← Сира

Сира · id 16365

السيرة النبوية بين الآثار المروية والآيات القرآنية

محمد بن مصطفى الدبيسي

Полный текст (611 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]. ومثل ما تواتر عن إخبار النصارى بوجوده في كتبهم، مثل إخبار هرقل ملك الروم، والمقوقس ملك مصر، والنجاشي ملك الحبشة. الثالث: نفس إخباره بذلك في القرآن مرة بعد مرة، واستشهاده بأهل الكتاب، وإخباره بأنه مذكور في كتبهم مما يدل العاقل على أنه كان موجودا في كتبهم فلو لم يعلم ﷺ أنه مكتوب عندهم بل انتفى ذلك لامتنع أن يخبر بذلك مرة بعد مرة، ويُظهر ذلك لموافقيه ومخالفيه وأوليائه وأعدائه (١). ونعود لنلم سريعًا بما ينبغي التعليق على "وات" فيه: وأوله: إخفاء كل ما ذكرنا من بشارات بالنبي ﷺ وهي عادته في إخفاء الحق الذي يدينه، وذلك من أصول منهجه، وهو بلا شك مع تدقيقه قد مر عليه ذلك لأنه أثبت في بداية كتابه المصادر التي لجأ إليها في أبحاثه. ثانيًا: قلبه للحقائق، فإذا اضطر لذكر بعض الحوادث التي يظن أنها تؤيد ما ذهب إليه في بحثه، وبعضها يخالفه قلب ما يخالف بكل بجاحة إلى ما يوافق كقصة ورقة، وهرقل وغيرهما، أو حملها معان لم يحلم أي ضال بالوصول إليها، لا علاقة لها من قريب أو من بعيد بسياق النص، أو بالجو العام أو الواقع التي حدثت فيه الحادثة وسنزيدها إن شاء الله مناقشة جديدة في كل موضع استدل بها، وهو يدل من وجهة أخرى على تقطيعه لأوصال الموضوعات والحوادث، ليستدل بها ويبرهن بها في أماكن مختلفة بوجوه مختلفة، لو جمع النص كما هو لما اختلف عقلان على إرادة غير ما ذهب "وات" إليه.

стр. 247

ثالثًا: اختراعه لوقائع لم تحدث يظن أنه كمؤرخ لابد أن يفترضها هكذا بكل صفاقة حتى يستقيم له بحثه، فلا يبحث في الواقع كما هو وحيثما وجهه البرهان والدليل توجه وإنما يؤلف تاريخًا لم يحدث ولم يقع ليصل به إلى النتيجة التي أعدها قبل الشروع في البحث فليس بحثًا ذلك وإنما تذكرة مشاكلة، فهو نتيجة قد أعدها يريد أن يصل إليها بغير مشروع من البحث ولا مقبول من الموضوعية المدعاة، والحياد المزعوم ومثل ذلك افتراض أن وحيًا قد نزل قبل سورة اقرأ التي هي أول ما نزل من القرآن الكريم (١)، وكل كتاباته كذلك، ولذا سنعقب على كل كلام في حينه بما يزيده توضيحًا إن شاء الله تعالى.

стр. 248

الفصل الثالث بدء الوحى

стр. 249

المبحث الأول إرهاصات (البعثة - النبوة) ومن إرهاصات النبوة قبيل البعثة، أمور كثيرة وقعت له تدل على عناية الله به في إعداده وتأهيله لما سيفاجأ به من تحمل الرسالة لإنقاذ البشرية الضالة: ١ - تقول السيدة عائشة ﵂: "إن أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح" (١). ٢ - ثم حبب إليه العزلة، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث - يتعبد - فيه الليالي ذوات العدد، ويطعم من أتاه من المساكين، قبل أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء بجبل حراء، وهو جبل يطل على الكعبة، ويحتاج صعوده إلى جهد. (٢) والتحنث من بقايا دين إبراهيم ﵇ وكان هذا الاعتكاف مما تحنث به قريش في الجاهلية وقد ورد ذلك في الرواية الصحيحة عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ : "أوف بنذرك"

стр. 250

فاعتكف ليلة (١). وقال ابن هشام: تقول العرب: التحنُّث والتحنُّف، يريدون الحنيفية فيبدلون الفاء من الثاء كما قالوا: جَدَف وجَدَث يريدون: القبر قال رؤبة بن العجاج: لو كان أحجاري مع الأجداف يريد الأجداث، وقال أيضًا: وحدثني أبو عبيدة أن العرب تقول: فمَّ في موضع ثمَّ يبدلون الفاء من الثاء. (٢) أما الرؤيا في القرآن الكريم فهي تصديق لما ورد في السنة - مما ذكرنا - ومن قوله ﷺ : "رؤيا الأنبياء وحي" (٣) فما يرونه فهو من وحي الله لهم، ويجب عليهم المسارعة إلى امتثاله، قال تعالى في قصة إبراهيم ﵇: "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى". فما كان رد إسماعيل ﵇ إلا أن وافقه برضا على امتثال ذلك الوحي قائلاً كما ذكر القرآن الكريم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، وكذلك رؤيا يوسف ﵇ حيث قال في نهاية القصة: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] ورؤيا يوسف ﵇ كانت قبل البعثة. ومن هنا رأينا تواطؤ الكتاب والسنة وما ورد عن الأنبياء ﵈ على صحة ذلك إذ تلك الرؤى من علامات وحي الأنبياء، وبالتالي فإنها من إرهاصات نبوته ﷺ ، إذ جاءت رؤاه كفلق الصبح تصديقًا لما يرى، فيراها ويحكيها فإذا هي تقع كما قال ﷺ . أما الاعتكاف، واعتزال الناس لفترات زمنية فذلك مما يصفي النفس والقلب والفكر، ويساعد المرء على حسن النظر في أموره وأمور من حوله، ليتمكن من إصلاح

стр. 251

الخلل الواقع مع شحذ الهمة واستجمام النفس للتحمل ومواصلة السير، مع النظر في ملكوت السموات والأرض، وربط الدنيا بالآخرة؛ إن طريق المصلحين لأنفسهم وغيرهم طريق طويل وَعِر، ومن ثم يحتاج إلى أخذ النفس بعيدًا عن أهواء المجتمعات، وفسادها، ومشاكلها، ليستطيع المرء أن يضع الدواء المناسب للأدواء المختلفة والعلل المتناقضة، ليساهم بعد خروجه في حل تلك المعضلات، بعد أن أصلح نفسه، وصفى فكره، وفتح عقله وقلبه، ليخالط الناس مرشدًا مصلحًا، لا إمّعة منساقًا، وإن المصلحين المسلمين ليزيدون في اعتكافهم ذلك عن غيرهم بقربهم من ربهم ، والتفكر في آخرتهم، مع إعداد الزاد الذي يلاقون به ربهم ، مع التفتيش عن آفات النفس والعمل والطريق إلى الله ، ليرشدوا سَيرَهُم وأخلاقهُم وعباداتِهم ومعاملاتهم. إنها فرصة لنقاء النفس ومحبة الرب والتعلق ببابه ، والتزود بزاد روحي قوي يواصل به المرء رحلته في الدنيا. جاء ذكر الاعتكاف في القرآن الكريم، سواء في إعداد مكانه، أو في تبيين أهم آدابه التي تعين على تحقق مقصوده، فقال في الأول: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] فكان الاعتكاف إذًا معلومًا، وقام به الأنبياء منذ فجر الرسالات، وإنه في محل التشريف إذ مكانه فيما أضيف إلى الله "بيتي". وما كان ذلك إلا لكونه من مقصود الشرع في إصلاح النفس والإقبال على الرب، ولذا جاء في الثاني ليبين أهم آدابِهِ من تخلص النفس من شهواتها، وأهمها شهوة النساء فقال : ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وإنَّ ما بعد ذلك من الشهوات أخف وأيسر حتى تصفو النفس مما يكدرها، أو يمنع صفاءها. ومن عجيب التنزيل في هذه الفترة المبكرة من الوحي أن نزلت تلك الآية الكريمة في سورة المزمل، وهي قوله : ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، حيث أمره بالتبتل أي: بالانقطاع إلى الله ، ويلاحظ على ذلك الأمر ملاحظتان:

