← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

به العزيز ليلصق التهمة بيوسف ﵇ لتعلق به درء للتهمة عن عرضه، وللخيانة عن أهله، ولكنه قال: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، خاصة وعلامة الخيانة بادية عليها من تزينها وتهيئها بأعظم الزينة، وكيف يؤذيها وهو يجري عنها، وقد قُدَّ قميصه، ولم تسبق عليه ﵇ أي أمارة من أمارات عبيد السوء. ثانيًا: قوله: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ وهذا استئناف بياني، لأن ما حُكِيَ قبله من مقام الشدة على يوسف ﵇ من شأنه أن يسأل سامعه عن حال تلقي يوسف ﵇ لكلام امرأة العزيز بسجنه وصغاره إذا لم يفعل ما تأمره، وهذا الكلام مناجاة لربه الذي هو شاهدهم، ويحتمل أن جهر به في ملأهن تأييسًا لهن من أن يفعل ما تأمره به. ولا يحتمل هذا النص من يوسف ﵇ سواء كان مناجاة لربه، أو مواجهة لهن إلا أن يكون بريئًا من أي شين قبل هذه المناجاة، إذ كيف يناجي ربه الذي هو شاهده ومطلع عليه، وناظر إليه بما يعلم خلاقه منه. أي تجرؤ هذا، ويؤكد ذلك أنه واجه النسوة بتقديم السجن مع ما فيه من الألم والشدة وضيق النفس على ما يدعونه إليه من الاستمتاع بالمرأة الحسنة النفيسة؛ لأن ذلك مما يكرهه الله تعالى ويحرمه، فكيف يكون قد صدر منه شيء قبل ذلك يمكن أن يُعَيَّرَ به، أو أن يقال هلمَّ قد هممت من قبل أيها الناسك الشريف!؟ وهنا ملحوظة أخرى في النص، وهي إسناد فعل ﴿يَدْعُونَنِي﴾ إلى نون النسوة، على ضمير جمع الإناث مع أن التي دعته امرأة واحدة! وكأن ذلك لأن تلك الدعوة من رغبات صنف النساء، أو أن النسوة اللاتي جمعتهن امرأة العزيز لما سمعن كلامها تمالأن على لوم يوسف ﵇ وتحريضه على إجابة سيدته وتحذيره من وعيدها بالسجن، وهذا مما يدل على ما كان فيه من الشدة والمقاساة ﵇ ومدى تحفظه وصيانته وعفافه من قبل، وهذا يسلمنا إلى الثالث. ثالثًا: من إظهار يوسف ﵇ لبراءته، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ

стр. 107

إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾. ومعنى أصب، أي: أمل، يعني يناجي ربه بقوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ يعني أميل إليهن، فدل على أن الميل مع كل أسبابه لم يحدث، ويدعو ربه أن يصرف عنه هذا الكيد الشديد، وفكيف يكون قد وقع منه هم، والميل نفسه لم يحدث إلى وقت مناجاته تلك؟ وهذه الجملة من المناجاة خبر مستعمل في التخوف. والوقع التجاء إلى الله تعالى، وملازمة للأدب نحو ربه بالتبرؤ من الحول والقوة والخشية من تقلب القلب، ومن الفتنة بالميل إلى اللذة الحرام التي قدم السجن عليها، فالخبر مستعمل في الدعاء، ولذلك فرع عنه جملة ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ (١). وكذلك مما يدل على إبراء (تبرئه) يوسف ﵇ لنفسه أنه لو وقع منه شيء من ذلك لبادر ﵇ بالتوبة والاستغفار، ولأن الأنبياء إذا صدر منه شيء على خلاف مراد الله اجتهادًا منهم مثلاً - لأننا نقول بعصمتهم جميعًا بهذه الأدلة التي نسوق - استعظموا ذلك، وبادروا إلى الله تعالى بإظهار الندامة والتوبة وطلب المغفرة والتواضع حتى كأن ما حدث ذنب عظيم، كما حدث في قصة آدم ﵇ في أكله من الشجرة لأنه لم يأكل منها مخالفة لله تعالى، وإنما اجتهاد منه ليكون من الخالدين عند الله تعالى، أو ليكون ملكًا مقربًا لديه، ومع ذلك جاء عنه وزوجه ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. أما في قصة يوسف فلم يحدث من ذلك شيء أصلاً، فدل على أنه لم يقع منه هذا لا خطأ ولا اجتهادًا فضلاً عن الذنب والمعصية، بل على العكس جاءت كلماته التي حكاها القرآن الكريم عنه ﵇ لتدل بوضوح على هذا المعنى، وذلك في قوله لإخوته بعد أن

стр. 108

عرفوه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِن اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾، ولذا كان ردهم - وهو رد كل مخطئ خاطئ -: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾. وما بلغ المنزلة التي هو فيها بالذنب والمراودة، ولكن بلغها وحصلها بالتقوى والصبر، وإنها لأعظم تقوى، وإنه لأعظم صبر، ولسنا في مجال الكلام على التقوى والصبر. هناك دليل آخر على تبرئة يوسف ﵇ فإن كان ما سبق براهين تبرئته بالنطق والسكوت، فهذا البرهان يمكن أن نسميه بالفعل لتجتمع له ﵇ كل أدلة وبراهين البراءة وهو في قوله لما أرسل إليه الملك ليأخذه من السجن، أبى ورفض حتى يتحقق الملك بنفسه من الواقعة، مَن البريء ومَن المتهم، وذلك في قوله تعالى عن يوسف لرسول الملك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾. فلو كان ﵇ قد صدر منه ذنب وفحش، أو كان متهمًا لاستحال عرفًا وعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة، وألا يخرج من السجن إلا بعد النظر فيها، وتبيين الخاطئ من البريء، وإلا لو كان فعل ذلك لكان قد أقدم على فضح نفسه، وتجديد عيوبه التي صارت خفية مندسة، والعاقل لا يفعل ذلك، وهب أنه قد وقع الشك لبعضهم في عصمته إلا أنه لا شك بما سمعنا أنه كان عاقلاً، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه، وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه (١). أما بيان المرأة تبرئته ﵇ فهو: أولاً: اعترافها للنسوة بذلك حيث قالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ فقد باحت لهن بأنها هي التي راودته فعلاً؛ لأنها رأت منهن الافتتان به فعلمت أنهن قد عذرنها،

стр. 109

فقالت: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ حسبما سمعتن وقلتن، فاستعصم وهي للمبالغة في عصم نفسه، أي اعتصم اعتصام معصوم، جاعلاً المراودة خطيئة عصم نفسه منها، بل دل هذا البناء كذلك، وهو استعصم وهو بناء مبالغة على الامتناع الشديد والتحفظ البليغ، كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها مثل استمسك واستجمع الرأي، وفي ذلك برهان نير على أنه لم يصدر عنه ﵇ شيء مخل باستعصامه من الهم وغيره بقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ ويدل على ذلك أيضًا ترتيب كلامها بأنها اعترفت لهن أولاً بما كُنَّ يسمعنه من مراودتها له، وأكدته بقولها: ﴿وَلَقَدْ﴾ بالقسم ولام التوكيد إظهارًا لابتهاجها بذلك، ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون الإعراض، ولم يمل إليها قط، وزادت أيضًا أنها مستمرة على ما كانت عليه غير مرعوية عنه لا بلوم العواذل ولا بإعراض الحبيب بل قالت: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (١). ثانيًا: قولها: ﴿الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾. الآن: ظرف للزمان الحاضر، وحصص: أي ثبت واستقر، والحق: هو براءة يوسف ﵇ مما رمته به، وإنما ثبت الآن؛ لأنه كان محل قيل وقال فزال ذلك باعترافها بما وقع، وتقديم اسم الزمان للدلالة على الاختصاص، أي الآن لا قبله للدلالة على أن ما قبل ذلك الزمان زمن باطل وهو زمن تهمة يوسف ﵇. والتعبير بالماضي في حصحص، مع أنه لم يثبت إلا من إقرارها الآن فهو لتقريب زمن الوقوع من الماضي، أو لأن الحق ثابت من قبل في براءة يوسف ﵇ من المراودة (٢)، وكل ذلك يدل على انتفاء أي تعلق لاتهام يوسف ﵇ بأي أمر مشين.

