المعز الحيلة في قتله. ومضت هذه السنة والأمير فارس الدين والبحرية منهمكين (١) على اللذات، والمعز ينصب لهم الأشراك.
وفيها كان اتفاق «منكو خان» مع أخيه هولاكو على أن يتوجه لقصد بلاد الملاحدة وما يليها، فجهّزه وجهّز معه خمس خانات فتجهز وسار.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ المسند أبو القاسم عبد الرحمن ابن أبي الحرم [مكّي] (٢)، المعروف بابن الحاسب، سبط الحافظ أبي الطاهر السلفي بمصر.
وفيها مات الشيخ الفاضل أبو الفضائل أحمد (٣) بن يوسف المغربي القفصي التيفاشي بالقاهرة، وله شعر حسن ونثر جيد، ومصنفات في عدة فنون.
وفيها مات الشيخ الأديب أبو إسحاق، ابراهيم بن سليمان بن حمزة الدمشقي الكاتب المعروف بابن النجار (٤) بدمشق، وله شعر حسن، وكان (٩٥ ب) أحد الكتاب المشهورين بجودة الخط وقوة الكتابة. سافر الى حلب والى ديار مصر وغيرهما.
وفيها مات القاضي صدر الدين الحنفي (٥) قاضي آمد. كان فاضلا عارفا بالمذاهب كيسا لطيفا، متعصبا، ذا مروءة، مات بالقاهرة.
وفيها مات الشيخ سعد الدين محمد بن المؤيد ابن حموية (٦) ابن عم (٧) صدر الدين شيخ الشيوخ بخراسان. كان زاهدا، عابدا، ورعا، متكلما على الحقائق، وله مجاهدات ورياضات. وقدم مصر وحج وسكن الشام، وافتقر ولم يكن يتردد الى أحد ولا إلى بني عمه.
فلما اشتد به الحال، سافر الى خراسان، فأكرمه التتار، وأسلم بعضهم على يده، وبنى
стр. 212
خانقاه بآمد، وتوجه لزيارة جده حمويه بحراباد، فمات بها ودفن الى جانب جده.
وفيها مات الشيخ عبد القادر بن الحسن بن محمد بن جميل، أبو محمد البندنيجي (١) المحتد البغدادي، أحد مشايخ شرف الدين الدمياطي. كانت وفاته في سابع ذي قعدة من هذه السنة ببغداد.
وفيها مات الشيخ عبد القادر بن عبد الجبار بن عبد القادر أبو منصور ابن أبي نصر القزويني البغدادي المؤدب، المعروف بابن المديني، مولده ببغداد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة ومات بها يوم الجمعة خامس جمادى الأول من هذه السنة ودفن بباب حرب.
وفيها مات عبد الكريم بن منصور ابن أبي بكر بن علي أبو محمد (٩٦ أ) الموصلي الشافعي، المحدث الزاهد، المعروف بالأثري (٢) نسبة الى إتباع الأثر. مولده في شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة ومات ببغداد في هذه السنة.
وفيها مات الصاحب عماد الدين القاسم ابن الإمام شمس الدين محمد بن الندى الجزري العقيلي، في يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة، ودفن بالقرافة بتربته المقابلة لتربة قاضي القضاة، بدر الدين السنجاري، على باب مشهد الإمام أبي حنيفة. كان المذكور وزير الملك المعظم، معز الدين محمد بن سنجر شاه بن غازي بن مودود بن زنكي، صاحب الجزيرة، ثم انتقل الى الديار المصرية في آخر الدولة الكاملية، ولم يزل بها حتى مات في التاريخ المذكور.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وستمائة
فيها وقع الصلح بين السلطان الملك الناصر صاحب الشام وبين الفرنج الذين بالساحل ومدينة عكا، مدة عشر (٣) سنين وست شهور، على أن تكون للفرنج من الماء مغرب (٤) والماء
стр. 213
هو الشريعة، وحلفوا على ذلك.
وفيها ظهرت نار بأرض عدن في بعض جبالها، بحيث يطير بها شرار الى (١) البحر في الليل، ويصعد منها دخان بالنهار، فما شكوا أنها النار (٢) التي ذكرها النبي ﷺ ، أنها تظهر في آخر الزمان، فتاب الناس وأقلعوا [عما كانوا عليه من المظالم والفساد] (٣) وردت بذلك الأخبار من مكة.
وفيها أقطع الملك المعز، الأمير علاء الدين إيدغدي العزيزي، دمياط زيادة على إقطاعه (٩٦ ب) وارتفاعها يومئذ ثلاثون ألف دينار (٤).
وفيها وصلت الأخبار من المغرب باستيلاء إنسان (٥) على إفريقية، وادعى الخلافة وتلقب بالمستنصر وأظهر العدل والانصاف.
وفيها قدم الفارس اقطاي من الصعيد وقد أسر الشريف (٦)، حصن الدين ابن ثعلب وجماعة من العربان ولم يلبث الفارس بعد ذلك أن جاءت منيته.
وفيها قتل فارس الدين أقطاي (٧) الجمدار الصالحي وذلك ان الملك المعز اتفق هو ومماليكه على ذلك وأرسل إليه يستدعيه موهما له أنّه يستشيره في مهمات من الأمور. وأكمن له كمينا من مماليكه (٨) وراء باب قاعة الأعمدة بالقلعة وقرر معهم أنّه إذا مرّ مجتازا بالدهليز يبتدرونه بسرعة. فلما وردت إليه رسالة المعز بادر بالركوب في نفر يسير من مماليكه من غير أن
стр. 214
يعلم أحدا من خشداشيته (١) لثقته بتمكن حرمته. وطلع القلعة آمنا ولم يدر بما كان له كامنا.
فلما وصل الى باب القلعة منع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزّية فأذاقوه كأس المنية وسبب ذلك أنّه قد طلب من المعز القلعة ليسكن بها زوجته الجديدة بنت صاحب حماة. وكان قتله يوم الاثنين (٢) حادي عشرين شعبان. وأمر المعز بغلق باب القلعة، فركبت مماليكه وحاشيته وكانوا سبعمائة فارس ومعهم جماعة من البحرية وقصدوا قلعة الجبل بناء على أنّ المعز قبض عليه، فبينما هم كذلك أرمي لهم برأسه من فوق السور فالتفت بعضهم الى بعض (٩٧ أ) وقالوا على من تقاتلوا فتفرقوا جميعهم.
وفيها لما شاع الخبر بقتله، أجمعوا (٣) البحرية على الخروج الى الشام. وكان من أعيانهم يومئذ ركن الدين بيبرس البندقداري، وقلاون الألفي، وسنقر الأشقر، وبيسري، وسكز وبرامق (٤)، فشمروا ويلا وخرجوا ليلا فوجدوا باب المدينة الذي قصدوا الخروج منه مغلقا، فأضرموا فيه النار، وهو الباب المعروف بباب القراطين فأحرقوه، وخرجوا منه نحو الشام، فسمي من يومئذ الباب المحروق (٥) وقصدوا (٦) البحرية الملك الناصر صاحب الشام ليكونوا عنده (٧). ولما أصبح المعز، بلغه هروبهم من المدينة فأمر بالحوطة على أملاكهم وأموالهم ونسوانهم وغلمانهم وأتباعهم. واستصفيت أموالهم وذخائرهم وشونهم وخزائنهم، واستتر من تأخر منهم. وحمل من موجود الأمير فارس اقطاي الجمل المستكثرة من الأموال. ونودي (٨) على البحرية في الأسواق والشوارع. وتمكن الملك المعز من المملكة وارتجع ثغر الاسكندرية الى الخاص السلطاني، وأبطل ما قرره من الجبايات، وأعفى (٩) الرعية من المصادرات والمطالبات. وأما البحرية فإنهم وفدوا على الملك الناصر، فأحسن اليهم، وأقبل عليهم وأعطى كلا منهم إقطاعا يلائمه، ثم عزم على قصد الديار المصرية، فجرد عسكرا صحبة
стр. 215
البحرية، فساروا ونزلوا الغور واتخذوا العوجاء منزلا. وبلغ المعزّ مسيرهم اليه واتفاقهم عليه، فبرز بالعساكر (٩٧ ب) المصرية ومعه جماعة ممن حضر اليه من العزيزية. فنزل الباردة بالقرب من العباسة وانقضت هذه السنة وهو مخيم بها.
وفيها كانت وفاة صرطق خان ابن دوشي خان (١) بن جنكيز خان، صاحب البلاد الشمالية. وكانت ممكته سنة وشهورا، ولم يكن له ولد يلي المملكة بعده. وكانت براق سين زوجة طغان ابن أخيه، أرادت أن تولي ولدها تران منكو السلطنة، وكان لها بسطة وتحكم، فلم يوافقها أحد من الخانات أولاد «باطو» وبقية الأمراء على رأيها. فلما رأت أنهم لم يوافقوها راسلت هولاكو وأرسلت اليه نشابه بلا ريش وقباء بعير أسود، وبعثت تقول له: قد تفرغ الكاش من النشاب، وخلا القربان فتحضر لتسلّم الملك. وسارت في أثر الرسول لقصد هولاكو واحضاره، فأرسلوا في طلبها وأعادوها كارهة وغرّقوها جزاء بما فعلت. وجلس على كرسي المملكة بركة خان ابن باطوخان (٢) ابن دوشي وأسلم وحسن اسلامه (٣)، وأقام منار الدين وأظهر شرائع المسلمين، وأكرم العلماء والفقهاء وأدناهم وبرّهم ووصلهم واتخذ المساجد والمدارس بنواحي مملكته. وأسلمت زوجته «ججك» وأخذت لها مسجدا من الخيم [وذلك على يد الشيخ نجم الدين كبرا] (٤).
وفيها وصل الشريف المرتضى (٥) من الروم ومعه بنت علاء الدين صاحب الروم التي خطبها الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، فزفت عليه بدمشق واحتفل (٩٨ أ) لها احتفالا كثيرا (٦).