стр. 252

الأولى: أنه جاء بعد نزول الوحي مباشرة، ولم يكد الرسول ﷺ أن يخرج من غار حراء - حيث كان متحنثًا معتزلاً -، وكأنه تأكيد على أهمية ذلك، وأن الإسلام جاء بالتأكيد عليه، وطلبه منه، واستمراره عليه، ولكن على طريقة الإسلام، وتراتيب الإيمان. الثانية: أنه جاء في سياق مقومات تربية القرآن الكريم للنبي ﷺ ، وأتباعِهِ حتى يتأهلوا للفوز في الأولى والآخرة، ولكي يتحملوا تبعات ومسئوليات الدعوة، ومشاقها، وما سوف يلاقون جراء هداية الناس إلى الله من مصاعب عظامٍ، ويتجشموا من أعباء ضخمة، لا يتحملها إلا من وقف في هذا المحراب متحققًا بتلك الصفات، قال : ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٢ - ٥] ... إلى آخر التوجيهات والأوامر والوصايا، التي لما قام بها هذا الرعيل الأول رأينا كيف تحمّلوا ودَانَت لهم الدنيا. وكلما تحقق بها المؤمنون في أي زمن ومكان سادوا وانتصروا. أطلتُ في هذه الجزئية لتكون ردا مسبقًا على تعليق "وات" على الاعتكاف، حيث فرغ اللفظ من معناه، والاعتكاف من هدفه ومضمونه، وغيره. فأما اللفظ فملأه بمعان لا علاقة لها بالواقع فضلا عن النبي ﷺ ، فقد جعل "وات" أن أفضل الآراء أنها مشتقة من العبرية (١) والتي تعني التعبد لله ؛ أو أنها أصيلة في العربية وتعني فعل ما يخرج به من الخطيئة أو الجريمة؛ ومعنى هذا أنها إذا كانت تعني التعبد فهي مشتقة من العبرية، وإذا كانت تعني الخروج من الخطيئة فهي عربية الأصل، مع أنه صَدَّر الكلام بقوله: المعنى الدقيق والاشتقاق غير مُؤَكّد لكلمة التحنث. فإذا كانت عن خطيئة فهي ملصقة بالرسول ﷺ وإذا كانت رياضة تعبدية فهي عبرية وتبين كما قال قبلها التأثيرات اليهودي - مسيحية على الرسول ﷺ فِعلُهُ فيها مثل الرُّهبان في

стр. 253

العزلة والخطيئة التي ذكرها هي الرجوع في قَسَم أو عدم القدرة على الوفاء به، فما علاقة ذلك بالنبي ﷺ كان في كل مرة يذهب إلى مكة فيقسم على شيء أو لا يستطيع الوفاء به فيذهب إلى حراء ليخرج من هذه الخطيئة ثم يعود إلى مكة فيتزود خطيئة أخرى ثم يرجع إلى حراء ليخرج منها وهكذا لا يحتاج ذلك تعليقًا يخط به القلم ما يضيق به الصدر. لذا أطلنا سابقًا في شرح ذلك وأن الكلمة لها معناها كما ذكر أساطين اللغة إذ المرجع فيها إليهم لا إلى "وات" وغيره عربًا أو عجمًا، وذكرنا سبقها للتأثيرات اليهودي - مسيحية إذ هي معروفة في الجاهلية، وقد وردت عن إبراهيم وإسماعيل ﵉ في فجر الرسالات. وليعرف "وات" ذلك فما حجته ليحتج بـ " هـ. هيرشفيلد" في اشتقاق الكلمة. أما تفريغ الاعتكاف والعزلة من مضمونه فهو من كوميديا "وات" إذ جعل الاختلاء في حراء وسيلة لهروبه من حرارة مكة لمن لا يستطيع الذهاب إلى الطائف – للاصطياف طبعًا. ومعنى كلام "وات" أن سيدنا محمد ﷺ لا يستطيع الذهاب إلى الطائف لضعف الإمكانات المادية مع أنه القائل قبلها إنه أصبح لديه رأس مال يكفيه للحصول على نصيب متوسط من الأعمال التجارية، وأنه وضع قدمه على أول درجة على الأقل من درجات النجاح الدنيوي، وأن التجار لم يستبعدوه تمامًا من معظم العمليات المربحة، فمثل هذا لا يستطيع أن يذهب إلى الطائف؟! وهو الذي يذهب وقتًا طويلاً كما يدعي "وات" إلى الشام. لنترك ذلك جانبًا فأين الغار الذي يتسع لفقراء مكة وهم الكثرة الكاثرة في الصيف، ليصعدوا إليه ليتخففوا من قيظ مكة، وهو غار كما هو معلوم لا يسع أكثر من فرد قائمًا، ثم أين محمد ﷺ طوال سنين القيظ والحر قبل أن يهتدي إلى هذا المصيف الآمن وأين ذلك كله

стр. 254

في الكتب التي نقل منها سيرة النبي ﷺ أم هي عادة "وات" في تأليف تاريخ يليق به. وما اسم بقية المغارات التي كان يأوي إليها المكيون غير القادرين على جبال مكة في الصيف؟ بل ما اسم مغارة واحدة؟ بل هو منهج "وات" فلا رسالة ولا رسول ولا وحي، وإنما هي خلطة يهودية – مسيحية تتفق مع عادات العرب ليجعل بهم الرسول هذا المشروع. الذي لم يعرف اسمه ولا وصفه بعد.

стр. 255

المبحث الثاني البعثة والنبوة ثم بعث رسول الله ﷺ وعمره أربعون سنة (١)، وثبت أن الوحي نزل عليه أول ما نزل يوم الاثنين (٢)، والمشهور أن نزول القرآن بدأ في شهر رمضان (٣) حيث كان يخلو رسول الله ﷺ في غار حراء، وجاءه جبريل بغتة لأول مرة داخل الغار قالت عائشة ﵂: "حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال له النبي ﷺ : «ما أنا بقارئ»، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ [العلق: ١ - ٣]، فرجع بها ترجف بوادره (٤) حتى دخل على خديجة فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال: يا خديجة مالي! وأخبرها الخبر، وقال: قد خشيت على

стр. 256

نفسي، فقالت له: كلا فوالله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكلَّ وتعين على نوائب الحق، ثم انطلقت به خديجة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت: اسمع من ابن أخيك فقال: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذع أكون حيًا حين يخرجك قومك، قال: أومخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت أحد بما جئت به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا، ثم لم يلبث ورقة أن توفي." (١) يقول "الزهري" من رواة الحديث: "وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي ﷺ فيما بلغنا - حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك." (٢) وقد أوضح هذا الحديث أن ﴿اقْرَأْ﴾ هي أول ما نزل من القرآن الكريم، وأن الرسول ﷺ فوجئ بالوحي دون أن يتوقعه فراعه الموقف وأرعبه وأفزعه حتى خشي على نفسه، وقد أخذت خديجة ﵂ بعد رجوعه إليها - في طمأنته والتسكين من روعه، وفي ذات الوقت سعت معه لمعرفة أو تفسير ما جرى له ﷺ ولم يكن هناك مثل ورقة له باع في تفسير ذلك وتأويله، إذ هو كما ذكر الحديث قد تنصر وقرأ الإنجيل ويكتب منه ما شاء الله

стр. 257

له، ومنطق العقل والواقع يدعي أنه لو كان هناك غير ورقة لاحتمل الذهاب إليه، أو من هو أعلم من ورقة لذهبت إليه قطعًا، وبالتالي كان دخول ورقة في الأحداث وظهوره في الصورة أمرًا عارضًا، ساقته الأقدار في لحظتها، خاصة وقد ذكر ابن سعد أنها المرة الأولى التي تأتي خديجة ﵂ ورقة بن نوفل (١)، علاوة على أن المصادر كلها لم تشر من قريب أو بعيد إلى اهتمام المرأة المكية بالدين قبل الإسلام حتى تترك تجارتها أو تفرط فيها لتذهب إلى ورقة لتتعلم منه! وكان من حكمة الله تعالى أن انقطع الوحي بعد ذلك عن النبي ﷺ فترة من الزمن وذلك حتى تتأكد تلك الحقيقة التي سنؤكدها فيما بعد من أن الوحي ظاهرة خارقة للعادة، منفصلة تمام الانفصال عن شخصية النبي ﷺ وأيضًا حتى يتشوق النبي ﷺ لنزول الوحي وتتابعه عليه. وقد استمرت هذه الفترة كما ذكر ابن عباس ﵄ أربعين يومًا (٢)، وقيل أنها كانت أيامًا (٣) وإن كانت لا تعلم بوجه صحيح، وجزع النبي ﷺ من هذا الانقطاع حتى ذكر الزهري (٤) أن النبي ﷺ كان يحاول أن يتردى من شواهق الجبال، ولكن هذا الكلام من الزهري ضعيف لعدم صحة سنده، ولكون ذلك يتنافى مع عصمة الأنبياء (٥). بعد مدة الفتور هذه نزل الوحي مرة أخرى فيقول الرسول ﷺ : "بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي

стр. 258

بين السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زملوني زملوني، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] فحمي الوحي وتتابع" (١). هذا مختصر شديد لما ورد في السيرة في قضية الوحي، وقد بلغنا بها أمرين: عرض الموضوع كما هو، والثاني: الرد على "وات" فيما ادعى، استكمالاً لما رددنا عليه فيها وقلنا سنزيده إيضاحًا كلما عرض لنا من كلام "وات" شيء ذو بال.

