بإثبات أو حذف، ومثل ذلك توثيق لا يحتاج معه لغيره.
أما نسبه ﷺ من عدنان إلى آدم ﵇ فمختلف فيه، وليس فيه ما يعتمد عليه، وأما ما لا خلاف عليه أن عدنان من نسل إسماعيل بن إبراهيم ﵉. (١)
ورسول الله ﷺ مصطفى نسبًا وزمنًا ونبوة، فالنبوة قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، وأما اصطفاء النسب فقوله ﷺ في الحديث الصحيح:» إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم «(٢).
ولم يستطع أبو سفيان بن حرب إلا أن يعترف مع عداوته له بأنه ﷺ من أعلى وأطهر أهل الأرض نسبًا وأشرفهم قبيلة، وذلك أمام هرقل لما سأله عن رسول الله ﷺ :» كيف نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: هو فينا ذو نسب فقال هرقل: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها «(٣).
стр. 142
المبحث الثاني
مولده ﷺ
وقد ولد ﷺ عام الفيل حيث حاول أبرهة الحبشي أن يهدم الكعبة عندما بنى كنيسة باليمن ليحجها العرب بدلاً منها، وكان ذلك عام ٥٧٠ م أو ٥٧١ م (١)، وقد ولد ﷺ يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول، أو التاسع على رأي بعض الدراسات الحديثة (٢)، وهذا أمر مجمع عليه (٣) إذ حادثة الفيل مذكورة في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].
لا تكاد الروايات التاريخية تخرج عن الوصف القرآني إلا في تحديد جزئيات يسيرة رواها بعض صغار السن من الصحابة عمن عاصر تلك الفترة كابن عباس وعبيد بن عمير من الصحابة وغيرهما، فقد رأت السيدة عائشة ﵂ قائد الفيل وسائسه أعميين يستطعمان الناس بمكة (٤).
стр. 143
ذهب بروكلمان إلى التشكيك في مولده ﷺ حيث ذكره أنه قبل عام الفيل بعشر سنوات محيلاً ذلك على الأب هنري لامانس، حيث وصف "وات" نفسه هذا الهنري بشدة التطرف في تناول السيرة، وكتاباته وغيره تثير الغثيان (١)، وما ذلك منه إلا لسلب دعوى النبوة عنه ﷺ حيث لا يكون سنه عند الرسالة أربعين عامًا، والرسل تبعث في سن الأربعين؛ مما يدل على عدم صحة النبوة، هكذا بغير بينة ولا برهان يغير هذا المؤلف التاريخ ويخترع روايات لا أصل لها، ليصل بها إلى ضلاله كل ذلك باسم العلم (٢) وقد صح بما لا شك فيه أن رسول الله ﷺ صدع بالدعوة عند سن الأربعين، ولم يخالف في ذلك أحد من العالمين حتى جاء لامانس فاخترع هذا الكذب على الله وعلى التاريخ وعلى الناس (٣).
ولد رسول الله ﷺ يتيمًا، فقد مات والده وأمه حامل به، وهو المشهود الذي تقطع به الآية القرآنية الكريمة: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآَوَى (٦)﴾ [الضحى: ٦] وهو أبلغ اليتم وأعلى مراتبه (٤)، وبذا شاء الله تعالى أن ينشأ ﷺ كذلك ليتربى بعيدًا عن أبيه وأمه وجده، وأن يقضي معظم طفولته في بادية بني سعد مسترضعًا فيهم لإبعاد الريبة، وإيهام الناس أن نبوته إنما هي توجيه وإرشاد آبائه حيث مكانة جده العالية في مكة حينئذ.
وإنما يتمه كذلك أسوة في كل زمان ومكان ليعرفوا أن اليتم ليس بلاء يمنع صاحبه من الوصول إلى أعلى المراتب دنيا وأخرى، ولنفرض أن عبد الله أباه ﷺ بقى حيًا! فماذا عسى كان
стр. 144
يفعل لابنه؟ هل كان يمكن أن يهب له النبوة لو كانت كسبًا فكيف وهي اصطفاء؟ نعم الأب عنصر من عناصر شتى تؤثر في الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه. (١)
وكان من عجيب الشأن أن سمي محمدًا حيث وردت روايات ضعيفة عن أمه وجده أنهما اللذان سمياه محمدًا، ولكن عموم سنة العرب مغنيًا عن النقل، حيث قيام عبد المطلب بابن ابنه اليتيم، وسروره به، سلوى عن عبد الله بن عبد المطلب مما لا يحتاج إلى إثبات، خاصة وأن تسميته محمدًا أعظم وأشهر شيء في تاريخ الإنسانية إلى زوال الدنيا، وختنه وعمل له وليمة على عادة القوم، لم تصح بذلك روايات نعم مع أنه ثابت مشهور مما يحتاج معه إلى نظر وتأمل في إثبات التاريخ مع منهجنا الذي سرنا عليه في التدقيق وإخضاع السيرة للنقد الحديثى إن ذلك يحل مشاكل كثيرة في نقد الرواية، وإثبات التاريخ والسيرة وغيرها بذلك (٢).
إرهاصات مولده ﷺ :
وهي إرادة الله تعالى في الأمور العظام التي يقضيها شرعًا وقدرًا أن يُوَطِّئَ لها بين يديها مقدمات وتوطئات تؤذن بها، وتدل عليها، وسنضرب لها أمثلة تبينها وتوضحها إن شاء الله تعالى (٣).
أولى هذه الأمور العظام في الدنيا والآخرة هي ولادته ﵊ وقد تناول كتَّاب السيرة من مسلمين ومستشرقين هذه الإرهاصات وغيرها كلٌ بحسب منهجه في
стр. 145
معالجة السيرة، لأن المصادر مثلاً هي التي تشكل الرؤية المعرفية للباحث، مع قيمة البحث، أو بالاعتقاد المسبق فيما يكتب حيث يصل بنتيجة بحثه إلى ما يصبو إليه مما كان يعتقد، أو بنظرته وآرائه المكونة ابتداء، مع يقينه بصحة الموضوع في الجملة، والأخير هذا فعل المسلمين من المدرسة العقلية، كـ"محمد الغزالي" في"فقه السيرة"، حيث تحمل من عوامل التهافت والسقوط أكثر مما تحمل من عوامل العقل والإقناع والثبات، وسنبين ذلك في هذا المبحث وغيره، أما الأولون فيمثلهم المستشرقون، إذ ناقشوا وكتبوا بمنهج آخر لا يمت إلى إثبات الوحي بصلة، ونفي علاقة السماء برسول الله ﷺ مما حوّل البحث إلى بحث مادي علماني وإن ادعوا التوحيد، وظهر بالتالي أن مقصود بحثهم هو الطعن في محمد والإسلام، وتجريده من صفات المرسلين ودعوة النبيين، ونسف النبوة عنه، والتشكيك في كل ما يدور حول ذلك، لابسين في ذلك سرابيل العلمية والإنصاف، وأمثلهم في هذا السوء هو "وات" الذي يسمي قول وبحث إخوانه من المستشرقين بالغثيان وشدة التطرف فجاء ليقول قولهم ويصل بنا إلى نتائجهم، ولكن بدون غثيان يذكر، أو شدة يلحظها غير المدقق والمحقق.
وباقي الكاتبين المسلمين فمدرستان:
الأولى: قبلت كل ما جاء في كتب المتقدمين من هذه الإرهاصات ودافعت عنها وبعضهم رد على المستشرقين في إثبات ذلك (١)، وقد جمعوا ما صح وما لم يصح من الروايات والآثار، حيث هالهم سوء صنيع هؤلاء، ومخالفتهم للعقل والواقع، وتشكيكهم فيما ارتضوا هم أنفسهم من مصادر السيرة الإسلامية حيث لا يملكون في بحثهم سواها، مع اختراعهم في آخر الزمان لأحداث لم تقع وبنوا عليها للأسف ما أرادوا التوصل إليه من نتائج.
стр. 146
الثانية: وهي مدرسة جد حديثة تقوم على تمحيص الروايات، وقبول الصحيح، ورد الضعيف مهما كان مساعدًا في إثبات قضايا التاريخ والسيرة، إظهارًا للحق وإنصافًا للحقيقة، حتى وإن تهلل لها المستشرقون، لأن اعتقادهم في صحة منهجهم، وإثباته بالصحيح من القول ينتهي بهم إلى نزاهة النتيجة وقوة برهانها، وهي مغايرة تمامًا لنتيجة المستشرقين لأن هذه منبنية على التضليل مع الترصد وسبق الإصرار وغير ذلك، بل هي نتيجة معدة سلفًا بخلاف تلك.
