمل الملك
стр. 211
المعز الحيلة في قتله. ومضت هذه السنة والأمير فارس الدين والبحرية منهمكين (١) على اللذات، والمعز ينصب لهم الأشراك.
وفيها كان اتفاق «منكو خان» مع أخيه هولاكو على أن يتوجه لقصد بلاد الملاحدة وما يليها، فجهّزه وجهّز معه خمس خانات فتجهز وسار.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ المسند أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي الحرم [مكّي] (٢)، المعروف بابن الحاسب، سبط الحافظ أبي الطاهر السلفي بمصر.
وفيها مات الشيخ الفاضل أبو الفضائل أحمد (٣) بن يوسف المغربي القفصي التيفاشي بالقاهرة، وله شعر حسن ونثر جيد، ومصنفات في عدة فنون.
وفيها مات الشيخ الأديب أبو إسحاق، ابراهيم بن سليمان بن حمزة الدمشقي الكاتب المعروف بابن النجار (٤) بدمشق، وله شعر حسن، وكان (٩٥ ب) أحد الكتاب المشهورين بجودة الخط وقوة الكتابة. سافر الى حلب والى ديار مصر وغيرهما.
وفيها مات القاضي صدر الدين الحنفي (٥) قاضي آمد. كان فاضلا عارفا بالمذاهب كيسا لطيفا، متعصبا، ذا مروءة، مات بالقاهرة.
وفيها مات الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد ابن حموية (٦) ابن عم (٧) صدر الدين شيخ الشيوخ بخراسان. كان زاهدا، عابدا، ورعا، متكلما على الحقائق، وله مجاهدات ورياضات. وقدم مصر وحج وسكن الشام، وافتقر ولم يكن يتردد الى أحد ولا إلى بني عمه.
فلما اشتد به الحال، سافر الى خراسان، فأكرمه التتار، وأسلم بعضهم على يده، وبنى
стр. 212
خانقاه بآمد، وتوجه لزيارة جده حمويه بحراباد، فمات بها ودفن الى جانب جده.
وفيها مات الشيخ عبد القادر بن الحسن بن محمد بن جميل، أبو محمد البندنيجي (١) المحتد البغدادي، أحد مشايخ شرف الدين الدمياطي. كانت وفاته في سابع ذي قعدة من هذه السنة ببغداد.
وفيها مات الشيخ عبد القادر بن عبد الجبار بن عبد القادر أبو منصور ابن أبي نصر القزويني البغدادي المؤدب، المعروف بابن المديني، مولده ببغداد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ومات بها يوم الجمعة خامس جمادى الأول من هذه السنة ودفن بباب حرب.
وفيها مات عبد الكريم بن منصور ابن أبي بكر بن علي أبو محمد (٩٦ أ) الموصلي الشافعي، المحدث الزاهد، المعروف بالأثري (٢) نسبة الى إتباع الأثر. مولده في شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ومات ببغداد في هذه السنة.
وفيها مات الصاحب عماد الدين القاسم ابن الإمام شمس الدين محمد بن الندى الجزري العقيلي، في يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة، ودفن بالقرافة بتربته المقابلة لتربة قاضي القضاة، بدر الدين السنجاري، على باب مشهد الإمام أبي حنيفة. كان المذكور وزير الملك المعظم، معز الدين محمد بن سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي، صاحب الجزيرة، ثم انتقل الى الديار المصرية في آخر الدولة الكاملية، ولم يزل بها حتى مات في التاريخ المذكور.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وستمائة
فيها وقع الصلح بين السلطان الملك الناصر صاحب الشام وبين الفرنج الذين بالساحل ومدينة عكا، مدة عشر (٣) سنين وست شهور، على أن تكون للفرنج من الماء مغرب (٤) والماء
стр. 213
هو الشريعة، وحلفوا على ذلك.
وفيها ظهرت نار بأرض عدن في بعض جبالها، بحيث يطير بها شرار الى (١) البحر في الليل، ويصعد منها دخان بالنهار، فما شكوا أنها النار (٢) التي ذكرها النبي ﷺ ، أنها تظهر في آخر الزمان، فتاب الناس وأقلعوا [عما كانوا عليه من المظالم والفساد] (٣) وردت بذلك الأخبار من مكة.
وفيها أقطع الملك المعز، الأمير علاء الدين إيدغدي العزيزي، دمياط زيادة على إقطاعه (٩٦ ب) وارتفاعها يومئذ ثلاثون ألف دينار (٤).
وفيها وصلت الأخبار من المغرب باستيلاء إنسان (٥) على إفريقية، وادعى الخلافة وتلقب بالمستنصر وأظهر العدل والانصاف.
وفيها قدم الفارس اقطاي من الصعيد وقد أسر الشريف (٦)، حصن الدين ابن ثعلب وجماعة من العربان ولم يلبث الفارس بعد ذلك أن جاءت منيته.