стр. 259

المبحث الثالث مراتب الوحى وتتميمًا للكلام على الوحي نذكر صوره التي كان يوحي للنبي ﷺ عليها قبل عرضنا لسيرة الوحي في القرآن الكريم مع الرد على "وات". يقول الإمام "ابن القيم" إن الله تعالى قد كمل لنبيه من مراتب الوحي مراتب عديدة: أحدها: الرؤيا الصادقة، وهي أول ما بدئ به الوحي، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (١). الثانية: ما كان الملك يلقيه في روعه وقلبه من غير أن يراه كما قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي أقصى رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب .... ". (٢) الثالثة: كان يتمثل الملك للنبي ﷺ رجلاً فيخاطبه فيعي ما يقول، وفي هذه المرتبة كان

стр. 260

يراه الصحابة أحيانًا (١). الرابعة: أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس، وكان أشده عليه فيتلبس به الملك حتى إن جبينه ليتفصد عرقًا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك به إلى الأرض .... " (٢). الخامسة: أن يرى الملك في صورته التي خلق عليها، فيوحي إليه ما شاء الله أن يوحيه، وهذا وقع له مرتين كما ذكر في سورة النجم. (٣) السادسة: ما أوحاه الله تعالى من فوق سماواته ليلة المعراج من صلاة وغيرها. السابعة: كلام الله له منه إليه بلا واسطة ملك، كما كلم الله تعالى موسى ﵇، وهذه المرتبة ثابتة لسيدنا موسى ﵇ بنص القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وثبوتها للنبي ﷺ في حديث المعراج حيث عرج به إلى أن كلم الله تعالى (٤). وبالتأمل في هذا التلخيص للوحي نشير إلى أمور مهمات تعين على توضيح تلك الظاهرة الخارقة، وفي نفس الوقت نرد منها أو هي تحمل الرد على "وات" علاوة على ما سيأتي من الكلام على الوحي في القرآن الكريم: أولاً: يتبين من الحديث أن الرسول ﷺ رأى جبريل بعينه، وأنه ضمه ثلاث مرات، وأنه سمعه يقول اقرأ، وقرأ عليه آيات ما زالت تتلى إلى يوم القيامة، وهذا يدل على أنه ليس

стр. 261

أمرًا ذاتيًا، ولا تأملاً باطنيًا، وأنه لا تعلق له باللاوعي، أو الوعي واللبيدو الذي يدعيه "وات"، بل إن الوحي يتم من خارج الذات المحمدية المتلقية له، خاصة وأنه متضح لكل عاقل أن ظاهرة الوحي لم تأت منسجمة أو متممة لشيء مما قد يتصوره أو يخطر بباله، وإنما طرأت طروءًا على حياته وفوجئ بها، إذ ليس من شأن التدرج في التأمل والتفكير (١) بطريقة الكشف التدريجي المستمر أن يأتي له من يضمه ويكلمه، ثم يتركه ويذهب، فلم يكن إذن للرسول من أثر سوى حفظ هذا الوحي وتبليغه، أما بيانه وتفسيره فيتم بأسلوب النبي ﷺ وهو أفصح العرب، ومع ذلك وجدنا أسلوبه مغايرًا تمامًا لأسلوب القرآن الكريم. وإن محاولة "وات" تعليل اختلاف أسلوب القرآن الكريم عن أسلوب الحديث عن طريق علم النفس التحليلي، بدعوى أن القرآن الكريم صدر عن منطقة اللاشعور في حالة ضعف الوعي الخارجي ونشاط العقل الباطن، وأن الحديث صدر عن العقل الظاهر لا شك تبدو متهافتة مجافية للحقيقة مخالفة للواقع، إن ما صدر عن النبي ﷺ في حالة الضعف المزعومة قرآن وكلام إلهي لم يستطع بشر أن يأتي به أو بمثله ولو مفترى لا حقيقة له، سواء في حالة الضعف ونشاط والعقل أو في خلاف ذلك، وإن تهافت هذا التفسير يظهر إذا تأملنا فيما صدر عن الحكماء والشعراء والبلغاء من آثار أدبية تتضح فيها الوحدة الأسلوبية مع مرورهم بتجارب تأملية واستنباطية، بل صار الأسلوب أساسًا لتحديد السرقات الأدبية إلى جانب سرقة المعاني. (٢) إن طمأنة السيدة خديجة ﵂ للنبي ﷺ بأخلاقه الحميدة، وأن مثله لا يؤذيه جنٌ ولا غيره، لدليل على مفاجأتها بما حدث، وإلا لكان ردها هذا هو المتوقع والمنتظر نعم

стр. 262

قد وصلنا إلى النتيجة المرجوة، ولما ذهبت به إلى ورقة ليقول لهما: إن هذا هو الناموس الذي نزل على الأنبياء، وذلك منه من أكبر الأدلة على كون الوحي ليس أمرًا ذاتيًا كما ذُكر إذ هو تنزل ملاك الرب على المصطفين من عباده لا علاقة لذواتهم به، بل هو شيء خارج عن النفس هم الوسيلة في تبليغه لا غير، ولو كان الأمر ذاتيًا مع ضعف الوعي أو قوته أو غير ذلك من المفتريات لكان ورقة أولى به، وإن مثل هذا الحدث الجلل، والشأن العظيم لجدير بأن ينسبه المرء إلى نفسه ليحوز به الفخار الذي يعلمه، والشرف الذي لا يدانيه شرف. ذكرت الروايات التي أشرنا إلى بعضها أن الرسول ﷺ بعد فترة الوحي وانقطاعه سمع صوتًا فرأى الملك الذي جاءه بحراء جالسًا على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه ... إلى آخر الحديث، وهذا يدل على رؤية الملك جبريل ﵇، ووقع "وات" هنا في مأزقين الأول: أنه اختار رواية واحدة هي رواية الزهري في قول السيدة عائشة ﵂ أنه جاءه الحق وهو في غار حراء، وبنى عليها ما يأتي من كلامه. الثاني: أنه اخترع رواية من عنده في رؤية الملك أنه رأى الحق جالسًا على العرش بين السماء والأرض. ثم خلص إلى أن الرسول ﷺ لما تعلم بعد ذلك من أهل الكتاب أن الله لا يُرى ذكر أنه رأى جبريل، وبالتالي فهو غير صادق في ادعاء الوحي. وهذا الكلام الغريب المخترع يبين ميل "وات" عن الحياد الذي يدعي، ويوضح في نفس الوقت الأسلوب الانتقائي الاستشراقي ل"وات" والذي أوقعه في تلك المآزق، يؤكد كذلك على منهج اختراع التاريخ الذي بيناه من قبل، ثم يرد على التاريخ المخترع الذي لا علاقة له بالرسول ﷺ بما يكذب به الرسول ﷺ ، وإلى شيء من تفصيل ذلك:

стр. 263

أولاً: أن الرسول ﷺ ذكر أن الملك جاءه وضمه، ثم رأى الملك ذاته على كرسي بين السماء والأرض. ثانيًا: أن الحق الوارد في رواية "وات" المنتقاة يكون معناه إذن الرسالة والنبوة ليس الحق هو الله كما يحلو ل"وات"، لأنه مناف للواقع وللحديث مع النبي ﷺ بدليل قول الله تعالى على لسان الملك: "اقرأ باسم ربك الذي خلق" لا باسم غيره، وأن الملك مبلغ له ذلك عن الله تعالى الذي خلق. ثالثًا: أن "وات" أَلَّفَ رواية أنه ﷺ رأى الملك جالسًا على العرش هكذا بتعريف العرش، وذلك لا يكون إلا لله وجميع ما ورد في ذلك مما يعلمه "وات" هو أنه ﷺ رأى الملك جالسًا على عرش أو كرسي بين السماء والأرض فماذا نقول في هذا الكلام من "وات"، هذا الملفق ثم يأتي بعد ذلك لينسبه للنبي ﷺ ويكذبه به. رابعًا: بعد هذا الكلام كله يقول "وات" إن محمدًا عندما يقرأ "اقرأ" يشعر بالدين في رقبته لورقة، خاصة وأنه لكي يستقيم له تخيله وما يدعيه يفترض نزول قرآن قبل اقرأ، لأنه كان يتردد على ورقة، وأن خديجة لا يستبعد أن تكون هي الأخرى مسيحية. وقد ظهر بالكلام السابق أن ذلك إنما هو عقدة "وات" في عدم ذكر الحقيقة وتحليلها، فضلاً عن تقطيع أوصال الحقائق في أماكن مختلفة ليؤكد الانتقائية في بحثه، فإن لم يجد اخترع تاريخًا وأخذ يحلله لنا ويستخرج منه ما لا علاقة له ببحثه أو بما يتكلم فيه، وذلك كما أشرنا من قبل أحد معالم بحث "وات" على مدار السيرة من أولها إلى آخرها، وقد رددنا ضمنًا فيما سبق على هذا الكلام العلمي النزيه المحايد من "وات" كما يحلو لنفسه أن يلقبه به. وفي نهاية المبحث يحسن أن نذكر كلام كاتبين نصرانيين هما "سال" و"تايلور" يدلان على أن النصرانية التي وراء ادعاء النبي ﷺ للرسالة والوحي كانت في أسوأ عصور

