المبحث السادس
ألم نشرح لك صدرك .. التعليق على «وات»
وإذا كانت سورة الضحى من أوائل ما نزل في سياق ثناء الله تعالى على النبي ﷺ ، وفي سياق ما ذكرنا من معان يحملها هذا الثناء، فقد نزل الوحي بعد سورة الضحى بسورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ تالية لها مباشرة في التنزيل على النبي ﷺ حيث عدت الثانية عشر في (ترتيب السيوطي) (١) بذكر الفاتحة، وهي تحمل أيضًا - علاوة على ما سنذكره في السيرة - تحمل ثناء بالغًا من الله تعالى على رسوله يدل على صحة الرسالة وصدق النبوة مع المعاني المهمة التي تضبط الدعوة، وتشرح الصدر، وتثبت الأقدام في تلك المرحلة الصعبة في مكة المكرمة.
وثناء الله تعالى عليه هو ما يهمنا ذكره الآن؛ لأنه مقامه، ولربطه بسورة الضحى إذ إن مضمون ألم نشرح شبيه بأنه حجة على مضمون سورة الضحى، تثبيتًا للنبي ﷺ بتذكيره سالف عنايته سبحانه به، وإنارة سبيل الحق، وترفيع الدرجة؛ ليعلم أن الذي ابتدأه بنعمته، ما كان ليقطع عنه فضله، وكان ذلك بطريقة التقرير بماض علمه النبي ﷺ علمًا لا شية فيه ولا ريب، أظهر كذلك بهذا التقرير عناية الله تعالى بالرسول ﷺ ، ولطفه به، وإزالة الغم والحرج عنه، وتيسير ما عسر عليه، وتشريف قدره لينفس عنه، وكل ذلك يحمل بين طياته حجة لا تدفع أو تدفع، وبرهانًا لا يخبو على أن القرآن من الله جل وعلا، وأنه رسوله الصادق الأمين.
стр. 177
ونشرع في المقصود من السورة مما يتعلق بثناء الله تعالى على النبي ﷺ ، تحليلاً وتفسيرًا.
إن أول ما يصادفنا لنلقي عليه ضوء التحليل هو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾.
- فالاستفهام تقريري على النفي، والمقصود التقرير على إثبات المنفي وهو شرح الصدر، ثم إن ثبوت شرح الصدر بالاستفهام للإيذان بأن ثبوته من الظهور، بحيث لا يقدر أحد على أن يجيب عنه بغير بلى، فخطاب الله تعالى لنبيه ﷺ فيه تذكير إذن للنبي ﷺ بأمر يعرفه حق المعرفة، يحمل منة عظمى من الله جل وعلا له ﷺ ، وسنعود إلى هذا الأمر بعد قليل إن شاء الله تعالى.
- ولكن لماذا يقرره ربه سبحانه بأنه قد شرح صدره؟ المتبادر من الفهم أن يقال لِمَ يضيق صدره؟ ألم نشرحه؟ وكأنه قد وقع له ﷺ من أسباب ضيق الصدر ما جعل المولى سبحانه يذكره ﷺ بهذه المنة، وتلك الفضيلة التي وسمه بها من قبل، لتحمله على سعة الصدر، والتحمل وكظم الغيظ، ولا بد أن ذلك الضيق حصل له من شدة أذى قوم يريد صلاحهم، وإنقاذهم من النار، ورفع شأنهم بين الأمم في الأولى والآخرة فقابلوه بذلك الإيذاء الشديد مما سطرته صادقة كتب السيرة والتواريخ، إذاً نحن أمام أمر الله المستفاد من هذه الجملة، وهو طالما قد شرح لك صدرك، فدم على دعوتك العظيمة نشيطًا واسع الصدر، غير ضائق ولا عابئ بأذاهم، غير ذي أسف ولا كمد (١)، وقد نزل عليه مثل ذلك ﷺ بعد هذه الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ [الحجر: ٩٧، ٩٨].
- نلاحظ في الآية الكريمة - كما ذكرنا - أن شرح الصدر لا يمكن إنكاره، ولا يُرَدُّ على الاستفهام إلا ببلى، فهل هذا الجواب من الرسول ﷺ وحده، أو من كل من يسمع
стр. 178
ساعتئذ هذا الاستفهام! لا يمكن الجواب في حق الرسول صلوات الله عليه إلا بنعم، لا خلاف فيها على أي معنى كان هذا الشرح، وإنما الأخذ والرد على الحاضرين من قريش وأهل مكة المعاندين للنبي ﷺ ، والذين ذكَّر الله تعالى نبيه بقرآن يتلو عليهم فيه هذا الاستفهام الإنكاري، وفي شيء يتعلق بهم؛ وهو شدة إيذائهم له ﷺ ، هل علموا هذا الشرح ومعناه هل وهم مسلمون به؟ هذا يجرنا إلى ما وعدنا به آنفا من تبيين معنى شرح الصدر الذي امتن الله به سبحانه على النبي ﷺ ؛ لنستطيع أن نجيب على هذا السؤال فأقول:
ذكر العلماء أن الصدر المقصود به الإحساس الباطني الجامع لمعنى العقل والإدراك حيث هو محل أحوال النفس ومخزن سرائرها من العلوم والإدراكات والملكات والإرادات وغيرها، فعبر بشرحه عن توسيع دائرة تصرفاتها، وذلك بأمرين بتأييدها بالقوة القدسية، والثاني: تحليتها بالكمالات الأنسية. (١)
وكلا الأمرين مشاهد في أحوال البشر، فكان شرح الصدر كناية عن الإنعام عليه بكل ما تطمح إليه نفسه الزكية؛ لأنه لما قرره سبحانه على شرح صدره ﷺ فكأنه أعطاه ما تطلع إليه نفسه من كل ما يشرح الصدر، فقيل له ألم نعطك ذلك؟ وإن مما تهفو إليه نفسه في مثل هذا الحال هو الكمالات النفسية العلية، وإعلامه برضى الله تعالى عنه، وبشارته بما سيحصل للدين الذي جاء به من النصر والرفعة (٢).
هذا هو المعنى الأول لشرح الصدر، وقد فسره به ابن عباس ﵄ حيث قال شرح قلبه بالإسلام، وعن الحسن، شرح صدره أن مُلِئَ علمًا وحكمًا، وقال سهل بن عبد الله التستري: شرح صدره بنور الرسالة، وعلى هذا المعنى أو هذا الوجه حمل شرح الصدر
стр. 179
كثير من المفسرين، ونسبه ابن عطية للجمهور.
الشرح الثاني: وهو جواز أن يجعل الشرح شرحًا بدنيًا، إذ لما كان الامتنان عظيمًا من الله تعالى على رسوله ﷺ ، فلا مانع أن يشمل الشرح المعنوي والمادي معًا ليكتمل له الفضل ﷺ الذي قرره الله سبحانه عليه، والشرح البدني ابتداء ليس فيه غرابة هذه الأيام حتى يقع تحت طائلة الإنكار، إذ أطباء البشر يقومون به، وإن كان ابتداء وانتهاء ليس ثم شيء خارج عن قدرة الله وقوته.
ونلخص هذا الشرح ونبدأ بالإمام الترمذي - لأن الإمام الترمذي هو من ذكر شق الصدر في تفسير الآية - حيث أخرج حديث شق الصدر في تفسير هذه السورة (١)، فتكون الآية إشارة إلى مرويات في شق صدره شقًا قدسيًا، وهو المروى مطولاً في السيرة والمسانيد (٢)، وفي الصحيحين أنه كان يقظة وهو ظاهر ما في البخاري (٣)، وفي صحيح مسلم (٤) أنه يقظة وبمرأى من غلمان أترابه، وقال أنس بن مالك ﵁ راوى الحديث: وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره، وفي بعض الروايات أن النبي ﷺ كان بين النائم واليقظان (٥).
- والروايات مختلفة في زمان ومكان شق صدره الشريف ﷺ مع اتفاقها أنه كان بمكة.
- وإن اختلاف الروايات حمل بعض أهل العلم على القول بأن شق صدره الشريف تكرر مرتين إلى أربع (٦).
стр. 180
- وفي الصحيح عن أبي ذر ﵁ أنه كان عند المعراج به إلى السماء (١).
- ووقع له ﵊ أيضًا عند مجيء جبريل ﵇ بالوحي في غار حراء، وممن روى ذلك الطيالسي والحارث في مسنديهما، وكذا أبو نعيم ولفظه؛ أن جبريل وميكائيل ﵉ شقا صدره وغسلاه، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الآيات.