стр. 110

وأما قولها: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فهو دليل بليغ على صدق يوسف ﵇ وطهارته ونزاهته، فقد أكدت ذلك بـ ﴿إِنَّ﴾ واللام والجملة الاسمية (١) لتبرهن على صدقه في أنه لم يراودها، ولم يصدر منه من ذلك لا قليل ولا كثير لا ميل ولا هم وأنها هي التي راودته، ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ هو صادق، وقد عبرت بقولها: ﴿لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ لأنها أبلغ من لو قيل هو صادق، كذلك تختم القضية بالنسبة لها بهذه البراءة المؤكدة بكل هذه المؤكدات البليغة التي لا راد لها، ولا ناقض. أما بيان تبرئة زوج المرأة ليوسف ﵇ فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٨ - ٢٩]. فقوله إنه من كيدكن من كلام العزيز بعد أن استبان له براءة يوسف ﵇ من الاعتداء على المرأة وإلا كان الكلام مختلفًا، وكان اللوم وما فوقه متوجهًا إلى يوسف ﵇ فيه شهادة من العزيز أكدت براءة يوسف ﵇ بدليل قوله بعد ذلك مخاطبًا الاثنين معًا ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ بأن يكف عن الخوض في هذا الموضوع لئلا ينتشر وتظهر الفضيحة، وعطف على ذلك خطابه لزوجه: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ فقد أثبت لها الذنب والسوء، بما ينفيه عن يوسف ﵇ وطلب منها الاستغفار عن ذلك، بما يدل على انتفاء أي هفوة في حق يوسف ﵇ خاصة وهو ينتظر أن يكون يوسف هو المخطئ ليحفظ عرضه وزوجه عن قالة السوء والفضيحة بها. وهذا الأسلوب من مخاطبة المرأة بأن ما دبرته من كيد النساء ثم توجيه الخطاب إلى يوسف ﵇ ثم عودة الخطاب إلى المرأة يسمى بالإقبال، أو الالتفات للمعنى اللغوي عند

стр. 111

الالتفات البلاغي، وهو عزيز في كلام البليغ (١)، فالقرآن الكريم يبين بهذا الأسلوب البلاغي العزيز تبرئه يوسف والالتفات إلى المرأة باللوم والتقريع، وطلب الاستغفار، ونسبة المكر والكيد إليها، على أبلغ كلام وأحسنه. أما بيان الشاهد في القضية فقد دل على براءة يوسف أيضًا. وقد أوردناه هنا بعد بيان العزيز لكونهما في نفس الوقت، وكذلك لبناء العزيز حكمه ببراءة يوسف على كلام الشاهد، وقد جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٨]. هذا الشاهد بسياق القرآن رجل من أهل المرأة كان بصحبة زوجها العزيز، وسمي قوله شهادة لأنه يؤول على إظهار الحق في إثبات اعتداء يوسف ﵇ على سيدته أو دحضه، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ﴾ إلى آخره، لما لم يكن له به سابق علم دل على أن الاستدلال بكيفية تمزيق القميص نشأ عن ذكر امرأة العزيز وقوع تمزيق القميص؛ تحاول أ، تجعله حجة على أنها أمسكته لتعاقبه، ولولا ذلك ما خطر على بال الشاهد أن تمزيقًا وقع، وإلا فمن أين علم الشاهد تمزيق القميص؟ والظاهر أن الشاهد كان يظن صدقها فأراد أن يقيم دليلاً على صدقها، فوقع عكس ذلك كرامة ليوسف ﵇ (٢). وهذا برهان لا ريب فيه على أن صدق يوسف ﵇ ونزاهته لم يكن من ترتيب أحد إلا الله فما دُعوا إلى جلسة ومحاكمة وشهادة، واستعداد لتقديم البينات والمرافعات، بل

стр. 112

كان ما أراد الله بحكمته في توها ولحظتها، مع قيام كافة جوانب القضية واضحة جلية، لا تحتاج لغير الحكم بالحق، وكان من تمام توفيق يوسف ﵇ وحفظ الله له، أن جاء القميص شاهدًا له، من حيث أريد أن يكون الشاهد عليه، لو حاول البشر أن يرتبوا محكمة وشهادة وواقعة على هذا النحو لما تمكنوا، إلا محاكاة وتمثيلاً لها. أما بيان تبرئة النسوة ليوسف ﵇ فكما يلي: أولاً: وهو قول النسوة لما رأين يوسف ﵇ وهن متكئات، وقد أمرته امرأة العزيز بأن يخرج عليهن وقطعن أيديهن: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا﴾ على إعمال ﴿مَا﴾ بمعنى ليس في لغة أهل الحجاز، تنزيهًا لله سبحانه عن صفات النقص والعجز، وتعجبًا من قدرته على هذا الصنع البديع، ونفيًا للبشرية عنه؛ لما شاهدن فيه من الجمال العبقري الذي لم يعهد مثاله في البشر، وقصر ذلك على الملك بقولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ بناء على ما ركز في العقول من أن لا حي أحسن من الملك، كما ركب فيها أن لا كائن أقبح من الشيطان، فوصفهن بأنه ملك لا شك يدل على مفارقة الشيطان، وهو وصف كريم يدل على جميل الصفات، وأحاسن الشيم، التي تدل على أن مثله ليس أهلاً لسوء الشيطان، ولا الأعمال اللائقة بالشيطان وهذه تبرئه واضحة لم يتمالكن أنفسهن عنها حيث خرجن عن الأفعال الاختيارية بتقطيع أيديهن عند رؤيته، وقولهن ذلك. ثانيًا: قول النسوة عن إحضار الملك لهن وسؤاله إياهن ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾، و ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ مبالغة في النفي والتنزيه، والمقصود: التبرؤ مما نسب إليهن من المراودة، وجملة ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ كما يقول الأصوليون نكرة في سياق النفي فتعم كل سوء أي ما علمنا عليه أي سوء، ومن للتبعيض، ومعناه كائنًا ما كان السوء ولو صغيرًا، وهو يدل على أنه لم تقع منه كذلك أي مراودة، لأن

стр. 113

الحالتين منه أو منهن من أحوال السوء، والجملة جامعة لنفي ذلك كله، وقد أشرنا إلى ذلك بنفي العلم وهو كناية عن نفي دعوتهن إياه إلى السوء، ونفي دعوته إياهن إليه؛ لأن ذلك لو وقع لكان معلومًا عندهن، وفي ذلك أبلغ الأدلة على تبرئة النسوة ليوسف ﵇ بعدم العلم، وعدم الوقوع. وأما شهادة الله تعالى ببراءة يوسف ﵇ فمن أوجه: الأول: في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾. الكاف منصوب المحل، وذلك إشارة على التثبيت اللازم له، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه، لنصرف عنه السوء على الإطلاق فيدخل فيه الهم، وخيانة السيد، وكافة وأنواع السوء كافة لكون السوء هنا معرفًا فيشمل كل سوء، وكذلك الفحشاء لأنها مفرطة في القبح، وقول الله تعالى ذلك آية بينة، وحجة قاطعة على أنه ﵇ لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجه إليها قط، وإلا لقيل لنصرفه عن السوء والفحشاء، وعما يتوجه إليه من السوء وغيره من الخارج فصرفه الله تعالى عنه بما فيه ﵇ من موجبات العفة والعصمة، ولذلك عقب بقول: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ليعلل ذلك الصرف عنه، فهو تعليل لما سبق من مضمون الجملة بطريق التحقيق. وقد قرئ المخلصين بصيغة المفعول وصيغة الفاعل، فأما صيغة المفعول فهم الذين أخلصهم واصطفاهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادح فيها، وصيغة الفاعل وهم اللذين أخلصوا دينهم لله ، وعلى كلا المعنيين فهو ﵇ منتظم في سلكهم داخل في زمرتهم، والتعبير بالجملة الاسمية والتأكيد دليل على كونه كذلك من أول أمره، لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك، فانحسم بذلك مادة احتمال صدور الهم بالسوء منه ﵇ -

стр. 114

بالكلية (١). الثاني: أن قوله : ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ ثناء ومدح من الله تعالى ليوسف ﵇ سواء في اجتباء الله واصطفائه السابق له، أو في إخلاص يوسف ﵇ لربه جل وعلا، ولا يليق بحكمة الله تعالى أن يحكي عن إنسان إقدامه على معصية عظيمة فيها كل الصفات السيئة التي أشرنا إليها من قبل، ثم يمدحه ويثني عليه بأنه من المصطفين الأخيار، أو الذين أخلصوا دينهم لله تعالى (٢) فدل ذلك على أن يوسف لم يصدر منه شيء. الثالث: في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ ونركز على المراد من الكلام الذي يؤيد ما نقول وهو في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ وذلك بعد قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾، ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ وهذا السياق يدل على أن يوسف ﵇ كان مستعصمًا طاهرًا منزهًا، وزادت عليه الضغوط من كل الجوانب وبكافة الأساليب فلجأ إلى الله تعالى ليصرف عنه ذلك الكيد، وهو علم من سنة الله تعالى معه من قبل صرف السوء والفحشاء عنه، فاستجاب له ربه، والفاء للتعقيب، ودل على أن قوله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي﴾ دعاء بطلب ذلك، ترى استجابة الله له بهذه السرعة بعد وقوعه في الهم والمراودة، وغير ذلك، أن ذلك دليل من الله تعالى على تبرئة يوسف ﵇ بسرعة إجابته، وصرف الكيد والمكر، وتلك الشدائد عنه، وزيادة تثبيت قلبه في مواقف الزلزلة تلك، وما يكون ذلك الصرف والإجابة إلا لطاهر يريد العصمة، لا متلوث قد وقع في الذنب، إذ الواقع في ذلك يصرف عن السوء والفحشاء، لا تصرف عنه