وفيها مات القاضي أبو القاسم ابن المقيشع الشافعي، المنعوت بالعماد. ولي القضاء
стр. 216
بحماه وترسل عن صاحب حمص الى بغداد مرارا ودخل مصر وولي القضاء بها ثم خرج الى الشام فمات به.
وفيها مات الشيخ أبو شجاع بكبرس بن عبد الله التركي، الفقيه الحنفي المعروف بنجم الدين الزاهد، مولى الخليفة الإمام الناصر. ودفن بتربة الإمام أبي حنيفة ﵁ ببغداد.
وفيها مات بحرّان الشيخ الفقيه العالم أبو البركات عبد السلام ابن عبد الله الحرّاني الحنبلي المعروف بابن تيمية (١). كان من أعيان العلماء وأكابر الفضلاء.
وفيها مات بدمشق الشيخ الإمام شمس الدين أبو محمد عبد الحميد ابن عيسى ابن عمّوية (٢) الخسرو شاهي [الشافعي] (٣). كان من تلامذة الإمام فخر الدين [الرازي] (٤) وكان أحد العلماء المشهورين الجامعين لفنون العلم.
وفيها مات بمصر الأديب أبو الفتوح ناصر بن ناهض اللخمي المعروف بالحصري (٥).
كان شاعرا محسنا. ومن شعره المعشرات المشهورة التي مطلعها: [الطويل]
أما لك يا داء المحب دواء ... بلى عند بعض الناس منك شفاء
وله غير ذلك.
وفيها حج القاضي بدر الدين السنجاري في البحر وعاد الى البر. (٩٨ ب) وفيها أخذ قاع البحر (٦) أربعة أذرع وست أصابع، وبلغت الزيادة ثمانية عشر ذراعا وثلاث أصابع (٧).
стр. 217
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وستمائة
فيها عاد الملك الناصر داوود من الأنبار الى دمشق، فأقام بها بعد أن حبسه الملك الناصر يوسف بقلعة حمص ثلاث سنين، وبعث (١) به الى بغداد، ثم عاد الى دمشق وحج وعاد فأقام بالحلّة وكان قد جرى بين الحاج العراقي وبين أهل مكة فتنة (٢)، فأصلح بينهم.
وفيها أرسل الناصر يوسف عساكر [الى جبهة ديار مصر] (٣) وصحبتهم البحرية الذين كانوا قصدوه من مصر عند قتل الفارس أقطاي، وهم: الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، وعز الدين أزدمر السيفي، وشمس الدين سنقر الألفي الرومي، وشمس الدين سنقر الأشقر، وبدر الدين بيسرى، وقلاوون الألفي، وبلبان المسعودي، وركن الدين بيبرس البندقداري، وجماعة من البحرية وجماعة من مماليك الفارس أقطاي (٤).
وفيها عزل (٥) القاضي بدر الدين السنجاري عن القضاء، وتولاه القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز.
وفيها عصى بصعيد مصر الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي وتظاهر بالعصيان وجمع جماعة من العربان ووافقه الشريف، حصن الدين ابن ثعلب (٦)، واعتمدوا نهب البلاد ووضعوا أيديهم في الأموال فأخذوها وجبوا الجزية (٩٩ أ) فاقتضى الحال إرسال الصاحب شرف الدين الفائزي الوزير ليتدارك الخلل، وجرد معه جماعة من العسكر وأمروا له بالطاعة.
فتحيل على الشريف حصن الدين فأمسكه وأحضره الى القلعة فاعتقل بها، ثم الى ثغر الاسكندرية، فاعتقل في جب تحت الأرض يعرف الى الآن بجب الشريف وظل به إلى أن كان
стр. 218
من أمره ما سنذكره في مكانه (١).
وفيها كانت وقعة بين بركة خان ابن باطو (٢) وبين هولاكو ابن طلو (٣) ملوك التتار. قد تقدم أنّ براق سين زوجة طغان لما لم يوافقوها (٤) التتار على تمليك ولدها تران منكو، راسلت هولاكو وهو يومئذ بالعراق. فلما وصلت رسالتها تجهز وسار بجيوشه إليها، فكان وصوله بعد مقتلها وجلوس بركة على سرير الملك، فبلغ بركة وصول هولاكو، فسار بعساكره للقائه، وكان بينهما نهر يسمى نهر ترك وقد جمد ماؤه لشدة البرد، فعبر عليه هولاكو وعساكره متخطيا الى بلاد بركة. فلما التقى الجمعان واصطدم الفريقان، كانت الكسرة على هولاكو وعسكره، فولوا على أدبارهم وتكردسوا (٥) على النهر الجامد، فانفقأ من تحتهم، فغرق منهم جماعة ورجع هولاكو الى بلاده. ونشأت الحرب بينهم من هذه السنة، وصارت العداوة بين هاتين الطائفتين.
وفيها كانت وفاة السلطان أبو بكر ابن عبد الحق المريني صاحب فاس. مات حتف أنفه وقام بعده ولده عمرو وكان ولي عهده.
وفيها فتح هولاكو (٩٩ ب) قلعتين (٦) من قلاع الاسماعيلية.
وفيها مات «جرباون» (٧) أحد مقدمي الخانات الذين معه وكان جاليشه (٨). فرتب هولاكو مكانه «يجو» (٩) جاليشا.
стр. 219
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ الجليل اسماعيل ابن أبي الشكر (١)، من ولد عباده ابن الصامت الأنصاري الخزرجي، ومولده بمدينة قوص، ووفاته بدمشق، وكان فاضلا.
وفيها مات الشيخ الأصيل أبو بكر ابن أبي الفوارس (٢) ابن الأمير العضد، مرهف ابن الأمير مؤيد الدولة أسامة ابن منقذ الكناني الكلبي الشيزري الأصل، المصري الدار، وهو من بيت الإمارة والتقدم والفضيلة.
وفيها مات الشريف أبو الفتوح المرتضى (٣) ابن أبي طالب من ولد زين العابدين بن الحسين بن علي. وكان نقيب الأشراف بحلب ومات بها.
وفيها مات بمصر الشيخ الصالح الجليل مجد الدين أبو المجد بن علي بن عبد الرحمن الاخميمي الخطيب، وكان أحد المشايخ المشهورين بالعلم والدين وله قبول تام من الخاص والعام. وكان كريم الأخلاق، ساعد (٤) في قضاء حوائج الناس بنفسه وكان يوم وفاته يوما مشهودا ودفن بالقرافة، وقبره ظاهر يزار، رحمه الله تعالى.
وفيها مات الشيخ الفاضل الصالح أبو العباس أحمد بن تاميت (٥) المغربي اللواتي، بالقرافة بمصر، وقد جاوز مائة سنة. سئل يوما عن الحكم في تارك الصلاة فقال: أنشدني ابن الرمامة واسمه محمد بن جعفر العبسي الحافظ، قال: أنشدني أبو الفضل طاهر النحوي لنفسه هذه الأبيات: [الكامل]
(١٠٠ أ) في حكم من ترك الصلاة وحكمه ... ان لم يقرّبها كحكم الكافر
فإذا أقرّ بها وجانب فعلها ... فالحكم فيه للحسام الباتر
وبه يقول الشافعيّ ومالك ... والحنبلي تمسكا بالظاهر
стр. 220
وأبو حنيفة لا يقول بقتله ... ويقول بالضرب الشديد الزاجر
هذي أقاويل الأئمة كلهم ... وأجلّها ما قلته في الآخر
المسلمون دماؤهم معصومة ... حتى تراق بمستنير باهر
مثل الزنا والقتل في شرطيهما ... وانظر الى ذاك الحديث الساتر
ومعنى قوله تمسكا بالظاهر، يعني قوله ﵇، بين العبد والكفر ترك الصلاة، ومعنى قوله في الآخر يعني قوله لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاث الحديث.
وفيها قصد هولاكو بلاد الأكراد ففتحها جميعها (١).
وفيها قصد بلاد التركمان ففتحها وقتل من كان بها (٢).
وفيها طلع بقاع البحر خمسة أذرع واثنتا عشرة إصبعا، وانتهت الزيادة الى ثمانية عشر ذراعا وإصبعا (٣).
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة
فيها رحل عسكر الشام الواصل من جهة الناصر من العوجاء، ونزلوا على تل العجول، فاتفق وصول رسول الخليفة وهو الشيخ نجم الدين البادراني (١٠٠ ب) من بغداد، ليجدد الصلح الأول، فقرر الصلح (٤) وأعاد العساكر.
وفيها شرع الملك الناصر [يوسف] (٥) في عمارة التربة (٦) بغربي قاسيون.
وفيها قبض الملك المعز على الأمير علاء الدين إيدغدي العزيزي لأنه اتهمه، فأمسكه وسجنه (٧).
стр. 221
وفيها أرسل الملك المعز الى صاحبي حماة والموصل، وهما الملك المنصور ابن المظفر والملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ، يخطب ابنتيهما (١) لنفسه. وبلغ ذلك شجر الدر، أم خليل الصالحية، فأنكرته لأنه بها وصل الى ما وصل، فدبرت عليه وقررت قتله.
وفيها أرسل الملك المعز الأمير شمس الدين سنقر الأقرع، أحد الأمراء، رسولا (٢) الى الخليفة صحبه رسوله نجم الدين البادراني، يلتمس تشريفه بالتقليد والخلع والالوية، أسوة أمثاله، فوصل الى بغداد وأدّى الرسالة، فجهز له الخليفة ملتمسه، وأعاده مكرما. فلما وصل الى الحسا والقطيف (٣)، كان المعز قد قتل، واتصل مقتله بالخليفة، فأرسل من بغداد من استعاد التقليد والخلع من سنقر الاقرع وتسييره الى الديار المصرية بغير خلع.
وفيها دخل (٤) التتار بلاد الروم (٥) وهي يومئذ في يد السلطان غياث الدين كيخسرو (٦)، صاحب الروم.