- يقول العلامة الألوسي بعد تفسيره للآية: "نعم حمل الشرح في الآية على ذلك الشق ضعيف عند المحققين". (٢) ونقول نعم حمل الآية عليه بخصوصه لا غير ضعيف، أما أن يدخل في عموم المنة بشرح صدره الشريف فلا مانع أن يكون الرب جل وعلا قد جمع له - كما جمع له من قبل الأخلاق الكاملة - كافة كل شرح يكون سبب علوه ورفعته، وسبب صبره وتحمله، واستمراره في دعوته، ومن ثم بعد أن ذكر العلامة ابن عاشور مثل كلام العلامة الألوسي رحمهما الله، عقب بما يدل على أن الآية تفيده فقال ﵀: " وليس في شيء من هذه الأخبار على اختلاف مراتبها ما يدل على أنه الشرح المراد في الآية، وإذ قد كان هذا الشق معجزة خارقة للعادة يجوز أن يكون مرادًا، وهو ما نحاه أبو بكر بن العربي في الأحكام، وعليه يكون الصدر قد أطلق على حقيقته، وهو الباطن الحاوي للقلب." (٣)
- وعلى أي حال فإن كلا المعنيين للشرح يفيد أنه إيقاع معنى عظيم في غاية العظمة لنفس النبي ﷺ إما مباشرة، وإما باعتبار مغزاه كما لا يخفى. (٤)
- وقد أيد سياق الآية الكريمة باستخدام الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿لَكَ﴾ ما سبق من ثناء، حيث اللام في قوله ﴿لَكَ﴾ للتعليل، وهو يفيد تكريمًا للنبي ﷺ بأن الله جل وعلا فعل ذلك لأجله، ومن وجهة أخرى يفيد زيادة الجار والمجرور، وتوسيطه بين الفعل
стр. 181
ومفعوله بأن الشرح من أول الأمر من منافعه ﵊ ومصالحه، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف، مع استخدام طريقة الإبهام للتشويق، فإنه لما ذكر فعل ﴿نَشْرَحْ﴾ علم السامع أن ثم مشروحًا، فلما وقع قوله ﴿لَكَ﴾ قوي الإبهام فازداد التشويق، لأن ﴿لَكَ﴾ يفيد معنى شيئًا لأجلك، فلما وقع بعده قوله ﴿صَدْرَكَ﴾ تعين المشروح المترقب، فتمكن في الذهن تمام التمكن، وعلم منه كل تلك الأفضال (١).
- وإسناد الفعل إلى ضمير العظمة للإيذان بعظمة ذلك الشرح وجلالة قدره ليظهر ما أشرنا إليه من قبل من دلالة الشرح على شيء عظيم بالغ العظمة للنبي ﷺ .
- نخلص مما سبق إلى وقوع شرح صدر عظيم لا يقادر قدره إلا الله للرسول ﷺ .
- وأن هذا الشرح لصدره الشريف لا خلاف بين العلماء جميعًا أنه وقع معنويًا، وأنه وقع حسيًا عدة مرات، وإنما الخلاف بينهم في كون السورة تدل على الشرح البدني بالذات أو لا؟ فذهب المحققون منهم إلى ضعف ذلك، وذهب البعض إلى أنها تدل عليه، ومن ذهب إلى أن الشرح البدني معجزة خارقة للعادة - وهي كذلك - أكد على أن الآية تدل عليه، ونعود إلى السؤال المفترض أولاً، وهو هل المستمعون من قريش يجيبون ببلى عندما يقرع أسماعهم لأول مرة هذا الاستفهام الإنكاري ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ أم لا؟
فالإجابة أنه على القول الأول بأن الشرح هو المعنوي نجد أنفسنا مضطرين إلى أن نقول نعم! وذلك لما كانوا يطلقونه عليه ﷺ من حميد الصفات قبل البعثة حتى لقبوه بالأمين، وقد ازدادت أمام أعينهم تلك الصفات بعد البعثة خاصة ما يتعلق بشرح الصدر ككظم الغيظ، وتحمل الأذى، والعفو، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة مما لا يحصى وقائعه،
стр. 182
ولا يمكن إنكاره أو دفعه. (١)
أما الشرح البدني ..
فما وقع منه إلى وقت نزول الآية كان قبل البعثة، وأن يصل إلى علم أهل مكة فهذا أمر غير مستغرب ولا مستبعد؛ في مجتمع صغير على هذا النحو، وقد ذكرنا شيئًا من هذا في سورة الضحى، حيث تأخر الوحي على النبي ﷺ فإذا بهذا الأمر قد بلغ لكل أحد ساعتها.
فشيوع هذا الأمر بين أهل مكة حال طبيعي من أحوال البشر في نشر وانتشار مثل هذا الخبر، وإنما النقاش الآن في عدم الاهتمام الكافي به، وما يكون ذلك إلا لأنه خبر لا ينبني عليه ما يهم الناس وقتها، ولا هو مؤثر في حيز اهتمامهم وانشغالهم، أما وقد جاء خبر النبوة الصعب، فمن السهل التذكير بما كان مما له علاقة بما هم فيه من أمر الرسول ﷺ والرسالة، وهم يذكرون ذلك جيدًا لعدم دفعهم إياه، أو تكذيبهم به، التكذيب المتعلق فعلاً بعدم الوقوع، ليس الشغب والجحود والمكابرة.
فالقرآن الكريم خاطبهم إذن بأخبار وأحداث يعلمونها، وإلا فإن الكذب في خبر واحد في مثل هذا إنما ينسف الرسالة من أصلها، ويدلل على اختلاقها وأنها ليست من عند الله، وما كان المشركون حينئذ في حاجة لردها بالحديد والنار حيث اختاروا هذا الطريق.
стр. 183
- والنبوة لها إرهاصات تسبقها تؤكد صدقها، يدلل عليها الواقع، والحوادث التاريخية، وسير الأنبياء، باستقراء ذلك كله، واطراده فيما جاء التاريخ به من وقائع صحت نسبتها إلى أولئك الذين ادعوا صلتهم بالسماء، وارتباطهم بالوحي، وإن ذلك من إرهاصاتها التي رأى المشركون غيرها في الرسول ﷺ ، كالغمامة التي رأوها تظلله وخبر بحيرى الراهب (١) وغير ذلك، مما جعل يَقِر في وجدانهم مثل هذه الأمور الخارقة للعادة التي حدثت لرسول الله ﷺ ، والتي ذكرنا أنها من عناية الله تعالى قبل البعثة بمن سيكون رسوله إلى العالمين.
ويمكن أن نصل بافتراضنا إلى أبعد من ذلك، وهو أن الشرح وَقِفَ علمه على الرسول ﷺ ، وأن هذا ثناء بينه سبحانه وبين عبده لم يطلع عليه أحد، ليكن ذلك، ولكن يأتي السؤال ألم يواجه النبي ﷺ بذلك الناس جميعًا مخبرًا بهذا الخبر في جملة ما أنبأهم به، وكان داخلاً هذا الشرح في جملة ما تحدى به البشر إلى يومنا، وإلى قيام الساعة؟ لم ينكر ذلك معاصروه، ولا قاموا في وجهه جاحدين له، معترضين عليه، بين مكذب راد عليه ومصفق مستهزئِ به، بل سلموا ذلك الأمر يوم كانوا كفرة محاربين، وآمنوا وازدادوا تسليمًا بعد ذلك.
لقد أطلت شيئًا ما في هذا الموضوع؛ للنظر الموضوعي المجرد لقضية النبوة، إذ كل
стр. 184
ذلك يدلل عليها، وأن شيئًا من ذلك كله لا يمكن نسبته إلى الرسول ﷺ وما كان ذلك ليكون إلا من خارج محمد ﵊، وبقوةٍ قوى البشر بجانبها لا شيء، قوة من بيده الخلق والأمر، والملك والملكوت، بما لا يستطيع عاقل منصف عنده شيء من علم، أو تقدير للحقيقة إلا أن يسلم بنبوة الرسول ﷺ .
وهذا قطرة مما يرد به على "مونتجمري وات" وأذنابه ممن يدعون الحياد أو البحث العلمي، الذين ينفون هذه الروايات (١) وليس الإطالة الآن إلا لهذا الرد على ذلك الهجر وتلك الترهات، من براق القول الخادع، الذي لا يحمل تحته إلا عكسه مع سوء القصد، وفساد النية.
والآن نستكمل البحث مع "وات".
ونبدأ بالقول بملحوظات نسوقها إتمامًا لما سبق
- الملحوظة الأولى:
وهي أن "وات" قد بيض كتابه لذكر حديث ابن إسحاق بطوله، وبمنهج "وات" نفسه ما الدافع وراء ذلك؟ - وهو المختصر لمثله - بل للقرآن الكريم حيث يذكر في كثير من الآيات رقم السورة والآية فقط لا يذكر منطوقها، وله دافع وراء ذلك، وهو التلبيس على قرائه، وحذف ما يريد إخفاءه، وتقطيع أوصال النصوص وبترها؛ لينتقي منها ما يظن أنه حجته، أما هنا فأراد أن يطلع القارئ الأوروبي، المادي العلماني على مثل هذا الكلام، قائلاً بلسان حاله هذا محمد ﷺ وهذا دينه، ليقرر هذا القارئ من أول وهله رده للرسول ﷺ وللإسلام، ومن ناحية أخرى يتحصن هذا القارئ أمام استخدام العقل في فهم الإسلام،
стр. 185
بتصيير هذه القصة حجر عثرة أمام تفكيره وفي كل مناقشاته، إذ يصبح سؤاله دائمًا ألم تذكر روايات الإسلام كذا وكذا عن محمد، وهذا من خبث مقصده ودوافعه في كتاباته عن الإسلام ونبيه ﵊ والرد سهل كما أشرنا لمن يعقل.
- الملحوظة الثانية:
أنه لم يقف به التعصب والانحياز السيئ عند هذا الحد، إنه قطع الطريق تمامًا على القارئ أو الباحث أن يفكر في كلامه مجرد تفكير فضلاً عن البحث أو التمحيص وذلك بأمرين مُلِئا غشًا وخداعًا وتدليسًا وكل ما يُستحى من ذكره.