قبل بداية البحث في هذه النقطة نذكر بما زدناه جديدًا في الرسالة من المقارنة مع القرآن الكريم لندلل على صحة ما نود الوصول إليه، وكان التأمل في هذه النقطة بالذات مثار عجب الباحث، إذ كانت وحدها كافية في إثبات إرهاصات المولد النبوي الشريف، بأكثر مما ادعى أصحاب المدرسة الأولى نفسها التي جمعت الغث والسمين، وبالتالي ردت على أصحاب المدرسة العقلية من المسلمين، ومتبوعيهم من المستشرقين (نسميها بالحق مدرسة الادعاء العقلي) وسيكون القرآن الكريم عمدتنا في السيرة مع ما صح من نقد الروايات بعد ذلك في هذه الرسالة بفضل الله تعالى، إذ هو الدليل والمدلول عليه.
ونبدأ بما روي عند ولادته ﷺ وما بعدها من إرهاصات، نذكرها بترتيبها الزمني بعد ذلك كما التزمنا، وكما هو يتناسب مع كُتَّاب السيرة.
لقد رويت قصص وأخبار حول صفة حمل أمه به، وأنها لم تر أخف ولا أيسر منه، وأنها رأت بشارة بجليل مقامه، وأُمرت بتسميته محمدًا، كما وردت أخبار ذكروها تفيد أنه "وقع حين ولادته معتمدًا على يديه، رافعًا رأسه إلى السماء"، وأنه ولد مختونًا، أو ختنه جبريل ﵇.
ورويت روايات حول هواتف الجان في ليلة مولده، وتبشيرها به، وارتجاس إيوان
стр. 147
كسرى وسقوط أربع عشر شرفة من شرفاته، وخمود نيران المجوس، وغيض بحيرة ساوة. وهذه هي الأخبار الضعيفة والموضوعة مع الخلاف في صحة بعضها.
أما ما احتف بمولده ﷺ من صحيح الأخبار وحسنها، فمنها قوله هو ﷺ : «أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، رأت أمي حين حملت بي كأن نورًا خرج منها أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام».
وإخبار يهود بليلة مولده وكذلك قصة الفيل توطئة وإرهاصًا لظهوره، حيث دفع الله تعالى نصارى الحبشة عن الكعبة دون حول من العرب المشركين تعظيمًا لبيته (١).
بقى النظر وتحليل هذه الأخبار ..
ذهب أصحاب المدرسة الإسلامية الأولى إلى ورود وصحة بعض هذه الروايات، خاصة بسبب وقوع الاجتهاد في التصحيح والتضعيف مع أصحاب المدرسة الإسلامية الثانية، مما جعلهم يحتجون بهذه الروايات على المستشرقين، خاصة وأن المستشرقين يعتمدون نفس المصادر، ومن ثم تجاهل "وات":
أولاً: هذه الأخبار كلها، وليس له من دوافع إلا أنه لا يمكن أن ينكر مصادره التي يتكأ عليها في أبحاثه.
ثانيًا: أنه أعتمد المنهج الانتقائي فما يشعر من بعيد أنه يؤيد دعواه - ولو كان غير صحيح - يذكره ويبني عليه قصصه الكوميدية والتراجيدية، كتفسير آيات سورة النجم، وما ينكر دعواه ويغلق قضيته إما أن يتعامى عنه أو يشكك في صحته، ومن هذا تلك الإرهاصات عند ولادته الشريفة ﷺ لأنه بإثباتها يثبت ما سعى حثيثًا في كل أبحاثه، بل
стр. 148
بطول حياته وعرضها أن يدحضه، وهي دعوى نبوة النبي ﷺ .
كان رد أصحاب المدرسة الأولى مع ذلك قويًا (١).
أما أصحاب مدرسة التدقيق في قبول الروايات فيكفيهم ذلك الصحيح، وإن كانوا يعتقدون بوقوع إرهاصات عمومًا تمهيدًا لمجيء النبي ﷺ ؛ لأن تلك سنة الله تعالى في إرسال رسله، ثم هم يؤمنون بمحمد نبيًا ورسولاً بما لا يحتاج معه إلى تأكيد.
ومعركتنا العقلية والعلمية إذاً والتي سنطيل القول فيها، هي مع العقلانيين
- زعموا - ومتبوعيهم من المستشرقين لتبين الأساس الحق لهذه القضايا عمومًا.
زعم الشيخ محمد الغزالي، وهو مؤمن بالرسالة والوحي الإلهي لرسول الله ﷺ أن محمدًا ولد بمكة ولادة معتادة، لم يقع فيها ما يستدعي العجب أو يستلفت النظر.
وقال أيضاً: (وقد روى البعض أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد، فسقطت أربع عشرة شرفة ... إلخ).
(وهذا تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد كان حقًا إيذانًا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه).
(ورسالته أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي).
(ومحمد غنى عن هذا كله، فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها). (٢)
стр. 149
وهذا الملخص هو اعتقاد الشيخ في هذه القضايا وأشباهها، مع زيادة تعبيرات طفيفة لدوافع ذلك هنا أو هناك، وكل ذلك لا يزيد عن كونه التأثر بعقدة الخواجة بل هو كلامه خاصة عند تفسيره الإنشائي بأسلوبه الخطابي لعلم النبي ﷺ بما أطلعه عليه سبحانه من الغيب، وبما أيده به من معجزات.
ونحن نرد عليه ردًا لمن تبع من المستشرقين دفاعًا عن السنة، وبالتالي عن الإسلام وإن كان لا يحتاج دفاعًا خاصة من أمثالنا، إذ هو لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وقد يرى بعض في ذلك إظهارًا للتلبيس في ثوب العقل، والتضليل في سربال العلم، وإن كان هو لا يقصد ذلك، وقد وجدنا مغبة ذلك وعاقبته في مسلمين بكل سهولة يدفعون الدين، ويردون السنة بدعوى مخالفتها للعقل، وإن فلانًا قد قال، ورد ذلك، وإن ذلك مخالف للعقل، ولا يمكن أن يأتي الإسلام بهذا أو أن يأمر بذاك ... إلى آخره مما صار الدين معه متعلقًا بعقول الناس وأصبح التشريع أصولاً وفروعًا موكولاً إليها، لا إلى الله ورسوله ﷺ مما سهل الغزو الفكري لأهل الكفر، وصارت التبعة والعمالة الفكرية لهم فيما ذهبوا إليه، حيث وفر ذلك عليهم الغزو العسكري، وإن كان فقد سبقه الاستسلام الفكري والخواء الروحي، حيث دمرت حصون المسلمين من الداخل.
نعود لنناقش الشيخ من كلامه هو أولاً، ثم نبين كيف عالج القرآن الكريم هذه القضايا.
يقول الكلام في الإرهاصات تعبير غلط عن فكرة صحيحة، فإن ميلاد محمد كان حقًا إيذانًا بزوال الظلم ...
وهذا كلام متهافت مغالط للواقع للأسف، فبحثنا هل حدثت إرهاصات عند مولده أو لا؟ ولم نقل هل كان مولده إيذانًا بزوال الظلم ... أم لا؟ لأن هذا رجم بالغيب ادعيته
стр. 150
وأنت المنكر لعلم الغيب للرسول فضلاً عن غيره.
ثانيًا: من الذي أدرى الموجودين أيامها أن هذا المولود الذي ولد ولادة عادية سيزول الظلم على يديه، ومن كان يستطيع أن يدعي ذلك إلا ضاربو الودع الذين يمقتهم الشيخ، أي بعد أن زال الظلم بدينه ودعوته وجهاده في سنين طويلة تجيء لتقول كان مولده كذا، تراك لو كنت موجودًا حال مولده كنت ستقول بأن هذا الآتي إلى العالم سيدك معالم الظلم، على أحسن الأحوال ستجد من يردك تكذيبًا لك.
ثم يواصل مسلسل الإنشاء بأن رسالته أخطر ثورة ... وهي ألفاظ غريبة على الحس الإسلامي نفسه بعد ذلك، وهو كلام في غير محله، يراد به كلامٌ في محله ولو قلنا بقولك لكان أصحاب الإرهاصات أقوم قيلاً، لأنهم لو قالوا هذا المولود الذي صاحبته هذه الإرهاصات سيكون له شأن، لكان لهم دليل على قولهم يوم لم يكن لقولك شبهة دليل.
وتستحكم عقدة الخواجة بقوله محمد غني عن هذا كله، فإن نصيبه الضخم من الواقع المشرف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.
إن النصيب الضخم له من الواقع المشرف هنا أشبه بكلام "وات" عندما أراد أن ينفي عنه ﷺ أنه أرسل لكسرى وقيصر للدخول في الإسلام فيقول: (إن مثل هذا الحكيم والسياسي الداهية لا يمكن أن يدعو قيصر الروم والإمبراطور الفارسي للدخول في الإسلام) (١). وهو يحاول بذلك هدم فكرة عالمية الدعوة.
هذه المقولة تُشعر أيضًا بعدم دخول النبوة واصطفائها في حسابه وإن البشر العاديين يمكن أن يكون لهم نصيب ضخم ... إذاً ما الفارق؟!
