العلامات، وأخذت تبحث عنها حتى تميزتها في رسول الله ﷺ (١).
ألم تطبق من قبل ومن بعد المنهج المادي على مثل هذه الأحداث التي تريد نفيها، وبها تنفى نبوة الرسول، وكمالها وجلالها وجلال رسالة الرب ، فتأتى هنا وتثبتها وما تريد إلا أن تخفي من طرف خبيث صفاته وأخلاقه وشيمه وكمالاته التي لا توجد في مثله حتى حملت خديجة على طلب الزواج منه فتخفيها بأمور روحية أنت تنفيها من أصلها، ثم بعد ذلك تعاود الكرة لتنفى هذه أيضا مرة أخرى كما طمستها من قبل فيتم لك الأمران لا أخلاق، ولا نبوة، وإنما هو مشروع عربي إصلاحي، الدين عنصر من عناصره، وهو ديدنك في كتاباتك كافة، إن المرء ليضرب كفًا بكف لمثل هذا، وأعجب منه أن يصدقه أحد للأسف ظانًا منه أنه وأمثاله من منصفي المستشرقين، بل إن الاستشراق لم يصنع أو يولد للإنصاف بل لمحاربة الإسلام، فأنى ينصفون، ومدّعو الإنصاف والحياد والعلمية منهم أخبثهم وأمعنهم تضليلاً وأشدهم فسادًا وإفسادًا في الدين والعقل والفكر، لم تغز أراضى الإسلام إلا بهم، ولكنها لم تغز بالشتّامين الوقحين منهم لأن ذلك منهم حاجز يحجب عنهم قبول الناس لكلامهم.
المبحث التاسع
مشاركته في بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود
وهذا المبحث من سيرته المشرفة ﷺ نسوقه لأمرين:
الأول: هو ارتضاء قريش كلها لتحكيمه ورأيه ﷺ قبل البعثة وقد كانوا يسمونه الأمين مع ذكر أمانة الرسل في القرآن الكريم، ومقارنة ذلك بحال النبي ﷺ وهو منهجنا في عرض السيرة ومقارنتها.
стр. 212
الثاني: توضيح مشاركة النبي ﷺ لأهل مكة، وحضوره في قضاياها حضورًا بناء يؤكد إيجابيته ﷺ في التعامل مع من حوله من أهل مكة كافة، حتى وصل إلى هذه الدرجة العالية في فصله في قضاياهم، والتحمل معهم لما ينزل بهم وهي نقطة الانطلاق في الرد على "وات" ومن لف لفه من المستشرقين، من تعتيمهم على هذه الفترة من حياته الشريفة ﷺ محتجين بما ورد في سورة الضحى، بطمس الواقع وليِّ الحقائق.
وبداية الحديث التي اخترناها في بناء الكعبة موغلة في القدم إلى إبراهيم ﵇ لربط الوقائع واتصال الأحداث.
وهي كما ذكر أصحاب السير والمحدثون (١) أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم ﵇ ببناء الكعبة، وعرض ﵇ الأمر على ولده إسماعيل ﵇ الذي نشأ في هذا الموضع حيث تركه رضيعًا مع أمه في هذا المكان حتى حفر لهم جبريل زمزم بعد أن كادوا يهلكون من العطش، وشب إسماعيل في جُرهم التي نزلت بجوارهم لما رأوا الماء وتزوج منهم، وكان إبراهيم ﵇ يطالع تركته تلك بين الحين والآخر حتى أمره الله سبحانه في هذه المرة ببناء بيته، ورفع قواعده وعرفه مكان البيت كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، وساعده إسماعيل ﵉ في ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]، وكان يبني ساقًا كل يوم، حتى إذا بلغ مكان الحجر، قال لابنه: ابغني حجرًا، فالتمس حجرًا حتى أتاه به، فوجد الحجر الأسود قد ركب، فقال له ابنه: من أين لك هذا؟ قال جاء به من لم يتكل على بنائك، جاء
стр. 213
به جبريل ﵇ من السماء حتى أتمه.
وروى البيهقي أيضًا أنه عندما انهدم البيت بنته العمالقة، وعندما انهدم للمرة الثانية بنته جرهم، وعندما انهدم للمرة الثالثة بنته قريش ورسول الله ﷺ رجل شاب ... (١)، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود إلى مكانه اختصموا فيه، فقالوا نحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة فكان رسول الله ﷺ ، وقد أكد ذلك ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السير أن قريشًا اختلفت في وضع الحجر الأسود في مكانه، قالوا: اجعلوا بينكم حكمًا، فقالوا أول رجل يطلع من الفج، فجاء رسول الله ﷺ فقالوا أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوب، ثم دعا بطونهم، فرفعوا نواحيه، فوضعه النبي ﷺ في مكانه المطلوب، هذا علاوة على ما كان منه في نقل الحجارة مع العباس في بناء الكعبة إذ شاركهم بأعظم جهد ممكن وأخلصه ﷺ ، إلى أن جاء دور الحجر الأسود كما في القصة الآنفة الذكر ولولا حكمة الله وهداية النبي ﷺ لهذا الحل، بعد اختيارهم وارتضائهم لقضائه بينهم لسفكت الدماء، فقد روي أنهم اختلفوا إلى حد أن قرَّب بنو عبد الدار جفنة مملؤة دمًا، ثم تعاهدوا هم وبنو عدي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم، ومكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسًا دون أن يردها إلى الوفاق رأي أو تدبير، حتى كان خمود نار الفتنة على يد رسول الله ﷺ (٢).
ونعود إلى ما دعانا إلى ذكر هذا المبحث، وهما الأمران اللذان ذكرنا في البداية:
والأول: هو ارتضاء قريش عن بكرة أبيها لتحكيمه ممثلة في رؤساء بطونها وقبائلها، والعمل بما رأى، لكونه كان الأمين عندهم.
стр. 214
أما كونه ﷺ محل رضا هؤلاء الكفار آنئذ فهو دليل على كونه قد ساهم في أعمال كثيرة، وقام فيها بالأداء العالي، ولم يقصر فيما أسند إليه، بل بلغ فيه الدرجة القصوى التي تدل على أعلى درجات الأمانة؛ لأن الدرجة العادية كانت - لا شك - لكثير من قريش، ولم يطلق على واحد منهم هذه التسمية، بدليل أنه لو طلع آخر غير النبي ﷺ وارتضوا حكمه فرضًا، فإنهم لن يقولوا جاءكم الأمين.
أما أمانة الرسل عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن الكريم، فقد صرح بها في غير لبس على لسان الرسل ﵈ أنفسهم، فقد جاء في ذكر سيدنا نوح ﵇ قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٠٥ - ١٠٧] وكذلك في حق هود وصالح ولوط وشعيب وموسى (١) ﵈ ونستدل بها على أمانة النبي ﷺ من وجوه نذكر اثنين لأهميتهما:
الأول: أن سياق القرآن الكريم يدل على أن الله تعالى أمر المرسلين بأن يذكروا وينبهوا أقوامهم بأنهم أمناء في قوله: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٢٥]، أما الرسول ﷺ فلم يوجه إليه ذلك الأمر، بل الكفار هم المخاطبون له ابتداء بالأمانة، ومن ثم لم نجد في القرآن الكريم قوله للرسول: إني لكم رسول أمين، لأنهم هم من أطلقوه عليه فلم يكن بحاجة إلى تذكيرهم به فكان ﷺ بذلك أعلى درجة بتوفيق الله ورعايته سبحانه.
والوجه الثاني: أن رسول الله ﷺ سيد ولد آدم، فكان بالبرهان أعظمهم أمانة وأعلاهم خلقًا.
стр. 215
فدل هذان الوجهان فقط على أنه ﷺ أعظم الرسل وأعلاهم على الإطلاق أمانة، وبالتالي سيد الدنيا والآخرة في ذلك وغيره.
وهذا الكلام غصة في حلق المستشرقين قبل غيرهم بالبرهان العقلي والدليل المادي الواقع الذي لا ينكره أولو الألباب من غير تعصب ولا هوى.