وفيها قتل فارس الدين أقطاي (٧) الجمدار الصالحي وذلك ان الملك المعز اتفق هو ومماليكه على ذلك وأرسل إليه يستدعيه موهما له أنّه يستشيره في مهمات من الأمور. وأكمن له كمينا من مماليكه (٨) وراء باب قاعة الأعمدة بالقلعة وقرر معهم أنّه إذا مرّ مجتازا بالدهليز يبتدرونه بسرعة. فلما وردت إليه رسالة المعز بادر بالركوب في نفر يسير من مماليكه من غير أن
стр. 214
يعلم أحدا من خشداشيته (١) لثقته بتمكن حرمته. وطلع القلعة آمنا ولم يدر بما كان له كامنا.
فلما وصل الى باب القلعة منع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزّية فأذاقوه كأس المنية وسبب ذلك أنّه قد طلب من المعز القلعة ليسكن بها زوجته الجديدة بنت صاحب حماة. وكان قتله يوم الاثنين (٢) حادي عشرين شعبان. وأمر المعز بغلق باب القلعة، فركبت مماليكه وحاشيته وكانوا سبعمائة فارس ومعهم جماعة من البحرية وقصدوا قلعة الجبل بناء على أنّ المعز قبض عليه، فبينما هم كذلك أرمي لهم برأسه من فوق السور فالتفت بعضهم الى بعض (٩٧ أ) وقالوا على من تقاتلوا فتفرقوا جميعهم.
وفيها لما شاع الخبر بقتله، أجمعوا (٣) البحرية على الخروج الى الشام. وكان من أعيانهم يومئذ ركن الدين بيبرس البندقداري، وقلاون الألفي، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز وبرامق (٤)، فشمروا ويلا وخرجوا ليلا فوجدوا باب المدينة الذي قصدوا الخروج منه مغلقا، فأضرموا فيه النار، وهو الباب المعروف بباب القراطين فأحرقوه، وخرجوا منه نحو الشام، فسمي من يومئذ الباب المحروق (٥) وقصدوا (٦) البحرية الملك الناصر صاحب الشام ليكونوا عنده (٧). ولما أصبح المعز، بلغه هروبهم من المدينة فأمر بالحوطة على أملاكهم وأموالهم ونسوانهم وغلمانهم وأتباعهم. واستصفيت أموالهم وذخائرهم وشونهم وخزائنهم، واستتر من تأخر منهم. وحمل من موجود الأمير فارس اقطاي الجمل المستكثرة من الأموال. ونودي (٨) على البحرية في الأسواق والشوارع. وتمكن الملك المعز من المملكة وارتجع ثغر الاسكندرية الى الخاص السلطاني، وأبطل ما قرره من الجبايات، وأعفى (٩) الرعية من المصادرات والمطالبات. وأما البحرية فإنهم وفدوا على الملك الناصر، فأحسن اليهم، وأقبل عليهم وأعطى كلا منهم إقطاعا يلائمه، ثم عزم على قصد الديار المصرية، فجرد عسكرا صحبة
стр. 215
البحرية، فساروا ونزلوا الغور واتخذوا العوجاء منزلا. وبلغ المعزّ مسيرهم اليه واتفاقهم عليه، فبرز بالعساكر (٩٧ ب) المصرية ومعه جماعة ممن حضر اليه من العزيزية. فنزل الباردة بالقرب من العباسة وانقضت هذه السنة وهو مخيم بها.
وفيها كانت وفاة صرطق خان ابن دوشي خان (١) بن جنكيز خان، صاحب البلاد الشمالية. وكانت ممكته سنة وشهورا، ولم يكن له ولد يلي المملكة بعده. وكانت براق سين زوجة طغان ابن أخيه، أرادت أن تولي ولدها تران منكو السلطنة، وكان لها بسطة وتحكم، فلم يوافقها أحد من الخانات أولاد «باطو» وبقية الأمراء على رأيها. فلما رأت أنهم لم يوافقوها راسلت هولاكو وأرسلت اليه نشابه بلا ريش وقباء بعير أسود، وبعثت تقول له: قد تفرغ الكاش من النشاب، وخلا القربان فتحضر لتسلّم الملك. وسارت في أثر الرسول لقصد هولاكو واحضاره، فأرسلوا في طلبها وأعادوها كارهة وغرّقوها جزاء بما فعلت. وجلس على كرسي المملكة بركة خان ابن باطوخان (٢) ابن دوشي وأسلم وحسن اسلامه (٣)، وأقام منار الدين وأظهر شرائع المسلمين، وأكرم العلماء والفقهاء وأدناهم وبرّهم ووصلهم واتخذ المساجد والمدارس بنواحي مملكته. وأسلمت زوجته «ججك» وأخذت لها مسجدا من الخيم [وذلك على يد الشيخ نجم الدين كبرا] (٤).
وفيها وصل الشريف المرتضى (٥) من الروم ومعه بنت علاء الدين صاحب الروم التي خطبها الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، فزفت عليه بدمشق واحتفل (٩٨ أ) لها احتفالا كثيرا (٦).
وفيها مات القاضي أبو القاسم ابن المقيشع الشافعي، المنعوت بالعماد. ولي القضاء