وفيها ظهرت نار بمدينة النبي (٧) ﷺ ، فكانت من الآيات الكبرى التي أنذر بها النبي ﷺ بين يدي الساعة (٨)، ولم يكن لها حر على كبرها وشدّة ضوها. ودامت أياما (٩)، وظن أهل المدينة أنها الساعة، فابتهلوا الى (١٠١ أ) الله تعالى بالدعاء والتوبة، وتواتر شأن هذا
стр. 222
النار (١).
وفيها كان الغرق (٢) العظيم ببغداد، هلك فيه خلق عظيم تحت الردم، وبقيت المراكب تمشي في أزقة البلد.
وفيها في رمضان احترق مسجد المدينة النبوية سائرة من مسرجة القيّم، وذهبت سقوفه، وذهب (٣) بعض الأعمدة، واحترق سقف الحجرة الشريفة.
وفيها كانت وفاة (٤) السلطان غياث الدين كيخسرو، وخلف من الأولاد ثلاثة، هم:
عز الدين كيكاوس، وركن الدين قليج أرسلان، وعلاء الدين كيقباذ. فلما مات والدهم استقروا في السلطنة ولم ينفرد بها أحد دون الآخر. وضربت السكة بأسمائهم مشتركة.
وخطب لهم جميعا. وكان والدهم قد فوّض ولاية عهده لابنه علاء الدين كيقباذ ابن كرجي خاتون، فاتفقوا على أن يتوجه هو الى منكو قان يطلب منه الصلح والهدنة ليكف عساكره ويمنع جيوشه.
وفيها استولوا التتار على قيسارية وأعمالها وما حولها، وصار لهم مسافة شهر من بلاد الروم، ثم أنهم أخربوا ذلك وعادوا الى بلادهم (٥).
وفيها سار أبو يوسف يعقوب بن عبد الحق المريني قاصدا أعمال سلا، فلقيه أقوام من العربان المقيمين ببلد مراكش يقال لهم الدشم، لهم عدّة كثيرة، فالتقوا على واد يسمى أم ربيع وكان عبد الله اليعجوب ابن يعقوب على مقدمة الجيش، فكانت الكسرة عليه فرجعوا بنو مرين واستقروا بفاس أعواما، ثم شرعوا في قصد مرّاكش (١٠١ ب) وضايقوها، وبها
стр. 223
صاحبها إدريس ابن أبي العلى الكومي وتابعوا عليها الغارات، حتى ضاق على أبي دبوس المجال، وخرج عن يده أطراف تلك الأعمال، وآل به المآل الى ما آل.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن عبد الوهاب ابن مناس الطرابلسي المالكي. ولي القضاء بطرابلس الغرب والمهدية، ثم استوطن الاسكندرية وكان شيخا صالحا.
وفيها مات الأمير مجير الدين أبو اسحاق يعقوب (١) ابن السلطان الملك العادل أبي بكر ابن أيوب بدمشق.
وفيها مات الشيخ أبو المظفر يوسف ابن قزأغلي ابن عبد الله البغدادي الحنفي، الواعظ المشهور سبط، الإمام أبي الفرج ابن الجوزي (٢). كان له صيت عظيم وسمعه في مجالس وعظه وله قبول عظيم عند الملوك وغيرهم. وصنف تفسيرا للقرآن الكريم وتاريخا كبيرا في أربعين (٣) مجلده، سماه «مرآة الزمان». وكانت وفاته ليلة الثلاثاء الحادي والعشرين من ذي الحجة (٤) ووالده قزأغلي، عتيق الوزير عون الدين [يحيى] (٥) ابن هبيرة، فزوجه الحافظ ابن الجوزي ابنته، فولدت له شمس الدين المذكور، فلهذا ينسب الى جده لا لأبيه.
وفيها مات الشيخ عماد الدين عبد الله بن النحاس (٦) الزاهد العابد. خدم الملوك ووزراء (٧) العجم، وانقطع في آخر عمره بجبل قاسيون وأقام ثلاثين سنة مشغولا بالله تعالى وبقضاء حوائج الناس بنفسه وماله. ولما مات دفن بقاسيون، وهو الذي قال له ابن شيخ الشيوخ فخر الدين: والله لاسبقنك الى الجنة بمده، فسبقه كما قال. (١٠٢ أ) وفيها مات
стр. 224
أبو الحجاج يوسف بن محمد بن إبراهيم الأنصاري البياسي (١)، أحد فضلاء المغرب وحفاظها. كان أديبا فاضلا مطلعا على أقسام كلام العرب من النظم والنثر والوقائع والأيام، وكان يحفظ [كتاب] (٢) الحماسة وديوان أبي تمام [الطائي] (٣) والمتنبي والأشعار الستة و «سقط الزند» (٤) وغير ذلك من أشعار الجاهلية والإسلام، وصنف كتابا سماه كتاب «الإعلام بالحروب الواقعة في صدر الاسلام» ابتدأ فيه من مقتل عمر بن الخطاب، ﵁، وختمه بخروج الوليد ابن طريف الشاري (٥) على الرشيد ببلاد الجزيرة الفراتية [وهو في مجلدين] (٦) [وله أيضا كتاب] (٧) سماه «الحماسة» في مجلدين. وكان مولده يوم الخميس رابع عشر ربيع الأول سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. ومات يوم الأحد رابع ذي القعدة سنة ثلاث وخمسين وستمائة بمدينة تونس رحمه الله تعالى.
وفيها أخذ قاع البحر أربعة أذرع وست عشرة إصبعا. وانتهت الزيادة الى سبعة عشر ذراعا وأربعة عشر إصبعا (٨).
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وستمائة
فيها فتح الناصر [يوسف بن محمد] (٩) مدرسته (١٠) التي أنشأها بدمشق بباب الفراديس، وحضر الملك الناصر والأمراء والقضاة والفقهاء، ولم يتخلف أحد عن الحضور.
وفيها في ليلة الخامس (١١) عشر من جمادى الآخرة خسف القمر أول الليل، فكان شديد الحمرة ثم انجلى وكسفت الشمس في صبيحة غده، فاحمرت وقت طلوعها (١٠٢ ب)
стр. 225
و [قريب] (١) غروبها وأقامت أياما متغيرة اللون ضعيفة النور.
وفيها ملك هولاكو بلاد الروم جميعها، وحكى بعض المؤرخين أنّ هولاكو في هذه السنة دخل الى بغداد في زي تاجر عجمي ومعه مائة حمل حرير واجتمع بابن الدرنوس (٢) نديم الخليفة والوزير (٣) وبأكثر أرباب الدولة، وقرر معهم ما أراد، وأعطاهم الفرامين وأصلح حاله على ما أراد، وخرج منها بلا مال في قفل من قفول العجم، قال وصار هذا الأمر مستفاضا بين التجار المخالطين للعجم. وكان الوزير وأرباب الدولة قادرين على مسكه، لكنهم خافوا الله ورسوله والمسلمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وفيها وقعت الوحشة (٤) بين البحرية والملك الناصر، صاحب الشام فخرجوا من دمشق الى نابلس وقصدوا المغيث صاحب الكرك في عاشر شوال.
وفيها قصد الملك المغيث صاحب الكرك الديار المصرية وصحبته الأمراء البحرية (٥).
وفيها قتل الملك المعز عز الدين أيبك صاحب مصر بالحمام، وسبب ذلك أنّه كان قد خطب بنت صاحب الموصل ليتزوجها، واتفق الحال على ذلك. فلما تحققت شجر الدر ذلك، صبرت عليه حتى دخل الحمام، وذلك في يوم الثلاثاء رابع (٦) عشري ربيع الأول.
ركب من (٧) الميدان [بأرض اللوق] (٨) كعادته، وعاد الى القلعة من عشيته، فلما دخل الى
стр. 226
الحمام أحاط به جماعة من الخدام، فقتلوه (١) وأشاعوا باكر النهار، أنه مات فجأة في جوف الليل، ودعوا بالثبور، وأعول النساء في (١٠٣ أ) في الدور، فلم تتم الحيلة على مماليكه لأنهم فارقوه بالعشي سليما. فعلموا أنّه قد قتل غيلة، فبادروا بهجم الدور على الحرم ومسكوا الخدم والجواري (٢) وبسطوا عليهم العذاب، فأقروا بما جرى، فأمسكوا شجر الدر عند ذلك، وأمسكوا الطواشي محسن الجوهري (٣) وصلبوه على باب القلعة، مسمرا على الخشب، وهرب نصر العزيزي الى الشام. وحملوا شجر الدر الى زوجة المعز أم ولده، نور الدين، فقتلتها الجواري (٤) بالقباقيب الى أن ماتت ورميت من فوق السور الى الخندق، عريانة بثوب واحد ولباس، وقيل إنها بقيت في الخندق أياما، وقيل أنّ بعض الجرامكيش (٥) نزل في ليل وأخذ تكتها التي كانت في لباسها، ثم بعد أيام شالوها، ودفنت في تربتها (٦). وكان مدة مملكة المعز خمس (٧) سنين وأشهر. وكان المعز ملكا حازما، شجاعا، كريما، حسن التدبير والسياسة، غير أنّه كان سفّاكا للدماء، قتل خلقا كثيرا وشنق جماعة من غير ذنب، وأحدث في أيامه مظالم كثيرة، وأخذ الجوالي (٨) من النصارى واليهود مضاعفة، وأحدث التصقيع (٩) والتقويم (١٠) وأشياء كثيرة من أصناف المظالم.