стр. 115

الفحشاء والمكيدة بإيقاعه في ذلك، والتعبير بالكيد يدل عليه إذ هو محاولة المخاتلة بيوسف لإيقاعه، لا أنه تحقق وذلك ظاهر بتأمل السياق ومقارنته وتحليله. وثمة شيء آخر تبينه الآية الكريمة وهو تلك الصلة بين يوسف ﵇ وربه جل وعلا، إذ تدل على قلب موصول بالله تعالى، بينه وبين ربه عمار، يدعوه ويتضرع إليه، فيسارع إلى إجابته، بل ويدعوه بما يدل على كمال ثقته في ربه، ووفور إقباله عليه ومحبته له: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ من ذا الذي يقول لله تعالى: وإلا تصرف عني كذا وكذا أقع في كذا، وكذا فيستجيب له، إلا وقلبه مفعم باليقين التام في الإجابة بأن ينجيه مما وقع فيه، ترى تلك قلوب العصاة المذنبين، إن أقصى أملهم أن يغفر لهم، ويتوب عليهم، أم هي قلوب العارفين بالله الذين هم في الدرجة العالية من توحيده وطاعته، وكذلك في إضافة الرب لضمير يوسف ﴿لَهُ رَبُّهُ﴾ دليل عناية الرب بمربوبه، ورعايته له جل وعلا، وإظهار شأنه في انتسابه إلى الله تعالى بمعنى الربوبية. الرابع: وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٦ - ٥٧]، والكاف هنا منصوبة بالتمكين، وذلك: إشارة إلى ما تقدم يعني ومثل ذلك الإنعام الذي أنعمنا به على يوسف في تقريبنا إياه من قلب الملك، وإنجائنا إياه من غم السجن نمكن له في الأرض، أي نقدره على ما يريد، وان ينزل منها أي منزل أحب لا يدافعه أحد ولا ينازعه منازع، والمقصد من ذلك أن الله مكن ليوسف ﵇ في الأرض، وما كان هذا التمكين الجاري على سنة الله في كونه إلا لأنه كما أفاد السياق من المحسنين، وأن الله لا يضيع في الدنيا أجرهم، وهذا أكبر دليل على أن يوسف كان وما زال حين تبوأ هذا المركز من الله تعالى محسنًا، ولو صدق على يوسف ﵇ بأنه وقع في شيء مما ذكره الجهال لكان ذلك تكذيبًا لله في حكمه على يوسف ﵇ بالإحسان وهو عين الكفر بالله، ولكان ذلك

стр. 116

شهادة على الله تعالى - حاشا لله - أنه يمكن للعصاة له ويمدحهم بذلك، وأنه يكافئهم على مخالفته بالتمكين لهم في الأرض. ويزيد على ذلك ما أعده له في الآخرة في قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ وهذا يدل على أمرين: الأول: أن يوسف ﵇ وصل إلى المنازل العالية والدرجات الرفيعة في الدنيا، إلا أن الثواب الذي أعده الله له في الآخرة خير وأفضل وأكمل. الثاني: أن المراد من الآية كذلك شرح حال يوسف ﵇ فوجب أن يصدق في حقه أنه من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وليس ها هنا زمان سابق ليوسف ﵇ يحتاج إلى بيان أنه من المتقين إلا ذلك الوقت الذي قال فيه تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ هذا شهادة من الله تعالى أنه كان في ذلك الوقت من المتقين، فأنى يكون ذلك الهم وغيره منه. وتضاف هذه إلى شهادة الله له بأنه من المحسنين ومن المخلصين (١)، فثبتت براءة الله تعالى له، بهذه الشهادات الإحسان والإخلاص والتقوى، وماذا بعد؟ وهناك وجوه كثيرة أخرى في تحليل الآيات نكتفي بهذا القدر منها لتبيين المطلوب. وأما بيان أن إبليس أقر بطهارة يوسف ﵇ وبراءته فهو في قوله تعالى: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣] فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ويوسف ﵇ قد مدحه الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ فكان هذا إقرار من إبليس بأنه ما أغواه وما أضله عن طريق الهدى.

стр. 117

يقول الإمام الرازي (١) عن ذلك: وعند هذا نقول للجهال الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ هذه القضية إن كان من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله على طهارته، وإن كان من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة إبليس على طهارته، ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس إلى أن تخرجنا عليه في السفاهة، كما قال الخوارزمي: وكنتُ امرءًا من جُندِ إبليسَ فارْتَقَى ... بيَ الدهرُ حتى صارَ إبليسُ من جُندي فلو ماتَ قَبْلي كنتُ أُحسنُ بَعْدَهُ ... طرائقَ فسقٍ ليس يُحسنها بَعْدي وإذ قدمنا بهذه المقدمة لتكون بين يدينا في التدليل على عصمة النبي ﷺ ، وكذلك لتكون الأصل الثابت، والأساس الراسخ المتين في اعتقاد عصمة الأنبياء، وعلو منزلتهم بهذه القواطع من النصوص القرآنية، التي تقوم عليها هذه الدارسة، وندخل منها إلى إثبات عصمة الرسول ﷺ من باب الأولى، وكذلك بدراسة وتحليل ومقارنة بقية الآيات النازلة في حقه ﷺ مع رد كل ما أثير من شبهات إلى هذه النصوص الراسخة لتتضح الصورة كاملة في هذه القضية، وتظهر بها الجديد من منهج البحث، وهو المقارنة بين النبي ﷺ وبين الأنبياء السابقين. ونبدأ ببيان عصمة النبي ﷺ عن الذنوب كافةً، صغيرها وكبيرها، بعد البعثة وقبل البعثة، وكذلك عن ما يمكن أن يقع قبل البعثة فيكون مشينًا بعد البعثة، وذلك من حيث انتهى الكلام السابق وهو أن إبليس قد أقر بطهارة يوسف ﵇ وعليه فإن الرسول ﷺ ليس للشيطان عليه سبيل البتة، فإذا كان إبليس فيما حكي القرآن الكريم عنه يقول: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ فإن الرسول ﷺ أعلى الأنبياء درجة، بل

стр. 118

أرفعهم درجات، كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ....﴾ [البقرة: ٢٥٣] فكان هو ﷺ بهذا التقسيم للآية ممن رفع الدرجات، وقصة الإسراء والمعراج في القرآن نفسه تبين أن أحدًا منهم عليهم الصلاة والسلام لم يصل إلى درجته، علاوة على أنه ﷺ أفضل أولي العزم، ويوسف ﵇ ليس من أولي العزم أصلاً، فكان ذلك دليلاً على أنه ﷺ أولى من يوسف ﵇ والأنبياء كافة ألا يكون للشيطان عليه أدنى سبيل، وأولو العزم من الرسل المذكورون في القرآن الكريم جمعتهم الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾ [الأحزاب: ٧] ودل سياق الآية لتقديم النبي ﷺ في الذكر على تقديمه في المرتبة، بدليل الترتيب الزمني بعد ذلك لبقية النبيين عليهم جميعاً أفضل الصلاة والسلام، ونبادر فنقول إن الدراسة والأدلة التي أدت إلى تقديمه وتفضيله عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام - ليس تنقيصاً لأحدهم عياذاً بالله - ولكنها تقرير لذلك الواقع الذي أدى إليه البحث، وقاد إليه الدليل (١) بإعطاء كل منهم ما أعطاه الله تعالى من الفضل، مع استوائهم جميعاً في العصمة محل البحث. وفي سياق إيراد ما يشابه ذلك الآيات نرى قوله تعالى عن إبليس: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾، وهذا تأكيد جديد بقوله لأحملنهم جميعاً على الغَواية إلا عبادك الذين أخلصتهم لعبادتك وطاعتك، وطهرتهم من الشوائب فلا يعملُ فيهم كيدي، أو هم (بفتح اللام) الذين أخلصوا نفوسهم وعبادتهم