стр. 151
ثم نعود فنسأل متى عرفت هذا النصيب الضخم ومن الذي أدراك به، وبحثنا هل حدث ذلك عند ميلاده أم لا؟ إن الذين نقلوا لك هذا النصيب الضخم هم في مجملهم من نقلوا هذه الإرهاصات فلماذا التحكم؟ وما التحكم إلا بالهوى المغلف بالعقل المدعوم بعقدة الخواجة.
ونعود إلى القرآن الكريم لنبين أن الإرهاصات العظيمة مع مولد عظماء الدنيا والآخرة هي إرادة الله تعالى المتبعة، وأن ذلك واقع لا خلاف عليه، وما يمكن ليقع ذلك في خلقه سبحانه عبثًا لا حكمة فيه أو لا معنى له، وإن ذلك الواقع الذي ذكره القرآن الكريم مع بعضهم لا شك وقع مع سيدهم وسيد البشر سيدنا محمد رسول الله ﷺ ، ونذكر اثنين من رسل الله وقع في ميلادهم شيء من عظيم الإرهاص، عيسى وموسى عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، ندلل بهما على ذلك.
ونبدأ بعيسى ﵇ لقرب عهده من النبي ﷺ ، ولكثرة المنتسبين إليه اليوم ولنرد من خلاله على "وات" حيث يدعي هنا التوحيد، حتى إذا جاء لرسول الله ﷺ انقلب التوحيد إلى مادية وعلمانية، وهي إحدى أسس "وات" (١) وغيره في التعامل مع السيرة، ونحن نغفل من بحثنا من اتسموا بالوقاحة والتدني الخلقي.
أوائل الآيات التي نشير إليها هي في سورة مريم لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي
стр. 152
إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ [مريم: ١٦ - ٣٤].
ونحن فقط نقرأ النص نتلمس فيه مواضع الإرهاص، مع المقارنة عند الضرورة ببقية النصوص، إذ ليس المقصود تفسير هذه الآيات إلا ما يتعلق بالسيرة ولولا إقرار هذا الأساس الثابت في فهم سيرة النبي ﷺ ، لم يكن لهذه القصة بنا تعلق.
إن أول ما يصادفنا في الآيات الكريمات هو تمثل الملك - روح القدس - المعبر عنه بروحنا (١) بشرًا وفيها أن الله جل وعلا يمكن أن يرسل لامرأة فضلاً عن رجل يوحي إليه بملك، وأن يكون الملك هو جبريل ويأتي في صورة الإنسان السوي، يخاطب فيها الإنس جهارًا بما شاء من أمر الله، أو أن يوقع بهم مراد الله تعالى، وفي حق مريم يقول: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾، أفلا يُعد مجيء جبريل على هذا النحو إرهاصًا يبشر بعيسى وإيذانًا بحلوله هذا العالم، حيث يؤكده أنه جاء ليهبها الغلام الزكي ﵇، فهو توطئة لمجيء السيد المسيح وقد هالها ﵍ وكبر عليها أن تلد لغير زوج وهي من هي شرفًا وطهرًا وقنوتًا لله تعالى، وكان رد جبريل ﵇ الذي يجب أن يصفع به في وجه العلمانيين والماديين والعقلانيين، (كذلك قال ربك هو علي هين)، فمثل هذه الإرهاصات وغيرها يعد بعيدًا في نظرهم العقلي القاصر سهل على أمر الله، لا راد لقوله ولا معقب لحكمه، إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون.
стр. 153
وأن ما يقع فهو الدليل بين يدي الآية العظيمة التي ستملأ الدنيا بعد ذلك:
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾، بين يدي النبأ العظيم الذي له حكمته، والفعل المبين الذي يدل به الرب على رسالته ونبوته ﵇، وهو أمر قد قضى رحمة بالحكمة لا عبث فيه ولا لهو به.
ثم بعد ذلك يظهر من يرفع عقيدته ليقول لقد كانت ولادة محمد ولادة معتادة، ليس فيها وفيها، لا تفرق عن أي ولادة، وكأنه لو قال صاحبت ولادته مجيء جبريل، وحدث وحدث سيكفر بالله، ويمرغ بكرامة العقل التراب، ماذا تساوي تلك الإرهاصات في قوة الله وقدرته وعلمه وحكمته حتى يجادل فيها، وتنفي معانيها، إنها كانت لحكمة كما أراد الله الأولى معرفتها، بدلاً من التشكك في قوته التي لا تقهر، وعلمه الذي أحاط بكل شيء، وما هي إلا عقدة الخواجة والتبعية.
ونذكر هنا ما لا يصح بعد ذلك أن يغيب عن الذهن، بل يثبت في ذكر الباحث وغيره ويكون منه دائمًا على ذكر، ما وقع في سيرة النبي ﷺ من مثل ذلك، وأنه ليس خارجًا عن علم الله تعالى وقوته وحكمته وقدرته، وتمام رحمته، ومثاله الذي سيصادفنا توًا هو شق صدره الكريم ﷺ في ديار بني بكر عندما كان عند مرضعته حليمة السعدية وغير ذلك من المرات التي حدث له فيها ذلك.
ترى بعدما حدث مع مريم ﵍ يمكن أن ننكر شيئًا من ذلك؟! بل أكثر منه وأعظم، وإن حدوث ذلك من المعتاد في أفعال الله تعالى، وأن الصحيح مقابلته بالتسليم، وفهم غايته وسمو وجاهته ووجهته، لا أن يتبع فيه الباحث وغيره المبشرين الذين كل همهم نفي الوحي وإلغاء النبوة ووصم النبي ﷺ بما لا يعقل رفعًا لثقة المسلمين عن دينهم، ورمي الصادق الأمين بالكذب.
стр. 154
فكانت القاعدة أن ما ثبت صحيحًا عنه ﷺ وجب تلقيه بالقبول والإذعان، فكل ما حدث له إذاً ﷺ إلى أن لقي الله تعالى لا يخرج عن أمر الله وقدرته وحكمته ورحمته إلى آخر أسمائه الحسنى وصفاته العليا، مما يعد التشكيك فيه أو الرد له، إنما هو رد لما هو آت عن الله جل وعلا وتشكيك فيه.
نعم تحتاج أمور الشريعة إلى مهرة في الكتاب والسنة ومقاصد الشرع ليكون زمام العلم والفهم والتوجيه والإرشاد بأيديهم بعيدًا عن عبث العابثين والأدعياء الجاهلين ليظهروا نور الشريعة المشرق وبعدها عن أي اضطراب وتناقض.
نستكمل نظر بقية آيات قصة عيسى ﵇ إجلاء لبعض العبر التالية لما ذكرنا، بقول الحق تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي ...﴾.
إن مناداة هذا المولود لأمه لحظة ولادته بما يثبت قلبها، ويذهب حزنها، ويقويها على ما ستواجه من قومها في شرفها وسمعتها، أليس هذا إرهاصًا بأن لهذا المولود شأنًا، يواجه به الدنيا، مستندًا لخالقه، هذا المولود الذي ليس لها فيه أي اختيار إلا البكاء لمنع مجيئه، وإلا كونها المبتلاة بحمله ليس إلا، والتي تتمنى من كل قلبها حال المخاض أن تموت ولا تراه.
أي عقل يدعي عدم إرهاص ذلك الأمر، وأنه إيذان بحدث جليل يملأ الدنيا ويكون علامة من علاماتها البارزة والشاغلة إلى يوم القيامة، إن الآيات تصحبنا مع المولود ليواصل كلامه لأمه بأنه سيتصدى هو لما يعترضها من متوقع المحن، وسيتكفل بالتوضيح والشرح والرد، إظهارًا لمن هو، ليس دفاعًا عن أمه، كأنها لا تحتاج إلى دفع ومناقشة، وإنما تصوم هي عن الكلام لينطق هو، تعرض هي عن من يقابلها من القوم ويتصدر هو، ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ... ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ... ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ... ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا
стр. 155
كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾. ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ ... ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ ... ، ونلتقط كلامه من آخره، إذ لم يبرئ أمه من شيء، بل كان قوله وبرًا بوالدتي يحمل أعظم معاني التبرئة فإذا به لم يشر إلى براءة أمه مع التقديس لها، والرحمة بها، إن هذا المعجز في كل شيء بار بوالدته، وهذا دليل براءتها، إذا لو كانت متهمة لنطق بإتهامها كما نطق في غيره، لأن الملهم والحامل والقاضي له بذلك هو الله ليس من نفسه أن يتكلم بما شاء، بل بما أراد الله أن يجريه على لسانه، لأن الله ما يقول إلا الحق وما يسكت عن باطل فضلاً عن أن يقره، أو يقف بجواره، إن ما أجري على لسانه وبدنه وحاله وقلبه هو فعل الله ومراده إلى أن رفعه إليه، إنه ما كان يتكلم أو يفعل إلا ما يمليه عليه ربه، ما ينطق عن هوى، ودليله أنه ما كان ليتكلم حين تكلم في المهد إلا بكلام الله، فلما صار نبيًا هل كان يتكلم أو يمر أو يجري على قلبه ولسانه غير مراد الله؟ لا يمكن، وما كان.