وفيها تولى المملكة، الثاني من ملوك الترك وهو الملك المنصور نور الدين علي بن المعز عز الدين أيبك، ملك بعد والده في سادس عشري ربيع الأول [سنة خمس وخمسين وستمائة] (١١) وعمره يومئذ نحو عشر (١٢) سنين. وسبب ذلك (١٠٣ ب) أن الأمراء المعزية مماليك والده
стр. 227
اتفقوا جميعا على ذلك، وحلفوا له واستحلفوا له جميع العساكر، ورتبوا الأمير سيف الدين قطز أتابكه ومدبر دولته (١). وكان ذا بأس وشهامة وحزم وصرامة، واستمروا بالصاحب شرف الدين الفائزي في الوزارة، ثم بعد أيام مسك، وسبب ذلك أن الأمير سابق (٢) الصيرفي والأمير ناصر الدين محمد بن الأطروش الكردي، أمير جاندار، شهدوا على الوزير أنه قال بعد وفاة المعز وسلطنة ولده: «أن المملكة لا تمشي بالصبيان إلا إن كان رأى يكون الملك الناصر صاحب الشام»، فعند ذلك مسك واحتيط على أمواله وأسبابه وذخائره. كان مثريا من المال وله ودائع كثيرة متفرقة فتتبعت واستخرجت من أربابها وحملت، واعتقل ثم قتل دفن في نخ (٣). وقيل إن سبب ذلك والدة المنصور زوجة المعز، واستوزر بعده الصاحب زين الدين يعقوب ابن الزبير (٤).
وفيها قصد الملك المغيث (٥) قصد الديار المصرية بمن معه من البحرية، فساروا وبلغ الأمير سيف الدين قطز والأمراء الخبر، فجردوا عسكرا الى الصالحية. فلما كان ليلة السبت الخامس عشر (٦) من ذي القعدة تواقعوا (٧) فانكسر البحرية ومن معهم من العسكر الكركي.
وأسر الأمير سيف الدين قلاون الألفي والأمير سيف الدين بلبان الرشيدي وقتل الأمير سيف الدين يلغان الاشرفي، وانهزم الباقون. ولما حصل الأمير سيف الدين قلاون في الأسر ضمنه الأمير شرف الدين قيران المعزي، وهو يومئذ أستادار السلطنة المعظمة، فأقام بالقاهرة مدة يسيرة ثم تسحب واختفى في الحسينية عند سيف الدين قلطيجا الرومي، ثم قصد التوجه الى الكرك، فزوده وجهزه الى الكرك.
وفيها حسّنوا البحرية للمغيث قصد الديار المصرية، وكاتبه بعض أمرائها وأوعده
стр. 228
بانجادهم متى حضر بنفسه اليها، فقصدها في السنة التي تلي هذه.
وفيها ولي الوزارة (١) القاضي تاج الدين عبد الوهاب بن خلف العلائي المعروف بابن بنت الأعز عوضا عن بدر الدين السنجاري.
وفيها كتب ابن العلقمي، وزير بغداد للملك هولاكو، ملك التتار، أنك تحضر الى بغداد وأنا أسلمها لك. وكان قد داخل قلبه الكفر، فكتب اليه هولاكو، أن عساكر بغداد كثيرة، فإن كنت صادقا فيما قلته لنا وداخلا تحت طاعتنا، أعمل على تفريق عساكر بغداد، فإذا عملت ذلك حضرنا. فلما بلغ الوزير ما قاله هولاكو دخل الى أمير المؤمنين فقال له: إنّ جندك كثير وعليك كلف عظيمة، والعدو قد عاد من بلاد العجم وعندي من الرأي أنّ تعطي دستور (٢) لخمس عشر ألفا من عسكرك وتوفر معلومهم (٤٠ ب) من بيت المال، فأجابه الخليفة الى ذلك، فخرج وأعرض العساكر وتنقى منهم خمسة عشر ألف فارس، نقاوة العسكر وأعطاهم دستور (٣)، ومنعهم من القيام ببغداد وأعمالها، وأخرج لهم أوراق الدستور من أمير المؤمنين، فتفرقوا في الأعمال. ثم أن الوزير بعد أشهر قلائل، دخل الى الخليفة، وفعل فعلته الأولى وأعطى دستور العشرين ألفا، وكانت هذه الخمسة وثلاثين ألف مقوّمة بمائة ألف (٤). فلما فعل ذلك كتب الى الملك هولاكو بما فعله. فلما وصل كتابه إليه وتحقق صحة قوله، ركب وسار قاصدا بغداد، وكتب الى بايجو (٥) أن يتقدم بالعساكر الذين معه الى بغداد، وكتب أيضا الى سونجونجاق (٦) فقدم الى بغداد وضرب خيامه. فاجتمع أكابر بغداد وتحالفوا جميعا وخرجوا الى ظاهر بغداد والتقوا مع عساكر هولاكو وتقاتلوا قتال شديد (٧)، وصبروا (٨) المسلمين صبر الكرام، فانكسروا (٩) عساكر هولاكو وساقوا المسلمين خلف أعداء
стр. 229
الله، وأرموهم الى الأرض. ولما كان وقت العصر، عادت عساكر المسلمين مؤيدين منصورين ومعهم الأسارى ورؤوس القتلى، فنزلوا في خيامهم مطمئنين، فأرسل الوزير في تلك الليلة من يثق به الى شط الدجلة أطلق ماءها على عساكر بغداد. فما كان أحد منهم يقوم إلا وهو يخوض في الوحل. وغرقت خيولهم (١٠٥ أ) وعدمت أموالهم، والسعيد منهم من لحق فرسا ركبه، وانكسروا بعد النصرة. وكان الميعاد مع عساكر التتار، فحملوا وقتلوا من المسلمين خلقا كثيرا، وتملك التتار ظاهر بغداد وأحاطوا بها وحاصروها (١).
[الوفيات]
وفيها مات الملك الناصر داوود (٢) ابن الملك المعظم عيسى ابن العادل، الذي كان سلطان دمشق، ثم استقر في الكرك والشوبك، ثم سلب ذلك كله وصار متنقلا في البلاد موكلا به، فتارة يكون في البراري وتارة في الشرق وبغداد. مات بالبويضاء قرية من قرى دمشق، كانت لعمه مجير الدين ابن العادل، وحمل منها فصلي عليه عند باب النصر ودفن بقاسيون عند أبيه بالتربة المعظمية. وخلف أولادا وأتباعا من أهله. وكان فاضلا، عالما، له اليد الطولى في النظم وعلم الأوائل، ومشاركة في كل فن. ولما سافر الى بغداد، استأذن العزيز في نزوله بالمدرسة المستنصرية، فأجيب سؤاله، ونزل بها ومعه جماعة من أعيان الدولة. وبحث مع الفقهاء، وأورد سؤالات جيدة، وأبان عن فضيلة تامة شهد له الفضلاء بذلك. وعمل في ذلك اليوم دعوة عظيمة بالمدرسة المستنصرية، كذا ذكره الشيخ تاج الدين ابن الساعي (٣) في تاريخه. وله. شعر جيد؛ فمنه قوله: [الكامل]
لمّا بدا في مرو زيّ قبائه ... وعليه من ثوب النهار تبهرج
(١٠٥ ب) مثلته قمرا عليه سحابة ... من زوره (٤) فيها البروق ترجرج
стр. 230
وقال: [الطويل]
عيون عن السحر المبين تبين ... لها عند تحريك القلوب سكون
تصول ببيض وهي سود فرندها ... ذبول فتور والجفون جفون
إذا ما رأت قلبا خليا من الهوى ... تقول له كن مغرما فيكون
وقد طولنا ترجمته في كتابنا «ترجمان الزمان في تراجم الأعيان» في مكانه منه.
وفيها مات بهاء الدين، أبو الفضل، زهير (١) بن محمد بن علي [بن يحيى] (٢) بن الحسن بن جعفر بن منصور ابن عاصم المهلبي العتكي الكاتب. كان المذكور من فضلاء عصره وأحسنهم نظما ونشرا وخطا، ومن أكثرهم مروءة. وكان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح أيوب، بالديار المصرية، وتوجه في خدمته الى البلاد الشرقية.
قال الشيخ، شمس الدين ابن خلكان (٣): كنت (٤) يوم قدوم الملك الصالح نجم الدين أيوب الى الديار المصرية من الكرك وصحبته بهاء الدين زهير، وكنت أودّ لو اجتمعت ورأيته لما كنت أسمعه عنه، فلما وصل، اجتمعت به ورأيته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة [ودماثة السجايا] (٥)، وكان متمكنا من صاحبه كبير القدر عنده، لا يطلع على سره الخفي غيره، وكان لا يتوسط إلا بالخير ونفع خلقا كثيرا بحسن وساطته [وجميل سفارته] (٦)، قال وأنشدني (١٠٦ أ) كثيرا من شعره، ومما أنشدني قوله: [مجزوء الرجز]
يا روضة الحسن صلي ... فما عليك ضير
فهل رأيت روضة ... ليس بها زهير
وقال (٧): [مجزوء الرجز]
стр. 231
كيف خلاصي من هوى ... مازج روحي فاختلط
وتائه أقبض في ... حبّي له وما انبسط
يا بدر إن رمت به ... تشبّها رمت شطط
ودعه يا غصن النّقا ... ما أنت من ذاك النّمط
قام بعذري وجهه ... عند عذولي وبسط
لله أيّ قلم ... لواو ذاك الصّدغ خطّ
ويا له من عجب ... في خدّه كيف نقط
يمرّ بي ملتفتا ... فهل رأيت الظبي قط
ما فيه من عيب سوى ... فتور عينيه فقط
يا قمر السّعد الذي ... نجمي لديه قد هبط
يا مانعي حلو الرضا ... ومانحي مر السّخط
حاشاك ان ترضى بأن ... أموت في الحب غلط
وقال (١):
(١٠٦ ب) وشعره كله لطيف، ومولده خامس ذي القعدة سنة إحدى وثمانين وخمسمائة بمكة. مات يوم الأحد رابع ذي القعدة من هذه السنة، وقيل في سنة ست وخمسين والله أعلم، ودفن بالقرافة الصغرى بالقرب من قبة الامام الشافعي من جهتها القبيلة. وقال الصاحب جمال الدين ابن مطروح: كتبت الى بهاء الدين زهير وكنت خصيصا به هذين البيتين وهما: [الوافر]
أقول وقد تتابع منك برّ ... وأهلا ما برحت لكلّ خير
(١٠٧ أ) ألا لا تذكروا هرما بجود ... فما هرم بأكرم من زهير
وفيها مات الشيخ، أبو زكريا يحيى بن أبي الروح السبتي، في النصف من شعبان.