стр. 119

وتوحيدهم لله تعالى (١)، ورسول الله محمد ﷺ هو أول المصطفين الأخيار، والمجتبين الأبرار، وهو أتقاهم لله تعالى، وأشدهم إخلاصًا لهم، ولا شك أنه أول السالمين من كيده وإغوائه (٢)، وهذا ما ينقلنا إلى ما ذكر المولى سبحانه عن عباده، وعن حفظه لهم من كيد الشيطان حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] أي أن عبادي ليس لك عليهم تصرف ولا تسلط، وهم المشار إليهم سابقًا بالمخلصين، وقد أكدت حقيقة الجملة (إنَّ والجملة الاسمية)، ونفي السلطان بالتنكير ليفيد أنه ليس له عليهم أي سلطان، صغيرًا كان أو كبيرًا. وتصدير الجملة بعبادي يشمل أول ما يشمل النبي ﷺ لأنه أعلى العباد مقامًا في العبودية، حيث جاء التشريف بذلك من ربه في كافة الأحوال التي تبين فخامة منزلته، فذكر بذلك في الإسراء فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] وفي مقام التحدي لإثبات النبوة بإعجاز القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] وفي مقام الدعوة إلى توحيد الرب : ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (١٩)﴾ [الجن: ١٩] وفي إنزال الفرقان عليه ﷺ : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] فرأينا هذه الآيات الكريمات علاوة على تشريفه بمقام العبودية لله تعالى، تشير إليه بأعظم الإضافات وأكملها إلى الله تعالى مثل بعبده، وعبدنا، وعبد الله، وما تعنيه تلك الإضافات وتنوعها باختصاصه بذلك وعلو درجته في عبودية الله تعالى، مما يوضح لنا أن تلك الدرجة أعلى الدرجات التي لا سبيل للشيطان على صاحبها، مما يؤكد

стр. 120

عصمته ﷺ من أي غواية من غواية الشيطان. مع ملاحظة أخرى في الآية في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾، وهي أن الغواية وقعت باختيارهم حيث اتبعوا الشيطان بمحض إرادتهم، وذلك لا يقع للأنبياء ﵈ أن يختاروا اتباع الشيطان؛ إذ ينافي ذلك عبوديتهم لله تعالى، وخلع عبودية ما سواه ويزيد في إيضاح ما سبق من آيات تبين عصمة النبي ﷺ من كيد الشيطان وتسلطه، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ [النحل: ٩٩] وذلك بعد قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ فقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ تعليل للأمر بالاستعاذة، لأنها تمنع من تسلط الشيطان على المستعيذ لأن الله منعه من التسلط على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وجملة ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ صفة ثانية للموصول، وقدم المجرور على الفعل للقصر، أي لا يتوكلون إلا على ربهم، وجعل فعلها مضارعًا لإفادة تجدد التوكل واستمراره، وعطف الجملة دون إعادة اسم الموصول للإشارة إلى أن الوصفين كصلة واحدة لموصول واحد، لأن المقصود اجتماع الصلتين، فنفي سلطان الشيطان مشروط إذًا بالأمرين: الإيمان والتوكل، ومن هذا تفسير لقوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾. ويكون المعنى: أن الإيمان مبدأ أصيل لدفع سلطان الشيطان في نفس المؤمن، فإذا انضم إليه التوكل على الله اندفع سلطان الشيطان عن المؤمن المتوكل. ولا حاجة بنا أن نقرر أن رسول الله ﷺ أعظم المؤمنين إيمانًا، بل لا يتم إيمان أحد بالله إلا بالإيمان بالرسول ﷺ ، وكل توكل في المؤمنين إنما هو من جراء تعليمه قولاً وفعلاً، وكما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٨] وفي الحديث: «عبدي

стр. 121

ورسولي سميته المتوكل» (١) وآيات القرآن الكريم مليئة بالكلام على التوكل والمتوكلين, الذي يؤكد أن رسول الله ﷺ هو معلمهم التوكل كما علمهم الإيمان وغيره من أمور الدين اعتقادًا وعملاً وسلوكاً. وإذا أشرنا إلى ما يوضح عصمة النبي ﷺ والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - من كيد الشيطان وتسلطه, نأتي إلى ما يتعلق بوسوسة النفس, أو بأمرها الإنسان بالسوء, ترى ينطبق على الإنسان المؤمن الكامل فضلاً عن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أن توسوس له نفسه بما يخالف الشرع, ويوقع في غضب الرب , أو في التقصير في حقوقه, لنرجع إلى قصة يوسف ﵇ ننظر فيها ما يتعلق بالنفس، ومدى حملها الإنسان على المخالفة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣]. ظاهر ترتيب الكلام أنه من كلام امرأة العزيز (٢)، مضت في بقية إقرارها فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وذلك كالاحتراس مما يقتضيه قولها عن يوسف ﵇: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ من أن تبرئة نفسها من هذا الذنب ادعاء بالبراءة العامة فقالت: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، فالواو استئنافية، والجملة ابتدائية، وجملة: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ تعليل لجملة ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾، أي لا أدعي براءة نفسي من ارتكاب الذنب؛ لأن النفس كثيرة الأمر بالسوء، ثم

стр. 122

استثنت فقالت: ﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ وهو استثناء من عموم الأزمان، أي أزمان وقوع السوء بناءً على أن أمر النفس به يبعث على ارتكابه في كل الأوقات إلا وقت رحمة الله عبده، وهو مقصودنا من ذلك كله لنبين عصمة النبي ﷺ من أمر النفس بالسوء، فإذا كان لا يعصم من اتباع وسوسة النفس في الوقوع في السوء والهم به إلا رحمة الله بعبده في بعض الأزمان، فكيف يقع من نفس الرسول ﷺ هم أو وسوسة بسوء، وهو نفسه الرحمة المهداة كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧] فقصر إرساله على الرحمة للجن والإنس كافة، والآية دليل في غاية الوضوح والنصاعة، ليست على كونه مرحومًا في بعض الأوقات لتتحقق له بذلك العصمة فيها، بل هو الرحمة نفسها في كل الأوقات، ليس لنفسه، بل للعالمين، ليوضح القرآن الكريم بذلك درجة النبي ﷺ التي لم يصل إليها أحد لتكون شاهدًا على عصمته من النفس بعد اتضاح عصمته من الشيطان، فلا الشيطان ولا النفس إذاً لهما عليه سبيل. ومما يزيد هذا الدليل وضوحًا قوله تعالى في وصف الرسول ﷺ : ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٦١]، ليجمع البحث ما قيل في كونه رحمة من جميع نواحيها، فكلها حق، ولكن يبقى المعنى الظاهر أن الرسول ﷺ رحمة عامة، ورحمة للمؤمنين خاصة، فأنى تكون لصاحب هذه الرحمة للمؤمنين في باطنه شيء يأمر بالسوء، وهذا السوء لا يقع في أوقات الرحمة، وكيف يرحم المؤمنين، وله أوقات لا رحمة فيها، أوقات الأمر بالسوء، والله يقول عنه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨] وهي عامة لكل المؤمنين شاملة لكل الأوقات والأحوال، حيث لقنه ربه أن يقول: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ فحياته ومماته وعبادته وتوحيده لله وحده لا شريك له من نفس ولا شيطان ولا هوى، ولا غيره. ولنا عود لهذه الآية. من جهة أخرى فقد ذكر القرآن الكريم أن هناك نفسين أخريين، هما النفس اللوامة،

стр. 123

والنفس المطمئنة، والمطمئنة قال الله تعالى فيها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠] ونحن نروم الاختصار فنشير في تحليل الآية ومقارنتها إلى موضع البحث فقط، فالنفس المطمئنة الراضية المرضية موجودة في المؤمنين، وأول المؤمنين هو ﷺ في الأولى والآخرة، وهو أعلاهم درجة، فأعلى النفوس المطمئنة إذن وأجودها وأكرمها على الله نفس النبي ﷺ ، وفي الآية دليل آخر: أن النفس المطمئنة يقال لها: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩)﴾، وأشرف عباده وأسماهم منزلة - كما ذكرنا من قبل - هو الرسول ﷺ ، فالنفوس المطمئنة تدخل في زمرته صلوات الله وسلامه عليه، وتشرف بالانضواء تحت رايته، فكان هذا برهاناً - على أقل تقدير - على خروج نفس النبي ﷺ عن حد النفس الأمارة والنفس اللوامة، ووصوله إلى أكمل درجات النفوس المطمئنة، وأما صفة النفس المطمئنة المذكورة في الآية فهي الساكنة الهادئة - لأنها اسم فاعل من الاطمئنان - غير مضطربة ولا منزعجة، وهذا يجوز أن يكون من سكون النفس بالتصديق لما جاء به القرآن دون تردد، ولا اضطراب بال، ويجوز أن يكون من هدوء النفس بدون خوف ولا فتنة في الآخرة والاطمئنان مجاز كذلك في طيب النفس وعدم ترددها في مصيرها بالاعتقاد الصحيح، حين أيقنوا في الدنيا بأن ما جاءت به الرسل حق فذلك اطمئنان في الدنيا، ومن أثره اطمئنانهم يوم القيامة حين يرون مخايل السعادة والرضا نحوهم، ويرون ضد ذلك نحو أهل الشقاء، وقد فسر الاطمئنان بيقين وجود الله ووحدانيته، وفسر باليقين بوعد الله، وبالإخلاص في العمل ولا جرم أن ذلك كله من مقومات الاطمئنان المقصود فمجموعه مراد وأجزاؤه مقصودة (١). ومما سبق تتضح مرتبة النبي ﷺ المنيفة السامقة.