تلك حال النبي ﷺ من باب الأولى إنه جاء ليبلغ كلمة الله تعالى، فما كان ليقول غيرها، وما كانت عناية الله إلا أن ترعاه، صبيًا وليدًا تدل عليه، وتشير إليه، وشابًا كهلاً، ورسولاً نبيًا إلى أن يلقى ربه، ليس له من نفسه، ولا من كلامه وفعله حظ أو نصيب؛ إذ كل ذلك توجيه الله سبحانه له، لذا يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام: ٥٠].
فمفتاح شخصية الرسول إذاً أنه يقول عن الله ويجاهد لتتحقق كلمة الله، ويأخذ أهبته، ويستعد بكل سبب من الأسباب المشروعة للتبليغ عن الله لا يبالي بشيء ولا يروعه شيء ولا يوقفه شيء، لأن مصدر كل ذلك هو الله جل وعلا، فلا يمكن أن يزيد على قوله أو ينقص أو يخفي، أو أن يعصي في شيء، نحن نؤمن به إذاً لأنه مصطفى من الله تعالى الاصطفاء الذي يرهص له، ويلازمه، ولأن كلمة الله هي المقولة على لسانه.
стр. 156
وذلك ما قاله عيسى ﵇ في المهد. إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيًا. ومن ثم صح أن إتباع النبي ﷺ إتباع لله، وبيعته بيعة لله، وطاعته طاعة لله، فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ [الفتح: ١٠]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]، إن مفتاح شخصيته هو النبوة التي ثبتت له بلا مرية ولا شك وكل شيء يقع منه يفسر بحساب النبوة، لا بتدابير البشر وحدها، وإلا ما الفارق بين من يوحى إليه وهو مرتبط بأمر السماء، وبين سائر البشر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف: ١١٠].
فإذا صح عندنا بالواقع والعقل وغيرهما أنه نبي تغيرت الحسابات، وتبدلت الموازين، وصرنا إلى حال جديد، وسرنا في طريق آخر له قيمه وأخلاقه واعتقاداته ومعاملاته وبدأنا في دفع ضريبة هذا التمسك بذلك الطريق.
إذا نظرنا إلى كلمات أخرى تفسر النبوة في قصة عيسى ﵇ رأيناه يقول: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ وهو يجلي هذه البركة التي سمعنا عنها في سيرة النبي ﷺ ويصدقها، إن قصة رضاعه في ديار بني بكر وما حدث بمجيئه من خصب بعد الجدب، وري بعد الظمأ، وشبع بعد الجوع، وطيب عيش بعد اللأواء والجهد حتى كان البدو يقولون لأولادهم ارعوا في المكان الذي ترعى فيه حليمة، من عظم ما رأوا من البركة، ليدلنا على كلمات الله التي نطق بها عيسى ﵇، وتحققت في موصولي الأرض بالسماء من أنبياء الله تعالى وخاتمهم محمد ﷺ .
إن حلول بركته ﷺ التي ينفي لها "وات" وأمثاله القصة من أولها أو يشكك فيها ليس إلا لنفي النبوة، ومع ذلك فقد صرحت بها كلمات الله التي فاه بها عيسى ﵇ عن الله جل وعلا في المهد بما لا يمكن تكذيبه أو دفعه أو تأويله.
стр. 157
ومن ثم إذا صادفنا شيء صحيح من ذلك في سيرته - وهو كثير - فدليل صدقه موجود في قصة عيسى ﵇، وأصل وجوده عمن بيده ملكوت كل شيء سبحانه، ولا يكبر عليه شيء.
وتواصل الآيات حديثها بهذا القول الجامع: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣]
إنَّ أهم اللحظات التي تمر على المرء هي لحظة ولادته، ولحظة موته، ولحظة بعثه فإن وفق ونجا ختمت له بخاتمة السعادة في الآخرة، وكان في دنياه على رعاية الله وحفظه وعنايته، فما أحرى الأنبياء أن يحوزوا في ذلك الدرجة الأعلى، ومن ثم كان قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخره تنويه بكرامته عند الله، أجراه الله على لسانه ليعلموا أنه محل العناية من ربه وجيء بالسلام معرفًا باللام على الجنس مبالغة في تعلق السلام به، حتى كان جنس السلام بأجمعه عليه.
وإن كان يجوز جعل اللام للعهد أي سلام إليه، وهو كناية عن تكريم الله عبده بالثناء عليه في الملأ الأعلى وبالأمر بكرامته، ومن هذا القبيل السلام على رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦].
ومؤذن كلامه بالتعريض بما سيقوله اليهود طعنًا فيه وشتمًا له في أحواله الثلاثة إذ قالوا: ولد من زنا، وقالوا: مات مصلوبًا، وقالوا: يحشر مع الملاحدة والكفرة لأنهم يزعمون أنه كفر بأحكام من التوراة. (١)
نكتفي من قصة عيسى ﵇ بهذا المقدار الذي يبين قضية النبوة والاصطفاء، وعناية الله تعالى ورعايته لمن يجتبيهم، وإظهار الإرهاصات بين يدي مجيئهم إلى الدنيا، وتجلى كلام
стр. 158
الله تعالى على لسانهم وأفعالهم، وإلى آخر ما ذكرنا لنعود إلى سيرة النبي ﷺ نوضح جوانبها على المنهج الذي أخذنا به أنفسنا في تلك الرسالة.
стр. 159
المبحث الثالث
رضاعته ﷺ
كانت عادة الحضر من العرب أن يسترضعوا أبناءهم في البدو؛ رغبة في تقوية أبدانهم وبعدًا بهم عن أمراض المدن، وتعويدًا لهم على الاعتماد على النفس منذ الصغر، وتقويماً وحفظًا لألسنتهم من مفسدات اللغة (١).
صح أن ثويبة - مولاة أبي لهب - أرضعته (٢)، وثبت أن عمه حمزة بن عبد المطلب أخوه من الرضاعة (٣).
خبر إرضاع حليمة السعدية له ﷺ :
اشتهر عند أهل المغازي والسير أن ممن أرضعنه حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، وكانت أخذته عند ولادته ﷺ إلى بادية قومها في ديار بني سعد فأقام معها نحو أربع سنين ثم ردته إلى أمه.
ولقد تفرد ابن إسحاق برواية خبر الإرضاع الطويل، وذكر فيه تلك الأحداث التي وقعت لحليمة، منذ أن أخذت النبي ﷺ لإرضاعه، وما حدث حينها من بركات النبي ﷺ
стр. 160
التي حلت عليها في تلك السنة الشهباء، وما عاشوا فيه من بركاته إلى أن ردته إلى أمه.
وبركاته الحالة عليهم بغض النظر عن صحة هذه الرواية بالذات ليست مما ينكره الواقع والعقل والشرع، فقد ذكرنا في قصة عيسى ﵇ الشرع الذي لم ينكره الواقع، ولم يدفعه العقل في قوله ﵊: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١] فتلك بركات السيد الجليل عيسى ﵇ فما بالك ببركات النبي الخاتم الذي بشر به عيسى نفسه عليهم صلوات الله وسلامه، وعليه يمكن أن نقول بظهور تلك البركات، فخلال حياته ﷺ في رعاية حليمة السعدية وقعت للنبي ﷺ إرهاصات دلت على تلك البركات، وعلى عناية الله به، وحفظه إياه، حيث درَّ ثديها باللبن بمجرد حلول الرسول ﷺ عليها، فارتوى هو وابنها الذي كانت تحمله بعد أن كان يبكي من الجوع لجفاف ثدي أمه، ولا ينام هو وأهله، وامتلأ ضرع راحلتها باللبن بعد أن كان يابسًا، فشبعت هي وزوجها، وسبقت راحلتها الركب بعد أن كانت عجفاء تسير في مؤخرة الركبان، وحيثما حلَّت أغنام حليمة تجد مرعى خصبًا، ولا تجد أغنام غيرها شيئًا، وكان ينمو نموًا سريعًا لا يشبه نمو الغلمان، وكل ذلك كما أشرنا شيءٌ يسير في قدرة الله، ووقوعه لأصفيائه من البشر.
نعود إلى حديث حليمة، فقد ذكر المحدثون المحققون أن الحديث ضعيف السند مع أنه خبر مستفيض في كتب السيرة، قديمها وحديثها. (١)
وأقدم من أورده من كتَّاب السيرة ابن إسحاق (ت١٥١ هـ) (٢)، وقال فيه الإمام الذهبي: "هذا حديث جيد الإسناد" (٣)، وقال الحافظ بن كثير: "وهذا الحديث قد روي من
стр. 161
طرف آخر، وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي" (١)، وقد ذكر الإمام ابن عبد البر شهرته كذلك (٢).