وفيها مات الشيخ الإمام العلاّمة، أبو عبد الله محمد (٢) بن عبد الله الأندلسي المرسي
стр. 232
بين الزعقة والعريش. وكان المذكور من أعيان العلماء بارعا في علم العربية وتفسير القرآن، وله مصنفات مفيدة ونظم رائق.
وفيها مات الشريف الأديب، أبو الحسن علي بن محمد [بن الرضا] (١) الموسويّ، عرف بابن دفتر خوان، وله مصنفات كثيرة وشعر رائق فمنه (٢): [الطويل]
إذا لمت قلبي قال عيناك أبصرت ... وان لمت عيني قالت الذنب للقلب
فعيني وقلبي قد تشاركن في دمي ... فيا ربّ كن عوني على العين والقلب
وفيها مات الشيخ أبو جعفر (٣) ابن الشيخ شهاب الدين أبي عبد الله عمر بن السهروردي الصوفي ببغداد.
وفيها مات الشيخ نجم الدين أبو محمد عبد الله ابن أبي الوفاء البغدادي البادرائي (٤) الشافعي ببغداد عند عوده إليها من الديار المصرية، فإنه كان يترسل عن الديوان العزيز الى الشام ومصر.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة
فيها افتتحوا (٥) التتار مدينة بغداد ودخلوها غدوة في العشرين من المحرم (٦) (١٠٧ ب) فبذلوا في أهلها السيف، ولم يرحموا شيخا كبيرا ولا طفلا صغيرا، وأخذ الإمام المستعصم بالله أسيرا وأحضر الى هولاكو، فأنزله في خيمة صغيرة، فاتفق أن الخليفة جالس في خيمته بعد صلاة الظهر وإذا بطائر أبيض قد سقط على الخيمة التي فيها الخليفة، فأقام ساعة ثم حلّق
стр. 233
طائرا، ففي تلك الساعة بعث إليه هولاكو وأحضره وكان له وهو قائم بين يديه يكلمه من أربع حجاب (١) على لسان الترجمان: ما هذا الطائر الذي أتاك؟ فقال: طائر سقط على الخيمة ثم طار، قال فما الذي قال لك وما الذي قلت له؟ فقال الخليفة: وهل يتكلم الطائر فقال له: لا بد أن تقر بالصحيح، ومن أين أتاك، وماذا قال لك، وما الذي قلت له؟ وجرى في ذلك كلام كثير ومحاورات كثيرة من جملتها، أنكم أهل سحر وهذا الطائر جاءك رسولا من بعض أعوانك، ثم جرى مع ولد الخليفة كلام كثير ما يشابه ذلك، فأمر بهما هولاكو، فأخرجا الى ظاهر العسكر، فوضعا في غرارتين وشدو عليهما، ولم يزالا يرفسان بالأرجل حتى ماتا (٢) رحمهما الله تعالى. وسبوا كل من حواه قصره من نسائه وبناته (٣)، واستولى العدو على ذخائر الخلافة وخزائنها وأموالها وجواهرها، ونهبت مدينة بغداد وما حوته من الأموال ما يتجاوز الإحصاء ويتعدى الاستقصاء. (١٠٨ أ) فكانت هذه الواقعة من أمرّ الوقائع فلله الأمر من قبل ومن بعد. قيل أن عدة من قتل ببغداد ما ينيف على ألفي ألف وثلاثمائة ألف وثلاثين ألف نفس (٤). وكانت خلافة المستعصم بالله ست عشرة سنة وشهورا.
وأنقضت الخلافة ببغداد وزالت أيامهم من تلك البلاد.
[الكامل]
خلت المنابر والأسرّة منهم ... فعليهم حتى الممات سلام
وأصبحت بغداد أطلالا داثرة كما قيل: [الطويل]
كأن لم تكن قصد السراج (٥) ولم يكن ... بصحرتها الفيحاء حفل ومجمع
стр. 234
ولا صهلت فيها الجياد لغارة ... ولا طاب مصطاف ولا لذّ مربع
ولا ازدحمت فيها المواكب وارتقى ... مقام مقال في المحافل مصقع
عظات لمرتاد وعبرة عاقل ... بها لذوي الرأي المؤيد مردع
ثم أمر هولاكو برفع السيف، وأما الوزير ابن العلقمي، فإن الملك هولاكو استدعاه بين يديه وعنّفه على سوء سيرته وقبح سريرته، وممالأته على ولي نعمته، وإنه ما حفظ حق إحسانه اليه، ثم قال له: لو أعطيتك كلّ ما ملكناه، ما نرجو أنك تبقي علينا وأنت من خلاف مأمننا، فأنت لا حقّ الاحسان إليك أبقيت، ولا حق علو درجة كنت فيها، ولا حق أهل دينك، وأرميت حريمهم وأولادهم في أيدينا، فكيف تبقى أنت علينا؟ فما لنا فيك أكثر من أن نكافئك بقتلك ويستريح من بقي من المسلمين من شرّك (١٠٨ ب) وتستريح التتار من غائلتك. وأمر بقتله فقتل شر قتلة (١)، لقاه الله تعالى.
وكان هذا الوزير هو السبب في خراب البلاد وقتل الخليفة، وذلك أنّ الملك هولاكو كان قد اتفق مع مع الخليفة على أنّ يكون له نصف البلاد وله النصف، واتفق الحال على ذلك، فقال الوزير للملك هولاكو: ما هذا مصلحة، المصلحة قتله وإلا ما يتم لكم ملك، فكان سبب قتله (٢). وكان هولاكو بعد قتل الخليفة قد ولاّه الوزارة فقاسى فيها من الذل والهون ما لا يعبر عنه (٣)، وقلت بعد ذلك ثم ندم على ما قدم، فنسأل الله حسن العاقبة، وسبب ذلك أن الوزير كان شيعيا وكان الشيعة يسكنون بالكرخ وهي محلة كبيرة بالجانب الغربي من بغداد، فأحدث أهلها حدثا أوجب خروج أمر الخليفة بنهبهم، فنهبوا، فأثّر ذلك عنده أثرا عظيما، وحملته الحميّة والعصبية على مكاتبة هولاكو.
وفيها أرسل هولاكو طائفة من عساكره الى ميّافارقين صحبة صرطق (٤) نوين وبها الملك
стр. 235
الكامل، ناصر الدين محمد بن الملك المظفر، شهاب الدين غازي ابن العادل أبي بكر ابن أيوب، فحاصروها ونصبوا عليها المجانيق من كل ناحية، فقاتل أهلها وامتنعوا من تسليمها وصبّروا أنفسهم على الحصار الشديد (١) حتى أكلوا الميتة والدواب، واستولوا (٢) التتار على المدينة (٣) وملكوها وقتلوا وسبوا وأسر من بقي من الجند (٤) وأخذ صاحبها في تسع نفر من مماليكه وأحضر بين يدي هولاكو (١٠٩ أ) فقتلوا (٥) إلا مملوكا واحدا اسمه قراسنقر أبقاه هولاكو وذلك أنه سألهم عن وظائفهم، فذكر له ذلك المملوك انه «أمير شكار» (٦) فسلم إليه شيئا من الطيور الجوارح. وكان الكامل صاحب ميافارقين، أديبا فاضلا وله نظم جيد فمنه قوله: [الطويل]
ترى تسمع الدنيا بما أنا طالب ... فلي عزمات دونهن الكواكب
وإن يكن الناعي بموتي معرّضا ... فأي كريم ما نعته النوائب
ومن كان ذكر الموت في كل ساعة ... قرينا له هانت عليه المصاعب
وما عجبي إلا تأسف عاقل ... على ذاهب من ماله وهو ذاهب
وفيها أراد الملك هولاكو الرحيل من بغداد، فأمر بإطلاق النار فيها جميعها فأطلقت النيران وطار الشرار، فتقدم كتبغا وضرب جوك وقال: يا ملك ان هذه مدينة عظيمة وكرسي مملكة، وإذا أبقيتها حصل لك منها مال عظيم في كل سنة ويكون نوابك مقيمين بها، فمن المصلحة أن تطفئ النار ويرفع السيف، وتعطي من بقي فيها أمانا، ورتب بها لك نوابا.
فسمع الملك هولاكو كلامه وأمر باخماد النار ورفع السيف، ونادى من كان مخبئا بالأمان (٧).
стр. 236
وفيها تسلم نواب هولاكو إربل وقلعتها (١).
وفيها سار الملك الرحيم، بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل الى هولاكو مهادنا وللطاعة مذعنا واستصحب معه شيئا كثيرا من الهدايا النفيسة (١٠٩ ب) والأمتعة الجليلة والجواهر الثمينة ومفاتيح القلعة والمدينة، وإنما فعل ذلك شفقة على رعيته أن يحلّ بهم ما حل بأهل بغداد، فاختار أن يفديهم بنفسه ونفائسه، فشق على أهل الموصل فراقه وخافوا فقده، فجاء اليه الأعيان الأكابر وقصدوا تعويقه، فعرّفهم أن في مبادرته بالمسير إليه نفعا لهم وصيانة لحريمهم، فقالوا له: نخاف عليك منه، فقال لهم: لا تخشوا علي فإني راج أن أتمكن منه.
وسار فلما وصل الى هولاكو وقف بين يديه حاملا كفنه على كتفيه، وقدم هداياه وتحفه، فقبلها منه وأقبل عليه، وقال لمن حضر من أكابر الخانات: هذا رجل عاقل ذو سياسة، ثم خلع عليه وكتب له بتفويض مملكة الموصل على قاعدته. وقد كان أرسل اليه في مبدأ خروجه ولده الملك الصالح اسماعيل بهدايا، فاجتمع به، ثم عاد الملك الرحيم من عند هولاكو محترما معظما (٢).