الأمر الأول: بنفي صحة الروايات بحجة أنها غير حقيقية عند المؤرخ العلماني حيث يقول: "لا شك أنها غير حقيقية عند المؤرخ الذي لا يؤمن بالغيب" (١)، وهذا كلام في منتهى السقوط والتهافت لهذه الأسباب:
١ - أن صحة الروايات وعدمها ليست لغير المتخصصين في علم الرواية، إذ كيف يتكلم من لا يحسن فيما لا يحسن، إنه حينئذ يتكلم بالكذب، أي بالظن والتخمين - وهو أكذب الحديث - وهو علم خاص بالمسلمين لم تتكلم فيه ولم تبحثه أي أُمَّة غيرهم؛ حيث به حفظ الدين وكلام الرسول ﷺ ، بالثقة عن الثقة إلى أن يؤدي آخر ثقة ما سمعه عن رسول الله ﷺ كما هو، واضعين نصب أعينهم قوله ﷺ : «من كذب علىَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار (٢)» فلا يقبلون أي رواية، خاصة رواية الكذابين وهذا العلم لا حظَّ لغير المسلمين فيه؛ لأن سلسلة الإسناد - حدثنا فلان حدثنا فلان إلى الرسول ﷺ تعتمد الإسلام والإيمان بنبوة محمد ﷺ ، و"وات" يعلم ذلك جيدًا وأنه لا يزيد عن كونه مؤرخًا،
стр. 186
لا علاقة له من قريب أو بعيد بالروايات وصحتها، وكل عمله أن يأخذ الرواية ليرى دوافعها وما تنطوي عليها، لا ليردها ما دام نص العلماء على أنها رويت بطريق صحيح، والذي لا يعرفه هو وأمثاله فضلاً عن أن يجيده، وهو لا يشك أنه لا يمت لذلك العلم بصلة، وتلك آراؤه وهذه كتبه لا ترى في أي منها كلمة واحدة نقلاً في هذا العلم.
٢ - ثم ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي كيف تأخذ هنا بقول المؤرخين العلمانيين، وأنت تتدعي التوحيد (١)، لا شك لأنك لو لم تنقل رد العلمانيين ما كان عندك من رد تدفع به تلك الإرهاصة من إرهاصات النبوة ولكنت سلَّمت فيها بنبوة النبي ﷺ ، وهدمت حينئذ دعاويك كافة في ذلك، أو على الأقل سلمت بأمر من أمور السماء المؤيد للنبي ﷺ وبالتالي فلا التوحيد المزعوم اتبعت، ولا الإنصاف والحياد التزمت، فكيف تقبل منك أدنى كلمة؟ قد تقول أنا رددت الرواية تاريخيًا، قلنا أخذت برأي العلمانيين يا أيها الموحد؛ لأنه ليس لك إلا منهجهم لرد الرواية، إذ ليس لك منهج آخر ترد به الرواية صحيحة كانت أو ضعيفة.
٣ - اتبع "وات" منهج الانتقاء تأريخًا ورواية، كما ذكرنا في عناصر منهجه فهو يأخذ من المناهج والروايات ما يؤيد قوله، حتى لو كان مخالفًا لما اختطه لنفسه، وهو أن يكتب كموحد، ويأخذ الروايات الضعيفة والمردودة، ويترك الصحيحة مادامت تؤيد ما ذهب إليه، كل ذلك حدث هنا كما ترى، معرضًا عن الحق والنزاهة العلمية، وإلتزام الحياد، واضعًا تحت قدميه كل ذلك.
الأمر الثاني: الذي قطع به طريق البحث، وهو التشكيك واللمز، مع قلب الحقائق التاريخية الثابتة، وتغيير الزمن الذي وقعت فيه، وهذا من عجيب البحث.
стр. 187
يقول "وات" عن الروايات التي نحن بصددها عندما قرر أنها ليست حقيقية عند المؤرخ العلماني قال: "لأنها تحاول وصف وقائع يمكن نسبتها لفترات لاحقة من حياة محمد، لكن المؤكد أن هذه الروايات تعبر عن شيء بالنسبة للمسلمين المؤمنين، وبالتالي فهي حقيقية بالنسبة له، ومناسبة لإطالة حياة نبيهم" (١).
وانظر إلى التشكيك، والإفك وقلب الزمان.
المصادر التي ليس له سواها في سيرة النبي ﷺ تذكر لشق الصدر وغيره زمن الرضاع والصبا، ثم يأتي "وات" فيقول هذه يمكن أن تكون بعد أن أصبح نبيًا، أي غير تاريخ الواقعة حوالي أربعين عامًا هكذا؛ حتى يستطيع بذلك التشكيك والتضليل، علاوة على اللمز في أنها تطيل حياة نبيهم، وكأنهم كانوا يسمرون بها في مجالسهم ليس لهم غيرها لتطيل هذه الحياة، مع ذكره أن محمدًا في المدينة انشغل انشغالاً شديدًا بإعداد هؤلاء لما يود أن يقوم به (٢).
هذه رواية شق الصدر للرسول ﷺ ، وقفنا فيها طويلاً شيئًا ما حيث ذكرنا ما ورد فيها نقلاً وصحة ذلك عقلاً، وأخذنا ورددنا ممجوج الآراء السمجة التي رأينا، وأما غيرها من الآراء فهي لا تعدو هذيانًا، جعلت "وات" نفسه الناصح الأمين للمستشرقين يصفها بالغثيان وشدة التطرف (٣) لأنها لا تحمل آراء بقدر ما تحمل سخائم القلوب المريضة التي ظهرت على الألسنة القبيحة بنفس نتن تلك القلوب، وهو يعلمهم كيف يردون بإلباس
стр. 188
هذه السخائم والنقائص ثوب العلم والحياد؛ ليصلوا إلى مطلوبهم بغير ظاهر الشتم والقبائح والمنكر.
قصة بحيرى الراهب:
وننتقل إلى الحادثة الثانية التي نفاها "وات" مع قصة شق الصدر في قرن واحد متعللاً بأن العلمانيين المؤرخين لا يقبلونها، وقد أورد متنها من إبن إسحاق مع سياق شق الصدر ومن ثم كان ردنا فيها عليه واحدًا، وإن كنا سنزيد شيئًا قليلاً هنا.
وأفردناها هنا لاتصال سيرة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
كانت كفالة الرسول ﷺ عندما ولد يتيمًا لجده عبد المطلب، تحت رعاية أمه آمنة بنت وهب (١).
وكانت وفاة والده عبد الله بالمدينة عند أخواله بني عدي بن النجار، عندما أرسله والده عبد المطلب إليها ليشتري منها تمرًا (٢).
وكانت حادثة شق الصدر السبب في إعادة حليمة السعدية للرسول ﷺ إلى أمه لأنها خافت عليه، ورغبت في إنهاء مسؤليتها عنه، مع حبها له، وتعلقها به، وببقائه عندها (٣).
ظل الرسول ﷺ في رعاية أمه – آمنة – وكفالة جده عبد المطلب بعد إرجاع حليمة له من حضانتها في بادية بني سعد.
стр. 189
وعندما بلغ من العمر ست سنين توفيت والدته آمنة بـ"الأبواء" (١)، وهي راجعة به إلى مكة بعد زيارته لأخوال أبيه في المدينة المنورة، بني عدي بن النجار.
وحملته مولاته حاضنته أم أيمن إلى جده عبد المطلب بمكة فأحاطه بعنايته وبلغت به شفقته عليه، ومحبته له مبلغًا عظيمًا حتى إن عبد المطلب أرسل محمدًا في طلب إبلٍ له، ولم يبعثه في حاجة إلا أنجح فيها، وقد أبطأ عليه، فجعل عبد المطلب يطوف بالبيت وهو يرتجز:
يا رب رد راكبي محمدًا يا رب رده واصطنع عندي يدًا
فلم يلبث أن جاء محمد ﷺ والإبل، فاعتنقه، وقال: يا بني لقد جزعت عليك جزعًا، لم أجزعه على شيء قط، والله لا أبعثك في حاجة أبدًا، ولا تفارقني بعد هذا أبدًا.
توفي هذا الجد الشفوق عبد المطلب وللنبي ﷺ ثمانى سنوات، فأوصى به جده إلى عمه أبي طالب أخي أبيه.
وكان أبو طالب قبل البعثة وبعدها شديد العناية بابن أخيه ﷺ ، فكان لا ينام إلا ومحمد إلى جنبه، ولا يخرج إلا معه، وقد صح ذلك في رحلته إلى الشام ومقابلته لبحيرة الراهب، وظل يحوطه بعنايته إلى أن توفي قبل الهجرة بثلاث سنين.
وكان في صباه ﷺ يرعى الغنم، وقد ثبت أنه عمل في رعيها لأهل مكة مقابل
стр. 190
قراريط (١)، وقال في ذلك ﵊: «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» وكان يرعى غنم أبي طالب، وكان في ذلك يساعده لكثرة عياله، ومراعاة لحاله.
وإن من أبرز الحِكَمِ في رعي الغنم كما قال ابن حجر (٢): "قال العلماء الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم، ولأن مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوها من سبع وغيره كالسابق، وعلموا اختلاف طباعها، وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المجاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأُمَّة ... " ثم قال: "وفي ذكر النبي ﷺ لذلك بعد أن علم كونه أكرم الخلق على الله ما كان عليه من عظيم التواضع لربه، والتصريح بمنته عليه، وعلى إخوانه من الأنبياء".
وقد تجلى في ذلك إحساسه الدقيق، مع ذوقه العالي ﷺ إذ إنه ما إن أنس في نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل عليه ليرفع شيئًا من مؤنة الإنفاق على عمه، وقد اقتضت حكمة الله أن نفهم أن خير مال الإنسان ما اكتسبه بجهده وعرقه وأن قيمة الإنسان فيما يقدمه لمجتمعه من نفع قدر طاقته.
وأصحاب الدعوات لا قيمة لهم إذا كان كسبهم من عطايا الناس وصدقاتهم، بل يجب ألا يكون لأحد عليه منة تمنعه من القيام بدعوته والصدع بكلمة الحق (٣).
стр. 191
بناء على ما تقدم جاءت قصة بحيرى ..