وهذا مما احتج به (محمد بن رزق بن طرهوني) (٣)، مع ما اختطه لنفسه بالاجتهاد في تصحيح وتضعيف روايات السيرة، وبه يتأيد قول من ذهب إلى صحة إرهاصات مولده ﷺ التي تُنبأ عما سيكون لهذا المولود العظيم من شأن يمت إلى أسباب السماء بأعظم صلة، ممن ردوا على المستشرقين ومن تبعهم من المسلمين، وبذا يكون لهؤلاء المؤيدين لهذه الإرهاصات سلف من الحفَّاظ والمحققين يدعم موقفهم، ويقوي استدلالهم، ومنهم من هو من المراجع والمصادر للسيرة كتابة ونقدًا.
ثم نورد هنا سؤالاً هو: ما المفسدة في إثبات هذه الوقائع التاريخية على المنهج العلمي المزعوم من المستشرقين؟ خاصة وهي ثابتة، مما يؤكد عدم التزامهم ما وضعوا من منهج بالذات فيما يتعلق بسيرة النبي ﷺ والإسلام، لا من قريب ولا من بعيد من ناحية، ومن ناحية أخرى لا يوجد ما يعتمد عليه هؤلاء المستشرقون سواها، إذ ليس لهم مصادر عاشرت الأحداث، وعايشتها، ولا لهم كُتَّاب كتبوا في السيرة في إبانها حتى يحمل قولهم محمل العلم والجد، بل كل ما هنالك أن ناسًا جاءوا بعد أربعة عشر قرنًا من الزمان، وبكل وقاحة قالوا هذا حدث وهذا لم يحدث، وهذا لا يمكن أن يحدث تاريخيًا (٤)، وإن صح، قالوا: وهذا إن صحت الرواية فله معنى آخر، لدوافع ونوازع اخترعوها ملفقة لا علاقة لها بالبحث العلمي، ولا تمت إلى الواقع بأدنى صلة، بل تخالفه وتصادمه، ثم قالوا هذا هو المنهج التاريخي.
стр. 162
وبناءً على منهجهم في فهم دوافع الكاتب ونوازعه، نقول: فما هي نوازع "وات" في ذلك؟ والمطالع لذلك يرى أظهر دافعين لذلك هما نزع صفة النبوة الإلهية عن النبي ﷺ ، والثاني أن ما في الإسلام من مبادئ لها قيمة فهي مقتبسة من اليهودية والنصرانية، وكل ذلك لدافع أكبر وأعظم، وهو كيفية هزيمة المسلمين فكريًا إذ لم يستطيعوا هزيمتهم عسكريًا، مع تحصين بني جلدتهم ضد الإسلام، وتشويه صورته من أوله إلى آخره في أعينهم اعتقادًا وسلوكًا، وأنه تلفيقات من اليهودية والنصرانية، مع محاربة المسلمين في عقيدتهم وعبادتهم بمحو الصورة الصحيحة للإسلام ونبيه في عقولهم وواقعهم، وما كانوا كذلك إلا لكونهم رأس حربة التبشير والاستعمار، حيث كانت كل دوائر الاستشراق تعمل بتدبير وترتيب الاستعمار والتبشير في دوائر مخابراتهم، وتراجمهم حافلة طافحة بتأكيد ذلك، وبالتالي كانت كلها تصب في تيار محاربة الإسلام وإخراج أهله منه؛ ليتم لهم احتلال أرضه ونهب ثرواته بدون مقاومة عسكرية، وما استتب لهم ذلك إلا بقيام أركانهم التي شيدوها بمن تسموا بأسماء إسلامية ليقوموا بهذا الدور خير قيام نيابة عن هؤلاء المستشرقين.
ونحن إذ نذكر ذلك هنا إنما ذلك لتأكيد المعنى الذي لا ينبغي أن يغيب أبدًا عن ذهن المسلمين في التعامل مع ما يأتي من كتابة في البحث، ومع جميع ما كتب ويكتب من كلام المستشرقين، وصنائعهم في ديار المسلمين، ومن قلدهم من حسني النية؛ يحسبون أن في اتباعهم التطور والتقدم، إن المتفحص المنصف للواقع يرى إننا ما تأخرت حضارتنا وانهارت قيمنا إلا باتباع هؤلاء المجرمين، والعاقل يقول متى أراد عدوك المتربص بك خيرًا؟! والواقع خير شاهد على هذا التدهور.
نعود إلى السؤال الذي طرحناه، وهو ما الضرر من إثبات هذه الإرهاصات على المنهج المزعوم، والإجابة إن إثباتها لا مفر من أن يثبت به نبوة الرسول ﷺ ، وتنهدم قضيتهم كلها
стр. 163
من أولها، وحينئذ إما أن يسلم "وات" وغيره ويدعو قومه إلى الإسلام (١)، وإما أن يلتزم الصمت، ولكنه التزم الطريق الثالث، طريق كفار مكة في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، وما كان ليختار هذا الطريق ظلمًا إلا من وراء دافع أقوى، وهو محاربة الإسلام، الذي ذكرناه آنفًا.
وقد يقال إن بحثه العلمي قد أداه إلى ذلك، والرد أن يقال كما أشرنا إلى بعضه إنه ليس بحثًا ولا شيئًا، إنه قد جهز وأعد نتيجة المسمى بحثًا أعدها سلفًا، ثم سعى بكل طريق ليثبتها، إن مراده من البحث أن يقدم للمسيحيين في الغرب المادة التاريخية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار عند تكوين الرأي اللاهوتي إذ إن موقفه ماض به بقوله: "فإن على المسيحيين أن يتخذوا من محمد ﵊ موقفًا لابد أن يكون قائمًا على أسس دينية لاهوتية" (٢).
هذا هو "وات" هل تراه قدم لبني وطنه ودينه ما جعلهم يعظمون محمدًا ويؤمنون به أو ينصفونه فقط؟! إذن فهل يعتبر أحد أن ذلك الضلال الذي شربه بنو دينه بحثًا؟ وهل أسلم أحد؟ أو نظر نظرة إنصاف بعد أن قرأ كلام "وات" عن رسول الله ﷺ ، أم ازداد غلوًا وثبتت أقدامه على الضلال، وعلى النظرة السيئة لرسول الله ﷺ التي لا تمت إلى الله بصلة.
стр. 164
المبحث الرابع
منهج «وات» وغيره في تعامله مع السيرة
تكملة للكلام مع بعض الإطالة والتوضيح، يحسن أن نذكر منهج "وات" وغيره في تعامله مع السيرة لأنها كانت جل اهتمامه؛ حتى تتكامل أركان هذا الجزء من البحث (١)، وحتى إذا جاء لها موضع من البحث نذكر بها، لا نكررها، ونسوقها على ترتيب آخر غير ما ذكره الكاتبون في ذلك مركزين على ما ذهب إليه "وات".
المنهج الأول: هو منهج التأثر والتأثير:
والذي ذهب بمقتضاه من يدعي العلمية والإنصاف إلى تفريغ سيرة الرسول والإسلام كله من الوحي الإلهي، وذلك بإحالته إلى عناصر خارجية كاليهودية والمسيحية بل والفارسية والبوذية، فقد أرجع "وات" الإسلام إلى أفكار (ورقة بن نوفل)، حيث بلا شك تحدث ﷺ مع ورقة المسيحي، إلى آخر هذا الهذيان الذي يغني فساده عن إفساده، حيث يدعي وقوف (ورقة وخديجة) خلف النبي ﷺ يشد أزره مما اعتراه من الخوف، ثم يزعم أن لقاءات متتابعة قد تمت بينه وبين النبي ﷺ تبين تأثره (بورقة) ونقله لما كان يدرسه من
стр. 165
الإنجيل والكتاب الأول لمحمد ... ﷺ (١)، وهذه النظرية تحتاج أن يكون قد نزل قرآن كما يزعم قبل سورة ﴿اقْرَأْ﴾ فهو بهذا الخلط، والتجني على التاريخ، وحشود سوء القصد، وسوء الفهم وسلسلة الجنايات على الواقع وتغييره، يجهز خشبة مسرح الضلال للوصول إلى النهاية التعيسة التي رسمها أولاً ضاربًا عرض الحائط بالعقل وعقول القارئين وبالمنهج العلمي، فإذا كان محمد يا سيد "الوات" قد تعلم وقعد (لورقة) فما الذي حمله على الخوف والرجوع بعد ذلك لورقة - متخوفًا أن يكون قد أصيب بأذى - إذا كان قد علَّمه ذلك من قبل وشجعه، وكلمة الناموس التي ذكرها ورقة وكانت محل فلسفة من "وات" لا علاقة لها بالمنهج التاريخي، كيف لم تُذكر في الوحي ولو لمرة واحدة في سياق التأثر المزعوم؟ ومتى استكمل (ورقة) الطريق مع محمد ﷺ يعلمه وقد مات مباشرة بعد ذلك، ولم يدرك يومه لينصره نصرًا مؤزرًا، ترى "ورقة" كان سينصر محمدًا ﷺ باليهودية والمسيحية، أم بالناموس الذي جاء "وات" ليعطيه معانى غريبة متأخرة من اللغة اليونانية، وهي لا خلاف بين الكفرة المستشرقين قبل المسلمين أن محمدًا ﷺ لم يعرفها من قبل ولا من بعد.