وفيها لما بلغ الملك الناصر صاحب الشام، أخذ بغداد، خاف خوفا كثيرا، وجهز ولده الملك العزيز بتقادم وتحف، وسير صحبته، الزين (٣) الحافظي والأمير سيف الدين الجاكي، والأمير علم الدين قيصر الظاهري، وكتب كتابا الى الملك الرحيم صاحب الموصل ليقف مع ولده ويصلح أمره كيف قدر. فلما قدم على هولاكو أقبل عليه وقدم تقدمته وسأله عن سبب تأخير أبيه عن الحضور الى الأردوا، فاعتذر إليه بأنه لم يمكنه مفارقة (١١٠ أ) البلاد خوفا عليها من عدو الاسلام الذين بالساحل فأظهر له أنه قبل عذره، وأن الملك الناصر أوصى ولده أن يسأل الملك هولاكو في نجدة من عساكره ليفتح بهم مصر، فأمر هولاكو أن يتوجه إليه [بعسكر فيه قدر] (٤) عشرين ألف فارس، فشاعت هذه الأخبار وطارت في الأقاليم وأنّ البحرية الذين كانوا عند الملك الناصر بلغهم مجيء التتار نجدة له، فارقوا خدمته وتوجهوا الى خدمة المغيث [عمر] (٥) صاحب الكرك [وحرّضوه على أخذ مصر] (٦).
стр. 237
وفيها وصل الشهرزورية من الشرق الى الشام (١).
وفيها قصد الملك المغيث الديار المصرية بعد أن نفق واستخدم. فلما بلغ المنصور صاحب مصر ذلك جرّد العساكر صحبة نائبه، الأمير سيف الدين قطز، فالتقوا وتقاتلوا قتالا شديدا، فانكسر (٢) المغيث الى الكرك ورجع المصريون الى الديار المصرية.
وفيها نقل أن جماعة من الأمراء المصرية كاتبوا الملك المغيث، فمسكوهم وقيدوهم، وهم: الأمير عز الدين أيبك الرومي [الصالحي] (٣)، والأمير سيف الدين بلبان الكافوري (٤) الاشرفي والأمير بدر الدين بلغان الاشرفي، وجماعة من الأمراء، ثم ضربت رقابهم وذلك في سادس عشري ربيع الأول، [وأخذ أمولهم كلها] (٥).
وفيها في يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى، عزل عن القضاء القاضي بدر الدين السنجاري وتولاه القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، استقلالا.
وفيها في (١١٠ ب) رابع رمضان وقعت إحدى مسال فرعون التي بأراضي المطرية (٦) من ضواحي القاهرة، فوجدوا داخلها ما يقارب مائتي قنطار نحاس، وأخذ من رأسها عشرة آلاف دينار، ذكر ذلك، محمد بن ابراهيم الجزري (٧) في تاريخه الذي ذيّله على تاريخ الأصبهاني.
[الوفيات]
وفيها مات الشيخ الإمام الأديب الفاضل العالم الصالح الزاهد، جمال الدين أبي زكريا، يحيى بن يوسف بن يحيى بن منصور بن المعمر ابن عبد السلام الصّرصري (٨)
стр. 238
البغدادي الحنبلي، قتل في وقعة بغداد.
قال الشيخ شمس الدين الذهبي (١)، حكى لنا شيخنا ابن الدباهي (٢)، وكان خال أمه، قال: بلغنا أنه دخل عليه التتار وكان ضريرا فطعن بعكازه، بطن واحد منهم فقتله، ثم قتل شهيدا. وهو صاحب المدائح النبوية السائرة، وشعره طبقة عليا (٣) يدخل في [ثمان] (٤) مجلدات. ومولده سنة ثمان وثمانين وخمسمائة وتوفي في هذه السنة، ومن قوله:
[الكامل]
من غير سنة حبهم خد واترك ... وسوى طريقهم تعدّى واسلك
واصبر على فتكات صارم حبهم ... لا فخر للهنديّ إن لم يفتك
والبس بهم ثوب النحول فإنه ... ما يخلص الامرين ما لم ننسك
شرف القلوب حلولها في رقهم ... والعبد يحوي الفخر بالمتملك
قسما بعز جمالهم وبصوتهم ... وبذلتي في حبهم وتهتكي
(١١١ أ) كيف السبيل الى حمى بان اللوى ... عن غير أهليه بعيد المسلك
من دونه للصب أطراف القنا ... وقواضب البيض الرقاق البتّك
إن صدني التقصير عن إدراكه ... ومعانق التقصير ليس بمدرك
لأتممنّ نقائصي بتعلقي ... بالهاشمي المصطفى وتمسكي
ذي الفضل والجاه العظيم المرتجى ... لسوي الموحد بن مهلك
أنعمت في صفر علي وقد مضى ... وأتى ربيع شهر مولدك الزكي
وله غير ذلك، وقد أوردنا ترجمته في كتابنا «ترجمان الزمان في تراجم الأعيان».
وفيها مات الأمير سيف الدين علي بن سابق الدين عمر بن قزل بن يلمان بن صراقوش
стр. 239
ابن جلدك التركماني الياروقي الأصل، المصري المولد والمنشأ، الدمشقي الوفاة، المعروف بالمشد (١). مات يوم الخميس يوم عاشوراء من هذه السنة، ودفن بسفح قاسيون، ومولده في شوال سنة اثنتين وستمائة. كان فاضلا أديبا وعنده مروءة ومكارم أخلاق وصدقة وبر الى الفقراء في كل ليلة جمعة، وفي كل ليلة يجتمع عنده جماعة من الأدباء والفضلاء والأعيان، ونظمه في غاية اللطافة والرقة، رآه مجد الدين الدولعي في منامه بعد وفاته بخمسة عشر يوما وهو ينشد هذه الأبيات: [الطويل]
نقلت الى رمس القبور وضيقها ... وخوفي ذنوبي (٢) أنها بي تعثر
فصادفت رحمانا رؤوفا وأنعما ... حباني بها نقضا (٣) لما كنت أحذر
(١١١ ب) ومن كان حسن الظن في حال موته ... جميلا بعفو الله فالعفو أجدر
وله: [الهزج]
أيا من حسنه الأقصى ... ويا من قلبه الصخرة
أما ترثي لمشتاق ... يقضّي بالمنى عمره
إذا ما زمزم الحادي ... رمى في قلبه جمرة
وأنى كان من يهوى ... يولي وجهه شطره
وظبي من بني الأتراك ... في أخلاقه نفرة
بدا في الذرع مثل الرم ... ـح في الأعطاف والسمرة
فيا لله من بدر ... بأفق الطرف والنثرة
وله: [السريع]
تلاعب الشعر على ردفه ... أوقع في قلبي العريض الطويل
وله غير ذلك أشياء غريبة، وملكت ديوانه في مجلدة لطيفة. ومن نظمه أيضا في وصف
стр. 240
شعره: [الخفيف]
إن نظمي إذا نظرت اليه ... أيها الفاضل البديع البيان
ملح كالرياض تسرى الى الفه ... ـم بلا كلفة ولا ترجمان
وهو مع ما حواه من كل فن ... توريات مستغربات المعاني
جمع الطب والنجامة والنح ... ـو وعلم القريض والألحان
(١١٢ أ) والأصولين والخلاف مع الحك ... ـمة والمنطق المتين المباني
ثم أني طرزته بالأحادي ... ـث ورصعته من القرآن
فروته الرواة عني لما ... علموا ما أردت من تبياني
فلهذا أبقيته بعد علمي ... أنني لست باقيا وهو فاني
وهو ابن عم الأمير، جمال الدين ابن يغمور رحمهما الله تعالى.
وفيها مات الشيخ الإمام العالم العلامة، حافظ الوقت، الزاهد المحدث الفقيه الشافعي، زكي الدين أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة بن سعد المنذري (١)، الشامي المحتد، المصري الدار والمولد والوفاة. مولده بفسطاط مصر بكوم الجارح، في غرّة شعبان سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. ومات بالقاهرة في يوم السبت أول العاشرة، ثالث ذي القعدة أو رابعه من هذه السنة وصلى عليه يوم الأحد بعد الظهر في موضع تدريسه بدار الحديث الكاملية بالقاهرة المحروسة، وصلي عليه أيضا تحت القلعة ودفن بسفح المقطّم بساريه. انتهت إليه رئاسة أهل الحديث بالقاهرة في زمانه وبالديار المصرية، وهو يعرف بابن السميدع، سمع من ابن أبي نزار اليمني (٢) وكان جار مسجده في حانوت هناك، واعتنى به الحنابلة الراحلون، فأسمعوه من أبي عبد الله ابن حمد الحذا، ولم يزل على حنبليته الى أن أقدم الصاحب ابن شكر (٣)، الحافظ أبي الحسن ابن المقدسي (٤) التدريس بمدرسته،
стр. 241
(١١٢ ب) فانتقل الناس إليه من جميع البقاع، وكان عبد العظيم هذا يتردد إليه ويقرأ بين يديه، فحدثه أبو الحسن المقدسي وإستتابه على رؤوس الأشهاد من مذهب الحنابلة الى مذهب الأشعري فقدمه الى الصاحب، فخلع عليه ونوه باسمه، وأمّ بالمدرسة الصاحبية (١) وصار شافعيا وفي كل ذلك يسمع من مشايخ مصر ويفيد ويستفيد، إلى أن تعين، فقدمه الملك الكامل بعد وفاة أبي عمرو بن دحية الى دار الحديث الكاملية فانقطع بها وقطع كل الأشغال، وأجاز له أبو القاسم البوصيري، وسمع بدمشق من أبي حفص ابن طبرزد (٢) ومن غيره من شيوخها، ولما مات دفن بالقرافة وله شعر حسن فمنه قوله: [الكامل]
اعمل لنفسك صالحا لا تحتفل ... بظهور قيل في الأنام وقال
فالناس لا يرجى اجتماع قلوبهم ... لا بد من مثن عليك وقال
وكان إمام عصره، واليه الرحلة، رحمه الله تعالى.