فمن محبة أبي طالب للنبي ﷺ وظهور هذه الصفات النبيلة فيه، اصطحبه أبو طالب في سفرة تجارية له إلى الشام، وكان ثمَّ راهب يدعى بحيرى في طريقهم، فلما حلوا رحالهم نزل إليهم، وكان قبل ذلك لا يكلمهم ولا يلتفت إليهم، وصنع لهم طعامًا، وأخبرهم أن رسول الله ﷺ هو سيد العالمين، وأشار إلى الغمامة التي تظله، وفيء الشجرة الذي مال عليه، ونظر خاتم النبوة بين كتفه الشريف، وعرفه بأوصافه المبشر بها عنه في كتبهم، وأمر وليه أبا طالب أن يرجع به خوفًا من يهود ومن الروم (١).
ونميل للحق مع من ذهبوا لتصحيح هذا الحديث من العلماء نظرًا للردود العلمية التي فيها مقنع كاف بذلك، وردود - حسب نقد الروايات الشديدة عند علماء المسلمين – قوية على حجج أولئك الذاهبين إلى إنكار الرواية من العلماء.
والآن نعرج على بعض الآيات القرآنية – كما هو منهجنا في هذه الدراسة – ثم نعود إلى مناقشة "وات"، وهذه الآيات هي دراسة شيء ما جاء في القرآن الكريم يؤيد هذه الجزئية،
стр. 192
ويكمل صورة السيرة، لتكون قرآنًا وسنة، مع مسح رأى المستشرقين الذين أرادوا تشويهها.
وسنقتصر هنا على آيتين كريمتين تؤيدان القصة، ومن ناحية لو لم تكن القصة موجودة لكانتا مع غيرهما من الآيات التي أرجأنا ذكرها لمكان آت كفيلة بتوضيح أو رسم هذا الجانب من سيرته المشرفة كسيرة قرآنية، نسوق الآيتين أولاً ثم ننظر في تحليلهما ودلالتيهما:
الأولى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]
الثانية: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾ [الأنعام: ٢٠]
بالنظر في تحليل وتفسير الآيتين رأيناهما يستدلان على أن المقصود بهما هو النبي ﷺ ولكن من وجهين لا كما يبدو من أول وهلة؛ ففي الآية الأولى الضمير المنصوب في
﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عائد على النبي ﷺ لما علم من الكلام السابق، وتكرر خطابه فيه من قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾، وقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾، وقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤].
فالإتيان بالضمير بطريق الغيبة من الالتفات، وهو على تقدير مضاف أي يعرفون صدقه، أو يعرفونه بصفاته وأخلاقه وزمانه ومبعثه ومهاجره إلى آخره معرفة لا تقبل اللبس كما يعرفون أبناءهم معرفة جلية متحققة، وأن معرفة هذا الحق ثابتة لجميع علمائهم، كمعرفة الأبناء بسبب تعلق الآباء بهم، فيكون التملي من رؤيتهم كثيرًا فتتمكن معرفتهم تمام التمكن.
وهؤلاء الذين آتاهم الله الكتاب ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ هم أحبار اليهود والنصارى
стр. 193
الذين أوتوا علم التوراة والإنجيل كبحيرى هذا وغيره.
وقوله تعالى: "وإن فريقًا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون"، وهم معظم الذين أوتوا الكتاب، ثم بقي فريق آخر يعلمون الحق ويعلنون به، وهم الذين آمنوا بالنبي ﷺ من اليهود قبل عبد الله بن سلام الحبر اليهودي الذي أسلم، وتميم الداري النصراني الذي أسلم أيضًا.
ودلت الآية على أنه لا يعبأ ولا يلتفت لهؤلاء الذين لا يعلمون الحق فضلاً عن أن يكتموه إذ لم يدخلوا في قوله: "الذين آتيناهم الكتاب" [الأنعام: ٢٠]، ولا يشملهم قوله: "يعرفونه كما يعرفون أبناءهم".
أما الآية الثانية:
فالضمير في قوله: "يعرفونه" عائد إلى القرآن الكريم؛ إذ لم يسبق ذكر للنبي ﷺ ، وهو المخاطب، بل جرى ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى: "لأنذركم به ومن بلغ" في قوله تعالى: "قل الله شهيدٌ بيني وبينكم وأوحي إلي هذا القرآن" [الأنعام: ١٩].
وقد جاءت جملة: "الذين آتيناهم الكتاب" مستأنفة، انتقل بها أسلوب الكلام من مخاطبة الله تعالى المشركين على لسان الرسول ﷺ إلى إخبار عام كسائر أخبار القرآن الكريم، وهذا الانتقال ليثبت استشهادًا جديدًا على صدق القرآن الكريم وهو الآية المعجزة العامة الدائمة المتضمن صدق من جاء به وهو النبي ﷺ وذلك بعد شهادة الله في قوله: "قل الله شهيد بيني وبينكم".
وقد كان المشركون يقدرون أهل الكتاب ويثقون بعلمهم، وربما اتبع بعض المشركين دين أهل الكتاب كورقة بن نوفل إلى أن بعث النبي ﷺ فكانت شهادتهم عند المشركين موثوقاً بها إذا أدوها ولم يكتموها.
стр. 194
وفي الآية بالتالي تسجيل على أهل الكتاب بوجوب أداء هذه الشهادة إلى الناس وفي ذلك دعوة لإسلامهم، ولذا ختمت الآية بقوله تعالى: "الذين خسروا أنفسهم" من المشركين، ويصح أن تكون بدلاً من "الذين آتيناهم الكتاب" الخسران المبين بعدم إسلامهم، فكلاهما هالك برد الحق أو كتمه بعد شهادة الله، وشهادة الأحبار والعلماء من أهل الكتاب.
وإن من دواعي إسلامهم الأكيدة أنهم يعرفون هذا الكتاب، وأنه الحق من ربهم، ومن حقه وما تضمنه صدق رسالة محمد ﷺ وصدق ما جاء به حيث بشَّرت كتبهم به أيضًا وبصفاته وغير ذلك ﷺ يعرفونه معرفة أبنائهم، معرفة التحقق والجزم، إذ لا يضل المرء عن معرفة شخص ابنه وذاته إذا لقيه، وأنه هو ابنه المعروف (١)، وما ينكر ولده حينئذ إلا جحدًا وعنادًا وغيرهما، وهو في قرارة نفسه يعلم أنه ابنه بلا شك.
بهذا العرض الموجز للآيتين الكريمتين وهما قليل من كثير يتبين كيف وضح القرآن الكريم تمام التوضيح صورة النبي ﷺ في الكتب السابقة وجلاها على أبهى سيرة وأحسنها ليقطع العذر وليقيم الحجة.
وكانت الآيتان الكريمتان مما توافق فيه قصة السيرة – قصة "بحيرى" الراهب - مع القرآن الكريم، فثبتت قرآنًا وسُنَّة.
ونلاحظ أن الرواية كانت والنبي ﷺ يبلغ من العمر اثني عشر سنة، ولم يكن ثَمَّ نبوة ولا وحي ولا قرآن، فعندما يأتي القرآن بمثل ما أتى به ذلك القصص فلا شك أن ذلك القصص صحيح، وجاء القرآن الكريم ليؤكده ويثبت وقوعه.
стр. 195
نعود لنناقش "وات" حيث ذكرنا قوله بعدم صحة القصة، مع قصة شق الصدر تاريخيًا، وأنه احتج بالعلمانيين في إنكار ما يود إنكاره وتضطره نتيجة البحث المسبقة إلى نفيه، وقد نفاه هنا بما لا يعتقده حيث يدعي أنه يكتب كموحد، ومعنى ذلك أنه إذا لم يسعفه التوحيد، أسعفه الكفر! للأسف! فكلاهما حق عندما ينظر إلى الإسلام، وكما وعدنا سنزيد ردًا قليلاً هنا حيث رددنا هنالك عقب قصة شق الصدر ردًا مطولاً، أما ما نزيده هنا:
فأوله: أن إنكار "وات" للقصة فإنه لما تحمله من مضامين دينية، إذ هي اعتراف مسيحي بنبوة النبي ﷺ من حبر من أحبارهم، أو راهب من رهبانهم انتهى إليه علم النصارى، وهو ما سعى "وات" في كل كتاباته لنفي نبوة الرسول ﷺ بل حاول كذلك في كل كتاباته أن يثبت التأثير المسيحي اليهودي على تعاليم الإسلام، وأنه ليس إلا خليطًا منها متوائماً مع البيئة العربية كما أشرنا من قبل (١).
الملحوظة الثانية:
وهي قضية "وات" أيضًا، وهي التأثير اليهودي - المسيحي على تعاليم الإسلام، فقد ذكر بعض المستشرقين هذه الأضحوكة، وهي أن الرسول ﷺ في هذه الرحلة تلقى علم التوراة من بحيرى في هذا اللقاء العابر، ومأدبة العمل هذه، وهو في سن الثانية عشر على الأكثر، بعد أن تأكد بحيرى أن محمدًا ﷺ هو سيد العالمين، ورحمة الله للعالمين، كيف لغلام في الثانية عشر من عمره أن يتلقى علم التوراة، ويكون له أثره عليه وعلى تعاليم دينه في ساعة من الزمان، وهم يأكلون، ليس هناك إذن أسوأ من الاستخفاف بالعقل وقلب الحقائق بسبب التعصب الأعمى.