وأمانة الرسل يراد بها أمران:
الأول: أمانتهم بين أقوامهم قبل تبليغهم الرسالة، وهي دليل على الصدق.
الثاني: الأمانة يحتمل أن يراد بها أنه أمين من جانب الله على الأمة التي أرسل إليها، إذ لا يرسل الرب من ليس أمينًا عنده ليبلغ أمانته سبحانه إلى الناس.
ويَجمُل أن نشير إلى حاصل كلام الطاهر بن عاشور في تفسيره لتلك الآيات حيث يقول: وجملة: "إني لكم رسول أمين" تعليل للإنكار أو التحضيض وهو في قوله: ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ فإن ﴿أَلَا﴾ هنا للإنكار أو التحضيض على الإيمان، أي كيف تستمرون على الشرك، وقد نهيتكم عنه وأنا رسول لكم أمين عندكم.
وكان نوح موسومًا بالأمانة لا يتهم في قومه، كما كان محمد ﷺ يلقب الأمين في قريش. قال النابغة:
فألفيت الأمانة لم تخنها .. ... كذلك كان نوح لا يخون
وتأكيده بحرف التأكيد ﴿إِنِّي﴾ مع عدم سبق إنكارهم أمانته؛ لأنه توقع حدوث الإنكار، فاستدل عليهم بتجربة أمانته قبل تبليغ الرسالة، إذ أن الأمانة دليل على صدقه فيما بلغهم من رسالة الله، كما قال هرقل لأبي سفيان - قبل إسلامه -: فهل كنتم تتهمونه
стр. 216
بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ - يعني رسول الله ﷺ قال أبو سفيان: قلت: لا! ... إلى أن قال هرقل: وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرتَ أن لا! فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله (١).
فكانت حكاية نوح تسلية للنبي ﷺ مما حدث من قومه، ولكنهم مع ذلك لم يكونوا يكذبونه كما ذكر القرآن الكريم تثبيتًا للنبي ﷺ وإذهابًا للحزن عنه حيث قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، ويحتمل أن يراد به أمين من جانب الله تعالى على الأمة التي أرسل إليها، والتأكيد أيضًا لتوقع الإنكار منهم (٢)، تلك الأمانة التي تدلنا على صدق الرسول في الوحي وغيره مما أخبر به، هي رد قاطع على "وات" في هذيانه من بدايته إلى نهايته.
الأمر الثاني: الذي سقنا بسببه هذا المبحث، وهو مشاركته أهل مكة حتى وصل إلى هذه الدرجة بينهم.
أشرنا في الأمر الأول إلى أن ارتضاءهم لرأيه ﷺ وتنفيذهم له لم يكن من فراغ، أو انكفاء على الذات، أو مقاطعة أو انشغال عن أحداث المجتمع، بل جاء إسهام النبي ﷺ في القضايا الكبرى وغيرها التي عاشتها مكة آنذاك مغطيًا شتى مساحات العمل البشري، عاملاً في كل اتجاه، حتى قالت له خديجة ﵂ «والله لا يخزيك الله أبدًا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتَصْدُقُ الحديث، وتحمل الكلَّ، وتَكسِبُ المعدوم، وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق» (٣) فكان يبني كل هذه النشاطات عبر شخصية قادرة على التصدي
стр. 217
لكل مشكلة، والإسهام الايجابي الفعال الذي من شأنه أن يعيد حقًا، أو يقيم عدلاً، أو يواسي ويقف ويعين إلى آخر ما ذكرت خديجة عن إسهاماته الفذة غير المعهودة في تلك البيئة حتى لقبوه بذلك، وأودعوه أماناتهم، وهم يخالفونه في الدين، فقد ترك علي بن أبي طالب في الهجرة ليرد للكفار أماناتهم التي استودعوه إياها إذ لم يكن مثله أحد يمكن الثقة فيه مع مخالفتهم له.
وكان عمله في بناء الكعبة، وإيقاف نزيف الدم المنتظر، ووأد الفتنة أحد الأنشطة التي قام بها.
نأتي لتعليق "وات" على هذه الجزئية لنناقشه فيها:
و"وات " كما دللنا بالمواضع التي ذكرنا من قبل لم يترك شيئَا من حقائق السيرة إلا حاول بكل ما أوتي أن يلويها ويغيرها، ويذهب بها بعيدًا عن سياقها، ويدمر معانيها، وما لم يستطع أخفاها كأن لم تكن، ولم يقرأها كأن على بصره كما على قلبه غشاوة، ونبرهن على قليل من فيضه بهذه الجزئية، فهو لم ير في الفترة من زواج النبي ﷺ بخديجة ﵂ إلى أن أتاه الوحي إلا ثلاث آيات من سورة الضحى، وتلخيص كلام "وات"، وهو نفس كلام "بروكلمان" (١) أنه لا يصح في هذه الفترة من معلومات نستدل بها عليها، إلا ما حدث فيما بعد، مثال ذلك آيات في سورة الضحى، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ ويقول وستأتي إشارات أخرى عن هذه السنين المجهولة في سياق الحديث.
стр. 218
فقل لي بربك بأي شيء يوصف هذا الكلام، لم ير "وات" في هذه السنين المجهولة إلا يتمه وضلاله وفقره، أكثر من خمسة عشر عامًا.
ويقال، كيف يكون الرسول ﷺ قد تزوج ويطلق عليه يتيم، هذا هزل وتنكيت في مقام الجد والبحث، ثم نعيد ما قال في الوصف الثالث، وهو فقره كيف يكون فقيرًا بعد الزواج كما يدعي أن هذه الآيات هي التي توضح تلك الفترة من عمره الشريف، وهو القائل قبل قليل في الصفحة السابقة، إنه بزواجه قد وضع قدمه على أول درجة على الأقل من درجات النجاح الدنيوي. (١)
ثم أنّى له الضّلال، وقد ذكر أنه بزواجهِ بخديجة، بدأ الانتظام في التردد على ورقة بن نوفل وظهرت آثار التعاليم المسيحية على اتجاهه فيما بعد (٢)، إلا أن يكون هذا التأثير المسيحي الذي يهلِّل له هو ذلك الضَّلال الذي ظنَّ وقوعه فيه في هذه الفترة، وكيف يشجعه ورقة، وتشد خديجة من أزرهِ ليثبت على هذا الضَّلال.
ثم ننظر من وجهة أخرى تكشف جانبًا غريبًا من تفكير "وات" ومنهجه وهي أنه بعد أربعة عشر قرنًا من الزمان يخبرنا بهذا البحث أقصد الهذيان، ولم يأخذ بقول من عاشروه ونقلوا سيرته، وتتبعوا أخباره، وهو يعتمد كتبهم وينقل منها، ألم يتكلم محمد ﷺ بشيء خمس عشرة سنة، ولم يبع ولم يشتر ولم يعاشر، ولم يشارك في شيء حتى سمي بالأمين، ترى هذا الوصف يوسم به في يوم وليلة، أم أنه نتيجة احتكاكات طويلة، ومعاشرات ومعاملات ومصادقات، وإعطاء وأخذ ورد ومواقف كلامية ونفسية، وعلاقات اجتماعية واقتصادية، حتى يقال ذلكم الأمين الذي ليس مثله أحد.
стр. 219
إن لقب الأمين علامة على مشاركته، وعلامة كذلك على المدى الذي أوصلته إليه هذه الإسهامات والأخلاق فيها، وإلى أي علو وصل سموه الخُلُقي والسلوكي، قد يقال إن المسلمين في ترجمتهم له وكَتبِهم لسيرته هم من أطلقوه، والرد إن "وات" يعلم قبل غيره أن من أطلق هذا الوصف هم الكفرة المناوئون له.