وفيها مات تاج (٣) الدين أبو الفتح يحيى ابن العديم الحلبي بحلب.
وفيها مات الصدر الرئيس، عون الدين سليمان ابن عبد المجيد (٤)، أبو المظفر، المعروف بابن العجمي (٥)، ناظر الجيوش في الدولة الناصرية، في ثالث عشر ربيع الأول ودفن بقاسيون وله نظم، فمن قوله: [الوافر]
لهيب الخدّ حين بدا لعيني ... هوى (٦) قلبي عليه كالفراشي
(١١٣ أ) فأحرقه فصار عليه خالا ... وها أثر الدخان على الحواشي
كان رئيسا جلاليا يخاطب بالصاحب، وله بيت مشهور بالعلم والحديث، والرئاسة
стр. 242
والكتابة بحلب. سمع ابن شداد وغيره، وتوفي بدمشق، ودفن بقاسيون.
وفيها مات مجد الدين أسعد (١) بن ابراهيم ابن الحسن بن علي النشابي، مولده بإربل في سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة، وكان في أول عمره يعمل النشاب فنسب اليه، وسافر وتنقل في البلاد وعاد إلى إربل، وتولى كتابة الإنشاء لصاحبها، وبعث رسولا إلى الديوان العزيز. ولم يزل على كتابته ورئاسته حتى نقم عليه أستاذه المظفر (٢)، فاعتقله في سنة تسع وعشرين وستمائة، ولم يزل محبوسا حتى مات مظفر الدين، فأرسل الخليفة عسكره، فأخذوا إربل وافرجوا عن المحابيس، فخرج وتوجه إلى بغداد وتنقل في خدمها حتى استولى عليها التتار، وكان في جملة من سلم من القتل، ومات بعد سكوت الفتنة في أواخر هذه السنة، وله نظم فمنه قوله: [الطويل]
ولما رأى التركي هزلي (٣) ورام أن ... يكتّم منه مهجة (٤) لم تكتّم
تشبّه بالأعراب عند التثامه ... بعارضه يا طيب لثم الملثّم
شكى ردفه من خصره (٥) فتراضيا ... بفصلهما بند القناة المكتم (٦)
وردّ جيوش العاشقين لأنه ... أتاهم بخط العارض المتحكم
(١١٣ ب) وله من أبيات: [الكامل]
والبرق يخفق من خلال سحابه ... خفق الفؤاد لموعد من زائر
وأشعاره كثيرة ونوادره غزيرة رحمه الله تعالى.
وفيها مات الأديب الفاضل، شرف الدين أبو الطيب، أحمد بن محمد بن أبي الوفاء ابن الخطاب الربعي الموصلي المعروف بابن الحلاوي (٧)، الشاعر المشهور. امتدح الخلفاء والملوك
стр. 243
والأعيان، وأقام بالموصل في خدمة صاحبها بدر الدين لؤلؤ الأتابكي، ولبس زي الجند، وله شعر في غاية الحسن فمنه قوله: [البسيط]
كن كيف شئت فإن الله ذو كرم ... وما عليك بما تأتيه من بأس
إلا اثنتين فلا تقربهما أبدا ... الكفر بالله والاضرار بالناس
وله: [الطويل]
حكاه من الغصن الرطيب وريقه ... وما الخمر إلاّ وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبي محلّه ... غزال ولكن سفح عيني عقيقه
واسمر يحكي الأسمر اللّدن قدّه ... غدا راشقا قلب المحبّ رشيقه
على خدّه جمر من الحسن مضرم ... يشبّ ولكن في فؤادي حريقه
أقرّ له من كلّ حسن جليله ... ووافقه من كلّ معنى دقيقه
بديع التّثنّي راح قلبي أسيره ... على أنّ دمعي في الغرام طليقه
(١١٤ أ) على سالفيه للعذار جديده ... وفي شفتيه للسّلاف عتيقه
يهدّد منه الطّرف من ليس خصمه ... ويسكر منه الريق من لا يذوقه
على مثله يستحسن الصبّ هتكه ... وفي حبّه يجفو الصديق صديقه
من التّرك لا يصبيه وجد الى الحمى ... ولا ذكر بانات الغوير يشوقه
ولا حلّ في حيّ تلوح قبابه ... ولا سار في ركب يساق وسيقه
ولا بات صبّا بالفريق وأهله ... ولكن الى خاقان يعزى فريقه
له مبسم ينسي المدام بريقه ... ويخجل نوّار الافاحي بريقه
تداويت من حرّ الغرام ببرده ... فاضرم من ذاك الحريق رحيقه
إذا خفق البرق اليمانيّ موهنا ... تذكرته (١) فاعتاد قلبي خفوقه
حكى وجهه بدر السماء فلو بدا ... مع البدر قال الناس هذا شقيقه
رآني خيالا حين وافى خياله ... فأطرق من فرط الحياء طروقه
وأشبهت (٢) منه الخصر سقما فقد غدا ... يحمّلني في الحب (٣) ما لا أطيقه
فما بال قلبي كلّ حبّ يهيجه ... وحتّام طرفي كل حسن يروقه
стр. 244
فهذا ليوم البين لم تطف ناره ... وهذا فبعد البعد ما جفّ موقه
ولله قلبي ما أشدّ عفافه ... وإن كان طرفي مستمرّا فسوقه
أرى الناس أضحوا جاهلية ودّه ... فما باله عن كل صبّ يعوقه
فما (١) فاز إلاّ من يبيت صبوحه ... شراب ثناياه وفيها غبوقه
(١١٤ ب) وله في غلام قص شعره: [الكامل]
قصّرت شعرك كي تقل ملاحة ... فكساك أبهى الحسن وهو مقصّر
وقطعته ليقل عنا شره ... ولطالما قتل القصير الابتر
وله: [الكامل]
وافى يهز قوامه غصن النقا ... نشوان مجدول القوام مقرطقا
ومنعم لولا مرارة هجره ... وصدوده لم أدر ما طعم الشقا
دقّت معانيه ولكن خصره ... قد زاد في معنى النحول ودققا
بمراشف منها الاماني تشتهى ... ولواحظ منها المنايا تتقى
رشأ لبارق ثغره ولشعره ال ... ـملوي أحببت اللوى والابرقا
لا غرو ان يصبي منازل رامه ... قلبي فأطرب نحوهن تشوقا
وشفاه مبسمه العقيق وريقه ... ماء العذيب وثغره جزع النقا
وكل شعره كثير المعاني، حسن الإيراد. ومولده في آخر سنة ثلاث وستمائة، وهو من أكابر بيوت الموصل، ولما توجه صاحب الموصل (٢) الى بلاد العجم للاجتماع بهولاكو، كان في صحبته فلما وصلوا الى تبريز مرض ومات في ربيع الآخر أو جمادى الأول من هذه السنة، وقد ناهز الخمسين.
وفيها مات سعد الدين محمد بن الإمام العارف المحقق محيي الدين محمد بن علي بن
стр. 245
محمد بن أحمد بن عبد الله الطائي الحاتمي، المعروف بابن العربي (١) (١١٥ أ) مولده يوم السبت سابع عشري شهر رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة بملطية الروم ومات ثاني جمادى الآخرة بدمشق، ودفن بقاسيون. كان فاضلا أديبا أتقن الحساب والكتابة وله مشاركة في العلوم وشعر مدون، فمنه قوله في غلام قصاب: [الكامل]
ناديت قصابا تروق صفاته ... قد أخجلت سمر القنا حركاته
يا واضع السكين في فمه وقد ... أهدى بها ماء الحياة لهاته
ضعها على المذبوح ثاني كرة ... وأنا الضمين بأن تعود حياته
وله في غلام صوفي: [السريع]
علقت صوفيا كبدر الدجى ... لكنه. في صلتي زاهد (٢)
يشهد وجدي بغرامي له ... فديت صوفيا له شاهد
وفيها مات ببغداد شيخ الشيوخ، أبو الحسن ابن النيار (٣) البغدادي، المنعوت بصدر الدين، شهيدا في وقعة التتار. كان أحد عظماء الدولة وكبرائها، انتخب لتعليم أولاد الخليفة المستعصم فكان أول مثال مثله لهم: [الكامل]
ما طار بين الخافقي ... ـن أقل عقلا من معلم
ولقد دخلنا في الصنا ... عة من قريب رب سلّم
فوقف عليها الخليفة، فأمر له بتشريف وصله.
وفيها مات شهيدا (١١٥ ب) الشيخ أبو المحاسن، يوسف ابن أبي الفرج ابن الجوزي (٤) ببغداد. ترسل عن الديوان العزيز الى الروم والشام ومصر، ومن ظريف ما جرى
стр. 246
له في ترسله أنه عند وصوله الى الروم، صادف وفاه صاحبها فغسله، ثم فصل الى الشام فصادف عند وصوله حلب وفاة صاحبها فغسله، ثم صادفه عند وصوله الى مصر وفاة صاحبها فغسله فقيل فيه: [الخفيف]
يا إمام الأنام يا صفوة الل ... ـه ومن ذكره الثناء الجميل
ما جرى من رسولك الشيخ محيي ال ... ـدين في هذه البلاد قليل
جاء والأرض بالسلاطين تزهى ... فغدا والربوع منهم طلوع
أقفر الروم والشآم ومصر ... أفذا مغسّل أم رسول
تولى استادارية الدار ببغداد وشهرة والده تغني عن الاطناب في أمره.