стр. 196
ذكرت القصة أن الراهب لم يبق محمدًا معهم إلا حال تعرفه على أوصافه، وأنه النبي المبعوث، ثم ناشد عمه أبا طالب أن يرده سريعًا إلى مكة؛ خشية من إيذاء اليهود والروم له، فلم يبقه في الركب معهم حتى نقول جلس عنده أو قابل غيره بل أمر برجوعه توًا إلى مكة، وأين قوله «هذا رحمة الله للعالمين»، «وهذا سيد العالمين»، وبعد ذلك يجلس ليعلمه التوراة، أبعد أن علم نبوته، يقول له هيا لأعلمك ما لن يعلمه الله لك؟! أو ما سوف يعلمه الله لك بعد سنين متطاولة، هذه عجائب المخلوقات ولولا أن هذا الكلام قد قيل ما سودنا به تلك الأسطر.
ومحمد ﷺ في هذه الفترة – تنزلاً معهم – هؤلاء المتعصبين – لا يعرف القراءة ولا الكتابة فكيف تعلم؟ وإن عرفها لم تكن الكتب السابقة قد ترجمت للعربية، فإنها لم يترجمها أصحابها إلا قريبًا بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى بقرون طويلة، الكلام كثير في الرد عليهم وأما مقصودهم ففي النهاية هو رد أصول الإسلام إلى التوراة، فأين ذلك في تعاليمه؟ وهل حارب اليهود وأجلاهم عن المدينة، وأبقى تعاليمهم في كتابه وسيرته، إلا إذا كان مؤدى تلك التعاليم أن هؤلاء قوم لا بد أن يقاتلوا، وأن يجلوا عن المدينة، وعن جزيرة العرب، وأن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وأنهم قوم بهت وسوء، لا عهد لهم ولا ذمة، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما أخفت صدورهم أكبر، وودوا لو تكفرون، كانت فرية إذن أن رسول الله ﷺ قد تأثر بهؤلاء، والعجب أن يأتي مدعو العلم والمنهجية ليرددوها بكل برود تقليدًا لأخلاق أسلافهم تلك، وما استحيوا أن يرددوا كذبًا ممجوجًا يعلمونه، ولكنهم استخفوا بعقول مريضة، أو عقول ممسوحة، أو عقول لا تفكير فيها ولا نظر لها، كل ذلك ليحموا بني جلدتهم ويحصنوهم ضد الإسلام ويعموا على أبصارهم وعقولهم حتى لا ترى النور، مع تشكيك المسلمين في دينهم. (١)
стр. 197
المبحث السابع
حفظ الله تعالى لنبيه ﷺ قبل البعثة
إن رجوعًا إلى حادث شق الصدر، وما سبقه من إرهاصات عند مولده ﷺ وما تبعه من وقائع خارجة عن العادة حدثت للنبي ﷺ ، خاصة في سفره إلى الشام ليدل دلالة قاطعة على عناية الله به، ورعايته إياه، وأنه كما قيل لموسى ﵇: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] وقوله: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] فهو إذًا ﷺ يصنع على عين الله تعالى، لنفسه وما يريده له، وما يأمره به ويطلبه منه، ومن ثم كان منطقيًا أن نراه ﷺ محفوظًا عن رجس الجاهلية وأقوال الكفرة، وأفعالهم وصفاتهم، خاصة ما يكون منها متعلقًا بعبادتهم أو معبوداتهم، وكذلك مما يؤكد عليه في هذا المقام أنه كان معصوما قبل البعثة بما يشين بعد البعثة، وهذا يوافق العقل.
وعليه نشير إلى أمور وقعت له في سيرته المشرفة ﷺ نستدل بها ونعلق عليها تدل على هذه الصيانة من الله تعالى، وكيف أنه لم يصدر من المشركين مع شدة الأذى، وتلمسهم أي صغيرة ينفذون بها إلى شينه، لم يصدر منهم ما يعيرونه به، أو يلمزونه به، بل على العكس كان يحظى في تلك الأخلاق بكامل الاحترام قبل البعثة وبعدها، إلا ما كان منهم قبل إيمان من آمن من مجابهة الرسالة والرسول ﷺ .
من هذه الأمور التي عصم منها وهي تشير إلى ما وراءها، فنبدأ بها لذلك.
стр. 198
الأمر الأول: وهو أن الله عصمه من سماع ومشاهدة الأعراس، والسمر واللهو كما يلهو أمثاله في صباه أيام كان يرعى الغنم في مكة. (١)
الأمر الثاني: ثبت أنه نهي عن رفع إزاره وهو رجل عند نقله الحجارة مع عمه العباس عند تجديد قريش لبناء الكعبة، فقد اقترح عليه العباس ﵁ أن يرفع إزاره، ويجعله على رقبته ليقيه أثر الحجارة، مادام بعيدًا عن الناس فلما فعل خر مغشيًا عليه، فلما أفاق طلب أن يشدوا عليه إزاره (٢) والعري لم يكن مستنكرًا إذ كان هناك من يطوف بالبيت عريانًا، وقد استمر ذلك حتى منعه النبي ﷺ بعد فتح مكة في حجة الصديق سنة تسع للهجرة، حيث أمر الصديق بإبلاغ الناس ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان (٣).
وقد علق شارح البخاري الحافظ بن حجر على هذا الحديث بقوله: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصونًا عما يستقبح قبل البعثة وبعدها". (٤)
وبالنظر في الأمرين يتجلى بوضوح ما كان من تربية الله له، وبحفظه من تلك القبائح التي تُعد في نظر المعاصر لها من الأمور العادية، بل والناظر لها الآن، وهذا يدلنا على حفظه لما هو أكبر منها، فإذا كان محفوظًا في الصغير فمن باب الأولى أن يكون محفوظاً في الكبير.
стр. 199
فوجدنا مكانة النبي ﷺ الأدبية في المجتمع القرشي لا يدانيها مكانة سموًا وعلوًا تدل على ما وصل إليه توفيق الله له، وحفظ الله إياه، ومن ذلك اختلافهم في وضع الحجر الأسود عند تجديد بناء الكعبة، إذ انتهوا بالرضا بتحكيم أول داخل من باب بني شيبة، فإذا هو رسول الله ﷺ فقالوا: «أتاكم الأمين» (١)، أما ما كان من عبادة قريش ووثنيتها، فكان يفيض عن عرفة في الحج، كما ذكره جبير بن مطعم حين رآه واقفًا بعرفة فقال: هذا والله من الحمس فما شأنه ها هنا؟!! (٢)
علي حين تفيض الحمس، وهم قريش من مزدلفة، وكان يستمسك بإرث إبراهيم وإسماعيل في حجهم وبيوعهم ونكاحهم (٣) وهذا من توفيق الله له قبل البعثة أما أصنامهم فلم يمس صنمًا فضلاً عن الطواف به، أو السجود له والاعتكاف عنده، فيذكر مولاه زيد بن حارثة ﵁ أنه كان يطوف مع الرسول ﷺ أي قبل البعثة بالبيت العتيق، فلمس زيد بعض الأصنام فنهاه رسول الله ﷺ عن ذلك، ثم عاد زيد لمسها ليتأكد من الأمر، فنهاه ثانية فانتهى حتى كانت البعثة، وقد حلف زيد بن حارثة بأن رسول الله ﷺ ما مس منها صنما حتى أكرمه الله بالوحي (٤). وكذلك ما كان يأكل ما ذبح على النصب، حيث التقى بزيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد الحنفاء الذين تركوا دين قريش بأسفل مكة، وقدمت للنبي ﷺ سفرة فخشي أن يكون مما ذبح على النصب فأبى أن يأكل، ولم يكن يعلم ذلك عن رسول الله ﷺ ، وقد بين شراح الحديث أنه ما كان يأكل ما يذبح على النصب (٥)، وهذا قليل من كثير في سيرته وأخلاقه ومعاملاته قبل البعثة مما يبين الإعداد الإلهي له ﷺ لتحمل هذا العبء
стр. 200
الضخم من تبليغ رسالة الله تعالى، والقيام بمشاقها.
وكان منطقيًا كما رأينا أن تتم العناية به ﷺ والصيانة له على أحسن حال وأتم وجه، وكان متسقًا ومتوافقًا تمام الاتساق والتوافق في كل هذه الأخلاق الحسنة وغيرها مع الإرادة الربانية التي اختارته؛ إذ ما سمعنا عن مثل ذلك لغيره، لو كانت الأمور بالتدريب والمجاهدة ورياضات النفوس، أو بالثقافة التي يدعيها "وات" لكان لغيره خاصةً الحنفاء ومن تنصر كورقة اليد الطولى إذ كان يقرأ ويكتب من الكتاب العبراني ما شاء الله له، وعلى علم بحال قومه وزاد بعلمه بأحوال النصارى واليهود من حرف منهم وزاغ، ومن بقى على الدين الأول، فلا مرد لذلك، ولا مرجع له إذن إلا اتصال الأرض بالسماء لإعداد هذا النبي المنتظر.
وإن بيئة تساوى الجميع فيها مع محمد ﷺ ولم تكن بالعالية كالملأ المكي، ولا المتدنية كالمقابل لهم، لم تكن لتخرج هذا الشخص العظيم الذي علا الجميع بغير محاولة منه بما هم مشتركون فيه.
إن ذلك دليل خارج عن نطاق البشر، ويستدل به ويبرهن على نبوة ذلك الأمين الصادق ﷺ .
стр. 201
المبحث الثامن
زواجه ﷺ من خديجة رضى الله عنها .. التعليق على «وات»
وكان زواجه ﷺ من خديجة بنت خويلد بن أسد أحد العلامات البارزة في رعاية الله تعالى له، وإظهار فضله وشرفه، وإعداده لهذه المهمة النبيلة، إذ كان هذا الزواج بعرض من خديجة نفسها، وذلك لما بلغها من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وحسن أخلاقه حيث قد انتشر ذلك وذاع عنه في مكة مما يدل على أنه لم يبلغه آخر في نفس ظروفه ﷺ ، ثم تابعت ذلك بالتأكد والتحري بنفسها، وهي من هي حزمًا وشرفًا، فقد كانت في أوسط قريش نسبًا وأعلاهم فضلاً وأكثرهم مالاً، ولقد نودي عليها بالعفيفة الطاهرة، وكانت امرأة لبيبة حرص رجال كثير من علية قومها على الزواج منها.