وقد أشرنا إلى أن هذا الوصف إنما هو من تربية الله للمصطَفينَ من عباده، وإلا كيف ذكر عن الأنبياء السابقين، وأشار أهل الجاهلية إليه كما ذكره النابغة في شعره عن نوح ﵇ والقرآن الكريم كتاب هداية عقيدة وشريعة ليس كل اعتنائه منصبًّا على ذكر تفاصيل حياة النبي ﷺ لحظة بلحظة لا يعقل هذا له وإنما يترجم بقدر العون على الدعوة بعد التصديق بالرسالة والإيمان بالوحي إذ هو الوسيلة لتلك الأهداف، ومن ثم يشير إلى رؤوس القضايا والملامح العامة والتي تدل على ما تحتها وما وراءها دلالة باهرة لتلك الوسيلة مع الإسهاب في الهدف والغاية.
ومن ذلك ما صادفه "وات" لا محالة في أول ما نزل من الوحي قوله تعالى للرسول ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٥] فهذا الثناء الجامع يدل على ما تحته من جزئيات الأخلاق كافة، فهو ﷺ كما شرحنا في الفصل الأول حاز بهذه الآية جميع الأخلاق الفاضلة، وفي نفس الوقت حصل من كل خلق أعظمه وأعلاه، وهذا الخلق العظيم يضادّ تمامًا أن تكون هذه السنوات الطويلة مجهولة، والتي توازي أكثر من ربع عمره الشريف حتى آتاه الوحي بإرهاصاتها، ومشاركاته وإسهاماته دون أن يَرُدَّ هذا الثناء مشركو عصره، ومقاتلوه ومناوئوه، وأن يُظهروا كذبه بأدنى مخالفة، وأقل تكلفة من ثمن اللجوء لحربه والتنكيل والاستهزاء والإيذاء له ولأصحابه، إذ لو ثبت كَذِبُهُ حاشا له ﷺ في خلق واحد لقضي على الرسالة في مهدها، ولعيَّره المشركون بذلك ولصُدَّ كلُ الناس عن الإيمان بدعوته بإثبات
стр. 220
اختلاق القرآن الكريم، وادعاء الوحي.
لا أظن في هذه العجالة يمكن أن يبقى لـ"وات" متنفس يهذي به مرة أخرى ولكنها الاستماتة في الدفاع عن الباطل، وإن حماية الكفرة من أمثاله أن يدخلوا في الإسلام ما زال يحمله على نفث سمومه في كل شيء من الرسالة والرسول، وبكل صفاقة يهز إيمان المسلمين مع ذلك، ولا يرعوي عن استمراره في الكتابة بما يعلم تناقضه واضطرابه ومجافاتة للحقيقة.
стр. 221
الفصل الثاني
البشارات بالنبي ﷺ إرهاصًا بنبوته
стр. 222
تمهيد
وهي البشارات التي جاءت عمن سبق من الأنبياء ﵈، أو من أهل الكتاب، أو من العرب، وهذه البشارات نذكر منها شيئًا مما ذكرته كتب أهل الكتاب، أو جاء في السُنَّة المشرفة، ثم نذكر ما ورد في القرآن الكريم ليؤكد ذلك كله الرد على "وات" في إثبات الرسالة وصحة النبوة لسيدنا محمد ﷺ .
стр. 223
المبحث الأول
بشارات الأنبياء بالرسول ﷺ والمصادر
يقول الدكتور أكرم العمري: وقد وقع التحريف في نسخ التوراة والإنجيل وحذف منهما التصريح باسم محمد ﷺ إلا توراة السامرة، وإنجيل برنابا الذي كان موجودًا قبل الإسلام، وحرَّمت الكنيسة تداوله في آخر القرن الخامس الميلادي، وقد أيدته المخطوطات التي عثر عليها في منطقة البحر الميت حديثًا، فقد جاءت في إنجيل برنابا العبارات المصرحة باسم النبي محمد ﷺ مثل ما جاء في الإصحاح الحادي والأربعين منه، ونص العبارة: ([٢٩] فاحتجب الله وطردهما الملاك ميخائيل من الفردوس [٣٠] فلما التفت آدم رأى مكتوبًا فوق الباب: لا إله إلا الله محمد رسول الله) وفي موضع آخر منه هذه العبارة (١٦٣: ٧)، أجاب التلاميذ: يا معلم من عسى أن يكون ذلك الرجل الذي تتكلم عنه الذي سيأتي إلى العالم، أجاب يسوع بابتهاج قلب: إنه محمد رسول الله).
ونذكر مثل هذه البشارات في إنجيل برنابا في مواضع كثيرة - وهو مطبوع - وهذه العبارة المشهورة عند النصارى اليوم لم تترجم من السيريانية إلى العربية الترجمة الصحيحة كما حقق ذلك الأستاذ / عبد الأحد داؤد، وهي في إنجيل لوقا (٢: ١٤).
والحق إذن أن نسخ الكتب السماوية المتداولة خلال القرون الثمانية بين علماء أهل الكتاب من لدن القرن السادس الهجري، وما قبله كذلك تعرضت لحذف اسم النبي ﷺ وحذف النصوص الواضحة الدلالة على صفاته، كما يتضح ذلك من النقول التي أوردها
стр. 224
العلماء المسلمون في كتبهم مثل ابن قتيبة والماوردي والقرافي وابن تيمية وابن القيم؛ مما يشير إلى محو أهل الكتاب ذلك من كتبهم إثر المجادلات الدينية، واحتجاج المسلمين بها عليهم، ولكن الكلام كما هو معلوم قد حوته مجلدات ضخام لا تعد ولا تحصى، تبين ما نحن بصدده وهو ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وكان يقرأ في الكتب المتقدمة - كان يقول إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] هي في التوراة: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفا) (١).
قد يرد أحدهم هذا تحيز من مسلم لرسوله، والرد الأول إنهم ما كانوا ليكذبوا له، ومن فعل ذلك ردت روايته، وتبوأ مقعده من النار، والكذب لم يكن بتاتاً من أخلاقهم كما هي شهادة أعدائهم قبل علمائهم وعوامهم، وإنما يرمي به من يرمي غيره بالكذب لتأصل ذلك فيه.
الثاني: أن ذلك انتشر بين أهل الكتاب وردهم على شخص غير شخص الرسول ﷺ أسهل بكثير من ردهم على الرسول ﷺ ، خاصة وقد نقلت كتب التاريخ حريتهم في المناظرة والرد والكتابة ضد الإسلام من أيامه الأولى.
стр. 225
المبحث الثاني
إرهاصات النبوة الواردة في السنة المشرفة
حيث نذكر شيئًا منها ..
١ - روى ابن إسحاق في ضمن ما أخبر به اليهود برسول الله ﷺ أن يهوديًا كان من جيران بني عبد الأشهل - من الأنصار - حدثهم عن البعث والجزاء فاستنكروا ذلك، وطالبوه بآية عليه، فقال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد، وأشار بيديه جهة مكة واليمن، فقالوا: ومتى تراه؟ فنظر إلى سلمة بن سلامة بن وقش وكان أحدثهم سناً، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، فما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدًا ﷺ (١).
٢ - ونذكر هذه القصة لحبر آخر من أحبار اليهود، ونسردها كلها لما تحتويه من الأمور المهمة التي تظهر صدق الرسالة، وفي نفس الوقت الرد على شبهات المستشرقين والمبشرين والدجالين، تاركين موضع الاستدلال والاعتبار لحروفها ومعانيها، وقد ذكر أيضًا ابن اسحاق في السيرة أنها كانت من أسباب إسلام "ثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وأسد
стр. 226
بن عبيد" من يهود بني هدل، إخوة بني قريظة، وذلك عندما حاصر رسول الله ﷺ بني قريظة في غزوة الأحزاب عندما غدروا بالنبي ﷺ والمسلمين، حتى كادت أن تستباح المدينة المنورة، ويقضوا على الدعوة وصاحبها، وها هي ذي الرواية، يقول ابن اسحاق بسنده عن شيخ من بني قريظة: قدم علينا رجل من يهود أهل الشام يقال له ابن الهيِّبان، وذلك قبيل الإسلام بسنين، فحل بين أظهرهم، فما رأينا رجلاً لا يصلي الخمس أفضل منه، فأقام عندنا، فكنا إذا قحط عنا المطر قلنا له: اخرج يا ابن الهيِّبان فاستق لنا، فيقول لا والله، حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة، فنقول له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر، أو مدين من شعير، ثم يخرج بنا إلى ظاهر حَرَّتنا، فيستقي الله لنا، فوالله ما يبرح مجلسه، حتى يَمُرَّ السحابُ ونسقي، قد فعل ذلك غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث، قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميِّت، قال: أيا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قال: قلنا: إنك أعلم، قال: فإني قدمت هذه البلدة أتوكَّف خروج نبي قد أظل زمانه وهذه البلدة مهاجَرُه، فكنت أرجو أن يبعث فأتبعه، وقد أظلكم زمانه، فلا تُسْبَقُنَّ إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذرارى والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه.