ثم إن ورقة قد مات مسلمًا (٢)، وذلك في المصادر التي لا يملك "وات" سواها فإذا به يخترع تاريخًا لا أصل له، ويبني عليه استنباطات الإفك، ثم يأتي سؤال من الأسئلة التي لا حصر لها تحاصر "وات"، وهو لماذا لم يدع (ورقة) ذلك لنفسه؟ وهو الشيخ الكبير الذي له قيمة في قومه، ومتميز بما يعتقده الحق، ويكون لدعوته أثر في مكة، إن المصادر التي تحت أيدينا، وقد ازدادت آلاف المرات عن مصادر "وات" لم تذكر واحدًا فقط دعاه (ورقة)
стр. 166
للنصرانية، وإن ما ذكره "وات" من تشابه بين بعض أحكام اليهودية والمسيحية، لم يقرها القرآن الكريم إلا بعد استقرار الشرع في المدينة المنورة فأنى لورقة وقد مات مبكرًا جدًا بعد البعثة أن يوحي بها لمحمد ﷺ أو يعلمه إياها، إنه ضلال وخطل ومغالطة، وقل ما شئت من وصف في هذا كلام، نختصر هذا الكلام لنستأنف ما بعده (١).
المنهج الثاني: المنهج العلماني أو التاريخي:
وهو ما اتبعه المستشرقون ومدعو التوحيد منهم كـ "وات" في عدم إمكان وقوع الظواهر الدينية التي لا تخضع لقوانين الأجسام المادية المعروفة، إذ يقول: " إن العديد من القصص ذات الطابع الديني يكاد يكون من المتيقن أنها ليست حقيقية من وجهة نظر المؤرخ العلماني الواقعية" (٢) من تلك القصص - كما يلفظ سوءًا - إرهاصات النبوة وشق الصدر، ورؤية جبريل، والوحي الإلهي، وكثير سنذكره في حينه مع الرد عليه إن شاء الله تعالى.
المنهج الثالث: المنهج المادي (الاقتصادى):
هو العامل الحاسم في الإيمان، أو لابد من اعتبار هذا العامل (٣)، حيث يعزو "وات" ظهور الإسلام بأن ذلك كان ردًا على مرض العصر الذي سببه التطور الذي انتقل بالعرب من حياة بدوية إلى اقتصاد حضري (٤)، وأن القبائل الممثلة في العقبة الأولى كانت مؤلفة من البروليتاريا (٥)، وأن الطمع في الغنيمة جاء بالكثيرين إلى المدينة.
стр. 167
كان هناك مرض إذن يشمل العرب، حيث تطوروا إلى اقتصاد حضري، يعني افتراض مرض، وهو مرض العصر أيامها، وأن البدو قد أصابهم التطور، والنظر الفاحص يضحك الثكلى من هذا الكلام، العرب أصابهم التطور إلى اقتصاد حضري قبل مجيء الإسلام فدخلوا في الإسلام، وأن التطور قد شمل هؤلاء البدو مع أنهم لا يزالون بدوًا إلى وقت "وات" هذا، إلا أن يكون قد أصابهم التدهور بعد دخولهم الإسلام فعادوا بدوًا كما كانوا، في أي المصادر ذكر هذا الوباء العصري قبل مجيء "وات" لقد اخترع على أسلوب وأمراض القرن العشرين هذه المسميات لواقع لم يره، بل قد ألفه تأليفًا، وإلا ما هذه البروليتاريا التي يسم بها أصحاب العقبة الأولى الذين آمنوا بمحمد ﷺ ، ونشروا الإسلام في المدينة، أين ما كان يطلب هؤلاء "البلاشفة" البروليتاريا (أقصد هداة الإسلام وحملة مشاعل الهداية)؟، إنهم على خلاف ما يذكر حملوا أنفسهم وأموالهم على أكفهم يبذلون كل شيء في سبيل هذا الدين، وهؤلاء الكثر الذين جاءوا المدينة طمعًا في الغنيمة، تركوا أولادهم وأزواجهم وأموالهم وأوطانهم، ومنهم من حمل ماله معه، خلفوا ذلك كله وراء ظهورهم في مجتمع العزوة فيه والبأس والمنعة لتلك العوامل، أين الطمع في ذهابهم إلى مجتمع لا يجدون فيه ما يأكلونه ليقيم أودهم، ولم يكونوا يعلمون على مذهبك العلماني أو غيره، أن هناك غزوة تسمى "بدرًا" سيحصلون فيها شيئًا من متاع الدنيا، حتى ولو علموا فقد كان مرادهم وتشوفهم إلى اليوم وغد وإلى يوم القيامة أن يحصلوا إحدى الحسنيين النصر لدين الله والتمكين له، أو الموت دونه، وقد علم القاصي والداني حبهم للشهادة والمسابقة إلى الموت مما أدهش معه المستشرقين بله العالمين.
وإذا كان لنا أن نضرب مثلاً فهذا (مصعب بن عمير) (١) أنهد شباب مكة هاجر إلى المدينة تاركًا ذلك الغنى، وتلك الرفاهية، ومات شهيدًا في أحد لم يجدوا ما يكفنونه به،
стр. 168
وكثير كانوا كذلك، فأين هجرتهم فضلاً عن إسلامهم للعوامل الاقتصادية، أهذا هو المنهج يا "وات" وقد علمت وذكرت، والكاذب ينسى ما يقول، أن القرآن الكريم كان في بداية ما نزل يحث على النفقة، وعدم كنز المال إلى آخر ما سطرت شمالك، فكيف يعلم قوم بذلك ثم هم يسلمون ويهاجرون لخلافه، والإسلام يطلب منهم المسارعة إلى الخير، وكثرة البذل، وبيع النفس والمال لله تعالى، لقد قالوا بعد فتح خيبر سنة ست للهجرة قبل نهاية الدعوة لم نشبع من التمر حتى فتحت خيبر (١).
وهذا المنهج في تفسير وقائع التاريخ - وهو هَمُّ المستشرقين - يفرغ الإسلام من جانبه الروحي، من الإيمان بالله، وتقديم ما عند الله من ثواب على تحصيل الدنيا الزائلة، والإيمان بالآخرة، والتصديق بالوحي، وبموعود الله لهم، إنها إذن من أخبث الأفكار ألا يكون وراء الدنيا دار للجزاء والحساب، وأنه ليس ثم إلا الدنيا واللهث وراء شهواتها، وإنكار كامل للوحي.
أما المنهج التالي الذي استخدمه المستشرقون فهو ..
المنهج الرابع: منهج البناء والهدم:
وهو أن يمدح المستشرق الإسلام ونبيه ﷺ في جانب من جوانبه إذا ما كان القارىء مسلماً أو يعرف الإسلام حتى يظن به الاقتناع والنزاهة والموضوعية في أحكامه، ولكنه سرعان ما يهدم ما بناه؛ حتى يعمي على القارئ ليستسلم لكتاباته، ويثق فيها وذلك واضح في كتابات "وات" الذي جعل كثيرًا يظنون به الإنصاف والموضوعية والعلمية، فمثلاً عندما أراد أن يهدم عالمية الدعوة، وأن يثلم ثلمة في الإسلام، مدح الرسول ﷺ ليكون طريقًا لذلك حيث
стр. 169
لم يجد ما يرد به ردًا علميًا على إرسال الرسل إلى الملوك والحكام يدعوهم رسول الله ﷺ بدعاية الإسلام فيقول: "لا يمكن قبول هذه القصة كما هي، لأن محمداً كان رجل دولة حكيماً، بعيد النظر، ولم يفقد عقله، بعد النجاح الذى حققه في صلح الحديبية، ودعوته هؤلاء الأمراء في هذا الوقت تُسىء إليه أكثر مما تفيده (١) "، فهو يصف الرسول ﷺ بهذه الأوصاف، حتى يقول القائل ها هو ذا "وات" ونظرته إلى الإسلام والرسول فلماذا تهاجمونه، ولكن سرعان ما تتضح لهم الحقيقة لكلام المدح هذا، في نفس الوقت يحمل التكذيب لهذه الوقائع من الرسول، والتي لا مرية فيها، ولا شك في فعل النبي لها، وهكذا بطول كتبه وعرضها، ما رأينا كلامًا فيه مدح إلا وهو مقدمة الذم تتبعها حشود التضليل والتكذيب.