كانت خديجة تضارب في مالها الكثير، وتنتقي من الرجال أشرافهم وأمناءهم ليتجروا لها فيه نظير معلوم من المال، فما أن سمعت بمحمد ﷺ حتى بعثت إليه، وعرضت عليه أن يخرج متاجرًا في مالها إلى الشام، مع إضعاف الأجر له عن غيره فوافق، وخرج مع غلام لها يدعى ميسرة، ولقد رأى من الآيات التي جرت للنبي ﷺ والمعجزات ما حكاه لسيدته خديجة، فرغبت في الزواج منه. (١)
وأن يكون لهذا الزواج أسبابه الوجيهة القوية لهو منطق الأشياء، وواقع الأمر وطبائع
стр. 202
الناس، وعاداتهم من قديم، مما يؤكد أقرب الأسباب المذكورة التي لم يجادل فيها أحد بما يثبت بما لا يدع مجالاً للقول أو منفذًا للشك أن أخلاقه وسيرته كانت مشتهرة بين القوم، وتناقلها الإخباريون كلهم والرواة، ولم يردها أحد، أو يجادل ويشكك في وجودها حينئذ أحد (١).
وقد خطب رسول الله ﷺ خديجة من أبيها خويلد بن أسد (٢) فزوجه منها، وذهب ابن إسحاق إلى أن خديجة كانت في الثامنة والعشرين من العمر، وذهب الواقدي (٣) إلى أنها كانت في الأربعين، وأن الذي تولى زواجها هو عمها عمرو بن أسد لأن أباها قد هلك قبل يوم الفجار، وهي الحرب بين قريش وحلفائها من جهة، وقيس عيلان من جهة أخرى، ولكن الراجح أن أباها هو الذي ولى نكاحها، لأن الأحاديث في ذلك أقوى، ويعتضد بعضها ببعض. (٤)
تزوج رسول الله ﷺ بخديجة، وسكن في بيتها، وولدت له أولاده جميعًا، ذكرين القاسم - وبه يكنى - وعبد الله الملقب (بالطيب والطاهر) وأربع بنات هن زينب وأم كلثوم وفاطمة ورقية وهذا يرجح رواية ابن إسحاق في أنها كانت في الثامنة والعشرين من
стр. 203
عمرها، إذ الغالب أن المرأة تبلغ سن اليأس من الإنجاب قبل الخمسين. (١)
فأما القاسم وعبد الله فماتا قبل الإسلام، وأدركت البنات الإسلام فأسلمن وهاجرن مع النبي ﷺ . (٢)
توفيت خديجة قبل هجرة النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنوات (٣)، وذلك قبل حادثة الإسراء والمعراج، في نفس البيت، ولم يتركه الرسول ﷺ إلا بعد الهجرة حيث أخذه عقيل بن أبي طالب فيما أخذ (٤).
كانت خديجة ﵂ أول من تزوج رسول الله ﷺ ولم يتزوج عليها حتى ماتت وإن كانت هي قد تزوجت قبله مرتين، فكانت ثيبًا وأكبر سنًا منه مما يدل على عدم اهتمام النبي ﷺ بما يهتم به أقرانه من متعة الجسد، وإلا لابتغى من هي أصغر منه سنًا، وبكرًا تلائمه ولكنه رغب في خديجة ﵂ التي كانت تلقب بالعفيفة الطاهرة، وظل هذا الزواج قائمًا حتى ناهز هو ﷺ الخمسين من عمره الشريف، مما يدل دلالة قاطعة على أن التعدد ما كان بعد ذلك لدوافع الشهوة والمتع الزائلة، ولو شاء لوجد الكثير دون خروج عن عادة وقيم ومألوف القوم حينئذ.
إن الثابت في الصحيحين وغيرهما من دواوين السنة والسيرة تؤكد المكانة التي حلتها خديجة من الرسول ﷺ قبل البعثة وبعدها إلى يوم القيامة، وعلى تلك الدرجة العالية لها عند
стр. 204
ربها، وعلى فضلها في دين الإسلام وفي عنق المسلمين. حيث ورد منه ﷺ الثناء الضخم عليها، والوفاء الجميل عند ورود ذكرها، أو مرور شيء من سيرتها، أو عند رؤية أحد من صدائقها وخليلاتها، مع إظهار النبي ﷺ لمحبتها، وتأثره عند ذكرها بعد وفاتها، وإشهار حسن موقفها منه ووقوفها وراءه تؤمن به، وتشد أزره، حتى قال ﷺ : "خير نسائها مريم، وخير نسائها خديجة" (١) مما يؤكد في الإسلام تلك الأخلاق الحسنة من جهة، ومن جهة أخرى أن النساء شقائق الرجال، وفيهن من وصلت إلى هذه الدرجة العالية الرفيعة، مما يجعلها القدوة والأسوة لنساء المسلمين اللاتي يبتغين رضا الله، ويردن رفعة أوطانهن، وبالتالي فإن في التصفح لسيرتها وسيرة بقية المسلمات القانتات لزادًا عظيمًا تتزوده المرأة المسلمة في هجير المادة اللافح الذي نعيشه اليوم.
نعود لتعليق "وات" على هذا المبحث ..
ولولا أن ذلك من منهج هذا البحث لما أعدنا النظر فيه، ولا الالتفات إليه، إذ هو مسخ من العقل، وتناقض من القول، وتلاعب بالألفاظ، فهو يستغفل القارئ، ويوهمه - يخبره - بالشيء ونقيضه، وللأسف هو قول طويل، ونقله والتعليق عليه ثقيل على النفس، ولأن فساده يغني عن إفساده، لأن عواره ظاهر لمن عنده مسكة من العقل، ولكن ننقل بعضه حجة وبرهانًا على ذلك السوء البالغ المسمى بحثًا ومنهجًا تاريخيًا وغيره من مهول
стр. 205
القول الذي ليس تحته شيء، وإنما هو جعجعة يدخل بها في روع من أمامه.
يقول (١): من وجهة نظر المجتمع المكي، كان محمد ﷺ قد وضع قدمه على أول درجة - على الأقل - من درجات النجاح الدنيوي.
وربما لم تكن خديجة ﵂ من الثروة كما يقال عنها أحيانًا.
ولكننا نستطيع أن نفترض أن محمداً ﷺ قد أصبح لديه رأس مال يكفيه للحصول على نصيب متوسط من الأعمال التجارية.
وأول ما يفجعنا به " وات " من التهويل الذي لا علاقة له بالبحث - لأنه لا يستند إلى الواقع - هو قوله: من وجهة نظر المجتمع المكي؛ هكذا بكل سهولة! ينظر جميع المكيون على أن محمداً ﷺ بهذه الزيجة، قد وضع قدمه على أول درجات النجاح الدنيوي! .. ترى من الذي أخبر "وات" بذلك؟! في أي كتاب، أم من أي مصدر استقى "وات" هذه المعلومة؟! دعك من هذا، بل من أي دليل استنبط "وات" هذه النتيجة؟! تراه كان يعيش بينهم؟!، أم أجرى هذا الاستطلاع في مكة؟!، أم أجراه أحد الموثقين وأخبر به "وات" خفية لم يطلع عليه غيرهما؟! ... وهل هذا الاستطلاع شمل المكيين كافة في مجتمعهم كما يزعم؟! ... كل ذلك - للأسف - لم يكن؛ بل هو من تأليف "وات" للتاريخ، وبنى عليه هذا التهويل.
ثم إليك هذا الرد، وهو أن الرسول ﷺ ما وضع قدمه على أولى درجات النجاح كما يدعي "وات" إلا لأنه سيستحوذ - لأنه لم يستحوذ بعد - على مال خديجة ﵂، والسؤال منذ متى كانت البيئة والطبيعة العربية، تسمح للزوج بأن يحوز مال امرأته إليه، بل إن الحياء والشهامة تأبى إلى اليوم أن يأخذ الرجل شيئًا يخص زوجته أو يطمع فيه، ومنذ
стр. 206
متى أيضًا كان رسول الله ﷺ ينتظر مال خديجة أو ينظر إليه.
وردًا آخر رده "وات" على نفسه، وهو من عجائبه أو قل سخائمه، وهو قوله بعد إن الرسول ﷺ كان يتحنث في غار حراء هربًا من حر مكة؛ لأن النبي ﷺ لم تكن له القدرة المالية التي تتيح له الذهاب إلى الطائف (١). أي ليصطاف كما يصطاف ميسورو مكة في الصيف (سنعود إلى التحنث في غار حراء مرة أخرى إن شاء الله) وإنما هذا رد سريع على هذا الإفك، كيف نوافق على هذا التناقض أو نوقفه.
ثم تزداد حدة التناقض بقوله ربما لم تكن خديجة من الثروة كما يقال عنها أحيانًا، فإذا لم تكن كذلك، فمن أين وضع الرسول ﷺ قدمه على الأقل على أولى درجات النجاح الدنيوي كما تدعي، وانظر إلى الأسلوب العلمي الفذ الذي يلاحقنا به، ويلاحق القرَّاء والباحثين، حيث لا يملك عند محاولة تفريغ السيرة من مضمونها ووحيها وكمالها وجلالها وجمالها إلا العجز الذي يسميه البحث التاريخي، فلا تخلو جملة، وصفحاتها من قوله، «وربما»، «ومن المحتمل»، «ويمكن»، «ولعله»، ولو «افترضنا»، «ولا يمكن» فهل ربما ومن المحتمل ولا يمكن وغيرها، هل هذا بحث، أو هو تشويش وشغب على الحقائق يلويها بعيدًا عن الواقع الحق لها لتصل إلى بغيته لا إلى نتيجة البحث.