فلما بعث رسول الله ﷺ وحاصر بني قريظة، قال هؤلاء الفتية، وكانوا شبابًا أحداثًا: يا بني قريظة، والله إنه للنبي الذي كان عهد إليكم فيه ابن الهيِّبان، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا فأسلموا، وأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم (١).
стр. 227
٣ - وجاء في صحيح الأخبار أن الله تعالى لما أراد هدى "زيد بن سعنة" - الحبر اليهودي - قال: "إنه لم يبق من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في وجه محمد ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا"، وجهل على رسول الله ﷺ حتى تأكد من هاتين الخصلتين (١).
٤ - ومما يجدر الإشارة إليه أيضًا إسلام الحبر الكبير "عبد الله بن سلام" واسمه في اليهودية الحصين بن سَلاَم، حيث قال فيه اليهود قبل أن يعلموا بإسلامه لما سألهم رسول الله ﷺ : "أي رجل الحصين بن سلام فيكم؟ " قالوا سيدنا وابن سيدنا، وحبرنا وعالمنا، فخرج عليهم، وقال: يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله إنكم لتعلمون أنه لرسول الله، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة باسمه وصفته، فإني أشهد أنه رسول الله وأومن به وأصدقه وأعرفه، فقالوا كذبت ثم واقعوا بي، قال: فقلت لرسول الله ﷺ : ألم أخبرك يا رسول الله أنهم قوم بهت، وأهل غدر وكذب وفجور! قال: فأظهرت إسلامي وإسلام أهل بيتي، وأسلمت عمتي خالدة بنت الحارث فحسن إسلامها (٢).
ونختم هذه العجالة عن اليهود بآية أخرى من القرآن الكريم، تثبت علم اليهود بالنبي ﷺ ، وانتظارهم له، وأن ذلك كان مشهورًا بينهم، وما أخفاه بعد ذلك إلا كبراؤهم حسدًا وبغيًا، ويأتلف بذلك الوارد من القرآن الكريم مع السنة النبوية، وتتأيد به الروايات، وهذه الآية الكريمة هي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقد نزلت في يهود المدينة، حيث كانوا يعرفون أن زمان بعثة النبي ﷺ قد اقترب،
стр. 228
وكانوا يزعمون أنه منهم، ويتوعدون به العرب، وقد بين الله تعالى كما ذكرنا من قبل أنهم يعرفونه بصفاته التي ذكرت في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، وإنما أنكروا نبوته بعد ظهوره، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤].
وقد ورد في ذلك قول رجل من الأنصار: "إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه، لما كنا نسمع من رجال يهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نِلنَا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن، نقتلكم معه قتل عاد وإرم" (١).
стр. 229
المبحث الثالث
إخبار النصارى به ﷺ والمصادر التى اعتمد عليها «وات»
ونذكر شيئًا مما ورد في السنة عن النصارى في البشارة به، لنعود به إلى منهجنا في ذكر ما ورد في القرآن الكريم، ومقارنة ذلك وتحليله لنستكمل بكل جزئية ما أخذنا به أنفسنا من دراسة السيرة:
١ - وأول ما نبدأ به لطرافته مع الاختصار قصة سلمان الفارسي ﵁ فقد أخبر ﵁ في قصة إسلامه الطويلة أن راهب النصارى في عمورية عندما حضرته الوفاة طلب منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: أي بني والله ما أعلمه بقى أحد على مثل ما كنا عليه آمرك أن تأتيه، ولكن أظلك زمان نبي يبعث من الحرم، بين كتفيه خاتم النبوة، يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تخلص إلى تلك البلاد فافعل فإنه قد أظلك زمانه". ثم قص سلمان خبر قدومه إلى المدينة واسترقاقه، ولقائه برسول الله ﷺ حين الهجرة، وإهدائه له طعامًا على أنه صدقة فلم يأكل منه الرسول ﷺ ثم إهدائه له طعامًا على أنه هدية وأكل منه، ثم رؤيته خاتم النبوة بين كتفيه، وإسلامه على إثر ذلك. (١)
стр. 230
٢ - قصة هرقل ملك الروم، وقد رواها البخاري ومسلم وغيرهما، فقد أرسل الرسول ﷺ كتابًا مع دحية الكلبي ﵁ إلى قيصر الروم يدعوه إلى الإسلام، فلما قرأ رسالة النبي ﷺ بحث عمن يعرفه، فدعاهم لمجلسه مع الترجمان فقال: أيكم أقرب نسبًا بهذا الرجل الذي يدعي أنه نبي؟ فقال له أبو سفيان: أنا أقربهم نسبًا، فأدناه وقرب أصحابه منه لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب، فأخذ يسأله عن صفات النبي ﷺ وأحواله، كما ورد في الحديث الطويل المشهور، ومنها علم أنه النبي المرسل ﷺ فقال في ختام كلامه لأبي سفيان: إن كان ما تقول حقًا فسيملك موضع قدمي هاتين وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه". (١)
٣ - إسلام ورقة بن نوفل، وهو ما يصدم "وات" في آرائه التي يؤكد بها تأثر النبي ﷺ باليهود والنصارى، وكذلك تأثر تعاليم الإسلام باليهودية والنصرانية، وقد ذكرنا هذه القصة في منهج التأثير والتأثر، أما إسلام ورقة الذي تعامى عنه "وات"، والذي يمثل منهج الانتقاء مع التدليس والغش للقارئ، فقد جاء في مسند أحمد، وهو من المصادر التي رآها واعتمدها "وات" فيما كتب، ولا شك قرأ فيه ما يتعلق بسيرة ورقة التي اخترع جزءًا كبيرًا منها من بنات أفكاره، ووحي شيطانه، ولم يستح وهو يذكر ذلك، وسنشير إليه مرة أخرى في بدء الوحي.
يقول الرسول ﷺ فيما يثبت أن ورقة من المسلمين الأوائل:» قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض «(٢)، وفي رواية أخرى:» قد
стр. 231
رأيته فرأيت عليه ثياب بياض أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس «(١)، وقال ﷺ :» لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين «(٢) وقال:» يبعث يوم القيامة أُمَّة وحده «(٣) ويبدو من سياق الأحاديث أنَّ الرسول ﷺ قد سئل عن ورقة ذلك الذي تنصر ثم أدرك أول البعثة المحمدية وظنوا عدم إسلامه فكأنهم سبّوه على تنصره، وقالوا هو من أهل النار، فإذا بالنبي يوحى إليه في المنام - ورؤيا الأنبياء حق - أن ورقة من أهل الجنة فبشرهم بإسلامه وأخبرهم بالبرهان على ذلك عن الله تعالى، وهو ما يؤيده قول ورقة للرسول ﷺ : وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، تُرَى بنصره على تعاليم النصرانية والوثنية، أم ينصره كما قال فيما جاء به أي من الإسلام ونضيف إليها:
أ - مفاجأة ورقة بن نوفل بكلام النبي ﷺ حيث قال له: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيه جذعًا، ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال ﷺ :» أو مخرجي هم؟ «قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك حيًا أنصرك نصرًا مؤزرًا.