стр. 264

انحطاطها، بحيث لم يجد ﷺ نموذجًا أخلاقيًا، أو دينيًا ليحتذيه أو لينقله إلى الإسلام، ودليل على أن ورقة بن نوفل لا علاقة له بالنبي ﷺ فضلاً عن أن يتردد إليه، وبرهان ساطع على ما وصل إليه ورقة من علم لم يكن ليزيد عن المعلوم السائد، اللهم إلا قراءته في الإنجيل ونقله منه ما شاء الله بالعبرانية، وما كان ذلك مقنعًا للناس أن يدخلوا في النصرانية خاصة وأنه لم يدع لشيء من ذلك أو تعرض لدخول أحد فيه كما ذكرنا من قبل المهم يقول سال: "إذا قرأنا التاريخ الكنسي بعناية، فسنرى أن العالم المسيحي قد تعرض منذ القرن الثالث لمسخ صورته، بسبب أطماع رجال الدين والانشقاق بينهم والخلافات على أتفه المسائل، والمشاجرات التي لا تنتهي، والتي كان الانقسام يتزايد بشأنها. وكان المسيحيون في تحفزهم لإرضاء شهواتهم، واستخدام كل أنواع الخبث والحقد والقسوة قد انتهوا تقريبًا إلى طرد المسيحية ذاتها من الوجود، بسبب جدالهم المستمر حول طريقة فهمها، وفي هذه العصور المظلمة بالذات ظهرت بل وثبتت أغلب أنواع الخرافات والفساد." (١) أما "تايلور" فيقول: «إن ما قابله محمد وأتباعه في كل اتجاه لم يكن إلا خرافات منفرة ووثنية منحطة ومخجلة، ومذاهب كنسية مغرورة، وطقوسًا دينية منحلة وصبيانية». (٢) فأنى إذن لمحمد ﷺ أن يقتدي بتلك التعاليم التي وصفها أصحابها بتلك الأوصاف ونعتوها بتلك النعوت، إذا كان العوام قد رفضوها هم والخواص، ورسول الله ﷺ هو من هو أرجح الناس عقلاً وأعظمهم احترامًا في محيطه، ومحيط من عرفه أو خالطه، كما ذكرنا شيئًا من أوصافه التي وصفه بها أهل الجاهلية، ووسمته بها سيرته في الكتب السابقة (السماوية).

стр. 265

نسارع خطى البحث لنعود إلى ذكر الوحي في القرآن الكريم على المنهج الذي اخترناه لهذا البحث. ونلاحظ الآية الأولى في هذا المعلم وقد قدمناها لكونها تجمع الأنبياء جميعًا الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم والذين لم يرد ذكرهم وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٤]، وقد أضفنا إليها الآية التالية لها لتعلقها بها. ففي هذا التنزيل القرآني نرى الآتي: أولاً: أن وحي الله تعالى للنبي ﷺ إنما هو كوحيه لجميع الأنبياء، أي إنه وحي من الله إلى موحى إليه من البشر منفصل تمام الانفصال عن الموحَى إليه، فهو ليس من ذاته بل من الله جل وعلا. (١) ثانيًا: أن وحي النبي لا يفترق عن وحي الأنبياء من قبله، فأصول هذه الرسالات واحدة من الله تعالى، وإن اختلفت في أمور تتفق وبعثة الأنبياء وأزمانهم رعاية من الله ورحمة بالناس. ثالثًا: أن وحي النبي ﷺ ليس حالة نفسية أو حالة من حالات الوعي واللاوعي وغير ذلك، إذ لم ينسب لنبي من قبل مثل هذا البهتان فمن باب الأولى فالرسالة الخاتمة الشاملة الخالدة الأعظم لا يكون مبلغها إلا على أفضل كمالات الأنبياء من قبله. رابعًا: أن الأنبياء الأقرب من الرسول برسالاتهم كموسى وعيسى ﵉ لم

стр. 266

يعلم أو ينقل عنهم مثل ذلك اللبيدو الذي يدعيه "وات" في القرن العشرين، وقد بينت الآية أن الرسول ﷺ قد أوحي إليه كما أوحي إليهما أيضًا فما الفارق إذن؟ خامسًا: أن الله تعالى لم يمن على رسوله بالوحي، وأنه أرسل إليه رسولاً وأنه اصطفاه لذلك إلا لأنه أوحى له بذلك حقًا، وأنه سبحانه ما يقول هذا القول إذا كان هذا الوحي المعظم النازل إليه إنما هو من نفسه ﷺ يستدعيه بالوعي واللاوعي كيف يليق ذلك بالله تعالى مع أنبيائه؟! ونسرد فقط عددًا من الآيات تدل على المطلوب، فعلى سبيل المثال يقول المولى سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤] وسنعود إلى هذه الآية بالذات في قصة الغرانيق إن شاء الله تعالى، وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأحقاف: ٩] وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٨] (١) وهي آيات مكية يخاطب بها أهل مكة، وأنه لا يتبع إلا الوحي، وأنه منذر مبلغ للعالمين ليس له من أمر الوحي شيء، ولا من أمر نفسه ولا غيره شيء. ونبدا بذكر ما نزل من الوحى في أول البعثة نبين به سيرة النبي ﷺ في دعوته وأهداف الدعوة من أول أيامها، والسيرة التى ينبغى أن يسلكها الرسول ﷺ ليصل أو ليحقق تلك الاهداف بما ينير الطريق لاتباعهم لالتزام تلك السيرة في دينهم، وكان أول ما نزل قوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.

стр. 267

وبالنظر في تلك الآيات وتحليلها نلاحظ: أن هذا أول ما أوحي به من القرآن إلى رسول الله ﷺ لِما ثبت عن عائشة عن النبي ﷺ مما سيأتي قريباً. وافتتاح السورة بكلمة ﴿اقْرَأْ﴾ إيذان بأن رسول الله ﷺ سيكون قارئاً، أي تالياً كتاباً بعد أن لم يكن قد تلا كتاباً قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨]، أي من قبل نزول القرآن، ولهذا قال النبي ﷺ لجبريل حين قال له اقرأ: " ما أنا بقارىء ". وفي هذا الافتتاح براعة استهلال للقرآن. وفي حديث «الصحيحين» عن عائشة ﵂ (١) قولها فيه: «حتى جاءه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال: اقرأ. قال: فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجَهْد ثم أرْسَلَني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطّني الثانيةَ حتى بلغ مني الجَهد ثم أرسلني فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارىء فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجَهد، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ إلى ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾. وقوله ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فيه تعريض بتحميق المشركين الذين ضلوا عن توحيد الله تعالى مع أن دليل الوحدانية قائم في أنفسهم. وفي قوله: ﴿مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ إشارة إلى ما ينطوي في أصل خَلْق الإِنسان من بديع الأطوار والصفات التي جعلته سلطانَ هذا العالم الأرضي.