стр. 124

ومما ينبغي الوقوف عنده من الآيات التي ذكرها القرآن الكريم، والتي تؤكد عصمة النبي ﷺ ، من المخالفات والمعاصي كافة، وكررها القرآن في أكثر من موضع؛ لينوه بفضله وعلو مرتبته ﵊ والتي تبين من تغاير السياق التي سيقت فيه تعدد جوانب العصمة، واكتمالها في النبي ﷺ ، وبالتالي تضيف إلى ما سبق تأكيدات مهمة بشأن عناية الله به، تصديقاً للرسالة، وتأييداً للنبوة التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الآيات ثلاث آيات: الأولى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ [الأنعام: ١٥ - ١٦] الثانية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥] الثالثة: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ [الزمر: ١٣] وقبلها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ [الزمر: ١١ - ١٢] وبعدها: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾ [الزمر: ١٤]. والمتأمل لهذه الآيات الكريمات يلاحظ ما يلي: - أن قوله ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ مصدر في موضعين من المواضع الثلاثة، والموضع الثالث محتمل لها، وهذا التلقين للنبي ﷺ من الله تعالى يدل على عنايته بالنبي ﷺ ، وحفظه له، ورده عنه، وتثبيته إياه في تلك المواقف العصيبة، لم يترك له أن يرد هو، بل علمه الرد الذي لا مدفع له، في الوقت الذي يمدحه، ويثني عليه بهذا التلقين، وهو من الإيجاز والإعجاز القرآني العالي، إذ تجمع هذه الجملة العديد من المعاني التي لا تحصل بغيرها، وإن

стр. 125

حصلت من البلغاء فبأضعاف هذه الجملة، مع عدم تأدية كل المعاني التي تحتويها. - إن كلمة ﴿قُلْ﴾ هنا تنفي نسبة الوحي إلى النبي ﷺ ، مع رفع الاحتشام عنه ﵊ في تزكية نفسه، مع تأكيد المعنى الذي سيقت لأجله، بالتكرار له إلى يوم القيامة وهو - مثلاً - كما في الآية الأولى يرفض الشرك امتثالاً لأمر الله ﷻ وإن أتباعه المؤمنين مطالبون أيضًا بهذا القول، معلنون به، غير راجعين عنه أو مداهنين فيه. - وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ أي بمحالفة أمره ونهيه أي عصيان كان، ويدخل فيه ما ذكر في السياق دخولاً أوليًا، وهذا بيان من الله تعالى بحال نبيه المعظم، وهو كمال اجتنابه ﵊ عن المعاصي على الإطلاق (١)، إذ لا معنى لخوفه العظيم هذا ﷺ ، مع الوقوع في أي معصية كانت؛ لأن قدر الخوف على قدر العذاب، وبمقدار ما يخاف المرء يمتنع عن الأسباب المفضية لهذا العذاب المهول، وتلك تدل على العصمة الكاملة لرسول الله ﷺ (٢)، والآية رد واضح جلي على من يخالف هذا المعتقد، وتوضيح بليغ لما تُوهمه بعض الآيات القرآنية (٣) بخلاف هذا الرأي السديد، وبالتالي تحمل هذه الآيات على ما يليق بالنبي ﷺ ، وما يوافق آيات العصمة؛ جمعًا بين الآيات الكريمات كلها في هذا الصدد. - وفي العدول عن لفظ الجلالة إلى قوله ﴿رَبِّي﴾ في الآية إيماء إلى أن عصيانه أمر قبيح، لأنه ربه الذي يربيه، ويقوم على شؤونه فكيف يعصيه (٤).

стр. 126

- وتوضيحًا لعذاب العصيان، وهو ما يدل على شدة الامتناع من المخالفة أضيف العذاب إلى ﴿يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ تهويلاً له، إذ في معتاد العرب أن يطلق اليوم على يوم نصر فريق، وانهزام آخر، والهزيمة تعني التنكيل بهم، وإكثار القتل والأسر فيهم، وإسامتهم سوء العذاب، فذكر ﴿يَوْمٍ﴾ يثير الخيال من مخاوف مألوفة لديهم، قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ (١)، ولم يقل عذاب الظلة، وبهذا الاعتبار حسن جعل إضافة العذاب إلى اليوم العظيم كناية عن عظم ذلك العذاب. - ما سبق من المعاني لتلك الكلمات القليلة المضيئة، يظهر بجلاء هذا العلو، وتلك الدرجة المُنيفة للنبي ﷺ التي يقطع العقل بحصولها له. وتمضي ألفاظ الآية الكريمة في توضيح جانب آخر يدل على عصمة النبي ﷺ لتكتمل جوانب الصورة وذلك قوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ فقوله: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ جملة من شرط وجزاء وقعت موقع الصفة لـ ﴿عَذَابَ﴾، ومعنى وصف العذاب بمضمون جملة الشرط والجزاء، أي من وفقه الله لتجنب أسباب ذلك العذاب فهو قد قدر الله له الرحمة، ويسر له أسبابها، وبالتأمل يتضح أن المقصود من هذا الكلام إثبات مقابل قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ كأنه قال أرجو إن أطعت أن يرحمني ربي، لأن من صرف عنه العذاب فقد ثبتت له الرحمة، فجاء في إفادة هذا المعنى بطريقة المذهب الكلامي، وهو ذكر الدليل ليعلم المدلول، وهذا ضرب من الكناية، وأسلوب بديع بحيث يدخل المحكوم له في الحكم بعنوان كونه مفردًا من أفراد العموم الذين ثبت لهم الحكم. (٢)

стр. 127

ولما كان رجاؤه الرحمة بطاعته دل على عصمته؛ لأنه ﷺ أول المرحومين، وأعظمهم تحصيلاً لرحمة الله سواء بعنايته في الدنيا؛ بالوحي له، واختصاصه به، أم في كونه أول المسلمين، كما أمرته الآية السابقة أن يقول بذلك، وهي قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، أو بكونه هو الرحمة نفسها كما مر معنا في قضية يوسف ﵇. وقوله: ﴿وَذَلِكَ (١) الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾ تعقيبًا على صرف العذاب، دليل أن من صرف عن العذاب، أو صرف عنه العذاب على حسب عود الضمير فقد دخل في النعيم في ذلك اليوم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ومعلوم أن النبي ﷺ في الدرجة العليا من النعيم في الفردوس الأعلى، ليس ممن يصرف عنه العذاب، بل هو صاحب الوسيلة (٢) التي ليست لأحد من الخلق إلا هو ﵊ فكان ذلك برهان كونه المنزه الأول عما يشوب هذه المنزلة من المعصية، أو يخدش تلك الدرجة من الرحمة بالمخالفة، ويؤيد ذلك أن في الآية تعريضًا بأنهم عصاة، مستحقون لعذاب يوم عظيم أولئك المخالفون للنبي ﷺ ، فكيف يقع منه هو أدنى مخالفة أو معصية. ما زالت الآيات الثلاث تبوح بشيء من معانيها، تجود بها: من ذلك شمولها للتوحيد والعبادة، والخوف من المعصية، مع التأكيد على دلائل الوحدانية التي لا يمكن معها إلا التسليم للرب عقلاً وسمعًا، وتكون المخالفة ساعتها أقبح القبائح، خاصة إذا اقترنت هذه الآيات بأمر النبي ﷺ أن يقول ذلك، مبلغًا إياه عن ربه.