وافتراض المفاجأة بسبب كلام ورقة نفسه، حيث قال من ضمن ما قال إن هذا هو الناموس، ولم يحدث حتى في قول "وات" أن ورقة أخبر النبي ﷺ عندما كان يتردد عليه هذا التردد المزعوم المفترى من "وات" كما سنبين إن شاء الله ذلك ذكر هذا الناموس، وإنما فوجئ به ورقة في كلام النبي ﷺ عندما ذكر له أوصاف ذلك الذي أتاه، فلم يتمالك ورقة نفسه أن أخبره أن هذا الملك هو الذي كان ينزل بالوحي على الأنبياء.
стр. 232
ب - أما المفاجأة الأخرى فهي التمني، حيث كان رد فعل ورقة على كلام النبي ﷺ أن يكون جذعًا عند إخراج قومه له من مكة، ولو كان له به علم أو سبق حديث بينه وبين النبي ﷺ لكان رد فعله عاديًا لا تمني فيه ولا رجاء إذ هو قد علم محمدًا ذلك من قبل وشد أزره، ولما فوجئ النبي ﷺ أيضًا بهذا الخبر الذي لا مدخل للعقل والفهم فيه، بل هو مما يعلمه ورقة من الكتاب أي الإنجيل الذي كان يقرأه.
وهاتان المفاجأتان قد وضعتا ورقة في مكانه الصحيح الذي يبحث عنه، وهو الدين الحق الذي يود اتباعه، حيث وجد من نزل عليه ناموس الأنبياء، ودلت أوصافه على صدقه وعلى كونه هو النبي المنتظر الذي يود ورقة أن يفديه بروحه ويقف دونه بنفسه.
وهكذا يتضح من كلام ورقة الذي يعرفه "وات" ويستدل به لكن للأسف على طمس الحقائق وإخفاء إسلامه، وإيمانه بالنبي ﷺ ، ولنا عود نستكمل به كلام ورقة في الاستدلال على الوحي حيث ذكر ذلك "وات" مستدلاً به على باطله بما يخالف العقل والنقل، أين الإشارة فقط إلى إسلام ورقة في كلام "وات"؟
وهنا سؤال نذكر به، وهو على أي المصادر إذن يعتمد "وات"؟ إذا تفحصنا بتأمل هذا الهراء منه ثبت أنه لا مصادر له، وأن ما رتب من مصادر إسلامية فهي غير معتمدة عنده مع أنه لا مصادر له سواها لأنه لم يكن هناك خواجات يكتبون السيرة ويؤرخون أيام النبي ﷺ وبعده لأن الصحيح منها يرده "وات" ولا يحتج به، لأنه لن يصل به إلى النتيجة المعدة سلفًا، وأن الشاذ الباطل، والموضوع غير الصحيح هو مرتكزه بعد شيء آخر من التحريف والتلفيق ليخرج كما يريد، إذ ليس كل الباطل أيضا يسعفه في إثبات قضاياه.
فماذا نقول في هذا البحث العلمي؟!! ومصادره ..
نعود لاستكمال البحث ..
стр. 233
٤ - إسلام النجاشي ملك الحبشة، وهو غير النجاشي الذي أرسل إليه رسول الله ﷺ يدعوه إلى الإسلام، وقد أسلم هذا الملك بعد هجرة المسلمين إلى الحبشة وإحساس قريش بالخطر من الأمان الذي أعطاه النجاشي للمسلمين حيث أقاموا مع خير جار في خير دار - كما تقول السيدة أم سلمة (١) ﵂ والرواية الصحيحة تذكر أن القسيسين والرهبان الذين حضروا مجلس النجاشي وسمعوا القرآن انحدرت دموعهم مما عرفوا من الحق فأنزل الله تعالى: ﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٢) [المائدة: ٨٢، ٨٣] ولا شك أن مثل هذا الذي اجتمع عليه القرآن الكريم والسنة النبوية، والروايات الإخبارية لا يعدل عنه إذ لا يتطرق إليه ريب في صحته ولا تردد. وإلا تركنا الاحتجاج بكل أخبار هذا العالم.
ويدل هذا الخبر بطوله حيث ذكره ابن إسحاق وابن هشام وغيرهما من المفسرين وحفاظ السير على إسلام هذا الملك العادل، وقد صلى الرسول ﷺ صلاة الغائب (الجنازة) عندما جاءه خبر موته، وما كان ليصلي إلا على مسلم (٣).
ولم يكن العرب بأقل من غيرهم انتظارًا لمجيء النبي ﷺ إلى هذا العالم، وقد كان فيهم رفقاء ورقة بن نوفل في طلب الحق، مثل زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة الإيادي، وكان هناك غيرهم كأبي ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة وسواد بن قارب، وكان منهم كسواد من له علاقة بقضايا الجن إذ كانت معلومة عندهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ
стр. 234
الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦] وسمع منهم ما يدل على إرسال الرسول ﷺ وهؤلاء مترجم لهم في الهامش (١).
ونعلق على ما ذكرنا قبل الاتجاه إلى القرآن الكريم ما نبين به ذلك الموضوع وما ورد فيه فنقول:
لقد أطلنا ذيل الحديث ببحث ما سبق حتى يكون دليلاً له قيمته عند مناقشة "وات" وغيره، حتى لا يقال إنها حادثة أو اثنتين لا يمكن البرهان بهما على ما نحدو بصدده، أما تعاضد الأدلة بكثرتها فإنه لا يدع مجالاً للّمز أو التهوين أو التأويل حتى لا يجد المنصف المتبع للأمانة العلمية إلا التسليم بصحة القضية.
إن هذه الأخبار تفسر ما جاء في القرآن الكريم من ذكر هذه البشارات، وأن تعددها يظهر بما لا مجال للشك فيه صحة تفسيره لكثرة ما ورد في الكتاب العزيز وهذا فيه من الإفحام للمجادلين، وإظهار الحق ما يحملهم على الإيمان بنبوته ﷺ وهو مقصد الكتاب الكريم من هداية البشر إلى الحق .
стр. 235
وهذه الروايات كذلك تُثِبّت إيمان الموحدين في كل زمان بصحة تلك الرسالة، وأنها غضة كما أنزلت لم يمسسها من رجس المعاندين ما يدنسها أو يشينها، وأنها كالصخرة تتحطم عليها قرون الناطحين بالباطل، الرادين بالزور من القول لهذا الحق الباهر الصامد لهذه الهجمات المخبولة طوال هذا التاريخ.
ونلاحظ أن هذه الروايات، خاصة من أسلم من أصحابها أنهم كانوا ذوي علم وشرف في أهلهم، علاوة على أن سيرهم قد وافقت إيمانهم، وأنهم افتدوا هذا الإيمان وذلك الرسول الداعي إليه بأرواحهم وأولادهم وأرضهم وأموالهم ورأيناهم في تلك المواقف التي تطير فيها الرءوس، وتزهق فيها المهج والأرواح ثابتي الجنان راسخي الأقدام يدفعون بصدورهم العارية عن هذا الدين، وذلك معلوم في الفتوحات وحروب الرسول ﷺ ، وقتال من ارتد عن هذا الدين بعد وفاة الرسول ﷺ .
وإنه لمن سوء طالع "وات" ألا يسوق شيئا من هذه الروايات، ومصادره إسلامية - بالطبع - وقد ذكرتها - حتى يتبين للقاصي والداني حقده الدفين على الإسلام، وكذلك يتضح لكل ذي عينين أنه لا إنصاف ولا حياد ولا علم وإنما هو يكيل التضليل بالمكيال الأوفى، ومن ثم نسوق هذه الأدلة من ضمن ما نسوقها له، تدليلاً على منهج المستشرقين في إخفاء الحقائق.
وتبين هذه البراهين الدوافع لرفض الإسلام، والاعتراض عليه؛ ليتميز للقارئ قبل المؤرخ الأسباب المانعة من الدخول في الإيمان ليكون على بينة من أمره، وأمر أولئك الجاحدين المنكرين، وأقرب الأمثلة لليهود والنصارى قصة عبد الله بن سلام، وهرقل قيصر الروم، فالأول بين أن اليهود قوم بهت وغدر وخيانة وأنهم إن علموا بإسلامه بهتوه، وهذا ما صح به الحديث فكان المانع هو الكبر والمعاندة والجحود لهذا الحق، وأما قيصر فكما
стр. 236
قال الرسول ﷺ ، ضن بملكه (١) فكان الملك وأبهته وبقاؤه في كرسي حكمه هو الحائل بينه وبين الدخول في الإسلام وبذا ينجلي خبث "وات" عند تغييره لهذه المعاني، وقلبه لتلك الحقائق مصورًا الواقع المعاش على خلاف ما هو عليه بدون أدنى خجل.