стр. 268

فإذا نظرتَ إلى الآية مستقلة عما تضمنه حديث عائشة في وصف سبب نزولها كان الاستئناف ناشئاً عن سؤال يجيش في خاطر الرسول ﷺ أن يقول: كيف أقرأ وأنا لا أحسن القراءة والكتابة، فأجيب بأن الذي علم القراءة بواسطة القلم، أي بواسطة الكتابة يعلمك ما لم تعلم. وإذا قرنت بين الآية وبين الحديث المذكور كان الاستئناف جواباً عن قوله لجبريل: «ما أنا بقارىء» فالمعنى: لا عجب في أن تقرأ وإن لم تكن من قبل عالماً بالقراءة إذ العلم بالقراءة يحصل بوسائل أخرى مثل الإِملاء والتلقين والإِلهام وقد علم الله آدم الأسماء ولم يكن آدم قارئاً. ووصف ﴿الْأَكْرَمُ﴾ مصوغ للدلالة على قوة الاتصاف بالكرم وليس مصوغاً للمفاضلة فهو مسلوب المفاضلة. والكرم: التفضل بعطاء ما ينفع المعطَى، ونعم الله عظيمة لا تُحصى ابتداء من نعمة الإِيجاد، وكيفية الخلق، والإِمداد وتخصيص الكرم بربك هنا للدلالة على النعم الخاصة بالنبي ﷺ علاوة على ما سبق من مثل النبوة والرسالة ولبلاغ العلم مع الاصطفاء والتشريف بإضافة الرب إلى كاف المخاطب وهو النبي ﷺ . جمعت هذه الآيات الخمسُ من أول السورة أصول الصفات الإلهية فوَصفُ الرب يتضمن الوجود والوحدانية، ووصف ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ ووصف ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ يقتضيان صفات الأفعال، مع ما فيه من الاستدلال القريب على ثبوت ما أشير إليه من الصفات بما تقتضيه الموصولية من الإِيماء إلى وجه بناء الخبر الذي يذكر معها. ووصف ﴿الْأَكْرَمُ﴾ يتضمن صفات الكمال والتنزيه عن النقائص وفيه إفحام للمشركين من أول آية على ان آلهتهم ليست من تلك الصفات في شئ فلا يستحق التوحيد والعبادة إذن إلا الله

стр. 269

وحده وهو أساس الدعوة وهدفها من أول آية، مع ما في قوله باسم ربك أنت أي الواحد الموصوف بصفات الكمال المنزه عن صفات النقص لا أي رب آخر يدعوه المشركون أو غيرهم. وجملة: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ خبر عن قوله: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ وما بينهما اعتراض. وتعريف ﴿الْإِنْسَانَ﴾ يجوز أن يكون تعريف الجنس فيكون ارتقاء في الإِعلام بما قدره الله تعالى من تعليم الإِنسان بتعميم التعليم بعد تخصيص التعليم بالقلم. وفي ذلك طمأنة لنفس النبي ﷺ بأن عدم معرفته الكتابة لا يحول دون قراءته لأن الله علّم الإنسان ما لم يعلم، فالذي علّم القراءة لأصحاب المعرفة بالكتابة قادر على أن يعلمك القراءة دون سبق معرفة بالكتابة. وأشعر قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ أن العلم مسبوق بالجهل فكل علم يحصل فهو علم ما لم يكن يُعلَم من قبل، أي فلا يُؤْيِسَنَّك من أن تصير عالماً بالقرآن والشريعة أنك لا تعرف قراءة ما يكتب بالقلم. وفي الآية إشارة إلى الاهتمام بعلم الكتابة وبأن الله يريد أن يُكتَب للنبى ﷺ ما ينزل عليه من القرآن فمن أجل ذلك اتخذ النبي ﷺ كتاباً للوحي من مبدأ بعثته. وفي الاقتصار على أمر الرسول ﷺ بالقراءة ثم إخباره بأن الله علّم الإنسان بالقلم إيماء إلى استمرار صفة الأمية للنبى ﷺ لأنّها وصف مكمِّل لإعجاز القرآن قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت: ٤٨]. وهذه آخر الخمس الآيات التي هي أول ما أنزل على النبي ﷺ في غار حراء.

стр. 270

وبناء على ما سبق كان معنى الآيات، أن الله سينزل على نبيه مايتلوه على الدنيا، وأن الذى سيتلوه هو دعوتهم إلى ربه، وترك غيره لأنه الواحد الأحد الذى له الخلق والأمر، ومتصف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص، وأن له الرجعى والقيامة اليه، فهو إذا الإله الذى يجب أن يفرده المرء بالعبادة والسجود له والتقرب إليه (واسجد واقترب). ومن ثم ردت الآيات على "وات" في الدعوة وبواعثها وأركانها لا كما يدعى وردت عليه في كونها وحى من الله إذ لا يتصور ولا يمكن أن يكون اللبيدو أو الوعى الخلاق كما يزعم مصدرا للوحى فيما سيكون إذ هو عنده تخزين فقط لما كان يستدعيه بالوعى أو اللاوعى، ثم إن قوله اقرأ لم تكن من اللاوعى لأنه لم يسمع من حكاها أونقلت له من قبل إذ هي مفاجأة بما لم يحتمله واقعا. ونعود إلى"وات" لنذكر رأية في موضوع النبوة ونبين الرد عليه. - إن "وات" يرجع أمر النبوة إلى التخيل الخلاق (١)، بمعنى إنها إبداع من عقلية النبي ﷺ ، وليست اصطفاء من الله لسيدنا محمد ﷺ لأداء رسالته، ولذلك استبعد رؤية جبريل ﵇ من الناحية التاريخية (٢). وننقل شيئًا من كلام "وات" بنصه فيما يخص ما نحن فيه يقول: "لقد تملكت محمدًا منذ وقت مبكر أن الكلمات التي تصل إليه هي وحي من الله مهما كانت الصورة الدقيقة لتجربته الأولى في تلقي الوحي، وقد ظهر الإيمان بذلك منذ البداية في دعوته العامة"، ويقول "على المؤرخ أن يعترف بصدق محمد المطلق في اعتقاده بأن الوحي كان يأتيه من الخارج يمكن أن يكون قبل الوحي قد سمع من بعض الأشخاص قسمًا من القصص التي

стр. 271

يذكرها القرآن، وعندئذ يترك المؤرخ الموضوع للمتكلمين (١)، ليقوموا بنوع من التوفيق"، ويمعن في إظهار اعتقاده فيهذي قائلاً: "فالقول بأن محمدًا كان صادقًا لا يعني أن القرآن وحي حق، وأنه من صنع الله، إذ يمكن أن نعتقد بدون تناقض أن محمدًا كان مقتنعًا بالوحي ينزل عليه من الله وأن نؤمن في نفس الوقت بأنه كان مخطئًا" (٢). ويخدع قارئه الواثق فيه، أو الساذج بقوله بعد ذلك بأن: "مصدر الوحي المحمدي هو اللاوعي الجماعي، الذي هو مصدر كل وحي ديني سواء كان الإسلام أو النصرانية أو اليهودية" (٣). ولما كانت هذه الدراسة تعتمد على القرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة دراسة نصية مقارنة ونقدًا، فإننا نرد على "وات" وغيره من هذا المنحى غير المسبوق فيما نعلم، حيث يتبين به سوء الفهم، وسوء القصد، وضعف العلم، وتغيير الحقائق بنية مسبقة تضع الأحكام وتفصل لها الوقائع لتأتي على وفق الاعتقاد السابق الذي يلوي به رقبة البحث في الاتجاه الذي يريده له، ضاربًا عرض الحائط بكل ما له صلة بالبحث العلمي، خاصة فيما يتعلق بالإسلام ونبيه ﷺ وهذه المسألة جعلناها مثلاً يحتذى، لذلك نزيدها توضيحًا وتدليلاً كلما مر معنا من كتابات "وات" ما يتعلق بها من جديد الإفك، وسيء القصد. كان ينبغي أن نبدأ بها مع أول قضية، وكل قضية سطرناها من قبل، ولكن آثرنا وضعها هنا؛ لإدخال "وات" لها في إنكار النبوة، وهو يشير إلى تلك القضايا التي سودها في هذا الموضع. ونبدأ بنقد كلام "وات" ..