وهذا اللفظة التي وضعها في الجملة، وهي وقوله أحيانًا، أي كما يقال أحيانًا عن خديجة إنها ثرية ولها ثروة تجعلها من أصحاب التجارات إلى الشام وغيرها، فهذا ليٌّ صريح لعنق الحقيقة ورد كاذب للواقع، بل كان يقال عنها دائمًا إنها من أصحاب الثروات وإنها غنية وإنها تستأجر التجار ليتاجروا لها في مالها، ولم تسمع أن ذلك يقال أحيانًا، إنما كان ذلك
стр. 207
دائمًا فقلبها بقدرة باحث ضال إلى أحيانًا يقال عنها إنها صاحبة ثروة، وهذا تغيير للتاريخ وقلب لحقائقه لم ينطق به لسان معاصر لها ولا من أتى بعد ذلك، وليس له وجود إلا في عقل "وات" الآسن وسنبينه من كلامه الآتي إن شاء الله حيث صدَّره بجملة لا قيمة لها في البحث، وهي ربما لم تكن، كيف يزيف الواقع ويُمسح بكلمة ربما، ثم يزداد إيغالاً في التضليل بقوله أحيانا، مع أنه الدائم، يقف الباحث المتجرد حائرًا في وصف هذا الهراء الضال.
ونواصل على مضض التعليق على بقية كلام مستر "وات"!، يقول: ولا يعنى عدم وجود أخبار عن أنه سافر إلى الشام مرة ثانية أنه لم يذهب.
وهذا هو التناقض الممل، والتزييف المتعمد، والجمل التي لا صلة بها بالبحث بل باستغفال القارئ.
إذ ما معنى هذا الخبط؟ لا يعني عدم وجود أخبار بالسفر أنه لم يسافر، فيرجع بنا:
أولا: إلى ربما ومن المحتمل ... إلى آخر ألفاظه.
ثانيًا: إن من قال إنه سافر، لم يقل على أقل تقدير إنه سافر مرة أخرى فمن أخبرنا بالسفر أخبرنا بعدمه بعد ذلك فمن أين لك هذا؟
ثالثًا: كفانا "وات" مؤونة الرد عليه لأن الاضطراب عادة المتناقضين فقال في السطر التالي مباشرة: مع الوضع في الاعتبار أنه من الممكن دائمًا أن يكلف آخرين بالإشراف على تجارته، فلما وضعنا أيها المستشرق في اعتبارنا أنه دائمًا من الممكن أن يكلف آخرين بما ذكرت أنتج لنا هذا الوضع أنه لم يسافر أبدًا بعد ذلك، لأن هذا ما يعنيه كلمة دائمًا التي ذكرتها.
стр. 208
وما زال "وات" مصممًا على أن يكون عنوان فضح المستشرقين أمثاله بكلامه الذي لا ندري له وصفًا فيقول: كذلك يجب أن نتذكر دائمًا احتمال أن التجار قد استبعدوه من مجالسهم، ومن معظم العمليات المربحة. ومع ذلك فمن المحتمل أنه لم يستبعد تمامًا، لأنه كان قادرًا على أن يزوج ابنته زينب لأحد أفراد عشيرة عبد شمس، وهو ابن أخت خديجة، والتي لاشك في أنه كان لها دور بارز في هذه الزيجة، كما أن خطبة ابنتيه الأخريين لابني أبى لهب، الذي ربما كان ينظر إليه على أنه الزعيم التالي لبنى هاشم، تدل على أن محمدًا ﷺ كان ينظر إليه أيضًا على أنه أكثر شباب بني هاشم رجاء (١).
ونبدأ بمقدمة كلامه التي عللها بالباقي من القول، حيث أوجب علينا دائما أن نتذكر احتمال أن التجار قد استبعدوه من مجالسهم ومن معظم العمليات المربحة.
وكذلك من المحتمل أنه لم يستبعد تمامًا.
ونحن معه في هذه الاحتمالات لنصل إلى الاحتمال الحق، فنقول له: يا مستر "وات" قد تذكرنا دائمًا أنه مستبعد، ثم ذكرتنا بالثاني أنه غير مستبعد تمامًا قد أمرتنا أن نتذكر دائمًا أنه مستبعد، فليس ثم استثناء للاستبعاد فلا يمكن أن نقول بعد دائمًا هذه إنه غير مستبعد تمامًا، فلم أمرتنا أيها الفهامة بذلك الاستبعاد الدائم التذكر فإذا به غير دائم ولا تام، فأي الاحتمالين تريدنا أن نتذكر إلا أن تقصد الاحتمال الثالث وهو أنه مستبعد وغير مستبعد.
ولا نجد في هذا الكلام إلا الكوميديا التراجيدية ل "وات" المضحكة المبكية في آن واحد ثم نحن نذكرك بأن الاستبعاد وعدمه غير ثابت تاريخيًا، ولا هو واقع التجار أيامئذ، فلم نسمع أن التجار وقفوا لأحد أخذ تجارته إلى الشام أو غيرها فوقفوا له قائلين ارجع أيها
стр. 209
المستبعد، وها هي ذي خديجة كانت ترسل التجار ليتاجروا ويضاربوا لها في كل الأسواق المعلومة في ذلك الزمن شامية كانت أو يمانية أو غيرها.
ووصولاً إلى الاحتمال الحق الذي قامت عليه الحجة، وأيده البرهان، وسيكون من كلام "وات" نفسه للنزاهة العلمية، ونبدأ فنقول إن الاحتمال الأول قد زيفه "وات" نفسه فبعد أن أمرنا أن نتذكر دائمًا أنه مستبعد، أنبأنا أنه ليس مستبعدًا تمامًا فمحا كلامه، فلم يعد التذكر الدائم للاستبعاد حقًا بل هو باطل منقوص مشكوك فيه، وكذلك الاحتمال الثالث أن نتذكر دائمًا أنه مستبعد وغير مستبعد تمامًا فهذا كوميديا تراجيديا، فلم يبق إلا الاحتمال الثاني وهو أنه غير مستبعد، وهو الحق، وقد أقام "وات" نفسه البرهان والحجة على أنه لم يستبعد بهذه الوجوه التي ذكرها بنفسه.
الأول: أنه ﷺ كان قادرًا على أن يزوج ابنته لأحد أفراد قبيلة عبد شمس، وكأنه يريد أن يقول إن محمدًا ﷺ كان قد وصل إلى درجة من الغنى يصاهره بها أحد أفراد هذه القبيلة الغنية من التجار الأثرياء. فكيف يناسبهم وهم مستبعدوه؟
الثاني: يقول أن لخديجة دورًا بارزًا في هذه الزيجة لأنه ابن أختها، فكأنها هي الأخرى من الأثرياء اللاتي يتدخلن فتكون لهم الكلمة، ويمضي قولهم، وبالتالي يعود ذلك في هذا الحين على موقف سيدنا محمد ﷺ لأنه بلا أدنى شك رجل هذا الموقف.
الثالث: أن أبا لهب المفترض كما يذكر "وات" أن يكون زعيم بني هاشم، خطب ابنتين من بنات النبي ﷺ لابنيه، وما ذلك إلا لموقفه الحالي ومستقبله الواعد ﷺ في بني هاشم، ثم يريدنا "وات" بعد أن هدم كلامه بكلامه، وأظهر دجله وحيفه وظلمه، وعدم نزاهته وأمانته فيما يسميه بحثًا، أن نتذكر دائمًا أن محمدًا ﷺ كان مستبعدًا كما يدعي
стр. 210
ويفترض، نعم صحيح، ولكن في تاريخه الذي نسجه من وحى شياطينه.
والجزء الأخير الذي لابد من ذكره في زواج النبي ﷺ من خديجة، كما ذكره "وات"، هو قوله: فإن لدينا الكثير من الأسباب التي تجعلنا نعتقد أن خديجة ﵂ قد أدركت بعضًا من قدرات محمد ﷺ الروحية، وأنها انجذبت إليها.
ونقول: بعيدًا عن قدراته الروحية ﷺ فهذه آيات أخرى ذكرنا شيئًا منها نقلاً عن كُتَّاب السيرة، ومصادرها، وسنذكر غيضًا من فيض في الباقي من البحث إن شاء الله .. ولكن العجيب أن "وات" يتكلم عن القدرات الروحية التي نفاها فيما سقنا من قصص في شق الصدر وإظلال الغمامة، وحديث بحيرى الراهب، وأنه بعد لم يكن قد بدأ التحنث والتعبد في غار حراء حتى نقول قد حصل شيئًا روحيًا من تلك الخلوات والرياضات النفسية والتأملات الروحية والأفكار العقلية، فما الذي قلب عقله فجأة ليثبت للنبي ﷺ قدرات روحية جاذبة، خاصةً أنه لا يؤمن بالوحي للنبي ﷺ وإنما بمخزون اللبيدو الذي ادعاه، ولم يذكرنا كعادته بالاحتمالات التي حصل بها هذه القدرات الروحية في تلك المرحلة المبكرة من سني عمره الشريف ﷺ ، ولم يبين لنا بربما ومن الممكن ويحتمل وغيرها كيف راقبت خديجة هذه القدرات الروحية، كيف تتبعت محمدًا ﷺ سفرًا وحضرًا في دروب مكة وأنديتها حتى اكتشفت الروحية هذه ورأتها فيه وتيقنت أنها روحية حتى اطمأنت إليها فطلبت الزواج منه، ومنذ متى سمعنا في البيئة العربية بهذه القدرات الروحية التي تنجذب إليها النساء وكما يذكر "وات" التاجرات في القرن السادس الميلادي، وهل كانت النساء التاجرات العربيات يبحثن عن أصحاب القدرات الروحية للزواج منهم أو هو منهج الإسقاط حيث تسقط ما علمته في القرن العشرين على بيئة القرن السادس التي لا علاقة لها به ثم ما هي القدرات الروحية وعلاماتها التي ظهرت على سيدنا محمد ﷺ في هذه المرحلة، وكان عند خديجة سابق علم بهذه
стр. 211
العلامات، وأخذت تبحث عنها حتى تميزتها في رسول الله ﷺ (١).