ونختم هذا الكلام ببعض ما ورد في القرآن الكريم عن النصارى ليتوافق مع السيرة كما بينا به منهجنا، وقد ذكرنا بعض الآيات المتعلقة باليهود، وإن كانت الآيات تتعلق بأهل الكتاب عند بدء النبوة وإرهاصاتها، إلا أن اليهود كانوا قليلاً في مكة مقارنة بالنصارى، ولكن على أي حال، فإنّ خطاب القرآن لهم أي النصارى يدل على وجودهم بمكة أيامئذ، سواء كانوا مقيمين أو تجارًا مسافرين يسمعون تلك الأخبار التي تهم العالم، وتهمهم من مقدم الرسول المنتظر ﷺ .
- وأول هذه الآيات هي قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣١].
والآية الكريمة في أول ما نزل من سور القرآن الكريم، فقد نزلت مبكرًا جدًا، ومن مضامين هذه الآية الكريمة:
أولاً: وجود كتابيين مخاطبين في أول بعثة النبي ﷺ في مكة، وسواء كانوا مقيمين أو أتوا كتجار كما ذكرنا، ولكن يجمعهم أنهم ممن يشغلهم هذا الأمر من النبوة، وقد بينت الآية أن ما جاء به النبي ﷺ يوافق ما عند هؤلاء الكتابيين ليستيقنوا بصدق النبوة، ولا يكون عندهم ريب ولا شك في صحتها، لأن مثل هذه الأخبار كعدة ملائكة النار لا يستطيع اُمرؤ أن
стр. 237
يقولها إلا أن يكون اطلع عليها أو أُخبر بخبر الله الصادق عنها، ولا يكون ذلك إلا لنبي مرسل يؤيده ربه بذلك الصدق في الإخبار والقول، ومن ثم عندما يتيقن أولو الكتاب من صحة ما جاءهم به الرسول ﷺ لكون ما في أيديهم يوافق ذلك عندها يكون هذا الأمر سببًا من أسباب ازدياد إيمان المؤمنين وثباتهم، خاصة وأن شهادة أهل الكتاب وعلمهم مما يقدره الكفرة وله عندهم المحل الأوثق.
ثانيا: وما تضمنته الآية الكريمة وأشارت إليه هو الرد على السؤال الاستشراقي التشكيكي، وهو أليس إجابة النبي ﷺ بما يوافق ما عند أهل الكتاب دليلاً على تعلم ذلك منهم؟
وهذا السؤال ممن لا يمعن العقل والفكر فيما يلقى إليه، هذا إذا كانت نية الملقي سليمة. وهو أقل ما يوصف به ذلكم السؤال.
أما الرد فهو ..
أولاً: وهو كيف تطلب الآية من أهل الكتاب الاستيقان - وهو العلم بالدليل والبرهان - وترك الريب والشك ممن هو قد تعلم منهم ونقل عنهم، إنه لمضحك حقًا.
ثانيًا: لماذا لم ينبر صاحب التعليم ليرد على النبي ﷺ ذلك، وهم في حالة استضعاف يخطفهم الناس - قائلاً أنا الذي أخبرتك وعلمتك ولم يحتاجوا إلى طعن في الإسلام أكثر من ذلك حتى يهدموه من أول الأمر بكذب صاحبه، وادعائه.
ثالثًا: كيف يلقن الكتابيون النبي ﷺ الحجة على صدق ما يدعو إليه ليحاربهم بعد ذلك به، ويتخذهم حجة له على إيمان الناس به، ودخولهم في الإسلام، وفهم كما ذكرت بعض
стр. 238
الروايات (١) أن أهل الكتاب سألوا هذا السؤال للمؤمنين عن خزنة النار تبكيتًا لهم، وتعجيزًا للمسلمين أمام الكافرين فأنى يكون ذلك؟
- والآيتان التاليتان هما قوله تعالى في سورة الأعراف، وهي كذلك من السور المبكرة النزول:
﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٧، ١٥٨].
هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في سياق قصة موسى ﵇، استطرادًا بذكر النبي ﷺ ، وتنبيهًا على أوصافه التي يعرفونها، وأمرًا بالإيمان به؛ إذ فيه بقاؤهم وظفرهم في الدنيا والآخرة.
وقد خاطبت هذه الكلمات المنيرة أولئك الكتابيين في مكة، وهو خطاب لكل أحد من الناس جميعًا إلى يوم القيامة بأن هدايتهم، ورحمتهم وفلاحهم في اتباع هذا النبي ﷺ والتزام شريعته ونلاحظ ما يلي:
أولاً: أن الآية الأولى قررت أن الرسول ﷺ مكتوب عند اليهود والنصارى في التوراة والإنجيل، وأنه معلوم لديهم معروف عندهم، وأن صفاته يجدونها في التوراة والإنجيل، حيث يأمرهم بمكارم الأخلاق التي افتقدوا، ويحملهم على عظيم الصفات التي تصلح بها
стр. 239
الدنيا والآخرة.
ثانيا: قررت الآية وهو ما انبنى على أولاً، أن الكتابيين يهودًا ونصارى قد اتبعوا هذا النبي ﷺ العربي الأمي في مكة - على أي حال كانوا - في هذا الزمن المتقدم من عمر الدعوة الإسلامية، وقد نوهت الآية وامتدحت أولئك المؤمنين الذين عظموه واحترموه ونصروه واتبعوا القرآن والوحي النازل معهم.
ولم يجادل أحد من المشركين أو أهل الكتاب من غير المؤمنين في هذه الآية، وصحة هذا القول والخبر، مما يدل على كونه واقعا غير قابل للرد، ثم يأتي مشككو آخر الزمان، ملفقو البهتان والقول الجزاف ليماروا فيما لم يمار فيه الكفار المشركون، ولا سلفهم إن كان من المعاندين اليهود والنصارى.
وقد قررت الآية أنه النبي الأمي لئلا يكون لمبطل ممن يقول بعدم خروج النبوة من بني إسرائيل - خصامًا ومكابرة - لئلا يكون له وجه، أو لكلامه صفة، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى للتأكيد على أنه محمد ﷺ لا سواه هو ذلك النبي الذي تحققت فيه تلك الصفات.
والآية الثانية تضمنت الدعوة الصريحة إلى الناس جميعًا للإيمان بالنبي ﷺ الذي يؤمن بالله وكتبه، وأول مدعو إلى ذلك هم أولئك الكتابيون الذين عرفوا صفاته، وذكر في كتبهم، وعرفوه كما يعرفون أبناءهم، بحقائق وبشارات هي بشارات ونعوت النبي العربي ﷺ .
والآيات كثيرة في هذا السياق، مع تقريرات جديدة، وصور مختلفة ذكرها محمد دروزة في كتابه (سيرة الرسول ﷺ صور مقتبسة من القرآن الكريم) (١)، وإن كان استشهادنا بالآيات
стр. 240
في محاولة لإعطائها وجوها أخرى من التفسير يحتملها النص العربي وموافقة الواقع، وإن كان هناك تفسيرات غير تلك التفاسير ذكرها المفسرون، وظن الباحث أنها من إثراء النص القرآني وإعجازه مهما اختلفت وتباينت عما نحن فيه.
وتفسير جميع ما ورد ذكره يطول به البحث، وإنما نسوق ما يؤدي الغرض وتطمئن به نفس الباحث والقارئ، ولذا نختم بآيتين أو ثلاثة تعضيدًا لما سبق، وإظهار لإسلام أهل الكتاب في مكة.
- والآية التي معنا هي قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٧].