стр. 272

وسوف نبري قلم النقد بمبراة التهذيب بريًا عظيمًا، مع شدة الاستفزاز التي وصلت إلى أسوأ دركاتها، بما ليس في طاقة الحليم أن يتحمله أو أن يمسك نفسه ويتمالك أعصابه حتى يرد عليه. - نبدأ بهذا الاعتقاد المضحك، الذي يدل على الاستخفاف بالعقل وعدم احترامه، وإظهار ذلك في ثوب الحياد، في محاولة مكشوفة لكي يقبل العقل التناقض، ويسلم به، يقول "وات": "على المؤرخ أن يعترف بصدق محمد المطلق في اعتقاده بأن الوحي كان يأتيه من الخارج" ثم يهدم ذلك بأمرين. الأول: يستكمل به هذا الكلام قائلاً: "يمكن أن يكون قبل الوحي قد سمع من بعض الأشخاص قسمًا من القصص التي يذكرها القرآن" (١). الثاني: "أن مصدر الوحي المحمدي هو اللاوعي الجماعي، الذي هو مصدر كل وحي ديني سواء كان الإسلام أو النصرانية أو اليهودية" (٢) ولا أظن أن هذا التهافت يحتاج إلى بيان من وجوه نصوصه هو وهاك الرد. الأول: أن محمدًا ﷺ صادق صدقًا مطلقًا بأن الوحي يأتيه من الخارج وفي نفس السطر ينقلب على عقله، ليقول يمكن أن يكون قد سمع من بعض الأشخاص قسمًا من القصص التي يذكرها القرآن قبل الوحي. وهذا كاف في الرد، ولكن نفصل شيئًا في كلام "وات" فنقول: إذا كان الرسول ﷺ صادقًا في أن الوحي يأتيه من الخارج، فممن كان يأتيه الوحي الذي يسمعه ويبلغه بعد ذلك، لم تطاوع "وات" نفسه في أن يعترف بالحق إنصافًا للعلم، بل غالط نفسه وعقله

стр. 273

وعقل القارئ والسامع فقال إن قسمًا من هذا القصص يمكن أن يكون سمعه قبل الوحي، نحن مسلمون بهذا ولكن كيف يتفق ذلك مع قولك بصدق النبي ﷺ في أن الوحي يأتيه من الخارج، ترى يأتيه من الداخل قسم قد خزنه في اللاوعي، ثم عند ادعاء الوحي يأتيه من الخارج من يستدعي هذا القسم من الداخل ليحدثه به على أنه من الخارج هذا كلام "وات"، فأي عقل هذا وأي علم ذلك، هل يدخل في عقل طفل صغير هذه الأغلوطات. الثاني: قوله إن قسمًا من هذه القصص سمعه قبل الوحي، سلمنا ولكن من الذي أوثر عنه أثرًا صحيحًا في أنه كان يحكي قصصًا سمع النبي ﷺ قسمًا منه ثم استدعاه بما يسميه "وات" اللاوعي الجماعي ليدعي وهو الصادق أن ذلك وحي من الخارج، ولم يكذبه صاحب القصص. الثالث: هذا القسم من القصص الذي سمعه ﷺ ما هو تحديدًا أو تقريبًا. الرابع: بقية الوحي "القرآن الكريم" مما لا قصص فيه من أين جاء به وهو صادق صدقًا مطلقًا في أن الوحي يأتيه من الخارج كالتوحيد والنبوات والأحكام والعبادات والأخلاق والسلوك. الخامس: ترى من كان يقص هذا القصص ألم يكن الأعقل أن ينسبه لنفسه بدلاً من ادعاء غيره تملكه، ما دام أنه كان يمكن أن يكون وحيًا. السادس: هذه البناء القرآني الضخم الذي نزل منجمًا على ثلاث وعشرين سنة، اختزل في قسم من القصص يحتمل سماعها قبل الوحي، في كل مرة يتنزل القرآن الكريم ليعلق على حادثة وقعت يتحرك اللبيدو ليصنع الأحداث التي وقعت، بأشخاصها ومواقعها، وتصرفاتها، ثم يخزن الأحداث ثم يأتي يستخرجها من اللاوعي إلى الوعي. هذا ليس لبيدو إذن بل هو الله تعالى، لأن موقعة بدر مثلاً قد جرت بترتيب الله تعالى، وفي مكان معين،

стр. 274

وبين أشخاص معلومين، وانتهت إلى نتيجة محسوسة، وعاقبة واضحة، ونزل القرآن الكريم ساعتها ليعلق التعليق الإلهي عليها، وكان اللاوعي من الرسول ﷺ لا شك فارغًا عما يحدث، فضلاً عما سيكون، أين سمع ﷺ قصة بدر، ثم خزنها جعلها في داخله ثم أذاعها وحيًا خارجيًا عندما جاء وقتها. هل كانت من قصص الأقدمين من اليهود والنصارى وغيرهم، وسمعها من القصاص، ثم ذكرها وحيًا ونترك لصاحب العقل التعليق! - ويبدو أن "وات" علم أن كلامه لا يخفى على أحد تناقضه، فبادر مخالفًا كل القواعد العلمية والبحثية بقطع الطريق على مناقشة بأن كلامه متناقض وهو ما يسميه أهل العلم المصادرة على المطلوب، وكأنه يقول ستقول هذا تناقض، فيقول لا: إذ يمكن أن نعتقد بدون تناقض أن التناقض ليس بتناقض! هذا هو البحث العلمي. أما قوله بنصه وقد أشرنا إليه من قبل: "فالقول بأن محمدًا كان صادقًا لا يعني أن القرآن وحي حق، وأنه من صنع الله، إذ يمكن أن نعتقد بدون تناقض أن محمدًا كان مقتنعًا بالوحي ينزل عليه من الله، وأن نؤمن في نفس الوقت بأنه كان مخطئًا". (١) ولإظهار التناقض الذي لا مفر منه مهما حاول "وات" أن يرده في صدره بكلتا يديه لا بعقله لثقله الجاثم على ذهنه، فلا يدعه يسلم بالعلم والإنصاف نقول: قلت: "على المؤرخ أن يعترف بصدق محمد المطلق في اعتقاده بأن الوحي كان يأتيه من الخارج". (٢) فهل هنا تناقض أكثر من ذلك أن نقول إنه صادق، ولا تناقض في اعتقاد أنه كان مخطئًا، سلمنا جدلاً لأننا لو عكسنا الفرض فقلنا أن محمدًا حاشا له ﷺ كان كاذبًا كانت

стр. 275

النتيجة هي هي نفس نتيجة أنه صادق فاستوى أن يكون صادقًا أم كاذبًا في أنه كان مخطئًا في اعتقاد الوحي، فهل هناك تناقض أعظم من أن يستوي الكاذب والصادق، أو الصدق والكذب. ولعل "وات" أدرك هذه النتيجة فسارع كاذبًا مضللاً بنفي التناقض قبل أن يكتشفه العقل الضعيف لأي طالب. وتمويهًا على بعض قرائه من المسيحيين في الغرب، وضعفاء العقل من المسلمين بادر بإثارة الغبار على الأديان الثلاثة حتى لا يتهم بالانحياز للمسيحية أواليهودية وأن مصدرها جميعًا واحد، ولكنه ليس الوحي، فقال ما يسلي المرء ضاحكًا في هذا الهم حيث يقول: "مصدر الوحي المحمدي هو اللاوعي الجماعي (١)، الذي هو مصدر كل وحي ديني سواء كان الإسلام أو النصرانية أو اليهودية" (٢)، ولا نملك إلا الضحك الباكي على هذا الكذب، حيث لم يكن ذكورًا لما كتب فيما سبق إذ ما الذي جعلك تنقد الإسلام ونبيه بكل ما لا يجوز النقد به ثم تكون مسيحيًا موحدًا، مع أن مصدر وحيهما واحد هو اللاوعي كما تزعم، أما أن اللاوعي اليهودي والمسيحي أفضل من اللاوعي الإسلامي، أما إن اللاوعي اليهودي والمسيحي - وهو لاوعي - مصدره إلهي تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

стр. 276

بل إن "وات" يزيد على ذلك محاربة للإسلام ونبيه، بدعوة المسيحيين لاتخاذ موقف ديني من محمد، ويذكر أنه يضع بين أيدي المسيحيين المادة التاريخية التي يجب اعتبارها في تحديد الحكم الديني. (١) ترى "وات" منصفًا إذن وهو يضع بين يدي بني جلدته أسوأ مادة علمية كما يدعي عن الإسلام وأهله، بحسن قصد ليسلموا، ويعلنوا دخولهم في دين محمد ﷺ أم أنه يضع بين أيديهم ما يُسَوِّؤ صورة الإسلام ورسوله أمام أعينهم، وفي فكرهم واعتقادهم، تراه يوضح لهم سبيل أن يكونوا مسلمين، أم أن يتحصنوا ضد الإسلام، ويحول بينهم وبين انضمامهم إليه، ترى هل أسلم واحد فقط بعد قراءة كتب "وات"؟ دعك من "وات" نفسه أو أن المستشرقين والمستغربين يتخذون كتب "وات" المعتمد المعتبر في نقد الإسلام ونبيه، والحجة الدامغة للاوعي الذي يُغَيِّبُ به "وات" عقولهم عن فهم الإسلام على ما كان عليه. هل يقول "وات" ويعتقد إذن كلامًا يتفق مع المنطق والعقل، أو مع الحال والواقع، أم إنه يقول ذلك ذرًا للرماد في العيون باتفاق الديانات الثلاث بكون اللاوعي مصدر وحيها. ونأتي لقضية من قضايا "وات" التي نفى بها نبوة النبي ﷺ ، وهي استبعاده تاريخيًا لرؤية جبريل، وقد ألقى بهذه القضية إلقاء من يظن به البحث المجرد الخالي من أي اعتبارات أخرى، والذي يفترض في صاحبه البساطة وحسن النية، بحيث لا يتطرق للسامع والقارئ شك في صاحبه كأنه إلقاء للقول على عواهنه ولكن للأسف الشديد هو كلام مقصود الهدف منه، بادي الترتيب، يعلم من يخاطب، وبما يخاطب، وما الذي يؤدي إليه خطابه، إنه بهذه الجملة القصيرة يهدم في اعتقاد من أمامه نبوة الرسول ﷺ "لا يمكن أن تكون تاريخية" وبسهولة يقول القائل: لقد قال "وات" إن رؤية جبريل التي تزعمون لا