стр. 128

في الآيات نرى ذلك بأوضح صورة، حيث يقول جل وعلا: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] ثم يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ فجاءت هذه الآية الثانية، لتبين بدلالة السمع - وهو الوحي - بعد الأولى التي تحوم حول الدلالة بدلالة العقل، الأمر باتباع دين الإسلام، بل وأن يعلن النبي بناء على أمر ربه أنه أول من أسلم، وهي الكناية التي خاطب العرب بها، إذ هم يعلمون أنه أول من التزم دينه الذي يدعو إليه، ومن ثم كان المعنى المكنى عنه هنا هو كونه الأقوى والأمكن في الإسلام، لأن الأول في كل شيء هو الأحرص على الشيء، والأعلق به، فالأولية تستلزم الحرص والقوة في العمل، كما حكي الله عن موسى ﵇ قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣] فإن كونه أولهم معلوماً، وإنما أراد: إني الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيمانًا، وفي الحديث: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة» (١). وعليه فالرسول ﷺ هو الأول إسلامًا وإيمانًا وإحسانًا، في الدنيا والآخرة، وبأمر الله أن يقول ذلك، وفي نفس الآن فإن في الآية تأييسًا للمشركين من اتباع دينهم، أو الرجوع إلى دين آبائهم، والذي من معناه التمسك بتوحيد ربه، والالتزام بعبادته، وترك عصيانه، وهو ما يبين في الآيات الأولى المعنى الذي تدور عليه الآيات كافة من كونه في توحيده لربه، والتزامه بعبادته، والاتصاف بأعلى الصفات هو الأول في ذلك. ونربط ما سبق من سورة الأنعام بما نزل في سورة الزمر، نظرًا لأن الزمر متأخرة النزول عن الأنعام، وهي من قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ

стр. 129

أَكُونَأَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾ [الزمر: ١١ - ١٣]. (١) ونلاحظ في ربط الآيتين قبل الخوض في شيء من التفسير ما يلي: أولاً: أن سورة الأنعام ذكرت قوله: ﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾، أما في سورة الزمر فجاء قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ وتعني في الأنعام عندما عبرت بالفعل أن ذلك يفيد التكرار والدوام منه ﷺ ، أي كلما تكرر أمر من الله له، أو نهي فإنه يكون المبادر للاستسلام وللامتثال ومن ناحية أخرى يكون هو الأقوى والأكمل في الامتثال والخضوع، أما آية الزمر، وهي المعبرة بالجملة الاسمية ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ فدلت على كون الاستسلام والقوة فيه والحرص عليه سجية للنبي ﷺ ، وهيئة راسخة لا ينفك عنها ولا يتحول، وأنه ﵊ يتقبل تلك الأوامر والنواهي ويسارع إليها بسماحة ويسر، بغير مشقة على النفس ولا عنت، وبغير ملل أو ضجر أو استثقال، مهما كلفته تلك الأوامر والنواهي، وقد رأينا تلك القدوة في أصحابه رضوان الله عليهم عندما تركوا أهلهم وأوطانهم وديارهم وأموالهم في سبيل الله تعالى، وما كانوا ليفعلوا ذلك إلا ولهم أسوة فيه ﷺ وهذه تدل على عصمته، لأنه كلما أُمر بأمر امتثل، وكلما نهي انتهى (٢). ثانيًا: أن الآيات هنا زادت الإخلاص لله تعالى في عبادته، حيث يتناسب ذلك مع السياق، إذ في الأنعام قوله: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤)﴾، وهو علاوة على أن أمره بأن يكون أول من أسلم فهو تأييس للمشركين من طلبهم العودة إلى دينهم، أما هنا فهو الأمر بالعبادة ولا تكون مقبولة إلا بالإخلاص لله تعالى فيها،

стр. 130

فجاء الأمر على هذا النحو فزاد السياق هنا بزيادة هذه الألفاظ معان أخرى تشير إلى ما ذكرنا منها كونه ﷺ مأمورًا بأن يكون أول من أسلم في كل أموره في توحيده في عبادته في إخلاصه، في أعماله الباطنة، وفي أعماله الظاهرة، وهذا ما بينته سورة الأنعام شاملاً قبل ذلك في أواخر آياتها بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]، وهذا واضح تمام الوضوح في البرهنة على عصمته ﷺ ، إذا من كان أول من أسلم، وكانت صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله، حتى مماته فمتى يكون للشيطان وأنى يكون له عليه أدنى سبيل أو سلطان، فمتى يعصى ربه؟! ذكر الفخر الرازي، وهو بصدد تفسير هذه الآيات معنى شبيهًا فقال: «في قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ التنبيه على كونه رسولاً من عند الله واجب الطاعة، لأن أول المسلمين في شرائع الله لا يمكن أن يكون إلا رسول الله، لأن أول من يعرف تلك الشرائع والتكاليف هو الرسول المبلغ.» (١) ثالثًا: ذهب جمع من المفسرين بأن الأمر بعبادة الله تعالى مخلصًا فيها؛ إنما هو علة ليكون أول المسلمين، فمتعلق ﴿أُمِرْتُ﴾ محذوف لدلالة قوله: ﴿أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾، والنبي ﷺ كان قد بالغ أشد المبالغة في العبادة من قبل نزول هذه الآيات عليه - كما في سورة طه - وهي متقدمة على كل هذه السور التي فيها الأمر بأن يكون أول المسلمين (٢) حتى واساه ربه بقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ٢] كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وقد علمنا من سورة المزمل والمدثر اجتهاد النبي عبادة ودعوة من أول يوم بعثه

стр. 131

الله تعالى فيه. وهذا يبين الأسوة الحسنة للمؤمنين المتقين من وجهين: الأول: إذا كان النبي في هذا المقام العالي، وأمر بذلك فمن باب الأولى أن يكون المؤمنون سالكين سبيل الاجتهاد كذلك. الثاني: وهو خوفه ﷺ من المعصية الواحدة لهول العذاب - كما تدل عليه الآيات - فكيف الحال بباقي الخلق المؤمنين فمن دونهم من المشركين. ولذلك رأينا تكرير قوله ﴿وَأُمِرْتُ﴾ تنويهًا بشأن المأمور به الثاني، وإظهارًا لأهميته، حيث عطف على ﴿أُمِرْتُ﴾ الأول، وليس ذلك تكريرًا محضًا لسببين: الأول: أن أمرت الأول لبيان المأمور، وذكر الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله بضميمة قيد التعليل. الثاني: أن قوله في الأول: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ﴾ أن العبادة لها ركنان عمل القلب، وعمل الجوارح، وعمل القلب أشرف فقدم على عمل الجوارح، وهو قوله ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾، وأما قوله ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ فمن معاني الإسلام الأعمال الظاهرة كالصلاة وبقية الأركان كما في حديث جبريل ﵇ فكان أمرت الأول بعمل القلب، والثاني بعمل الجوارح قلا تكرار إذن. وكل ذلك يدلنا على اكتمال ما به يكون النبي ﷺ في نهاية العصمة، حيث أشارت الآيات إلى أمرين عظيمين: الأول: يشاركه فيه غيره، وهو أن يعبد الله مخلصًا له الدين.

стр. 132

الثاني: يختص به، وهو أن يعبده كذلك ليكون أولَ المسلمين. فأمره يبلغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصًا له الدين، والتي لم يبق معها فكر في معصية أو مخالفة فضلاً عن الهم والوقوع، فجعل وجوده متمحضًا للإخلاص على أي حال كان كما في الآية التي أشرنا إليها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] (١) وتبقى معنا الآية الثالثة وهي: آية سورة يونس، لننظر فيها إذ هي تغطي زاوية أخرى في سياق العصمة، لتكتمل بذلك جوانب الموضوع من حفظ النبي ﷺ وهو الجانب المتعلق بالقرآن الكريم، وتبليغه كما هو، وأنه ليس له أن يقدم فيه أو يؤخر، فضلاً عن أن يزيد أو ينقص، أو يبدل، أو يغير، وما كان له ذلك، وهذا الموضع هو قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [يونس: ١٥]. ونلاحظ في الآية ما يلي: أولاً: أن سورة يونس في ترتيب النزول قبل سورتي الأنعام والزمر (٢) وذلك موافق للسياق العام لدعوة النبي ﷺ فبعد تقرير أن القرآن الكريم من عند الله، تأتي الأوامر بالتوحيد، والعبادة وغيرها، وساعتها يؤمر النبي بقوله: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ﴾، ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾، وغير ذلك من الآيات التي تنبني في محاجتها للمشركين، بل