وفيها مات الشيخ الإمام العارف، قطب الزمان، سيدي أبو الحسن علي بن عبد الله من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، المعروف بالشاذلي (١) الضرير، بصحراء عيذاب وهو قاصد الحجاز الشريف دفن بحميرا (٢)، حيث توفي. كان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة الطريق، وله في ذلك كلام كثير وتصانيف معروفة. وشاذلة قرية بافريقية ورد منها الى الاسكندرية وحج مرارا وصحبه جماعة فانتفعوا بصحبت (١١٦ أ) وله أحزاب (٣) يقرأها الناس، تشتمل على أدعية مباركة ولطائف حسنة يتبرك بهم.
وفيها مات الشيخ الفقيه أبو المناقب محمود بن أحمد [الزّنجاني] (٤) الشافعي شهيدا ببغداد في واقعة التتار وكان أحد الفقهاء المدرسين والعلماء العظيمين وكان رئيس الشافعية ببغداد.
стр. 247
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وستمائة
وفيها كان تقرر بين المغيث وبين الناصر، أن المغيث يقبض على البحرية (١) فعلم الأمير ركن الدين البندقداري بذلك، فأرسل الأمير بهاء الدين أمير اخور (٢) ليلا الى الملك الناصر يطلب منه الأذن في قدومه إليه وأن يستحلف له ولجماعته أن لا يغدر بهم فأجابه الملك الناصر الى ذلك وبعث إليه الشيخ يحيى برسالة مضمونها أن يحلف له ولعشرين من أصحابه ويقطعه خبز مائة فارس وشرط أن تكون قصبة نابلس وجنين وزرعين فيما يقطعه، فأجاب الى نابلس لا غير (٣) وحلف له، وقدم الأمير ركن الدين البندقداري الى الناصر في العشر الأول من شهر رجب ومعه الجماعة الذين حلف لهم، وهم: بدر الدين بيسرى، وأيتمش المسعودي وطيبرس الوزيري، وأقوش الرومي، وبلبان (٤) الدوادار الرومي، ولاجين الدوادار درفيل، وأيدغمش، وكشتغدي المشرقي، وأيبك الشيخي، وخاص ترك الكبير، وبلبان المهراني، وسنجر المسعودي، وسنجر الهمامي، وأياز الناصري (١١٦ ب) وطمان، وأيبك العلائي، ولاجين الشقيري، وبلبان الاقسيسي، وسلطان الإلدكزي، وعز الدين بيبرس، فتلقاهم الملك الناصر وأكرمهم غاية الإكرام، وخلع عليهم.
وفيها كان السلطان المنصور (٥) صاحب مصر كثير اللعب وليس له تلفت الى مصالح الملك ولا يرجع الى قول من ينصحه، وكانت والدته تدبر أمر الملك تدبير النساء. فلما كان ذلك تفكر الأمير سيف الدين قطز واستشار جماعة من أصحابه وتفكر في حضور التتار الى الأعمال، فأعمل فكرة في حيلة على الأمراء المشتغلين مع السلطان باللهو والصيد، فعل الى أن أخرج الامراء الصيد وخلاله (٦) الوقت ووجد الفرصة فقبض على الملك المنصور وعلى أخيه الصغير وعلى والدتهما وذلك في يوم السبت ثامن عشر ذي القعدة واعتقلهم في برج السلسلة في
стр. 248
وسط البحر بدمياط (١)، فكان مدة مملكة المنصور سنتين وثمان شهور وثلاثة أيام.
وفيها تولى المملكة السلطان الثالث من ملوك الترك بمصر وهو السلطان الملك المظفر قطز المعزي. تولى وجلس على سرير الملك يوم السبت [الثامن والعشرين في ذي القعدة] (٢)، فلما حضر الأمراء المسافرين (٣) أكثروا الكلام، فقبض على أعيانهم وهم: الأمير علم الدين سنجر [الغتمي] (٤) المعظمي، والأمير عز الدين أيبك النجمي الصغير، والأمير شرف الدين قيران المعزي، والأمير سيف الدين ألدود (٥)، والطواشي شبل (٦) الدولة كافور اللالا (٧)، والطواشي حسام الدين بلال المغيشي الجمدار، واستحلف باقي الأمراء (١١٧ أ) والعساكر، واستقر بالأمير فارس الدين أقطاي الصالحي الصغير أتابك العساكر وفوض اليه تدبير الجيوش المنصورة، وزاد في استخدام الجند وأعطاهم وعظم أمور الدولة.
وفيها استوزر القاضي، زين الدين ابن الزبير (٨).
وفيها بلغه مجيء عساكر التتار نجدة للملك الناصر صاحب الشام، فكتب إليه كتابا باتضاع وتذلل وبأيمان وعهود، أنه ليس أنا منازعا لك على الملك ولا مقاوما ولا مقاتلا وأنا نائب لك بالديار المصرية ومتى حللت بها أقعدتك على الكرسي وإن اخترتني خدمتك وما عملت هذا إلا طاعة لك، فإن أردت أن أكون أنا وعساكر الديار المصرية نجدة لك على القادم عليك جئت اليك، وإن كنت لم تأمر الى حضوري سيرت لك عساكر صحبة من اخترته أنت، يكونون بخدمتك وتحت أمرك. فلما وقف الملك الناصر على ذلك طاب قلبه قليلا وإنما ما ركن الى هذا القول.
وفيها حصل بمصر وسائر الديار المصرية زلزلة عظيمة (٩).
وفيها كثرت الأراجيف بدمشق بمجيء التتار لأنهم قد قطعوا الفرات وأغاروا على بلاد
стр. 249
حلب، فهرب كثير من أهل دمشق وباعوا حواصلهم [بأبخس ثمن] (١)، وخرجوا على وجوههم خائفين متفرقين في البراري والجبال، ومنهم من توجه الى الديار المصرية، وكان ذلك في قوة الشتاء فمات خلق كثير من البرد ونهب آخرون في الطريق.
وفيها أرسل الملك المغيث من بقي عنده من البحرية الى الملك الناصر مقيدين (١١٧ ب) على الجمال وهم تقدير خمسين نفر ومن جملتهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر (٢).
وفيها في ثاني عشر جمادي الآخرة جبي التصقيع (٣) بالقاهرة ومصر.
وفيها في شهر شعبان قبض على شخص يعرف بالكوراني، فضرب ضربا مبرحا وحبس على بدع ظهرت منه ثم جدد إسلامه على يد الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي وأطلق من الاعتقال وأقام بالجبل الأحمر (٤).
وفيها أخذ قاع البحر أربعة أذرع وستة وعشرين إصبعا، وانتهت الزيادة الى ثمانية عشر ذراعا وأصبع واحدة (٥).
وفيها أرسل هولاكو الى ولديّ صاحب الروم وهما عز الدين كيكاوس وركن (٦) الدين قليج أرسلان يستدعيهما، فسارا إليه وحضرا معه أخذ حلب كما سيأتي (٧).
وفيها نزل الملك هولاكو على حران ونصب عليها المجانيق، فعند ذلك جمع الناصر أمراءه واستشارهم فيما يفعله فأشاروا عليه بخروجه والعساكر في خدمته الى ظاهر دمشق وأن يعتدوا لقتال هولاكو بها وأن يكتب الى الملك المظفر صاحب مصر ويطلب منه العساكر كما أوعده وأن يكتب أيضا الى الملك المغيث صاحب الكرك ويطلب منه عساكره وأن يقرب الشهرزورية إليه. عند ذلك تقدم أمر الملك الناصر بخروج الدهليز وأن يضرب على قرية
стр. 250
برزة (١)، وكتب (٢) الى المظفر صاحب مصر والى المغيث صاحب الكرك. وكان الزين الحافظي لما قدم على هولاكو (١١٨ أ) مع العزيز ابن الناصر، اتفق معه على أمور تظهر في أماكنها إن شاء الله تعالى. وبقي الملك الناصر كلما جمع أمراءه لمشورة يقول الملعون الزين الحافظي أي عساكر تقوى على ملتقى هولاكو وأي ملك بقي يقدر على مقاومته؟ فيوهم الملك الناصر وكذلك الأمراء إذا اجتمعوا وتحدثوا فيما بينهم يقول لهم الزين الحافظي: يا قوم ما أبصرتم ما أبصرت.
قال إيدغدي القراسنقري في تاريخه «نزهة الثمر على الشجر في تواريخ البشر» إنّ الأمراء القيمرية والأمراء العزيزية والأمير ركن الدين [بيبرس] (٣) البندقداري والزين الحافظي والأمير نجم الدين أمير حاجب اجتمعوا وتحادثوا، فقال الملعون الزين الحافظي: يا قوم من قال إنه بقي ملك يقدر على مقابلة بعض عساكر الملك هولاكو ما له عقل، كيف وقد ملك سائر الأقاليم ولكن إن أردتم المصلحة اعملوا على مداراته والتقرب إليه والدخول في طاعته، عند ذلك صاح عليه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري وضربه بالمقرعة وشتمه وقال: «أنتم سبب هلاك المسلمين» وساق فرسه الى خيمته، وأما الزين الحافظي فإنه توجه الى الملك الناصر وشكا إليه ما فعله به الأمير ركن الدين وقال: يا خوند هؤلاء قوم أطراف وأنت ملك ابن ملك ما قدرك وقدرهم واحد ومولانا يداري عن نفسه ويدخل تحت طاعة هذا الملك الذي قد أهلك الملوك وقتلهم وكسر العساكر وقتل الخليفة، وأخرب بغداد، فأوقع الرعب في قلب الملك (١١٨ ب) الناصر. وكان قد اتفق هذا الملعون مع الملك هولاكو أنه يخذل العساكر ويسلم إليه الأعمال بغير قتال، والذي أوعده قام به، فبطل عزم الملك الناصر عن ملتقى هولاكو. وكان الناصر له بستان ظاهر دمشق يبيت فيه في أكثر الأوقات (٤) فاتفق مماليكه (٥) على قتله وإقامة رجل لملتقى هولاكو، فصبروا الى أن خرج الى البستان على جاري عادته فهجموا عليه (٦)، فلما تحقق الأمر نزل من حائط البستان ودخل القلعة بالليل، ولما طلع