والآية الكريمة مما نزل بمكة وهي متأخرة بعض الشيء وهو مناسب لمعناها إذ هي تصوير وتقرير لواقع مشاهد معلوم حين نزلت الآية الكريمة بوصفه، وهو أن الكتابيين يؤمنون بما جاء به النبي ﷺ ، وإن كانت ألفاظ الآية أن الذين آتاهم ربهم الكتاب يؤمنون به، وإن جادل مجادل بأن ليس كل أهل الكتاب آمنوا وأن ذلك مخالف للواقع، وطبائع البشر.
فالرد أنه ليس كذلك بل كانت مكة بعد الفتح كلها مسلمة بدون استثناء، ومع ذلك يقال نعم ليس كل الكتابيين قد آمنوا بمعنى دخولهم الإسلام واتّباعهم النبي ﷺ ولكن بمعنى التصديق فمن صدق واتبع فهو مؤمن، ومن صدق وعاند، أو كتم فلا شك أنه يؤمن به، ولكن منعه من الاتباع ما منع الكفرة من ذلك كما أشرنا، فالكل يؤمن به بغض النظر عن اتباعه التصديق بما يدل عليه أو لا.
ثم إن من آمن حجة لمزيد علمه وتبين الدلائل له على من لم يؤمن، فكأن الحجة بالإيمان قد شملت الجميع إذن، إذ ظهرت لهم براهين الصدق وعلامات البشارة به.
стр. 241
- الآية التالية هي قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
من سورة الإسراء، وهي من السور المبكرة في النزول نوعًا ما، وهي تحكي على تفسير ظاهرها مشهدًا واقعًا قبل نزولها، يبين حالة أهل العلم من الكتابيين عند تلاوة القرآن الكريم وسماعه، وهي توكيد لما قلناه من استجابة الكتابيين خاصة علماءهم للدعوة في هذا الوقت المبكر، وهي وصف لموقف هؤلاء الكتابيين من القرآن الكريم في سجودهم وبكائهم وخشوعهم إيمانًا به وتصديقًا لما جاء فيه وتلك الآيات جاءت في مقام التحدي والتقريع للكفار؛ معلنة أن جحودهم ومواقفهم من الإيمان بدعوة النبي ﷺ لا قيمة لها ولا اعتبار، إذ إن من له قيمة بالعلم يقف موقفًا تصديقيًا خاشعًا، ولموقفهم القيمة المهمة والاعتبار الكبير لأنهم هم من تصدقونهم، وهم موضع ثقتكم، وهذا يدل على أن هذه المواقف من الكتابيين كانت تقع على مرأى أو علم من الكفار؛ مما يعطي قوة صمود واستعلاء يؤيد الله بها الدعوة في مثل هذا الوقت العصيب (١).
ولابد في نهاية ما أشرنا إليه من آيات من ذكر تلك الآية التي يحتج بها المهووسون المتعصبون من المستشرقين وأذيالهم هذه الأيام، ومنذ أن بدأ الاستشراق نفث سمومه، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤].
وننوه بداية بهذه الحقيقة، وهي أن القرآن الكريم نزل بلسان عربي مبين، مفهوم تمام الفهم عند عموم المخاطبين، وبالتالي لو كان في هذه الآية مطعن على النبي ﷺ أو الإسلام
стр. 242
معنى أو لفظًا لسمعنا بهذا الطعن، ولما سكتوا عنه في جملة ما يواجهون به هذه الدعوة؛ بل على العكس هو يواجههم بها دليلاً على صدق الدعوة، ولو كان فيها ما يمكن تصيده، والتعكير به على صفو الدعوة لما تأخروا أبدًا خاصة وقد حكى القرآن الكريم بدون ما وجل أو تردد كل اتهاماتهم للنبي ﷺ ، وللإسلام.
ومن ثم نجابه هؤلاء بالتفسير العربي للآية - والذي لا شك أنهم بعجمتهم لا يفهمونه من تلقاء ما تعلموه من العربية - إذ مهما تعلموا فلن يصلوا إلى عشر معشار سليقة العرب التي نزل القرآن بلسانهم، ولذا كان جهلهم بالأساليب العربية السبب الأول في هذا الخلط علاوة على سوء النية وفساد الطوية التي ظهرت على ألسنتهم في كتاباتهم ونقاشهم.
وإلى تفسير الآية كما أشار إليه العلامة ابن عاشور حيث هو من توسع في ذكر ذلك فنذكره ملخصًا (١)، يقول:
الفاء في قوله ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ تفريع على سياق القصص التي جعلها الله موعظة لأهل مكة وتعريض أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من أمثالهم، وانتقل بهذا التفريع إلى أسلوب آخر تعريض لهم بشهادة أهل الكتاب على تلك الحوادث، وما في الكتب السابقة من الأنباء برسالة محمد ﷺ ، فالمراد ما أنزلنا هو المنزل الذي تفرع عليه هذا الكلام، وهو القصص الذي أنزل في هذه السورة.
ثم إن الآية تحتمل معنيين، سواهما عرضة للتعكير عليه، والأخذ والرد والمعنيان اللذان تحتملهما الآية وهما في قوله ﴿فِي شَكٍّ﴾، فإما أن تبقى الظرفية التي دلت عليها ﴿فِي﴾ على حقيقتها، أو أن تكون ﴿فِي﴾ للظرفية المجازية.
стр. 243
ويكون المعنى على الاحتمال الأول أن الشك أطلق وأريد به أصحاب الشك؛ أي فإن كنت في قوم أهل شك مما أنزلنا إليك، أي يشكون في وقوع هذه القصص، كما يقال: دخل في الفتنة أي في أهلها، إذ لا يعقل أن يكون الرسول في شك مما أنزل إليه، فكيف يدعو لما هو شاك فيه، وذلك من وجهة أخرى ينافي عصمته في التبليغ عن الله تعالى، وقد علمنا قوله عن الله جل وعلا: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ [يونس: ١٦]، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة: ٢].
ويكون معنى ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي سؤال تقرير وإشهاد لأنه لا يمكن أن يسألهم استفسارًا أو تعلمًا لنفي القرآن الكريم لذلك، ولأن القرآن الكريم نزل مهيمنًا على تلك الكتب، وشاهدًا للصحيح منها بالصحة، وللباطل منها بالبطلان، والقرآن ممتلئ من تلك التقريرات والشهادات، وكم بيّنَ بطلان عقائد اليهود والنصارى، وأظهر ضلالهم، فكيف يستفسر منهم عن علم شيء إلا أن يكون صحيحا عنده أنه في كتبهم بمثل ما جاء به القرآن الكريم، وأنهم لا يمكن في الواقع أن يكتموه، بل بدا من حالهم أنهم يشهدون بما علموه حقا، ومن ثم توجه إليهم طلب الشهادة.
ويكون المقصود من الآية حينئذ إقامة الحجة على المشركين بشهادة أهل الكتاب من اليهود والنصارى قطعًا لمعذرتهم.
والمعنى الثاني أن تكون ﴿فِي﴾ للظرفية المجازية كالتي في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ [هود: ١٠٩]، ويكون سوق هذه المحاورة للنبي ﷺ على طريقة الإلقاء التعريضي التي يسلكها الحكماء وأصحاب الأخلاق، متى كان توجيه الكلام إلى من يظن نفوره منه كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
وهذا لا شك غير موجه للنبي ﷺ وإنما موجه للكفار على طريقة الحكيم فيمن يخشى
стр. 244
أن ينفر من سماع الحق، وكذلك يستخدم هذا الكلام رفقا بمن يقصد سوق الكلام إليه.
وكلا الاحتمالين يلاقي قوله ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فإنه يقتضي أن المسؤول عنه مما لا يكتمه أهل الكتاب، ولا يتحرجون من إعلانه والشهادة به كما ذكرنا.
أما جملة ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فهي استئناف بياني لجواب سؤال ناشئ عن الشرط وجوابه، وهو فإن كنت في شك فاسأل، وكأن السامع يقول فإذا سألتهم ماذا يكون فيأتي كلام جديد مؤكد بلام القسم وقد " ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، وما تأكد هذا الكلام بهذين المؤكدين إلا لدفع إنكار المعرضين، إذ الرسول ﷺ ليس بحاجة لإعلامه بأنه على الحق، لأن من وحي الله له قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] وهو إعلام السائلين بطريق التعريض.