ننتقل سريعًا لتكملة الحديث والبحث في بقية المنهج، فيصادفنا
المنهج الخامس: منهج النفي والتشكيك والافتراض واعتماد الضعيف الشاذ:
وقد أسرف المستشرقون في استخدام هذا المنهج بكل بجاحة، مع أنه علم وتاريخ، ولا علاقة لهم به، ولا يد لهم في صنعه، ولا قدرة لهم بأدوات بحثه وتمحيصه، لكن ما يجب أن يأخذوا به هو صحيح هذا التاريخ، ودراسته في بيئته، ووقته وزمانه، وأخلاقه وعاداته، فإذا بهم قد أتوا بتاريخ جديد قد افتروه من ضعيف شاذ وتعاملوا معه بعقلية مجافية ومخالفة لعقليته، في بيئة غير بيئته، في زمن بعد زمنه بقرون متطاولة، وما خالف ذلك نفوه ولو كان صحيحًا، فيأخذون من تاريخ الإسلام ما يوافقهم، ويردون تاريخًا لا يناسب قضيتهم وما يريدون أن يصلوا إليه، وإن حالت بينهم وقائع أخرى تشككوا فيها فكثر التشكك حتى صار مبدأ في تعاملهم مع الإسلام، فإن لم يجدوا ما يسعفهم افترضوا تاريخًا من عند
стр. 170
أنفسهم، وبنوا عليه آراءهم الفاسدة، ولمزوا وغمزوا وأنكروا ما هو صحيح واقع، انظر إلى "وات" في صفحة واحدة) (١) (" يصعب تصديق ذلك" و"إذا أمكن قبول هذه الرواية" و"مما يدعو إلى الشك" و"من الممكن أو يبدو" ومن العبارات أيضًا التي استخدمها "وات" "لو صدقنا الرواية) (٢) (" و"الرواية موضوعة) (٣) (" وبعد ذلك يصل إلى ما يريد من نتيجة حيث يقول "لا شيء يثبت أمام النقد والتخمين اللذين مررنا بهما (٤) " و"ولا يمكن الاطمئنان إلى التفاصيل) (٥) (" هذا "وات"، وهذا منهجه، إمام العلميين المستشرقين!!، فهذا في التشكيك فماذا بقي من شيء يبحث أو ينقد وأما اعتماد الضعيف فيكفينا اعتماده الآيات الإبليسية في قصة الغرانيق مع الشعور بعلمه أنه يعلم ذلك.
المنهج السادس: المنهج الاسقاطي:
وملخصه أن ينسب المرء في اللاشعور عيوبه ونقائصه وذنوبه أو مخاوفه إلى غيره، كالأشخاص والأشياء وسوء الطالع وغيرها، وهو صلة لا شعورية، لكنها عند المستشرقين على سبيل التعمد وسبق الإصرار والترصد، ولا يمكن عقلاً أو واقعًا أن تفصلهم عن شعورهم واعتقادهم وبيئتهم حال بحثهم، ولكن أن يتعمدوا ذلك فهو موضع المساءلة والاتهام الذي لم يخل منه أحد منهم، هذا ما يعتمده "وات" من مناهج في تعامله مع سيرة النبي ﷺ ، والإسلام ككل وسوف نبين إن شاء الله تعالى مواضع كثيرة تؤكد ذلك، وتبرهن عليه أكثر مما ذكرنا.
стр. 171
نعود إلى المقصود الأصلي وهو سيرة النبي ﷺ ..
ذكرنا ما قدمنا من مناهج المستشرقين ليكون توطئة للكلام على ما يأتي من تعاملهم مع السيرة، وإن كان استطرادًا إلا أنه لا بد منه طالما قرر في البحث الرد عليهم، خاصة وأن تلك المناهج لصيقة الصلة بما سيأتي مباشرة من سيرته ﷺ كحادث شق الصدر، ورحلته إلى الشام وغير ذلك.
стр. 172
المبحث الخامس
حادثه شق الصدر
ونبدأ بحادث شق الصدر تكملة للسياق الذي سرنا عليه فنبدأ بذكر ما وقع في بادية بني سعد حيث كان ﷺ مسترضعًا، وإن كنا قد ذكرنا في بحث الثناء عليه من قبل شرح قوله سبحانه ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ (لم أجد هذا الشرح) وخضنا فيه شيئًا ما يليق بجلال الحدث، مع جلالة النبي ﷺ ، ومن ثم نقتصر هنا على السنة الشريفة الواردة في هذا المقام في تلك السني الأولى من عمره الشريف مع ما يحيط بها مما يجب ويلزم البحث فيه، ويتوافق مع منهجنا الجديد الذي أسسنا عليه بحثنا في سيرة النبي ﷺ وأشرنا إليه من قبل. (١)
وقعت للرسول ﷺ وهو في بادية بني سعد حادثة شق الصدر (٢)، وسنذكرها بنصها هنا، وإن كان "وات" قد ذكر نص ابن إسحاق بأطول من ذلك لحاجة في نفسه سنشير إليها إن شاء الله تعالى أما نص ابن كثير فيقول ﷺ كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت يا أخي اذهب فائتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ فقال: نعم! فأقبلا يبتدراني، فأخذاني فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم
стр. 173
استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذرها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه فخاطه، وختم على قلبي بخاتم النبوة، فقال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفًا من أمته في كفة، فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر عليَّ بعضهم، فقال لو أن أمته وزنت به لمال بهم، ثم انطلقا فتركاني، وفرقت فرقًا شديدًا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت أن يكون قد لبس بي، فقالت أعذك بالله، فرحلت بعيرًا لها، وحملتني على الرحل، وركبت خلفي حتى بلغنا أمي، فقالت أديت أمانتي وذمتي، وحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها، وقالت: "إني رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت منه قصور الشام (١) ".
وروى مسلم قصة الشق باختصار عن أنس بن مالك ﵁ بما نصه: «أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عنه قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله بطست من ماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني مرضعته) فقالوا إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره» (٢).
وقد تكرر شق الصدر كما سنشير فيما بعد عند الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ إن شاء الله تعالى.
ونذكر قبل الخوض في بحث المسألة حكمة شق الصدر، فشق الصدر لا ريب إرهاص مبكر للنبوة؛ لأنه تطهير من حظ الشيطان، وتهيئة للعصمة وإعداد لها وللوحي من صغره؛
стр. 174
فيعتصم من الشر وعبادة غير الله تعالى، والاستعداد للتلقي عن السماء مصدر الطهارة، فلا يحل في قلبه إلا التوحيد، ومحبة الرب سبحانه، وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك، فلم يرتكب إثمًا ولم يسجد لصنم، رغم شيوع ذلك في قومه، ومن ثم لم نجد أمرًا واحدًا عَيَّره به الكفرة بأنه كان يعمله مثلهم من قبل أن يقول ما قال، وقد كانت هذه التهيئة كما نطقت الأحاديث بوسائل مادية؛ ليكون ذلك أقرب إلى إيمان الناس به، وتصديقهم برسالته، واتخذت هذا الشكل المادي الحسي كذلك؛ ليكون الإعلان الإلهي بذلك بين أبصار الناس وأسماعهم، وقد أشارت القصة إلى تعهد الله تعالى لنبيه ﷺ من مزالق الطبع الإنساني، ووساوس الشيطان، وهي الحصانة التي تبين القصة إضفاء الله لها على نبيه ﷺ . (١)
وذلك ليعلم المؤمنون على الأقل شيئًا عن قيمته وقدره ﷺ ، وكيف هيئه سبحانه لدعوته ولسياسة البشر دينًا ودنيا لا يريد منهم جزاءً ولا شكورًا إنما ينفذ أمر الله وينتظر في الآخرة ثوابه .
ونضيف إلى كلام السُنَّة الشريفة هذا ما ذكر علم شُرَّاح البخاري الإمام "ابن حجر" حيث يقول في تعليقه قولاً موجزًا يحمل ردًا علميًا عميقًا: "إن جميع ما ورد من شق الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيءٌ من ذلك" (٢)
ومعنى كلامه: أن قدرة الله تعالى صالحة لئن يحدث بها ذلك، والموحدون قبل غيرهم يعلمون أن كونًا هو خالقه، لا يستحيل عليه فيه شيء، ومن ثم فهذه الأمور لا تقع تحت
стр. 175
الاستحالة، فلا يتعرض أحد لصرفها عن حقيقتها بظاهر لفظها، وكأن أتباع المدرسة العقلية المدعاة من المسلمين لا يفقهون أو يعلمون ما وقعوا فيه من إنكار القدرة لله تعالى برد الروايات، أو تأويلها تأويلاً ممجوجًا، والخنوع لقدواتهم الجهلة من المستشرقين، فيما يخالف الشرع الإسلامي، بل ويحاربه، ويكذبون أو يردون كلام العلماء المسلمين الأثبات، فانظر إلى ما أداهم إليه هذا الفكر المنحرف إما بقصد، أو بغير قصد.
стр. 176
المبحث السادس
ألم نشرح لك صدرك .. التعليق على «وات»
وإذا كانت سورة الضحى من أوائل ما نزل في سياق ثناء الله تعالى على النبي ﷺ ، وفي سياق ما ذكرنا من معان يحملها هذا الثناء، فقد نزل الوحي بعد سورة الضحى بسورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ تالية لها مباشرة في التنزيل على النبي ﷺ حيث عدت الثانية عشر في (ترتيب السيوطي) (١) بذكر الفاتحة، وهي تحمل أيضًا - علاوة على ما سنذكره في السيرة - تحمل ثناء بالغًا من الله تعالى على رسوله يدل على صحة الرسالة وصدق النبوة مع المعاني المهمة التي تضبط الدعوة، وتشرح الصدر، وتثبت الأقدام في تلك المرحلة الصعبة في مكة المكرمة.