стр. 277

يمكن أن تكون تاريخية، انتهت النبوة، أي بحث هذا؟ أي مكر ودهاء هذا؟ ونقلب عليه كلامه أي لاوعي هذا الذي يبثه، ينسف به من صدور المسيحيين أمثاله نبوة الرسول ﷺ ويزعزع على أقل تقدير إيمان المسلمين الواثقين في علمه أو بحثه. ومنهج "وات" كما سنشير إلى عناصره في حينها، أحد أركانه هذا الركن السيئ، وهو التفسير المادي للتاريخ وليته للأسف طبقه كما قرره هو بنفسه، بل طبقه بركن آخر أشد سوءًا وهو المنهج الانتقائي خاصة فيما يتعلق بالإسلام ونبيه ﷺ . وسنترك قضيته توضح ذلك مثالاً له، ودليلاً عليه، اختصارًا، وبدلاً من ضرب أمثلة أخرى، وهي قوله "لا يمكن أن تثبت تاريخيًا" رؤية النبي ﷺ لجبريل ﵇ (١)، والرد أن هذه قضية دينية لا يمكن أن ترد إلى التاريخ والتفسير المادي البحت فقط إذ يدخل فيها التفسير الديني لتلك الظواهر، لأن الحديث ليس عن التاريخ والنظرة المادية خاصة وأن التفسير المادي وحده ليس كافياً في توضيح ما لا علاقة له به من الأخلاق والقيم وما وراء المادة، فكيف يصلح المنهج المادي لتفسير ما وراء المادي، وما لا يتعلق بالمادة فهذا لا عقل فيه ولا واقع، إذ وجدت أمور وقف العقل والمادة عاجزين عن تفسيرها، وإن لتغير الزمان عاملاً مهمًا في تغير الموازين المادية، فما كان لا يمكن أن يكون، صار ممكنًا، ينتظر أن يتغير هو الآخر، فكيف تحاكم ظواهر تلك السنين الدينية لمتغيرات في السنين الآنية، لقد أوشك إن لم يكن قد هدم التفسير المادي من كثرة ما وجه إليه من انتقادات، فما بال هؤلاء المستشرقين متمسكين به، مستخفين وراءه، وهم يعلمون تهافته وسقوطه، إن ذلك لكيد الإسلام وهدمه. وأما قوله لا يمكن تاريخيًا وغيره من هذه الألفاظ فتلك عادة "وات" في تضخيم

стр. 278

ألفاظه التي تحط من الإسلام، وتعظم الضلال في صدور أتباعه حتى يقول قائلهم لا يمكن أن يرى محمد هذا جبريل، ويتبع ذلك سيل من الشتائم للرسول الكريم ﷺ ودينه بالكذب والهوس وكذا، وكذا .. ممالسنا في صدد تسويد الرسالة به. والرد على التفسير التاريخي والمادي أسهل من كتابته، لأنه كما ذكرنا انتقائي، ف"وات" نفسه هو الذي جعل اللاوعي المسيحي إلهي، واللاوعي الإسلامي إنساني بدون أي دليل؛ لأن الإنسان واحد، "وات" هو نفسه ذلك الشخص الذي جعل رؤية جبريل تاريخيًا غير ممكنة، ورؤية روح القدس وهو جبريل من السيد المسيح ﵇ ثابتة يؤمن بها ويؤيدها، مع أن التاريخ واحد ينبغي أن يرد الاثنين لأنه تاريخ أو يقبل الاثنين، فأي تناقض أعظم من هذا؟ وأي استغفال واستخفاف بالعقل يمكن أن يكون مثل هذا؟ ثم يا سيد "وات" إن رؤية جبريل يمكن أن تكون قد حدثت، ويمكن ألا تكون قد حدثت فما الذي رجح عندك عدم الوقوع، ما الدليل؟ أي دليل كان يؤيد احتمالية عدم الوقوع، فضلاً عن عدم الإمكانية التي تدعي القطع بها، قاطعًا طريق النقاش فيها كأنك حزت الحق الذي لا مرية فيه، والذي يجب أن يقبله الكون كافة؟ وعلى أية حال فإن نقد هذا الكلام ورده وتفنيده وإلقائه في المكان الذي يستحق موجود في كلام "وات" نفسه، ولكن لأنه متناقض، يدافع عن تناقضه فكأنه نسي ما كتبت يداه. حيث يقول: "على المؤرخ أن يعترف بصدق محمد المطلق بأن الوحي كان يأتيه من الخارج ... ". وكرر في أكثر من موضع صدق محمد وإخلاصه، وإن عاد على كلام نفسه بالنقض والتكذيب أي لنفسه.

стр. 279

ونقول له قد آمنا بصدق محمد كما أمرتنا، بغض النظر عن إيمانك أنت فكان صدقه إذاً المُقَرّ به مرجحًا قويًا لإثبات رؤية جبريل، لأنه لا يمكن أن نقول له أنت صادق ثم نقول له أنت كاذب، هذا ليس علمًا ولا بحثًا ولا شيئًا إنما هو للهزل وتضييع الوقت والاستخفاف والحمق أقرب، ومثل ذلك لا ينبغي للعاقل أن يخاطبه فضلاً عن أن يباحثه ويناقشه الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق. الرد التالي: وهو الرد التاريخي على "وات" كما نسميه نحن، وهو من وجهين: الوجه الأول: القرآن الكريم فقد أثبت الوحي برؤية جبريل، والقرآن قاطع بالنسبة إلى الرسول ﷺ ، وقد قال في الرؤية: ﴿وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤)﴾ [النجم: ١٣] وقد وقف "وات" عند سورة النجم، وقصة الغرانيق وقفة طويلة يبدي ويعيد، ووقفتنا معه إن شاء الله في حينها. الوجه الثاني: وهو الروايات الصحيحة المتواترة في رؤية جبريل ﵇ من يوم أن نزل عليه ﷺ بالرسالة، إلى أن انتقل إلى الله تعالى، وهذا التواتر يفيد العلم اليقيني الذي لا مدفع له، ولا يمكن رده باعتراف الموافق والمخالف، ليس كعدم الإمكانية التي لا تستند إلى أي برهان عند "وات" (١)، وبعد ذلك يتضح من هذه الردود السريعة المختصرة شيء من موقف "وات" في كتابته عن الإسلام ونبيه، وتتجلى كذلك منهجيته التي تتسم بالعلم إلا فيما يتعلق بالرسول ودينه حيث يمحي تمامًا كل ما له صلة بالبحث العلمي وقواعده، وينقلب "وات" شيئًا آخر لا يمت للعقل بأدنى علاقة ليس ذلك مبالغة، إن الكاتب المنصف ليرى في كل صفحة كتبها عن الإسلام ما يحتاج إلى نقد، حيث يفغر المرء فاه متعجبًا أهذا "وات"، أهذا عقل، أهذا علم، إنه كم عجيب من الركام.

стр. 280

المبحث الرابع مراتب الدعوة جاء هذا الوحى ليكون أساساً للرسالة من الله تعالى، وبالتالى كان مرشداً للنبى ﷺ بمراحل دعوته، وهي المراحل التى ينبغى ذكرها لنعلم الأطوار التى مرت بها الدعوة، وكذلك شمول وعالمية هذه الدعوة، مما يؤكد ارتباطها الوثيق بالسماء، وبالوحى الإلهى للنبى المختار لها ﷺ ، وأن الرسول ﷺ لم يكن له في أمر ترتيبها شئ. يقول الإمام ابن القيم (١) ملخصاً: فللدعوة خمس مراتب: الأولى: النبوة. الثانية: إنذار عشيرته الأقربين. الثالثة: إنذار قومه. الرابعة: إنذار قوم ما أتاهم من نذير من قبله، وهم العرب قاطبة. الخامسة: إنذار جميع من بلغته دعوته من الجن والإنس إلى آخر الدهر.