وقوله ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾ تعريض بالمشركين أيضًا بأنه يحذر أن يكون منهم والامتراء هو الشك فيما لا شبهة للشك فيه.
والآية التالية تزيد ما سبق توضيحا إذ هي أصرح في التعريض بالمشركين، وهي قوله تعالى ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾ وهي تقتضي أن الذين كذبوا وشكوا في آيات الله هم الكفار، وهم خاسرون في الدنيا إن بقوا على ذلك وخاسرون في الآخرة، وهي تقتضي أنهم هم المكذبون الشاكّون فلا يكونن أحد منهم؛ لأنه يكون حينئذ خاسرًا خسرانا مبينا.
ويكون في النهاية حاصل المعنى: فإن كنتم شاكّين في صدق ما أنزلنا على محمد ﷺ مما أصاب المكذبين قبلكم، فاسألوا أهل الكتاب يخبروكم بأن ذلك صدق فذلك هو الحق الذي جاءكم من رب محمد ﷺ فلا تكونوا شاكين، ولا تكذبوا بآيات الله فتكونوا خاسرين.
стр. 245
وهكذا يتضح ما جاء به النبي محمد ﷺ من الحق الذي يشهد به أهل الكتاب ولا يستطيعون كتمه وإلا لما طلب من المشركين أن يطلبوا خبر ذلك منهم، وما كتم أو أخفى شيئا ﷺ وما أصيب من أصيب إلا من قلة فهمه لكلام العرب وأساليبهم، ولكانوا أول راد له معترض عليه لو وجدوا مغمزًا في عربيته أو معناه.
وهي في النهاية شهادة من أهل الكتاب على صحة رسالته ﷺ وصدق نبوته وأنها من عند الله جل وعلا، وقد جاء قوله تعالى دليلاً لذلك حيث يخبر بفرح أهل الكتاب بكلام الله، فيقول ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦].
ونذيل هذا المبحث بكلام الإمام ابن تيمية حيث يقول: (والأخبار بمعرفة أهل الكتاب بصفة محمد ﷺ عندهم في الكتب المتقدمة متواترة عنهم). (١)
ثم قال: (ثم العلم بأن الأنبياء قبله بشروا به يعلم من وجوه ...)
أحدها: ما في الكتب الموجودة اليوم بأيدي أهل الكتاب.
الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب ممن أسلم وممن لم يسلم بما وجدوه من ذكره بها.
وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون بمبعثه، وأنه رسول الله وأنه موجود عندهم، وكانوا ينتظرونه، وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام حتى آمن الأنصار به وبايعوه.
وقد أخبر الله بذلك عن أهل الكتاب في القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ
стр. 246
اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].
ومثل ما تواتر عن إخبار النصارى بوجوده في كتبهم، مثل إخبار هرقل ملك الروم، والمقوقس ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة.
الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم مما يدل العاقل على أنه كان موجودا في كتبهم فلو لم يعلم ﷺ أنه مكتوب عندهم بل انتفى ذلك لامتنع أن يخبر بذلك مرة بعد مرة، ويُظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه وأوليائه وأعدائه (١).
ونعود لنلم سريعًا بما ينبغي التعليق على "وات" فيه:
وأوله: إخفاء كل ما ذكرنا من بشارات بالنبي ﷺ وهي عادته في إخفاء الحق الذي يدينه، وذلك من أصول منهجه، وهو بلا شك مع تدقيقه قد مر عليه ذلك لأنه أثبت في بداية كتابه المصادر التي لجأ إليها في أبحاثه.
ثانيًا: قلبه للحقائق، فإذا اضطر لذكر بعض الحوادث التي يظن أنها تؤيد ما ذهب إليه في بحثه، وبعضها يخالفه قلب ما يخالف بكل بجاحة إلى ما يوافق كقصة ورقة، وهرقل وغيرهما، أو حملها معان لم يحلم أي ضال بالوصول إليها، لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بسياق النص، أو بالجو العام أو الواقع التي حدثت فيه الحادثة وسنزيدها إن شاء الله مناقشة جديدة في كل موضع استدل بها، وهو يدل من وجهة أخرى على تقطيعه لأوصال الموضوعات والحوادث، ليستدل بها ويبرهن بها في أماكن مختلفة بوجوه مختلفة، لو جمع النص كما هو لما اختلف عقلان على إرادة غير ما ذهب "وات" إليه.
стр. 247
ثالثًا: اختراعه لوقائع لم تحدث يظن أنه كمؤرخ لابد أن يفترضها هكذا بكل صفاقة حتى يستقيم له بحثه، فلا يبحث في الواقع كما هو وحيثما وجهه البرهان والدليل توجه وإنما يؤلف تاريخًا لم يحدث ولم يقع ليصل به إلى النتيجة التي أعدها قبل الشروع في البحث فليس بحثًا ذلك وإنما تذكرة مشاكلة، فهو نتيجة قد أعدها يريد أن يصل إليها بغير مشروع من البحث ولا مقبول من الموضوعية المدعاة، والحياد المزعوم ومثل ذلك افتراض أن وحيًا قد نزل قبل سورة اقرأ التي هي أول ما نزل من القرآن الكريم (١)، وكل كتاباته كذلك، ولذا سنعقب على كل كلام في حينه بما يزيده توضيحًا إن شاء الله تعالى.
стр. 248
الفصل الثالث
بدء الوحى
стр. 249
المبحث الأول
إرهاصات (البعثة - النبوة)
ومن إرهاصات النبوة قبيل البعثة، أمور كثيرة وقعت له تدل على عناية الله به في إعداده وتأهيله لما سيفاجأ به من تحمل الرسالة لإنقاذ البشرية الضالة:
١ - تقول السيدة عائشة ﵂: "إن أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" (١).
٢ - ثم حبب إليه العزلة، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث - يتعبد - فيه الليالي ذوات العدد، ويطعم من أتاه من المساكين، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء بجبل حراء، وهو جبل يطل على الكعبة، ويحتاج صعوده إلى جهد. (٢)
والتحنث من بقايا دين إبراهيم ﵇ وكان هذا الاعتكاف مما تحنث به قريش في الجاهلية وقد ورد ذلك في الرواية الصحيحة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك"
стр. 250
فاعتكف ليلة (١). وقال ابن هشام: تقول العرب: التحنُّث والتحنُّف، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء كما قالوا: جَدَف وجَدَث يريدون: القبر قال رؤبة بن العجاج:
لو كان أحجاري مع الأجداف
يريد الأجداث، وقال أيضًا: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول: فمَّ في موضع ثمَّ يبدلون الفاء من الثاء. (٢)
أما الرؤيا في القرآن الكريم فهي تصديق لما ورد في السنة - مما ذكرنا - ومن قوله ﷺ : "رؤيا الأنبياء وحي" (٣) فما يرونه فهو من وحي الله لهم، ويجب عليهم المسارعة إلى امتثاله، قال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى". فما كان رد إسماعيل ﵇ إلا أن وافقه برضا على امتثال ذلك الوحي قائلاً كما ذكر القرآن الكريم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وكذلك رؤيا يوسف ﵇ حيث قال في نهاية القصة: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] ورؤيا يوسف ﵇ كانت قبل البعثة.
ومن هنا رأينا تواطؤ الكتاب والسنة وما ورد عن الأنبياء ﵈ على صحة ذلك إذ تلك الرؤى من علامات وحي الأنبياء، وبالتالي فإنها من إرهاصات نبوته ﷺ ، إذ جاءت رؤاه كفلق الصبح تصديقًا لما يرى، فيراها ويحكيها فإذا هي تقع كما قال ﷺ .
أما الاعتكاف، واعتزال الناس لفترات زمنية فذلك مما يصفي النفس والقلب والفكر، ويساعد المرء على حسن النظر في أموره وأمور من حوله، ليتمكن من إصلاح