ألم تطبق من قبل ومن بعد المنهج المادي على مثل هذه الأحداث التي تريد نفيها، وبها تنفى نبوة الرسول، وكمالها وجلالها وجلال رسالة الرب ، فتأتى هنا وتثبتها وما تريد إلا أن تخفي من طرف خبيث صفاته وأخلاقه وشيمه وكمالاته التي لا توجد في مثله حتى حملت خديجة على طلب الزواج منه فتخفيها بأمور روحية أنت تنفيها من أصلها، ثم بعد ذلك تعاود الكرة لتنفى هذه أيضا مرة أخرى كما طمستها من قبل فيتم لك الأمران لا أخلاق، ولا نبوة، وإنما هو مشروع عربي إصلاحي، الدين عنصر من عناصره، وهو ديدنك في كتاباتك كافة، إن المرء ليضرب كفًا بكف لمثل هذا، وأعجب منه أن يصدقه أحد للأسف ظانًا منه أنه وأمثاله من منصفي المستشرقين، بل إن الاستشراق لم يصنع أو يولد للإنصاف بل لمحاربة الإسلام، فأنى ينصفون، ومدّعو الإنصاف والحياد والعلمية منهم أخبثهم وأمعنهم تضليلاً وأشدهم فسادًا وإفسادًا في الدين والعقل والفكر، لم تغز أراضى الإسلام إلا بهم، ولكنها لم تغز بالشتّامين الوقحين منهم لأن ذلك منهم حاجز يحجب عنهم قبول الناس لكلامهم.
المبحث التاسع
مشاركته في بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود
وهذا المبحث من سيرته المشرفة ﷺ نسوقه لأمرين:
الأول: هو ارتضاء قريش كلها لتحكيمه ورأيه ﷺ قبل البعثة وقد كانوا يسمونه الأمين مع ذكر أمانة الرسل في القرآن الكريم، ومقارنة ذلك بحال النبي ﷺ وهو منهجنا في عرض السيرة ومقارنتها.
стр. 212
الثاني: توضيح مشاركة النبي ﷺ لأهل مكة، وحضوره في قضاياها حضورًا بناء يؤكد إيجابيته ﷺ في التعامل مع من حوله من أهل مكة كافة، حتى وصل إلى هذه الدرجة العالية في فصله في قضاياهم، والتحمل معهم لما ينزل بهم وهي نقطة الانطلاق في الرد على "وات" ومن لف لفه من المستشرقين، من تعتيمهم على هذه الفترة من حياته الشريفة ﷺ محتجين بما ورد في سورة الضحى، بطمس الواقع وليِّ الحقائق.
وبداية الحديث التي اخترناها في بناء الكعبة موغلة في القدم إلى إبراهيم ﵇ لربط الوقائع واتصال الأحداث.
وهي كما ذكر أصحاب السير والمحدثون (١) أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم ﵇ ببناء الكعبة، وعرض ﵇ الأمر على ولده إسماعيل ﵇ الذي نشأ في هذا الموضع حيث تركه رضيعًا مع أمه في هذا المكان حتى حفر لهم جبريل زمزم بعد أن كادوا يهلكون من العطش، وشب إسماعيل في جُرهم التي نزلت بجوارهم لما رأوا الماء وتزوج منهم، وكان إبراهيم ﵇ يطالع تركته تلك بين الحين والآخر حتى أمره الله سبحانه في هذه المرة ببناء بيته، ورفع قواعده وعرفه مكان البيت كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، وساعده إسماعيل ﵉ في ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وكان يبني ساقًا كل يوم، حتى إذا بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ابغني حجرًا، فالتمس حجرًا حتى أتاه به، فوجد الحجر الأسود قد ركب، فقال له ابنه: من أين لك هذا؟ قال جاء به من لم يتكل على بنائك، جاء
стр. 213
به جبريل ﵇ من السماء حتى أتمه.
وروى البيهقي أيضًا أنه عندما انهدم البيت بنته العمالقة، وعندما انهدم للمرة الثانية بنته جرهم، وعندما انهدم للمرة الثالثة بنته قريش ورسول الله ﷺ رجل شاب ... (١)، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود إلى مكانه اختصموا فيه، فقالوا نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول الله ﷺ ، وقد أكد ذلك ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السير أن قريشًا اختلفت في وضع الحجر الأسود في مكانه، قالوا: اجعلوا بينكم حكمًا، فقالوا أول رجل يطلع من الفج، فجاء رسول الله ﷺ فقالوا أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فرفعوا نواحيه، فوضعه النبي ﷺ في مكانه المطلوب، هذا علاوة على ما كان منه في نقل الحجارة مع العباس في بناء الكعبة إذ شاركهم بأعظم جهد ممكن وأخلصه ﷺ ، إلى أن جاء دور الحجر الأسود كما في القصة الآنفة الذكر ولولا حكمة الله وهداية النبي ﷺ لهذا الحل، بعد اختيارهم وارتضائهم لقضائه بينهم لسفكت الدماء، فقد روي أنهم اختلفوا إلى حد أن قرَّب بنو عبد الدار جفنة مملؤة دمًا، ثم تعاهدوا هم وبنو عدي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا دون أن يردها إلى الوفاق رأي أو تدبير، حتى كان خمود نار الفتنة على يد رسول الله ﷺ (٢).
ونعود إلى ما دعانا إلى ذكر هذا المبحث، وهما الأمران اللذان ذكرنا في البداية:
والأول: هو ارتضاء قريش عن بكرة أبيها لتحكيمه ممثلة في رؤساء بطونها وقبائلها، والعمل بما رأى، لكونه كان الأمين عندهم.
стр. 214
أما كونه ﷺ محل رضا هؤلاء الكفار آنئذ فهو دليل على كونه قد ساهم في أعمال كثيرة، وقام فيها بالأداء العالي، ولم يقصر فيما أسند إليه، بل بلغ فيه الدرجة القصوى التي تدل على أعلى درجات الأمانة؛ لأن الدرجة العادية كانت - لا شك - لكثير من قريش، ولم يطلق على واحد منهم هذه التسمية، بدليل أنه لو طلع آخر غير النبي ﷺ وارتضوا حكمه فرضًا، فإنهم لن يقولوا جاءكم الأمين.
أما أمانة الرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن الكريم، فقد صرح بها في غير لبس على لسان الرسل ﵈ أنفسهم، فقد جاء في ذكر سيدنا نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٧] وكذلك في حق هود وصالح ولوط وشعيب وموسى (١) ﵈ ونستدل بها على أمانة النبي ﷺ من وجوه نذكر اثنين لأهميتهما:
الأول: أن سياق القرآن الكريم يدل على أن الله تعالى أمر المرسلين بأن يذكروا وينبهوا أقوامهم بأنهم أمناء في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥]، أما الرسول ﷺ فلم يوجه إليه ذلك الأمر، بل الكفار هم المخاطبون له ابتداء بالأمانة، ومن ثم لم نجد في القرآن الكريم قوله للرسول: إني لكم رسول أمين، لأنهم هم من أطلقوه عليه فلم يكن بحاجة إلى تذكيرهم به فكان ﷺ بذلك أعلى درجة بتوفيق الله ورعايته سبحانه.
والوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، فكان بالبرهان أعظمهم أمانة وأعلاهم خلقًا.
стр. 215
فدل هذان الوجهان فقط على أنه ﷺ أعظم الرسل وأعلاهم على الإطلاق أمانة، وبالتالي سيد الدنيا والآخرة في ذلك وغيره.
وهذا الكلام غصة في حلق المستشرقين قبل غيرهم بالبرهان العقلي والدليل المادي الواقع الذي لا ينكره أولو الألباب من غير تعصب ولا هوى.
وأمانة الرسل يراد بها أمران:
الأول: أمانتهم بين أقوامهم قبل تبليغهم الرسالة، وهي دليل على الصدق.
الثاني: الأمانة يحتمل أن يراد بها أنه أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها، إذ لا يرسل الرب من ليس أمينًا عنده ليبلغ أمانته سبحانه إلى الناس.
ويَجمُل أن نشير إلى حاصل كلام الطاهر بن عاشور في تفسيره لتلك الآيات حيث يقول: وجملة: "إني لكم رسول أمين" تعليل للإنكار أو التحضيض وهو في قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ فإن ﴿أَلَا﴾ هنا للإنكار أو التحضيض على الإيمان، أي كيف تستمرون على الشرك، وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمين عندكم.
وكان نوح موسومًا بالأمانة لا يتهم في قومه، كما كان محمد ﷺ يلقب الأمين في قريش. قال النابغة:
فألفيت الأمانة لم تخنها .. ... كذلك كان نوح لا يخون
وتأكيده بحرف التأكيد ﴿إِنِّي﴾ مع عدم سبق إنكارهم أمانته؛ لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، إذ أن الأمانة دليل على صدقه فيما بلغهم من رسالة الله، كما قال هرقل لأبي سفيان - قبل إسلامه -: فهل كنتم تتهمونه