стр. 133

وللعالمين على صحة رسالته، وصدق نبوته، إذ أثبت قبل ذلك بالتحدي الذي لم يرد لم يبق إلا العمل والتمسك به، والدعوة إليه. ثانيًا: إن المشركين طلبوا تغيير هذا القرآن، أو تبديله، وكان من اليسير عليه لو كان ذلك بيديه ﷺ أن يفعل ذلك بدلاً من هذا العناء والشقاء، ولكنه رد عليهم ردًا واضحًا لا لبس فيه، وواجههم مواجهة لا مواربة فيها، حاسمة قاطعة لا رجوع عنها، بل لا انثناء لها بأمور هي أركان دعوته وأساسها، وأنه لا يمكن له تحت أي سبب أو ضغط أن يحيد عنها، ولا قيد أنملة، هذه الأمور هي: الأول: قوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ ليستنبطوا ما يريد أن يؤكده لهم وهو، أن هذا القرآن ليس من عنده، إذ اقتراحهم أن يغيره أو يبدله له معنى صريح هو، الإتيان بقرآن آخر، ومعنى كنائي التزامي وهو، أنه غير منزل من عند الله ، فكان تلقين الله إياه يحمل الردين معًا، ويثبت في ذات الوقت، وكل وقت أن ذلك لم يحدث، ويتلى إلى أن تقوم الساعة أنه ليس من تلقاء محمد ﷺ ، ويبين هذا الكلام معنى دقيقًا أنه لم يكن له ﷺ أن يبدل ولا حرف واحد من هذا القرآن، أو يغيره، أو يحذفه، أحب أو كره، تحت أي ظرف من الظروف، أو حدث من الأحداث، مما يبين على صحة القرآن جملة وتفصيلاً، وأنه منزل من عند الله كما بلغه النبي ﷺ . الثاني: من أمور رد الرسول ﷺ في الآية قوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ فهو مبلغ عن الله تعالى ما يوحِي إليه به، شاءوا أم أبوا، آمنوا أو كفروا، لن يغير ذلك من موقفه شيئًا، وهو منتظر في ذلك حكم الله بينه وبين العالمين، وهو ما يدل على عصمته في تبليغ كلام الله، أوامره ونواهيه، توحيده وعبادته، سلمه وحربه، حياته ومماته، لا يستطيع، وما كان له أن يقول حرفًا واحدًا من عنده لأنه يدخل في التبديل، وذلك أبلغ ما يكون في إظهار عصمته،

стр. 134

وهي علامة باقية إلى يوم القيامة، وبعد مماته ﷺ ، ما استطاعت الدنيا - كما أخبر أن تغير مما قال شيئًا - ومن ادعى القول فضح به وظهر كذبه. والكلام يشير إلى عصمته بإشارة أخرى، وهو في جملة: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَى﴾ حيث هي تعليل لجملة ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ﴾ أي ما أتبع إلا الوحي، وليس لي تصرف بتغيير (١)، واتباع الوحي: تبليغ الحاصل به وعدم تجاوزه في الاقتفاء، أي عملاً وتبليغًا، إذ الاتباع مجاز في عدم التصرف، بجامع مشابهة ذلك للاتباع الذي هو عدم تجاوز الاقتفاء في المشي. وإن دل ذلك دل بوضوح على أنه في التزامه أوامر الله وتبليغها لا يتزحزح فيها قيد شعرة عما يوحى إليه، وما كان، وبالتالي لن يكون، وهي العصمة الكاملة للنبي ﷺ باتباعه التام والكامل والدائم للوحي المنزل عليه والذي لا حول له فيه ولا تصرف، ومن ثم قال في الآية التالية: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦] (٢). الثالث: وهو في قوله جل وعلا: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ وهي واقعة في موضع التعليل لقوله: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ وهي قاطعة لأطماع المشركين، ولكل أحد يروم محادة الإسلام، سواء بتغيير هذا القرآن أم تبديله أم العودة إلى دين المشركين كما طلبوا منه ﷺ ، أم بمهادنتهم بترك الاستهانة بآلهتهم، أم بعصيان الله تعالى أي

стр. 135

معصية كانت لأن ذلك مؤداه إلى عذاب لا قبل لأحد به، فهو مانع أي العذاب لمن كان في مقام الرسول القدوة أن يخالف أي مخالفة أو أدنى مخالفة كانت لذلك الوحي، مما يؤكد بما لا شية فيه عدم وقوع ذلك منه، وهو الصادق الأمين ﷺ كما سماه المشركون أنفسهم، وتلك هي العصمة الكاملة.

стр. 136

الباب الثاني الرسول ﷺ في مكة

стр. 137

الفصل الأول من المولد إلى البعثة

стр. 138

تمهيد وهذا أوان البحث في سيرته العطرة ﷺ ، وقد اعتمدت على النقد التاريخي الذي سبق إليه المسلمون في تمحيص صحة الأخبار ونقدها، مع مقارنة تلك الأخبار بالوارد في القرآن الكريم، مع الدراسة النصية والتحليلية لهذين المصدرين، لاستنباط ما تشير إليه النصوص في كلٍّ، مع الاتكاء على التفسير الموضوعي لآيات القرآن الكريم فيما يعد جديدًا - في ظني - لبحث السيرة، مع إضافة جديد آخر كرر بعد ذلك وهو دراسة ما حدث للأنبياء من قبل، وما وقع لهم ليكون دليلاً صادقًا فيما يمكن أن يقع للرسول ﷺ وأصحابه. ركزت على نقد "مونتجمري وات" (١) - في النقد التاريخي، وبينت خطأه وخطله لتكون إضافة تتسم بالجدة، ليكتمل بذلك هذا التصور لرسالة حديثة في بحث السيرة، حاولت أن تلم بعناصر البحث كافة - ما وسعها الجهد - وتوفرت لها الطاقة. وقد اختار الباحث هذا (العنوان) لهذا المبحث، لكون كثير من الكاتبين في السيرة من مسلمين ومستشرقين، جعلوه عنوان هذا الجزء من حياته، وما شمل من سيرته ﷺ وليكون متناسبًا أو موافقًا لهم، خاصة مع المستشرقين منهم، في الرد عليهم وتبيين الحق فيما انتهوا إليه، مما يخالف ما انتهيت إليه، معتمدًا على التحليل التاريخي الذي زعموا، ليظهر بذلك عدم الإنصاف وضعف الأمانة العلمية فيما وصلوا إليه، أو بتحري الدقة - كما سيتضح - فيما أرادوا أن يصلوا إليه.

стр. 139

وإن هذا الفصل كسابقه يأخذ التنزل التاريخي للقرآن الكريم في الاعتبار وذلك أدعى لمواءمة هذا التدرج في السيرة من المولد إلى البعثة ... وليوضح تلك العلامات البارزة وغير البارزة في سيرته ﷺ كما يقولون. من الجدير أن أقول - بحق هنا -: إنني لم أمتثل لعقدة الخواجة التي روج لها في بلاد الإسلام ذيول المستشرقين والمستغربين في دراسة السيرة وغيرها من علوم الإسلام، ولكنني ملت إلى الحق والإنصاف - واضعًا نصب عيني البحث ما وصل إليه المسلمون من صحيح الأخبار، آخذًا بها، ضاربًا عرض الحائط بما يخالفها مما لا وجه له من كلام المستشرقين خاصة إذا كان يظهر العلم والأمانة، ويبطن التعصب الذميم، والتحامل الفج، مع سوء التوجيه للأخبار والمواقف، والتطاول وعدم الأدب مع القرآن الكريم والرسول المعظم ﷺ ، مع نقد هذا الكلام وهذه الآراء في نفس الوقت نقدًا نزيهًا، يرمي إلى تبيين الصواب ودحض الخطأ والباطل. ثمة عنصر جديد آخر قد أضيف إلى البحث، وهو الاستدلال بما وقع للأنبياء وأتباعهم على كون مثله يمكن أن يحدث للنبي ﷺ وأصحابه، إذ إن الله قد أمره بأن يصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، كما سنبين ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى، علاوة على أن قصصهم كان عبرة لأولي الألباب، وبالتالي فمن باب الأولى أن تكون سيرته العطرة كذلك، ومن ثم كان إثبات أن مثل هذه الأحداث قد وقعت للنبي ﷺ وأصحابه مما لا جدال فيه، ودليله كما يبدو إجمالاً الآن، وتفصيلاً بعد ذلك في غاية القوة. وفيه كذلك رد من القرآن الكريم نفسه على نفاة تلك الوقائع أو الاعتراض تاريخيًا أو غيره على صحة هذه الأحداث. ونبدأ بعرض السيرة النبوية، مع ما ذكرنا:

стр. 140

المبحث الأول نسبه ﷺ أما نسبه الذي يسوقه علماء النسب ﷺ فهو: "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معدّ بن عدنان". وأما أمه فهي: "آمنة بنت وهب" من بني زهرة، ويلتقي نسبها مع نسب أبيه في كلاب بن مرة. وقد أجمع النسابون على نسبه ﷺ إلى عدنان - وإن لم ينقل على طريقة نقد المحدثين المسلمين للروايات التاريخية وغيرها حديث صحيح بكامل نسبه (١) ولكن صحت أحاديث ببعضها. على أن اهتمام العرب في تلك الفترة الشديد بمعرفة أنسابها، يؤكد أن سلسلة نسبه إلى عدنان موثقة، لكونها معلومة بالضرورة في ذلك العصر، خاصة وأن علماء النسب والأخبار متفقون عليها، ولم يخرج أحد منهم أو من غيرهم يتكلم ولو في واحد من نسبه

стр. 141

بإثبات أو حذف، ومثل ذلك توثيق لا يحتاج معه لغيره. أما نسبه ﷺ من عدنان إلى آدم ﵇ فمختلف فيه، وليس فيه ما يعتمد عليه، وأما ما لا خلاف عليه أن عدنان من نسل إسماعيل بن إبراهيم ﵉. (١) ورسول الله ﷺ مصطفى نسبًا وزمنًا ونبوة، فالنبوة قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وأما اصطفاء النسب فقوله ﷺ في الحديث الصحيح:» إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم «(٢). ولم يستطع أبو سفيان بن حرب إلا أن يعترف مع عداوته له بأنه ﷺ من أعلى وأطهر أهل الأرض نسبًا وأشرفهم قبيلة، وذلك أمام هرقل لما سأله عن رسول الله ﷺ :» كيف نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب فقال هرقل: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها «(٣).

стр. 142

المبحث الثاني مولده ﷺ وقد ولد ﷺ عام الفيل حيث حاول أبرهة الحبشي أن يهدم الكعبة عندما بنى كنيسة باليمن ليحجها العرب بدلاً منها، وكان ذلك عام ٥٧٠ م أو ٥٧١ م (١)، وقد ولد ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، أو التاسع على رأي بعض الدراسات الحديثة (٢)، وهذا أمر مجمع عليه (٣) إذ حادثة الفيل مذكورة في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥]. لا تكاد الروايات التاريخية تخرج عن الوصف القرآني إلا في تحديد جزئيات يسيرة رواها بعض صغار السن من الصحابة عمن عاصر تلك الفترة كابن عباس وعبيد بن عمير من الصحابة وغيرهما، فقد رأت السيدة عائشة ﵂ قائد الفيل وسائسه أعميين يستطعمان الناس بمكة (٤).

стр. 143

ذهب بروكلمان إلى التشكيك في مولده ﷺ حيث ذكره أنه قبل عام الفيل بعشر سنوات محيلاً ذلك على الأب هنري لامانس، حيث وصف "وات" نفسه هذا الهنري بشدة التطرف في تناول السيرة، وكتاباته وغيره تثير الغثيان (١)، وما ذلك منه إلا لسلب دعوى النبوة عنه ﷺ حيث لا يكون سنه عند الرسالة أربعين عامًا، والرسل تبعث في سن الأربعين؛ مما يدل على عدم صحة النبوة، هكذا بغير بينة ولا برهان يغير هذا المؤلف التاريخ ويخترع روايات لا أصل لها، ليصل بها إلى ضلاله كل ذلك باسم العلم (٢) وقد صح بما لا شك فيه أن رسول الله ﷺ صدع بالدعوة عند سن الأربعين، ولم يخالف في ذلك أحد من العالمين حتى جاء لامانس فاخترع هذا الكذب على الله وعلى التاريخ وعلى الناس (٣). ولد رسول الله ﷺ يتيمًا، فقد مات والده وأمه حامل به، وهو المشهود الذي تقطع به الآية القرآنية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] وهو أبلغ اليتم وأعلى مراتبه (٤)، وبذا شاء الله تعالى أن ينشأ ﷺ كذلك ليتربى بعيدًا عن أبيه وأمه وجده، وأن يقضي معظم طفولته في بادية بني سعد مسترضعًا فيهم لإبعاد الريبة، وإيهام الناس أن نبوته إنما هي توجيه وإرشاد آبائه حيث مكانة جده العالية في مكة حينئذ. وإنما يتمه كذلك أسوة في كل زمان ومكان ليعرفوا أن اليتم ليس بلاء يمنع صاحبه من الوصول إلى أعلى المراتب دنيا وأخرى، ولنفرض أن عبد الله أباه ﷺ بقى حيًا! فماذا عسى كان

стр. 144

يفعل لابنه؟ هل كان يمكن أن يهب له النبوة لو كانت كسبًا فكيف وهي اصطفاء؟ نعم الأب عنصر من عناصر شتى تؤثر في الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه. (١) وكان من عجيب الشأن أن سمي محمدًا حيث وردت روايات ضعيفة عن أمه وجده أنهما اللذان سمياه محمدًا، ولكن عموم سنة العرب مغنيًا عن النقل، حيث قيام عبد المطلب بابن ابنه اليتيم، وسروره به، سلوى عن عبد الله بن عبد المطلب مما لا يحتاج إلى إثبات، خاصة وأن تسميته محمدًا أعظم وأشهر شيء في تاريخ الإنسانية إلى زوال الدنيا، وختنه وعمل له وليمة على عادة القوم، لم تصح بذلك روايات نعم مع أنه ثابت مشهور مما يحتاج معه إلى نظر وتأمل في إثبات التاريخ مع منهجنا الذي سرنا عليه في التدقيق وإخضاع السيرة للنقد الحديثى إن ذلك يحل مشاكل كثيرة في نقد الرواية، وإثبات التاريخ والسيرة وغيرها بذلك (٢). إرهاصات مولده ﷺ : وهي إرادة الله تعالى في الأمور العظام التي يقضيها شرعًا وقدرًا أن يُوَطِّئَ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل عليها، وسنضرب لها أمثلة تبينها وتوضحها إن شاء الله تعالى (٣). أولى هذه الأمور العظام في الدنيا والآخرة هي ولادته ﵊ وقد تناول كتَّاب السيرة من مسلمين ومستشرقين هذه الإرهاصات وغيرها كلٌ بحسب منهجه في

стр. 145

معالجة السيرة، لأن المصادر مثلاً هي التي تشكل الرؤية المعرفية للباحث، مع قيمة البحث، أو بالاعتقاد المسبق فيما يكتب حيث يصل بنتيجة بحثه إلى ما يصبو إليه مما كان يعتقد، أو بنظرته وآرائه المكونة ابتداء، مع يقينه بصحة الموضوع في الجملة، والأخير هذا فعل المسلمين من المدرسة العقلية، كـ"محمد الغزالي" في"فقه السيرة"، حيث تحمل من عوامل التهافت والسقوط أكثر مما تحمل من عوامل العقل والإقناع والثبات، وسنبين ذلك في هذا المبحث وغيره، أما الأولون فيمثلهم المستشرقون، إذ ناقشوا وكتبوا بمنهج آخر لا يمت إلى إثبات الوحي بصلة، ونفي علاقة السماء برسول الله ﷺ مما حوّل البحث إلى بحث مادي علماني وإن ادعوا التوحيد، وظهر بالتالي أن مقصود بحثهم هو الطعن في محمد والإسلام، وتجريده من صفات المرسلين ودعوة النبيين، ونسف النبوة عنه، والتشكيك في كل ما يدور حول ذلك، لابسين في ذلك سرابيل العلمية والإنصاف، وأمثلهم في هذا السوء هو "وات" الذي يسمي قول وبحث إخوانه من المستشرقين بالغثيان وشدة التطرف فجاء ليقول قولهم ويصل بنا إلى نتائجهم، ولكن بدون غثيان يذكر، أو شدة يلحظها غير المدقق والمحقق. وباقي الكاتبين المسلمين فمدرستان: الأولى: قبلت كل ما جاء في كتب المتقدمين من هذه الإرهاصات ودافعت عنها وبعضهم رد على المستشرقين في إثبات ذلك (١)، وقد جمعوا ما صح وما لم يصح من الروايات والآثار، حيث هالهم سوء صنيع هؤلاء، ومخالفتهم للعقل والواقع، وتشكيكهم فيما ارتضوا هم أنفسهم من مصادر السيرة الإسلامية حيث لا يملكون في بحثهم سواها، مع اختراعهم في آخر الزمان لأحداث لم تقع وبنوا عليها للأسف ما أرادوا التوصل إليه من نتائج.
следующие страницы →