стр. 281

مراحل الدعوة خلال حياة الرسول ﷺ : ذكر الدكتور البوطى (١) - وتبعه جمع من كُتَّابِ السيرة اعتماداً على فهمهم لكلام ابن اسحاق (٢) - أن مراحل الدعوة في حياة النبي ﷺ أربع مراحل: المرحلة الأولى: الدعوة سرا واستمرت ثلاث سنين. المرحلة الثانية: الدعوة جهرا، والكف عن القتال. واستمرت إلى الهجرة. المرحلة الثالثة: الدعوة جهرا مع قتال المبتدئين بالقتال واستمرت إلى صلح الحديبية. المرحلة الرابعة: الدعوة جهرا، مع قتال من يقف في سبيل سير الدعوة) (٣) (. ولابد من وقفة مع الدعوة قبل النظر في تلك المراحل، فيما تدعو إليه، ووسائلها، وما ينبغى أن يتسلح به الدعاة إلى الله تعالى ليحققوا دعوتهم وينجحوا فيها، وذلك ما أدته الآيات الأولى النازلة من الله تعالى إلى رسوله ﷺ في سورة المزمل والمدثر وغيرهما مما نشير إليه لأنه منهج هذه الدراسة. ونشير في هذا السياق إلى سورتى المزمل والمدثر، فإن قلنا بقول جمهور المفسرين إن المزمل نزلت قبل المدثر، فيكون فيها الأمر بالتهيؤ وإعداد النفس لتحمل أعباء الرساله حيث بينت وسائل ذلك وطرقه، ونبدأ بما بدأت به السورة حيث يقول المولى سبحانه:

стр. 282

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾. وننظر في تحليل هذه الآيات وأول ما يصادفنا نداء النبي بـ ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾ نداء تلطف وترفق ومثله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١]. وهذا التزمل الذي أشارت إليه الآية قال الزهري وجمهور المفسرين: إنه التزمل الذي جرى في قول النبي ﷺ «زَمِّلُوني زَمِّلُوني» حين نزل من غار حراء بعد أن نزل عليه. ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الآيات كما في حديث عروة عن عائشة في كتاب بدء الوحي من «صحيح البخاري» وإن لم يذكر في ذلك الحديث نزول هذه السورة حينئذٍ، وعليه فهو حقيقة. ومحملها على أن التزمُّل حقيقة، وقال عكرمة (١): معناه زُمِّلْتَ هذا الأمر فقم به، يريد أمر النبوءة فيكون قوله: ﴿اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢)﴾ مع قوله: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ [المزمل: ٧] تحريضاً على استفراغ جهده في القيام بأمر التبليغ في جميع الأزمان من ليل ونهار إلاّ قليلاً من الليل وهو ما يضطر إليه من الهجوع فيه. ومحمل التزمل عنده على المجاز. فإذا كانت سورة المزمل قد أنزلت قبل سورة المدثر كان ذلك دالاً على أن الله تعالى بعد أن ابتدأ رسوله بالوحي بصدر سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق: ١] ثم أنزل عليه سورة القلم لدحض مقالة المشركين فيه التي دبرها الوليد بن المغيرة (٢)، أن يقولوا: إنه ساحر.

стр. 283

أنزل عليه التلطف به على تزمله بثيابه لما اعتراه من الحزن من قول المشركين فأمره الله بأن يدفع ذلك عنه بقيام الليل، ثم فتر الوحي فلما رأى المَلَكَ الذي أرسل إليه بحراء تدثر من شدة وقع تلك الرؤية فأنزل عليه ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾. فنداء النبي بوصف المزمل باعتبار حالته وقت ندائه وَليس المزمل معدوداً من أسماء النبي ﷺ قال السهيلي: ولم يعرف به وذهب بعض الناس إلى عدّه من أسمائه. ﴿وَاللَّيْلِ﴾: زمن الظلمة من بعد العشاء إلى الفجر. وأمْر الرسول بقيام الليل أمْر إيجاب وهو خاص به لأن الخطاب موجه إليه وحده مثل السور التي سبقت نزولَ هذه السورة، وأما قيام الليل للمسلمين فهم اقتدوا فيه بالرسول ﷺ كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠] الآيات ولعل حكمة هذا القيام الذي فرض على الرسول ﷺ في صدر رسالته هو أن تزداد به سريرته زكاء يقوي استعداده لتلقي الوحي حتى لا يحرجه الوحي (١) كما ضغطه عند نزوله كما ورد في حديث البخاري: «فغطني حتى بلغ مني الجَهد» ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الحديث، ويدل لهذه الحكمة قوله تعالى عقبه: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥]. وقد كان النبي ﷺ يتحنث في غار حراء قبيل بعثته بإلهام من الله تعالى، فالذي ألهمه ذلك قبل أن يوحي إليه يجدر بأن يأمره به بعد أن أوحى إليه فلا يبقى فترة من الزمن غير متعبد لعبادة، وهو قوله: ﴿إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾. وقد استمر وجوب قيام الليل على رسول ﷺ بعد فرض الصلوات الخمس تعظيماً

стр. 284

لشأنه بكثرة الإِقبال على مناجاة ربه في وقت فراغه من تبليغ الوحي وتدبير شؤون المسلمين وهو وقت الليل فكان هذا حكماً خاصاً بالنبي ﷺ وقد ذكره الفقهاء في باب خصائص النبي ﷺ ولم يكن واجباً على غيره ولم تفرض على المسلمين صلاة قبل الصلوات الخمس (١). وقال ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ وهو عود إلى الترغيب في أن تكون مدة القيام أكثر من نصف الليل ولذلك لم يقيد ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ بمثل ما قيد به ﴿أَوِ انْقُصْ مِنْهُ﴾ لتكون الزيادة على النصف متسعة، وقد ورد في الحديث أن النبي ﷺ أخذ بالعزيمة فقام حتى تورمت قدماه وقيل له في ذلك: «إن الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر» فقال: «أفَلا أكونُ عبداً شكوراً (٢)». والقول الثقيل هو القرآن وإلقاؤه عليه: إبلاغه له بطريق الوحي بواسطة الملَك. والثقل الموصوف به القول ثقل مجازي لا محالة، مستعار لصعوبة حفظه لاشتماله على معان ليست من معتاد ما يجول في مدارك قومه فيكون حفظ ذلك القول عسيراً على الرسول الأمّي تنوء الطاقة عن تلقّيه. وأشعر قوله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ أن ثقله متعلق ابتداء بالرسول ﷺ لقوله قبله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ﴾ وهو ثقل مجازي في جميع اعتباراته وهو ثقيل صعب تلقيه ممن أنزل عليه. قال ابن عباس: «كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي ثقل عليه وتربَّد له جِلده» (أي تغير بمثل القشعريرة) وقالت عائشة: «رَأَيْتُةُ ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليرفَضُّ عرقاً (٣)».

стр. 285

ويستعار ثقل القول لاشتماله على معان وافرة يحتاج العلم بها لدقة النظر وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه. وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإِحاطة به فكم غاصت فيه أفهام العلماء من فقهاء ومتكلمين وبلغاء ولغويين وحكماء فشابه الشيء الثقيل في أنه لا يقوى الواحد على الاستقلال بمعانيه. ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (٦)﴾ .. والمعنى: أن في قيام الليل تزكية وتصفية لسرّك وارتقاء بك إلى المراقي الملكية. والوِطاء: الوفاق والملاءمة، قال تعالى: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. والمعنى: أن صلاة الليل أوفق بالمصلي بين اللسان والقلب، أي بين النطق بالألفاظ وتفهم معانيها للهدوء الذي يحصل في الليل وانقطاع الشواغل وبحاصل هذا فسر مجاهد (١). والأقوم: الأفضل في التقوي الذي هو عدم الاعوجاح والالتواء واستعير ﴿وَأَقْوَمُ﴾ للأفضل الأنفع. فالمعنى: أن صلاة الليل أعون على تذكر القرآن والسلامة من نسيان بعض الآيات، وأعون على المزيد من التدبر (٢). ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (٧)﴾ .. يفيد تأكيداً للمحافظة على قيام الليل لأن النهار لا يغني غَناءه فيتحصل من المعنى: قم الليل لأن قيامه أشد وقعاً وأرسخ قولاً، لأن النهار زمن فيه شغل عظيم لا يترك لك خلوة بنفسك. وشغل النبي ﷺ في النهار بالدعوة إلى الله وإبلاغ القرآن وتعليم الدين
следующие страницы →