وثناء الله تعالى عليه هو ما يهمنا ذكره الآن؛ لأنه مقامه، ولربطه بسورة الضحى إذ إن مضمون ألم نشرح شبيه بأنه حجة على مضمون سورة الضحى، تثبيتًا للنبي ﷺ بتذكيره سالف عنايته سبحانه به، وإنارة سبيل الحق، وترفيع الدرجة؛ ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته، ما كان ليقطع عنه فضله، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض علمه النبي ﷺ علمًا لا شية فيه ولا ريب، أظهر كذلك بهذا التقرير عناية الله تعالى بالرسول ﷺ ، ولطفه به، وإزالة الغم والحرج عنه، وتيسير ما عسر عليه، وتشريف قدره لينفس عنه، وكل ذلك يحمل بين طياته حجة لا تدفع أو تدفع، وبرهانًا لا يخبو على أن القرآن من الله جل وعلا، وأنه رسوله الصادق الأمين.
стр. 177
ونشرع في المقصود من السورة مما يتعلق بثناء الله تعالى على النبي ﷺ ، تحليلاً وتفسيرًا.
إن أول ما يصادفنا لنلقي عليه ضوء التحليل هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
- فالاستفهام تقريري على النفي، والمقصود التقرير على إثبات المنفي وهو شرح الصدر، ثم إن ثبوت شرح الصدر بالاستفهام للإيذان بأن ثبوته من الظهور، بحيث لا يقدر أحد على أن يجيب عنه بغير بلى، فخطاب الله تعالى لنبيه ﷺ فيه تذكير إذن للنبي ﷺ بأمر يعرفه حق المعرفة، يحمل منة عظمى من الله جل وعلا له ﷺ ، وسنعود إلى هذا الأمر بعد قليل إن شاء الله تعالى.
- ولكن لماذا يقرره ربه سبحانه بأنه قد شرح صدره؟ المتبادر من الفهم أن يقال لِمَ يضيق صدره؟ ألم نشرحه؟ وكأنه قد وقع له ﷺ من أسباب ضيق الصدر ما جعل المولى سبحانه يذكره ﷺ بهذه المنة، وتلك الفضيلة التي وسمه بها من قبل، لتحمله على سعة الصدر، والتحمل وكظم الغيظ، ولا بد أن ذلك الضيق حصل له من شدة أذى قوم يريد صلاحهم، وإنقاذهم من النار، ورفع شأنهم بين الأمم في الأولى والآخرة فقابلوه بذلك الإيذاء الشديد مما سطرته صادقة كتب السيرة والتواريخ، إذاً نحن أمام أمر الله المستفاد من هذه الجملة، وهو طالما قد شرح لك صدرك، فدم على دعوتك العظيمة نشيطًا واسع الصدر، غير ضائق ولا عابئ بأذاهم، غير ذي أسف ولا كمد (١)، وقد نزل عليه مثل ذلك ﷺ بعد هذه الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨].
- نلاحظ في الآية الكريمة - كما ذكرنا - أن شرح الصدر لا يمكن إنكاره، ولا يُرَدُّ على الاستفهام إلا ببلى، فهل هذا الجواب من الرسول ﷺ وحده، أو من كل من يسمع
стр. 178
ساعتئذ هذا الاستفهام! لا يمكن الجواب في حق الرسول صلوات الله عليه إلا بنعم، لا خلاف فيها على أي معنى كان هذا الشرح، وإنما الأخذ والرد على الحاضرين من قريش وأهل مكة المعاندين للنبي ﷺ ، والذين ذكَّر الله تعالى نبيه بقرآن يتلو عليهم فيه هذا الاستفهام الإنكاري، وفي شيء يتعلق بهم؛ وهو شدة إيذائهم له ﷺ ، هل علموا هذا الشرح ومعناه هل وهم مسلمون به؟ هذا يجرنا إلى ما وعدنا به آنفا من تبيين معنى شرح الصدر الذي امتن الله به سبحانه على النبي ﷺ ؛ لنستطيع أن نجيب على هذا السؤال فأقول:
ذكر العلماء أن الصدر المقصود به الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك حيث هو محل أحوال النفس ومخزن سرائرها من العلوم والإدراكات والملكات والإرادات وغيرها، فعبر بشرحه عن توسيع دائرة تصرفاتها، وذلك بأمرين بتأييدها بالقوة القدسية، والثاني: تحليتها بالكمالات الأنسية. (١)
وكلا الأمرين مشاهد في أحوال البشر، فكان شرح الصدر كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية؛ لأنه لما قرره سبحانه على شرح صدره ﷺ فكأنه أعطاه ما تطلع إليه نفسه من كل ما يشرح الصدر، فقيل له ألم نعطك ذلك؟ وإن مما تهفو إليه نفسه في مثل هذا الحال هو الكمالات النفسية العلية، وإعلامه برضى الله تعالى عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر والرفعة (٢).
هذا هو المعنى الأول لشرح الصدر، وقد فسره به ابن عباس ﵄ حيث قال شرح قلبه بالإسلام، وعن الحسن، شرح صدره أن مُلِئَ علمًا وحكمًا، وقال سهل بن عبد الله التستري: شرح صدره بنور الرسالة، وعلى هذا المعنى أو هذا الوجه حمل شرح الصدر
стр. 179
كثير من المفسرين، ونسبه ابن عطية للجمهور.
الشرح الثاني: وهو جواز أن يجعل الشرح شرحًا بدنيًا، إذ لما كان الامتنان عظيمًا من الله تعالى على رسوله ﷺ ، فلا مانع أن يشمل الشرح المعنوي والمادي معًا ليكتمل له الفضل ﷺ الذي قرره الله سبحانه عليه، والشرح البدني ابتداء ليس فيه غرابة هذه الأيام حتى يقع تحت طائلة الإنكار، إذ أطباء البشر يقومون به، وإن كان ابتداء وانتهاء ليس ثم شيء خارج عن قدرة الله وقوته.
ونلخص هذا الشرح ونبدأ بالإمام الترمذي - لأن الإمام الترمذي هو من ذكر شق الصدر في تفسير الآية - حيث أخرج حديث شق الصدر في تفسير هذه السورة (١)، فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شق صدره شقًا قدسيًا، وهو المروى مطولاً في السيرة والمسانيد (٢)، وفي الصحيحين أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في البخاري (٣)، وفي صحيح مسلم (٤) أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه، وقال أنس بن مالك ﵁ راوى الحديث: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ كان بين النائم واليقظان (٥).
- والروايات مختلفة في زمان ومكان شق صدره الشريف ﷺ مع اتفاقها أنه كان بمكة.
- وإن اختلاف الروايات حمل بعض أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع (٦).
стр. 180
- وفي الصحيح عن أبي ذر ﵁ أنه كان عند المعراج به إلى السماء (١).
- ووقع له ﵊ أيضًا عند مجيء جبريل ﵇ بالوحي في غار حراء، وممن روى ذلك الطيالسي والحارث في مسنديهما، وكذا أبو نعيم ولفظه؛ أن جبريل وميكائيل ﵉ شقا صدره وغسلاه، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآيات.
- يقول العلامة الألوسي بعد تفسيره للآية: "نعم حمل الشرح في الآية على ذلك الشق ضعيف عند المحققين". (٢) ونقول نعم حمل الآية عليه بخصوصه لا غير ضعيف، أما أن يدخل في عموم المنة بشرح صدره الشريف فلا مانع أن يكون الرب جل وعلا قد جمع له - كما جمع له من قبل الأخلاق الكاملة - كافة كل شرح يكون سبب علوه ورفعته، وسبب صبره وتحمله، واستمراره في دعوته، ومن ثم بعد أن ذكر العلامة ابن عاشور مثل كلام العلامة الألوسي رحمهما الله، عقب بما يدل على أن الآية تفيده فقال ﵀: " وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية، وإذ قد كان هذا الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مرادًا، وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في الأحكام، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته، وهو الباطن الحاوي للقلب." (٣)
- وعلى أي حال فإن كلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم في غاية العظمة لنفس النبي ﷺ إما مباشرة، وإما باعتبار مغزاه كما لا يخفى. (٤)
- وقد أيد سياق الآية الكريمة باستخدام الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿لَكَ﴾ ما سبق من ثناء، حيث اللام في قوله ﴿لَكَ﴾ للتعليل، وهو يفيد تكريمًا للنبي ﷺ بأن الله جل وعلا فعل ذلك لأجله، ومن وجهة أخرى يفيد زيادة الجار والمجرور، وتوسيطه بين الفعل